Полный текст (6 158 стр.). Показаны 3081–3120 · переход к 3086.
стр. 3081
الفصحى يكون باللام المسماة بلام الأمر الداخلة على المضارع نحو ليضرب، وإما في كلام العامة فلام الأمر معدومة غير مستعملة وإنما يستعملون في أمر الغائب كلمة (خل) التي هي فعل أمر بالتخلية. إلا انهم لا يقصدون بها معنى أمر الحاضر بل يأتون بها بدل لام الأمر ويدخلونها على المضارع فيتكون منها ومن الفعل المضارع صيغة أمر الغائب فيقولون (خل يضرب) ويريدون معنى ليضرب حتى انهم يخففون اللام من خل ويسكنونها فيقولون (خل يضرب) بمعنى ليضرب غير انهم إذا جعلوا لام الأمر مخففة ساكنة لا يدخلونها إلا على الأفعال المضارعة الساكنة الفاء كيضرب، وإما مع المضارع المتحرك الفاء كيشوف ويمد فلا يوردونها إلا بتشديد اللام وكسرها، فتصرف أمر الغائب عندهم هكذا:
خل يضرب - خل يضربوا - خل تضرب - خل يضربن
الفعل المجهول
أن صيغة الفعل المجهول معروفة في كلام العامة يستعملونها بل هم يستعملون بدل الفعل المجهول فاعله صيغة (انفعل) فيقولون (انكتل) مكان قتل (وإنجرح) مكان جرح وانكتب
مكان كتب ويقولون (انسقى الزرع) مكان سقي (وانمطرت الأرض) مكان مطرت و (انبنى الحائط) مكان بني و (انباع الشيء) مكان بيع ومنه قولهم وهو من احاجيهم: (بعد العصر ما ينباع) ويقولون (ينكال لفلان كذا) مكان يقال لفلان كذا و (ينشاف) مكان يشاف أي يرى ومنه قولهم وهو من أمثالهم (خشاف ينذكر ما ينشاف) أي يذكر ولا يرى. إلى غير ذلك من الأفعال لكن استعمالهم انفعل مكان فعل خاص بالثلاثي المجرد، أما الثلاثي المزيد فليس للمجهول منه موقع في كلامهم، وإما الرباعي المجرد فيستعملون في موضع المجهول منه تفعلل فيقولون (تسربس الغزل) بمعنى سربس، و (تخرمش وجهه) بمعنى خرمش.
معروف الرصافي
стр. 3082
غادة بابل
٨
لم تجد نفعا الرقي والطلاسم والتعازيم وندامة الأب بل كانت حال المريضة تزداد حرجا وأصبحت على قاب قوسين من النزع فارتأى أهلها أن ينقلوها من البيت إلى الخارج ويعرضوها على أنظار المارة لكي يصف لها من يراها تعويذة فعالة أو دواء ناجعا مجريا فحملوها على فراشها ووضعوها عند باب دارها. فتكاكأ عليها المارة واخذ كل واحد يصف لها وصفة من تعاويذ وعقاقير جربها في حادث حدث له في زمن مضى ثم يأتي غيرهم ويسفهون آراء من سبقهم ويؤكدون أن رقية الإله الفلاني هي برء الساعة مع العقاقير التي يسردون أسماءها.
ثم أتى واحد واخبرهم أن (آسو) أتى من مصر وهو عالم بمداواة المرضى قدير أن يشفي
أعضل الأمراض.
عمل الأهل كل الوصفات والرقي واستقدموا (الآسو) فلم تنجع في المريضة حيلة بل اشتدت على حترآء الآلام وارتفعت حرارة الحمى فأسلمت الروح بعد غياب الشمس.
أطلقت النائحات أصوات الويل والثبور وأرسلت النساء شعور رؤوسهن
стр. 3083
والقين التراب والرماد على هاماتهن ولطمن الخدود بالأيدي وخمشنها بالأظافير. واشترك بهذا المأتم العبيد والعبدات ثم أتت الجارات وانضممن إلى المحفل.
اشتغل الأهل والأقرباء والجارات بالمراثي واللطم وعهدوا بجثة حترآ. إلى نساء دأبهن تجهيز الموتى والسهر على أجسامهم قبل الدفن. فدهنها بزيت معطر والبسنها اجمل ثيابها وأفخرها وزينها بالحل الغالية الثمينة. ووضعن قرطي ذهب في أذنيها وقلادة نفيسة في عنقها هي خرز من العقيق واللازورد والذهب منظومة في سلك، وأساور في معصميها وخواتم وحلقات في أصابعها وحجلين في رجليها ومشطا من ذهب في شعرها وحمرن وجنتيها بالحمرة ودهنها بالدهون وصبغن أهدابها وأطراف عينيها بالزرقة. ثم أضجعنها على فراش وثير وأطبقن ذراعيها على صدرها. ثم نصبن مذبحا عند رأسها لقرابين الماء والبخور والحلويات وأخفين تمثالين الواحد عن رأسها والآخر عند قدميها يمثل أحدهما
صورة (ايا) والآخر شبيها (بأيا) وعلى كل منهما جلد سمكة. وقد مدا أيديهما على جثة حترآ، ووضعن ثلاثة تماثيل أخرى في غرفة المائتة أحدهما بصورة إنسان والاثنان الآخران رأسهما رأس أسد وجسدهما جسد إنسان.
والغاية من هذه التماثيل منع الأرواح الخبيثة من دخول غرفة الميتة وتقمصها بصورة عفريت يمتص بعدئذ دم الأحياء.
وتوضع كذلك تماثيل الآلهة فوق سطح البيت لمنع تلك الأرواح الشريرة من الهبوط من السقف.
وتقام الصلوات والأدعية استدعاء للأرواح الصالحة للسهر على جثة المتوفاة.
اهتم بعض أقاربها بانتقاء تربة شريفة يودعونها جثمانها، فمنهم من ارتأى نقله إلى اورك. تلك المدينة المقدسة في جنوبي بابل التي تنقل إلى مقابرهم أجسام الموتى من جميع المدن البابلية
للتبرك بقداسة ثراها لأنها مدينة العلم والدين
стр. 3084
والكهنة والملوك.
ومنهم من ارتأى دفنها في مقبرة البيت القديمة في دار السكنى عينها حيث قبر بعض أجدادها في زمان كان البابليون يدفنون موتاهم في بيوتهم.
إلا أن أباها لم يوافق على الرأيين بل رغب في دفنها في المدفن الذي قبرت فيه أمها لتكون إلى جانب تلك التي حنت عليها في صغرها.
حملوا الجنازة من بيتها بين النوح والبكاء واللطم تتقدمها النائحات والعازفات ويتبعها جوق منهما وكان معها أهلها وأصدقاؤهم ومعارفهم مرتدين ثياب الحداد من نسيج غليظ كمد ليس فيه ثنايا ولا طيات بل يشبه كيسا. أخذوها إلى إحدى المقابر في ضواحي المدينة ووضعوها في تابوت على هيئة حب وهو متخذ من الطين المشوي من قطعتين. وإحدى القطعتين هي غطاء الحب. ولحموا القطعتين بالقار وفي طرف الحب أو التابوت ثقب صغير تخرج منه الروائح التي تنبعث من الجثة عند انحلالها.
وكانت توضع الجثة في التابوت وضعا يوافق معتقداتهم الدينية فالقوا الرأس على آجرة لفوها بقطعة مطرزة من النسيج وفيها أهداب ذهبية. وتركوا التابوت في مشكاة معقودة في جدار القبر وجعلوا في القبر حلاها وأدوات الزينة وعلب الحمرة والخضاب وأصباغ الوجه
وأواني العطر وأقداحا وأكوابا وبعض أمتعة البيت وشيئا من الطعام الذي كانت مولعة به في حياتها وتمرا وجرة ماء وأزهار ومسرجة. وبعض تماثيل ونقوش محفورة على حجر وصخر وعلى قطع صغيرة من البلور الصخري والجزع واليصب وحجر الحية وحجر الدم والعقيق والبلور، فكانت هذه الأمور تقدمات خالدة للآلهة تفوق التقدمات البالية منزلة وقدرا أو تعاويذ تصد الأرواح الشريرة عن أذى الراقد أو الراقدة.
رجع المشيعون واخذ بعضهم يتحدث عن سرعة زوال الحياة وعن انتقال تلك الشابة الحسناء إلى (الأرض التي لا دعوة منها) إلى (قعر الظلمة) إلى (دار البلى) إلى (مملكة الأموات العظيمة) التي تسود فيها (اللات) ملكة الموتى، إلى ال (ارلو)
стр. 3085
ذي السبعة الأبواب للداخلين فيه وعلى تلك الأبواب حراس يمنعون من يحاول الخروج منه لا ينفذ إليه نور الشمس وإنما تبعث منهم أحيانا آلهة الموتى (اللات) بعثة خاصة إلى الأرض لأذى الأحياء لا يأكلون في الارالو إلا الحما المسنون ولا يلبسون إلا ريش طيور الليل الأدكن وما ملكة الموتى (اللات) أو ارشكيجل إلا آلهة الانتقام، إلا ربة البطش والفتك بالأحياء، إلا سيدة مطلقة عنان القسوة والشكاسة والشراسة تعامل الموتى معاملة فظة مهما كانت سيرتهم في الحياة صالحة أو طالحة فهم في عينيها سواء، تكيل لهم العذاب جزافا ويهيبهم قبح منظرها وسماحة تمثيلها وهي امرأة زباء مشوهة الخلقة متخاذلة الأعضاء وجهها وجه لبوءة كاشرة عن أنيابها. ولها أجنحة واكف طائر جارح، وتهز بكل من يديها حية عظيمة كالحربة تطعن بها عدوها وتسمه بلا رأفة. وولداها أسدان ترضعهما من جسمها. تسير في مملكتها وقوفا أو ركوعا على ظهر حصان يرزح تحت ثقلها وتسحقه سحقا وفي بعض الأوقات تذهب بنفسها لتفتقد النهر المنحدر من عالم الأحياء فتركب وحصانها مركبا جنيا يبحر بلا شراع ولا مجداف ينتهي مقدمه بمنقار طائر وكوثله برأس ثور.
فهذه الآلهة المسيطرة على الكائنات مهيمنة في دولتها مستقلة في إدارتها لا يتدخل في شؤونها أي قدير كان، حتى أن الآلهة أن شاءت الدخول إلى تلك المملكة تخنع لأوامر ملكتها وتعدهم من رعاياها الأموات، أما قرينها نرجل فدونها في السلطة في تلك المملكة ولها جند ينفذون أوامرهم ومنهم (الطاعون) و (الحمى) وغيرهما. مسكينة حترآء لقد قضت أيامها ودخلت أقطار الهاوية فهل لها أن تترضى (اللات) لتمنحها جرعة ماء من (ينبوع
الحياة) ذلك الينبوع الواقع عند عتبة الارالو الذي يعيد ماؤه الحياة إلى الموتى. ولكن كيف الوصول أليه وحراسته موكولة إلى أرواح الأرض السبع - هي سبع - سبع هي - في حفرة الهاوية هي سبع لا هي ذكور ولا هي إناث، لكنها تنتشر كالتيارات - لا تتخذ نساء ولا تلد أولادا أبدا. لا تعرف الرأفة والإحسان - لا تسمع الصلوات ولا الأدعية - تكثر الحقد في الجبال هي أعداء (ايا) هي رسل الموت.
стр. 3086
هذه هي الأفكار والمعتقدات التي كان يرددها المشيعون الأغرار إلا أن المفكرين منهم كانوا قد ارتقوا إلى تصور جنة تجري فيها الأنهار وتظللها الأشجار يدخل فيها الصالحون والصالحات وهي مثوى الآلهة في قمة (جبل العالم) لا بل أن الأبرار والفضلاء يستقبلهم الآلهة في جنتهم ويؤلهونهم. وبهذا الرجاء كان أبو حترآء يعزي نفسه ويتوقع رؤية ابنته في تلك الجنة على قمة (جبل العالم)!.
يوسف غنيمة
أصل السدلى
أو السدير.
في تاج العروس في مادة من س د ل: السدلى كزمكي، معرب، واصله بالفارسية سه دله كأنه ثلاثة بيوت كالحاري بكمين، كما في العباب واللسان. أهـ. فكتب الواقف على طبعه: قوله (كالحاري) كذا بخطه كاللسان فظهر من قوله هذا إنه لم يفهم كالحاري وصاحب (البستان) لم يذكر هذه الكلمة في معجمه ولا ندري السبب مع أن الذين نقل عنهم ذكروها وإن لم يشرحوها.
قلنا: معنى الحاري: الثوب المصنوع في الحيرة، وهي نسبة شاذة إلى الحيرة، المدينة المشهورة في العراق، وإما الكلمتان الفارسيتان فليستا (سه دله) بل (سه دير) ومعناهما البيوت الثلاثة فمعنى (سه) ثلاثة، ومعنى (دير) البيت المعقود عليه قبة أو جنبذة كما يقول بعض رزاة السلف نقلا عن الفرس المنقرضين، ولهذا نرى بعض الأقدمين عرب (السدلى) بصورة ثانية وهي (السدير). ومنه أسم القصر الذي بناه في الحيرة آل المنذر وكان فيه ثلاث قبب متداخلات وقد غلط صاحب التاج في مادة سدر إذ يقول إنه معرب عن (سه دره) أي ذو ثلاثة أبواب. والصواب ما أوردناه نقلا عن المحققين.
وفي فرصة أخرى، نذكر كيفية ذلك البناء الشهير.
стр. 3087
فوائد لغوية
الجحاد لم ترد بمعنى الجاحد
جاء في الفرائد الدرية في اللغتين العربية والفرنسية للأب ج. ب. بلو اليسوعي وهو المعجم الذي نظر في مسوداته ونقحها الشيخ إبراهيم اليازجي في مادة ج ح د هذه الكلمة: (جحاد: ومعناهما: الذي ينكر كل شيء. ناكر الإحسان: ولما نقل المؤلف نفسه ديوانه المذكور إلى الفرنسية وضع بازاء جاحد وناكر الجميل أو الإحسان، جحاد غامص أو كافر النعمة. . . ثم جاء بعده الأب حوآء اليسوعي فنقل إلى الإنكليزية العبارة المذكورة في معجمه: الفرائد الدرية في اللغتين العربية والانكليزية فقال وكنا نؤمل أن نرى الأب لويس معلوف اليسوعي يصلح وهم أخويه، فلم يزدنا إلا ثباتا فيه فقال: جحده حقه: أنكره على علمه به فهو (جاحد وجحاد)، وكنا نظن أن الوهم سرى إلى هؤلاء المؤلفين جميعهم من أقرب الموارد وهذا من محيط المحيط لكنا ألفيناهما يذكران المعنى الذي أشار إليه جميع اللغويين وليس هنا محل ذكر ذلك الشرح، ثم قلنا: فلعل الآباء المؤلفين اليسوعيين نقلوا الوهم عن فريتغ المشهور بسوء فهم عبارة لغتنا، فلما نقرنا عن اللفظة في ديوانه رأيناه أساء فهم العبارة حقيقة لكن على غير الوجه الذي ذكره الآباء اليسوعيون إذ قال باللاتينية: الجحاد أي من يبطئ في ضيافة الناس، على أننا لا ننكر أن الجحاد وردت بمعنى الكثير الجحود في لغة عوام الأندلس، إلا أن لغة العوام هي غير لغة الفصحاء. وأول من نقلها عنهم أحد الكتبة الإفرنج في القرن الثالث عشر للميلاد وعنه نقل دوزي اللفظة ومن كتاب دوزي نقلها قزميرسكي في معجمه ومن هذا الديوان نقلها الأب بلو اليسوعي في مفرداته فانتشرت هذا الانتشار الغريب.
أما الإنكليزيان (فرنسيس جونصن) في معجمه الفارسي العربي إلى الإنكليزي
стр. 3088
و (لين) في معجمه مد القاموس فقد أصابا في نقلهما بخلاف حبيب انطون سلموني فإنه أخطأ في ما نقله في قاموسه العربي الإنكليزي.
وبعد هذا ليتأمل من يريد أن يضع في اللغة ديوانا تجمع فيه صحة الألفاظ إلى حسن أداء المعنى.
أصل كلمة التصوف
قال ابن خلدون في مقدمته (ص ٤٦٧ من طبعة بيروت المضبوطة بالشكل الكامل): اختص المقبلون على العبادة باسم (الصوفية) و (المتصوفة). وقال القشيري، ﵀، ولا يشهد لهذا الاسم اشتقاق من جهة العربية، ولا قياس والظاهر إنه لقب. ومن قال اشتقاقه من (الصفا) أو من (الصفة) فبعيد من جهة القياس اللغوي. قال وكذلك من (الصوف) لأنهم لم يختصوا بلبسه) أهـ.
قلنا: وقد أصاب القشيري في ما قال، كما أصاب كبد الحقيقة كل من ذهب إلى هذا الرأي. الذي عليه اليوم أغلب اللغويين وأكابرهم - على أننا إذا عرفنا حقيقة التصوف وجوهره عرفنا أصل الكلمة أيضاً. قال ابن عربي وهو أكبر المتصوفة: (التصوف: الوقوف مع الآداب الشرعية ظاهرا وباطنا وهي الخلق الإلهية: وقد يقال بازاء إتيان المكارم للأخلاق وتجنب سفسافها لتجلي الصفات الآلهية، وعندنا: الاتصاف بأخلاق العبودية، وهو الصحيح فإنه أتم. أهـ.
فالتصوف بهذا المبنى والمعنى من اليونانية
وأول من بحث عنه واشتهر به هو أحد متصوفي السوريين اليونانيين واسمه (ملك الصوري) الذي ولد في (بتانة) من أعمال صور، وكانت مستعمرة صورية وقريبة منها: ثم نقل اسمه بعد ذلك ترجمة، فعرف (بفرفوريوس الصوري) صاحب كتاب إيساغوجي، وقد ذكر التصوف في كتابه (في التنحس) أي في الامتناع عن أكل اللحم. في الصفحة ٣٢٧ من طبعة أ. نوك الثانية.
وكانت ولادته في سنة ٢٣٣ للميلاد ووفاته في سنة ٣٠٤ وقيل في ٣٠٥ في روما، إذن عاش فرفوريوس قبل الإسلام بنحو ثلاثة قرون، وكان وثنيا من أشد الناس عداوة للنصرانية، وعنه نقل النصارى كلمة التصوف، ومنهم انتقلت إلى المسلمين. ومن العجب أن كلمة التصوف لم ترد في القاموس بل في التاج فقط.
стр. 3089
باب المكاتبة والمذاكرة
ابن سعود أو ابن آل سعود
من يطالع جرائد الديار العربية ومجلاتها والكتب التاريخية التي صنفت منذ نحو قرنين أو أكثر ير روايات مختلفة في إيراد أسم ابن سعود، فمنهم من يجرده من أداه التعريف، ومنهم من يوجب وضعها، وآخرون يقولون: آل سعود. وقد حار كثيرون في أمر صحة ضبط هذا الاسم: فطلبنا إلى كبير علماء جدة وهو الشيخ محمد نصيف أن يطلعنا على الرواية الصحيحة فكتب إلينا ما نثبته هنا بنصه:
(طلبتم الإفادة عن كيفية إمضاء الملك عبد العزيز آل سعود: وهل الصواب هو (ابن السعود) أو (ابن سعود) فأقول:
(إن جلالته لا يمضي الكتب، بل يختمها ويصدرها باسمه جريا على عادة السلف فيقول: عبد العزيز بن عبد الرحمن آل فيصل آل سعود، أو السعود، أو عبد العزيز بن عبد الرحمن آل فيصل.
(وقد طبع على الدراهم الجديدة الفضية والمعدنية: عبد العزيز بن عبد الرحمن السعود. ولم يطبع عليها: (ابن السعود) أصلا.
(فان رأيتم شيئا في الجرائد على الصورة المذكورة فهو خطأ منها. لا أصل له. ومن حيث إنه ينتسب إلى أحد أجداده المسمى (سعود) فيكون من الخطأ كتابته، (ابن آل سعود) لأن ليس في أجداده أحد يسمى (السعود). وقد راجعت بعض علماء نجد فوجدتهم يقولون: (عبد العزيز ابن عبد الرحمن آل سعود) ولا يزيدون عليها شيئا أصلا.
هذا غاية علمي ومعرفتي فإن كان صوابا فالحمد لله، وإن كان خطأ فأرجو إسبال الستر عليه. واقبلوا فائق احترامي.
جدة (الحجاز) في ١٥ شعبان ١٣٤٦ الموافق ٧ فبراير ١٩٢٨ محمد نصيف
стр. 3090
(لغة العرب) نشكر للشيخ جوابه، ولله دره، فقد (قطعت جهيزة قول كل خطيب) وملخص كلام الشيخ العلامة أن لفظة أبن، إذا تقدمت (بعض الأعلام) تنزع منها آل، وإن لم تتقدمها جيء بها فيقال (ابن سعود) وابن هذا آل وابن سويط وابن رشيد إلى غيرهم. ويقال: عبد
العزيز بن عبد الرحمن آل فيصل آل سعود أو السعود.
المخطوط القديم في الحديث
قرأت في الجزء الأول ٦: ٣٣ من لغة العرب مقالة في مخطوط قديم في غريب الحديث، طلب فيها صاحبها الفاضل من ذوي العلم في العراق وفارس بيان ما انتهى إليه بحثهم في ترجمة المؤلف والمحشي، فأقول: أن قلة كتب التراجم، وضيق الوقت عاقاني عن الفحص التام عن ترجمتها؛ ولكن رجعت إلى قاموس الأعلام التركي لشمس الدين سامي فوجدت ما هذا تعريبه عن الجزء ١ ص ٧٤٢:
أبو علي بن شاذان هو حسين بن أحمد من المحدثين المشهورين. ولد في بغداد سنة ٣٣٧ وتولى في بلخ من قبل داود والد الب ارسلان السلجوقي وكان وكيلا له فيها وهو أستاذ نظام الملك وأمثاله من المشهورين توفي سنة ٤٢٥هـ. أهـ.
وقال ابن خلكان في تاريخه في الجزء ١ ص ١٥٦ طبع إيران (أن نظام الملك اتصل بخدمة علي بن شاذان المعتمد عليه بمدينة بلخ. أهـ) فالمظنون ظنا قويا أن أبا علي بن شاذان هو مؤلف كتاب غريب الحديث لوجوده منها:
توافق سلسلة الأسماء المذكورة.
ومنها كونه من المحدثين المشهورين وتخصصه في الحديث والكتاب في فنه ومن تفرغه له.
ومنها وقوع وفاته قبل سنة ٤٦٤هـ.
أما انتسابه إلى استراباد (إيران) فأما اشتباها وإما تحريفا في النسخ أو
стр. 3091
النسخة وإما لقرب بلخ من استراباد أو لمناسبة غير معلومة لنا فنسب إليها. هذا ما ظهر لي وفوق كل ذي علم عليم.
وإذا عثرت على فوائد غير هذه في ترجمته وترجمة أبي محمد عبد الله المروزي المحشي اذكرها لكم والسلام.
زنجان (إيران):
أبو عبد الله الزنجاني
الشعر والشاعر
من حديث بين مراسل (لغة العرب) والأستاذ الدكتور أبي شادي
س - تعلمون حضرتكم أن (لغة العرب) احتفت بآثار قلمكم كما احتفت بها كبريات الصحف والمجلات في العالم العربي وكثيرون من المستشرقين فهل لكم أن تجيبوني بصراحتكم المعهودة كما تجيبون صديقا مخلصا على ما سأوجهه إليكم من أسئلة أدبية قد ينتفع الأدباء من إجابتكم عليها؟
ج - بكل ارتياح.
س - إذن فإني مشتاق إلى معرفة مبلغ ميلكم إلى الأدبيات بالنسبة إلى العلميات وهل تؤثرون الانقطاع إلى الأدب؟
ج - لقد تخصصت لعلم الجراثيم أو البكتريولوجية بعد إتمام دراستي الطبية، ولي شغف عظيم به، ولا يخفى على حضرتكم أن لطائفة من العلوم ارتباطا وثيقا بعضها ببعض، ولهذا دعتني محبتي لعلم الجراثيم إلى العناية بعلوم أخرى وبينها علم الابقلطوية أو تربية النحل الذي أسست من أجله في إنكلترا سنة ١٩١٩، أثناء إقامتي الطويلة، نادي النحل الدولي المسمى وكذلك مجلة (عالم النحل - ولثبت رئيسا لقلم تحريرها الدولي سبع سنوات. فمن هذا تدرك مبلغ عنايتي بالشؤون العلمية التي تخصصت لها، والتي لن يحولني عنها شيء ما دمت
стр. 3092
في عافية أما ميلي إلى الأدبيات فيرجع إلى عوامل وراثية والى استمتاعي بالأدبيات كرياضة ذهنية نفيسة بين شواغلي ومتاعبي الكثيرة. فإذا كنت قد أفدت بها المجتمع كما أفدت نفسي فهذا رد دين علي وتوفيق من الله. أني على كل حال اقدر أن علي واجبات كأديب نظير ما علي من الواجبات كرجل علم واحسب أني أفهم شيئا عن وحدة الحياة واشعر أن الفارق بين العلميات والأدبيات فارق وهمي ولذلك لا أوثر الانقطاع إلى الأدب.
س - إنكم بتصريحكم هذا تخالفون المألوف من رأي، إذ الشائع أن تكون الحياة العلمية بمعزل عن الحياة الأدبية، ومن الناس من يرى أن توزيع الجهود يذهب بالإتقان. فما قولكم في ذلك؟
ج - لقد أحببت سابقا على بعض ملاحظتكم هذه وأزيد على ذلك أني أستمد من حياتي العلمية غذاء لنفسي الأدبية كما أستمد نظير ذلك من مشاهداتي ومطالعاتي وخبرتي وولوعي بالطبيعة، وليس يعنيني رأي فريق مغرض من الناس يود تثبيط همة الأديب العالم، كأنما الأدب مقصور على غير أهل العلم وكان الأولى بهم تشجيعه لو اخلصوا حقا للأدب، أليس الأولى بالأدباء أن ينتظم في سلكهم رجال العلم والطب والفلسفة والحكمة من انتظام العاطلين العابثين؟ ولا يخفى عليك أن الأدب طبع وسجية وموهبة ولا شأن له بالإرادة والرجل الذي بتكوينه وفطرته أديب لا تستطيع قوة أن تصده ولا أن تقهر نزعته وملكته الأدبية. فليس كل منتسب إلى العلم جديرا بأن ينتسب إلى الأدب أيضاً لأن المسألة كما قدمت لك مسألة طبيعة واستعداد فطري. ولا يخفى عليكم أن تخصص الإنسان لعلم من العلوم لا يحول دون إتقانه رياضة أو أكثر. ومن الناس من يتقن اتقانا تاما أكثر من صناعة واحدة. فما يتشدق به بعض الناس من هذا القبيل كثيرا ما يرجع إلى عوامل الحسد أو الغفلة أو الجهل.
س - وما هي العوامل الوراثية التي تنسبون إليها تكوينكم الأدبي أصلا؟
ج - أريد بها التأثير الوراثي أولاً عن والدي محمد أبي شادي بك فقد كان
стр. 3093
كاتبا وخطيبا مشهورا، كما كان صحفيا معدودا في زمنه، ونقيبا للمحامين بمصر، وسياسيا معروفا، وشاعرا أدبيا، وكانت والدتي السيدة أمينة نجيب أديبة مطلعة شاعرة وكان خالي مصطفى بك نجيب شاعرا وكاتبا قديرا من أقران البارودي وإسماعيل صبري، ويشهد بمنزلته شوقي بك وخليل بك مطران وحافظ بك إبراهيم وتيمور باشا وغيرهم من كبار معاصريه، كما شهد أيضاً صديقاه مصطفى كامل باشا ومحمد فريد بك. وكما تشهد آثار يراعته رغم الكثير المفقود من نفحات أدبه فإلى هؤلاء أدين بتكويني الأدبي أولاً، وإن دنت بعد ذلك للبيئات الأدبية التي امتزجت بها بكثير من الفضل علي.
س - وما هذه البيئات الأدبية التي انتفعتم بها وتشيرون إليها؟
ج - هذه أولاً البيئة الصحفية التي كنت أجوس خلالها في طفولتي الأدبية، فكان لها أثر عظيم في نفسي لعله كان سابقا لأوانه فقد كان والدي يصدر صحيفة (الظاهر) اليومية المشهورة في عهدها وصحيفة (الإمام) الأسبوعية الأدبية وسواهما كما كان ينشر نخبة من
كتب الأدب القديمة (كثمار القلوب) للثعالبي وغيره فهيأ لي ذلك أسباب الاتصال بمشهوري الكتاب والشعراء سواء في دار عمله (حيث ترى الآن إدارة مجلتي (الزهراء) و (الفتح) أو خارجها. وأذكر بين محرري صحفه الأستاذ محمد كرد علي والشيخ عبد القادر المغربي والأستاذ أحمد رفعت والأستاذ محمد حسين كما أذكر بين نوابغ الشعراء شوقي بك والأستاذ أحمد محرم وخليل بك مطران على الأخص، ولمطران في نفسي منزلة وأثر عظيم طول هذا الزمن (٢٢ سنة) لم يزعزعه حادث ولا اغتراب ولا نضج ذهني وشاعريتي.
وثانيا البيئة الأدبية الإنكليزية التي عشت فيها عشر سنوات وكنت أحرر وأراسل في غضونها طائفة من الصحف الإنكليزية بين يومية وأسبوعية فيما يخص المسائل المصرية وشؤون الأدب العربي فضلا عن مراسلة الصحف المصرية (كالمؤيد) و (العلم) و (الشعب) و (الأهالي) وغيرها.
وثالثا البيئة العلمية الطبية التي وسعت مجال تأملاتي وأبحاثي وتعمقي الفكري.
стр. 3094
وهذا يذكرني بأبياتي عن (المجهر) حيث أخاطبه بقولي:
صحبتك عمرا في وفاء ومتعة ... فكنت لفني ملهما ولأفكاري
فكم من بيان لاح لي منك مرشدا ... وكم من معان قد وهبت وأسرار
ويذهل قوما أن يحبك شاعر ... وما عرفوا فني الدقيق وأشعاري
ففي كل مرأى لي سؤال ومبحث ... وللغيب نزاع الحنين وأوطاري
أرى فيك سر العيش والموت معلنا ... مرارا، وآلام الوجود بتكرار
ويا رب خيط عد جرثوم قوة ... تناولت منه الوحي والأمل الساري
وآخر قد عدوه بؤسا وشقوة ... دعاني إلى فحص التعاسة والعار
فمثلك أستاذ للبي وخاطري ... وأكبر فنان يخص بإكبار
ولست جمادا من نحاس ومجمع ... من العدسات الهاتكات لأستار
إذا قلت كان القول للعقل حجة ... ولولاك ما أعتز الطبيب ولا الداري
وان لم تبح حيرت فكرا منقبا ... وحينا بمحض الصمت تفصح عن واري
فيا قوم صفحا. . . لا تعيبوا الذي يرى ... وينظم ما يلقى بدائع للقاري!
وسيان جاءت من صخور كئيبة ... أو الطرب الزاهي بضاحك أزهار
وسيان من شلال نهر ممرد ... أو المجهر الهادي البخيل على الزاري
فذا عالم فيه الفنون مشاعة ... وما حيلتي إن كنت اعشق أسفاري
وأقرأ شتى من حقائق مثلما ... أصوغ من الآثار أروع آثاري؟!
وأظن أن هذه الأبيات التي تراها أمامك مطبوعة منذ زمن (وقدم لي كتابا نقديا لشعره وعنه أنقل) تغنيني عن زيادة الكلام والشرح. وتبرهن لك على أن
стр. 3095
عقيدتي هذه ليست بنت اليوم.
س - هل لك أن تفيدني إذن متى بدأت تنظم الشعر؟ وكيف تدرجت في نظمه؟
ج - كل ذلك منذ ٢٤ عاما وأنا في طفولتي تقريبا وكنت شغفا بقريبة لي نشأت معها فأنطقني حبها لأول مرة أبياتا أولها:
نشأت وقلبي يصبو لك ... وإني ريعت على حبك!
وهذه الأبيات منشورة على ما أظن في كتاب حداثتي الأدبية، منذ عشرين عاما تقريبا. وقد أخذ شعري يستوي منذ سنة ١٩١٠ وزاده نضجا ما انتابني من محن نفسية رغم صغري. ولما رحلت عن مصر في إبريل سنة ١٩١٢م. قاصدا إنكلترا لإتمام دراستي وهربا من البيئة الجانية على صباي نظمت قصيدة عواطف ووطنية أودع بها مصر، نشر (المؤيد) معظمها وقلت في مستهلها:
آن الرحيل فلا جواب لداع ... حتى أتم لها مقال وداعي
وأسطر العهد الذي إن فاتني ... يوما رعايته قصفت يراعي
في العيش أم في الموت ما بين المنى ... واليأس أذكرها بقلب واع
ستعيش أوطان يحقق عيشها ... وتموت أوطان بسعي الناعي
يا من يخاف علي أن تؤدي النوى ... بعظيم تحناني لها ودفاعي
أنا لست من ينسى الوفاء وإن تكن ... عقباه أوجاعا على أوجاعي
أنا من طهارة ذمتي وسريرتي ... كالحق معتصم وراء قلاع
وقد كانت لحياتي في أوربة واطلاعي على الأدب الغربي فضلا عن معيشتي زمنا في ريف إنكلترا وحبي للجمال الطبيعي ما استمر على تكييف أدبي عامة وشعري خاصة والسير به نحو الأصلح. ولكني ما زلت غير راض عن جهدي، وما أظن أني سأرضى عنه تمام الرضاء في يوم ما.
س - ما هي أحب الموضوعات إليك لتنظم فيها؟
ج - من الشاق علي أن أجيب على هذا السؤال، ولكني أصدقك القول إذا جاهرتك بأني لا أنظم مطلقا في أي موضوع لا تندفع نحوه عواطفي، سواء
стр. 3096
كان هذا الموضوع بمحض اختياري أو مقترحا علي.
فكل ما أنظم فيه من وصف وغزل وبحث وفلسفة وتأبين وغير ذلك قريب إلى نفسي لأنه منتزع منها وإن يكن بعضه صادرا عنها في أحوال هدوئها وتأملها والبعض الآخر صادرا عنها في أثناء ثورتها وانفعالها.
س - وكيف تطبق تفسيرك هذا على ما تنظمه من روايات غنائية وقصص مثلا؟
ج - إني لم انظم شيئا من هذا القبيل لم ترتح إليه نفسي غاية الارتياح من قبل، وعند نظمي استمد من اختباراتي وعواطف حبي السابق ومشاهداتي وغير ذلك من ذخيرتي الذهنية ما يعينني على اختيار التعابير والألفاظ المناسبة وتصوير المواقف المطلوبة، فليس للصناعة أثر في ذلك وإنما الفضل يعود إلى تذكاراتي النفسية وتجاريبي وتأملاتي في الحياة.
س - وما هي أحسن الأوقات لديك لقرض الشعر؟
ج - كثيرا ما استطبت النظم عند الفجر أو في سكون الليل، وكثيرا ما استطبته أثر انفعال شديد ترويحا عن نفسي، وكثيرا ما استعذبته إثر راحة، وكثيرا ما شكرت للشعر فضله علي حينما أحس بانقباض وإعياء وبدلا من الانتفاع بالهدوء حينئذ فإن النظم يكاد يذهب بتعبي! ومن هذا ترى إنه من الصعب علي الإجابة على سؤالك، فإن قرض الشعر لمثلي رياضة نفسية والهام، ومتى جاش في صدري في أي وقت فليس في إمكاني حبسه، وإلا شعرت بانقباض شديد وألم دفين واعتلت صحتي.
س - وكيف إذن تنظم الشعر؟
ج - قبل النظم تتشبع نفسي بموضوعه وتتألف في ذهني وحدته وحينئذ أبادر إلى النظم، وسواء تم ذلك في جلسة أو أكثر فلا يمكنني التوقف الطويل ولا أحس براحة قبل الفراغ مما اعتزمت نظمه وعادتي في نظم القصيد إتمام نظمي في جلسة واحدة، إذ ما دمت متشعبا من موضوعي فإني اعتبر الأصلح لمثلي الكثير الشواغل اجتناب التسويف منعا
لتشتت ذهني، ودفعا لضياع ما في خاطري من معان وتأملات، خصوصا وإن لدي من المتاعب والمشاغل ما يستنفذ مني
стр. 3097
يوميا نحو ١٤ ساعة.
س - وكيف تجدون إذن الهمة والوقت لقرض الشعر؟
ج - للأسباب التي قدمتها لك وهي لا أنظر للنظم الشعري كعمل بل كرياضة نفسية، ولست أنا الذي أتصيد القوافي والبحور بل هي التي تتبعني وتفيض من وجداني فيضا لا قبل لي بدفعه وحبسه. واقرب الأمثلة لذلك نظمي معظم القصة الغنائية (أردشير) في قطار الليل بين القاهرة والإسكندرية بصحبة الأديب يوسف أفندي أحمد طيرة حيث لم انم قط وكنت في شدة التعب، ورغم ذلك فكان لي في النظم انس وغذاء لنفسي، وكان نظم (أردشير) من أحسن ما أخرجت للأدباء. ولو كنت من ينظر لنظم الشعر كعمل مجهد شاق لما تمكنت من أداء واجبي الأدبي فأعمالي العلمية كثيرة ومسؤولياتي جمة متنوعة.
س - وهل لي أن اسأل حضرتكم عمن تعدونه بين شعراء العربية أعلاهم كعبا في جملة مواهبه وآثاره؟
ج - أعتبر خليل بك مطران ذلك الشاعر.
س - وما رأيكم في شوقي بك؟
ج - شوقي بك شاعر عظيم بمجموع أثره. ولكن الجانب الخلقي منه أفسد شاعريته في الزمن الأخير فتأخر هو وتقدم سواه. وهو في نظري أعذب الشعراء لفظا وأجرئهم تعبيرا ووثبة متى أطلق لنفسه العنان، ولكنه للأسف يرسف في قيود الشهرة وحب التهليل من جانب المحافظين.
س - وما رأيكم في حافظ بك إبراهيم؟
ج - شاعر جليل أيضاً بمجموع أثره، وله أكبر فضل بين الشعراء على النهضة القومية المصرية. ومن وجهة مواهبه الشعرية فهي في نظري أقل من مواهب شوقي بك لأنه بسليقته أقرب إلى الناقد الاجتماعي منه إلى الشاعر. وهو بعبادته للألفاظ يسيء إلى أدبه كما لا يجاري النهضة التجديدية.
س - وما الذي تقترحونه من الوسائل لإقالة الشعر العربي من عثرته؟
ج - أقترح أولاً: أن تعنى الصحافة الأدبية المستقلة بتنشيط الشعراء المجتهدين بغض
النظر عن مبلغ شهرتهم، لأن الذي يهمني هو الأثر الأدبي وحده
стр. 3098
لا أسم صاحبه، ومن مصلحتنا الأدبية تعميم هذا المبدأ.
وثانيا إيجاد روابط قومية وروابط عامة - عن طريق الأندية والمجلات الشعرية - بين شعراء العربية جملة، مما يعين على تبادل المعارف والمودة بينهم بدل ما هم عليه الآن من تنابذ وتحاسد ممقوت.
وثالثا: أن يتذرع المجددون من الشعراء بكل شجاعتهم الأدبية فيسيروا في طريق الإصلاح بغير توان من غير أن يلتفتوا إلى الأوهام النقدية التي يوسوس بها المحافظون الجامدون من كتاب وشعراء لا يرضيهم ظهور عناصر جديدة ناهضة بينما كل نقدهم دليل على بلادتهم الذهنية: فمن اعتراض على كلمة. إلى تهكم بمعنى شعري لا تفهمه أذهانكم الكليلة، إلى غير ذلك من العبث النقدي الذي لا جدوى منه، وإنما كل ما ينشدونه من ورائه تثبيط همم المصلحين الناهضين والنيل من سمعتهم حسدا وغيرة.
س - وهل تعبرون من التجديد استعمال اللغة العامية كما هو الشائع الآن في نظم الكثيرين من الشعراء وفي صحف ومجلات مصرية مشهورة؟
ج - كلا! وقد حكمت ضمنا بسؤالك هذا على من يلجئون إلى العامية في نظمهم بينما يدعون الغيرة على العربية فغيرتهم نظرية فقط بينما هم عمليا يحكمون على العربية بالعجز عن مجاراة الروح العصرية سواء في الشعر الغنائي أو في غيره وهكذا يجنون عليها شر جناية من حيث لا يشعرون. أما مذهبي فاستعمال السلس المصقول من الكلمات والتعابير المولدة الجميلة في شعري ونثري وبذلك أساعد على إنماء ثروة اللغة وأبطل حجة من يعتذرون بضرورة الالتجاء إلى العامية في النظم الغنائي والنظم القصصي على الأخص. أني لشديد الحرص على مراجعة المعجم عند الفراغ من النظم، فما تراه في نظمي من كلمات وأساليب عصرية مولدة مقصودة لذاتها للأسباب المتقدمة.
س - وهل ترون للأوبرات (أو العبرات كما يسميها العلامة الأب الكرملي) بما لكم من الأسبقية والخبرة في التأليف في مصر وغيرها من الديار العربية؟
ج - أني لا أستطيع الحكم على غير مصر من الممالك العربية، وإن كان المعقول أن تنتشر بينها في المستقبل تدريجيا عوامل الثقافة الحديثة المشتركة
стр. 3099
ومنها التمثيل الغنائي،
وأشير بصفة خاصة إلى العراق وسوريا، وأما في مصر ففرقة الأوبرا الوطنية العامة في الوقت الحاضر هي فرقة السيدة منيرة المهدية فقط. وهذا أمر يؤسف عليه لأننا في حاجة إلى أكثر من فرقة، وأذكر منذ شهور أني شافهت الآنسة أم كلثوم على أثر حفلة في نادي موظفي الحكومة بالإسكندرية عن حاجتنا إليها على المسرح الغنائي بدل (التخت) الذي لا اعتبره لائقا بها، ولا بغيرها من شهيرات مغنياتنا، ولكننا لا نزال حتى الآن محرومين هذه الأمنية. بيد أن للأوبرا مستقبلا مرجوا في مصر لأن الشعب المصري شعب طروب يحب الشعر والغناء، فيمكن استثمار نزعته هذه لتهذيبه عن طريق الفناء إذا قام الشعراء المؤلفون بواجبهم القومي.
س - وما نصيحتكم إلى من يحاولون التأليف الغنائي من الشعراء الناشئين؟
ج - لابد لمؤلف الأوبرا من اطلاع على الأدب المسرحي ومن ميل خاص إلى الشعر الغنائي، وقد أشرت إلى ذلك بإسهاب في مقال (الأوبرا والأدب المصري) المنشور في ذيل الأوبرا (إحسان) فلا حاجة بي للأثقال عليك بالشرح الطويل، ويكفي أن تطلع عليه ولاسيما إنه موضوع طريف في الأدب العربي.
س - تشجعني إجابتكم هذه على سؤالكم عن النقط التي تراعونها مراعاة خاصة في نظم قصصكم الغنائية، فهل تتفضلون بإجابتي؟
ج - أراعي أولاً اختيار موضوع تاريخي أو عصري أو خرافي يكون مناسبا في الوقت ذاته لتضمينه شيئا من الدعوة التهذيبية أو الوطنية أو العواطف الإنسانية. أراعي في نظمي التنويع واختيار الأوزان الغنائية والابتداع فيها عند الاقتضاء. وأراعي في الكلمات المنظومة انسجام مخارج الحروف وتناسبها وعصرية الألفاظ بقدر الطاقة بحيث لا تنبو عن الأسماع. وفي هذه الحدود اترك لنفسي الحرية في رسم الصور الشعرية والتعبير عما يستثار من عواطفي بكل ما أستطيع من قوة. ويسرني أن يرضى على الأخص مثل الملحن المصري الشهير الأستاذ الدكتور أحمد صبري عن خطتي هذه وإن يقدر آثارها. غير أني أرجو بمرور الزمن أن أوفق للتقدم المستمر في عملي هذا، وحسبي الآن وضعي أساس تأليف الأوبرات باللغة العربية ووضعي طائفة منها، وهذا مما يهون جهد
стр. 3100
من يتبعني فإن المشقة كل المشقة كما لا يخفى عليك في وضع الأساس ورسم النماذج الأولى.
س - لي سؤال أخير لعلكم لا تعدونه غريبا، وهو: ألا ترون في هذا العصر المادي أن الشعر شيء كمالي وإن لا مستقبل له؟
ج - كلا وألف مرة كلا! إن اصح ما يوصف به عصرنا الحاضر إنه العصر العلمي لا العصر المادي. وقد ذكرت لك سابقا أني لا اعتبر العلوم عدوة للآداب، وكل ما حدث وسيحدث أن التآخي بين القوتين العظيمتين سيتوطد وانهما ستندمجان. وما الشعر في اعتباري إلا نبع الإحساس العميق والتأمل البعيد والنظر إلى ما خلف المظاهر، ومن المشاهد أن رقي الحضارة يرهف الأعصاب ويحد الأذهان ويزيد رقة الإحساس، وكل هذه عوامل تنتج الشعر وتهيئ النفوس لقبوله بل إلى الإلحاح في طلبه غذاء روحيا لها. فمن ينكر مستقبل الشعر مخطئ لم يدرس بعناية العوامل التي أنبتت الشعر منذ فجر المدنية ولا تزال تغذيه وتحافظ عليه وستضمن له خلوه.
كلمة في الكتابات الأثرية العباسية
كنا قد طبعنا مقالة الكتابات الأثرية العباسية التي أنشأها حضرة صديقنا عبد الله بك مخلص، ثم أرسلنا إليه بالمسودة ليعيد النظر فيها، ولما وصلنا إلى آخر الملزمة الخامسة من هذا الجزء، جاءنا من جنابه ما هذا حرفه:
(أعدت النظر - بناء على إرشادك - على مقالة الكتابات العباسية، فوجدت أنني قد أخطأت بوضع ولاية علي بن يحيى الأرمني على مصر سنة ٢٢٨هـ (٨٤٢م) في الصفحة ١٦٣ سطر ٩)؛ فإن صوابها ٢٢٦هـ (٨٤١م) واعترف لك بأن مصدر هذا الخطأ هو (جرجي زيدان)، فقد كنت رجعت إلى كتابه تاريخ مصر، لأنه من الكتب الحديثة التي كنت أظن إنها كتبت بتحقيق، وأخذت عنه ذلك التاريخ المغلوط فيه؛ وقد صححته الآن على كتاب الولاة للكندي، فإذا كانت المسودات لم تطبع بعد، أرجو تصحيحها. وإلا فاذكروا الصواب في قائمة الخطأ والصواب بآخر السنة.
وكذلك وجدتني قد خلطت في أسم كتاب الجامع المستقصي في فضائل
стр. 3101
المسجد الأقصى؛ فقد جاء في ص ١٦٢ المستقصى في فضائل الجامع الأقصى، وأنا لا أجيز (الجامع) بدل (المسجد). والصواب ما ذكرته الآن أرجو تصحيحه.
وعلى ذكر هذا الغلط، اروي لك ما وجدته حوله من الأغلاط الأخرى من باب التسلية. واليك رواية زيدان بالحرف:
(وكان في نيته إقالة أشناس من إمارة مصر، لكنه لم يكد يفعل حتى توفي أشناس في الفسطاط سنة ٢٢٨هـ. فأقام مقامه علي بن يحيى الأرمني؛ وبعد نحو سنة أبدل بعيسى بن منصور للمرة الثانية).
أما الكندي فيقول:
(وثم وليها علي بن يحيى الأرمني من قبل أشناس على صلاتها قدمها يوم الخميس لتسع خلون من ربيع الآخر سنة ست وعشرين ومائتين. . . فوليهم علي بن يحيى إلى وفاة أبي اسحق المعتصم: وبديع الواثق فاقره عليها إلى يوم الخميس لسبع خلون من ذي الحجة سنة ثمان وعشرين ومائتين؛ فوليها عيسى بن منصور الثانية من قبل أشناس على صلاتها، دخلها يوم الجمعة لسبع خلون من المحرم سنة تسع وعشرين ومائتين. وتوفي أشناس سنة ثلاثين ومائتين).
ففي سطر واحد مما كتبه زيدان عدة اغلاط، منها وفاة أشناس سنة ٢٢٨ مع إنها سنة ٢٣٠، ومنها: ولاية علي بن يحيى سنة ٢٢٨ مع إنها في سنة ٢٢٦. ولعلنا لو استقصينا لوجدنا لها أمثلة عديدة. ولمثل هذه الأغلاط نعذر الذين كانوا لا يقبلون الرواية إلا بالإسناد الصحيح حتى في التاريخ.
حيفا (فلسطين): عبد الله لخلص
الخشفاء
ذكر دوزي في معجمه هذه الكلمة ثم قال: (وهذه الرواية ليست بمضبوطة وهو أسم حيوان يتخذ من عرفه وذنبه مذاب (مراوح) ويضع بعضهم منه في أطراف الأعلام. قاله دي جنك. أهـ.
قلنا: هذا هو الخشقاء تعريب خشقاو أو غر كاو وهو أيضاً القطاس أي فقوله خشفاء بالفاء غلط صريح.
стр. 3102
أسئلة وأجوبة
العرفان والتصوف
س - الشطرة: ي. د - ذكر كثير من المؤلفين في كتبهم كلمة (عرفان) بمعنى التصوف كقولهم مثلا: هذا المعنى عرفاني ويريدون به التصوفي. وفي جملتهم المؤرخ الفيلسوف (ابن خلدون) فإنه يقول في مقدمته المطبوعة في مطبعة التقدم ص ١٢٣ س ٥: (ليحصل لهم أذواق أهل العرفان والتوحيد) وفي س ٧: (أقرب إلى العرفان بالله وإذا عريت عن ذكر كانت شيطانية وحصول ما يحصل من معرفة الغيب والتصرف لهؤلاء المتصوفة) وص ٥١٨ س ١٢ إلى ١٤: وظهر من كلام المتصوفة القول بالقطب ومعناه رأس العارفين. يزعمون إنه لا يمكن أن يساويه أحد في مقامه في المعرفة حتى يقبضه الله، ثم يورث مقامه لآخر من أهل العرفان).
فما رأيكم هل تقوم كلمة العرفان مقام التصوف، وهل التصوف يونانية الأصل كما يقول جرجي زيدان في مقدمة كتابه تاريخ آداب اللغة العربية. وهل تعليله صحيح فنرجوكم الإفادة.
ج - الألفاظ الدالة على التصوف كثيرة، أن أردنا بها التوسع فيها، من ذلك العرفان وعلم السلوك وعلم الإشارة وعلم الحق وعلم الأخلاق إلى غيرها.
وإما من باب التحقيق فاللفظة الواحدة لا تقوم مقام الأخرى. لأن العارف هو من يجمع إلى حقائق علم الدين العمل بها. وقد يكون العارف زاهدا في الدنيا منقطعا لعبادة الله بالصلاة والصيام ولا يكون الزاهد مع هذا عارفا. قال في كتاب جامع أصول الأولياء: (العارف هو من اشهده الله ذاته أو صفاته وأسماءه وأفعاله. فالمعرفة (فالعرفان) حال تحدث من شهوده). أهـ.
وقد نقل الإفرنج العرفان إلى لسانهم أسوأ نقل والصواب هنا أن يقال:
стр. 3103
والتصوف هو. والتصوف من اليونانية كما قلنا في ص ٢١٤ من هذا الجزء ونحن سبقنا جرجي زيدان إلى تنبيه الناس على اصلها الأعجمي بثلاث وعشرين سنة. وربما أخذها عنا، ومعنى اليونانية حكمة الله أو عرفان الله.
أبو العبر
س - بغداد - ب. م. م - من هو أبو العبر الذي ورد ذكره في مجلتكم (٥: ٣٥١)؟
ج - قال أحمد زكي باشا في المقتطف ٤١: ٤٣٨ ما حرفه: كانت مدينة أبي جعفر المنصور جنة الدنيا في عهد هارون والمأمون وخصوصا في أيام المتوكل وكان فيها شاعر يسمى (أبو العبر) له أحوال عجيبة وأمور غريبة، وكان من المجان الذين يقل نظيرهم في الدنيا. وقد تكفلت كتب التواريخ والأدب بشرح أموره. وكان يزيد في كل سنة حرفا في اسمه حتى انتهى إلى: (أبي العبر طرد طيل طليري بك بك بك). كان المتوكل يلبسه قميصا من حرير ثم يرمي به في المنجنيق إلى نهر دجلة. فمتى حذفه المنجنيق في الهواء صاح: (الطريق، الطريق) (كما نقول الآن: وسع وسع) (وكما يقول البغداديون اليوم: بالك، بالك)؛ ثم يقع في الماء، فيأتي السباح ويستخرجونه. وكان في أحد قصور المتوكل زلاقة ما أشبهها بالتوبوجان الموجود الآن في مصر الجديدة (واحة عين شمس)؛ فكان الخليفة يأمره بالجلوس عليها، ومن هناك ينحدر ساقطا من فوق الزلاقة حتى يقع في البركة فيطرح الخليفة الشبكة فيخرجه كما يخرج السمك. وفي ذلك يقول شاعرنا:
ويأمر بي الملك ... فيطرحني في البرك
ويصطادني بالشبك ... كأني من السمك
انتهى كلام الأستاذ في المقتطف. وقد علمنا من صاحب تاج العروس أن اسمه أحمد بن محمد بن عبد الله بن عبد الصمد بن علي بن عبد الله بن عباس الهاشمي.
стр. 3104
باب المشارفة والانتقاد
٢٨ - كتاب خطط الشام
تأليف محمد كرد علي رئيس المجمع العلمي العربي
الجزء الخامس: طبع في مطبعة الترقي في دمشق سنة ١٩٢٧م في ٣٠٨ ص بقطع الثمن الكبير
أهدى إلينا حضرة صديقنا العزيز السيد محمد كرد علي جميع أجزاء كتابه خطط الشام، وكنا قد بدأنا بنقده (لغة العرب ٤: ٥٤٤ وما يليها) إلا أن كثرة الهدايا التي وصلت إلينا حالت دون نشر ما كنا قد أعددناه من الملاحظات وحالما يتيسر لنا الأمر نعود إلى ما كنا قد شرعنا فيه.
وألان نذكر شيئا عن الجزء الذي بلغ إلينا في هذه الآونة
يحوي هذا السفر الجليل التاريخ المدني وقد ابتدأ به ذاكرا تفاصيل بديعة عن الجيش. فالأسطول. فالجباية والخراج، فالاوقاف، فالحسبة والبلديات، فالترع والمرافئ والطرق فالبريد والبرق والهاتف، فالمصانع والقصور وقد تناول هذه البحوث منذ العصر القديم إلى هذا العهد وكل ذلك بعبارة سلسة طلية.
على أننا نراه يتساهل في الألفاظ تساهلا كنا نود أن لا نراه فيه وهو أستاذنا وشيخنا في مجمع العلماء الدمشقي. فقد قال مثلا في ص ٣١: فظهرت كفاءتهم في اختراق العباب. . . وكثرة الأخشاب. . . يهتدون بنجمة القطب. وعندنا لو قال كفايتهم. . . وكثرة الخشب. . . وتنجم القطب أو الجدي (بالتصغير) لكان افصح. وجاء في ص ٣٢: اجتازوا البحر الأبيض. . . التي سلكوها. . . فكانت بحريتهم وصناعتهم في مصر أولاً. . . وقد فسر لنا في الحاشية معنى الصناعة في هذه العبارة فقال: الصناعة في العرف أسم المكان المعد لإنشاء المراكب والسفن. نقلت إلى لغات الغرب فصارت ارسنال وعادت إلى العرب من طريق الترك باسم (ترسانة) أهـ.
стр. 3105
قلنا: ونحن لم نجد مؤلفا عربيا ذكر أسم بحر الروم أو بحر الشام باسم البحر الأبيض (راجع لغة العرب ٥: ٤٨٨). . . التي يسلكوها. . . (ارسنال) الإفرنجية مأخوذة من (دار
الصناعة) وهي أشهر من (الصناعة) في هذا المعنى. وحذفوا الدال من الأول لظنهم إنها حرف زائد أو حرف جر على ما يرى في لغتهم. هكذا قال بعض لغوييهم. وذهب لاروس في معجمه الوسط أن الكلمة مشتقة من اللاتينية بمعنى القلعة أو الحصن، وبعضهم من رأى رأي صديقنا العزيز، والناس مخيرون في ما يذهبون أليه.
وعلى كل حال هذه الأمور الزهيدة لا تعتبر شيئا بجانب العمل الذي أتاه الأستاذ العلامة، فإنه يخلد لله الأثر إلى ابد الدهر ويشكره عليه كل من عانى هذه المباحث وأمثالها. ونحن نضم صوتنا إلى سائر الأصوات الكثيرة التي ترتفع من كل قطر وبلد قياما بفرض الشكر.
٢٩ - تاريخ الشيخ ظاهر العمر الزيداني
حاكم عكا، وبلاد صفد (الجزء الثاني)
تكلمنا عن الجزء الأول من هذا التأليف المفيد في ٦: ٦١ واليوم تلقينا الجزء الثاني منه وهو كأخيه جزيل الفائدة لمتتبع أخبار ديار الشرق الأدنى، وصفحاته تتبع صفحات الجزء الأول فتنتهي في الصفحة ال ١٨٤ وفي الآخر فهرس المواد على تتالي الوجوه في الكتاب.
وفي هذا القسم هفوات من جنس هفوات القسم الأول ففي حاشية ص ١٣٥ المؤرخين الثقاة وفي حاشية ص ١٤٥: حضر لعنده قيجي (رسول السلطان) من الدولة. . . ونظن أن الصحيح هو الثقات (راجع ٥: ٦١). . . وحضر عنده فيج (بفاء وياء وجيم) وقد يزيد بعضهم على آخره ياء فيقول: فيجي. والصواب الأول والفيج رسول السلطان القادم على رجليه. وأهل العراق كانوا يسمونه قبل نحو ثلاثين سنة (التتر أو التتار أو التاتار أو الططر أو الطاطار. وإما القبجي فلا معنى له في لغة من اللغات. والفيج أو التاتار يعرف اليوم عند الفرس باسم حابار أو حبر
стр. 3106
وكنا نود أن نرى فيه فهرس الأعلام لتزيد فائدته فلم نره لسوء الحظ.
٣٠ - جوليوس قيصر
أثر شاعر وحكيم معروف انكليس ويليم شكسبير وشرح حال حكيم مشار إليه ومختصري أن تاريخ رومية، ترجمة وتأليف ميرزا محمد خان بهادر، درجابخانة كاظمية. در. بصره طبع شد.
صديقنا الميرزا محمد خان بهادر من نوابغ الكتبة في اللغة الفارسية والمثال الذي نعرضه اليوم للقراء يدل على إنه قابض على زمام الفصاحة في اللغة التي ينتسب إليها، هذا فضلا عن إتقانه اللغة الإنكليزية إتقان رجل بريطانية، ولهذا كان نقل (جوليوس قيصر) من أحسن ما نقل من لغة إلى لغة لأن المترجم خلع على عروس فكره ثوبا فارسيا بديعا فجاءت تلك الغادة الإنكليزية إيرانية غربية شرقية، فلله دره من كاتب!
٣١ - هفتاد ودو ملت
نكارش مرحوم ميزرا عبد الحسين معروف به ميرزا آقا خان كرماني
٣٢ - خواب شكفت
بارسالة مرحوم آخوند ملا فتجعلى أصفهاني
٣٣ - شرح حال كلنل محمد تقي خان بسيان
جميع هذه الكتب للمؤلف المذكور وطبعت في مطبعة إيران شهر في برلين
هذه الكتب من طبقة التأليف السابق من جهة الانشاء؛ لكن في هذه المصنفات نفسا غير نفس أخيها البكر. فهي موشاة بأنامل لبقة تريد إصلاح ما في طبقات بعض الإيرانيين من المساوئ والمفاسد. فمعنى العنوان الأول: (اثنتان وسبعون فرقة) وهو في ١٢٢ ص. ومعنى الثاني (النوم العميق) وهو في ٨٠ ص. ومعنى الثالث ظاهر وهو في ١٢٠ ص وكلها بقطع الثمن الوسط. فلا عجب إذا عدت هذه المصنفات من خيرة ما نمق في الفارسية لحسن صوغ عبارتها ولاسيما ما فيها من المعاني الدقيقة ومغازي الإصلاح، ولهذا تتمنى لها سرعة الانتشار وكثرة القراء.
стр. 3107
٣٤ - الحب الإلهي أمام الآلام والموت
بقلم الأب بولس قوشاقجي
تاريخ وشرح رسالة القديس اغناطيوس أسقف إنطاكية.
إلى الرومانيين طبع في ٤٨ ص عربية و٣٤ ص فرنسية بقطع ١٢، بمطبعة القديس بولس في حريصا (لبنان) ١٩٢٨.
كتاب حسن يحوي شرح (الحب الإلهي المضطرم في قلب شهيد) هو القديس اغناطيوس الشهيد، فهو يحوي ترجمة هذا الولي العظيم مع تفاصيل ما قاساه في حياته. وفي آخر السيرة خريطة تبين الطريقة التي سار فيها من إنطاكية إلى روما. وعبارة هذا الكتيب تحتاج إلى إصلاح في بعض المواطن إذ يظهر من منشئه إنه قد ألف بعض الأغلاط الموجودة في بعض المصنفات، ولم يتخلص منها مع إنه حاول أن يتبرأ منها بقدر طاقته.
فقد قال مثلا فأحرى بنا. . . ونور الكهرباء. . . ولا يؤخذ المنطاد أو الطيارة مطية للتهاوي (؟) فوق الغيوم (ص٤). . . وهاأنذا (وهو يتكلم عن لسان الاكتشافات ص ٥) إلى غيرها. والصواب أن يقال: فأحرى بنا (بكسر الراء). . . ونور الكهرباء بالقصر إذا أراد المادة نفسها. أو الكهربية إذا أراد النور المنبثق من تلك المادة وهاأنا ذي (لان هاءنذا للمتكلم المذكر). والتهاوي لم ترد بمعنى الارتفاع في الهواء بل يقال التحليق فجل من لا عيب فيه.
٣٥ - الآثار
الجزء الأول من المجلد الخامس
السيد عيسى إسكندر المعلوف مؤلف شهير عرف بوقوفه على تاريخ الأسر الشرقية. وهذه مجلته تشهد له بعلو مقامه في هذا الموضوع. وقد جاءنا الجزء الأول من مجلده الخامس فإذا هو مزدان بصور ورموز بديعة طبيعية ففي الزاوية اليمنى في الأعلى صورة بقايا قلعة بعلبك وبازائها في الزاوية اليسرى صورة تمثل أبا الهول وفي الأسفل رسم الجامع الأقصى وبازائه إيوان كسرى الذي نسميه اليوم (طاق كسرى).
стр. 3108
فنتمنى للرصيفة طول الحياة واحاسن المباحث واطراد الرقي على ما رأيناها إلى هذا اليوم.
٣٦ - تاريخ الحروب العربية أو حرب البسوس
لمحمد بن اسحق صاحب المغازي، طبع على نفقة عبد الحميد زاهد، الجزء الأول في ١٩١ ص بقطع الثمن الصغير، طبع في مطبعة دار السلام في بغداد سنة ١٩٢٨.
نحن العرب في حاجة إلى معرفة مزايا السلف وآدابهم ومكارم أخلاقهم وليس من كتاب
يطلعنا على هذه الأمور مثل (تاريخ الحروب العربية) فإن هذه الأخبار طافحة فيه وهي تربى في صدور نشئنا حب الوطن والقومية وإباء النفس إلى غيرها من المزايا والمناقب العالية، فنوصي كل ناطق بالضاد أن يطالع هذا الكتاب المفيد.
٣٧ - حركات السيدات في الانتخابات
أو ابن هو ابني، في ١٢٨ ص بقطع الثمن الكبير، بقلم نقولا حداد.
قليلون هم الذين اطلعوا على خفايا المجتمع البشري الشرقي، ومن الرجال الذين يعدون في هذه الطبقة الكاتب الشهير نقولا حداد، فإنه لا يتناول يراعته ليكتب في موضوع اجتماعي إلا يوفيه حقه من حسن الأداء ووصف الدواء الناجع وكتابه هذا جدير بالمطالعة في مثل هذه الأيام التي يكثر فيها ذكر حركات السيدات في الانتخابات.
٣٨ - المجلة الأميركية للغات السامية وآدابها
المجلد الرابع والأربعون (بالإنكليزية)، تطبع في مطبعة جامعة شيكاغو في البلاد المتحدة.
هذه مجلة جليلة القدر، وكتابها من أعاظم حضنة العلم ورافعي ألويته: وهم واقفون أحسن الوقوف على اللغات السامية وأسرارها. إذ لا يعنون بالموضوعات الحية العصرية فقط بل يطرقون ما كان من ضربها في القرون المنصرمة. فهي إذن مجلة لا يستغني عنها علماؤنا الناطقون بالضاد فنتمنى لها الرواج اللائق بها.
стр. 3109
تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره
١ - تصريحات ممثل الحكومة البريطانية بخصوص أنباء
الأخوان
صرح فخامة المعتمد السامي البريطاني في العراق للجرائد المحلية بخصوص أنباء الأخوان بما يأتي:
أنني لا اشعر شخصيا بأقل قلق من الحالة الناشئة عن خطة الأخوان تجاه العراق. ثم أوضح فخامته لمحدثيه أن الرواية القائلة أن ابن سعود عقد اجتماعا في الرياض وحث فيه زعماء نجد على مهاجمة العراق تظهر إنها رواية بولغ فيها كثيرا، ألم تكن رواية مختلقة تناقلتها أفواه البدو فوصلت البصرة عن طريق الكويت مكبرة. ولا يخفى أن الروايات تتناقلها الأفواه في البادية بسرعة ولكنها تظهر بمظاهر مختلفة باختلاف رواتها. وعلى كل حال لم يتمكن الضباط البريطانيون في قلم الاستخبارات حتى الآن من العثور على صحة أنباء إعلان الجهاد المزعجة مع ما لديهم من الوسائط والتسهيلات الكافية للحصول على أنباء البادية العربية.
ومما لا ريب فيه أن النيات السيئة التي عزيت إلى ابن سعود - إذا صحت أنباؤها وهذا ما يستبعد - هي تعد صريح على (اتفاقية بحرة). ويرى فخامته أن ليس لحكومة صاحب الجلالة البريطانية من الأسباب ما يحمله على توقع حدوث هذا التعدي الصريح من مليك عربي حاز ثقة الحكومة البريطانية في السابق.
وصرح فخامته أيضاً قائلا: أن الغزوات الجوية التي قامت بها الطيارات البريطانية أثرت تأثيرها الفعال كما إنه واثق بأن القوة الجوية الملكية في العراق كافية لصد غزوات الأخوان ومعالجة الأزمة إذا حلت. وإن الحكومة العراقية باذلة جهدها في سبيل اتخاذ الإجراءات الفعالة لمقاومة الغزوات المتقطعة التي تقع في بعض الأوقات بين قبائل نجد وبين أفخاذ قبائل شمر التي لجأت إلى العراق آتية من نجد على
стр. 3110
أثر هزيمة زعيمها الأمير ابن رشيد عام ١٩٢١.
ولما بحث البرلمان البريطاني عن إشاعات إعلان جهاد الأخوان أجاب المستر امري وزير المستعمرات البريطانية قائلا: ليس لديه ما يؤيد رسميا الأنباء القائلة أن الملك ابن سعود أعلن الجهاد أو اشترك بنفسه في حركة من هذا القبيل وزاد قائلا: ليس لنا دليل على أن الملك ابن سعود مسؤول مباشرة عن الغزوات المشار إليها وليس من الصواب والدقة التامة وصف هذه الغزوات وصف هجوم عام لاجتياح العراق. ثم أبدى سروره لتكذيب الأنباء القائلة أن الجنود الهندية ذاهبة إلى الكويت للدفاع عنها بمناسبة وقوع الاضطرابات التي آثارها الأخوان. ويقول المستر امري إنه متأكد بأن القوة الجوية البريطانية قامت بجميع الأعمال الممكنة لصد هجمات الأخوان عن حدود العراق الجنوبية.
وعلقت جريدة الأوقات البغدادية على خبر هذه الإشاعات المختلفة قائلة: (نرجو أن لا تؤثر هذه الإشاعات على عقول البسطاء. لأن الأخوان ليسوا جيشا منظما كسائر جيوش الدول ويتعذر عليهم اختراق أراضي العراق والتوغل في الداخلية. والظاهر انهم باتوا فعلا مهددين بمجاعة).
أما حافظ وهبة - المقيم الآن في القاهرة - فإنه كذب أيضاً النبأ القائل أن ابن سعود قد أعلن الجهاد مساعدا قبائله عسكريا وهو يقول أن الأمر بعكس ذلك إذ نرى ابن سعود يبذل المساعي لتهدئة خواطر القبائل التي ثارت على غزوات البريطانيين الجوية.
وجاء في نبأ من عمان أن الشيخ فرحان أبي ماش الهور الذي كان مسؤولا عن الهجوم على قبائل شرقي الأردن قد سجن وأرغم على أن يرد المنهوبات التي نهبها ويدفع الدية للقبائل التي اعتدى عليها برجاله.
٢ - كيف يتنصل الأخوان من تبعة غزواتهم
جاء في العدد ١٦٤ من أم القرى لسان حال الحكومة النجدية الحجازية بعنوان: (غزوة عودة العطنة، ماذا يظن من في شرق الأردن؟) ندرجه بحرفه.
في ١٦ ربيع الثاني سنة ١٣٤٦ الموافق ١٢ أكتوبر سنة ١٩٢٧ بينما كانت قافلة من تجار بريدة في القصيم عند قلعة المعظم تمشي بتجارتها إلى الحجاز باغتها
стр. 3111
عودة العطنة مع فريق من قومه (وعودة العطنة من قبائل شرق الأردن) فسطا على القافلة وقتل منها اثنين وهما محمد بن رحيل الفقير وعلي الرشودي وجرح شبل بن علي الرشودي جرحا خطيرا
واخذ ما معهم من أباعر وسلب منهم ١٥٠ جنيها إنكليزيا و ٧٠٠ مجيدي وبعد أن أتى فعلته المنكرة هذه رجع من المعظم إلى ربل حيث نزل ضيفا كريما على سليمان أبو دميك وفرح أبو شعيل من بني عطية ومكث عندهم مدة ثم توجه شمالا إلى قرب المدورة دون أن يلقى أي معارضة وقد سبق لعودة العطنة هذا أن قام بأعمال شقاوة وغزوات كثيرة على رعايا نجد فلم يصب من قبل حكومة شرق الأردن بأذى ولا مكروه أما الحكومة عندنا فقد احتجت على هذا العمل وطلبت تأديب الفاعل وهذا الاحتجاج أصبح من الأشياء المعتادة عند حكومة شرق الأردن أن تسمع مثلا فلا تجيب وإن أجابت ففي التسويف والمماطلة وإن أرادت تسويفا قانونيا دعت إلى إنفاذ أحكام معاهدة جدة وطلبت تشكيل محكمة لتعيين المنهوبات وردها، فإذا اجتمعت المحكمة رأيت من المراوغة فيها ما يدعو لفضها فيفوز المجرمون بالأسلاب ويعود المسلوبون بالحسرة والندامة.
ليست غزوة عودة العطنة من قبائل شرق الأردن، الأولى من نوعها على قبائلنا فقد تكررت غزوات قبائل شرق الأردن على قبائل نجد بعد معاهدة جدة تكرارا لا يطاق الصبر عليه، كل هذا وقبائل نجد ساكنة لم تقابل شيئا من تلك الغزوات بمثلها، ولكن قبائل شرق الأردن لا تزال سادرة في غوايتها تأتي ما تشاء من الإجرام لا معقب ولا رادع بل ربما وجدت المنشط الذي يساعدها على غوايتها، فماذا يظن من في شرق الأردن؟. أيظنون أن هذا السكوت ضعف منا؟ أم ظنوا أننا عاجزون عن تأديبهم؟ والله أن سكوتنا عنهم لم يكن عن ضعف ولا عجز. وإنما وفاء بعهد قطعناه، وانتظارا لما تنتجه المفاوضات والمكاتبات في هذا الشأن. وخير لمن في شرق الأردن أن يكفوا عن أذاهم وإن يسألوا الله العافية.
وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم ... وما هو عنها بالحديث المرجم)
أهـ. قلنا: ولم تذكر الجريدة شيئا تزكي به أعمال الغزوات بخصوص العراق
стр. 3112
مما يدل على أن حكومتنا بريئة مما ينسب إليها.
٣ - مظاهرة في النجف
في يوم السبت ١١ شباط من هذه السنة، وصلت سيارة إلى النجف، قادمة إليها عن طريق كربلاء، وكان فيها أربعة رجال وصندوقان مغلقان، واتفق أن انكسر أحد الصندوقين قبل أن ينزل من السيارة. فسأل الركاب السائق عن الرائحة المنبعثة عن الصندوق فقال: هي
رائحة خمر. فدهش الفضلاء الروحانيون من نقل مسكر إلى النجف.
وما كادت السيارة تصل إلى محلها حتى بادر الحمالون بسرعة إلى نقل الصندوقين على دوابهم إلى صاحبهما وهو (محمد الفحام السوري) صاحب صيدلية النجف وما كاد الحمالون يضعون منقولهم أمام الصيدلية المذكورة حتى جاء مأمور مركز النجف وقبض على الصندوقين، فامتنع الصيدلي من تسليمهما.
فالح عليه مأمور المركز في تسليمهما فأبى الصيدلي وحينئذ كلمه المأمور بشدة فما كان من الصيدلي إلا أن لطم المفوض لطمة أو لطمتين. وفي الحال أمر مأمور المركز الشرطي الحاضر بين يديه أن يقبض على المعتدي فساقه إلى مركز الشرطة ومعه الصندوقان. ولا تسل عن تجمهر الناس. ولولا أن السلطة تزج المذنب بالسجن لكان بئس المصير.
وفي اليوم الثاني (١٢ شباط) أطلق سراح الصيدلي بعد أن وردت إلى الحكومة كتب العلماء، فكأنما أطلقت قنبلة من فوهة مدفع الرأي العام وباتت النجف في تحمس شديد.
وما بزغت شمس ١٣ شباط حتى رأيت الجماهير تحتشد في الأسواق وتهوس هوسات ترتج لها البلدة، ثم انقسمت هذه الجماهير إلى فرقتين: فرقة هجمت على الصيدلية وكسرت ما فيها من الخشن وحطمت بعض قناني الأدوية فتداركت السلطة الأمر بأن أرسلت ستة من الشرطة للمحافظة على ما بقي من الصيدلية وقد أعانهم بعض المنورين من الشبان.
والفرقة الثانية وعددها لا يحصى قصدت دائرة الحكومة في خارج البلدة ووصلت إلى قائم المقام فقيل للناس: أن الصيدلي في محله (وهو النادي) فهاجموا وماجو محاولين الدخول على الصيدلي ولكن همة مأمور المركز كانت عظيمة فحول دون أمنيتهم؛ فذهبوا إلى دائرة
стр. 3113
الحكومة فخرج قائم المقام إليهم وكلمهم بلطف وافهمه بأن الحكومة تتخذ التدابير اللازمة لمعاقبة الصيدلي؛ إلا أن المتظاهرين لم يقنعوا، فبدد مأمور المركز شيئا من الشمل.
ثم ذهب قائم المقام إلى البلدية وكان المتظاهرون في الصفا (الميدان) فخطب فيهم خطبة جمعت بين اللين والشدة وفي الوقت عينه اظهر الشرطة حزما وعزما فتفرق المتظاهرون وبعد ذلك اخرج الصيدلي من النادي (القلوب) إلى السجن ونادى منادي الحكومة بالإخلاد إلى الهدوء والسكينة ففتح الناس حوانيتهم وبهذه الصورة انطفأت ثائرة المتظاهرين وختمت هذه الحادثة على أحسن وجه من غير أن يصدر شيء يكدر الأمن والسلم.
وقد أثنى كثيرون في هذه الحادثة على همة الشباب النجفيين الناهضين، وعلى ذكاء مأمور المركز وحكمة قائم المقام في البلدة.
٣ - مصير الكتب التركية بعد اتخاذ الأبجدية اللاتينية
فؤاد بك رائف باشا أحد أعضاء لجنة الأبجدية اللاتينية وكان قد كتب عدة مقالات في الجرائد بلزوم الأخذ بالأبجدية اللاتينية وأجاب على سؤال وجه إليه بخصوص مصير الكتب التركية بعد اتخاذ الأبجدية اللاتينية أن ٩٥ بالمائة أصبح مهجورا تماما وإذا كان بينها بعض الكتب النفيسة فيعاد طبعها بالأحرف اللاتينية وإن كان لا يزال في الأمة من يحن إلى مطالعة هذه الكتب بالأبجدية العربية وهم النزر القليل فما عليهم إلا أن يتعلموا الحروف العربية ويطالعوا فيها ما شاءوا.
٤ - الوفد الهندي التجاري
وصل أعضاء الوفد التجاري الهندي العاصمة في الساعة الحادية عشرة ونصف من صباح (١٧ شباط) فاستقبلهم على رصيف المحطة جناب المستر امسون مندوبا عن فخامة المعتمد البريطاني السامي وجناب مندوب الجمعية الهندية في بغداد وأقامت الجمعية الهندية حفلة استقبال دعت إليها جميع أعضاء الوفد التجاري الذين اجتمعوا ومعهم عدد من كبار تجار العاصمة وتحدثوا طويلا عن سير التجارة الهندية في بغداد.
٥ - إرادات ملكية
صدرت الإرادة الملكية بتوجيه جهة التدريس في التكية الخالدية إلى السيد عبد الوهاب أفندي خطيب كربلاء
стр. 3114
السابق.
وصدرت الإرادة الملكية بمنح نوط الخدمة الفعلية لجميع الضباط ونواب الضباط وضباط الصف والجنود والأشخاص الآخرين المنتمين إلى وحدات الجيش العراقي التي اشتركت في حركات المنطقة الشرقية في رتل بنجوين من ١٩ إلى ٢٧ نيسان سنة ١٩٢٧.
٦ - ميزانية دائرة صحة الموصل
آنةربيةالواردات٨٥٣١من معاينات الأصناف١٤٢٣١٨من التبخيرات٤٢٠٦٨من الصيدلية٠٢٣١٤من الغرامات الصحية١٢٥١من بيع أنابيب المصل ضد
الجدري٦٧٢٨٤المجموعالمصروفات٠٢٥٦٢٠الرواتب١٣١٨٦الصيدلية والمستوصف٠١٢٣دائرة التبخير١٤٣٣٣٨٧التنظيفات (تشمل الكنس ورفع الازبال وتنظيفات المسلخ والمدبغة) ٠١٢٠٠المتفرقة١١٦٠٥١٧المجموعة /// ٧ - أسعار سوق الموصل
بموجب تقرير غرفة التجارة للأسبوع المنتهي في ٢٢ - ٢ -
١٩٢٧
الوزنةسعرحقةاستانةدرهم بايآنةروبية١٠ - ١٦٠حنطة - ٨١شعير - ١٠٠حمص - ٨٤عدس - ٨١باقلى - ٤١سمن - ٠٢٩عفص عنباري - ٨٦ابيض - ٠٥قطن محلوج - ٠١٣بدون حلج - ٠٣تطعيم الجدري شخص عدد ٨١
التبخيرات
قطعة للأهالي ٢٥١
الحيوانات المذبوحة
غنم ٨٠ معز ٦٣٥: بقر: ١٢٠ جمال ٣ جاموس ١١
المعاينة الطبية للفقراء
معاينات أولية ٢٦٨ المجموع
معاينات مكررة ١٠١٧٦٩
الجرائم الصحية
عدد أشخاص ٦
стр. 3115
العدد ٥٨ - بتاريخ: ٠١ - ٠٤ - ١٩٢٨
بي بروا
-
في كتب مشاهير الرجال ونوابغهم. لا نرى أثرا لمن نبه من أصحاب المهن والصنائع والفنون؛ ولا نقرأ شيئا عن أولئك الرجال الذين كان لهم منزلة عظيمة في طبقتي الأمة الوسطى والدنيا، كما لا نجد وصف البيئة لتلك الأيام في أكلها وشربها، وانسها، وسكنها، وفرحها، وحزنها، إلى ما ضاهى هذه الحالات.
على أننا إذا قلنا: لم نر، ولم نجد، ولم نقرأ، فليس معناه التعميم والاطراد الذي لا شاذ فيه، فقد وجدنا في أيام العباسيين رجالا تصدوا لمثل هذه الأبحاث، لكنهم يعدون على الأصابع، بالنسبة إلى ما دون في سائر المواضيع والمعاني، فلقد كتب لنا أبو الفرج الأصفهاني، والجاحظ، والقاضي التنوخي، أمورا يحسدهم عليها أرقى الأمم في عهدنا هذا.
ونحن الآن في عصر تولي فيها العادات والأخلاق والبيئة العربية وتدبر أدبارا لا عودة لها إليها ومع ذلك ليس من يفكر في هذا الانتقال فيدون ما يراه اليوم ليكون سندا يعتمد عليه الجيل القادم في ما كان في هذا العهد.
ولقد انتبه إلى هذا الشأن الخطير حضرة المفكر الاجتماعي أحمد حامد أفندي
стр. 3116
آل الصراف. فاخذ يطوف القراء بما يلاحظه في هذا الموضوع والفضلاء يطالعون هذه المباحث بشوق عظيم، أن في ديارنا الشرقية وإن في الديار الغربية ويستزيدونا منها.
واليوم يهدي إلى هذه المجلة موضوعا من الذهنية المواضيع وهو ترجمة أحد (الدراويش) الذين كان يرى مثلهم في بغداد قبل نحو خمسين سنة مئات ومئات يجولون في الطرق والأسواق ليستعطفوا الناس عليهم ويستدروا حسناتهم. وفي الوقت عينه يعرفنا بحالة أبناء المجتمع في البلاد التي مر بها المترجم و (عقليتهم ونفسيتهم) وسلطة بعض طبقات الناس على بعضها الآخر. ولهذا تعد هذه الترجمة من افخر ما كتب في هذا المعنى، ومما يجب أن يحتذى عليه، إذ هي المثال الأعلى في هذا الموضوع. قال حفظه الله:
(لغة العرب)
رجعت في الليلة العاشرة من شهر تشرين الثاني ١٩١٩ إلى بيتي الواقع في حارة (باب بغداد) في كربلاء وهي حارة ضيقة الأزقة، ينيرها بصيص من ضياء الفوانيس القديمة
المعلقة على جدران البيوت. وكانت الليلة ظلماء حالكة الأديم. خلت سماؤها من قمر مضيء، وكوب لامع: فركنت إلى غرفتي وكنت تعبا ضجرا، مهموما أفكر في العبء الثقيل الذي القي على عاتقي وهو عبء المدرسة الأميرية إذ كنت مديرها. وكان المعلمون السبعة الذين عينوا لها من الأعاجم؛ فكان فيها الشاهرودي والطهراني والشيرازي والرشتي.
وكان في كربلاء ثلاث مدارس فارسية تزاحم مدرستي وتسعى إلى القضاء عليها. وكنت أرى بعيني أبناء العرب الاقحاح من العلويين والهاشميين يؤمون المدارس الأعجمية هناك، حيث يدرسون التاريخ الفارسي والآداب الفارسية ويهتفون بذكر طهمورث وحمشيد وكسرى. وقد تغيرت سجاياهم العربية وتبدل إحساسهم وتطورت عوائدهم وألفوا الفارسية بدلا من العربية.
وكان حاكم كربلاء إذ ذاك رجلا فارسيا عينته السلطة الإنكليزية أثناء الاحتلال، وكان داهية، شديد النعرة الفارسية كثير الرغبة في إنهاض المدارس الإيرانية. قليل الاهتمام بالمدرسة التي كنت مديرها، إلا فترات كان يجامل بها الاهلين، وكادت كربلاء إذ ذاك على شفا جرف هاو. إذ كادت تنقلب بلدة فارسية.
стр. 3117
وكانت هذه الحوادث المؤلمة تثير أعصابي وتزيد في آلامي وكنت في تلك الليلة ال ١٠ من تشرين الثاني١٩١ - أفكر في الطرق التي أنقذ بها المدرسة العربية من تلك المخالب.
فقضيت ساعتين تارة أفكر وطورا اقرأ ما تيسر لي من الكتب حتى دقت الساعة الرابعة عربية ليلا، فساد الصمت وانقطعت أصوات النائحين والباكين في التعازي والمآتم. وإذا صوت رخيم رقيق أشبه برنين الجرس فقد انبعث من طيات ذلك الليل الهادئ منشدا:
يا شام غريبان يا إمام رضا
وكانت تلك النغمة التي لم تكن إلا نغمة النأي الحزين قد أهاجت بلابلي وأثارت كوامن شجوي، فانتفضت انتفاضة المتكهرب ورفعت باب الكوة المطلة على الطريق، وملت بكل جوارحي إلى الجانب الذي جاء منه ذلك الصوت الرخيم وبعد بضع ثوان سمعت نشيدا بنغمة فارسية: (دوست علي مولا جانم) ثم انطلق يتغنى بأشعار فارسية لم استطع ضبطها فعلمن من النغمة ومن هذه الكلمات إنه (درويش فارسي). فقلت: بابا درويش بفرما أي
تفضل أيها الدرويش - فجاء يمشي الهوينا، حتى وقف تحت (الفانوس) فتبينته ثم رميت له قرانا (نقدا فارسيا يساوي نصف فرنك ذهب) لم يعثر عليه إلا بشق النفس. وقلت له:
أي مرشد بخوان - أي اقرأ أيها المرشد. فقال جشم.
فقرأ بنغمة الافشار قصيدة من أبدع قصائد الشاعر الشهير سعدي الشيرازي وقد ضبطت - وأنا في غرفتي - بيتين منها:
شرف مرد بجود است ... وكرامت بسجود
هركه إين هردر ندادد ... عدمش به زوجود
اي كه در نعمت ونازي ... بجهان غرد مشو
كه مجالست در إين ... مرحله إمكان خلود
معناها: شرف المرء بجوده وكرامته بسجوده لله ومن لم يملك هذين
стр. 3118
الأمرين كان عدمه أحسن من وجوده يا أيها المتنعم المدله لا تغتر بهذه الدنيا إذ من المحال الخلود في هذه المرحلة (الحياة).
ولما أتم إنشاد القصيدة، رميت له قرانا آخر وقلت له:
شعر عربي ازبر داريد؟ يك قصيدة عربي بخوان - أي: أتستظهر شعرا عربيا. اتل قصيدة عربية. أجابني قائلا: بيرشي.
ثم قال بلي قربان ازبر دارم أي نعم عزيزي أني استظهر ذلك فانطلق ينشد كالقيثارة النائحة قصيدة:
بانت سعاد فقلبي اليوم متبول ... حتى جاء على آخرها
وقد أحدث في ثورة من ثورات المغرم حين يهزه الوجد فقلت له: شام نميخواهي آيا كرسنه نيسي (أي إلا تريد أن تتعشى)؟ الست جوعان؟ فسكت فعلمت إنه جوعان فصرخت على الخادمة وقلت لها أن تفتح الباب ففتحته له فصعد إليّ ودخل متأدبا وحياني قائلا: سلام عليكم.
عليكم السلام بفرما آغاي مرشد فجيء له بالطعام، فأكل بتؤدة ثم غسل يديه، وشكر الله، ودخن دخينة (سيكارة) قدمتها إليه وكان ينظر إليّ أثناء تدخينه إياها نظرة الخائف الوجل وابتدرني سائلا: جناب عالي مأمور دولتي؟ أي أجنابكم موظف حكومة؟ قلت له نعم. ثم
طلبت إليه أن ينشدني شيئا من الشعر العربي والفارسي. وأخذت اليراعة والقرطاس لأدون ما ينشدني فترنم بالأبيات الفارسية الآتية وقد ضبطتها من فمه:
آن ياركه بي وفا است دشمن به ازوست ... وآن نقرة كم بهاست آهن به أزوسث
هركس كه نمك خورد نمكدان شكند ... در مذهب رندان جهان سكك به أز وست
أي: العدو أحسن من حبيب أو صديق لا وفاء له. والحديد أحسن من فضة لا قيمة لها. ومن أكل الملح وكسر المملحة فالكلب اشرف منه بمقتضى مذهب العقلاء الحكماء في الحياة.
стр. 3119
يشير إلى إنه أكل من نعمتي وهي نكتة أديب واستشهاد أريب ثم أنشدني قصائد لحافظ الشيرازي وخاقاني ومنوجهري وغيرهم من شعراء الفرس.
ثم قرا لي بيتين بلكنة أعجمية وهما:
انبتت سبابتكم ... غرحة على كبدي
بت من تفجئكم ... كالأسير في السفد
أي:
انبتت صبابتكم ... قرحة على كبدي
بت من تفجعكم ... كالأسير في الصفد
ثم انقطع عن النشيد فسألته عن اسمه وعن أسم بلده. فقال اسمي أبو القاسم ولقبي (بي بروا) وبلدي (شيراز) فقلت له: متى صرت درويشا؟ ولماذا فضلت هذه الحياة؟ وماذا كانت مهنتك وعملك قبل أن تكون درويشا؟ فلم يجبني بشيء فألححت عليه كثيرا، وكررت عليه السؤال. فقال لي (عشق است) أي - العشق - إلا أنني لم اقنع بهذا الجواب وكررت عليه السؤال وطلبت إليه بإلحاح أن يجيبني فقام على قدميه وقال متأدبا: آغا خيلي دير كردم أن شاء الله وقت ديكر خواهم كفت أي سيدي أني تأخرت وسأحدثك أن شاء الله في وقت آخر فدعوته إلى أن يأتيني في الليلة الثانية فودعني وانصرف. وانصرفت عني كل همومي وكانت الساعة الخامسة تماما.
أبو القاسم بي بروا
كان الدرويش بي بروا شيخا قد اجتاز الكهولة، ربعة، أشقر اللون، ازرق العينين، ذا وجه
مستديرا، أحدثت فيه الآلام غضونا، وأورثت فيه تجعدا ذا لحية طويلة صفراء وخطها المشيب، ذا شعر طويل كشعر النساء لهزه البياض.
أما ثيابه فلم تكن أسمالا اخلاقا، وكانت نظيفة وهي عبارة عن قلنسوة طويلة (كلاه) من اللبد الأصفر، مشدود في وسطها حزمة من خيوط دمقسية طويلة قد اختلطت بشعره، عليه قميص من الصوف فوقه جلد معز طويل وجراب طويل وقدوم ثمينة مزخرفة بنقوش وأبيات فارسية وعلى ظهره كشكول.
تدل ملامحه وحركاته على إنه لم يكن من أولئك السفلة الشحاذين، ثم بدا
стр. 3120
لي أن أدون بعد هذا اليوم، ما يقع لي من أمر هذا الدرويش وما يتعلق به فكتبت يومئذ في مذكرتي ما أعيد صورته إلى القارئ.
طلعت شمس اليوم العاشر من تشرين الثاني سنة ١٩١٩ فذهبت إلى المدرسة وقمت بواجباتي وخرجت منها من الساعة الحادية عشرة غروبية وذهبت توا إلى بيتي فانتظرت الدرويش إلى الساعة الخامسة عربية فلم يأتني ثم يئست من مجيئه ولما أعياني السهر نمت.
١١ تشرين الثاني
خرجت من بيتي عند انبلاج الفجر وتجولت في الحضرة الحسينية والعباسية لعلي أجد الدرويش فلم أره ثم ذهبت إلى الخيمكاه وهو مأوى أكثر الدراويش الفقراء فلم أصادفه، فذهبت إلى المدرسة وأرسلت خادم المدرسة (حمزة) ليفتش عنه فجاءني بعد بضع ساعات وقد طاف في المدينة فلم يلاقه.
صرفت التلامذة في الوقت المعين وخرجت إلى الحضرة الحسينية حين طفول الشمس ولما دخلت الصحن من باب القبلة رن في مسمعي صوت الدرويش فأسرعت إليه فوجدته قد رفع قدومه على كتفه ووضع كشكوله على مرمر الصحن ووقف حاسر الرأس منشدا شعرا في مدح الحسين الشهيد ﵇ وقد اجتمع حوله الناس على شكل دائرة رجالا ونساء وشبانا وهم بين باك ومتباك وقد ملئوا كشكوله من كل ما شاءوا.
ووقفت أمام الدرويش (بي بروا) ولما وقع بصره علي امتقع لونه وتجلجل، فخرقت الصف ورميت له ربية واحدة في كشكوله ولما أتم نشيده دعا للحاضرين بالخير والبركة وطول
العمر على عادة الدراويش ثم قرا الفاتحة ورفع كشكوله من الأرض وانصرف موليا وجهه شطر السوق من غير أن يلتفت إليّ فتقصصت أثره ثم تعرضت له في السوق وسلمت عليه قائلا بلهجة المعاتب:
أي مرشد بكجا تشريف ميبريد؟ (إلى أين تذهبون أيها المرشد؟ فوقف الدرويش وقفة المتحير في أمره فعلمت في تلك اللحظة القصيرة إنه ارتاب مني
следующие страницы →