← Джавами‘

Джавами‘ · id 36540

مجلة لغة العرب العراقية

أنستاس الكرملي

Полный текст (6 158 стр.). Показаны 2871–2910 · переход к 2876.

стр. 2871

إرسال حملة عسكرية من ١٥٠ رجلاً إلى (القصبة) لإجبار الفلاحين على دفع الضريبة فأبى المظلومون فنشبت بين القبيلين معركة حامية دامية أسفرت - على ما يقال - عن وقوع ستين قتيلاً من رجال العشائر وهو عدد غير قليل. عند هذه النتيجة ثارت حفائظ العرب فأندلع لسان الثورة كالنار في الهشيم وامتدت إلى جميع أنحاء الولاية. فعزمت الآن الدولة الإيرانية على حصر هذه النار في محلها وخنقها بإرسال عدد من الجند أوفر من السابق يأتون من الأهواز وسوف نرى ما تكلفها هذه الزحفة من النفقات وزيادة الحفائظ في القلوب. ٨ - هجوم الأخوان على ضواحي الكويت في ٤ من ك١ سنة ١٩٢٧ هجمت قوة من الغزاة الأخوان وعددهم خمسمائة مقاتل على قرية بجوار (الجهرة) الواقعة في داخل حدود إمارة الكويت ويحتمل أن تكون هذه القوة قسماً من الحملة الكبيرة التي على رأسها الشيخ فيصل الدويش وقد وقعت معركة بين الغزاة والقرويين فنهب الأولون الآخرين أباعر وغنماً، ثم تقهقر الغزاة بسرعة نحو الجنوب. ٩ - عود سيمكو إلى النهب عاد سيمكو إلى السلب والنهب وهو اليوم على رأس عصابة أعضاؤها ثلاثون وديدنها النهب والسلب وقطع الطريق وإنزال الرعب في قلوب سكان منطقة (سيدكان) فأضطر أهالي خمس قرى من تلك الأرجاء إلى الفرار من قراهم فأستاقوا مواشيهم أمامهم وحملوا أثقالهم ولجئوا إلى مواطن أمينة. ويقال. أن الحكومة عرضت عليه أن يسكن هو وأشياعه في (هور) هناك إلاَّ أنه أبى ويخشى أن ينضم سيمكو إلى الشيخ أحمد برزان المغرم بالثورات فتزداد قوته ويتفاقم الشر بيد أن الحكومة ساهرة على مصالح رعاياها وهي تعرف كيف تؤدب أولئك البغاة ليخلدوا إلى الأمن والسكينة ويعلموا أن الأيام القديمة قد زالت وأصبح الخروج على الحكومة حديث خرافة!. ١٠ - إخلاء (أم الجمال) تقول برقية واردة من عمان في ٥ ك١ إن الفرنسيين أخلوا موطن أم الجمال الواقع عند ملتقى الحدود العراقية والسورية بحدود شرقي الأردن: وذلك أثر المفاوضات التي دارت بين سلطات شرقي الأردن وبين السلطات في القدس.

стр. 2872

١١ - بين الترك والكرد أرسلت الجمهورية التركية في شهر ك١ من السنة المنصرمة ثلاث طيارات مع قوة كبيرة كانت في ديار بكر للتنكيل بالأكراد التابعين للشيخ سعيد الكردي المشهور بفتكاته والساكنين في قضاءي (حيني) (والترك تفسد الكلمة فتقول هيني) و (ليجة) من ملحقات ديار بكر. فمثلت تلك القوة بأهالي القضاءين وقتلت من وجوههم وأماثلهم نحو اثني عشر ثم جالت في تلك القرى وقتلت زهاء ٣٠٠ من السكان، وقبضت على كثير منهم وأفرغت نحو ٨٠ قرية من سكانها وأحرقتها بعد أن سلبتها مواشيها وأرسلتها إلى ديار بكر فبيعت فيها. وفي تلك الأثناء هرب أخو الشيخ سعيد ومعه نحو ٢٠٠ رجل وقراب ٤٠ امرأة من عشائره. فلجئوا إلى أراضي سورية، وكانت الطيارات في أثرهم تتعقبهم وتقذف قنابلها عليهم. فقابلها الكرد الفارون بالرصاص فأنزلوا واحدة منها بقرب جبل (قره جواغ)؛ ولم تزل بقية الطيارات تتقفاهم حتى رأس العين فلاذوا حينئذ بحكومة سورية وأنقطع تأثر الترك لهم، إذ قبلت (دخالتهم) وأسكنتهم الحسكة ١٢ - نفوس قضاء الموصل بلغ عدد نفوس سكان مدينة الموصل بموجب الإحصاء الذي بدئ به في غرة ت١ إلى غاية ١٤ ك١ في سنة ١٩٢٧ (٧٨. ٣٩٧) ما عدا الأجانب والجند المرتزقة إذ لم يعمل تعدادهم ثم ذهب أعضاء لجنة الإحصاء إلى نواحي القضاء أي الشورة والشرقاط وقرقوش وحميدات وتلكيف للغاية نفسها. ١٣ - نفوس علي الغربي وقلعة صالح بلغ عدد نفوس قضاء علي الغربي

стр. 2873

٥٠٠٢ منها ٢٤٨٤ من الذكور و ٢٥٢٤ من الإناث وبلغ عدد نفوس قلعة صالح ٣٠٣٢ منها ١٤٤٨ من الذكور ١٥٨٤ من الإناث. ١٤ - إنشاء مخافر في بابا كركر لما انفجرت عين النفط في بابا كركر في ليلة ١٤ ت١ من سنة ١٩٢٧ انفجاراً شديداً هائلاً أقامت فيها حكومتنا خمسة مخافر على طول مجرى النفط الممتد إلى مسافة ١٧ ميلاً، وذلك لمنع الآهلين من الدنو من المنطقة المذكورة. وفي ليلة ٢٠ من الشهر المذكور أخليت قريتا (حسين آغا) و (قزليان) المجاورتان لها خشية وقوع ضرر يلحق بأصحابهما. وقد تقاطر العمال من كل جهة للقيام بالأعمال المهمة في سد البئر التي انفجرت فيها العين. ١٥ - الأمن في لواء بغداد بلغ عدد الجرائم الكبرى التي وقعت في جميع أنحاء لواء بغداد خلال شهر أيلول ١٩٢ وعدد الجرائم الصغرى ١٣٩٦ وفي شهر تشرين الأول ١٣٩ و١٢٢٤ وكل ذلك في سنة ١٩٢٧. ١٧ - كرى نهر المشرح كرت الحكومة نهر المشرح (في لواء العمارة) وسيكون له الأثر الحميد في الزراعة. ١٨ - ابن الرشيد في منفاه ومصيره وأيامه الأخيرة كتب أحد الأدباء في العدد ١٠٦٨ من العراق مقالاً هذا بعض ما فيه: كان الأمير محمد بن طلال من آل الرشيد سقط أسيراً في يد ابن السعود سنة (١٣٤٠هـ) (١٩٢١م) بعد احتلال (حائل) وتسفيره وأقاربه إلى (الرياض). ولما وصل إلى حاضرة نجد وضع في سجن هو قصر من قصور ابن السعود ووضع لحراسته ما يزيد على عشرين عبداً من عبيد صاحب نجد الذين يتكل عليهم في أهم شؤونه وأمرهم بأن لا يفارقوه قيد شعرة. وكانوا أمروا بأن يصحبوه حيثما يذهب حتى إلى بيت الخلاء لكي لا يتيسر له الهرب بأي وجه كان. وكان قد حظر عليه أن يجتمع بأهله إلاَّ مرة في الأربع والعشرين ساعة ويكون محاطاً بالحرس إحاطة السوار بالمعصم. وكان له غرفة خاصة به للنوم لا تسع أكثر من عشرة رجال. وكان ينام حوله فيها خمسة عشر عبدا من أولئك الصناديد العثاة وكان رأس أحدهم تحت رجل التالي أو فوقها، حتى إذا قام ليلاً لا يجد محلاً يضع فيه قدمه سوى

стр. 2874

عضو رجل مدجج بالسلاح. وإذا خرج الأمير محمد بن طلال إلى المسجد أو إلى السوق تفرق أولئك العبيد ذات اليمين وذات الشمال يراقبون الماشيين حتى إذا رأوا رجلاً يديم النظر إليه، أوجعوه ضرباً. وحظر عليه مسك السلاح حتى السكين ولا يؤذن له بركوب الخيل إلاَّ إذا عن لأبن السعود أن يركب أسراه من مشايخ العرب ويعدون بالمئات فيخرج بهم إلى الضاحية فيأمر الخيالة بالمسابقة والمطاردة أمامه ويلتفت إلى أحد الأسرى ويقول: كان فلان يوم كذا، يظن أنه يتمكن من مطاردتنا وها هو ذا اليوم ينقاد لأمر عبيدنا؟ وكان يرى محمد بن رشيد على فرس من أخس الخيل يحيط به عشرون خيالاً وعليهم أسلحتهم. كان الأمير محمد يفكر بالهرب ولم يجد وسيلة للفرار إلاَّ هذه الحيلة: أغتنم الأمير فرصة دخول خادمة عليه وبيدها الطعام حين دخوله على أهله فلبس ثيابها وخرج بها متحجباً كالمرأة. فما كاد يصل إلى خارج القصر حتى أدركه العبدان وأخذوه إلى ابن السعود بتلك الثياب. فلما سأله عن سبب خروجه بذلك الزي قال الأمير: لم أر عمتي فأحببت أن أذهب إليها بهذه الحالة لكي لا يشعر بي أحد أما أنت ففسر هذه الأمر كما تحب وتريد. ومنذ ذاك الحين أضمر له ابن السعود الانتقام، فكان يتطلب فرصة للفتك به، فأنتهز فرصة ما شاع من أمر المؤامرة على اغتياله لعزو هذا الغدر إليه. فأمر ابن السعود بقتله تخلصاً منه فقتل مع أن المتآمر على اغتيال صاحب الحجاز هو محمد أخو عبد العزيز، والذي أراد أن يقوم بتحقيق الفكرة هو ابنه خالد. وهكذا كان آخر أيام ابن الرشيد. وحينما علم ابن السعود بحقيقة الأمر أتلف قتلاً عشرين من عبيد محمد أخيه وحبس خالداً. وأما محمد نفسه فبرئت ساحته لأنه حلف بأنه لم يعلم بهذه المؤامرة ويقال: إن عدد المتهمين بها عدد جم من أعاظم رجال نجد وفي نيتهم أن يحققوها بالفعل مهما كلفهم الأمر من ركوب الصعاب. ١٩ - الودي في عشائر شمر سورية يروى أن الشيخ دهام الهادي والشيخ مشعل الفارس انتهيا من جباية الودي (ضريبة الآباعر) من عشائر شمر المحتلة ديار سورية فاستوفى الشيخ دهام ودي عشيرة (الخرصة) وجبى الشيخ مشعل الفارس ودي (الثابت) و (والفداعة) من عشيرة (سنجارة) مع ودي عشيرة (العمود).

стр. 2875

العدد ٥٥ سنتنا السادسة نعاني من الخسائر في إصدار هذه المجلة ما لا يمكن أن ينكر. ومع ذلك نثابر على متابعة وإبراز هذه الخزانة لعلمنا أن أوائل الأمور هي من أصعب ما يكافحه المرء إذا أراد النجاح في ما يتوخاه: وسوف نداوم على ما عقدنا عليه النية، مهما قام في وجهنا من العقبات وقاومتنا الشدائد. وكنا قد وعدنا القراء بأننا نريد صفحات كل جزء ١٦ صفحة، لتظهر في الثمانين وها نحن أولاء نبر في وعدنا. ومما قصدنا إدخاله في هذه السنة، أننا ننشر تراجم كتبة هذه المجلة من الأحياء ليكون القارئ، على بينة مما يطالع، ويعرف قدر صاحب المقال. ولا ننشر في الجزء الواحد إلا ترجمة واحدة لا غير، ونتحاشى عن ذكر المبالغات، إذ بحث المرء نفسه يكشف مزايا صاحبه ومنزله من العلم والعرفان. ونحن نشكر القراء، والمشتركين، وأصحاب المقالات، على ما يؤازروننا به، كما نشكر لأعضاء لجنة النشر لمساعدتهم لنا في كل ما يوافقون على نشره ولا ننسى ملاحظاتهم على ما نكتبه نحن أو يكتبه غيرنا في هذه الصفحات.

стр. 2876

منارة جامع سوق الغزل - لم يكتب أحد عن منارة سوق الغزل قبل نحو ثلاثة قرون سوى الإفرنج أما البغداديون أو غيرهم من العراقيين أو سواهم فلم يرصدوا لها نبذة ولا مقالا بل لم يذكروها ذكرا. ولما أحتل البريطانيون بغداد، ذهب مهندسوهم إلى رؤية المئذنة وفحصوا ما حواليها، فخافوا سقوطها وأتلافها البيوت التي في جوارها إذا هوت فتدفن حينئذ أصحابها تحت الردم، فعزموا على هدمها حقناً لدماء الخلق فأوعزت السلطة المحتلة إلى أحد الأدباء المشاهير أن يكتب مقالا ينشر في جريدة العرب (في سنة ١٩١٨) ليهيئ الأفكار لقبول هذا الخاطر الذي اقلق أرباب السلطة المحتلة. فذهب صاحب الجريدة المذكورة يومئذ إلى السر برسي كوكس وافهمه أن لا خطر على هويها لأنها أصبحت كالصخرة الواحدة وقد مضت عليها السنون وهي في تلك الحالة التي يظن أنها خطرة وليست بها. فلم يقنع الحاكم المذكور بما قيل له لأنه آلى على نفسه أن ينسفها بالبارود كما نسفت مدخنة (العباخانة) تلك المدخنة التاريخية التي بنت في نحو ١٨٦٩ وكانت آية في البناء والمتانة والجمال. فلما رأى مدير الصحيفة المذكورة أن صاحب الزمام لا يرجع عن عزمه، أسرع فاخبر بالأمر المرحوم السيد محمود شكري الالوسي ليذهب ويقنع برسي كوكس بأن يعدل عن تحقيق ما دار في خلده؛ فذهب الالوسي مع مدير جريدة العرب - وهو صاحب هذا المقال - وحملا الحاكم على أن يترك هذه المسألة الآن. إلى وقت آخر، ألم يرد أن يعدل عن رأيه، فقنع. وبعد سنتين كلف مهندس البلدية وهو المسيو شاقانيس الفرنسي بأن يقوي كرسي المئذنة بما عنده من الوسائل ففعل، وهي اليوم قائمة على ساقها كما كانت سابقا وتضحك من كل من حاول أن ينظر إليها نظرة إلى شيخة متغضنة. أما مسألة بانيها أو معيد بناءها فبقيت غامضة اشد الغموض الغموض، وكل من كتب عنها من الإفرنج منذ نيبهر إلى يومنا هذا، وكذلك قل عن كتبتنا في

стр. 2877

هذا العصر، فأنهم جميعهم لم يتفقوا في أقوالهم عن بانيها أو معيد بنائها؛ أما الآن وقد أخذ صديقنا المحقق البحاثة يعقوب نعوم سركيس ينشد عن صاحبها في كتب التاريخ، فلم يبق ريب في معرفة صاحب هذه المئذنة التي هي زينة الحاضرة ومفخرتها على تعاقب الأيام وهانحن أولاء نزف هذه العروس، عروس الفكر، إلى محبي التاريخ والتطلع إلى الحقائق الراهنة. (لغة العرب) (صورة) منارة جامع سوق الغزل وفي جانبها على يدك اليسرى قبة كنيسة الآتين.

стр. 2878

في نحو وسط جانبنا الشرقي من بغداد، في محلة سوق الغزل اليوم منارة منفردة لجامع قديم باسم المحلة، كانت في رحبة من الأرض مستطيلة قليلا تكسيرها نحو خمسمائة متر. وفي ثلاث من جهاتها أبواب لدور حقيرة. ثم منذ نحو ثلاث سنوات أحيطت الرحبة بجدار ارتفاعه نحو مترين ونصف. وفي هذه العرصة تباع الغنم صباح كل يوم. والمنارة في نحو وسط هذه الرحبة وهي شاهقة البناء تشرف على المدينة وأنحائها من علو لا يماثله علة عندنا. وهي كذلك الشيخ الفرد النادر الذي شوهت وجهه تجعدات العتي لكنه لا يزال منتصب القامة متجلدا صابرا على حلو الأيام ومرها. وصبر المنارة على عوامل الطبيعة دليل باهر على تقدم فن الريازة في ذلك الزمن وعلى انتقاء الرزاة مواد البناء من احسن أنواعها وإتقانهم صنع الأجر وغير ذلك. وبمقربة من المنارة في غربيها الجنوبي على بضع عشرات من الأمتار مسجد جامع بغير منارة معروف على الألسنة بجامع سوق الغزل. وإذا استقصينا الخبر من الماضي عن الجامع التاريخي القديم الذي بنيت له المنارة أجابتنا صحائف الأخبار أنه كان يسمى جامع الخلفاء قبل نيف وثلاثين قرون على أقل تقدير كما سيجيء. وبإيغالنا في تاريخه في ما قبل ذلك نجد أنه كان يسمى في القرن السابع للهجرة وما قبله (جامع الخليفة) أو (جامع القصر). جامع سوق الغزل غير جامع الرصافة نشرت جريدة (العرب) البغدادية - في عددها الصادر في ١٤ أيلول سنة ١٩١٧ والمرقم ٣٨ - مقالة بغير توقيع عن جامع سوق الغزل أنه مع الرصافة وأن المنارة التاريخية منارته وشتان بين قولها وبين الحقيقة؛ ثم نقلت مجلة مرآة العراق تلك المقالة (١٣٢٧هـ - ١٩١٩): ص من ٨ إلى ٩ من عددها الثاني. ومن الغريب أن كاتب المقالة بعد أن استشهد بابن الأثير عن بناء جامع

стр. 2879

الرصافة في ١٥٩هـ (٥٧٥م) شهادة لا علاقة لها بجامع الخليفة أو القصر أورد عن الرصافة وجامعها كلام معجم البلدان وهو ما يؤيد أن محلة الرصافة على مقربة من مرقد الإمام الأعظم أبي حنيفة. وهو المرقد الذي لا يجهله أحد في بغداد وموقعه في شمالها يبعد عنها نحو ثلاثة كيلو مترات في ما نسميه (الأعظمية) أو (المعظم) على اصطلاح آخر. وذهب أيضاً مختصر تاريخ بغداد القديم والحديث (ص ١٢ ح) إلى جامع سوق الغزل هو جامع الرصافة وأنه في محلة راس القرية. والصحيح أنه اليوم في محلة سوق الغزل. أن ما قاله الكاتبان لا يفوت الكثيرين لكني رأيت الأجدر أن أنبه على ذلك ولا سيما أن البحث عن جامع الرصافة وجامع الخليفة أو القصر متداخل بعضه ببعض أحياناً. ولهذا أورد شيئا مما كتب عن ذلك متبعا اتساق الكلام غير نلاحظ لتواريخ تأليف الكتب إذ غرضي البحث عن جامع الخليفة ومنارته وبنائها بعد بياني أن كلا من هذين الجامعين هو غير الآخر. قال في معجم البلدان: (رصافة بغداد، بالجانب الشرقي. لما بنى المنصور مدينته بالجانب الغربي واستنم بناءها، أمر ابنه المهدي أن يعسكر في الجانب الشرقي وأن يبني له فيه دورا وجعلها معسكر له فالتحق بها الناس وعمروها فصارت مقدار مدينة المنصور. وعمل المهدي بها جامعا أكبر من جامع المنصور واحسن وخربت تلك النواحي كلها ولم يبق ألا الجامع وبلصقه مقابر الخلفاء لبني العباس وعليهم وقوف وفراشون برسم الخدمة ولولا ذلك لخربت وبلصقها محلة أبي حنيفة الإمام وبها قبره. . .) اهـ. فلا أدري كيف تسنى لصاحب مقالة جريدة (العرب) والمرآة أن يوفق بين ما قرأه أن المهدي بنى جامعا بالرصافة وبلصقه مقابر الخلفاء. . . وبلصقها محلة أبي حنيفة وبها قبره، وبين ما يراه بعينه أن جامع سوق الغزل يبعد عن مرقد أبي حنيفة ما يزيد عن ساعة للراجل.

стр. 2880

وجاء في مراصد الإطلاع ما في معنى ما ذكره ياقوت ثم قال: (وقد كانت وانقطعت العمارة عنها (عن الرصافة) فبنى المستنصر سورا حسنا بالآجر) وفي كتب مناقب بغداد ص ٣٣ ما قوله: (قال هلال بن المحسن: عبرت إلى الجانب الشرقي من مدينة السلام بعد الأحداث الطارئة فرأيت ما بين سوق السلاح والرصافة وسوق العطش ومربعة الخرسي والزاهر وما في دواخل ذلك ورواصفه وقد خرب خرابا فاحشا حتى لم يترك النقض جدار قائما ولا مسجدا باقيا. وأما بين باب البصرة. . . من الجانب الغربي فقد أندرس. . . وصار الجامعان بالمدينة (مدينة المنصور) والرصافة في الصحراء أو بعد أن كانا في وسط العمارة.) أهـ وكان ابن جبير نزيل بغداد في سنة ٥٨٠هـ (١١٨٤م) وهذا ما جاء في رحلته ص ٢٢٦ من الطبعة الإفرنجية: (. . . وبأعلى الشرقية (الجانب الشرقي) خارج البلد محلة كبيرة بازاء محلة الرصافة كان باب الطاق المشهور على الشط. وفي تلك مشهد حفيل البنيان له قبة بيضاء سامية في الهواء فيه قبر الإمام أبي حنيفة ﵁ وبه تعرف الملحة.) وورد ما يلي في المخطوط الذي عرفناه (بالحوادث الجامعة) قال: (وفيها (وفي سنة ٦٥٣هـ - ١٢٥٥ م) وقع بين أهل محلة الرصافة ومحلة أبي حنيفة والخضريين فتنة أفضت إلى محاربة شديدة استظهر به أهل محلة أبي حنيفة والخضرين على أهل الرصافة وطردوهم إلى باب المحلة وركهم السيف فدفعهم الليل فازدحموا للدخول فمات منهم جماعة نحو ثلاثين نفرا وحصروهم ومنعوا أن يدخل إليهم شئ حتى الماء من دجلة فاضر بهم ذلك فنفذ شحنة بغداد

стр. 2881

من زجر أهل محلة أبي حنيفة وكفهم عن الشر ثم أنهم اقتلوا بعد أيام وخرج بين الفريقين خلق كبير وقتل جماعة واستظهر أهل محلة أي حنيفة) والخضرين على (أهل الرصافة) وباتوا تلك الليلة واستعدوا للقتال وعزموا على إحراق محلة أبي حنيفة وعبر من أهل باب البصرة لمساعدة أهل الرصافة خلق كبير. . .) ولا بأس من إيراد ما جاء في هذا المخطوط بهذا الشأن أيضاً غير مجتزئ بالنقاط الخاصة بالبحث لما فيه من الفائدة. وهذا قوله: (وفي هذه السنة (٦٥٣) اتفقت أمور عجيبة وحوادث غريبة قد ذكرناها، منها: الغرق العام الذي اخرب أكثر بغداد لا سيما دار الخليفة والدور الشطانية من الجانبين وانتقال الناس من دورهم وتضاعف أجرة المساكن الشعبية في أطراف البلد. وغلبت الأسعار وتعذرت الأقوات وغرقت نواحي دجيل ونهر عيسى ونهر ملك (نهر الملك) والأعمال الفراتية: عانة والحديثة وهيت والأنبار والحلة والكوفة وقوسان. وذهبت الزروع وتلفت الأشجار وتهدمت الجوامع والمساجد كجامع المنصور وهو أول جامع وضع ببغداد ورباط الزوزني المجاور له والقبة الخضراء و (جامع المهدي بالرصافة) ومشهد عبيد الله والرباط المنسوب إليه وجامع السلطان و (جامع القصر) ورباط دار الذهب بعقد المصطنع. وبعض مسجد قمرية بالجانب الغربي. وحائط رواق المدرسة النظامية وعدة مساجد. وقيل أن رجلا ثقة تصدى لإثبات ما تهدم من الدور في الجانبين كان مبلغها اثني عشر الفئات دار وثلاثمائة ونيفا وسبعين دارا.) أهـ واخبرنا ابن بطوطة في رحلته وهو في بغداد في رجب سنة ٧٢٧ هـ (١٣٢٦ م) بقوله: (. . . وبقرب الرصافة قبر الإمام أبي حنيفة ﵁ أهـ. وهذا كاف لبيان موضع الرصافة وجامعها ومن ثم لرد قول جريدة العرب ومجلة المرآة وكتاب مختصر تاريخ بغداد القديم والحديث. وسيجيء في سياق الكلام ما يؤيد هذه الحقيقة.

стр. 2882

ومما روته لنا مقدمة الخطيب ما ذكرته عن جامعي الرصافة والخليفة. قالت في ص ٦١ بعد كلامها عن جامع المدينة، مدينة المنصور بالجانب الغربي: (وأما المسجد الجامع بالرصافة فأن المهدي بناه في أول خلافته. اخبرنا بذلك محمد. . . قال سنة ١٥٩ (٧٧٥) فيها بنى المهدي المسجد الذي بالرصافة فلم تكن صلاة الجمعة تقام بمدينة السلام إلا في (مسجدي المدينة والرصافة) إلى وقت خلافة المعتضد فلما استخلف أمر بعمارة القصر المعروف بالحسنى على دجلة سنة ٢٨٠ (٨٩٣م) وأنفق عليه ما لا عظيما رسمها وأمر ببناء مطامير في قصر رسمها هو للصناع فبنيت. . . وجعلها حابس للأعداء وكان الناس يصلون الجمعة في الدار. وليس هناك رسم المسجد إنما يؤذن للناس الدخول وقت الصلاة ويخرجون عند انقضائها. فلما استخلف المكتفي في سنة ٢٨٩ (٩٠١م) نزل القصر وأمر بهدم المطامير التي كان المعتضد بناها وأمر أن يجعل موضعها (مسجد جامع في داره) يصلي فيه الناس فعمل ذلك. وصار الناس يبكرون إلى (المسجد الجامع في الدار) يوم الجمعة فلا يمنعون من دخوله ويقيمون فيه إلى آخر النهار وحصل ذلك رسما ثانيا إلى الآن. واستقرت صلاة الجمعة ببغداد في المساجد الثلاثة التي ذكرناها إلى وقت خلافة المتقي). اهـ ويلوح لي أن ابن الجوزي في كتابه مناقب نقل عن مقدمة الخطيب لما يبين لي من تشابه الجمل والكلام. قال ابن الجوزي في ص ٢١: (جامع الرصافة) بناه المهدي في أول خلافته إلى أن ولي المعتضد وعمر القصر الحسني في سنة ٢٨٠ فكان يأذن للناس في الدخول يوم الجمعة للصلاة وليس قد رسم مسجدا. فلما استخلف المكتفي في سنة ٢٨٩ أمر بهدم مطامير كان قد عملها

стр. 2883

المعتضد وأمر أن يعمل مكانها (مسجد جامع) فعمل هذا الذي هو الآن. وأقيمت الصلاة في الجوامع الثلاثة. . .) حتى قال: (وما زالت الجمع تقام في جامع المدينة و (جامع الرصافة) و (جامع القصر) ومسجد براثا. . .) ثم قال أيضا: (وكان في زمن عضد الدولة يقف الإنسان عند الباب الحديد (كذا) من شارع الرصافة والصفوف ممتدة من (المسجد الجامع بالرصافة) إلى هذا الموضوع (الموضع) ومسافة ما بينهما كمسافة ما بين المسجد الجامع بالمدينة ودجلة. . . ثم أمر السلطان ملكشاه بن محمد بن الب ارسلان بعمارة جامع بالمخرم وهو الجامع المسمى بجامع السلطان. . .) اهـ وقال ابن جبير في ص ٢٢٨: والشرقية (الجانب الشرقي حفيلة الأسواق عظيمة الترتيب. . . وبها من الجوامع ثلاثة كل يجمع فيها: (جامع الخليفة) متصل بداره وهو جامع كبير فيه سقايات عظيمة ومرافق كثيرة كاملة، مرافق للوضوء والطهور. و (جامع السلطان) وهو خارج البلد، ويتصل به قصور تنسب للسلطان أيضاً المعروف بشاه شاه وكان مدبر أجداد الخليفة. . . و (جامع الرصافة) وهو على الجانب الشرقي المذكور وبين جامع السلطان المذكور مسافة ميل. وبالرصافة تربة الخليفة العباسيين ﵏. . .) أهـ واخبرنا ابن بطوطة الذي يبين لنا أنه نقل تنفا عن ابن جبير كما فعل ابن الجوزي بنقله عن الخطيب. قال (ابن بطوطة) في ص ١٤٢: (وبهذه الجهة الشرقية من المساجد التي تقام فيها الجمعة ثلاثة أحدها: (جامع الخليفة) وهو المتصل بقصور الخلفاء ودورهم وهو جامع كبير فيه سقايات ومطاهر كثيرة للوضوء الغسل. . . والجامع الثاني (جامع السلطان) وهو خارج البلد وتتصل به قصور تنسب للسلطان. والجامع الثالث (جامع الرصافة) وبينه وبين جامع السلطان نحو الميل) أهـ

стр. 2884

مر بنا أن الجامع الذي نحن بصدده يسميه بعضهم (جامع القصر) وبعضهم (جامع الخليفة). والآن يحن بي أن ألخص ما قالوه ليتضح أنه واحد. قالت مقدمة الخطيب أن المكتفي أمر بهدم المطامير التي كان المعتضد بناها بالقصر الحسني وأنه القصر المرسوم بدار الخلافة وأنه أمر بجعل موضعها (مسجدا جامعا) ويضاف إلى ذلك ما ذكره كتاب المناقب بروايته لنا بناء هذا الجامع أنه (جامع القصر). ويلحق بما جاء ذكره ابن جبير وابن بطوطة لجامع الخليفة) وسكوتهما عن (جامع القصر) وقد عدا جوامع الجانب الشرقي جميعها ولو كان جامع الخليفة غير جامع القصر لذكراه باسمه. فجامع الخليفة وجامع القصر واحد. وقد اقر ذلك نفر من مشاهير المستشرقين منهم لسترنج في كتابه: بغداد في عصر الخلافة العباسية وماسنيون في كتابه بعثة ما بين النهرين وهرتسفلد في كتابه عن بغداد. ومن الذين ذكروا جامع القصر ابن الأثير في الكامل دفعات عديدة ويظهر لي لم يذكر الخليفة ولا ارجح أنه مرت قرون ولم يحدث مرة واحدة أمر يوجب ذكر جامع الخليفة وأني لأرجح أنه وافق على اصطلاح الناس عليه بجامع القصر. ومما جاء في ابن الأثير عن (منارة جامع القصر) قوله (٥٤: ١١) في حوادث سنة ٤٧٩ هـ (١٠٨٦م): (وفيها في ربيع الآخر فرغت المنارة بجامع القصر وأذن فيها) أهـ فنظر لما أتى به ابن الأثير لا أرى مجالا لمخاطبة (البناء) للمنارة الشاخصة للأبصار بمئذنة الرشيد في قصيدته التي نشرت في هذه المجلة (٣ (١٩١٤): ٥٧٤) إلا إذا أراد الشاعر المجاز وإذا صح له ذلك. أما قول حاشية تلك الصحيفة أن المئذنة كانت في عهد الخلفاء العباسين لكن بانيها لا يعرف على التحقيق وأن منهم من يرى أنها من عصر الرشيد وأنه هو بانيها في وسط المسجد الجامع فأني اقسم جوابي عليه إلى قسمين: الأول أريد به أنها كانت في زمن الخلافة العباسية وهذا لا غبار عليه فأن ابن الأثير روى لنا بناءها في العصر العباسي. الثاني أنه من بناء الرشيد لا يصح إذ أن الجامع الذي ينسب بناء المنارة إليه هو جامع القصر - وعلى اصطلاح ثان جامع الخليفة - وقد أحدثه المكتفي كما رأينا

стр. 2885

وهو ابن المعتضد بن الموفق طلحة بن المتوكل بن المعتصم بن هارون الرشيد. فلا يمكن أن تكون المنارة من بناء الرشيد ولم يكن رسم لجامع في هذه البقعة قبل المكتفي ولم نر لها ذكرا حتى نوه ابن الأثير بسنة بنائها. فكان الواجب يقضي بالا يهمل القول الصريح لابن الأثير وهو المعول عليه يومئذ. أما الآن وقد عثرنا على كتاب الحوادث الجامعة فأني سأروي ما أطلعنا عليه من أثر بناء المنارة القائمة حتى هذا اليوم وهو ما كان بعد زمن ابن الأثير بنحو خمسين سنة. ومن الذين ذكروا جامع القصر وأنه في حريم دار الخلافة ياقوت في مادة الحريم كما مر بنا في هذه المجلة (٤٥٠: ٥) (فجامع القصر) أو الخليفة هو ما سمي بعده (بجامع الخلفاء) الواقع اليوم في محلة سوق الغزل ثم عرف الجامع الذي شيده سليمان باشا على ما سيأتي (بجامع سوق الغزل). ذكر جامع الخليفة أو القصر في الحوادث الجامعة يستند جل ما ورد في المقال عن الموضوع الذي تناولته عن كتب معروفة والآن استل كل ما جاء في الحوادث الجامعة عن الجامع ومنارته تعميما للفائدة. وأن كان بعض ذلك خارج موضوع البناء. ابتدأت نسخة الكتاب الناقصة في أولها بذكر جامع القصر في سنة ٦٢٧ هـ (١٢٢٩م) فقالت: (وفيها عاد الأمير مجير الدين جعفر بن أبي فراس الحلي إلى بغداد وكان مقيما بمصر عند ولده. . . وعاد إلى بغداد في غرة رجب وأقام بداره فأدركته المنية في آخر ذي الحجة فصلي عليه في جامع القصر. . .) وسبق لي في هذه المجلة (٣٣٩: ٥ وما بعدها) تفصيل مظفر الدين أبي سعيد كوكبرى إلى بغداد في سنة ٦٢٨ نقلا عن الحوادث وقد أهمل المراتب شيئا من ذلك أضيفه هنا لعلاقته بهذا البحث وبابن الجوزي معا. وهو بعد قولك (سنقر) (ص ٣٤١ س ٦): بدرب فراشا وأنزل جماعة من الأمراء الواصلين معه في دور في عدة محال وباقي عسكره في المخيم ظاهر البلد. وأقيمت له ولأصحابه الإقامات الوافرة. ثم سأل زيارة المشاهد والربط ببغداد فعمل له في كل مكان وليمة. وصلى

стр. 2886

في (جامع القصر) جمعتين داخل الرواق إلى جانب المنبر. ثم حضر في منتصف صفر مؤيد الدين القمي نائب الوزارة وولده والجماعة الذين حضروا يوم دخوله وجرت الحال على ما تقدم شرحه. وخاطبه الخليفة بما طابت به نفسه فقبل الأرض وابتهل بالدعاء وتلا قوله تعالى: (يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين.) ثم أسبلت الستارة وخلع عليه في تلك الحجرة أعطي كوسات وأعلام وخمسون الفئات دينار برسم نفقة الطريق وبرسم حاشيته وأصحابه عشرة آلاف دينار وخرج من هناك إلى دار الوزارة وحضر جميع أصحابه فخلع عليهم بحضوره. وأقام بعد ذلك أياما ثم خرج إلى مخيمه ظاهر سور السلطان وتوجه إلى بلده. وكانت مدة مقامه ببغداد عشرين يوما. ومضى معه (محيي الدين ابن الجوزي) وسعد الدين حسن ابن الحاجب علي وعادا في ربيع الأول واخبرا أن مظفر الدين حلف أمراءه واعيان أهل بلده على طاعة الخليفة وتسليم البلد عند وفاته) اهـ. وجاء أيضاً في حوادث سنة ٦٣٥ (١٢٣٧م) ذكر جامع القصر (راجع لغة العرب ٣٤٥: ٥). وفي المخطوط أيضاً قوله: (وفي آخر شعبان (٦٣٥هـ) انتهى (كذا) عمارة (باب جامع القصر) مما يلي الرحبة وفتح. وفتحت المزملة التي عملت

стр. 2887

وفي أخبار السنة المذكورة أيضاً ما موجزه: وفيها أمر خطيب (جامع القصر) أبو طالب بن المهتدي بأن يحرص في خطبته على الجهاد في المغول وقد وصلوا دقوق (دقوقا) وانبثوا في أعمال بغداد. وورد فيه في حوادث سنة ٦٣٧ (١٢٣٩) قولة: وفيها توفي عز الدين أبو زكريا يحيى بن المبارك بن علي بن الحسين بن بندار المخرمي. . . وصلي عليه في جامع القصر. . .). وفي حوادث سنة ٦٤٠ (١٢٤٢) قوله بعد مبايعة المستعصم: (. . . يوم الجمعة سابع عشر جمادي الآخرة تقدم إلى كافة أرباب المناصب والولايات والأمراء الكبار بالركوب إلى (جامع القصر) فحضروا دار الوزير أولا ثم توجهوا إلى الجامع وصلوا داخل الحطيم وأعفى والوزير من الحضور لعجزه. وخطب نقيب النقباء بهاء الدين الحسين بن المهتدي ونثر عند ذكر اسم الخليفة ألف دينار ألف درهم عليها اسمه. تولي نثار ذلك بشير التستري؟) وصعد معه علم الدين أبو جعفر بن العلقمي أخو أستاذ الدار ونفذ إلى جامع المنصور وجامع المهدي بالرصافة وجامع السلطان وجامع فخر الدولة بن المطلب وجامع بهليقا فذهب ودراهم. نثر ذلك عند ذكر اسم الخليفة. وكان مبلغ ما يعد إلى كل موضع خمسمائة دينار وخمسمائة درهم. وذكر الخطباء الأمر بالحج ورغبوا فيه وعرفوا الناس أنه قد وقع الشروع في أسبابه. سنة ٦٤٨ (١٢٥٠) (وفيها حضر كالأمير سيف الدين علي بن قيران عند الوزير وأستاذ الدار وأنهى أليهما أنه شاهد العدل شمس الدين علي بن النسابة خطيب جامع القصر في بستان يعرف بالديلجي (؟). . .) سنة ٦٥٣ (١٢٥٥) (وفيها توفي نقيب النقباء بهاء الدين أبو طالب الحسين بن أحمد بن المهتدي بالله. كان خطيبا (بجامع الخيلفة) ناظرا في وقوف ترب

стр. 2888

الرصافة ثم ولي نقابة العباسيين واقر الخطابة فمرض يوما واحد ومات. ولم يعرض له في مدة خطابته ما يقطعه عنها، وكان مولده سنة سبع وسبعين وخمسمائة.) وفي هذه السنة وقع الفرق الذي جاء نقل وصفه في الصحائف المتقدمة في هذه المقالة وفيه ذكر (جامع القصر). وفيها توفي شرف الدين إقبال الشرابي. . . في ثامن عشرية (أي من شهر شوال) وصلي عليه في (جامع القصر) ودفن في تربة أم الخليفة المستعصم بباب القبة على يمين الداخل) سنة ٦٥٥ (١٢٥٧) وفي شوال ندب العدل نجم الدين عبد الله بن البادراي إلى القضاء وهو مريض فاستعفى فلم يعف واستدعي إلى دار الوزير فحضر بين غلمانه وهو ضعيف عن الحركة والكلام فخلع عليه وشرفه بالقضاء فركب إلى (جامع الخليفة) وجلس في القبلة (القبة؟) وقرء تقليده على المنبر ثم خرج وجلس في منصب القضاء وحكم وسمع البينة وكتب الأنباء ولم يجلس بعد ذلك وأنقطع في بيته تسعة عشر يوما وتوفي. . .) سنة ٦٥٦ (١٢٥٨) وفيها دخل هولاكو بغداد واستولى عليها. ومما قاله المخطوط:

стр. 2889

(. . . واحرق معظم البلد (وجامع الخليفة) وما يجاوره. . .) ثم قال: (ووصل الأمير مراعا (قرابوقا) بعد ذلك إلى بغداد وعين عماد الدين عمر بن محمد القزويني نائبا عنه فكان يحضر الديون مع الجماعة. وكان ذا دين ومروءة عين على شهاب الدين بن عبد الله صدرا في الوقوف وتقديم إليه (بعمارة جامع الخليفة) وكان قد احرق كما ذكرنا. ثم فتح المدارس والربط واثبت الفقهاء والصوفية وادر عليهم الأخبار والمشاهرات وسلمت مفاتيح دار الخليفة إلى مجد الدين محمد بن الأثير وجعل أمر الفراشين والبوابين إليه.) سنة ٦٥٠ (١٢٧١) وفيها أمر علاء الدين (الجويني) صاحب الديوان بتجديد عمارة (منارة جامع الخليفة) وكان صدر الوقوف يومئذ شهاب الدين ابن عبد الله فشرع في ذلك وأنجزت في آخر شعبان ثم سقطت في شهر رمضان بعد فراغ الناس من صلاة التراويح ولم يتأذ أحد ممن كان هناك.) سنة ٦٧٨ (١٢٧٩) (وفيها تمت عمارة (منارة جامع الخليفة) وكانت قد سقطت في شهر رمضان سنة سبعين. وتمت عمارة مسجد الشيخ معروف (الكرخي) قدس الله روحه بالجانب الغربي من بغداد على شاطئ دجلة. أمر بعمارته شمس الدين محمد بن الجويني صاحب ديوان الممالك. وكان قد خرب لما غرقت بغداد سنة ثلاث وخمسين وستمائة.) سنة ٦٨١ (١٢٨٢) (. . . ثم توجه علاء الدين (الجويني) نحو العراق فلما وصل إلى اشنى بلغه أن ارغون سار من خراسان لما بلغه وفاة أبيه السلطان

стр. 2890

اباقا خان يريد العراق فأقام في اشنى وأنفد الكرزدهي (؟) والجلال بخشي (بخشي؟) ونجم الدين الأصغر ومجد الدين بن الأثير وجماعة من أصحابه ومعهم رأس مجد الملك وكتب معهم مكتوبا صورته: (يطول أمر نقله ويخرجنا عن الموضوع). وكان وصولهم بغداد في رجب. وقرء هذا الخط في جامع الخليفة. . .) (وفيها توفي الشيخ جلال الدين عبد الجبار بن عكبر الواعظ مدرس الحنابلة بالمدرسة المستنصرية ودفن في المسجد المجاور لداره. وكان عالما فاضلا ورعا زاهدا جلس للوعظ بباب بدر في زمن الخليفة. وبقي على ذلك إلى واقعة بغداد ثم جلس في جامع (الخليفة) واستمر إلى أن مات وكان له قبول عند العالم.) سنة ٦٨٤ (١٢٨٥) (وفيها توفي موفق الدين أبو الفتح بن أبي فراس الهنايسي (الهرائسي؟) أخو قاضي القضاة. وكان رجلا صالحا خطب (بجامع الخليفة) إلى أن اضر فاستناب ولده مكانه.)

стр. 2891

سنة ٦٩٠ (١٢٩١) هناك ذكر لباب (جامع الخليفة). وفي هذه السنة أحبست (كذا) الغيوث حتى انقضاء بعض شباط فاجتمع الناس عند قاضي القضاة عز الدين ابن الزنجاني ثم خرجوا إلى مقبرة معروف (الكرخي) ﵀ يوم الخميس سابع عشرين صفر واجتمعوا في باب المدرسة البشيرية ونصب هناك كرسي خطب عليه العدل شمس الدين ابن الهنايسي خطيب (جامع الخليفة) ثم تضرعوا (كذا) الناس وسألوا الله أن يعمهم برحمته واكثروا من البكاء والاستغفار وعادوا. ثم خرجوا يوم الجمعة إلى ظاهر سور بغداد يتقدمهم شيخ المشايخ نظام الدين محمود راجلا مستكينا وكذلك قاضي القضاة واجتمعوا وراء جامع السلطان وخطب الخطيب المذكور ثم تلاه الشيخ شهاب الدين عبد المحمود بن السهروردي فأرخت السماء عزاليها وتواترت الغيوم فدخلوا بغداد وقد توحلت الطرق ودام نزول الغيث ثلاثة أيام ثم سكن. وزادت دجلة بعد ذلك وأنتفع العالم بما عمهم من لطف الله ورحمته.) وفي الحاشية ما قوله: فصام اليهود ببغداد ثلاثة أيام متواليات واكثروا من الدعاء والصلاة وخرجوا في اليوم الثالث وهم صيام فاستسقوا فلم يسقوا) سنة ٦٩٧ (١٢٩٧) (وفيها قتل (بجامع الخليفة) ببغداد في يوم جمعة رجل انتهى ما أرادت نقله من الحوادث الجامعة. الجامع في كتاب جامع التواريخ وبعده وجاء في التاريخ الفارسي المسمى جامع التورايخ لرشيد في ص ٣٠٢ - ٣٠٣ ما تعريبه: (واحرق (المغول حينما استولى هولاكو على بغداد) القسم الأعظم من المواضيع الشريفة كجامع الخليفة ومشهد موسى الجواد عليه الرحمة وترب الخلفاء. . .)

стр. 2892

وفي ص ٣٠٨ - ٣٠٩ ما تعريبه أيضا: (وعمر عماد الدين عمر القزويني الذي كان نصبه الأمير قرتاي نائبا عنه في جامع الخليفة ومشهد موسى الجواد. . .) ولم اطلع في ما لدي من الكتب على ذكر (جامع الخليفة) خلال بعض مئات من السنين حتى ذكره تكسيرا في أواخر سنة ١٦٠٤م (١٠١٣هـ) فقال ما تعريبه عن ترجمته الإنكليزية ص ٦٤: وتشاهد العين هنا (في بغداد) خرائب للعمارات البديعة من العهد الفارسي كجامع الخلفاء. . . وقال اولياجلبي في رحلته (٤١٩: ٤) ما تعريبه وقد قدم إلى بغداد في ١٢ ربيع الأول سنة ١٠٦٦ (١٦٥٥): (جوامع قلعة بغداد. تبلغ محاريب بغداد ستمائة وخمسة وستين محرابا. ومن جملة جوامع سلاطين السلف جامع الخلفاء المعبد القديم ذو المنارة والقبة الواقع في رأس جورجه وقد ورد في رحلة الأب لياندرو الكرملي المرسل

стр. 2893

في بغداد في الربع الثاني من القرن الثامن عشر ذكر أمام جامع الخلفاء. وجاء بعده الرحالة نيبهر وقد أم الشرق في منتصف ذلك القرن أيضاً فحكى عن المستنصرية وعن بناء المستنصر لهذا الجامع فقال ما تعريبه ونصه: وبنى المستنصر بعد ثلاث سنوات جامعا بديعا في محلة (سوق الغزل). لم يبق منه إلا المنارة والجدار الداخلي ومدخلان وهناك اليوم قهوة. وفوق هذا المدخل كتابة تفصح عن اسم الباني. والكتابة هي: (أمر بعمله سيدنا ومولانا الإمام المستنصر بالله أمير المؤمنين أعلى الله تعالى معالم الإسلام بهمته العالية وأزهى دعائم الإيمان بناء بآياته وذلك في سنة ثلاث وثلاثين وستمائة.) والظاهر أنه يريد بذلك بناء الباب الذي ذكره كتاب الحوادث الجامعة والترميم الذي ذكره لسترنج وهذا الكلام ينزع الشك الذي وقع في صدر لويس ماسنيون إذ ذهب إلى أن ما قرء للرحالة نيبهر وكان مكتوبا على الباب ليس أكيدا (راجع عن شك ماسنيون ٤١: ٢) ثم أهملت الأقلام ذكر الجامع التاريخي حتى أتانا مؤلف دوحة الوزراء فذكر في حوادث سنة ١٢١٧هـ (١٨٠٢م) في خبر وفاة سليمان باشا والي بغداد قيامه بتشييد الأبنية منها أنه (لما رأى أن الجامع الشهير بجامع الخلفاء الواقع

стр. 2894

في بناء (شورجة) قد تهدم وهجر ولم يبق له إلا أثر قليل ورسم جزئي هدمه من أساسه فأنشأ جامعا أنيقا). وقال المرحوم الشيخ العلامة شكري الالوسي في كتاب مساجد بغداد أن (بالقرب من جامع الخلفاء المعروف بجامع سوق الغزل سقاية أنشأها الشيخ صبغة الله وقد حرر على جدارها هذه الأبيات وفيها التاريخ.) فأوردها الالوسي برمتها أما أنا فاكتفي ببيت التاريخ خوف الإطالة: أن جئت ظمآن قلب يا مؤرخها ... اشرب هنيئا مريئا بارد الراح سنة (١٢٦٠هـ) (١٨٤٤م) وقالت جريدة (العرب) و (مرآة العراق): قال بعض المؤرخين أنه أدرك من باب هذا المسجد ميلين شامخين في الهواء كانا على جانبي باب الجامع وأن سليمان باشا الكبير والي بغداد في سنة ١١٩٣هـ (١٧٧٩م) هدمها وبنى بأنقاضها مسجدا صغيرا بقرب المنارة وهو المشتهر اليوم بجامع الخلفاء وكان الباب الذي على جنبيه الميلان، عند السوق التي يباع فيها اليوم الغنم وغير ذلك ولم يبق من الجامع القديم سوى مئذنته الشهيرة اليوم بمنارة سوق الغزل. . . اهـ) وهناك قصيدة لمنشد لم يسمه الكاتب خاطب بها الجامع والمارة باسم جامع الرصافة وهو غلط ظاهر كما رأينا.

стр. 2895

وقالت جريدة (العرب) والمرآة أيضا: لما احتل الجيش البريطاني دار السلام بغداد. . . أرسلوا لها (كذا) (أي إلى المنارة) عارفين من المهندسين ومشاهير المعمارين فكشفوا عليها. . . ثم باشروا في إصلاح خللها. . . وقد وجدوا كرسيها على الأساس الأول واخذوا يصلحون البدن كله. . . غير أن شرفتها فما فوق قد وهنت. . . حتى أشرفت على السقوط. . . فعسر إصلاحها على هذه الحالة فاقتضى فل ما وهن منه وأعادته كما كان بحجارته وأنقاضه. . .) اهـ هذا ما أوقفتنا عليه الجريدة والمجلة المذكورتان أما ما نراه اليوم فهو أنهم رمموا قاعدتها نحو مترين فوق سطح الأرض ولا تزال المنارة باقية على حالها بغير إصلاح ويا ليت وزارة الأوقاف تهتم بترميمها من غير أن تهدم منها شيئا. وشاهد الأستاذ المستشرق ماسنيون هذه المنارة وصورها في كتابه (بعثة العراق) وبحث عنها فقال أنه يظن أن تاريخ بنائها يتقدم على السنة ٦٣٣هـ (١٢٣٥م) التي جاءت في الكتاب التي نيبهر وذهب إلى أن بناءها يرتقي إلى قبل ذلك التاريخ نظر إلى طراز البناء والى أثر الكتابة الكوفية التي تمنطقها كما نراها وكما صورت هنا وفي بعض كتب الإفرنج التي ذكرناها. أسماء الجامع وعمر المنارة يستنتج من مقالتي أن الجامع الذي بحث عنه عدة أسماء وهي: جامع القصر ثم أطلق عليه اسمان معا وهما الأول المذكور والثاني جامع الخليفة. ثم عرف بجامع الخلفاء وبعد أن بني سليمان باشا قريبا من المنارة جامعا اشتهر أيضاً الجامع بجامع سوق الغزل. وإذا عدنا إلى كتاب الحوادث الجامعة وجدنا - والعهدة عليه - أن عمر المنارة اليوم ٦٦٩ سنة قمرية أي ٦٤٩سنة شمسية. وما بقي من عمرها عند علام الغيوب. بغداد ٢٤ ت ١ سنة ١٩٢٧: يعقوب نعوم سركيس

стр. 2896

منطق المنطق هذا بحث طريف لعلي لم اسبق إليه، وموضوعه المعاني التي اشتركت فيها الأمم على اختلاف بيئاتها. وتباين لهجاتها. فوضعت من دون تواطؤ بل يوحي الغريزة إزاء كل منها لفظا يدل عليه. وهذا البحث لخطورته جدير بمن يطرقه، أن يكون ثابت القد في لغات مختلفة؛ غير أني طرقته وليس في حقيبتي سوى لغتين: العربية والتركية متوكئا في سيري على اللغة العامية التي تكاد تكون لغة قائمة بنفسها، مع شئ يسير لا يستحق الذكر من بعض اللغات المجاورة للغتنا دارا أو استعمالا. ومع قلة بضاعتي في علم الألسن، بل فاقتي فيه، أقدمت على الكتابة في هذا الموضوع لأنه شاقني، وعسى أن يشوق غيري من لهم ولوع بمثله. وسوف احرص على اتخاذ الحيطة والاكتفاء بالحد الأدنى دون إرخاء العنان نظرا لفقري الآنف الذكر. وأملي أن ينسج على منوالي - ليكمل مشروعي - من كانوا في اللغات أعلى كعبا، وأطول باعا. ليقوموا بإشباع الموضوع واتراع كأسه أذاهم استطرفوا ما خضت فيه. وسيكون بحثي مشتملا على مباحث مختلفة منها عامة ومنها ما يتعلق بمفردات اللغة ومنها ما يتعلق بمواد الصرف والنحو ومنها ما يتعلق بعلم البلاغة. وربما استطردت فأتيت بسوانح لطيفة لم تسخ النفس بإفلاتها بعد اقتناص شواردها. هذا وليعلم القارئ أني لا أستطيع من الآن تحديد الفصول التي سوف اكتب تحت ظلال عناوينها إذ لا أدري ماذا سيعن لي في هذه البيداء المترامية الأطراف، والشعاب الملتوية التي قدر لي سلوكها. كما ينبغي أن يعلم أني لا اقطع بالإصابة في جميع ما ستجود به البراعة لأني قدمت بين يدي عذرا. وكيف اقطع بالإصابة؟ وأنا حديث الدخول إلى مجاهل لم تجل فيها يراعة كاتب. لذلك أقول بكل صراحة أن جميع ما سأنشره من الفصول أن هي إلا مسودات

стр. 2897

تحتمل الرجوع فيها وتسخر البنان في تنقيحها وتهذيبها وأن نشرت وأذاعت في البلاد. ١ - لابد لكل أمة من الأمم من ألفاظ موضوعة إزاء المعاني الأولى كل أمة مجتمعة لها لسان تتفاهم به، لا بد أن تضع، بحكم الغريزة إزاء كل ما يقع تحت حسها من الأشياء وما يعرض لها من الحركات والأوضاع الضرورية وما اشعر به شعورا قويا، ألفاظا تدل عليها. وما لم يقع تحت حسها أو لم تشعر به فإنما تضع له عند وقوعه أو شعورها به أي عند تقربه من المحسوسات وذلك اللفظ أما من ثروتها وأما مستعار من غيرها منزل على حكم لغتها. فالأرض والسماء والهواء والحيوان والنبات لا مندوحة من وضع أسماء تدل عليها عند جميع الأمم وأن كانت في أحط المنازل من الإدراك البشري لأنها المواد الأولى لحياتها فلا يعقل أن تفترش الأرض. وتسير عليها، وتشرب الماء، وتركب الحيوان. وتأكل النبات، وتقي العواصف، وهي عارية عن الأسماء التي تدل عليها عند تحريها والالتماس لها والإشارة إليها. ومن هذا القبيل الحركات والأوضاع التي لا مناص من طروءها كالقيام والقعود والاضطجاع والمسير والأخذ والعطاء وكذلك ما يقوي شعورها به كالجوع والعطش. وإذا تقدمت الأمة وطرأ عليها أمر زائد على ما ذكرنا كالكوز لحفظ الماء والصفحة لوضع الطعام والمنشار لقطع الشجر، اضطرت إلى إحداث أسماء لهذه الحاجيات المستجدة. ومن هذا القبيل الحركات المتفرعة عن الحركات الابتدائية كالهرب هو فرع من الذهاب والعدو من المشي والغناء الذي هو فرع من الصوت، وكذلك ما يفيض به الخيال عند اتساع نطاقه كالحياء والوفاء والبخل والسخاء والرياء والنفاق من المعاني التي لا يعقل وضع ألفاظ إزاءها في الابتداء. وعلى هذا النسق تنمو شجرة اللغة وتنجب اغصانها وتزكو ثمراتها. كل لغة على حسب مرتبة أهلها من الثقافة وممارستها لمعترك الحياة. دعني الآن اضرب لك مثلا: امتنا قبل مائة سنة فأنها لم تضع كلمة (قطار) ولا (طيارة) ولا (سيارة) بالمعاني المعروفة اليوم حتى طرقت مسمياتها بلادنا

стр. 2898

ووقعت تحت أبصارنا فاضطررنا إلى تمهيد لهؤلاء الضيوف الكرام في لغتنا فنقلنا المذكورة على وجه التوسع من مواضعها الأصلية - دون قطع الصلة بها - وألزمناها معاني طارئة ما كانت ببال واضعي اللغة القدماء. فأن كانت اللغة غنية ذات ثروة طائلة أخرجت من وفرها ما تستعين به على قرى ضيوفها وإلا فزعت إلى الاستعارة والاستدانة. ولا يكاد يكون للتطفل على لغة أخرى مبرر صحيح إلا في شأن اللغات الطفلة التي لم تبلغ اشدها. أما اللغة الواسعة، العظيمة الثراء، كلغتنا المحبوبة، فاخلق بها أن يكون التطفل على غيرها سمة شائنة في جبينها، فضلا عما في طروء الغرباء والدخلاء على مسكن، من القضاء على أهله أشخاصا كانوا أم ألفاظا. من هو الأولى بوضع الأسماء ؟ أهل البيئة التي يظهر فيها المسمى، أولى بوضع اسم إزاءه ف (النخلة) على تقدير نشأتها في بلاد العرب، لا مناص من وضع العرب اسما لها أو من هم في حكم العرب من أخواتهم الساميين، فإذا قدر للنخلة أن تسيح في بلاد أخرى غير عربية، جاز أن تحتفظ باسمها في ديار الغربة، كما يحتفظ الكريم بزيه وشعاره، وجاز أن ترتدي ثوبا آخر وتطمس صبغة أخرى. ومن النوع الأول اسم (الجمل) فأنه ظل محتفظا باسمه بعد بلوغه بلاد الإنكليز مثلا، لكن بتحريف بسيط لم يطمس حقيقته. على أنا لا نستطيع أن نجزم بأن الإنكليز اخذوا لفظة الجمل عن العرب بل من المحتمل أنهم اخذوا من بقية اللغات بحكم تدينهم بدين الساميين ودراستهم كتبهم المقدسة، وما لم يقدر له أن يجوب بلادا غير بلاده لم يكد يحظى باسم جديد في البلاد التي يطأها؛ لكن لا يبعد أن يطأها اسمه فقط بنقل السائحين أو الكتب أو الصحف أو تجلب ثمرته فتحظى الثمرة بتسمية جديدة كالثمرة المسمى عندنا بالتمر الهندي المجلوب من الهند. وربما وقع ذلك في لغة واحدة إذا اختلفت الأقطار وكان ثمة داع كما جرى للبطيخ الأخضر فأنه يسمى في العراق (رقي) نسبة إلى (رقة) ويظهر أنه جلب من جهتها كما سمي أهل الموصل القثاء بال (ترعوزي) نسبة إلى

стр. 2899

(ترع عوز) فيما يظهر. استحالة الإحاطة بمناحي لغة واحدة مهما كانت ضيقة النطاق إذا لم يكن المنقب عن اللغات من أهلها الناشئين في أحضانها، المغتذين بها مع لبن الرضاع، كان من المستحيل سلامته من الخطأ، بل أستطيع التصريح بها مع لبن الرضاع، كان من المستحيل سلامته من الخطأ، بل أستطيع التصريح بذلك في لغة مدينة واحدة لأن المدينة قد تشتمل على إحياء متباينة اللهجة فتكون له الخبرة التامة في لغة الحي الذي ينشأ فيه دون الآخر. وإذا قدرنا إحاطة الوطني بلهجات جميع الأحياء فربما فاتته معرفة اصطلاحات الصناع في صناعاتهم، والعمال في أعمالهم، من دباغين، وحاكة وبنائين، ونقاشين، وأطباء، وصيادلة، وأرباب سفن ومن لف لفهم. وإذا فرضنا أن غريبا أقام بين ظهراني أهل بلد سنين طوالا فتمرس بهم في أسواقهم واختلف إلى مجتمعاتهم فأنه يغادر البلد، وقد فاته شئ كثير مما لا يصل إلى الأسواق والمجامع من اصطلاحات النساء في بيوتهن، والصبيان في ألعابهم. وأن شئت قصصت عليك قصة ذلك الأجنبي الذي كان مقيما في الموصل وكان ملما بلغتها، فأنه كان يلتبس عليه أمر (الراء) التي يقلبها أهل الموصل أحيانا (غينا) فكان إذا أراد النطق بكلمة (شغل) قال: (شرل) ذهابا منه إلى أن الأصل (ر) حتى أن الموصلي إذا كان ساذجا وخاطب بعض البغداديين مثلا قال له (برداد) أي (بغداد). ومن هذا الضرب أني رأيت بعض السوريين يكتب (اثباب) أي (أسباب) ظنا منه أن الأصل (ث) وكان ساذجا فنبهته عليها. وربما عثرنا في بعض الكتب أو الصحف على كلمة (غث وثمين) أي (غث وسمين) وقد جرت بيني وبين بعض فضلاء السوريين مناقشة طويلة إذ ظن أن الثاء هي الأصل وربما عثرنا على تعبير (نذر يسير) أي (نزر يسير). ودخل بعض الغرباء إلى بغداد فوجد أهلها يقلبون القاف كافا فارسية فظن ذلك أمرا مطردا فوقف على دكان فاكهي وقال له: (بكم البورتكال؟) فضحكوا منه وسيأتيك في فصل الغرائب ما يحملك على الإذعان لهذا. محمود الملاح

стр. 2900

الخط الخصوصي لا يمكن للإنسان - مهما حاول تقدير مقام من أوجد الخط - إلا يرى نفسه عاجزا عن ذلك لأنه بدونه لا يمكن التفاهم بين المتباعدين، ولولاه لما عرف الأواخر شيئا من علوم الأوائل. وذلك شامل طبعا جميع أنواع الخطوط من جميع لغات العالم. وقد رأيت بعض الأميين الذين اضطرتهم أعمالهم إلى الكتابة التي يجهلونها يتخذون الوسائل للتفاهم وأن لم يكونوا يحسنون الكتابة فقد فتقت لهم أذهانهم أن يجعلوا لهم حركات وإشارات تقوم لهم مقام الخط فأحببت ذكر هذا الأمر على صفحات لغة العرب التي لم تترك نادرة تخص العلم إلا نصبت لاقتناصها ما عز وهان. فأقول: كنت أعرف قبل نحو أربعين سنة أو أكثر رجلا يسمى درويش علي التحميصي لأنه كان يلتزم من الحكومة رسوم تحميص البن وما كان يؤذن يومئذ لأحد تحميصه خارج ذلك المحل وهو رسم دام إلى إعلان الدستور العثماني. وكان يشتري البن من التجار ويحمصه ثم يوزعه على المشترين من أصحاب المقاهي دافعا إلى كل منهم مقدر ما يصرفه. فيضطر إلى قيد ما اشتراه وممن اشتراه ليحاسبه على طلبه ووفائه لأن المعاملة كلها تقريبا كانت نسيئة وكان مضطرا إلى قيد اسم كل صاحب مقهى ومحلته ومقدار ما يأخذه منه وثمنه وما يأخذه منه من الدراهم وأرباب المقاهي في بغداد لا يقلون عن مائتي شخص وكانت حالته ضيقة لا تمكنه من استخدام كاتب فاخترع بنفسه لنفسه خطا يقيد به شارده ووارده ويحاسب عملاءه من تجار مشترين لكن أرقامه كانت الأرقام الهندية المألوفة. وبقي على حالته هذه حتى مات فمات معه دفتره وذهب ماله عند الناس.

стр. 2901

ولست أدري ما كان عليه للتجار. والثاني رجل من أهالي الاعظمية وهو حي يرزق اسمه (عماد) كان يأخذ من البابوججية ما يصنعه كل منهم وهم عشرات الصناع فيأتي بها إلى بغداد فيفرقها بأن يجعل كل أستاذ على حدة ثم يقدم جميعها للخفافين ويقيد ذلك طبعا في دفتره ليحاسب أصحابها ثم يقوم بشراء ما يلزم لصناعتها من جلد للنعل وللوجه ومن أشراس وخيوط وشمع عسل وغير ذلك وهو مضطر إلى قيد هذه الأشياء لبائعيها وعلى حساب من أخذت لهم وهو أمي ففتق له ذهنه اختراع خط خاص به وكان يدير أعماله حسب اللازم مدة من السنين حتى ترك هذا العمل حسبما أظن ورقمه خاص به دون غيره كخطه. واغرب منهما رجل كان خفافا وهو المرحوم الحاج عبد الكريم الدركزلي كان إذا باع لأحد حذاء قيده باسمه في دفتره على ثمنه ليطالبه به ولكنه كان يكتب خطا لا يعرفه ولا يتمكن هو بنفسه أن يقرأه مع أنه هو الذي كتبه بل كان يعرفه أخوه الأكبر المرحوم الحاج محمد جابر وكان يأتي غالبا إلى حانوت أخيه عبد الكريم فتراه يطلب منه الدفتر ويسأله: هذا اسم من وما الذي عليه؟ ثم توفي الأخ الأكبر فبقي البائع الكاتب لكن دفتره مات مع أخيه ولم ينتفع هو به بعده ولله في خلقه شؤون. عبد اللطيف ثنيان الاشفى في محيط في مادة اش ف؛ الاشفى (وضبطها بكسر الأول وفتح ما قبل الأخر) الاسكاف. وهو غلط ظاهر والصواب مثقب للاسكاف ومعناه الأصلي السلاءة كما في الآرامية.

стр. 2902

أوابد الشهود ١ ربيع الأول تهتم كل امرأة، ولا سيما الفراتية بكنس بيتها وغسله جلبا للخير. ٩ربيع الأول يبتهج الفراتيون وبعض سكان مدن العراق ابتهاجا عظيما في هذا اليوم ويعدونه من الأعياد فيتزينون فيه. ويتطيبون ويلبسون افخر ملبوسهم ويسميه عوام الشيعة (عيد الزهراء) والسبب تسميته هو أنهم يعتقدون أن في مثل هذا اليوم مات الخبيث عمر بن سعد بن أبي وقاص الذي دبر الهجوم ظلما على الحسين الشهيد (ع)، وهو قاتل ابنها فعزي هذا العيد إليها وسمي باسمها ويفعل الصبيان في هذا اليوم أمورا عجيبة غريبة. ترى الواحد منهم يأخذ (كبيرة). والكبيرة في عرفهم كتله قطع صغيرة من الثياب الخلق، تجمع وتخاط فتكون على شكل كرة. ويقف الفتية في قارعة الطريق ينتظرون المارين. فإذا كان المار (معمما) أنهال عليه الصبيان يضربونه (بالكبيرة) صارخين مترنمين: (يا شيخنة لا تزعل عيد الزهرة كبيرة) أي يا شيخنا لا تغضب من ضربنا إياك فأن عيد الزهراء عظيم. ومنهم من يضع الأصباغ المختلفة الألوان في اللبن ويمزجها مزجا نعما فإذا تم عملهم هذا لطخوا به اوجه المارين. ويفعلون أمور أخرى خارجة عن الحد المعقول. والعقلاء منهم لا يرضون بهذه المنكرات ويتألمون لوقوعها، ويمحضون النصح للفتيان ليتركوا هذه الخزعبلات لكن الرعاع قلما يعملون بهذه النصائح والإيرانيون يعتنون بهذا اليوم اعتناء عظيما. ويعتبرونه من الأعياد الكبيرة ويقيمون فيه المهرجانات والأفراح والمسرات والسافلون من العوام يخرجون عن حدود الشرع والعقل، وهم أكثر الناس فرحا وابتهاجا به وهذه العادة من مبتدعات الإيرانيين وقد جاءوا بها إلى العراق.

стр. 2903

سبت البنات كل سبت في شهر رجب يسمى (سبت البنات) تلبس فيه كل فتاة احسن ثيابها وتذهب إلى زيارة المزارات المقدسة حيث يجتمع جم غفير من الكواعب فيجلسن في الفناء الملتصق بالمرقد الشريف ليتحدثن عن أمورهن وهذه العادة جارية في أكثر المدن الموجودة فيها مزارات مقدسة خصوصا في المدن الكبرى. صوم اليتيمة هو صوم خاص بالفتيات اللائى (يطلبن) المراد (المراد ما يطلب من الأماني أن يتحقق) ويكون في آخر ثلاثاء من رجب. فتطبخ التي تريد (مرادا) (جريشة) ويكون في آخر ثلاثاء من رجب. فتطبخ التي تريد (مرادا) (جريشة) في مكان خفي (والجريشة الحنطة المجروشة) ولهذا العادة قصة غريبة وهي: يقال أن فتاة كانت قد شبت في العز والدلال في أحضان أمها وأبيها فاختطف الموت ذات يوم روح أمها العزيزة فاضطر والدها إلى أن يتزوج امرأة أخرى. فكانت الزوجة الجديدة تجور على تلك البنت جورا عظيما، فكانت تؤلمها بالكلام البذيء وتؤذيها بقلة ما تعطيها من الطعام، إلى أن هزلت وأصابها نحول ومرض وكانت تقضي أيامها بالبكاء والدعاء طالبة من الله أن ينقذها من مخالب زوجة أبيها. وفي يوم كان آخر ثلاثاء من رجب صامت لوجه الله ونذرت أن أنقذها الله من البلية التي هي فيها فأنها تصوم في ذلك اليوم من كل سنة. فطبخت مساء (الجريشة) المار ذكرها في مكان لا تصل إليه عين زوجة أبيها ثم فطرت فصلت وأكثرت من الدعاء. ثم مرت أيام كثيرة وإذا زوجة السلطان تفتش عن كاعب حسناء تتخذها زوجة لابنها الوحيد؛ فوقع نظرها ذات يوم على تلك الصبية وراقها حسنها وجمالها وأدبها وكمالها فخطبتها من أبيها فزفت الفتاة عزيزة إلى بيت السلطان وعاشت في سعادة وهناء. اهـ هذه قصة اليتيمة وأسباب صيامها وأظن كل الظن أن هذه القصة من مبتدعات مخيلات العجائز الخرافية. ٢٧ رجب هو من الأيام المعتبرة لدى الطائفة الجعفرية وفي هذا اليوم تكتب الأدعية

стр. 2904

والطلاسم والتمائم والحروز وتنقش الخواتم بدعاء خاص بهذا اليوم. شابريون أواخر أربعاء من رجب شابريون كلمة فارسية، منحوتة من كلمتين وهما (شاه) أي ملك وبريان أي ملائكة أو حور والعامة تعتقد أن (البري) هو جنس من الآدميين من نوع الجن الطيار هم اجمل خلق الله. ويسكنون جبال واق واق وجزائر الكافور وقد ورد ذكر هذه الخرافة في قصة (حسن البصري). أما قصة شابريون الواردة في هذا الشهر فهي أنه يزعم أن حطابا فقيرا خرج ذات يوم على عادته إلى الفلاة لاقتلاع بعض الشوك وبعد أن اقتلع مقدارا منه شعر بالتعب فتوسد الأرض تحت شجرة وما عتم أن رأى ثلاثة طيور بيضاء وقفت على غصن تلك الشجرة، وهم: (شاهبريون، وماهبريون، واسمابريون) فقال أحدهما للآخرين لو أن هذا الحطاب المسكين يصوم لوجه الله أربعاء من رجب ويفطر مساء ويأكل قليلا من خبز الشعير والسمسم والسكر ويوقد شمعة، ويضع أناء من الماء أمامه ويصلي لرزقه الله رزقا واسعا فقام الحطاب بعد أن سمع هذا الحديث وطارت الطيور تحلق في الفضاء وقصد بيته وصام في ذلك اليوم هو وامرأته وفطرا مساء كما ذكرناه قبلا فرزقه الله ولدا بعد أن كانت امرأته عاقرا مدة طويلة ثم اتفق أن أخذت المرأة إلى بيت (الملك) مرضعا لابنه واخذ الرجل بستانيا لحديقة الملك فانغمسا في اللذات طول تلك السنة ولما حل الأربعاء الأخير من رجب نسي الرجل والمرأة صوم (شابريون) فذهبت ابنة الملك يوم مع مرضعتها (زوجة الحطاب) إلى الحديقة للنزهة ثم أحبت ابنة الملك أن تسبح في الحوض فنزعت أثوابها وقلادتها وكلها جواهر ثمينة وإذا طائر هوى والتقط القلادة وهرب بها - ويظن أن الطير هو شابريون جاء ليذكر امرأة الحطاب بالنذر الذي عليها وهو الصوم - فلما خرجت ابنة الملك من الحوض وأرادت قلادتها لم تجدها؛ فاتهمت البستاني - وهو الحطاب - وامرأته بسرقة القلادة. ثم أخبرت البنت والدها الملك بما وقع لها فأمر بزج الحطاب وامرأته بغيابة السجن فظلا حولا كاملا في السجن حتى حل شهر رجب فتذكر الحطاب وامرأته صوم شابريون

стр. 2905

فصام كلاهما في اليوم المعين وقعد الحطاب في الكوة التي تطل على الشارع وبينما هو كذلك شاهد رجلا يركض ركضا سريعا فناداه وسأله عن سبب عدوه فقال: لي مريض يحتضر فأنا ذاهب لاشتري له (زهاب) فقال له الحطاب: اذهب واشتر لي إبريقا ورغيفا من خبز الشعير وسمسم وشمعة يشف الله مريضك فذهب الرجل واشترى ما أوصاه به الحطاب وأوصله إليه بحبل رماه إليه الحطاب من الكوة ففطر الحطاب وامرأته ولما رجع صاحب المريض إلى بيته وجد مريضه في صحة وعافية ولما أتم الحطاب ما عليه هو وامرأته جاء ذلك الطير حاملا في منقاره ورماها في بيت الملك فاعتقد الملك وأهل بيته ببراءة الحطاب فأطلق سراحهما وبقيا في بحبوحة العز ولم ينسيا صوم شابريون حتى ماتا. والنساء في العراق يصمن آخر أربعاء من رجب إلى الظهر معتقدات أن في صيامه مجلبة للرزق والبركة فيشترين خبز الشعير والسمسم والسكر ويوقدون الشموع فإذا حل الظهر اجتمع أهل البيت حول (الصينية) الحاوية هذه الأشياء فتقص عليهم الصائمة ما تعتقده عن حديث الشابريون وهو حديث الحطاب وزوجته ثم يأكل الحاضرون. والتي تريد أن تنذر صوم آخر أربعاء من رجب تأكل ما موجود وبعضهن يأكلن منه (لنيل المراد). ٧ شعبان يصوم في هذا اليوم النساء المسلمات على اختلاف مذاهبهن ويسمى (صوم زكريا). في صباح ذلك اليوم يؤتى بصينية ويضع فيها قطعة من السمك النيئ وقليل من اللبن والخضراوات والسمسم والسكر وأكواز صغار وتوقد شموع من الكافور الصناعي ويوقد منها أفراد أهل البيت وفي المساء تقرأ الصائمة سورا من القرآن الكريم ثم تفطر وبعد ذلك يتناول أبناء البيت مما على تلك الصينية. وبعض النساء ذوات بنين يصمن في هذا اليوم معتقدات أن صومهن يطيل

стр. 2906

عمر بنينهن وبناتهن. ١٥ شعبان هو يوم ابتهاج وسرور عند الطائفة الجعفرية وفي مثل هذا اليوم ولد الخلف الحجة القائم بأمر الله الملقب بصاحب الزمان ﵇ سنة ٢٥٥هـ ونظرا للأخبار المتواترة عن النبي ﷺ يعتقد كثيرون من أهل السنة والجماعة بما يعتقد الجعفريون ويقولون بغيبة الإمام في هذا اليوم يؤم الجعفريون العتبات المقدسة. وقد جرت العادة أن يؤموا قبر المشهد الحسين ﵇ وإذا ذكر صاحب الزمان يقوم الناس على أقدامهم ويقولون (عجل بالظهور يا صاحب الزمان). أحمد حامد الصراف محمد مهدي العلوي هو محمد بن إبراهيم بن معصوم، ينتهي نسبه إلى علي العريضي (بالتصغير والنسبة) ابن الإمام جعفر الصادق (ع) ولد في يوم الثلاثاء ١٨ شعبان سنة ١٣٢٦هـ في سبزوار من أعمال فأخذه والده في سنة ١٣٢٧هـ أي بعد سنة من ولادته إلى العراق فنشأ المترجم في الكاظمية ودرس اللغة العربية والمنطق والعلوم العصرية على جماعة من كبار الأساتذة والعلماء ثم هاجر إلى كربلاء وبقي فيها مدة يطلب علمي الفقه والأصول، ومن مشاهير أساتذته في هذين العلمين: الشيخ الميروا محمد حسين اللنكراني والشيخ علي الشاهرودي وهما من العلماء والفقهاء. وفي ١٢ ذي الحجة سنة ١٣٤٣هـ ارتحل المترجم من كربلاء إلى الكاظمية عازما عل مغادرة وطنه العراق إلى إيران وذلك بإشارة من والده، فادر الكاظمية في ١٩ محرم سنة ١٣٤٤هـ مهاجرا إلى إيران فنزل بسبزوار حيث والده وأقرباؤه وما زال متتلمذا على الفقهاء والعلماء حتى قبل أخيراً كمنتسب إلى العلم وخادم للدين الحنيف. يحسن من اللغات العربية فالفارسية فالإنكليزية وللمترجم مؤلفات لم تبرز منها عالم المطبوعات سوى تاريخ طوس أو المشهد الرضوي (راجع لغة العرب ٥٦٧: ٥) وعدة مقالات نشرت في مجلتنا هذه.

стр. 2907

مخطوط قديم في غريب الحديث اقتنيت مؤخرا مخطوطا عربيا نفسيا قديما جدا كتب في أول ورقة منه: (كتاب مختصر غريب الحديث) صنفه الشيخ أبي علي الحسين بن أحمد الاسترابادي ﵀. لأبى محمد عبد الله بن علي محمد المروزي. وكتب في آخر ورقة منه: تم الكتاب بحمد الله ومنه والصلوة على رسوله محمد وآله أجمعين. واتفق للفراغ (كذا) لأبي محمد عبد الله بن علي محمد المروزي، اصلح الله باله وحقق آماله في صفر سنة أربع وستين وأربعمائة. شرعت في البحث عن ترجمة المؤلف والناسخ لأنه تحقق لدي بعد الاستقراء أن مؤلفه المتوفى قبل سنة ٤٦٤ هجرية هو أبو علي الحسين بن أحمد الاسترابادي وناسخة ومرتبة الذي حشي الكتاب وعلق عليه تعاليق وفوائد جمة هو أبو محمد عبد الله بن محمد المروزي ولم يتيسر لي الوقوف على ترجمة أحدهما ولذا أرجو من الخبراء ولا سيما من أهل العراق وفارس أن يبحثوا عنهما في كتب تراجم أدباء إيران ويفيدوني عما تصل إليه معرفتهم بأحد منهما فاكون لهم من الشاكرين. ويمتاز هذا الكتاب عن غيره من كتب غريب الحديث بأشياء منها أولا: أنه كتب في القرن الخامس للهجرة وقلما تجد مخطوطات عربية من هذا التاريخ. واكثر الكتب المخطوطة القديمة الموجودة في الخزائن المشهورة منسوخ في القرن السادس والسابع للهجرة فصاعدا وأن يكن مؤلفوها قد وجدوا قبل القرن الخامس. ثانيا لأنه اختصار كتاب غريب لحديث الذي ألفه أبو عبيد القاسم ابن سلام المتوفى سنة ٢٢٣هـ وقد أفنى فيه عمره إذ قال: (أني جمعت كتابي هذا في أربعين سنة وربما كنت استفيد الفائدة من الأفواه فأضعها في موضعها فكان خلاصة عمري) وقد حفظ لنا الدهر هذا الكتاب الجليل إذ اقتنته دار الكتب

стр. 2908

المصرية بالفوتوغراف عن نسخة كتبت سنة ٥٩٦ محفوظة في خزانة كتب كوبريلي بالأستانة. قال ابن الأثير في مقدمة كتابه النهاية في غريب الحديث والأثر: (أن أبا عبيد بن سلام احتاج إلى تتبع أحاديث الرسول ﷺ على كثرتها وآثار الصحابة التابعين على تفرقها وتعدوها حتى اجتمع منها إلى بيانه بطرق أسانيدها وحفظ رواتها وهذا فن عزيز شريف لا يوفق له إلا السعداء. وظن ﵀ على كثرة تعبه وطول أنه قد أتى على معظم غريب الحديث واكثر الآثار وما علم أن الشوط بطين والمنهل معين. وبقي ذلك على كتابه في أيدي الناس يرجعون إليه ويعتمدون في غريب الحديث عليه إلى عصر أبي محمد غريب الحديث والآثار حذا فيه حذوا أبي عبيد ولم يودعه شيئا من الأحاديث المودعة في كتاب أبي عبيد إلا ما دعت إليه الحاجة من زيادة شرح وبيان أو استدراك أو اعتراض فجاء كتابه مثل كتاب أبي عبيد أو أكبر منه) انتهى كلام ابن الأثير. وصنف الناس غير من ذكر في هذا الفن تصانيف كثيرة منهم شمر بن حمدويه وأبو العباس أحمد بن يحيي اللغوي المعروف بثعلب وأبو العباس محمد بن يزيد الازدي البصري المعروف بالمبرد وأبو بكر بن القاسم الأنباري وغير هؤلاء من أئمة اللغة والنحو والفقه والحديث. ولما كان زمن أبي عبيد أحمد بن محمد الهروي القاشاني المتوفى سنة ٤٠١ صاحب الإمام أبي منصور الأزهري اللغوي صنف كتابة المشهور السائر في الجمع بين غريبي القران والحديث ورتبه على حروف المعجم على نمط لم يسبقه إليه أحد في غريب القران والحديث فاستخرج الكلمات اللغوية الغريبة من كنها وأثبتها في حروفها معانيها إذ كان المقصد من هذا التصنيف معرفة الكلمة الغريبة لغة وأعرابا ومعنى لا معرفة متون الأحاديث والآثار وطرق

стр. 2909

أسانيدها وأسماء رواتها فأن ذلك علم مستقل بنفسه مشهور بين أهله. وما زال الناس يتبعون أثر أبي عبيد الهروي إلى عهد أبي القاسم محمود بن عمر الزمخشري فصنف سنة ٥١٦هـ (الفائق) في غريب الحديث ورتبه على حروف المعجم وهو كتاب جليل جم الفوائد طبع في حيدر آباد الدكن سنة ١٣٣٤ هجرية وكذا قريبا من عهده صنف أبو الفرج عبد الرحمن بن جوزي كتابا في غريب الحديث نهج فيه طريق الهروي مجردا عن غريب القران. ثم اتبعه الشيخ الإمام أبو السعادات المعروف بابن الأثير الجزري المتوفى سنة ٦٠٦ بكتاب سماه: النهاية في غريب الحديث والأثر أخذه من الغربيين الهروي وأبى موسى الاصبهاني وهو أيضاً مرتب على حروف الهجاء وأوسع من الفائق للزمخشري. قلت: أن كتاب مختصر غريب الحديث للاسترابادي يمتاز عن غيره بكونه أولا نسخة قيمة العهد ولعلها الوحيدة في خزائن الكتب وثانيا بكونه مختصرا لكتاب أبي عبيد سلام وهو نادر الوجود وذكرنا ما يعرف من نسخة المخطوطة ومن ميزته أيضاً كون كلمات الأحاديث مؤيدة بما ورد من أشعار العرب الموثوق بهم في لغتهم كالأعشى والاخطل وامرئ القيس وذي الرمة وغيرهم كثيرين. ومعلوم أن علم غريب الحديث يعني الغريب من الكلام وهو الغامض البعيد من الفهم أن الغريب من الناس هو البعيد ع الوطن المنقطع عن الأهل. والغريب من الكلام يعني وجهين أحدهما هو أن يراد به أنه بعيد المعنى غامضه لا يتناوله الفهم إلا عن ومعاناة فكر والوجه الآخر هو أن يراد به كلام من بعدت به الدار من شواذ قبائل العرب (راجع كشف الظنون).

стр. 2910

وقال ابن الأثير في مقدمة النهاية: وقد عرفت أن رسول الله ﷺ كان افصح العرب لسانا واوضحهم بيأنا وأعذبهم نطقا وأمدهم لفظا وأبينهم لهجة واقومهم حجة واعرفهم بمواقع الخطأ حتى لقد قال له علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وسمعه يخاطب وفد بني نهديا رسول الله نحن بنو أب واحد ونراك تكلم وفود العرب بما لا نفهم أكثره فقال أدبني ربي واحسن تأديبي وربيت في بني سعد فكان ﷺ يخاطب العرب على اختلاف شعوبهم وقبائلهم وتباين بطونهم وأفخاذهم وفصائلهم كلا منهم بما يفهمون. . . اهـ وكان أصحابه يعرفون أكثر ما يقوله وما جهلوه سألوه عنه فيوضحه لهم. ولا يتناول علم غريب الحديث أحاديث النبي فقط بل أحاديث الصحابة والتابعين أيضا. والمخطوط الذي يبتدئ أولا بحديث النبي ثم يتبعه أحاديث أبي بكر ثم أحاديث الخطاب ثم أحاديث عثمان بن عفان وعلى بن أبي طالب وحديث الزبير بن العوام وطلحة بن عبد الله وعبد الرحمن بن عوف وغيرهم كثيرين. مصر القاهرة يوسف اليان سركيس اليمن وتقدمها جلبت حكومة الإمام يحيي في الأيام الأخيرة بعض ضباط الألمان إلى صنعاء واستخدمت بعضهم في مصانع الأسلحة والمؤن الحربية؛ وبعضهم في قسم الطيران ونالوا استحسان الإمام وأركان الدولة لما اظهروا من النشاط والمهارة في تحسين الأشغال الموكلة إلى عنايتهم، ورفعت الحكومة رواتبهم اعترافا باجتهادهم وتقديرا لعلومهم وتشجيعا لهم على المثابرة في العمل. وقد ساء بعض المستخدمين الإيطاليين اعتناء الحكومة بالألمان، فثارت في صدورهم عوامل الحسد والغيرة فأندفع اثنان منهم إلى تخريب آلات إحدى الطيارات المنوط أمرها بطيار ألماني وأنكشف سر المسألة فصدر أمر من سيادة الإمام بقطع علاقات الإيطاليين وإخراجهم من البلاد فلم يبق منهم فيها أحد. وكثير من طلبة المدرسة الحربية قد أتقنوا فن الطيارات سواء في سوقها أو في رصد الطريق التي تسير فيها.
следующие страницы →