Полный текст (6 158 стр.). Показаны 3116–3155 · переход к 3121.
стр. 3116
آل الصراف. فاخذ يطوف القراء بما يلاحظه في هذا الموضوع والفضلاء يطالعون هذه المباحث بشوق عظيم، أن في ديارنا الشرقية وإن في الديار الغربية ويستزيدونا منها.
واليوم يهدي إلى هذه المجلة موضوعا من الذهنية المواضيع وهو ترجمة أحد (الدراويش) الذين كان يرى مثلهم في بغداد قبل نحو خمسين سنة مئات ومئات يجولون في الطرق والأسواق ليستعطفوا الناس عليهم ويستدروا حسناتهم. وفي الوقت عينه يعرفنا بحالة أبناء المجتمع في البلاد التي مر بها المترجم و (عقليتهم ونفسيتهم) وسلطة بعض طبقات الناس على بعضها الآخر. ولهذا تعد هذه الترجمة من افخر ما كتب في هذا المعنى، ومما يجب أن يحتذى عليه، إذ هي المثال الأعلى في هذا الموضوع. قال حفظه الله:
(لغة العرب)
رجعت في الليلة العاشرة من شهر تشرين الثاني ١٩١٩ إلى بيتي الواقع في حارة (باب بغداد) في كربلاء وهي حارة ضيقة الأزقة، ينيرها بصيص من ضياء الفوانيس القديمة
المعلقة على جدران البيوت. وكانت الليلة ظلماء حالكة الأديم. خلت سماؤها من قمر مضيء، وكوب لامع: فركنت إلى غرفتي وكنت تعبا ضجرا، مهموما أفكر في العبء الثقيل الذي القي على عاتقي وهو عبء المدرسة الأميرية إذ كنت مديرها. وكان المعلمون السبعة الذين عينوا لها من الأعاجم؛ فكان فيها الشاهرودي والطهراني والشيرازي والرشتي.
وكان في كربلاء ثلاث مدارس فارسية تزاحم مدرستي وتسعى إلى القضاء عليها. وكنت أرى بعيني أبناء العرب الاقحاح من العلويين والهاشميين يؤمون المدارس الأعجمية هناك، حيث يدرسون التاريخ الفارسي والآداب الفارسية ويهتفون بذكر طهمورث وحمشيد وكسرى. وقد تغيرت سجاياهم العربية وتبدل إحساسهم وتطورت عوائدهم وألفوا الفارسية بدلا من العربية.
وكان حاكم كربلاء إذ ذاك رجلا فارسيا عينته السلطة الإنكليزية أثناء الاحتلال، وكان داهية، شديد النعرة الفارسية كثير الرغبة في إنهاض المدارس الإيرانية. قليل الاهتمام بالمدرسة التي كنت مديرها، إلا فترات كان يجامل بها الاهلين، وكادت كربلاء إذ ذاك على شفا جرف هاو. إذ كادت تنقلب بلدة فارسية.
стр. 3117
وكانت هذه الحوادث المؤلمة تثير أعصابي وتزيد في آلامي وكنت في تلك الليلة ال ١٠ من تشرين الثاني١٩١ - أفكر في الطرق التي أنقذ بها المدرسة العربية من تلك المخالب.
فقضيت ساعتين تارة أفكر وطورا اقرأ ما تيسر لي من الكتب حتى دقت الساعة الرابعة عربية ليلا، فساد الصمت وانقطعت أصوات النائحين والباكين في التعازي والمآتم. وإذا صوت رخيم رقيق أشبه برنين الجرس فقد انبعث من طيات ذلك الليل الهادئ منشدا:
يا شام غريبان يا إمام رضا
وكانت تلك النغمة التي لم تكن إلا نغمة النأي الحزين قد أهاجت بلابلي وأثارت كوامن شجوي، فانتفضت انتفاضة المتكهرب ورفعت باب الكوة المطلة على الطريق، وملت بكل جوارحي إلى الجانب الذي جاء منه ذلك الصوت الرخيم وبعد بضع ثوان سمعت نشيدا بنغمة فارسية: (دوست علي مولا جانم) ثم انطلق يتغنى بأشعار فارسية لم استطع ضبطها فعلمن من النغمة ومن هذه الكلمات إنه (درويش فارسي). فقلت: بابا درويش بفرما أي
تفضل أيها الدرويش - فجاء يمشي الهوينا، حتى وقف تحت (الفانوس) فتبينته ثم رميت له قرانا (نقدا فارسيا يساوي نصف فرنك ذهب) لم يعثر عليه إلا بشق النفس. وقلت له:
أي مرشد بخوان - أي اقرأ أيها المرشد. فقال جشم.
فقرأ بنغمة الافشار قصيدة من أبدع قصائد الشاعر الشهير سعدي الشيرازي وقد ضبطت - وأنا في غرفتي - بيتين منها:
شرف مرد بجود است ... وكرامت بسجود
هركه إين هردر ندادد ... عدمش به زوجود
اي كه در نعمت ونازي ... بجهان غرد مشو
كه مجالست در إين ... مرحله إمكان خلود
معناها: شرف المرء بجوده وكرامته بسجوده لله ومن لم يملك هذين
стр. 3118
الأمرين كان عدمه أحسن من وجوده يا أيها المتنعم المدله لا تغتر بهذه الدنيا إذ من المحال الخلود في هذه المرحلة (الحياة).
ولما أتم إنشاد القصيدة، رميت له قرانا آخر وقلت له:
شعر عربي ازبر داريد؟ يك قصيدة عربي بخوان - أي: أتستظهر شعرا عربيا. اتل قصيدة عربية. أجابني قائلا: بيرشي.
ثم قال بلي قربان ازبر دارم أي نعم عزيزي أني استظهر ذلك فانطلق ينشد كالقيثارة النائحة قصيدة:
بانت سعاد فقلبي اليوم متبول ... حتى جاء على آخرها
وقد أحدث في ثورة من ثورات المغرم حين يهزه الوجد فقلت له: شام نميخواهي آيا كرسنه نيسي (أي إلا تريد أن تتعشى)؟ الست جوعان؟ فسكت فعلمت إنه جوعان فصرخت على الخادمة وقلت لها أن تفتح الباب ففتحته له فصعد إليّ ودخل متأدبا وحياني قائلا: سلام عليكم.
عليكم السلام بفرما آغاي مرشد فجيء له بالطعام، فأكل بتؤدة ثم غسل يديه، وشكر الله، ودخن دخينة (سيكارة) قدمتها إليه وكان ينظر إليّ أثناء تدخينه إياها نظرة الخائف الوجل وابتدرني سائلا: جناب عالي مأمور دولتي؟ أي أجنابكم موظف حكومة؟ قلت له نعم. ثم
طلبت إليه أن ينشدني شيئا من الشعر العربي والفارسي. وأخذت اليراعة والقرطاس لأدون ما ينشدني فترنم بالأبيات الفارسية الآتية وقد ضبطتها من فمه:
آن ياركه بي وفا است دشمن به ازوست ... وآن نقرة كم بهاست آهن به أزوسث
هركس كه نمك خورد نمكدان شكند ... در مذهب رندان جهان سكك به أز وست
أي: العدو أحسن من حبيب أو صديق لا وفاء له. والحديد أحسن من فضة لا قيمة لها. ومن أكل الملح وكسر المملحة فالكلب اشرف منه بمقتضى مذهب العقلاء الحكماء في الحياة.
стр. 3119
يشير إلى إنه أكل من نعمتي وهي نكتة أديب واستشهاد أريب ثم أنشدني قصائد لحافظ الشيرازي وخاقاني ومنوجهري وغيرهم من شعراء الفرس.
ثم قرا لي بيتين بلكنة أعجمية وهما:
انبتت سبابتكم ... غرحة على كبدي
بت من تفجئكم ... كالأسير في السفد
أي:
انبتت صبابتكم ... قرحة على كبدي
بت من تفجعكم ... كالأسير في الصفد
ثم انقطع عن النشيد فسألته عن اسمه وعن أسم بلده. فقال اسمي أبو القاسم ولقبي (بي بروا) وبلدي (شيراز) فقلت له: متى صرت درويشا؟ ولماذا فضلت هذه الحياة؟ وماذا كانت مهنتك وعملك قبل أن تكون درويشا؟ فلم يجبني بشيء فألححت عليه كثيرا، وكررت عليه السؤال. فقال لي (عشق است) أي - العشق - إلا أنني لم اقنع بهذا الجواب وكررت عليه السؤال وطلبت إليه بإلحاح أن يجيبني فقام على قدميه وقال متأدبا: آغا خيلي دير كردم أن شاء الله وقت ديكر خواهم كفت أي سيدي أني تأخرت وسأحدثك أن شاء الله في وقت آخر فدعوته إلى أن يأتيني في الليلة الثانية فودعني وانصرف. وانصرفت عني كل همومي وكانت الساعة الخامسة تماما.
أبو القاسم بي بروا
كان الدرويش بي بروا شيخا قد اجتاز الكهولة، ربعة، أشقر اللون، ازرق العينين، ذا وجه
مستديرا، أحدثت فيه الآلام غضونا، وأورثت فيه تجعدا ذا لحية طويلة صفراء وخطها المشيب، ذا شعر طويل كشعر النساء لهزه البياض.
أما ثيابه فلم تكن أسمالا اخلاقا، وكانت نظيفة وهي عبارة عن قلنسوة طويلة (كلاه) من اللبد الأصفر، مشدود في وسطها حزمة من خيوط دمقسية طويلة قد اختلطت بشعره، عليه قميص من الصوف فوقه جلد معز طويل وجراب طويل وقدوم ثمينة مزخرفة بنقوش وأبيات فارسية وعلى ظهره كشكول.
تدل ملامحه وحركاته على إنه لم يكن من أولئك السفلة الشحاذين، ثم بدا
стр. 3120
لي أن أدون بعد هذا اليوم، ما يقع لي من أمر هذا الدرويش وما يتعلق به فكتبت يومئذ في مذكرتي ما أعيد صورته إلى القارئ.
طلعت شمس اليوم العاشر من تشرين الثاني سنة ١٩١٩ فذهبت إلى المدرسة وقمت بواجباتي وخرجت منها من الساعة الحادية عشرة غروبية وذهبت توا إلى بيتي فانتظرت الدرويش إلى الساعة الخامسة عربية فلم يأتني ثم يئست من مجيئه ولما أعياني السهر نمت.
١١ تشرين الثاني
خرجت من بيتي عند انبلاج الفجر وتجولت في الحضرة الحسينية والعباسية لعلي أجد الدرويش فلم أره ثم ذهبت إلى الخيمكاه وهو مأوى أكثر الدراويش الفقراء فلم أصادفه، فذهبت إلى المدرسة وأرسلت خادم المدرسة (حمزة) ليفتش عنه فجاءني بعد بضع ساعات وقد طاف في المدينة فلم يلاقه.
صرفت التلامذة في الوقت المعين وخرجت إلى الحضرة الحسينية حين طفول الشمس ولما دخلت الصحن من باب القبلة رن في مسمعي صوت الدرويش فأسرعت إليه فوجدته قد رفع قدومه على كتفه ووضع كشكوله على مرمر الصحن ووقف حاسر الرأس منشدا شعرا في مدح الحسين الشهيد ﵇ وقد اجتمع حوله الناس على شكل دائرة رجالا ونساء وشبانا وهم بين باك ومتباك وقد ملئوا كشكوله من كل ما شاءوا.
ووقفت أمام الدرويش (بي بروا) ولما وقع بصره علي امتقع لونه وتجلجل، فخرقت الصف ورميت له ربية واحدة في كشكوله ولما أتم نشيده دعا للحاضرين بالخير والبركة وطول
العمر على عادة الدراويش ثم قرا الفاتحة ورفع كشكوله من الأرض وانصرف موليا وجهه شطر السوق من غير أن يلتفت إليّ فتقصصت أثره ثم تعرضت له في السوق وسلمت عليه قائلا بلهجة المعاتب:
أي مرشد بكجا تشريف ميبريد؟ (إلى أين تذهبون أيها المرشد؟ فوقف الدرويش وقفة المتحير في أمره فعلمت في تلك اللحظة القصيرة إنه ارتاب مني
стр. 3121
ومن شكلي ولباسي وطربوشي وظن إنني موظف أمرت بالبحث عنه فمسكته بيدي وعرفته باني مدير مدرسة، من خدمة العلم والأدب، ويلذ لي معاشرة الدراويش وصحبة الفقراء وإن صوته الرخيم وحفظه الشعر الكثير حبباه إليّ وأقسمت له وأغلظت له الإيمان مؤكدا له صدق ما أقول، فاطمأن وهدأ روعه فأخذته رأسا إلى بيتي.
ليلة ١٢ تشرين الثاني
ولما اختلط الظلام قام وتوضأ وصلى صلاة المغرب ثم تعشينا معا وبعد أن دخن عدة دخينات (سيكارات) اندفع يغني شعرا فارسيا دون أن أكلفه وكان غناؤه أوقع في قلبي من نغمات الأرغن ونقرات العود ولم أشأ أن أسأله في تلك الليلة عن سبب تفضيله هذه الحياة على حياة العمل لئلا يرتاب مني مرة أخرى فينقطع وأنا حريص عليه جد الحرص، ولما مضى هزيع من الليل ودعني وانصرف بعد أن نفحته ربية أخرى ورجوته أن يزورني تلطفا.
ليلة ١٣ تشرين الثاني
جاءني الدرويش في هذه الليلة وقد أكثر من تلاوة الشعر بنغمته الفارسية الرقيقة.
لم يزرني الدرويش في ليلة ١٤ و١٥ و١٦ من شهر تشرين الثاني.
١٧ تشرين الثاني
زارني الدرويش بي بروا في مدرستي، ففرحت به ورحبت به كثيرا وعاتبته طويلا على انقطاعه عني ثلاث ليال سويا فاعتذر مني وقال إنه لم يبرح (الخيمكاه) ثلاثة أيام إذ انتابته الحمى خلالها فتحادثنا طويلا في الشعر ونقلت في مذكرتي بضع مقطوعات شعرية ثم ودعني وانصرف ووعدني بأن يزورني في تلك الليلة.
ليلة ١٨تشرين الثاني
جاءني الدرويش وكان فرحا مبتهجا فاخبرني بأنه تشرف بزيارة قبر المجاهد الشهيد الحر بن حرب الرياحي راجلا ثم جلس مطمئنا وقال إنه سر كثيرا بزيارته كربلاء، وانه جذل بمعاشرتي، وبعد العشاء طفق يغني شعرا غراميا للشاعر حافظ الشيرازي، ولما أتم إنشاده سألته عن سبب تفضيله شعر حافظ على شعر غيره
стр. 3122
فسكت قليلا ثم أن أنة الغريب الكئيب. وقال أحب حافظا لأنه نبت في وطني ونشأ فيه، ولان شعره يذكرني ببلدتي شيراز الجميلة فقلت له: أتحبها وتحن إليها، فقال أن كنت تسألني لكوني درويشا فأقول أني لا أفضل مدينة على أخرى وكل بلاد الله وطني، وكل أهل الأرض أقاربي لا افرق بين العربي والعجمي والهندي والتركي، إلا أني مع ذلك، احن إلى شيراز، لأنها ملعب صباي، ومراح شباب وفيها قبور أمي وأبي وزوجتي وعشيرتي ثم قال وقد ترقرق الدمع في جفنيه:
جه وا بلبل آشبانهء خودرا دوست ميدادر وإنسان وطن خودرا دوست نميدارد.
أي: لماذا يحب البلبل عشه ولا يحب الإنسان وطنه.
فقلت له: ومتى فارقت مدينة شيراز؟ فقال وقد انحدرت دمعة من مآقيه على خده: لم أطأها منذ أربعين سنة على التقريب.
لماذا؟ وما السبب؟ فقال بعد أن تنهد طويلا: إنك قد سألتني قبل بضعة أيام فلم اشأ أن أقص عليك حديثي، خشية منك، لأني إرتبت كثيرا في أمرك وخفت أن يصيبني في (كربلاء) ما قد أصابني في (بيروت) وذلك أنني وطئت بيروت أثناء الحرب فذقت فيها عذاب الهون وعانيت ألوانا من المصائب والرزايا وكان أطفالها يركضون خلفي ويحصبونني ويمطرون علي وابل الحجارة.
آغا شهر بيروت بر أز فرنك بود. أي ومدينة بيروت ملآى من الفرنك
وقد تعرفت بفتى من أهل بيروت أخذني إلى بيته وأطعمني وسألني عن سياحاتي فقلت له أني جئت من الهند على طريق إيران وفي اليوم الثاني قبض علي شرطي طويل القامة وقادني إلى دار الحكومة ثم زجني بالسجن ثم طلبوني واتهموني بالتجسس، يلي اغا جان مارا كوتك زدند خيلي جوب زندن فرياد كردم قسم خوردم كه من درويشم غريبم كوش ندادند وزدند تحمل كردهم خدارا شكر كرده م.
نعم يا سيدي فقد ضربوني وجلدوني بالسياط صرخت كثيرا وحلفت لهم بأنني درويش غريب فلم يصغوا إليّ ثم ضربوني وضربوني فتحملت وشكرت الله.
стр. 3123
ثم أطلقوني وقد مرضت وأشرفت على الهلاك وكنت اقضي أيامي في أحد المساجد ثم تعرفت بصاحب (قهوة) وكان مسلما من الأخيار الطيبين فكنت اغني نهارا في قهوته، وانفخ بالناي، فكان يطعمني.
ولما عاد إليّ نشاطي وصحتي تركت بيروت وما فيها من ظلم وعسف وجور، وأتيت إلى الشام ثم سافرت إلى بغداد ومنها إلى طهران.
بلي قربان! خيلى اذيت كشيده أم - لقد عانيت الاذى، ولهذا السبب خشيت أن أقص عليك حديثي، وانقطعت عنك وقد سألت عنك فعرفت إنك من الأخيار وألان أقص عليك حديثي وأكلمك عن السبب الذي دفعني إلى أن أكون درويشا:
حياة (أبو) القاسم بي بروا
وكانت الساعة الثالثة من الليل، فجيء بأكواب الشاي فشرب الدرويش ثلاثة اكواب، ومسك قدومه بيده ووضعها بجانب الكشكول، واخرج من جيبه مشطا من خشب الأبنوس واخذ يمشط لحيته الطويلة الصفراء، ويرجل جعد ذوائبه الطويلة ثم نظر إليّ نظرة طويلة وقال:
أي جوان! أي نور ريدة من! بنجاه سال دارم ازفلك بي رحم خيلي ستم ديدم بدرم درشيراز كارباس فروش بود - أي أيها الفتى يا نور عيني عمري خمسون سنة؛ وقد شاهدت ظلما من هذا الفلك الظالم. أبي كان في شيراز (بزازا) وقد قرأت في صباي القرآن وقرأت على (الاخند) أي (الملا) النحو والصرف والمنطق وقرأت الفقه، وحفظت كثيرا من كلستان سعدي الشيرازي وديوان حافظ الشيرازي.
بلي قربان! خيلي حفظ داشتم! كنون يك كمي ميدانم از مبتدا وخبر ونواصب وقضية صغرى وكبرى ببر سيد الحمد لله شما از أهل عرفان هستيد. أي كنت احفظ كثيرا وألان أيضاً أعرف قليلا. سلني عن المبتدأ والخبر والنواصب وقضايا المنطق في الصغرى والكبرى. الحمد لله أنت من أهل العرفان.
وكان والدي يحبني ويعزني كثيرا، لأني كنت ولده البكر وكان يهتم بي ويعتني بتربيتي أكثر من أخي الصغير. ولما بلغت الخامسة عشرة أخذني والدي
стр. 3124
إلى الدكان لأعينه. وكان
لي عم توفي هو وزوجته وترك ابنته الصغيرة، فأخذها والدي إلى بيتنا.
وهنا زفر الدرويش زفرة شفت عن ألم عميق، واسترسل في حديثه وكانت ابنة عمي جميلة الخلق والخلق: مهناب بود، ستارة آسمان بود! كانت قمرا وكانت نجم السماء! وكنت احبها حبا جما، وكانت هي تحبني أيضاً حبا عظيما ولما بلغت العشرين زوجني إياها والدي وأقام الأفراح والولائم.
وهنا تغيرت لهجة الدرويش حالا واخذ صوته يتقطع ويرتجف ارتجافا متواليا ويرتعد جسمه ويهتز اهتزاز شجرة الصفصاف. وقفت شعرات لحيته الطويلة: فرمى السيكارة من يده وقال: وبعد مرور شهر واحد مرضت زوجتي مرضا لم يدم إلا يومين حتى أرداها. ثم استخرط في البكاء وهو يدمدم دمدمة الهائج الحزين المغلوب على نفسه.
أي خدا وندكار! حه كويم؟ أيها الرب ماذا أقول؟ ثم أخذ يزبد ويرعد ويرغو رغاء البعير وتدفقت دموعه حتى بللت خده ونحره. وأخضلت لحيته وقد طال بكاؤه وأنينه ساعة من الزمن، إلى أن نفدت عبراته وملت نفسه الأنين ولما انتهى دوره جاء دور السماء فأمطرت وابل الدموع. فقمت وأنا حيران في أمر هذا الدرويش الباكي الحزين وقد علمت يقينا إنه فجع بموت حبيبته.
أي مرشد خواهش دارم إمشب در إين اوتاق بخو ابيد تاريكي وباران بيرون آمدن خيلي سخت است. أيها المرشد أرجوك أن تنام ليلتك في هذه الغرفة (إذ اليوم لا يرى إلا) ظلام ومطر (ولهذا كان) الخروج عليك صعبا جدا.
فانطرح الدرويش على الأرض وخرجت من الغرفة فذهبت إلى مخدعي ونمت نوما متقطعا ولم يغمض جفناي إلا قبيل الفجر.
١٨تشرين الثاني
انتبهت على صوت الدرويش وكان يتلو دعاء في العربية بنغمة مشوبة بلكنة أعجمية فدخلت عليه في الغرفة فقام في وجهي متأدبا وقد ظهر الخجل
стр. 3125
على محياه.
سلام عليكم. (سبهكم) الله بالخير اغا جان ببخشيد ديشب خيلي بي ادبي كردم مارا ببخشيد خيلي دلتنك بوده ام.
سيدي، اعذرني قد أسأت الأدب ليلة أمس اعذرني فقد كنت حزينا متألما.
فهششت له وابتسمت بوجهه وقلت له: أني آسف لأني أنا الذي ذكرتك بتلك الذكريات المؤلمة، وجددت لك حزنك، وأنت معذور في بكائك لفقدانك زوجتك التي كانت عزيزة عليك، ثم فطرنا معا وخرجنا من البيت، فذهبت إلى مدرستي وفارقته في السوق وقد وعدني بالمجيء إلى بيتي، ولما خطوت بضع خطوات اندفع ينشد في السوق بهزيج أوقع في القلب من نغمة المزمار:
(جان علي جان علي جان، أي أمير المؤمنين أسد الله جانم).
ليلة ١٩ تشرين الثاني
جاءني بي بروا في الساعة الثانية ونصف عربية من الليل واعتذر إليّ مرة أخرى فقلت: إنما أنا يجب علي أن اعتذر إليك لأني أنا الذي أثرت آلامك وأحزانك، كلنا أيها المرشد العزيز نموت، ولا يبقى إلا وجه الله الكريم، وقد مات الأنبياء والأولياء والأحباء والأئمة والعلماء قبلنا فالموت نصيب الإنسان والمنية مورد كل حي.
فابتسم وقال: بلي قربان، خدا كفت، (كل نفس زائغة الموت) أي (كل نفس ذائقة الموت).
أني كنت ليلة أمس كالمجنون، فقد تذكرت والدي وأمي وزوجتي وبلدي شيراز ولهذا السبب أزعجتك كثيرا. وكانت المصيبة التي نزلت بي عظيمة جدا، وهي التي أخرجتني من أهلي ودفعتني إلى الدخول في طريقة الدراويش، فتغربت عن وطني أربعين عاما، قضيتها في التسول والتجول في إيران والهند والصين وسمى الاسم الأخير - حين ما حين - وبلخ وبخارى وهراة والغوغاس (كذا) والاسلامبول (كذا) والشام والبيروت (كذا) والمكة (كذا) ومدينة (كذا) وبقداد (كذا) وقد عانيت آلاما وأوجاعا وعذابات كالحبس والجلد والجوع
стр. 3126
والبرد والحر، وقد صاحبت خلال هذه السنوات أناسا كانوا اخبث من الشياطين والأبالسة، وعاشرت السفلة من الدراويش السفهاء فأهانوني وسرقوا أشيائي وحسدوني لأني احفظ منهم شعرا وأعذب منهم صوتا وكان المؤمنون يتصدقون علي. وكثيرا ما كنت ارجع عند المغرب وكشكولي مملوء دراهم.
خيلي نياز داشتم - كان محصولي كثيرا.
أي لعنت خدا بأن روي كه بدتر از روي إبليس بود لعنت بآن ناغلا، آن نامر، بي مذهب بي دين بي حيا!
إلا لعنة الله على ذلك الوجه الذي كان ابشع من وجه إبليس! إلا لعنة الله على ذلك الزنيم النغل الذي لا مذهب له ولا دين ولا حياء!
ماتت زوجتي فحزنت عليها، ثم مرضت وأصابني هزال ونحول!
بيمار أفتاده أم بدرم خيلي اطبا آورددوا دادند خوب نشدم تب لازم داشتم.
وقعت مريضا وقد جاء أبي بالأطباء. وصفوا لي علاجا فلم اكسب صحتي وكانت معي حمى ملازمة.
وقد أشار بعض أصدقاء أبي عليه أن يعرضني على درويش كان ظاهره يدل على إنه كان زاهدا تقيا دينا، فجاء به والدي فكتب لي أدعية لتحرق تحت ثيابي، وكان موسم الربيع وقد طاب الوقت، ورق النسيم، وبرزت براعم الأشجار واخضرت الاغصان، وتفتحت أكمام الورد والأزهار، وتغنت البلابل، فكانت شيراز جنة تجري من تحتها الأنهار فرجع إليّ قليلا من نشاطي وكان ذلك الدرويش الملعون يأخذني في كل صبح ومساء إلى البساتين والجنات والى الأرباض المحيطة بشيراز فكنا نجلس إلى الجداول الصغيرة ونتفيأ ظلال الأشجار الخضراء وكان ذلك الدرويش ذكي القلب، لبقا فتيق اللسان، أريحي الطبع، رقيق الصوت؛ بارعا في إيراد النكات حافظا للشعر؛ إلا إنه كان خبيث الروح، خداعا مكارا، طماعا، لا ذمة له ولا ضمير ولا وفآء. وكان ينشدني شعرا في مدح أمير المؤمنين وال الرسول؛ وقد صحبته شهرين متتابعين حتى تعلقت به ولم يكن في وسعي أن أفارقه يوما واحدا.
وكان أبي لا يبخل عليه بتومان (من نقود إيران) في كل ثلاثة أيام ذلك
стр. 3127
فضلا عن الثياب والطعام.
وكان ذلك الدرويش يقص علي أحاديث أسفاره وسياحاته وكان يحبب إليّ السفر ويحضني عليه ويرغبني في دخول سلك الدراويش حتى أقنعني. فاتفقنا على السفر على أن تكون وجهتنا مدينة الإمام المعصوم علي بن موسى الرضا أي خراسان.
ففاتحت ذات يوم والدي بالأمر وبينت له رغبتي في زيارة الإمام المذكور فأبى ورفض طلبي رفضا باتا؛ وكان يخشى علي من السفر ومن نوائب الدهر؛ فأشار علي الدرويش بأن أتظاهر بالمرض فلزمت فراشي بضعة أيام فتحير والدي في أمري وشاور صاحبي
الدرويش فأشار عليه أن يوافق علي سفري قائلا: أن ابنك على خطر.
اغا شيطون بود حرامزده بود - كان شيطانا وكان زنيما فرفض والدي طلبي وزجرني فدخلت ذات يوم غرفة أبي وسرقت منها مائة تومان فسافرت مع الدرويش تحت جنح الظلام ووصلنا خراسان ونزلنا في أحد الخانات. وكنت اصرف عليه من الدنانير التي كانت معي وكان يأخذني بعد زيارة الإمام كل يوم إلى محل يأوي إليه الدراويش فعرفني بهم ولاسيما (البير) فأخذوا دراهمي مني إذ قال لي (البير) إنه لا يجوز للدرويش أن يحتفظ بالدراهم. وجمع ذات يوم (البير) كل الدراويش وطبخ لهم (شاة قلندران) وبعد أن أكل الجميع امرني أن أتعرى فامتثلت الأمر وسكبوا على رأسي أربعة عشر طاسا من الماء البارد (آب قدرت) رمزا إلى الأربعة عشر معصوما. وقد زعم (البير) إنني تطهرت من الدنس والرجس الدنيوي ثم علمني (البير) تلاوة القصائد في مدح آل البيت بنغمة الدراويش وأعطاني قلنسوة (كلاها) وقدوما وكشكولا وبعد أن تمرنت وحفظت الأدعية وكيفية الاستجداء أخذني (البير) مرة إلى السوق ليمتحن صوتي وإلقائي وجرأتي فتجولت في أسواق خراسان وأزقتها منشدا شعرا في مدح الإمام علي بن موسى الرضا. فاجتمع علي الناس وملئوا كشكولي دراهم حتى أن أحد التجار نفحني تومانا واحدا لأن جودة صوتي
стр. 3128
وماء حسني الرقراق كانا يؤثران في نفوس القوم.
رجعت مساء إلى المأوى فاخذ (البير) جميع ما حصلته من الدراهم في ذلك النهار وأطعمني ما أطعم الدراويش فبقيت على تلك الحالة مدة شهرين، تعلمت في خلالها الأدعية والقصائد والأسرار وكان ذلك البير رجلا صالحا طيب القلب، عفيف النفس صمم يوما على السفر وشد الرحال إلى طهران وأناب في مكانه الدرويش الذي صحبني من شيراز إلى خراسان وكان رجلا ماكرا خبيثا يستعمل الأفيون.
رجعت مرة إلى الخان الذي يأوي إليه الدراويش. اغا در آن روز خيلي نياز داشتم، وكان محصولي كثيرا فأخذ ما كان معي من الدراهم. ولما جن الظلام جاء ذلك الماكر الملعون إلى غرفتي وجلس إلى جانبي واخذ يحادثني على عادته فشكوت إليه فراق أبي وأمي وأخي، فقال. وقد برقت عيناه من المحال أن ترجع إلى شيراز، أو تترك الدروشة وإن حدثتك نفسك بترك الطريقة تقتل لا محالة. وكان قد مضى الهزيع الثاني من الليل. وكان
الخان الذي يلجأ إليه الدراويش بعيدا عن البلدة نحو فرسخ واحد. وهو وقف أحد الأخيار على الفقراء وكان خاليا ليس فيه أحد سواي والدرويش ودرويش آخر كان مريضا يعاني سكرات الموت. وكان ذلك الدرويش اللعين نائما بجنبي وعند منتصف الليل انتبهت مذعورا إذ قد وجدته يدب إليّ.
ثم ضحك الدرويش (بي بروا) ضحكة الساخر المتهكم وقال: بدرسوخته خيلي بي بود. كان ابن المحروق قليل الحياء. . . ولهذا سئمت من البقاء معه وأخذت عروضي وخرجت بها من ذلك المأوى بعد أن ضربته ضربا وجيعا.
وذهبت توا إلى ضريح الإمام علي بن موسى الرضا (ع) ونمت عند عتبة الصحن الشريف مع الفقراء والمساكين ولما انبلج الصباح لجأت إلى داخل الضريح وصليت وصممت على السفر إلى بلدي شيراز فذهبت في الحال إلى السوق وبعت أدوات الدروشة مثل القدوم وابتعت ثيابا معتادة ورجعت إلى الصحن. ولما وصلت إلى عتبة المزار المقدس شعرت بضربة عصا غليظة على ظهري فنظرت وإذا الدرويش الذي أشبعته أمس لكما وضربا مع جندين وجمع من ذوي العمائم السوداء والبيضاء. فصاح الدرويش (بكريد إين كافر بابي را) أي (خذوا هذا الكافر
стр. 3129
البابي) فمسكني الجنديان وشدا وثاقي ثم انهال علي الناس يضربوني بعصيهم وأيديهم وأحذيتهم وحصبني الأطفال عند مروري في السوق وبعضهم كان يبصق في وجهي وكنت أصرخ واستغيث وأقسم الإيمان واغلظ في القسم متبرئا من البابية وليس من مجيب أو مغيث وكان أحدهم يصرخ: اقتلوا هذا الكافر الوقح والآخر يقول أحصبوا هذا الغراب، ارجموه بالحجارة حتى يموت وكانت الجموع تتدفق تدفق السيل لتنال الأجر من الله في ضربي وإهانتي. وفي أثناء هذا الهياج رأيت أحدهم يشق الصفوف حتى دنا مني وخاطب الجنديين والناس قائلا كفوا عن ضرب هذا الفتى وارحموا هذا المسلم إلا تسمعون إنه يتبرأ من البابية فلعل الذي وشى به كان كاذبا ثم قاله لهما: إنكما أن لم تمنعا الناس عن ضربه وظهرت براءته يصبكما عقاب من الحكومة: فضلا عن عقاب الله وسخطه فلما سمع الجنديان كلامه فرقا الجموع ومنعا الناس عن الدنو مني إلا أن ذلك الدرويش الملعون كان يصرخ بالويل والثبور ويركض تارة أمامي وطورا ورائي يلطم صدره ورأسه ويقول واد يناه! وامحمداه! واشريعتاه!
ساقني الجنديان إلى بيت أكبر عالم في طوس والناس يقتفون اثري ولما دخلت الدار شاهدت في فنائها نيفا وخمسين رجلا من المعممين وقد توسطهم رجل ذو عمامة بيضاء يلوح الوقار على سيمائه فعلمت إنه المجتهد فأسرعت نحوه وأكببت على يده اقبلها وقلت بأعلى صوتي (لا اله إلا الله محمد رسول الله علي ولي الله).
جناب اغاي آية الله حجة الإسلام والمسلمين من مسلم غريبم بابي نبستم سيعه أم الحمد لله.
أي: يا أية الله وحجة الإسلام والمسلمين أنا مسلم وغريب ولست بابيا أنا شيعي والحمد لله ثم انحنيت على رجله اقبلها وتلوت الشهادة مرات وكنت على وشك أن الفظ أنفاسي الأخيرة من شدة ألم الضرب الذي لحقني فأمر المجتهد أن احبس في بيته فأخذني الخدم إلى سرداب مظلم كادت الرطوبة تقوض أركانه وتهدم حيطانه وعند الظهر جاءني أحد الخدم ورفسني برجله وسبني ووضع أمامي كوزا من الماء ورغيفا من الخبز اليابس وصحنا فيه (آش) ولما كان
стр. 3130
المساء جاءني الخدم وقادوني إلى غرفة طويلة مؤثثة بالسجاد النفيس في صدرها المجتهد محفوفا بأعوانه المعممين فقبلت يده بأدب فامرني بالجلوس فجلست وأجهشت بالبكاء ثم لمحت شخصا مقيدا مغلولا جالسا في آخر الغرفة وقد بانت عليه آثار التعذيب والجلد وكان نحيفا مهزولا يئن أنينا خفيا ويردد أنفاسا سريعة فقال له المجتهد ألم تزل مصرا على ضلالك وغيك وكفرك وإلحادك فأجابه برباطة جأش أني مصر على يقيني واعتقادي الصحيح وعلى ديني وإيماني وانتم المصرون على ضلالكم وغيكم. ولما أتم كلامه ماج الجالسون وهاجوا وتطاير الشرر من عيونهم وصرخ المجتهد بخدمه وقال لهم (بزنيد سخت بزنيد) أي اضربوه اضربوه شديدا فجر ذلك البائس على وجهه والسياط تنوشه كوقع الصيصة في النسيج. أما هو فكان يكثر من النداء يا صاحب الزمان (بلى آغا دولت خيلي ضعيف بود حكم در دست مجتهدين وعمامه ها بود!) أي الدولة كانت ضعيفة والحكم كان بيد المجتهدين من ذوي العمائم!
وبعد برهة حول المجتهد وجهه نحوي وقال: بكو أي جوان شما هم بابى هستي - أي قل أيها الفتى أأنت أيضاً من البابية؟ فقلت له: وقد بكيت، معاذ الله يا مولاي أني مسلم موحد وشيعي مؤمن وأني لا أعرف البابية ولا أعلم بمعتقدهم ولم أعاشر أحدا منهم. ثم قصصت عليه قصتي من أولها إلى آخرها وكيف أغواني الدرويش وجاء بي إلى خراسان. وأراد
هتك عرضي إلى غير ذلك وقلت له: أن أبي اليوم في شيراز وانه ينتظر مجيئي فامرني المجتهد بأن اسب الباب والبابيين فامتثلت أمره فاعتقد بصدق ادعائي ورق لحالي وبينما كان على وشك أن يطلق سراحي قام أحد المعممين وهمس في إذن المجتهد بضع كلمات ما عتم أن تغير لونه وبدت على سيمائه آثار الغضب فأمر الخدم أن يرجعوني إلى السرداب. فبت ليلتي وقد تمشت الحمى في مفاصلي وعظامي وكنت أئن طول الليل أنين المحتضر.
وكانت الحكومة الإيرانية قد أطلقت للمجتهدين التعذيب والتنكيل بمن يشتبه به إنه من الطائفة البابية أو يشك في إنه ممن ينتمي إليهما فكان المجال فسيحا للمتعادين المتباغضين إذ يبطش أحدهم بالآخر وكان المجتهدون لا يترددون طرفة
стр. 3131
عين في إصدار فتوى تقضي بالموت على من ألصقت به هذه التهمة لذلك تفشت الوشايات فأريقت الدماء وأزهقت الأرواح وكثرت الضحايا وأصبحت البلاد في هرج ومرج وقد بات الناس خائفين على حياتهم مرتاعين من فتاوى المجتهدين الذين كانت أقلامهم أمضى من السيف إذ ذاك.
قلت للدرويش (بي بروا) هل تعرف شيئا عن البابية؟ قال: لا غير أني كنت ذات يوم أتسمع وعظ أحد الواعظين في صحن الإمام علي بن موسى الرضا (ع)، وكان يقول للسامعين أن البابية فجرة كفرة طغام وانهم جاحدون مارقون عن الدين وانهم يعتقدون بمذهب الحلول إلى غير ذلك، قلت له: أتعرف مذهب الحلول؟ فأجابني بالسلب.
شعر (بي بروا) بالتعب وتصبب جبينه عرقا، فانقطع عن الكلام، وقال لي سأحدثك ليلة غد بالبقية أن شاء الله وتركته في تلك الغرفة، فنام فيها ليلته وقد استيقظت في الصباح فلم أجده. وقد أعلمتني الخادمة إنه خرج قبيل الفجر من غير أن يفطر.
٢٠ تشرين الثاني
جاءني بي بروا في الساعة الثانية ونصف عربية من الليل فتعشينا معا ثم أشعل سيكارة واتكأ على الوسادة ونظر إليّ ويسراه تعبث بلحيته الطويلة وقال: بقيت في بيت المجتهد مسجونا نحو شهر واحد ثم جاء نفر من جنود الدولة وساقوني أنا مع ثلاثة آخرين إلى الحاكم فبقينا في سجن الدولة مدة أسبوعين لم يسألونا شيئا ولم يطلبونا إلى الاستجواب والاستنطاق ثم نفيا مخفورين إلى مدينة (شروان).
درراه خيلي زحمت كشيديم مارا شلاق زدند.
لقد عانينا المشقات في الطريق فقد ضربونا بالسياط، جئنا إلى شروان وجلسنا فيها مدة ستة أشهر ثم نفينا إلى مدينة (رشت) وحبسنا فيها مدة تقارب السنتين. ثم أخذنا إلى طهران وبقينا في حبس الحكومة سنة واحدة وأطلق سراحي يوما على غفلة فتجولت في طهران وأنا لا املك قطميرا فراجعت (شواء) توسمت فيه الخير والصلاح وقصصت عليه حديثي من أوله إلى آخره فرق
стр. 3132
لحالي واستخدمني في حانوته وكان ينفحني في كل يوم قرانا واحدا عدا الطعام والمنام وبقيت عند الرجل مدة تقارب ستة أشهر أرسلت خلالها بعدة مكاتيب إلى والدي في شيراز إلا أني لم أتلق منه جوابا فشعرت يوما كان القيامة قامت في طهران وإن الأرض تميد ميدا والناس يموج بعضهم أثر بعض فلما تحققت الخبر علمت أن أحد البابية قتل ناصر الدين شاه في مزار الشاه عبد العظيم وقد انبث الجند في طهران يقبضون على كل من يشك فيه أو يشتبه به إنه من البابية فأحسست بالشر وعلمت انهم قابضون علي لا محالة فاضطربت كثيرا إذ تراءى لي شبح المنون فأيقنت بالموت. فبكيت طول يومي.
وفي المساء أعطاني ذلك (الشواء) الطيب القلب عشرين قرانا وقال لي: انج بنفسك فخرجت من المدينة خائفا أترقب لا الوي على شيء والمدينة في هول عظيم.
وضعت على رأسي عمامة خضراء لأوهم الناس بأنني من السادة العلويين ولأدفع عن نفسي الأذى وطفقت انتقل من قرية إلى قرية، ومن بلد إلى آخر، هائما على وجهي وكنت أتعيش من (فتح الفال). وبقيت على هذه الحالة مدة ثلاث سنوات حتى وصلت إلى مدينة (اصفهان) فشاهدت أثناء دخولي البلدة جماعة من اليهود قد رجعوا إلى المدينة وقد دفنوا ميتا لهم ورأيت جماعات من الأطفال وبعض الرجال يركضون وراءهم، يضربونهم بالحجارة فبقيت في اصفهان مدة سنة واحدة وكنت اشتغل كعامل في قهوة. وهناك تعلمت النفخ بالناي وبعد هذه السنة حصل لدي مبلغ غير يسير من الدراهم فشددت الرحال إلى شيراز - وكنت أتلهف شوقا إلى رؤية والدي وأمي - فوصلتها. . . وهنا ارتعد الدرويش (بي بروا) وامتقع لونه وارتجفت لحيته، ثم قال: وقد سألت العبرات من عينيه:
جه عرض كنم اغا. ماذا أعرض لك يا سيدي، علمت أن والدي ذهب إلى طوس ليبحث عني فمات فيها أسفا على فراقي وإن أخي الصغير مات وإن أمي هلكت كمدا وإن المجتهد
في شيراز وضع يده على أموال أبي وبيته. فراجعت ذلك العالم وطلبت إليه أن يسلمني أموال والدي وبيته فابرز لي ورقة
стр. 3133
وقال أن والدك جعلني وصيا على ثلث ماله، وإما الباقي من تركته فقد صرفتها على الفقراء حيث لم يظهر وارث لتركته. فراجعت حاكم المدينة مع ثلة من التجار فقال لي إنه لا يتعرض لشؤون العلماء فرجعت يائسا ثم ذهبت إلى ذلك المجتهد مرة أخرى وتذللت بين يديه وشكوت له حالي. وبثثت له آلامي فلم يرق لي وطردني من بيته طرد الكلاب. هكذا يا مولاي أغواني ذلك الدرويش السفيه الخبيث، وهكذا فجعني الدهر بأمي وأبي وأخي وهكذا اغتصب العلماء مالي وملكي وجعلوني مشردا أهيم على وجهي في أرض الله، أبيت تارة طاوي أحشائي جوعا، ومرة أنام في الأزقة والشوارع. وقد شاء القضاء أن تكون حرفتي الاستجداء ومهنتي التسول. وقد تربيت في أحضان العز والدلال وكنت من ذوي الرفاه والجاه. وأنا اليوم في حاجة إلى قطمير وقد أصبح مصيري بئس المصير، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وإذا أصابتكم مصيبة قولوا أنا لله وأنا إليه راجعون. . .
أن هذه المصائب والفجائع والكوارث التي ألمت بي أشعلت في كبدي نار الأسى فصممت على أن أخرج من شيراز إلى بلاد أخرى فذهبت إلى بوشهر ومن هناك ركبت باخرة إلى الهند فصادفت أناسا طيبين في الباخرة وبينهم رجلا كان روضيا (روضه خوان) فعلمني قراءة مآتم الحسين (ع) وبعد ذلك وصلت إلى مدينة بومبي.
اغا هند أم العجائب است، جمعي كاورا ميبر ستندة، قومي آتش واميمر ستند هندوها مردهاي خود شانرا بآتش ميسو زانند حيز هاي عجيب وغريب در هند ديدم. سيدي الهند أم العجائب فيها أناس يعبدون البقر وقوم يعبدون النار والهنادكة (الهندو) يحرقون أمواتهم في النار. شاهدت في الهند أمورا عجيبة غريبة يعجز اللسان عن ذكرها.
وقد وجدت في الهند جماعات من الدراويش الفقراء وهم على جانب عظيم من الزهد والورع؛ ولم أصادف نصبا ولا أذى، وقد جلت في أكثر مدنها مثل دهلي وكجرات ومدراس وغيرها: ثم سافرت إلى حين وما حين - يريد بذلك
стр. 3134
الصين ومن اعجب ما شاهدته في هذه البلاد هو أن الصينيات يحبسن أرجلهن في قوالب من حديد لكي تبقى صغيرة وعند الصينيين أن من الجمال الرائع أن تكون الأرجل صغيرة ومن الصعب أن
يفرق الإنسان الرجل من المرأة هناك لأن الرجل يرسل شعره المضفور على كتفيه كالمرأة وهم يستعملون الترياق (الأفيون) ثم رجعت من هناك إلى بلوجستان فأفغانستان فالقوقاس، وزرت مدينة قونية وفيها قبر الصوفي الكبير مولانا جلال الدين الرومي الشاعر وحضرت (ذكر المولوية) وهم يدورون على أنفسهم على نغمات الناي والقيثارة ثم ذهبت إلى اسلامبول وهي اجمل مدينة شاهدتها في أسفاري ثم اشتقت إلى أن أحج بيت الله الحرام وإن ازور قبر الرسول الأعظم فشددت الرحال إلى مكة فمررت بحلب والشام والقدس الشريف. وبعد أداء فرض الحج وزيارة الرسول قفلت راجعا إلى إيران. وفي أيام الحرب جئت إلى الشام فبيروت وقد أصبت بأذى فيها كما حدثتك قبل هذا وعدت إلى إيران ومنها جئت إلى (كربلاء).
ثم تنهد الدرويش (بي بروا) طويلا وقال بلهجة المتألم الحزين: هذه حياتي وهكذا قدر علي أن أعيش متسولا فقيرا مشردا في أرض الله الطويلة العريضة وأنا اليوم اعدد ساعاتي وانتظر الموت ولست أدري بأي صورة يداهمني الحمام أاقبر في مقابر المسلمين أم أموت عطشا وجوعا في الصحارى أم أكون طعمة للنيران أم فريسة للوحوش. ثم اندفع يتغنى:
أي آنكه زهيجم بوجود آوردي ... وز سوي عمايم بشهود آوردي
نه نفع زطاعتم نه خسران كناه ... در سوق جهانم بحه سور آوردي
أي - يا إلهي الذي جاء بي من العدم إلى الوجود ومن العالم المعمى الغامض إلى عالم المشاهدة أنت يا الهي غير منتفع من إطاعتي لك وغير خاسر من ذنبي فلأي جئت بي إلى سوق هذه الحياة؟
قلت للدرويش (بي بروا) كيف كنت تحصل قوتك في أسفارك الطويلة قال تارة انشد الشعر في الأزقة والأسواق واستجدي من الناس والناس لا يبخلون علي بشيء من الصدقات. وطورا أصير (فتاح فال) واخرج لي من جرابه كتابا
стр. 3135
أكل الدهر عليه وشرب في (الفال) وبعضا اقرأ مأتم الحسين (ع) وأخرى اطبب في القرى الصغيرة. قلت له: أنت تجهل الطبابة وربما أعطيت مريضا دواء أهلكه أفلا تخشى الله في عملك هذا؟ قال: أن الأدوية التي أصفها للمرضى معلومة وتفيد ولا تضر وهي: سنامكي وبنفشه (بنفسج) وكل كلب زبون أي ورد لسان الثور.
٢١تشرين الثاني
اجتمع عندي في هذه الليلة بعض أنباء الأشراف وعرفتهم بالدرويش (بي بروا) وكان نتطارد في الشعر. وحفظ الشعر هو ما يتفاخر به أبناء النبلاء في كربلاء والبليد الأحمق في نظرهم من لا يستظهر طائفة من القصائد العربية وتلاوته فاكهتهم في مجالسهم التي يعقدونها.
وبينما كنا نتلو شعرا كان الدرويش يكتب شيئا في دفتره الصغير ثم نظر إلينا وقد ابتسم ثغره وقال: آقايان من هم شعر درست كردم بشنويد أي سادتي أني أيضاً نظمت شعرا فاسمعوا. وقرأ لنا بنغمته الرقيقة المشجية أبياتا أضحكت الحاضرين وهي:
أنا الدرويش بي بروا ... احب النان والحلوى
حليف الهم والبلوى ... أريد المن والسلوى
ثم أخرج النأي من جرابه وكان يعزف به عزفا مشجيا إلى أن مضى هزيع من الليل فانصرف الحاضرون ونام الدرويش ولما كان الصباح فطرنا معا وبعد ذلك انحنى الدرويش على يدي يريد تقبيلها وقال بلهجة المتمن: أشكرك يا ولدي ونور عيني فقد شاهدت منك لطفا وكرما عظيمين وأني اليوم عازم على السفر إلى إيران وأني سأدعو لك في صلواتي وتعبداتي وأرجو الله أن يطيل في عمرك وإن يبارك في رزقك وإن يوفقك.
فشكرت الدرويش وطلبت إليه أن يبقى عندي فاعتذر، فأعطيته شيئا من الدراهم وزودته بمتاع فودعني وسافر ولست أدري ما فعل الدهر به. فأسعده الله أن كان حيا يرزق ورحمه الله أن كان ميتا ملحودا!
أحمد حامد الصراف
стр. 3136
أرجوحة الأبطال
ذكر صاحب جريدة الزمان بين يدي الزهاوي شابا غض الإهاب أمر بشنقه جمال باشا السفاح، وكان أول عبارة خرجت من فم المحكوم عليه: (إذا كان لابد للاستقلال من أن يشيد على جماجم الرجال، فمرحبا بك يا أرجوحة الأبطال) وبمثل هذه الفكرة تقدم إلى
العود (عمر حمد) الذي مضت كلمته مضي المثل. فأخذ زهاوينا هذه العبارة وأفرغها في قالب بديع المعنى، والمبنى جدير بأن يقف على حسنه كل مغرم بشعر العصر، قال:
(ل. ع)
يخاطب (المشنقة)
فيك أهتز فارحا بالمعالي ... مرحبا (يا أرجوحة الأبطال)
أن في الموت للبقاء جلالا ... أنت تعلين بي لذاك الجلال
ارفعيني إليك ثم ذريني ... أتدلى معلقا بالحبال
أمل أنت لي وليس ببدع ... أن يكون الردى من الآمال
قد طلبت الهدى لنفسي عمرا ... ثم أني وجدته في ضلالي
حلمي كنت في هجوعي بليل ... ولدي يقظتي نهارا خيالي
ولأنت اليوم الحقيقة في رو ... عتها من قرب أراها حيالي
أنت بين الجمهور مرفوعة لي ... ولأفراد جاهدوا أمثالي
كلما زدتني أذى زدت فخرا ... لا تكوني رحيمة في اغتيالي
أنت تولينني البقاء فسحقا ... للألى يزعمون فيك زوالي
أنت من واحد لتضحية بالنفس ... للآخرين خير مثال
أنت مأساة الشعب أجمع بعدي ... أنت ذكرى التاريخ والأجيال
حبذا الوعد والوفاء به لي ... بعد شحط النوى وطول المطال
أنا راض بأن ألاقي حتفي ... في سبيل الحياة للأنسال
لا أخاف الأيام في جدثي تس ... ود حتى تكون مثل الليالي
إنما الموت للحياة جدير عند كل الأقوام بالإجلال
سيري الناس إنني حين أعلو ... ك شجاع بالموت غير مبال
стр. 3137
وكأني عليك بعد قليل ... لم أكن للرأي سوى تمثال
لم يكن حين أبصرتك عيوني ... بغتتة من مخافة إجفالي
بل تذكرت أنني لم أصافح ... بعد أصحابي للفراق وآلي
لم أودع شمس النهار التي أحببت ... ها في الغدو والآصال
جميل صدقي الزهاوي
الحاج السيد إبراهيم السبزواري
هو الحاج السيد إبراهيم بن معصوم بن إبراهيم، وينتهي نسبه إلى علي العريضي (بالتصغير والنسبة) ابن الإمام جعفر الصادق.
ولد في ٣ رجب سنة ١٢٨٢هـ (الموافق ١٣ تشرين الثاني سنة ١٨٦٥م) بسبزوار ونشأ فيها كما درس فيها العلوم العربية وغيرها.
وفي سنة ١٣١٠هـ (١٨٩٢م) زار مكة والمدينة والأستانة وغيرها من البلاد الشهيرة في التاريخ.
وفي سنة ١٣١١هـ قدم العراق من الحج وسكن الكاظمية وحضر محاضرات الشيخ محمد تقي آل الشيخ أسد الله، ثم هاجر إلى النجف وتتلمذ لبعض العلماء الأعلام كالشيخ الملا محمد كاظم الخراساني، والسيد كاظم البزدي والحاج الميرزا حسن الميزرا خليل؛ ثم عاد إلى الكاظمية ولبث فيها إلى المحرم من سنة ١٣٢٦هـ (١٩٠٨م) فشد رحاله إلى إيران، وبقي بسبزواز مدة سنة وفيها رزق ولده السيد محمد مهدي العلوي الذي ترجمناه سابقا (٦: ٣٢).
وفي سنة ١٣٢٧هـ عاد إلى العراق وبقي فيها إلى سنة ١٣٤٠هـ (١٩٢١م) فرجع فيها إلى سبزوار، وهو اليوم مقيم فيها.
وله كتاب في بعض الأدعية المأثورة وحواش على كتاب المختصر المنافع في الفقه، (وكلاهما مخطوط).
السجاجة
في البستان: (أتانا بضيحة سجاجة ترى سود (كذا) الماء في حيفها) فسجاجة هنا بدل، إلا أن يكونوا بالسجاجة (كذا) لأنها في معنى مخلوط (كذا) فتكون على هذا لعثا. أهـ. قلنا: والصواب: سواد الماء. . . إلا أن يكونوا وصفوا. . . معنى مخلوطة. . .
стр. 3138
الكاكائية
١ - من هم؟
الكاكائية طائفة خفية المعتقد والمذهب؛ مبثوثة في كركوك وأنحائها ولهذا لم يذكر وجودهم أحد من الكتبة والمؤرخين لأنهم يخفون رأيهم الديني على كل إنسان ويتظاهرون بالإسلام في موضع يكون أكثر سكانه مسلمين، ويتظاهرون بالنصرانية في المواطن التي يكثر فيها المسيحيون.
٢ - أسرار معتقدهم
لا يبيحون بأسرارهم لأحد، والذي عرفته من رجل زارني في شهر حزيران من سنة ١٨٩٦ وصبأ إلى النصرانية انهم لا يعتقدون (بنبوة ابن عبد الله). هكذا نطق باسم النبي الحنيف (سعود بن جمو)، وهو الذي توفي في قرية واقعة على الزاب الأكبر قبل نحو سبع سنوات، وكان قد وقف على حقائق كثيرة من الأديان الشهيرة في شمالي العراق لمخالطته بعض الناس المتأدبين منذ صغر سنه. قال: ولا يعتقد أجدادي بالصحابة ولا بأئمة المسلمين من أقدمين ومحدثين: - ثم عدد لي أسماء بعض الصحابة والأئمة وأصحاب المذاهب الأربعة ولا حاجة إلى سردها. كما أنهم لا يؤمنون بالقرآن ولا يأخذون بشيء من الحديث والخبر وإن كانوا يطوون أيامهم بين ظهراني أصحاب الدين الحنيف.
وهم يعتقدون أن الإله واحد إلا إنه يظهر في ثلاثة مظاهر: كبير ووسط وصغير فهم ثلاثة في واحد وواحد في ثلاثة، وإن الروح القدس خلق مريم العذارء (كذا) بواسطة جبريل (كذا) وتحت هؤلاء الثلاثة أربعة وزراء ولكل وزير سطوة أو سلطة خاصة به ولأولئك الوزراء الأربعة مسيطرون وعددهم سبعة، ولهؤلاء المسيطرين السبعة منفذون لأحكامهم وعددهم اثنا عشر وقد اتفقوا جميعا على أن يرسلوا إلى العالم الأدنى رجلا زودوه بجميع القوى العقلية والجسدية وهو موسى. وهم يعظمونه أشد التعظيم ويحلفون به ويضعونه فوق جميع الأنبياء ويعتقدون بأنه المسيح (كذا بهذا الخبط والخلط).
стр. 3139
٣ - الحلال والحرام عندهم وبعض من قرباتهم
يحرمون أشياء عديدة كما يحرمها النصارى ولاسيما ما أملاه الضمير على صاحبه ويبيحون شرب الخمر وأكل لحم الخنزير ولا يحرمون على المرء ما استطابه ذوقه أو قبلته معدته.
وهم يصومون أربعين يوما ينقطعون فيها عن أكل اللحم ولهم ما عدا ذلك ثلاثة أيام صوم في أوان الشتاء. وبعد ثلاثة أيام من صومهم يذبحون دجاجة بيضاء وبعد أن يسلقوها أحسن سلق يقلونها في السمن (الدهن) ويأكلونها مع خبز رقاق (وهو خبز مستدير دقيق يفتحون عجينته بشوبك) ويكون دقيقه من اخلص الحنطة وابيض اللون. ولا يجسرون على أن يأكلوا منه إلا من بعد أن يصلي عليه رئيسهم الروحاني الديني ويوزعه هو بيده عليهم ولا تحضر النساء حين هذا التوزيع ولا يفرق الرئيس بين كبير وصغير بين خادم ومخدوم ويسمون هذه الحفلة بكلمة عربية هي (اللقمة).
ومن أعمالهم الدينية: الاعتراف فهم يقرون بذنوبهم وبكل ما ارتكبوه بتذلل وخشوع ويقرعون صدورهم ويكونون بين يدي رئيسهم الديني كالمجرم بين يدي الحاكم عليه بالعقاب ويفرض عليهم ما يفون به ذمتهم.
وعندهم صلوات خاصة تعرف عندهم باسم عربي أيضاً هو (تصرعات) يبتهلون بها إلى الله فيرفعون رؤوسهم إلى السماء ويبسطون أكفهم إليها ناظرين إليها نظرهم إلى رجل أهانوه ويستمدون منه العفو والصفح.
وهم لا يتجهون إلى (القبلة) وليس لهم صلوات خمس كما لا يعرفون (الآذان) ولا يتوضئون قبل صلاتهم.
وهم يحبون النصارى كل الحب ولا يكرهون اليهود. ولا يودون التقرب من المسلمين لكنهم يخافون بطشهم فيعاملونهم بالحسنى حفظا لحياتهم وتدبيرا لشؤونهم. وهم لا يزوجون بناتهم المسلمين وإن كان بعض المسلمين يزوجون بناتهم رجالهم. ويوم الزفاف عندهم من أهم أيام حياتهم ويقيمون أفراحا لا يقيمون مثلها في أي فرصة كانت، ورقصهم وأغانيهم وملاهيهم على ابسط ما يكون.
стр. 3140
٤ - لسانهم
لسانهم هو لسان أهل البلاد التي يكونون فيها فالذين يسكنون كركوك يتكلمون بالتركية وفي ديار الكرد: الكردية وفي ربوع العرب: العربية؛ إلا أن لهم لسانا خاصا بهم لا يعرفه غيرهم ولا يتكلمون به بين يدي من يجهله وهو كلسان العصافير ويستعملونه لحفظ أسرارهم من الفشو.
٥ - أسماؤهم
عند جميع الأكراد المنتشرين في الموصل وكركوك وسليمانية وتلك الأرجاء أسماء مصوغة صيغة خاصة بهم غير معروفة في غير تلك الأنحاء. وقولي (جميع الأكراد) يشمل جميعهم، مهما كان دينهم ومذهبهم، حتى أن تلك الصيغة معروفة عند المسلمين والنصارى أنفسهم وتلك الصيغة هي وزن (فعو) أي بفتح الأول وتشديد الثاني المضموم وفي الآخر واو ساكنة. فيفرغون جميع الأعلام في ذلك القالب فيقولون في محمد وعلي وحسن (أو حسين) وسعيد وجميل ويوسف وعبد الله: حمو وعلو وحسو وسعو وجمو واسو (لا يسو) وعبو إلى غيرها. فإذا سمعت بلفظة مفرغة في تلك الصيغة فاعلم أن اصله من الموصل أو من تلك الأرجاء وليس من ربوع أخرى. فأحفظه.
٦ - كتبهم الدينية
عندهم الزبور على ما هي موجودة في أيدي النصارى؛ وعندهم كتب دينية خاصة بهم. لا تشبه كتب أصحاب سائر الأديان ولا يمكن أن يتوصل إليها أحد مهما بذل من الأموال لشرائها.
٧ - عددهم ومواطن وجودهم
يدعون أن عددهم يبلغ ثلاثة ملايين. ولا جرم أن هذا العدد مبالغ فيه كل المبالغة ولعل عددهم الحقيقي لا يجاوز العشرين ألفا.
ففي كركوك نحو ٦٠ بيتا وهم في محلة الجاي.
стр. 3141
وفي أنحاء دقوقاء (طاووق) نحو ٥٤٠ بيتا. أي إنك تجد منهم في (عرب كوي) و (زنقير) و (علي سراي) و (طوبو زاوه).
ومنهم من هم في جوار قرى دزديي على نهر الزاب نحو ٤٨٠ بيتا.
وفي خانقين وأطرافها نحو ٥٦٠ بيتا.
وما بقي منهم مبثوثون في السليمانية وما جاورها من القرى والدساكر، ومنهم شيء قليل في بغداد. ويقولون أنهم كثيرون في خارج بلاد العراق أي في الأستانة وإيران وروسية والهند والصين إلى غيرها من البلاد النائية.
٨ - نسب كبيرهم في الدين
يزعم كبيرهم الديني أن نسبه يتصل بمنصور الحلاج ويسمونه (منصور بردار) ومعنى بردار: على الخشبة، لأنه صلب عليها. وكان يقول: (أنا الحق) فلما سمعه بعضهم كفروه وحكموا عليه بالصلب. ويقول هذا الرئيس أن الحلاج المذكور كان الرئيس الأكبر لطائفتنا في عهده وهو الذي كان موزع (اللقمة). وكان صلبه في ٢٤ ذي القعدة سنة ٣٠٩هـ (أي ٢٦ آذار ٩٢٢م) فيكون قد مضى على رئيسهم الأكبر أكثر من ألف سنة وتزعم الكاكائية أن نصف سكان بغداد كانوا على مذهبهم (كذا) إلا أن تشديد غيرهم عليهم ممن لم يكونوا على معتقداتهم دفع كثيرين إلى إنكار ديانتهم ومالوا إلى المذاهب أو الأديان الأخرى فاختاروا النصرانية على كل دين سواه.
واليوم أكبر شعراء كركوك بالتركية والفارسية معا هو دده محمود هجري أفندي وهو يدير جريدة كركوك الحالية ورئيس تحريرها، ويلقب بدده لأن (دده) كلمة فارسية معناها الجد وبعضهم يقول بابا ويلقب به كل كبير في الدين ويرى تحت أمره سائر الزعماء فهو مثل شيخ الإسلام عند المسلمين وكالباب عند النصارى. ويعرف عند الغير (بموزع اللقمة).
٩ - رأينا في أصلهم ومعتقدهم
في أنحاء الموصل وكركوك وسنجار وما يجاورها فرق دينية مختلفة لا تكاد تجدها في بلاد أخرى، حتى أن مذاهب المسلمين المبثوثين في تلك الأصقاع
стр. 3142
تختلف مذاهبهم ومعتقداتهم عن أصحاب تلك النحل في سائر الديار وهذا الاختلاف يعود إلى طبيعة البلاد فأنها جبلية وقد تناوب عليها أصحاب الأديان القديمة والعناصر المتباينة. وقد أبقى كل عنصر وكل معتقد وكل مذهب شيئا من بقاياه، فإن قلت أن الأمة الفلانية أو الفرقة الفلانية أو النحلة الفلانية هي كردية أو فارسية أو سريانية أو عربية أخطأت كل الخطأ. وكذا القول في
المذاهب فإنها كلها غريبة. وفي كل من أولئك الأقوام وكل مذهب من تلك المذاهب وفي لسان كل من تلك الأجيال بقايا قد اختلط بعضها ببعض حتى إنه ليستحيل على كل عاقل الوصول إلى قرار الحقيقة والذي يحاول البلوغ إليه يطلب المحال.
ففي عنصر الكاكائية ترى سحنات مختلفة تترد بين سحنة الكردي والتركي والفارسي والعربي والآرامي والأرمني. وكذلك قل عن لغتهم ففيها ألفاظ من جميع هذه اللغات المتضاربة الأصول البعيدة المنازع في لغات أخرى، وإما المذهب أو الدين أو النحلة أو ما تريد أن تسميه من الأسماء فإنه مجتمع معتقدات قديمة وحديثة لا صلة تصل بعضها ببعض ولا جامعة تجمع بعضها إلى بعض فترى فيها شيئا من المزدكية وبعض النصرانية وفيها من اليهودية وجزءا من الإسلامية. وإن كانوا يقولون لا نقر بشيء منها. وعندهم طائفة من آراء الفرق السرية كما عندهم رموز يتعارفون بها وألفاظ لا يبوحون بها إلى غير إخوانهم وحينما عرفوا أن بين الأتراك الجدد أخوانا ماصونا (أو فرماصونا) حاولوا الانخراط في سلكهم، لكن لم يتيسر لهم ذلك لأن الحرب حالت دون تحقيق أمنيتهم.
ثم أن لفظة كاكائي ليست أسم قبيلة أو أمة أو قوم أو بلد، إنما هي لفظة كردية فارسية الأصل معناها: الأخ. فقالوا في واحدها العائد إلى هذه الجمعية السرية كاكايا على الطريقة الارمية ومنهم من يلفظها كاكايي مفردا وجمعا. فانظر كيف جمعوا في لفظة واحدة الفارسية والآرامية وهم يريدون بذلك (الأخ في المذهب) أو كما يقول الفرنسيون فيكون معنى كاكائية أو
١٠ - أنباؤنا
هذه الأنباء أو المعلومات - كما يقول بعضهم - أخذناها في أول الأمر
стр. 3143
من سعو بن جمو - لكننا ارتبنا في صحتها. لأننا قلنا: لعله يفيدنا بهذه الإفادات بلوغا إلى غاية نجهلها الآن، ولا تتضح لنا إلا في ما بعد ثم قلنا: لعله يوهمنا ليحملنا على اعتقاد أشياء لا حقيقة لها في ذاتها. ولهذا أخذنا نبحث عن رجل آخر يفيدنا عن حقيقة ما سمعناه. فمضى على تلك المدونات نحو أربع سنوات واتفق إننا عرفنا كاكائيا آخر فكلمناه فزاد شيئا عليها، لكنه لم ينكر علينا واحدة منها وإن لم نكن نذكر له شيئا مما كنا سمعناه. بل كنا نلقي عليه أسئلة فكان يجاوبنا عليها وكنا ندونها أمامه بلا خوف، لأنه كان أديبا فاضلا.
ثم عرفنا ثالثا كان جاء إلى بغداد ليبيع شققا من البسط، وكان قد سمع بأننا في حاجة إلى عدد منها؛ فجاء بها إلينا فسألناه عن وطنه واصله ولغته ومذهبه فقال إنه (كاكائي) فقلنا له: وما تريد بذلك؟ إلى آخر الأسئلة، فكانت أجوبته تقوي ما كنا قد نقلناه عن أخويه. والرجل حي يرزق وهو الآن في جهة سليمانية.
١١ - الخلاصة
الكاكائية فرقة دينية منتشرة في أنحاء كركوك منذ قديم العهد، ولها أسرار غامضة لا يبوح أصحابها بها إلى غير إخوانهم، ولهم ألفاظ خاصة بهم يتعارفون بها وكان أبناؤها سابقا من عناصر مختلفة؛ أما اليوم فأجل عنصر فيها هو الكردي.
وسميت بهذا الاسم لأن (كاكا) بالفارسية هو ألام الأكبر - وللأخ الأكبر عند الشرقيين اعتبار خاص في الأسرة يتميز به عن سائر اخوته الأصغرين وذلك لأن الأب كان يبوح لابنه البكر فقط بأسراره الخاصة به وبالأسرة فكان الولد الأكبر مستودع الأسرار، والغنى، والشرف، والمجد، والقوة، والسؤدد، وهو ما يرى إلى اليوم في تلك الأرجاء.
وكان الأب يعد ابنه في حياته لهذه الغاية ومسألة انتقال أمور المملكة إلى البكر غير مجهولة في ديار الغرب نفسها، بل كان البكر في حياة أبيه ينوب هو عنه في غيابه دون سواه. وأبناء الشرق يحافظون على عاداتهم الموروثة عن آبائهم الأقدمين إلى عهدنا هذا وإن كان هذا الأمر لا يرى في جميع هذه الديار بصورة واحدة.
стр. 3144
رثاء الدكتور صروف
كنا نشرنا في المجلد الخامس من (لغة العرب) رثاء الدكتور أبي شادي للعلامة الدكتور صروف عميد (المقتطف)، ثم قصيدته الكبرى التي نظمها لحفلة التأبين. وعقبنا على ذلك بكلمة نقد صريحة حققت الأيام صدقها. وإن أدهشت بعض القراء الذين لم يقفوا مثلنا على تيار الحركة الأدبية في مصر. ونحن نأسف لذلك، وكنا نتمنى أن نكون مخطئين، حتى لا يصدق دائما على الأقطار العربية أن نوابغها غرباء فيها، وإن أكثر ما تعتمد عليه الشهرة فيها هو المال أو النفوذ الاجتماعي. ونحن ننشر اليوم للمقارنة الأدبية النقدية قصيدة أحمد شوقي بك الشاعر المعروف، حتى يقارنها القراء بما سبق لنا نشره. تاركين لهم الحكم المستقل، وإن كنا واثقين من انتصارهم لآرائنا النقدية. وبعد هذا إلا ترى زميلتنا (العصور) أننا وغيرنا من مقدري الدكتور أبي شادي معذورون على مقابلة هذا الجحود لأدبه فضلا عن التحامل عليه بإعلان تقديرنا لأثاره ومواهبه؟! وهذا هو شعور أصدقائنا المستشرقين أيضاً.
قصيدة شوقي بك
سماؤك يا دنيا خداع سراب ... وأرضك عمران وشيك خراب
وما أنت إلا جيفة طال حولها ... قيام ضباع أو قعود ذئاب
وكم ألجأ الجوع الأسود فأقبلت ... عليك بظفر لم يعف وناب
قعدت من الإظعان في مقطع السرى ... ومروا ركابا في غبار ركاب
وجدت عليهم في الوداع بساخر ... من اللحظ عن ميت الأحبة نابي
أقاموا فلم يؤنسك حاضر صحبة ... ومالوا فلم تستوحشي لغياب
تسوقين للموت البنين كقائد ... يرى الجيش خلقا هينا كذباب
رأى الحرب سلطانا له وسلامه ... وان آذنت أجناده بتباب
ولولا غرور في لبانك لم يجد ... بنوك مذاق الضر شهد رضاب
ولا كنت للأعمى مشاهد فتنة ... وللمقعد العاني مجال وثاب
стр. 3145
ولا ضل رأي الناشئ الغر في الصبا ... ولا كر بعد الفرصة المتصابي
ولا حسب الحفار للموت بعدما ... بنى بيديه القبر ألف حساب
يقولون يرثي كل خل وصاحب ... أجل إنما أقضي حقوق صحابي
جزيتهمو دمعي فلما جرى المدى ... جعلت عيون الشعر حسن ثوابي
كفى بذرى الأعواد منبر واعظ ... وبالمستقليها لسان صواب
دعوتك يا يعقوب من منزل البلى ... ولولا المنايا ما تركت جوابي
أذكرك الدنيا وكيف لم تنل ... لها أثرا شهد بفيك وصاب
حملنا إليك الغار بالأمس ناضرا ... وسقنا كتاب الحمد تلو كتاب
وما انفكت الدنيا وإن قل لبثها ... لسان ثواب أو لسان عقاب
إلا في سبيل العلم خمسون حجة ... مضت بين تعليم وبين طلاب
قطعت طوالى ليلها ونهارها ... بآمال نفس في الكمال رغاب
رأى الله أن يلقى إليك صحيفة ... فنزهتها عن هوشة وكذاب
ولم تتخذها آلة الحقد والهوى ... ولا منتدى لغو وسوق سباب
مشينا بنوري علمها وبيانها ... فلم نسر إلا في شعاع شهاب
وعشنا بها جبلين قمت عليهما ... معلم نشء أو أمام شباب
رسائل من عفو الكلام كأنها ... حواشي عيون في التروس عذاب
هي المحض لا يشقى به ابن تيمية ... غذاء ولا يشقى به ابن خضاب
سهول من الفصحى وقفت بها الهوى ... على ما لديها من ربى وهضاب
وما ضعت بين الشرق والغرب مشية ... كما قيل في الأمثال حجل غراب
فلم أر أنقى منك سمعة ناقل ... إذا وسم النقل الرجال بعاب
وكم أخذ القول السري معرب ... فما رده لأسم ولا لنصاب
وفدت على الفصحى بخيرات غيرها ... فوالله ما ضاقت مناكب باب
وقد ما دنت يونان منها وفارس ... وروما فحلوا في فسيح رحاب
تبتلت للعلم الشريف كأنه ... حقيقة توحيد وأنت صحابي
وجشمت ميدان السياسة فارسا ... وكل جواد في السياسة كأبي
وكنا ونمر في شغاب فلم يزل ... بنا الدهر حتى فض كل شغاب
стр. 3146
رأى الثورة الكبرى فسل يراعه ... بتحطيم أغلال وفك رقاب
وما الشرق إلا أسرة أو عشيرة ... تلم بنيها عند كل مصاب
سلام على شيخ الشيوخ ورحمة ... تحدر من أعطاف كل سحاب
ورفاف ريحان روح ويغتدي ... على طيبات في الخلال رطاب
وذكرى وإن لم ننس عهدك ساعة ... وشوق وإن لم نفتكر بإياب
وويح السوافي هل عرضن على البلى ... جبينك أم سترته بحجاب
وهل صن ماء كان فيه كأنه ... حياء بتول في الصلاة كعاب
ويا لحياة لم تدع غير سائل ... أكانت حياة أم خلية داب
وأين يد كانت وكان بنانها ... يراعة وشيء أو يراعة غاب
ولهفي على الأخلاق في ركن هيكل ... ببطن الثرى رث المعالم خابي
نعيش ونمضي في عذاب كلذة ... من العيش أو في لذة كعذاب
ذهبنا من الأحلام في كل مذهب ... فلما انتبهنا فسرت بذهاب
العقل وأصل اشتقاقه
ذكر صاحب تاج العروس سبب تسمية العقل بهذا الاسم وسر اشتقاقه، أو أصل اشتقاقه من مادة ع ق ل، فقال ما هذا حرفه: (واشتقاقه من العقل، وهو: المنع لمنعه صاحبه مما لا يليق، أو من المعقل، وهو الملجأ، لالتجاء صاحبه إليه كذا في التحرير لابن الهمام. وقال بعض أهل الاشتقاق: العقل أصل معناه: المنع، ومنه العقال للبعير، سمي به لأنه يمنع عما لا يليق قال:
قد عقلنا والعقل أي وثاق، وصبرنا والصبر مر المذاق). اهـ. وقد راجعنا كتبا كثيرة في هذا المعنى فرأينا أصحابها لا يخرجون عن القول بأحد هذه الآراء. ونحن لا نرى هذا الرأي والذي عندنا أن أصل معنى (العقل) هو العين: لأنه عين النفس وباصرتها، ثم مات المعنى المادي وبقي المعنى المجازي. يشهد على ذلك أن اللاتين يسمون العيون والعقل باسم واحد هو (عقل)
стр. 3147
افتقار اللغات قاطبة إلى الاستعانة بالإشارات
واللهجات
يستحيل أن نظفر على وجه المعمورة بإنسان ينبعث للكلام هنية، فلا يحتاج إلى الاستعانة في تأدية أغراضه بحركات، ولهجات بأصوات متباينة الأجزاء. صعودا وهبوطا، وشدة ولينا، للدلالة على النفي والإثبات، والرفض والقبول. والأمر والنهي، والسخط والرضى، والجلد والجزع، إلى غير ذلك.
ولعل هذه الحالة ورثها البشر عن عهد كان يؤدي فيه مقاصده بالإشارات، تصحبها أصوات غير هجائية أو هجائية أحادية ثم ثنائية حتى بلغ الكمال في التعبير: لكنه كمال نسى لا حقيقي، إذ لو كان حقيقيا، لاستطاع الإنسان أن يعبر عن جميع مقاصده مستغنيا عن الإشارات واللهجات وهذا ما يخالفه الواقع.
فلو فرضنا أن أنسانا كلف الأعراب عما يدور في خلده. على شرط سكون جوارحه، وهدوء عينيه، وركون اساريره، واستمر حديثه بضع دقائق. لوجدت علائم الضجر بادية على وجهه، ولا يقتصر الضجر على المحدث بل يشاركه فيه المصغون إلى حديثه فيستفزهم الملل كما إنه لا يطمئن إلى حديثه في إماطة اللثام عن رغائبه كما يجب.
وهذا الافتقار يختلف باختلاف المواضيع، فمنها ما يحتاج المحدث إلى الافتنان فيه، كأن يكون الموضوع خطابيا، أو تمثيليا، يراد به حسن الوقع في النفوس؛ فكم من رواية كرر تمثيلها فاستحملت تارة، واستهجنت تارة أخرى مع أن الألفاظ واحدة: لكن الذي ألقى تلك الألفاظ في إحدى المرات كان امهر في إتقان الحركات والتفنن في الإشارات ممن ألقاها في المرة الأخرى.
إلا أن الافتنان في مثل هذا أمر فضلة لأن التأثير وحسن الوقع ليسا من غايات الكلام المباشرة. فإن فقرات الرواية تفهم بمجرد إلقائها، سواء أتفنن فيها، أم لم يتفنن؛ بل للغاية المباشرة للكلام هي الإفهام لا غير.
стр. 3148
فلنجعل موضوع بحثنا قضية الإفهام فحسب، بيد أن ذلك لا يعيننا على إنقاذ اللغات من
النعت بالافتقار.
ألا ترى إنك إذا قلت: (ما أخذت كل الدراهم) مثلا احتمل كلامك وجهين: أنك أخذت بعض الدراهم، وانك لم تأخذ منها شيئا، وتضطر في التعبير عن المقصد الأول إلى إظهار شدة الارتباط بين الفعل والمفعول به، بتعجيل النطق بالكاف بعد التاء، وتضطر في التعبير عن القصد الثاني إلى أحداث فترة لطيفة بينهما.
نعم أن الناطق ليفعل كل ذلك بسائق الفطرة، دون الانتباه لسرها الخفي. ففي الفرض الأول اعتبر أن الجملة كانت في الأصل مثبتة، ثم ادخل عليها حرف النفي، أي أن أصل الكلام كان: (أخذت كل الدراهم) ثم سلط السلب عليه لثلم كلية الأخذ، فانقلبت جزئية فكانت تقوية الاتصال بين الفعل ومفعوله إيذانا بأنهما مقترنان من قبل، أي قبل إدخال حرف النفي، ولولا ذلك، لما انتقل ذهن السامع إلى الغرض.
وفي الفرض الثاني أحدث فترة بين الفعل ومفعوله، للدلالة على أن الفعل، إنما سلط على المفعول به بعد مصاحبته للسلب.
ومن هذا الباب قول الترك: (بر آلما يدم) مثلا، وذلك أنهم قد يقرنون الكلمة بلفظة (بر) للدلالة على الوحدة، وقد يقرنونها بها للدلالة على التنكير. فترجمة العبارة السابقة: (أني أكلت تفاحة واحدة) أو (أكلت تفاحة) فإذا أراد المتكلم المعنى الأول نطق بالراء بإزعاج كأنه يحاول مصادمة مدع إنه أكل أكثر من ذلك، وإذا أراد المعنى الثاني نطق بها بهدوء وسكون لأنه لم يقصد بلفظة (بر) معناها الأصلي المستحق للاهتمام، بل أتى بها لتكون أمرا عرضيا كالتنوين في اللغة العربية.
ولعل من دواعي اختراع البشر للموسيقى، عجز اللغات عن ترجمة ما تفيض به العواطف، مما لا يستطيع اللسان ترجمة أكثره، إذ تكتظ الجوانح بما لا قبل لها وبه وتضطر إلى نفث ما عندها طلبا للتخفيف عن النفس وإذ لا تصادف بغيتها عند اللسان، تفزع إلى الآلات التي يكل اللسان عن مجاراتها، من عود اخرس، ووتر ابكم، إذا اجتمعا كانا افصح ناطق.
محمود الملاح
стр. 3149
بلد الزبير
أو البصرة القديمة
على طف الجزيرة، وفي ظهر البصرة الحالية، يلوح للوافد عمارة ضخمة، وأبراج سور، قامت عليه مأذنة ذلك هو البلد الذي فيه (مشهد الزبير بن العوام). وهو بليدة فيها مساكن وأسواق، وعماراتها من الجص والآجر وهي على بساطتها. طيبة المناخ، نقية السماء، جافة الهواء، كغيرها من البلاد العربية.
وموقعها الهندسي كموقع برج مطل على مدينة البصرة، وهي على قربها من تلك المدينة المغمورة بسعفات النخل الكثيف، تراها بليدة جرداء معراة في قفر خال من الغرس، وربما وجدت في ضواحيها بعض أثلاث تكثر في المهابط العربية نعم، أن هذا العراء أكسب تلك البليدة فروقا محسوسة بين مناخها ومناخ البصرة فبينما يكون السائح مغموسا في طبقات كثيفة من هواء البصرة المضغوط عليه بسعفات النخل التي عقدت عليها رواقا كثيفا، وقد تلبد بوخامة ووبالة من البخار المتصاعد من البطائح والمناقع المكتنفة به من الوجه البحري القريب منه - ترى الزاهق الذي يفر من البصرة إلى برية الزبير كروح تخلصت من كثافة الجسد وفاضت سابحة في الفضاء النقي حيث التربة رملية ذهبية، وحيث النسيم طلق خفاق يتموج بعذوبة، وحيث النور الوهاج الذي يبهج القلب، نعم لا تكاد تولي وجهك شطر بليدة الزبير فارا من مدينة البصرة إلا تشعر بأنك قد تخلصت من المرض إلى العافية.
أجل يشاهد الوافد إلى قصبة الزبير جواد فسيحة تتخللها رحب واسعة والمساكن في الغالب ذات طبقة واحدة وترى الجواد متحدرة تشبه واديا ركبت على حافتيه المساكن البيض التي طليت بالجص وبعدد هذه العمارة كانت خصاص وأكواخ يأوي إليها الملاكون والزوار الذين فضلوا الهجرة على مواطنهم تجنبا للناس وابتعادا عن الواث المدينة زهدا وعزلة.
وقد كان أكثر أولئك المجاورين من العبيد النوبية الذين يكثرون في الجزيرة ومرابضها. وعلى أثر الحوادث الوهابية التي حصلت في نجد في غضون القرن
стр. 3150
الثالث عشر تغير موقف مشهد الزبير تغيرا فجائيا، وذلك لأمرين مهمين أولهما أن كثيرا من البيوت النجدية التي تخلد إلى السكينة وتحب العافية، جعلت مشهد الزبير مهجرا لها ابتعدت فيه عن قلاقل نجد وحوادثها فشيدوا فيه المساكن والبيوت ومن ذلك الحين نهضت فيه العمارة الفخمة،
والأمر الثاني أن الحكومة العثمانية حسبت حساب زحف الوهابيين إلى البصرة فأخذت تحتاط الحيطة لنفسها ورأت أن مشهد الزبير كحصن للدفاع عنها في ظهرها فطوقت البلدة بسور متين وجعلت في البلدة عاملا لها وأقطعته (تنومة) إحدى إقطاعات البصرة، ولكن لم يكن لذلك العامل أقل نفوذ بل كانت أدارتها على قواعد المشيخة وهي نظام بسيط وإدارة عربية تجري بالعادات أكثر من أن تجري بالقوانين كما أن بلدة الزبير منحازة عن البلدان العراقية في موقعها الجغرافي كذلك هي منحازة في أخلاقها وأدارتها وعاداتها لم تلوثها المدنية الجديدة بأدناسها وبقيت محافظة على مزاياها الفاضلة وبزتها العربية فكأنك عندما تقطع تلك المسافة الهينة بين البصرة الحالية وبين بلدة الزبير أو البصرة القديمة تجد نفسك قد طفرت طفرة رجعت بها إلى الوراء في التاريخ والى ما وراء قرون عديدة فهذه القصبة قصبة (سلفية) وأهلها (سلفيون) وكان (السلف) العربي ماثلا بجميع أطواره فيها وتاريخ تشييد السور يتصل بعام ١٢١٧هـ (أي ١٨٠٢م) وقد اندك اليوم أكثره.
مشهد الزبير
هو بعيد الأمد في الظهور وقد ذكره الرحالة ابن بطوطة وكثير غيره واليوم ترى كتابة رقشت على صخرة في ذلك المشهد وإن هذه البناية قد جددت بأمر السلطان سليم العثماني. ومشهد الزبير عبارة عن حائط في رحبة من الأرض لا يلاصقها شيء من عمارة الاهلين. وارتفاع ذلك الحائط متفاوت. فمن جهة الجنوب والشمال من الحرم والسرحة ثلاث عشرة ذراعا، ومن جهة الغرب الرحبة والشرق تسع اذرع، ولحائط الجامع أربعة أبواب: من جهة الجنوب والشمال بابان ومن الشرق بابان.
يشاهد الداخل إلى الجامع بهوا واسعا وفي زاوية ذلك البهو مما يلي جهة القبلة شمالا قبة بيضاء معقودة على ضريح الزبير بارتفاع ١٥مترا، وعلى الضريح
стр. 3151
مصطبة بارتفاع مترين يحيط بها شباك خشبي مستطيل بارتفاع ثلاثة أمتار. هذا هو مشهد الزبير وهو عبارة عن حجرة بسيطة لا غير وعمارة الجامع حرم وسرحة أما الحرم فينشئ ست أسواق أي يكون ستة صفوف مستطيلة طول كل صف ٢٣ مترا ويتخلل تلك الصفوف سوار من الطاباق ومجموعها ٦ سوار لكل صف من تلك الصفوف واحدة ومعقودة على تلك السواري اسطوانات من الطاباق والجص.
أما السرحة فهي عبارة عن صفين طول كل صف ٣٠ مترا معتمدة على سوار معقود عليها سقف خشبي وفي هذا الجامع مأذنة مشيدة بالطاباق والجص بارتفاع ٢٢ مترا تقريبا وهناك بئر للاستقاء منها عمقها ٢٢ مترا ويظهر أن أرض الجامع كانت منخفضة بمقدار خمس زلف.
الحويزة
بلدة في وسط البطائح، بين البصرة وواسط وخوزستان وأول من حاز هذا البلد هو ديبس بن عفيف الاسدي وذلك في خلافة الطائع العباسي. وقد تلاعبت الحوادث على الحويزة وتعاورت وما أكثر ما تتابعت عليها أغراض الزعماء والمتغلبين. وقد تعرض لذكرها بعض الأدباء المتقدمين. فقال: الحويزة، وما أدراك ما الحويزة! أرضها رغام، وسماؤها قتام، وسحابها جهام، وخواصها عوام، أنا منها بين هواء رديء، وماء وبئ. . .
ولم يكن للحويزة شأن كبير من أول نهوضها إلى القرن الثامن للهجرة ولكن في غضون القرن التاسع برزت وظهر شأنها وذلك بواسطة المشعشع المتمهدي الذي اختار الحويزة عاصمة لإمارته على البطائح لما رأى فيها من المناعة والمناسبة للموقع.
وقد كانت تابعة لحكومة شيراز فواقع المتمهدي الأمير الشيرازي عدة. مواقعات على أبواب الحويزة، فشل في بعضها ونجح في الأخيرة منها فاحتل الحويزة، وجعلها قاعدة إمارته، فعمرت وتوسعت وهكذا بقيت زاهية في كل زمان إمارة الموالي. وسقط شأنها بسقوطهم. وذلك في القرن الرابع عشر للهجرة فقد انحازت
стр. 3152
البطائح إلى حكومة العراق وأصبحت إمارة خوزستان في بيت الشيخ جابر أمير المحمرة فنهضت المحمرة، وسقطت الحويزة، وهي اليوم قرية واهية تريد أن تنقض، وفيها بقية للموالي وبقية لنفوذهم الأدبي.
هذا تمام الكلام في مدن البطائح وقراها أما واسط فسيأتي الكلام عليها مفصلا في فصل الغراف وآثاره.
البطائح في التاريخ وذكر أمرائها
ذكرها جماعة من المؤرخين وأصحاب كتب البلدان مثل البلاذري، وابن رسته، واليعقوبي وابن الفقيه وابن فضل الله وابن حوقل وابن خرداذبه والحموي والسمعاني وحفيد الصابئ والصفدي وابن الأثير وابن أبي الحديد والطبري وصاحب حماة والمسعودي وابن سرابيون. قال هذا أن أول البطيحة (القطر) وهو زقاق قصب نابت وبعده هور والهور هو ماء كثير ليس فيه قصب واسم هذا الهور (بحصى) وبعده زقاق قصب ثم الهور الثاني واسمه (بكمصى) وبعده زقاق قصب ثم الهور الثالث واسمه (بصرياثا) وبعده زقاق قصب
ثم الهور الرابع واسمه (المحمدية) وفيه منارة حسان المعروفة بمنارة البطائح وهو أعظم الأهوار وبعده زقاق قصب وهو ماء إلى نهر أبي أسد ويمر بالخالة وقرية (الكوانين) ويصب في دجلة العوراء. اهـ. وذكرها كثير من أدباء الفرس وكتابهم وذكرها البحتري في شعره بقوله:
حنانيك من هول البطائح سائرا ... على خطر والريح هول دبورها
لئن أوحشتني جبل وخصاصها ... فما آنستني واسط وقصورها
جبل ضبطها الحموي بالضم والتضعيف وجاء في مراصد الاطلاع ص ١٠٨ بالفتح بليدة في الشرقي من دجلة بغداد وهو من بقايا آثار الفرس وعمارتهم وموقعه بين النعمانية وواسط. قلت: واليوم يقع بين كوت الإمارة وقصبة البغيلة وبسبب انحراف مجرى دجلة ركب الماء آثار جبل وجرى عليها فهي الآن في عقيقه لا
стр. 3153
تظهر إلا زمن النشف (أي النشوفة) والعرب اليوم تسمي تلك الآثار جنبل بزيادة النون.
وقد أخرجت البطائح جماعات من رجالات الأدب والعلم حتى افرد لذلك تاريخ خاص فقد ذكر أن لأبي العباس أحمد بن بختيار الواسطي المتوفى سنة ٥٥٢هـ كتاب تاريخ البطائح، لم نعثر على أثره مع شدة الطلب له، وأخرجت البطائح رجالا كبارا لم يغفل التاريخ ذكرهم بل جعلهم في صف مشاهير الرجال فمنهم من تأمر، وهم كثير ومنهم من تقلد منصب الوزارة ومن هؤلاء أبو عبد الله المأمون ابن البطائحي وزر للأمر بالله العلوي صاحب مصر، وكان هذا الوزير كريما واسع الصدر شديد التحرز سفاكا كثير الإطلاع وقد كثر الغامزون فيه واخذ يتلاعب في أمر الخلافة وحاول قلبها عن مستقرها فاتصل أمره بالخليفة فصلبه واخوته سنة ٥١٩هـ.
وقد كانت البطائح من أعمال واسط مرة ومن أعمال الحويزة مرة أخرى ومن أعمال البصرة طورا: وربما جمعوا واسطا والبصرة وما بينهما من البطائح في عمل واحد وربما انفصلت البطائح مستقلة كما يظهر كل ذلك من أكثر كتب التاريخ وخطط البلدان ونحن لا نذكر زمن تابعيتها في الحكم إذ لا فائدة في ذلك ولكن إليك تاريخ الإمارات الضخمة التي تأسست فيها مثل إمارة آل شاهين وإمارة آل المظفر وإمارة آل الرابي الخير وإمارة الموالي وإمارة آل سعدون وتاريخ كل أسرة من هذه الإمارات مفصلا.
النجف: علي الشرقي
(لغة العرب) جاء ذكر البطائح في معلمة الإسلام والمقالة لصديقنا العلامة م. شتريك البفاري. وفي خاتمتها يقول: (وفي تلك الأرجاء مثل (أم الرق) (أي والدة الفسافس) في جنوبي كوت الإمارة على شط الحي مشهورة بكثرة هذه الهوام التي لا تطاق).
قلت: ليس هناك (أم الرق) بل (أم البق) ولا جرم أن الخطأ من الطبع لا من صاحب المقال بما إنه يؤولها (بوالدة الفسافس) والتأويل هنا خطأ. ومعنى (الأم) هنا (ذات) والبق هنا البعوض لا الفسافس.
стр. 3154
من كنوز العرب
ابنة تبكي خطيبها
قرأت على صفحات الجزء التاسع من مجلتكم الغراء لسنتها الخامسة أبياتا من الشعر العامي الجليل بقلم حضرة الفاضل الشيخ عبد المولى الطريحي. فراقني ما شاهدت واهتز قلبي طربا لتلك الأغاني الجميلة التي تنم عن سمو أفكار العرب وسعت خيالهم. لكن مع كل أسف لم يعثر حضرته إلا على النزر القليل من منظومهم فاكتفى بشيء لم يمثل أفكارهم على حسب المرام، لذلك رأيت أن أتحفكم بشيء من منظومهم ليطلع القارئ على ما للعرب من سمو الفكر وسعة الخيال والغور في بحار المعاني العالية واليكم ما عثرت عليه من تلك الكنوز. وقد جعلت هذه الأبيات على لسان خطيبة فارقت خطيبها فأخذت تصف نفسها بعد سفره كما تصف جمال حبيبها. وقد دعوتها بكنوز العرب راجيا نشرها على صفحات مجلتكم الراقية الغراء:
أرتوي الزيتون من دمعي ولأراك ... الغيرك ما نحل جسمي ولا راك
أخاف أطول مدتنا ولا راك ... وقبل وصلك تبادرني المنية
الأراك شجر معروف والغيرك أي لغيرك لم ينحل جسمي ولم يرك والخطاب للمحبوب ولا راك بمعنى أخشى أن تطول مدة الجفاء ولا أشاهدك وتبادرني أي تفاجئني والمنية نهاية العمر.
دمه هلن بدال الدمع يجفون ... على الماظن بيهم قبل يجفون
الوداع أشجان ضرهم لو أن يجفون ... جفوني وكل حسود اشتمو بيه
الدمع يجفون أي سحي أيتها الجفون دما عوضا عن الدموع. وقبل يجفون أي يبدون الجفاء. تقول ما ضرهم لو وقفوا ساعة الوداع.
الله وياك حلو الجسد والطول ... بقت عيني عليك تهمل وأطول
العشرة ما بقت وياك والطول ... يا زاجي ما بدت مني رديه
تريد بالطول القد والاعتدال وتهمل وأطول أي تمطر دمعها كالطل والطول (الثالثة) أي طول الألفة.
стр. 3155
الله وياك حلو الجسد والعين ... هلبت ودعت من بيك والعين
دريض يا قلب واستجن ولعين ... ابتليت بلوت الخنسا الشجيه
والعين يعني مغرمين واستجن ولعين بمعنى كف عن ذكراه أيها القلب واسترح قليلا. إذ قد بليت كابتلاء الخنساء في حسنها الشديد.
دفق دمعي على الوجنة وسيله ... على الماصار وياهم وسيله
أدور الممتحن مثلي وسيله ... يقلبي اهجع مثل ما بيك بيه
أي أخذت دموعي تنهار على وجنتي ووسيلة أي السيلان ووياهم وسيله أي صورة حال معهم والوسيلة (الثالثة) بمعنى أتحرى كل ممتحن مثلي لأسأله عما جرى عليه من امتحان الغرام. واهجع أي استقر.
صلت خدي دمعتي من تسالي ... عليك الرأس شيب منتسالي
عيب لسا يقلبي منتسالي ... سلوك اهجع شبيدي تلوم بيه
تقول أن دموعي قد أحرقت خدي من كثر جريانها، ولقد شاب رأسي من كثرة السؤال عنك. ثم تقول عجبا أيها القلب إلى الآن ما سلوت من ألم الوجد، والسلوك هنا الأحبة أيها القلب فما ذنبي تكثر علي اللوم.
الك منزل بدلالي ولك دار ... ووصلك يجلي همومي والكدار
مدار هواك بضلوعي ولك دار ... سحن بقواي ونشبني المنيه
تقول لك منزل في قلبي ودار أنت ساكن فيها والدلال القلب، والكدار أي الأكدار. تقول ويلك فإن غرامك قد أخذ يدور بين جوانحي. ومعناه الشطر الرابع: هد قواي وأنحلها وقولها ونشبني المنيه أي رماني بالهلاك.
فقت مرعوب من نومي بالأسحار ... دون ما ونت الثكلى بلسحار
يناهي فرزن دلالي بلسحار ... عيونك حيث مبهن رحم بيه
بالأسحار أي انتبهت مرعوبة من نومي في السحر. وبلسحار أي أئن كما تئن الثكلى في الصحارى وتريد بلسحار (الثالثة) سحر الجفون وقولها فرزن دلالي أي جفونك قد اصمت فؤادي بسحرها. مبهن أي ما فيهن رقة علي.
أنا بادي وعلى الترف بداي ... وحرت يا ساهي العينين بداي
следующие страницы →