Полный текст (6 158 стр.). Показаны 2906–2945 · переход к 2911.
стр. 2906
عمر بنينهن وبناتهن.
١٥ شعبان
هو يوم ابتهاج وسرور عند الطائفة الجعفرية وفي مثل هذا اليوم ولد الخلف الحجة القائم بأمر الله الملقب بصاحب الزمان ﵇ سنة ٢٥٥هـ ونظرا للأخبار المتواترة عن النبي ﷺ يعتقد كثيرون من أهل السنة والجماعة بما يعتقد الجعفريون ويقولون بغيبة الإمام في هذا اليوم يؤم الجعفريون العتبات المقدسة. وقد جرت العادة أن يؤموا قبر المشهد
الحسين ﵇ وإذا ذكر صاحب الزمان يقوم الناس على أقدامهم ويقولون (عجل بالظهور يا صاحب الزمان).
أحمد حامد الصراف
محمد مهدي العلوي
هو محمد بن إبراهيم بن معصوم، ينتهي نسبه إلى علي العريضي (بالتصغير والنسبة) ابن الإمام جعفر الصادق (ع) ولد في يوم الثلاثاء ١٨ شعبان سنة ١٣٢٦هـ في سبزوار من أعمال فأخذه والده في سنة ١٣٢٧هـ أي بعد سنة من ولادته إلى العراق فنشأ المترجم في الكاظمية ودرس اللغة العربية والمنطق والعلوم العصرية على جماعة من كبار الأساتذة والعلماء ثم هاجر إلى كربلاء وبقي فيها مدة يطلب علمي الفقه والأصول، ومن مشاهير أساتذته في هذين العلمين: الشيخ الميروا محمد حسين اللنكراني والشيخ علي الشاهرودي وهما من العلماء والفقهاء.
وفي ١٢ ذي الحجة سنة ١٣٤٣هـ ارتحل المترجم من كربلاء إلى الكاظمية عازما عل مغادرة وطنه العراق إلى إيران وذلك بإشارة من والده، فادر الكاظمية في ١٩ محرم سنة ١٣٤٤هـ مهاجرا إلى إيران فنزل بسبزوار حيث والده وأقرباؤه وما زال متتلمذا على الفقهاء والعلماء حتى قبل أخيراً كمنتسب إلى العلم وخادم للدين الحنيف.
يحسن من اللغات العربية فالفارسية فالإنكليزية وللمترجم مؤلفات لم تبرز منها عالم المطبوعات سوى تاريخ طوس أو المشهد الرضوي (راجع لغة العرب ٥٦٧: ٥) وعدة مقالات نشرت في مجلتنا هذه.
стр. 2907
مخطوط قديم في غريب الحديث
اقتنيت مؤخرا مخطوطا عربيا نفسيا قديما جدا كتب في أول ورقة منه: (كتاب مختصر غريب الحديث) صنفه الشيخ أبي علي الحسين بن أحمد الاسترابادي ﵀. لأبى محمد عبد الله بن علي محمد المروزي. وكتب في آخر ورقة منه: تم الكتاب بحمد الله ومنه والصلوة على رسوله محمد وآله أجمعين. واتفق للفراغ (كذا) لأبي محمد عبد الله بن علي محمد المروزي، اصلح الله باله وحقق آماله في صفر سنة أربع وستين وأربعمائة.
شرعت في البحث عن ترجمة المؤلف والناسخ لأنه تحقق لدي بعد الاستقراء أن مؤلفه المتوفى قبل سنة ٤٦٤ هجرية هو أبو علي الحسين بن أحمد الاسترابادي وناسخة ومرتبة الذي حشي الكتاب وعلق عليه تعاليق وفوائد جمة هو أبو محمد عبد الله بن محمد المروزي ولم يتيسر لي الوقوف على ترجمة أحدهما ولذا أرجو من الخبراء ولا سيما من أهل العراق وفارس أن يبحثوا عنهما في كتب تراجم أدباء إيران ويفيدوني عما تصل إليه معرفتهم بأحد منهما فاكون لهم من الشاكرين.
ويمتاز هذا الكتاب عن غيره من كتب غريب الحديث بأشياء منها أولا: أنه كتب في القرن الخامس للهجرة وقلما تجد مخطوطات عربية من هذا التاريخ. واكثر الكتب المخطوطة القديمة الموجودة في الخزائن المشهورة منسوخ في القرن السادس والسابع للهجرة فصاعدا وأن يكن مؤلفوها قد وجدوا قبل القرن الخامس. ثانيا لأنه اختصار كتاب غريب لحديث الذي ألفه أبو عبيد القاسم ابن سلام المتوفى سنة ٢٢٣هـ وقد أفنى فيه عمره إذ قال: (أني جمعت كتابي هذا في أربعين سنة وربما كنت استفيد الفائدة من الأفواه فأضعها في موضعها فكان خلاصة عمري) وقد حفظ لنا الدهر هذا الكتاب الجليل إذ اقتنته دار الكتب
стр. 2908
المصرية بالفوتوغراف عن نسخة كتبت سنة ٥٩٦ محفوظة في خزانة كتب كوبريلي بالأستانة.
قال ابن الأثير في مقدمة كتابه النهاية في غريب الحديث والأثر: (أن أبا عبيد بن سلام احتاج إلى تتبع أحاديث الرسول ﷺ على كثرتها وآثار الصحابة التابعين على تفرقها وتعدوها حتى اجتمع منها إلى بيانه بطرق أسانيدها وحفظ رواتها وهذا فن عزيز شريف لا يوفق له إلا السعداء. وظن ﵀ على كثرة تعبه وطول أنه قد أتى على معظم غريب
الحديث واكثر الآثار وما علم أن الشوط بطين والمنهل معين. وبقي ذلك على كتابه في أيدي الناس يرجعون إليه ويعتمدون في غريب الحديث عليه إلى عصر أبي محمد غريب الحديث والآثار حذا فيه حذوا أبي عبيد ولم يودعه شيئا من الأحاديث المودعة في كتاب أبي عبيد إلا ما دعت إليه الحاجة من زيادة شرح وبيان أو استدراك أو اعتراض فجاء كتابه مثل كتاب أبي عبيد أو أكبر منه) انتهى كلام ابن الأثير.
وصنف الناس غير من ذكر في هذا الفن تصانيف كثيرة منهم شمر بن حمدويه وأبو العباس أحمد بن يحيي اللغوي المعروف بثعلب وأبو العباس محمد بن يزيد الازدي البصري المعروف بالمبرد وأبو بكر بن القاسم الأنباري وغير هؤلاء من أئمة اللغة والنحو والفقه والحديث.
ولما كان زمن أبي عبيد أحمد بن محمد الهروي القاشاني المتوفى سنة ٤٠١ صاحب الإمام أبي منصور الأزهري اللغوي صنف كتابة المشهور السائر في الجمع بين غريبي القران والحديث ورتبه على حروف المعجم على نمط لم يسبقه إليه أحد في غريب القران والحديث فاستخرج الكلمات اللغوية الغريبة من كنها وأثبتها في حروفها معانيها إذ كان المقصد من هذا التصنيف معرفة الكلمة الغريبة لغة وأعرابا ومعنى لا معرفة متون الأحاديث والآثار وطرق
стр. 2909
أسانيدها وأسماء رواتها فأن ذلك علم مستقل بنفسه مشهور بين أهله.
وما زال الناس يتبعون أثر أبي عبيد الهروي إلى عهد أبي القاسم محمود بن عمر الزمخشري فصنف سنة ٥١٦هـ (الفائق) في غريب الحديث ورتبه على حروف المعجم وهو كتاب جليل جم الفوائد طبع في حيدر آباد الدكن سنة ١٣٣٤ هجرية وكذا قريبا من عهده صنف أبو الفرج عبد الرحمن بن جوزي كتابا في غريب الحديث نهج فيه طريق الهروي مجردا عن غريب القران.
ثم اتبعه الشيخ الإمام أبو السعادات المعروف بابن الأثير الجزري المتوفى سنة ٦٠٦ بكتاب سماه: النهاية في غريب الحديث والأثر أخذه من الغربيين الهروي وأبى موسى الاصبهاني وهو أيضاً مرتب على حروف الهجاء وأوسع من الفائق للزمخشري.
قلت: أن كتاب مختصر غريب الحديث للاسترابادي يمتاز عن غيره بكونه أولا نسخة قيمة
العهد ولعلها الوحيدة في خزائن الكتب وثانيا بكونه مختصرا لكتاب أبي عبيد سلام وهو نادر الوجود وذكرنا ما يعرف من نسخة المخطوطة ومن ميزته أيضاً كون كلمات الأحاديث مؤيدة بما ورد من أشعار العرب الموثوق بهم في لغتهم كالأعشى والاخطل وامرئ القيس وذي الرمة وغيرهم كثيرين.
ومعلوم أن علم غريب الحديث يعني الغريب من الكلام وهو الغامض البعيد من الفهم أن الغريب من الناس هو البعيد ع الوطن المنقطع عن الأهل. والغريب من الكلام يعني وجهين أحدهما هو أن يراد به أنه بعيد المعنى غامضه لا يتناوله الفهم إلا عن ومعاناة فكر والوجه الآخر هو أن يراد به كلام من بعدت به الدار من شواذ قبائل العرب (راجع كشف الظنون).
стр. 2910
وقال ابن الأثير في مقدمة النهاية: وقد عرفت أن رسول الله ﷺ كان افصح العرب لسانا واوضحهم بيأنا وأعذبهم نطقا وأمدهم لفظا وأبينهم لهجة واقومهم حجة واعرفهم بمواقع الخطأ حتى لقد قال له علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وسمعه يخاطب وفد بني نهديا رسول الله نحن بنو أب واحد ونراك تكلم وفود العرب بما لا نفهم أكثره فقال أدبني ربي واحسن تأديبي وربيت في بني سعد فكان ﷺ يخاطب العرب على اختلاف شعوبهم وقبائلهم وتباين بطونهم وأفخاذهم وفصائلهم كلا منهم بما يفهمون. . . اهـ
وكان أصحابه يعرفون أكثر ما يقوله وما جهلوه سألوه عنه فيوضحه لهم. ولا يتناول علم غريب الحديث أحاديث النبي فقط بل أحاديث الصحابة والتابعين أيضا. والمخطوط الذي يبتدئ أولا بحديث النبي ثم يتبعه أحاديث أبي بكر ثم أحاديث الخطاب ثم أحاديث عثمان بن عفان وعلى بن أبي طالب وحديث الزبير بن العوام وطلحة بن عبد الله وعبد الرحمن بن عوف وغيرهم كثيرين.
مصر القاهرة
يوسف اليان سركيس
اليمن وتقدمها
جلبت حكومة الإمام يحيي في الأيام الأخيرة بعض ضباط الألمان إلى صنعاء واستخدمت بعضهم في مصانع الأسلحة والمؤن الحربية؛ وبعضهم في قسم الطيران ونالوا استحسان الإمام وأركان الدولة لما اظهروا من النشاط والمهارة في تحسين الأشغال الموكلة إلى عنايتهم، ورفعت الحكومة رواتبهم اعترافا باجتهادهم وتقديرا لعلومهم وتشجيعا لهم على المثابرة في العمل. وقد ساء بعض المستخدمين الإيطاليين اعتناء الحكومة بالألمان، فثارت في صدورهم عوامل الحسد والغيرة فأندفع اثنان منهم إلى تخريب آلات إحدى الطيارات المنوط أمرها بطيار ألماني وأنكشف سر المسألة فصدر أمر من سيادة الإمام بقطع علاقات الإيطاليين وإخراجهم من البلاد فلم يبق منهم فيها أحد.
وكثير من طلبة المدرسة الحربية قد أتقنوا فن الطيارات سواء في سوقها أو في رصد الطريق التي تسير فيها.
стр. 2911
غادة بابل
- ٦ -
نام أهل الحي وأصحاب القافلة نوما هنيئا. أما شمشو فلم يغمض جفنا على جفن بل أخذ يسامر الكواكب والبدر المنير في سماء صافية الأديم وكان يرى في البدر وجه حبيبته حتراء وفي النجوم عينيها اللامعتين ويتخيل في تمايل السنابل عند مر النسيم البليل قدها المياس تيها ودلالا. وإذا سمع خرير الماء في الجداول والترع يصغي إليه كأنه أنشودة حب سرية.
وبين فينة وفينة يذكر بنت خاله شميرام بخير ويعطف عليها ويأسف لبواعث الأسى التي تختلج في صدرها بسبب حبها له وهو تحت سلطان غرام غيرها فلا قدرة له على كبح جماح الهوى وتحكمه فيه ولا سبيل له لإرضائها. وبينما كانت يد الهواجس تداعب مخيلته وأنامل الشوق تلاعب شعوره إذا بعض الرعاة الذين يتناوبون يصيحون بالويل والثبور ويستغيثون لدفع شر أسد أنسل بين القطعان يريد افتراس الغنم فهجموا عليه بفؤوسهم تعاونهم الكلاب الجريئة الكبيرة الجثث فانقضت على الأسد انقضاضها على فرائس الصيد. وبعد عراك هائل تمكن القوم من طر الأسد وقد خذل أي خذل لأنه لم يأخذ فريسته.
وفي الصباح استأنفت القافلة السير وكان أصحابها يمرون على المزارع فمنها ما كان يزرعها الملاكون مباشرة وقد أقاموا عليها الوكلاء واستأجروا لها الفلاحين من الأحرار أو العبيد بعقود مسجلة، وبين الفلاحين من تقضي عليه شروط عقده أن يخدم خدمة العبيد ويكون ملكا لمالك الأرض حتى ينتهي الأجل المضروب ومن الأراضي ما كان مؤجرا أو (ملتزما) ويدفع الفلاحون إلى مالكيها حصة مقطوعة أو نسبية من نتاج الأرض.
كان بلاتو دعي بيروس يسير إلى جانب شمشو في الطريق ويتحادثان في مواضيع مختلفة فتناولا البحث في ملكية الأراضي في بابل وقوانينها فقال شمشو:
الأرض ملك الإله في الأصل يولونها لمن شاءوا من الملوك والسلاطين
стр. 2912
وهؤلاء وهبوا منها ولا يزالون يهبون قطعا لمن شاءوا من المخلصين لهم أو المقربين منهم حتى إذا معظم الأراضي بيد الشرفاء ورجال الدولة والجيش ومختلف طبقات الناس من العامة. لأن من
نال هبة الملك من تلك الأراضي له أن يتصرف فيها حسبما شاء وأراد أيجار وبيع واستغلال وتقسيم بين ورثته أو بين أصدقائه بعد أن يدفع ضريبة الدولة ورسوم الهيكل المقررة مهما كانت ثقيلة الوطأة وليس لأي كان أن يتدخل في شؤون هذا المالك أو يضيق حريته.
وملكية الأراضي مثبتة في رقم من طين مدونة فيها تقسيم كل أرض وحدودها واسم صاحبها وما فيها من المنخفضات والمرتفعات والترع والجداول ومساحتها وإذا وجد بعض المبهمات تخطط صورة أو خريطة مختصرة تلحق بالرقيم زيادة للإيضاح.
وعلى هذا المسح العام للأراضي (الكادسترو) تجبى الضرائب والرسوم وتفرض على قاعدة ثابتة. لا يحتمل وقوع إجحاف كبير بالمزارعين. ويرجع من حين إلى آخر إلى مسح الأراضي التي يشك في صحة مساحتها.
بلاتو - أني لم أتعاط الزراعة ولا وقوف لي على هذه المعاملات ولكن إلا تظن أن الضرائب والرسوم التي تجنى على مساحة الأراضي لا تكون عادلة لأن بعض الأراضي مخصبة كل الخصب وبعضها دون ذلك وبعضها قليلة الإنتاج.
شمشو - الحق معك. إلا أن الشرائع المرعية قد نظرت في هذا الأمر وجعلت تقدير حاصل كل وحدة قياسية يختلف عن حاصل وحدة قياسية أخرى نظرا إلى جودة الأرض وموقعها.
وهكذا كانت تقطع القافلة مرحلة بعد مرحلة بأطيب الأحاديث وافكه النوادر والخوض في مواضيع شتى. وبلغت في اليوم الخامس اوبي الشهيرة
стр. 2913
بتجارتها الواقعة عند مصب نهر فسقس وعلى ضفة دجلة الغربية. فرغب رجال القافلة في أن يقضوا يوما في تلك المدينة للتفرج وقضاء بعض الحاجات فوافقهم رئيس القافلة.
تركت القافلة اوبي وسارت في طريقها إلى بلاد آشور وبعد أن قطعت ثماني ساعات أنزلت الأحمال والأثقال للاستراحة والمبيت بموجب العادة.
وهنا حدث أمر ذو بال وهو أن (بلاتو) دعي بيروس أصبح جثة هامدة وفي جسمه آثار السم بادية والى جانبه كلبه ميت أيضاً وفيه مثل تلك الإمارات وبعد البحث عن السبب تحقق شمشو أنهما أكلا من الزاد الذي بعثت به إليه شميرام ولكي يقف على ما في هذا
الزاد من القوة السامة ألقى منه شيئا لكلب آخر فمات لساعته. فلم يبق لديه في الأمر فطرح ذلك الزاد في دجلة ولم يحتفظ إلا بشيء زهيد منه شهادة ما فيه، حتى إذا ما رجع إلى بابل يبحث عن الجاني.
وكان هذا الأمر الخطير من بواعث القلق والاضطراب لشمشو واخذ يفكر في اليد الأثيمة التي تجرأت على دس الدسيسة وهذه الفعلة الشنعاء التي كادت تودي بحياته لو لم يضح على هيكلها (بلاتو) الذي دفعه جشعه إلى حياض الموت وجذبته شراهته إلى ذلك المورد الرنق.
فبقي شمشو ألعوبة بيد عوامل كثيرة. فكان تارة يتهم شميرام ويذهب إلى أنها التجأت إلى هذه الدسيسة انتقاما منه لأعراضه عن زواجها وحبه حترآء
стр. 2914
وطور يطرد هذه الأوهام والوساوس والأباطيل ويبرئ ساحتها من هذا المنكر الفظيع لما يعهده فيها من الأخلاق الحميدة والحب الخالص له. . . في الأمر سرا. . . فمن أتى إذا هذا المنكر؟ فلم يهتك البحث ستار هذا السر الغامض ولا أزاح التنقيب الإبهام الذي يحف بهذا الحادث المهيب.
وكان يرجع حينا إلى ذكر (بلاتو) الذي بعثه معه بيروس المخلص على ما يعتقده وكيف مات بلا ذنب ولا حرج وهلك ضحية تلك المؤامرة السرية فيتخيل كأنه أمام الكاهن يؤنبه على موت البار. . . وهو لا يحير جوابا ولا يتمكن من تحمل الأعذار.
وكان في الطريق كله مشتت الأفكار قلق البال. ولا تفارق أشباح ذلك الحادث مخيلته، فكان يكرر أقوالا متقطعة. . شميرام. . السم في الزاد. . . بلاتو البار. . . موت ظلم وعدوان. . بيروس المحسن. . . غموض في إبهام. . . في أسرار تكتنفها الظلمات ولم يجد تسلية إلا في ذكرى حتراء. . حتراء الحبيبة.
بعد أربعة عشر يوما من مغادرة بابل وصلت القافلة إلى نينوى.
رأينا شميرام قد عدلت عن الاستسلام لسلطان الهوى ورأت في الغرام ذلا تأنف النفس الأبية من الرضوخ لقضائه فحكمت العقل على القلب واستولت على الشعور بسمو المدارك. فوجدت راحة وهناء وسلاما في نفسها وأخذت تطالع الرقم وتلتقط منها شوارد الحكمة وآيات الرشد.
وكان لها ولع خاص برقيم مدونة فيه حكم السلوك فكثيرا ما كانت تردد في فكرها ما تعلمته
منها فتقول: لا تغيب. تكلم بما ينزهك. لا تقذع. تكلم باللطف. من يغتب ويقذع يزره شمس على رأسه - لا تتبجح، احفظ شفتيك - أن غضبت لا ترفع صوتك - التكلم في ساعة الغضب يورث الندم - وبالسكوت دار حزنك - تعلم الحكمة من الرقم (الألواح) - مخافة الإله تولي نعمة -
стр. 2915
الصلاة تجلب غفران الخطيئة - أطعم الناس وأشربهم خمرا. ابحث عن الحق واجتنب الباطل - لا تتكلم شرا عن صديقك ورفيقك - أن وعدت أنجز ما وعدت - لا تتكلم كثيرا بل احسن التكلم - من يخف الآلهة لا يصرخ عبثا
وكانت تنشد في بعض الأوقات أناشيد دينية مؤثرة تدور حول ندامة الإنسان على خطيئة وطلب المغفرة عما يترتب عليه من القصاص والعقاب من جرائها. وإنشاء تلك الأناشيد بليغ وفيه معان شعرية عالية تنفذ إلى القلوب قبل ولوجها الآذان وتحرك العواطف بلا استئذان. وكثيرا ما كانت تنزل الحديقة في الليل وتترنم بتلك الأناشيد.
وكانت نجيتها نتو تراقب حركاتها وسكناتها عن كثب وتبلغ بيروس الكاهن كل ما تقوله وتفعله سيدتها. وقالت له يوما أني آنس في شميرام أعراضا عن حب شمشو فلا تذكره ذكر الحبيبة لحبيبها بل ذكر بنت الخال لابن عمتها وكأني بأدعيتك قد استجابتها الآلهة. وهي تنزل كل ليلة إلى الحديقة بعد العشاء وتتمشى فيها حتى تبلغ آخرها فكان هذا الخبر مدعاة لتدبير حيلة أخرى حاول بها بيروس السيطرة على أفكار (غادة بابل).
خيم الظلام على ربوع بابل فتردي بيروس ثياب الآلهة اشتر بعد أن أنتزعها من تمثالها وتوجه توا إلى حديقة شميرام وتسلق نخلة وبقى كامنا هناك وبعد هنيئة سمع سوت شميرام الرخيم وهي تنشد أنشودة اشتر الآهة الحب والتناسل.
واخذ يتقرب صوتها شيئا فشيئا حتى بدا له خياله عند الازاهير تقتطف منها ما طابت رائحته وعبق شذاه وطورا تستأنف السير متبخترة ولما صارت على مقربة منه خاطبها بصوت سحري ذي جلال قائلا لها:
يا عذراء بابل؟ يا بنت الآلهة! قفي في محلك متهيبة لأن الروح الذي يخاطبك
стр. 2916
روح الآلهة اشتر أنبئك أن دموع ندامتك صعدت ألي كعطر بخورذكي وأرضتني فوجدت عندي نعمة وقضت الآلهة في ندوتها أن تحيي سعيدة وسجل (نبو) في لوح الأقدار سعدك. فنجيت من آلام الغرام وها أن ذلك القاسي الذي لم يمالئك في حبك له يموت عاجلا، فما لك إلا أن
تقرني حياتك بحياة كاهن فيعقد لك تاج السعد.)
فجمد الدم في عروق شميرام وهلع قلبها رعبا ثم خارت قواها فسقطت مغشيا عليها بعد أن صرخت صوتا سمعه من كان في دارها. ففر بيروس هاربا. وجاء أهلها وخدمهم وعبيدهم فحملوها إلى غرفة نومها وعالجوا إنعاش قواها الخائرة ولما ثاب إليها رشدها قصت عليهم ما رأته وسمعته وما أوحاه إليها روح اشتر من موت شمشو.
إلا أن ذلك المشهد وذلك المسمع وذلك النبأ موت شمشو كل هذا لم يؤثر في اعتقادها بل كانت تحملها على خزعبلات وعلى دسيسة أثيمة يكشف المستقبل مخبأها ويظن بواطن أسرارها حتى أن أمها أخذت عليها من غضب الآلهة التي لا تكترث لهم وبقواتهم وقدرتهم.
يوسف غنيمة
الشيخ علي سالم الصباح
في اليوم الأول من شهر ك ٢ من هذه السنة ١٩٢٨ توفي الشيخ علي سالم الصباح أثر ما أصابه من الجروح العظيمة في وقعة الأخوان، فشمل الحزن الكويتيين جميعهم واتشحت المدينة بالحداد وتعطلت الأعمال وأقفلت الأسواق وأقيمت للمتوفى مناحات في الطرق وفي الدور.
وكان المرحوم ثاني أنجال الشيخ سالم الصباح وابن عم حاكمها الآن وكان في مقتبل العمر ومن الشبان المتنورين واشتهر بالشهامة والإقدام والبسالة والجرأة وكان في الحادثة التي جرح فيها يقود حملة اركبها ١٧ سيارة فقابل الهاجمين بقلب قد من الجلمود المانع وقاتلهم قتال الأبطال المستميتين حتى سقط قبل أن تلحق به القوة التي انضمت إليه بعد جرحه الذي قضى عليه بعد أن عاش خمسة أيام يقاسي فيها اشد الآلام.
стр. 2917
فوائد لغوية
الحجون خلال القرون
١ - تمهيد
أواصل البحث منذ سنين طويلة في اللغتين اليونانية والعربية عن الصلة التي تجمع بينهما. فأنتج لي بحثي خلاف ما أنتجه لعلماء الغرب، أي أن بين اللغتين صلات وثيقة لا تنكر. وفي اغلب الأحيان لا يفسر الألفاظ اليونانية إلا الوقوف على أسرار اللغة العربية. هذا إذا كانت الألفاظ اليونانية قديمة وكانت تلك الألفاظ نفسها عريقة في لغتنا أيضا. نقول ذلك عن الحروف الثنائية الهجاء في اللغتين أو عن التي ترد بعناء إلى مقطعين إذا أنعم الباحث نظره في الصلة الجامعة بين اللسانين. وقد يعكس الأمر إذا كانت الكلم العربية مولدة أو علمية أو كثيرة الاهجية (المقاطع) ففي اغلب الأحيان تكون دخيلة أو منحوتة أو مزيدا فيها حرف أو حرفان أو ثلاثة تفيد فائدة جديدة لا ترى لو بقيت تلك الكلمة على حروفها الأولى.
ومما هو غريب في هذا الباب أن السلف قد حفظ ألفاظا لم يبق لها معنى اليوم وكان لها معنى أو معان في السابق، ولا يعرف إلا من مقابلة اللغات ففي الألفاظ السامية الوضع، ينظر إلى معانيها في اللغات الأخوات، وفي الألفاظ الفارسية الأصل ينظر إليها في اللغات الآرية ولا سيما في الفارسية، وفي ما عدا ذلك تقابل بالألفاظ اليونانية.
وقد كشف لي هذه المقابلة أسرار عجيبة، وأنا اذكر هنا مثالا من أمثلة محفوظة عندي بالمئات لا بالعشرات. من ذلك الحجون:
٢ - الحجون عند السلف
(الحجون جبل بأعلى مكة عنده مدافن أهلها. وقال السكري: مكان من
стр. 2918
البيت على ميل ونصف. وقال السهيلي: على فرسخ وثلث، عليه سقيفة آل زياد ابن عبد الله الحارثي وكان عاملا على مكة في أيام السفاح وبعض أيام المنصور وقال الأصمعي: الحجون هو الجبل
الشريف الذي بحذاء مسجد البيعة على شعب الجزارين. (بحرفه عن معجم ياقوت).
وإذا سألنا اللغويين عن سبب هذه التسمية قالوا لنا: الحجون مشتقة من الحجن وهو الاعوجاج، ومنه غزوة حجون التي يظهر فيها الغازي الغزو إلى موضع ثم يخالف إلى غيره وقيل هي البعيدة، قال ابن الأثير: الحجون. الجبل المشرف مما يلي شعب الجزارين بمكة، وقيل هو موضع بمكة فيه اعوجاج، قال: والمشهور الأول، فقوله والمشهور الأول يعني أن هذا التأويل هو في غير محله إذ هناك من الأسباب ما نجهل تأويله. فالقول إذن أن الحجون مأخوذ من معنى الاعوجاج لا صحة له.
وعندنا أن الرأي الصحيح هو أن الحجون مأخوذ من الحجنة والحجنة على ما نقله لنا اللغويون هو اسم مصدر لاحتجن واحتجان الشيء جمعه وضمه إليك (راجع اللسان والقاموس والتاج والأساس وابن فارس في المقاييس والليث في العين) فيكون للحجون معنيان: معنى يتعلق به وبطبيعته أي أنه سمي حجون لاجتماع مواده بعضها إلى بعض. ومعنى يتعلق بمن يصير إليه أي أن عند هذا الجبل يجتمع الناس ومثل مادة ح ج ن م فهي تدل على الاجتماع والانضمام. ولما كان رأينا أن أصل مادة كل فعل ثلاثي الحروف ثنائي الحروف كان أصل ح ج ن: ح ج (باصطلاح اللغويين أو الصرفيين ح ج ج) ومنه الحج أي الاجتماع لغاية دينية. وليس كما يقال بعض المستشرقين أن الحج مشتق من اليونانية ومعناه القديس والمنزه عن الدنايا والصالح البار، إنما هو من الحج كما قلنا أي من معنى الاجتماع.
أما أن معنى الحجون هو الجبل الذي يجتمع عليه الناس، أو ينضم عنده الناس إلى بعض فتره محفوظا صريحا في الكتب اليونانية؛ إلا أن هذا المعنى لم يجئ عندهم إلا بعد أن تنقلت اللفظة من حالة إلى حالة فتبعتها المعاني وتدرجت معها كلما أوغلت الأمة في الحضارة، وما من لغة تدلنا على هذا الإمعان
стр. 2919
في المعاني مثل هذه اللغة الهلنية (اليونانية) التي حفظت لنا هذا التدرج أو التخطي فيه ونحن نذكر للقارئ كل ذلك حسب وروده في القدم إلى أن أنتقل المعنى إلى القرار الأخير فوقف عنه، ونقابل كل معنى جديد بما يؤول في لغتنا الضادية فتكون هذه المعارضة مثالا لمئات من الكلمات أتت على هذا الوجه. ويمكننا أن نخرجها على هذا الأسلوب اللغوي.
٣ - أول معان الحجون
أول ما جاء عندهم لفظ الحجون كان بمعنى المجتمع والمحتشد وهذا يناسبه عندنا اللفظ العربي نفسه كما أوضحناه في صدر هذا المقال؛ ثم نقله الهلنيون إلى معنى مجتمع الآلهة أو المجتمع تماثيل الآلهة، فيكون معناه في الوقت عينه موطن يجتمع فيه الشعب للدعاء والصلاة ويكون ذلك أمام هيكل الإله؛ ثم توسعوا في معناه، وأرادوا به المجتمع أيا كان، أي محل اجتماع الناس لأي غاية كانت، فصدق عندهم على عليين أي محل في الالنبس تجتمع فيه الآلهة وصدق أيضاً على المكلا (وزان المعظم) وهو المحل الذي تقف فيه السفن.
أما لغتنا فأننا لم نجد السلف ذكروا للحجون هذا المعنى لأسباب: منها لأنهم أزالوا عن اللغة كل لفظ أو معنى يدل على تحبيب الوثنية، لكننا نرى أن هذا المعنى كان معروفا عندهم وأن يصرحوا به تصريحا بينا وذلك من سماعنا إياهم يقولون أن عند الحجون كانت مدافن المكيين في سابق العهد. وأنت خبير أن المدافن كانت منذ اقدم الناس بالحضارة في المواطن المقدسة، بل نشاهد هذا الأمر إلى عهدنا هذا؛ ولم يبطل في بعض المدن إلا في العهد الحديث خوفا على صحة الناس، إذ قد يمكن أن تظهر بعض الأمراض الوافدة من كشف المقابر وانتشار الجراثيم المضرة الموجودة في بقايا الأموات بين الأحياء من الخلق.
إذن أننا نرى في الحجون معبدا لآلهة وثني العرب ومحل اجتماعاتهم ثم بعد ذلك أصبح مدفنا لموتاهم، وهذا أمر معقول لا ينافي معتقد أي دين كان.
٤ - المعنى الثاني للحجون
ما ذكرناه من معنى اللفظة (لفظة الحجون) عند اليونان هو معناه الأول مع عدة فروع تفرعت منه؛ ثم وقع معنى ثان آخر مع فروع أخرى، وهو أن لحجون يفيد عندهم معنى المجتمع للألعاب العامة. وهذا المعنى غير خفي عن
стр. 2920
الأذهان، لأن الناس إذا اجتمعوا للأمور الدينية في موطن، لا يمكنهم أن يبقوا طويلا في الدعاء والصلاة والابتهال بل يستريحون من وقت إلى وقت وفي استراحتهم يندفعون إلى الملاهي والألعاب وشؤون الأنس، وهذا ما يقع في جميع البلاد وفي جميع الأديان. إلا نعلم أن كثيرا من الملاهي اصلها من المجتمعات الدينية؟ أو ليس أصحاب الفساد ينتهزون فرص النتديات
والمحتشدات ليلهوا أنفسهم بما يحضره الدين؟ وما يقع اليوم وسوف يقع إلى آخر الدنيا، كان يقع في سابق العهد. وهذه سنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلا.
ومن المعنى المذكور نشأ فرع وهو: محل لهذه الألعاب أو الميدان: والميدان عندهم محل واسع مفروش بالرمل وحوله مقاعد للناظرين فينزل في ساحته المصارعون والمتروضون واللاعبون أنواع الألعاب. ولم يسم ميدانا إلا لما فيه من الرمل فكان أرض تلك المساحة تمتد بمن عليها في أثناء اللعب. - وهانحن أولاء بين يدي معنى جديد هو الميدان وألعاب الميدان، وهذه الألعاب كانت كثيرة العدد منها: الملاكمة والمصارعة وفيها الهجوم والدفاع، والكر والفر، الفتك والصد. ولقد بقي في لغتنا هذا المعنى وهو قولنا: حجن فلان فلانا عن كذا: إذا صده وصرفه. وحجن الشيء: جذبه بالمحجن إلى نفسه. والمحجن هو العصا المنعطفة الرأس كالصولجان وكل معطوف معوج. ولعب المحجن معروف عندنا الآن ويعرف بلعب الدرك (مثل السكر) وكان معروفا عند الهلنيين ويلعبون في ذلك الميدان الذي أشرنا أليه.
إذن من معاني الحجون عندهم وعندنا الميدان وألعاب الميدان بأنواعها، إلا أن هذا المعنى مات عندنا واضمحل وبقي منه آثار في معنى الحجن والمحجن ولعب المحجن.
٥ - المعنى الثالث للحجون
لم يقف المعنى عند الميدان وألعابه، بل أنتقل إلى معنى ثالث هو المصارعة أو المحاربة أو الغزو أن بالأسلحة وأن بالكلام أو بإقامة الدعاوى. ولقد نرى أثر هذا المعنى أيضاً في لغتنا إذ من معاني الحجون فيها: كل غزوة تظهر غيرها ثم تخالف إلى غير ذلك الموضع ويقصد أليها. فهذه حقيقة من
стр. 2921
بدائع هذه اللغة التي يفوق جمالها جمال سائر اللغات. إذ قد احتفظت بأدق المعاني واجلها. - ومن تعابير اليونانيين في هذا الصدد قولهم: الحجون للبقاء وهو كما نقول اليوم: تنازع البقاء. لكن في قولهم وقولنا (الحجون للبقاء) من دقة المعنى وتصوير الاحتيال على الغير للفوز بالأمنية مالا يرى في قولك: (تنازع البقاء)
ومن فروع هذا المعنى الثالث ورود الحجون عندهم بمعنى الغاية المقصودة من المصارعة أو الغزوة والخطر الناشئ، من تلك المصارعة والغزوة: إذن جاء الحجون عندهم بمعنى التهلكة مهما كانت وأن لم يكن هناك مصارعة أو غزوة. ومن فروع ذلك المعنى أيضاً
الساعة الخطرة التي يفصل فيها نتاج الأمر وختامه وهناك فرع سابع وأخير للمعنى الثالث هو ورود اللفظة بمعنى الخوف والقلق لأن المرء إذا جهل نتاج أمر بقي في اضطراب لما يتوقعه.
هذه المعاني هي المشهورة وطرز تفرعها الأفنان والأغصان من جذع الشجرة.
٦ - معنى آخر للحجون
ومن معاني الحجون التي لم نذكرها معنى: الإله الذي يحامي عن الألعاب العامة.
أنك تعلم أن الوثنيين أقاموا لهم آلهة ومعبودين يوافقونهم على جميع أهوائهم ويصانعونهم فيها. ومن جملتنا هذا الإله الغريب الذي لا عمل له سوى الدفاع عن الألعاب العامة وحث الشعب على إقامتها والانتفاع بمحاسنها. ولا جرم أن هذا الإله لم يتخذ إلا بعد اختراع تلك الألعاب؛ على أن المعترفين بوجوده قبل الألعاب نفسها، بيد أن الناس لم يعرفوه إلا بعد عهد الألعاب. وعلى كل حال فأن مقامه بين تفرع المعاني غير معين فجعلناه هنا مع التنبيه إلى قلق مكانه من المعاني المذكورة.
٧ - من أين جاءت الحجون عندهم وعندنا
الحجون عند اليونانيين مشتقة من فعل الذي له عدة معان ومن جملتها ساق ودفع إلى مجتمع ثم تفرعت سائر المعاني من باب التوسع؛ على ما بيناه في صدر المقال. وكذلك القول عن مادة ح ج ن العربية، فأنها ناشئة من مادة ح ج ا
стр. 2922
(أي ح ج و). قال لغويونا. حجت الريح السفينة: ساقتها. ومن السلف وقبائلهم من كان يجعل الجيم دالا وبالعكس فقالوا في حجا: حدا ومنه قولهم: حدا فلان الإبل: وحدا بها زجرها وساقها. وحدت الريح السحاب ساقته كحجته وهكذا لو أردنا أن نتتبع هذه المادة وفروعها لكشف لنا أسرارا هي غامضة في نظر البعض. إلا أنها جلية واضحة في نظر اللغوي متقفي الخبايا في الزوايا.
ولو كتبنا عن هذه المادة خمسين صفحة لما كفتنا لقتل الموضوع بحثا إلا أننا أردنا أن نشير إلى ما في ثناياها من الأسرار والغموض لقياس عليها مئات من الألفاظ يسار بها هذا السير من التحقيق والتدقيق، فتتلاقى فيه اللغتان اليونانية والعربية وتتصافحان لتعرفا بأن الواحدة هي أخت الأخرى وليس كما يظن أبناء الغرب أنهما عدوان لا يتلاقيان في شئ من
الألفاظ أبد الدهر!
اعتراض
ورب معترض يقول: أن الحرف الأول في اليونانية هو حرف رقيق (أي همزة أما العربية فهو حرف ضخم مفخم فالكلمتان غير متشابهتين؟
قلنا: من شأن لغات الغربيين أن يخففوا الحروف الحلقية تيسيرا للتلفظ بها. فهم يقولون مثلا هوا ونوء واساك وياكوب. أما نحن العرب مع جميع الساميين فنبقي الحروف الحلقية على حالها ونقول: حواء، ونوح، وإسحاق ويعقوب وأمثال هذا التعبير لا يعد بالعشرات أو بالمئات بل بالألوف، فهو أشهر من أن يذكر.
الختام
وفي الختام نصرح للقراء أننا جميعا مثل هذه الكلم شيئا كثارا لا يحصى ونزيد على ذلك: أن بعض الألفاظ اليونانية أو الرومية لا تنجلي معانيها إلا بمراجعة العربية التي فيها، وفيها وحدها جميع المغلقات. ولا بد من أننا نبين شيئا من هذه الغوامض كلما اتسع لنا المجال أو وافقتنا الأحوال، ونحن لا نرتاب أبدا في صحة قولنا، وأن خالفنا به أبناء الغرب من المستشرقين بل خالفنا به أبناء هذه اللغة الأغرار الذين يدعون العلم ومعرفة أصول اللغة وهم بعداء عنها بعد الثريا عن الثرى. فلينصفوا أنفسهم وأمتهم ولغتهم ووطنهم.
стр. 2923
باب المكاتبة والمذاكرة
باكسايا
١ - مقدمة
كتب إلينا من علي الغربي أحد العلماء يقول:
(من متممات هذا القضاء: أرض تسمى (بكساية) في لغة العامة، وتسمى في الرسميات (باغشاهي)، وأنا اجزم أنها (باكسايا). أخت (بادرايا) التي اليوم (بدرة)، وهي متصلة بها. فأرجو من مولاي أن يتفضل ويكتب فصلا عن تاريخ باكسايا وعن معنى هذا اللفظ، وعن لغته أي نسبته ويتحفنا به وسلفا اقدم الفئات شكر وامتنان لسيدي المبجل). اهـ
٢ - لفظ الكلمة ومعناها
الذي يؤلمنا حين ينظر إلى أعلام بلادنا التي يستعملها رجالنا أصحاب الدواوين، وهو أنها تروى بأقبح صورة وأشنع تصحيف، فيقولون مثلا: ماركيل وهي كلمة من تصحيف الإنكليز لكلمة معقل (كمجلس) ويقولون: أربيل وهي اربل (كزبرج) عند السلف؛ وهذه باكسايا يقولون فيها (باغشاهي) كأنهم يرون فيها لفظا منحوتا من (باغ) و (شاهي) أي جنة الملك بالفارسية، مع أن لا وجود لهذه الكلمة الممسوخة في كتب أقدمينا.
أما (بكساية) فتصحيف ظاهر ل (باكسايا) بضم الكاف، وهي في نظرنا منحوتة من (با) الآرامية أي بيت أو دار بمعنى مدينة. و (كسايا) أي كساء أو ثوب ومحصل معناها (مدينة الحاكة، حاكة الأكسية والثياب) يؤيد ذلك ما جاء في معجم ياقوت قال:
باكسايا، بضم الكاف وبين الألفين ياء: بلدة قرب البندنيجين (تسمى اليوم
стр. 2924
مندلي) وبادرايا (وتعرف اليوم باسم بدرة). بين بغداد وواسط من الجانب الشرقي في أقصى النهروان. قالوا: لما عمر قباذ بلاده نقل الناس، وكان من نقله إلى بادرايا وباكسايا الحاكة والحجامين) أهـ.
على أن الأستاذ البفاري م. شتريك يقول في معلمة الإسلام في مادة باكسايا أن الكلمة منحوتة من بيت أي دار و (كسايا) أي (الكشيين) المذكورين في الرقم المسمارية وهو يتفق كل الاتفاق وموقع باكسايا المجاورة لزجرس موطن الكشيين الأقدمين، أهـ. وكلا التأويلين محتمل إلا أننا نخبر الأول لأنه يوافق ما ذكره ياقوت.
٣ - ذكرها في التاريخ
كثر ذكر باكسايا في التاريخ ومن جملة ما جاء. ما ذكره الطبري في تاريخه الكبير وهذا حرفه:
(وواتر (كسرى) الكتب إلى يخطيانوس في أنصاف المنذر (ملك العرب). فلم يحفل بها فاستعد كسرى فغزا بلاد يخطيانوس في بضعة وتسعين الفئات مقاتل فاخذ مدينة دارا، ومدينة الرهاء. ومدينة منبج، ومدينة قنسرين، ومدينة حلب. ومدينة إنطاكية. وكانت أفضل مدينة بالشام، ومدينة فامية ومدينة حمص؛ ومدنا كثيرة متاخمة لهذه المدائن عنوة: واحتوى على ما كان فيها من الأموال والعروض، وسبى أهل مدينة إنطاكية ونقلهم إلى أرض السواد: وأمر فبنيت لهم إلى جنب مدينة طيسفون على بناء إنطاكية على ما قد ذكرت قبل، وأسكنهم إياها وهي التي تسمى (الرومية) وكور لها مورة وجعل لها خمسة طساسيج: نهروان الأعلى، وطسوج نهروان الأوسط وطسوج نهروان الأسفل، وطسوج بادرايا، وطسوج باكسايا. وأجرى على السبي الذين نقلهم من إنطاكية إلى زاوية إلى الرومية الأزرق، وولى القيام بأمورهم رجلا من نصارى أهل الأهواز كان ولاه الرئاسة على أصحاب صناعاته يقال له (براز)، رقة منه لذلك السبي، إرادة أن يستأنسوا ببراز، لحال ملته ويسكنوا إليه. اهـ.
стр. 2925
وقال في أحداث سنة ٢٥١هـ (٨٦٥م) (وفي يوم السبت لثمان بقين من رجب من هذه السنة، كانت وقعة بين محمد بن رجاء وإسماعيل بن فراشة وبين جعلان التركي بناحية بادرايا وباكسايا، فهزم ابن رجاء وابن فراشة جعلان وقتلا من أصحابه واسر جماعة. اهـ.
وقال مسكويه في كتابه تجارب الأمم (٧٧: ٢) في أحداث سنة ٣٣٣هـ (٩٤٤م) (واضطر الديلم إلى أن يستأمنوا إلى توزون (بن حمدان)، لأنهم رحالة، فاستأمن أكثرهم إلى توزون، واخذ الأمير على طريق بادرايا وباكسايا إلى الأهواز، وقد كانت الميرة أيضاً ضاقت على
الأمير أبي الحسين حتى اضطر في الليلة التي أنصرف فيها من غد إلى أن ذبح خمسين جملا من جماله وفرق لحمها على أصحابه واخذ له بقر فذبحها ونهب في وقت هزيمته نهبا عظيما) انتهى المقصود من إيراده.
ولا نريد أن نتتبع كل ما جاء في كتب التاريخ عن هذه المدينة إذ هذا يطول فاجتزأنا بما ذكرنا، إلا أنه يجدر بنا أن نقول. أن نصارى تلك المدينة كانوا من اشد الناس تمسكا بدينهم وكان المجوس قد اضطهدوا وطنييهم اشد اضطهاد وقتلوا منهم عددا لا يحصى ومن الجملة أنهم قتلوا رجلا من باكسايا ترك المجوسية وتنصر فضيقوا عليه في سنة ٥٤٥ (أي قبل الإسلام بنحو سبع وسبعين سنة) وكان اسمه (عاودا) (أي عابد) فحكم عليه بالموت فقتل. واظهر من الثبات في العزم وقبول الموت بصدر رحب ما حمل جلاديه على جدع أنفه وصلم أذنيه من غير أن يؤذوه أكثر من ذلك قبل موته.
وقد ذكر ياقوت في معجمه واحدا من أئمة الحديث اصله من باكسايا فقال: واليها (أي والي باكسايا) ينسب أبو محمد عباس بن الله بن أبي عيسى الباكسائي ويعرف بالترقفي أحد أئمة الحديث، توفي سنة ٢٦٨هـ (٨٨١م)
والظاهر أن عمران باكسايا اضمحل في القرن الثالث للهجرة، إذ لم نجد له ما يجذب إليه الأنظار بعد ذلك الحين. ولعلنا واهمون.
(تنبيه) عندنا رسائل عديدة في باب المكاتبة هذا، لكننا نعتذر إلى المراسلين بأن يمهلونا ريثما يتسع لنا المجال لنتمكن من إدراج مقالاتهم.
стр. 2926
أسئلة وأجوبة
الملامية والملامتية
س - بغداد - أحمد حامد الصراف: أيقال ملامية أم ملامتية؟
ج - الملامية غير الملامتية نسبة إلى الملام. (وهم الذين لم يظهروا مما في بواطنهم على ظواهرهم، وهم يجتهدون في تحقيق كمال الإخلاص، ويضعون الأمور مواضعها حسبما تقرر في عرصه الغيب، فلا يخالف إرادتهم وعلمهم إرادة الحق تعالى وعلمه ولا ينفون الأسباب إلا في محل يقتضي نفيها ولا يثبتونها إلا في محل يقتضي ثبوتها: فأن من رفع السبب من موضع اثبت واضعه فقد سفه وجهل قدره ومن اعتمد عليه في موضع نفاه فقد أشرك والحد. وهؤلاء هم الذين جاء في حقهم أوليائي تحت قبابي لا يعرفهم غيري (عن التعريفات للسيد الشريف الجرجاني) قال محيي الدين عربي: الملامة هم الذين لم يظهر على ظواهرهم مما في بواطنهم أثر ألبته، وهم أعلى الطائفة وتلامذتهم وينقلبون في أطوار الرجولية أهـ.
وأما الملامتية فقد قال عنهم المقريزي في خططه ما هذا حرفه:
القلندرية طائفة تنتمي إلى الصوفي وقد تسمي أنفسها ملامتيه. وحقيقة القلندرية أنهم قوم طرحوا التقيد بآداب المجالسات والمخاطبات وقلت أعمالهم من الصوم والصلاة إلا الفرائض، ولم يبالوا بتناول شئ من اللذات المباحة، واختصروا على رعاية الرخصة، ولم يطلبوا على حقائق العزيمة والتزموا أن لا يدخروا شيئا وتركوا الجمع والاستكثار من الدنيا، ولم يتقشفوا ولا زهدوا ولا تعبدوا وزعموا أنهم قد قنعوا بطيبة قلوبهم مع الله تعالى واقتصروا على ذلك وليس عندهم تطلع إلى طلب مزيد سوى ما هم عليه من طيبة القلوب. والفرق بين الملامتي والقلندري أن الملامتي يعمل في كتم العبادات، والقلندري يعمل في تخريب العبادات. والملامتي يتمسك بكل أبواب البر والخير والفضل فيه، إلا أنه يخفي
стр. 2927
أحواله وأعماله ويوقف نفسه موقف العوام في هيئته وملبوسه سترا للحال حتى لا يفطن له وهو مع ذلك متطلع إلى طلب المزيد من العبادات. والقلندري لا يتقيد بهيئة ولا بما يعرف من حاله وما يعرف ولا ينعطف إلا على طيبة القلوب وهي رأس ماله. أهـ.
قلنا: والملامتية نسبة عامية غير صحيحة إلى الملامة. لكنهم لم يقولوا ملامتيه إلا لكي يميزوهم عن الملامية وهم طائفة أخرى كما رأيت.
روضة خوان
س - سبزوار. م. م. ع. أن قارئ مأتم الحسين بن علي ﵉ على المنبر يدعى عند العامة (روضة خوان) وهذا اسم فارسي منحوت من كلمتين. فماذا تستحسنون أن نسميه بالعربية؟
ج - معنى روضة خوان: قارئ الروضة. والمراد بالروضة في اصطلاح الأمامية ولي من الأولياء ولا سيما ترجمة الحسين من باب التغليب. وترجمة الرجل بعد وفاته لا تكون في الغالب إلا تعديد حسناته والثناء على حميد خصاله واقتفاء آثاره. والناطقون بالضاد يسمون هذا الفعل تأبينا. فالقارئ هو المؤبن لا غير. بيد أن المؤبن لفظة مطلقة المغنى لا تعنى لا تقع على الروضة خوان. ولهذا لا نرى مستحسنا أن تبدل كلمة شاعت بين بكلمة جديدة يصعب أن تحل محل الأولى. هذا فضلا عن أن واضعي هذه العادة هم الأمامية الفرس وإلا لو كان واضعوها العرب أنفسهم لنطوا بكلمة من لسانهم تدل على المطلوب. كالمؤبن مثلا أو الروضي نسبة إلى الروضة. وعندنا أن هذه اللفظة هي التي تقوم مقام روضة خوان معنى وأداء فليحتفظ بها.
الشفع
بغداد. ب م. تدعون في مجالساتكم للناس، وفي كتاباتكم المختلفة، أن ما من لفظة إفرنجية - حديثة أو قديمة - إلا يمكن أن يوضع لها مقابل في العربية، أن لم يكن لها مرادف فيها منذ قديم العهد. وقد سألت كثيرين عن مقابل للكلمة الفرنسية الطبية وهو اضطر في النظر يرى صاحبه الشيء شيئين، وقد اجمعوا على أن ليس لها في العربية مقابل، فهل يمكنكم أن تطلعونا
стр. 2928
على اللفظ الذي نعبر فيه عن المعنى المذكور؟
ج - جاء في تاج العروس في مادة (ش ف ع) عين شافعة: تنظر نظرين (أي تنظر الشيء شيئين) وأنشد ابن الإعرابي:
ما كان أبصرني بغراب الصبا ... فاليوم قد شفعت لي الأشباح
(شفعت) بالضم، أي أرى الشخص شخصين لضعف بصري وانتشاره وأنشد ثعلب:
لنفسي حديث دون صحبي وأصبحت ... تزيد لعيني الشخوص الشوافع
ولم يفسره. وهو عندي مثل الذي تقدم. انتهى كلام التاج.
إذن يسمى ضعف البصر الذي يريك الشيء شيئين الشفع وزن سبب لأنه من الأداء والفعل منه شفع بالمجهول كما ذكره جميع اللغويين فلا يحق لك بعد هذا أن تنعى لغتنا أو قصورا أو عجزا أو مهما شئت أن تنعته.
المونسون
الموصل. م. م. م. رأينا في جرائد قطرنا المحبوب كلمة المونسون أو المنسن قبل نحو خمسة أشهر، فما معناها؟
ج - المنسن كلمة إنكليزية وهي بالفرنسية وكلتاهما من لغتنا العزيزة أي (الموسم) ويراد بها أرياح الموسم وهي أرياح في بحر الهند تهب مدة مواسم معلومة. ونحن العراقيين نسميها (البرصاة) والبعض يقولون البرصات (وزان قصبات) وهو مطر حميم يقع في ذلك الأوان فيسمى موسم تلك الأرياح برساة أيضا. وهي من الهندية (برشكال) قال البيروني: (وارض الهند تمطر مطر الحميم في الصيف ويسمونه برشكال وكلما كانت البقعة اشد إمعانا في الشمال وغير محجوبة بجبل فهذا المطر فيها اغزر ومدته أطول واكثر) (ص ٩٦ و١٠٣ من طبعة الإفرنج) - أما الفصحاء فكانوا يسمونه البسارة. قال في التاج البسارة بالكسر مطر يدوم على أهل السند والهند - وفي بعض النسخ الاقتصار على أحدهما - في الصيف لا يقلع ساعة. قال الصغاني: وبالشين تصحيف. قلت: وهم يسمونه البرساة كما هو مشور على ألسنتهم. فتلك أيام البسار. وفي المحكم: البسار مطر يوم في الصيف يدوم على البياسرة ولا يقلع اهـ.
стр. 2929
والمعربون العصريون في سورية وديار مصر سموها الرياح الموسمية أو الدورية أما أهل خليج فارس والعمانيون واليمانيون والعراقيون فلا يسمون الأرياح المذكورة إلا البرساة كما ذكرها صاحب تاج العروس؛ وأن لكل الهوام يلفظها البرصاة أو البرصات. ولا ترى ذكر هذه الأسماء في المعاجم الإفرنجية العربية أو بالعكس. ثم يأتي بعض كتابنا ويأخذ عن الإنكليز ما وضعه السلف في لغتنا فلقد صح المثل (بضاعتنا ردت إلينا) لكن بصورة شنيعة. فأنظر بعد هذا ما يفعله جهلة المعربين على تمزيق أديم لغتنا وقد عهد إليهم حفظها من الفساد.
الزنبرك أو الزنبورك
س - يافا - ي. ك: من أين أتتنا كلمة زنبرك أو زنبورك؟
ج - الزنبرك هي قصر الزنبورك. وزنبورك تصغير زنبور على الطريقة الفارسية وذلك أن أصحاب هذه اللغة يزيدون كافا في آخر الكلمة فيصغرون بها المكبر.
والزنبورك ضرب من المدفع يتخذ بصورة زنبور تحشى قذيفته من الوراء وعند دفعها يحرك نابض يقذفها للحال؛ ثم سموا هذا النابض زنبوركا أو زنبركا من باب الملازمة، ملازمة الشيء للشيء.
وقد جاءت الزنبورك في أول استعمالها بمعنى نوع من البرقيل أو الجلاهق يقذف بها البندق. ثم نقل معناها إلى ما يقذف كبار البندق أو القنابل (القنابر) فاضطر إلى إبدال شكلها فجعلت بشكل الزنبور على ما ألمعنا إليه. على أن كاترمير في كتابه (تاريخ المغول ص ٢٨٥ و٢٨٦) يقول: أن هذه الآلة عرفت بالزنبورك (أي الزنبور الصغير) لأنها تحدث رنينا عند إطلاقها شبيها بدوي إذا طار، ولما اخترعت آلات الحرب النارية أطلق هذا الاسم على المدفع السهل النقل الذي يحمل على ظهر البعير.
وقد قال العلامة م. رينو في كتابه الموسوم: (في فن الحرب عند العرب في القرون الوسطى) في ص ٢١ ما هذا معربه:
(سمي كتبة العرب الذين بحثوا عن حروب الصليبين البرقيل زنبوركا حينما كان يتخذه النصارى في حروبهم، وأول مرة جاء ذكر الزنبورك في كتبهم كان حين حاصر صلاح الدين الأيوبي مدينة صور في سنة ١١٨٧م وبقي اتخاذ
стр. 2930
الصلبيين للزنبوك في حصار عكاء سنة ١١٨٩م كان النصارى بنوا على حافات الخنادق سورا من الآجر وضعوا وراءه صفا من الجند كان يرمي بالزنبورك. وكان الزنبورك يومئذ - على ما نقله مؤرخ بطاركة الإسكندرية - سهما مراشا بثخن الإبهام طوله ذراع له أربعة اوجه، وكان رأسه من حديد محدد وحيثما كان يقع هذا السهم كان ينفذ وربما نفذ من رجل إلى رجل إذا كان الواحد وراء الآخر بعد أن يكون قد جاوز الدرع ولباس الجندي ثم يخرج لينغرز في الأرض وربما يثبت في حجر الأسوار. . . ويقال أن الزنبورك استعمل منذ سنة ١٠٦٦ للمسيح مع استعمال القوس في وقت واحد وذلك في موقعة هستنكس ويجوز أن تستنتج من هذا أن الزنبورك هو من اختراع الروم.
أما المسلمون فالظاهر أنهم لم يتخذوه إلا بعد هذا الحين بكثير.
فقد ذكر جمال الدين وهو من كتبة العرب وأول من ذكر الزنبورك عند المسلمين أن في سنة ٦٤٣هـ (١٢٤٥م) اتخذ الحنفاء الزنبورك حينما حاصر سلطان مصر عسقلان. ودونك عبارته: (وآثروا الرمي إليها بالجروخ والزنبورك) وما عتم أن شاع في الشرق استعمال الزنبورك، ثم اتخذه العثمانيون وكان عندهم جيش اشتهر جنده باسم (زنبور كجيلر). ولما اخترعت الآلات النارية أطلق اسم الزنبورك على ضرب من المدفع. وبهذا المعنى عرف في ديار الفرس) انتهى كلام المسيو رينو.
واليوم أنتقل لفظ الزنبورك إلى معنى ثالث وهو قطعة من المعدن ملوية ليا يدفعها إلى أن تعود إلى حالتها الأولى إذا بطل الضغط عليها وهو ما سماه إبراهيم اليازجي بالنابض واقره كتاب العصر ويقابله في الفرنسية وكان السلف قد اصطلح عليه في هذا المعنى لا بالمجراة (بضم الميم واسكان الجيم وفتح الراء يليها ألف ثم هاء).
أما العراقيون فيسمون هذا النابض (نابض الساعة وغيره) بالزنبلك (وتلفظ بكسر الزاي واسكان النون وفتح الباء وفي الآخر كاف) وأهل المغرب (أهل شمالي أفريقية) يقولون: زنبراق، بقاف في الآخر.
стр. 2931
ولهذا نقول: من الحسن أن تبقى الزنبورك بمعنى البرقيل أو الجلاهق وبالفرنسية والزنبرك أو الزنبلك للنابض أمنا للبس. فأنظر كيف أن الكلمة الواحدة تسير من قوم إلى قوم، ومن بلد إلى بلد وكيف تتزيا بازاء مختلفة وهي أزياء التصحيف، وكيف تعيش بمعنى ثم تموت بمعنى آخر.
وقد ذكر محمد النجاري في معجمه الفرنسي العربي أن الزنبورك يقابلها في الفرنسية إذ يضع بازائها هذه الكلمات: (الزنبورك، نوع منجنيق وهي لفظة عربية) ومعنى قوله وهي لفظة عربية أي أن اللفظة الافرنسية (اسبرنكال) عربية مع أن هذه نختلف عن تلك اختلاف الثرى عن الثريا. ومن الغريب أنه وضع بازاء الكلمة الفرنسية كلمتي (قوس وزنبورك) وبازاء كلمة زنبلك ودائرة، فأين بقي التحقيق وكيف يخذ بكلامه وأين التدقيق في وضع الألفاظ في موطنها؟
البياسرة
س - بوشهر (خليج فارس) السيد م. م. ن - أرى في بعض كتب التاريخ اسم البياسرة، فما معناها ومن أي لغة هي؟
ج - البياسرة على ما في معاجم اللغة: جيل بالسند (ويروى بالهند) تستأجرهم النواخذة لمحاربة العدو والواحد بيسري وفي مروج الذهب البياسرة لفظ يراد به الذين ولدوا من المسلمين بأرض الهند واحدهم بيسر. اهـ
فيكون محصل معنى اللفظة المسلمين المولودين في الهند أو السند وعندنا أن اللفظة فارسية الأصل من (بي سر) أي (بلا مثيل أو نظير) أي ليس بين الناس من رأسه يشبه رؤوس أولئك المولودين في الهند لما في خلقهم من صفاء الدم واسر العضل وتفوق الأخلاق على من سواهم من أهل الهند.
وفي (البستان) البياسرة جيل بالهند. وفي نسخة بالسند (كذا) تستأجرهم النواخذة أي أهل السند (كذا) لمحاربة العدو. الواحد منهم بيسري. أهـ. وفي هذا النص غلطان: الأول قوله: وفي نسخة وكان الأحجى به أن يقول: وفي نسخة من القاموس أو ويروى أو نحو ذلك. والثاني: قوله النواخذة أي أهل السند (؟) والصواب أهل السفن كما هو معروف في لغة العراق إلى يومنا هذا.
стр. 2932
باب القريظ
١ - الأقلام
مجلة شهرية تبحث في العلم والأدب والفلسفة والاجتماع في ٤٠ صفحة، صاحب امتيازها ومديرها المسؤول علي ظريف الاعظمي، لم يقف نشاط علي ظريف أفندي الاعظمي عند تصنيف كتب التاريخ فقد بعثته إلى إنشاء مجلة تكون مندفقا لعلمه.
تناولنا الجزء الأول من (الأقلام) فوجدنا فيه ٢٣ عنوان مقالة أفرغها في ٤٠ صفحة. وكنا نود أن تكون المقالات أقل عددا واغزر مادة ليجد فيها القارئ غذاء لنفسه ونقعا لغلته فعسى أن تكون الأجزاء القادمة احفل من هذا الجزء.
٢ - مختصر تاريخ البصرة بقلم علي ظريف الاعظمي
طبع في مطبعة الفرات في بغداد في سنة ١٩٢٧ في ١٦٤ ص بقطع الثمن الصغير نشاط الكاتب المتفنن علي ظريف أفندي الاعظمي مثال حي لمن يريد أن ينفع نفسه ووطنييه، فأن حضرته يقضي معظم أوقاته في المطالعة والتأليف فيستفيد ويفيد، بينما نرى سائر الشباب يصرفون أوقاتهم. في الملاهي والمفاسد. فاكرم به رجلا يستحق كل مدح وثناء.
على أننا لا نريد أن نعصم المؤلف من كل عيب، فالكريم من تعد معايبه والذي نراه في المؤلف أنه يتسرع في الحكم فيقول مثلا في ص ١٣ أن ميشان وبرات ميشان (وطبعت ميشاه وهو خطأ) وكرخا دميشان (وطبعت خطأ كرخاديشان) وخارك اوحارك هي التي سماها العرب دست ميسان وميشان.
قلنا: أما ميسان وميشان فهما لغتان لكلمة واحدة. وأما برات ميشان والصواب فرات ميشان فكانت مدينة قريبة من البصرة وليست بها وكذلك قل عن كرخا دميشان والسلف قالت فيها: كرخ ميسان وهي مدينة غيرها ذكرناه بل
стр. 2933
هي التي سماها اليونانيون (سباسينون كرخ). وكرخ بالخاء المعجمة ولا يقال فيها حارك وبالمهملة.
ومما يؤسف له أن اغلب أعلام الرجال والمدن مصحفة ففي حاشية ص ٣ التي ذكرناها ذكر عمر بن الخطاب بصورة الحطاب (بالمهملة) وقرمة علي بصورة كرمة علي والثني (في الحاشية) بصورة الثني. هذا عدا ما أشرنا إليه من الأغلاط المذكورة أنفا.
وفي كل هذه الأعلام من الدقة في اللفظ ما يخفى على الكثيرين. ونحن نقول لحضرته أن
يراجع المصادر الإفرنجية التي تبحث عن بلادنا فأن لهم تآليف جليلة في هذا الموضوع ولا يمكن أن يستغني عنها فعسى أن لا ينظر إليها إلا بعين الإجلال والتقدير لأنهم يصرفون الحياة والمال والوقت لتحرير الوقائع والمواطن وتطلب الحقائق.
على أننا نقر له بالفضل العظيم لأنه مع جهله لغات الإفرنج، وضع لنا خير مختصر عن ولاية البصرة. ولا جرم أن جميع العراقيين يقتنونه، ولا سيما من كان من أهل البصرة نفسها.
٣ - اردشير وحياة النفوس
قصة غرامية تلحينية ألفها أحمد أبو شادي
عنيت بنشرها رابطة الأدب الجديد في الإسكندرية وهي في ١٥٠ صفحة بقطع ١٦
كل مرة نقف على أثر من آثار شاعر العصر، ونابغة الشباب العربي، الدكتور أبي شادي نقول في أنفسنا: أن هذا العبقري أتى بأبدع ما يمكن أن يجول في خاطر بشر، ولا جرم أنه إذا أراد أن يأتي بأثر آخر فأنه لا يأتي بمثل ما هو في أيدينا الآن: لكن سرعان ما يتغير فكرنا إذا ما وقفنا على نتاج فكري آخر له إذ نقول: حقيقة أن هذا الولد يشبه أخاه وكلاهما يشبه أباه. (ومن يشبه أباه فما ظلم)
فهذه (عبرة) أردشير دلت على قدرة عظيمة في مفكرة الشاعر المفلق المبدع ولا سيما حين زينها بأبدع التصاوير الرمزية حتى أصبحت طرفين في غلالة واحدة: طرفة الفكر وطرفة القلم. وفي هذه الغرة تصدير للمؤلف، ومقدمة للأستاذ محمد سعيد
стр. 2934
إبراهيم وتلحين (الأوبرا) للمؤلف وموضوع القصة ملخصا عن الفئات ليلة وليلة وأشخاص القصة عن الكتاب المذكور ونسق التمثيل للمؤلف وتمثيل القصة له أيضا. وكل ذلك بأسلوب بديع.
فأنت ترى من هذه الفذلكة أنك تربح كل الربح إذا ما اقتنيت هذه التحفة البديعة.
٤ - ذكرى سعد زغلول في العراق
مجموعة تحتوي على مقالات الصحف والمجلات والكتاب وقصائد الشعراء وخطب الخطباء في رثاء الشرق في ١٨٥ ص بقطع الثمن الصغير، بقلم خلف شوقي أمين الداودي.
هذه المجموعة هي احسن دليل على صلة الود الجامعة بين القطرين المحبوبين: العراق وديار مصر. فأننا نرى فيها ما شعر به أبناء الرافدين عند سماعهم نعي كبير رجال الثكلى. ولقد أبدع الداودي في تنسيق ما أورده من المنثور والمنظوم بحق فقيد الشرق. حتى أنه قطع به لسان كل معترض ومما استحسناه فيها إهمال الألقاب المبجلة لأنه يعتقد (أن مقال الكاتب أو قصيدة الشاعر، احسن دليل على مقدرة الكاتب أو رقة الشاعر وبلاغة الخطيب. وما الفائدة من الألفاظ إذا لم يدعمها بيان وبلاغة ورقة وحسن إلقاء؟)
٥ - التقرير الرابع بأعمال المجمع العلمي العربي
عن سنة ١٩٢٥ - ١٩٢٦ - ١٩٢٧ في ٢٨ ص و٤٢ صورة
اسم يدل على مسمى ولا يحتاج إلى شرح ومما سرنا في هذه النشرة أن في (عزم المجمع أن ينشئ معجما صغيرا يدخل فيه الأوضاع العلمية الحديثة وأن يضع رسالة اللغات الحية مزينة بالرسوم يصف فيها المهم من آثار المجمع وعاديات دمشق) فعسى أن تتحقق هذه الأمنية التي يتوق إليها كل عربي يحب رقي وطنه.
وكنا نود أن لا تعنون النشرة (بالتقرير الرابع بأعمال المجمع) لأن التقرير لم يأت في كلام فصيح بمعنى الفرنسية وهو المعنى المطلوب هنا، بل في كلام فصيح ولهذا يحسن بنا أن نقول: الرفيعة الرابعة، إذ رفع رفيعة هو وليس كتب تقريرا.
стр. 2935
٦ - تاريخ الشيخ ظاهر العمر الزيداني
حاكم عكا وبلاد صفد تأليف مخائيل نقولا الصباغ العكاوي، عنى بنشره وتعليق حواشيه الخوري قسطنطين الباشا المخلصي.
الجزء الأول طبع بمطبعة القديس بوليس في حريصا (لبنان) في ٩٦ ص بقطع الثمن الكبير
كتاب مفيد لكل من يريد يتتبع صدق الرواية في التاريخ، ونحن نأمل أن يطبع ناشره في آخر الجزء الذي يتمه فهارس للأعلام وفهارس للألفاظ الغربية التي وردت فيه وهي نافعة للغوي المؤرخ.
وقد وقع بعض أغلاط كما يقع في سائر المطبوعات من ذلك ص٤، لكن إذ قد تقلص -
وقاصرا على القسم - وفي ص ٥ المكتبة الشرقية - ثقاة المؤرخين - وأرسله له إلى باريس - وفي ص ٦ ضبط سنة توليتهم - ومن ثم يبان لنا - وفي ص٧: يبتدي (مكررة) - وفي ص ١١ خمس مائة، والصواب فيها: لكن لما أو حين تقلص - ومقصودا على - والخزانة الشرقية - ثقات المؤرخين (لأنها جمع سالم لثقة) وأرسل له به إلى باريس - وضبط سني توليهم - ومن ثم يبين لنا - يبتدئ - خمسمائة (لأن خمس مائة قد تعني خمس المائة وهو عشرون.)
وذكر في حاشية ٤ من ص ٢٠ (كيو مرته باللغة النبطية أحمر العين) قلنا ليس في النبطية لفظة بهذا المعنى. وكيومرته لفظة فارسية قديمة وكذلك في الهندية القديمة ومعناها الرجل الكبير الذي لا يهاب الموت وهي مركبة من (كيو) أو كي (أي كبير) ومن (مرته أو مرت لغة في (مرد) (أي رجل). فليحفظ.
٧ - بيير روش
تأليف بوليس فتري. طبع في باريس سنة ١٩٢٣ في ١٤ ص بقطع الربع
بييرروش هو الاسم الفني لفردينان ماسنيون والد لويس ماسنيون المستشرق الفرنسي الشهير وقد ألف بولس فتري صديق المتوفي رسالة أودعها بعض الصور التي صنعها أو نحتها بيير روش فإذا هي تشهد له بطول الباع في النحت والحفر إذ كلها بدائع وروائع ولا عجب بعد هذا إذا جاء الابن على آسال من أبيه.
стр. 2936
باب المشارفة والانتقاد
٨ - فن النسج
لمؤلفه الحكيم شوكت موفق الشطي
أستاذ فن النسج والتشريح المرضي في المعهد العربي بدمشق.
هذب لغته ووقف على طبعه الدكتور مرشد خاطر طبع في المطبعة البطريركية الارثوذكسية بدمشق سنة ١٩٢٧ في ٥٢٧ ص
هذا سفر جليل في موضوع لم يكن معروفا في الطب القديم، ولهذا عانى صاحباه الواضع والمهذب كل العناء لإخرجه إلى الناطقين بالضاد بحلة عربية من أبهى الحلل. ولا جرم أن الشرف كل الشرف يعود إليهما لسبقهما سائر الأطباء إلى تأليف هذا الكتاب الذي يقدره حق قدره كل من عالج موضوعا حديثا لم يكن للسلف منا عهد بمصطلحاته وعباراته ومميزاته.
أننا وأن لم نكن ممن يمارس الطبابة، إلا أننا نستطيع أن نميز الأوضاع بعضها عن بعض وما يصلح منها للكلم الإفرنجية أو ما لا يصلح لها، وأول شئ نأخذه على صاحبي هذا التصنيف البديع أنهما سمياه: (فن النسج) ولعل ذلك لأن العمل في هذا الأمر يفوق العلم بكثير إذ لا يحتاج فيه إلى بعد النظر كما لسائر العلوم. فأن صح رأينا قلنا: والعمل مهما بسيطا وسمحا يحتاج إلى علم، نظريا كان أو علمياً. ولهذا كان الأحسن لهما أن يسمياه (علم) النسج. ثم انك إن تتبعث أنواع الفنون المعروفة اليوم عند الأقدمين والمحدثين وذكر أجدادنا لها في كتبهم تراهم يسمونها (العلوم). ولا تجد بينها ما يسمونها فنونا البتة.
والأمر الثاني الذي كنا نود أن نراه في هذا التصنيف هو فهرس هجائي في آخر الكتاب يجمع الألفاظ العلمية مرتبة ترتيب هجاء إفرنجي أو عربي مع ذكر
стр. 2937
صفحة ورودها في الصفحات ليجدها الطالب أو يتخذها الكاتب إذا ما احتاج إليها. وتوفيرا لذكرها مردوفة في مطاوي الكتاب مع لفظتها الإفرنجية.
والأمر الثالث: إهمال تصحصح أغلاط الطبع في آخر الكتاب فأنها ليست بقليلة.
والأمر الرابع: سوء تصوير الأعلام الإفرنجية بحروف عربية فأنهما اعتبرا كل حرف عليل في الإفرنجية حرفا عليلا في العربية. وليس الأمر كذلك فأن من حروف العلة
الإفرنجية ما هو مقصور غير ممدود فيقابله في العربية الحركة لا الحرف. وأنا اذكر لك أمثلة. قالا في ص ٥ برونن وفي ص ١٠ باله وروسي وفي ص ١١ لورو وايفن برترن إلى غيرها. وعندنا لو قالا برونان وبيلى ورسي (بتشديد السين) ولرد وايفان برتران لكانت تلك الأسماء اقرب إلى لفظها الحقيقي الفرنسي ما ذاكراه.
والأمر الخامس هو أننا رأينا فيه بعض عبارات كانت تكون افصح لو أفرغت في قالب آخر. فقد قالا مخابرة جميعها ناقصة على الرغم من نبوغ أساتذته. - وفيها لأنه رم ز النهضة العلمية -. وفيها: فعاد المعهد لا يقل اتقانا عن المعاهد الطبية الكبرى. . . وفي ص ٥: تلك السنوات الثلاثة. - وعندنا لو قالا: فظلت مخابرة ناقصة مع نبوغ أساتذته. . . لأنه رمز إلى النهضة. . . فإذا المعهد لا يقل اتقانا. . . تلك السنوات الثلاثة ومن مثل هذه الهنات لا تخلو صفحة.
والأمر السادس أننا لا نوافقهما على وضع كثير من الألفاظ الجديدة. فقد سميا مثلا اللعلة (وهي زهرة يشبه لونها اللعل (الذي هو حجر كريم) وتسميها العامة الليلاق أو الليلق أو الليلك فيقولون مثلا ليلاقي وهم يريدون اللون اللعلي): (البجلة) (ص ٢٣) ولا جرم أنهما أخذاها عن الفوائد الدرية في اللغتين الفرنسية والعربية المطبوعة في بيروت وهو للأب بلو اليسوعي. فهذا الكتاب لا قيمة علمية له، فهو سفينة أغلاط تمخر في بحر العربية فقد نقل إلى بلاد كثيرة سوء الوضع والنقل والترجمة والتعريب. فقد قال المذكور في مقابل
стр. 2938
بجلة أو شجيرة ذات أزهار بيضاء أو حمراء (ليلك) ثم اعتبر البجلة التي معناها الشجيرة اسم علم فقال بعد ذلك (لون أزهار البجلة) ولو قال أزهار البجلة المذكورة لكان كلامه اسلم عاقبة. إذن الغلط واضح. ولهذا كانت متابعة صاحبي كتاب (فن النسج لهذا المعجم من أفظع الغلط. والأحسن أن يقال: (لعلة) الفارسية الوضع العربية الاستعمال لصلة تجمع بين الزهرة والحجر الكريم وهو اللون الخاص به ولهذا سموا به الزهرة. على أن الإفرنج ذهبوا إلى أن أصل الكلمة من العربية ليلك أو ليلج وهي من الفارسية نيلنج أو نيلج والآبين أنها من (لعلة) على ما يبدو لنا وهو اقبل للعقل وللصواب.
ولا نريد أن نتبع الكاتبين في جميع أوضاعهما، إذ هذا يطول لكثرة ما هناك منها، على أننا لا ننكر عليهما أصابتهما في ألفاظ كثيرة، كالجسم المركزي (ص ٢١)، والليفين، واللحمة
الليفية (ص ٢٢)، وعلى كل حال أننا نرى الكتاب من المصنفات التي تستحق أن تقتني، ولا سيما يجدر بأرباب الطب. طلبة كانوا أو أساتذة. أن يكون في أيديهم لأن صاحبيه جمعا فيه كل ما جاء مفرقا في تأليف علماء هذا البحث. وهناك فائدة أخرى لا تنكر وهي أن كل كلمة معربة جديدة أو قديمة يجانبها الحرف الإفرنجي ولو تكررت مرارا. ومهما يكن من الأمر فأننا نتمنى للكاتبين رواج تأليفها وإعادة طبعه احسن وجه متخذين الألفاظ الموافقة للإفرنجية كل الموافقة، وتاركين ما لا يفي بالمعنى.
٨ - مباحث في التعبية
الكتاب الثالث: الخدمة السفرية. الجزء ٢: المسير والحماية
تأليف الزعيم طه الهاشمي مدرس الجغرافية العسكرية وتاريخ الحرب في المدرسة العسكرية، طبع على نفقة المجلة العسكرية في مطبعة السلام في بغداد ١٩٢٧ في ٢٢٠ ص بقطع ١٦.
لم يبق اليوم من يجهل فضل الزعيم طه بك الهاشمي فهذه تآليفه
стр. 2939
العديدة تشهد ما له من الفضل على ديار العراق وأهاليه من معلمين ومتعلمين وهو لا يزال في ريعان الشباب يجد في التأليف ونفع أبناء الوطن بما يفيضه عليهم من علمه الزاخر إذ لا تمضي سنة إلا يصدر بضعة تآليف تبين للناس خدمته للعراق وللناطقين بالضاد. وهذا الكتاب الثالث من مباحثه في التربية (راجع مجلة لغة العرب ٣١١: ٥) يبحث عن الخمة السفرية وقد خص هذا الجزء بالمسير والحماية. وقسمه إلى بابين ذكر في الباب الأول منهما ما يتعلق بالمسير وأودع الباب الثاني كل ما يتعلق بالحماية، فجاء هذا التصنيف البديع من احسن ما الفئات في لساننا.
ومما يزينه ويجعله كتابا مفروضا على كل جندي الصور المختلفة التي تشاهد في تضاعيفه لجلاء ما فيه من المصطلح. فمن صوره خريطة بغداد وأمثلة المرور فيها إلى نقطة الشروع. وخريطة الموصل وما يجاورها وثالثة لقسم آخر من الموصل وتصوير يمثل الفوج في الستار وهر يباع بربية واحدة ليقبل عليه الناس وأن لم يكونوا من المطلعين على أساليب الحرب فنتمنى له الرواج والانتشار.
١٠ - المجلة العسكرية (البغدادية)
برز الجزء الأول من السنة الخامسة وإذا المجلة في تحسن دائم وهي تصدر أربع مرات في السنة، وكلها فوائد ومن أجل ما فيها ما يوشيه حضرة الزعيم طه بك الهاشمي فأنه لا يدع جزءا من أجزائها يبدو للعيون إلا يرى فيه ما يفيد القراء عن الحركة العسكرية في العراق، ولهذا أصبحت هذه المجلة ضرورية لكل من يعنى بمعرفة ما يجري من هذا القبيل في ديار العراق. (راجع أيضاً عن هذه المجلة لغة العرب ١٨٢: ٥).
مقالات للمستشرق الروسي اغناطيوس كراتشكوفيسكي
لم يبق اليوم من يجهل تضلع العلامة الروسي اغناطيوس كراتشكوفسكي من علومنا العربية فقد ذكرنا له عدة تآليف تبحث عن العرب وتاريخهم وعلومهم وحضارتهم وقد أهدى إلينا اليوم مقالتين إحداهما في:
١١ - وصف كتاب خط غير معروف للشيخ محمد الطنطاوي
اسمه تحفة الأذكياء بأخبار بلاد الروسياء.
وهو تأليف جليل في لغتنا الضادية، ليس شبيه، لأن المصنف أمعن في
стр. 2940
هذا الموضوع ويقع في نحو ٢٠٠ ص وقد أنجزه في أوائل ك ٢ سنة ١٨٥٠ من الميلاد وقد رتبه في عشرة فصول.
وفي المقالة الثانية:
١٢ - وصف الكتب الخطية الشرقية التي كان جمعها
المستشرق غرغاس
والموجودة اليوم في خزانة جامعة لننغراد، وبين تلك النفائس كتاب الكتابية وقد جاء في آخره: (تم الكتاب. . . كتبه أحمد بن الحسين بن حمد. . . لنفسه بمدينة السلام بغداد سنة تسع وسبعين وأربعمائة) إلى غير ذلك من الكتب فنشكره على تعريفنا بمصنفات السلف ونستزيده منها.
١٣ - الزباء أو زينوبيا ملكة تدمر
نرى اليوم الشاعر العصري أحد زكي (أبو شادي) على رأس جماعة لا هم لها سوى حمل
أبناء العصر على موافقة الغربيين في توخي اقرب الوسائل إلى الرقي والاندفاع وراء تقدم الحضارة التي تسير سيرا حثيثا في جميع الشؤون. وقد لاحظ أن من أسباب رقيهم الأدبي هو وضع عبرات (أوبرات) ومشاهدة تمثيلها فأنها تفعل في النفس مالا ينتجه أعظم محببات مكارم الأخلاق.
ويمتاز قلم (أبو شادي) بثلاثة أشياء: - ١ - أنه يعالج في عبراته الأمور الشرقية. - ٢ - ينزه قلمه عن اللغة العامية ومساوئها. - ٣ - يصوغ عباراته بحيث يفهمها الجميع ولا ينبو عنها سماع الفصيح. - هذا فضلا عن أنه يحل عقدة الرواية حلا توافق عليه آداب العصر ومكشوفات العلم في هذا العهد الجديد.
ورواية الوباء من أمتع الروايات وقد قدم عليها المؤلف تصديرا بسط فيه مختصر ترجمة البطلة، أعقبها بسير الزباء للأستاذ محمد سعيد إبراهيم ويليها موضوع القصة فتمثيلها فأشخاصها فنسق التمثيل فأربعة فصول كلها غرر.
يرى القارئ من هذا التباين الوجيز أن العبرة من أنفس ما جاء في بابها وجدير بأن تمثل في احسن مسرح في العالم. حتى أنها نقلت إلى لغة من لغات أهل الغرب، تجذب الأنظار إلى ناظمها وتعترف له بالفضل على الشرقيين وتحيي
стр. 2941
فيه دليل العرب إلى اقرب مورد يردونه ليبردوا منه غلتهم، فعسى أن تتحقق الآمال!
١٤ - الخبرة الصوفية
وإفراغ قوالب النثر الفصيح وألوانه
بقلم لويس ماسنيون
هذه رسالة في ٣٢ صفحة بقطع ١٦ لكنها تحوي من المواد ما حمل واضعها على أن يطالع مئات بل ألوفا من الصفحات في اللغات الإفرنجية والشرقية. وقد دلنا المصنف على أن مؤلفي كتب التقى قد تختلف عبارتهم حسب الذين تولوا نقل كلامهم أو صححوا تلك الكتب بأنفسهم أو على يد غيرهم قبل أن تخرج بالصورة الأخيرة وذكر لك عدة شواهد وأمثلة، وهي حقيقة جديرة بالتأمل.
١٥ - قانون تسجيل النفوس ونظام تعليمات تسجيل النفوس
العام وجدول الأمثلة
طبع في مطبعة الحكومة ببغداد سنة ١٩٢٧ في ٢٤ ص بقطع ١٦ وثمن النسخة أربع أنات.
هذه هي المرة الأولى يرى العراق، (قانون تسجيل النفوس) فهي خطوة عظيمة في ميدان الحضارة العصرية ونتوقع أن يكون التقييد على أقوم وجه لكي لا تضيع أتعاب الحكومة سدى.
ومما استغربناه في هذا القانون عبارته الركيكة ولا سيما ما ذكره في ص ٢٦ إلى ص ٣٤ من أسماء الصنائع بالتركية والعربية فقد ذكر في باب أسماء الصنائع بالتركية بهذا الوجه: حداد، حائل، حصيرجي - حداد سكاكين - حلاق - حمامجي - وذكر بازائها من أسماء تلك الصنائع بالعربية ما يأتي: حداد - حائل - حصري - سكاكيني - حلاق - حمامي. - ونحن وأن كنا لا نعرف التركية إلا أننا نعل أن الحداد هو دميرجي بالتركية، والحائك: طوقومهجي وحداد السكاكين (وهو بالعربية مذرب أو مسنن أو شحاذ لا سكاكيني لأن
стр. 2942
السكاكيني هو بائع السكاكين) وبالتركية بيلهييجي. والحلاق هو بربر بالتركية أو بيروكار بالباء المثلثة الفارسية في الأول). هذا مثال لما هناك من الألفاظ من الألفاظ الغربية المنسوبة إلى الترك والترك براء منها ومنسوبة إلى سلفنا والسلف يتقززون منها. - أفلا يرى إذن في ديوان النفوس من يحسن لغة من هاتين اللغتين، فيدفع إليه إصلاح ما تفرغ له ليجئ الكتيب مثال الإتقان ما نتولاه بأنفسنا لأنفسنا؟
١٥ - نقد صفحة من (البستان)
زارنا أحد الأدباء وقال لنا: وقفت على ما كتبتموه في لغة العرب (٦١٢: ٥ وما يليها) نقدا للبستان. وأظن أن ما أشرتم إليه هو كل ما في الجزء الأول أو المجلد الأول من الأغلاط ولا يمكن أن يرى غيرها. فأن كنتم صادقين في مدعاكم. أي أن كان في المعجم المذكور أوهام أخرى غير ما ذكرتم، فأنا اعرض عليكم صفحة والتمس منكم أن تنقدوها لننظر صحة ما تزعمون أو علته. قلنا له: عين لنا الصفحة التي تريدها ونحن نبدي رأينا فيها،
قال: دونكم ص ١٢٨٠ فأنقدوها.
فنزولا على طلب الأديب تنقد الصفحة المذكورة فنقول:
قال الشيخ حفظه الله: ومتعنا بطول عمره، في مادة ش وك: (شاك السلاح) وفيه قولان أحدهما أن اصله شوك (وضبط الواو بالفتح وزان سبب) قلبت الواو ألفا لوقوعها متحركة بعد فتحة. . .) - قلنا: والصواب شوك (بكسر الواو) إذ لا وجود لشوك المفتوحة الواو بمعنى شائك.
وقال في جمع الشوك: (أشواك). - قلنا: لم يرد الأشواك في كلام فصيح والصواب أن الشوك لفظ شبيه بالجمع ولم ينقل عنهم جمعه.
وذكر شرحا للشوكة ما حرفه: (والشوكة عند المولدين أداة كالمذراة ذات أصابع دقيقة محددة يؤكل بها.) - وهي عبارة محيط المحيط إلا أنه غير (آلة) (بأداة) وقوله ذات أصابع كلام غريب والأحسن ذات أسنان.
وشرح الكتان بقوله: طينة تدار رطبة ويغمر أعلاها (ثم)
стр. 2943
تنبسط ثم. . . - والصواب ويغمز أعلاها (حتى) تنبسط ليقسم المبنى والمعنى.
وفي تلك الصحيفة عينها: (ارضي شوكي نبات يقال له الخرشوف.) - وفي هذا التعبير عدة معايب: - ١ - لم يحل اللفظة بال التعريف على مألوف عادته في الأسماء. - ٢ - لم يضبط حرفا من أحرفها. - ٣ - هذه الكلمة (ارضي شوكي) من الألفاظ التي اختلقها الياس بقطر وليس لها وجود في العربية البتة. لأن تركيبها ليس عربيا. ولو كان كذلك لقيل: الشوك الأرضي، أو الاريض الشوكي مثلا. ومعنى الاريض العريض. وذلك أن لهذا النبت ثمرة ملمومة الأوراق وأوراقها عريضة وفي طرف كل ورقة شوكة صغيرة. فيكون الاريض الشوكي، النبت العريض (الورق) الشوكي (في طرفه) فيجئ التركيب عربيا. أما الأرضي الشوكي فتركيب غير سائغ في لغتنا ولا معنى له فيها. ونقلها عن بقطر رسل وعنه فريتغ فأخذها عنه البستاني الكبير فبستانينا الأخير. أما أجدادنا العرب فأنهم لم يعرفوها ولم ترد في ديوان من دواوينهم.
ومما ينظم في هذا السلك قوله في تلك الصفحة نفسها: (الحبل الشوكي هو النخاع المستطيل الممتد من الدماغ في قناة الفقرات) - وهو تعبير غريب لعدة أسباب: - ١ -
لأن الحبل الشوكي لم يذكره أحد من السلف في كتبهم إذ اللفظة حديثة الوضع ذكرها الأطباء المحدثون وأهل التشريح نقلا عن الإفرنج. - ٢ - لم يضبط الحرفين كما هو المطلوب منه - ٣ - سوء التعبير وعجزه عن تأدية المعنى. فلو قال: هو النخاع الذي ينقاد من الدماغ إلى اسفل فقرات الظهر لكان أوفى بالمراد - ٤ - أن السلف قالوا في هذا المعنى خيط الرقبة أو حبل الفقار لا غير.
سماه في محيط المحيط حبل الظهر ايضا، لكني لم أره في كتاب ثقة ولا
стр. 2944
جرم أنه بدل حبل الفقار بقوله حبل الظهر. وعرف اللغويون حبل الفقار بأنه عرق ينقاد في الظهر من أوله إلى آخره (التاج) والعرق في كلامهم هذا لا يعني ما يريد به الأطباء من باب التحقيق. بل ما يريد به اللغويون من باب التشبيه، فانهم يسمون بعض ما يمتد طولا حبلا وخيطا وعرقا. ففد قالوا مثلا العرق المدني، وهو دواء معروف في المدينة ويسمى في بعض ثغور خليج فارس شعرة الحية وهي الحية والصواب الشعرة الحية. كما سموا الجبل وحبل الرمل عرقا أيضا. كل لما في هذه المسميات من معنى الامتداد.
ومما ورد في تلك الصفحة عينا ونعده غلطا قوله: (الأشواك من الثياب الخشن لجدته. يقال: أشواك وحلة شوكاء) قلنا في هذا التعبير سقم تركيب ظاهر فكان يحسن به أن يقول: الأشواك من الثياب الخشنة لجدتها لتطابق الصفة الموصوف، لكن في التعبير غلط آخر وهو أنه لا يقال الأشواك جمعا لأشواك بل المفرد المؤنث شوكاء. وهناك غلط ثالث وهو كان يجب عليه أن يقول: الأشواك من الثياب الخشن فزاد الطابع الألف من عنده فصار الأشواك. على أن الأشواك نفسه غلط رابع وذلك لان الأشواك لم يرد مذكرا لموصوف مذكر بل سمع عنهم شوكاء صفة لحلة. فقالوا حلة شوكاء ولم يخطر ببالهم أن يقولوا: ثوب أشوك. لكنه نقلها عن محيط المحيط ولم يلتفت إلى ما فيه من الأغلاط الفظيعة الشنيعة.
وليت الأشواك يكون آخر غلط جاء في تلك الصفحة فقد ورد فيها غلط آخر وهو قوله: (وشال ميزان فلان غلت في المفاخرة). فلم نفهم هذا الكلام ولا المرد من قوله (غلت) إذ لا معنى لها هنا يوافق سياق الكلام وبعد أن فكرنا طويلا قلنا: لا شك أنه أراد: غلب (بصبغة المجهول) في المفاخرة. لكن المنضد قلب الباء الموحدة التحتية تاء مثناة فوقية فأنقلب المعنى ظهر البطن بل انقلب كلاما لا ظهر له ولا بطن، ولم يلتفت المصحح إلى ما حل
بالكلمة من التحويل والتبديل. وليس في آخر الكتاب تصحيح لأغلاط الطبع التي وردت فيه لتبرئه من كل تهمه والأغلاط التي فيه تشوه كل صفحة من صفحاته التي
стр. 2945
فهل حفظت الأغلاط التي سردناها لك وقد جاءت في صفحة واحدة؟ - فهي:
١ - شوك (كسبب) والصواب كحذر.
٢ - أشواك (كأحمال) والصواب شوك (كقول).
٣ - أصابع والصواب أسنان.
٤ - ثم تنبسط والصواب حتى تنبسط.
٥ - ارضي شوكي والصواب حذف هذه اللفظة بتاتا من اللغة، والاكتفاء بالخرشوف لا غير.
٦ - ثوب أشوك لا يقال بل حلة شوكاء.
٧ - غلت في المفاخرة والصواب غلب في المفاخرة. وهكذا قل عن كل صفحة من هذا المعجم فإن الأغلاط تكثر فيها وتختلف بعضها عن بعض عددا ونوعا باختلاف المواد. فتأمل.
وإذ قد اجبنا طلب المقترح تنتقل إلى ذكر ما ورد فيه من الأوهام ذاكريها طوائف طوائف وفصولا فصولا كما بدأنا في جز سابق فنقول:
جهلة علم الحيوان
جاء في مادة ر ب ح: الرباح بالفتحة كسحاب. . . دويبة كالسنور وهي قطعة (كذا) الزباد لأنه يحتلب منها و - بلد يجلب منه الكافور - الرباحي: صنف من الكافور منسوب إلى رباح وهو البلد الذي يجلب منه الكافور. اهـ
فلننعم النظر في الكلام. وأول كل شئ نأخذه عليه أنه قال الرباح بالفتح كسحاب. فقوله بالفتح زائد أيراد وزنه كاف - ثانيا قوله دويبة كالسنور. في غير محله إذ الدويبة المذكورة لا تسمى رباحا بل زبادا أو زبادة فصحفه بعضهم وجرى وراءهم على هذا التصحيف كثيرون من الأدباء والكتبة واللغويين، وكان الأليق به أن يقول أن البراح تصحيف مخطوء فيه لكلمة زباد وقد حقق ذلك صاحب تاج العروس ولا نريد أن نورد كلامه وتحقيقه لطوله - ثالثا قوله (وهي قطعة) من غلط الطبع وقد ذكرنا ذلك في محله والصواب قطة الزباد
وهي عبارة محيط إلا أنه قدم فيها وأخر ليوهم أنه غير ناقل عنه؛ لكن الفضيحة تظهر في قوله (قطة الزباد) والسلف لم
следующие страницы →