← Джавами‘

Джавами‘ · id 36540

مجلة لغة العرب العراقية

أنستاس الكرملي

Полный текст (6 158 стр.). Показаны 3151–3190 · переход к 3156.

стр. 3151

مصطبة بارتفاع مترين يحيط بها شباك خشبي مستطيل بارتفاع ثلاثة أمتار. هذا هو مشهد الزبير وهو عبارة عن حجرة بسيطة لا غير وعمارة الجامع حرم وسرحة أما الحرم فينشئ ست أسواق أي يكون ستة صفوف مستطيلة طول كل صف ٢٣ مترا ويتخلل تلك الصفوف سوار من الطاباق ومجموعها ٦ سوار لكل صف من تلك الصفوف واحدة ومعقودة على تلك السواري اسطوانات من الطاباق والجص. أما السرحة فهي عبارة عن صفين طول كل صف ٣٠ مترا معتمدة على سوار معقود عليها سقف خشبي وفي هذا الجامع مأذنة مشيدة بالطاباق والجص بارتفاع ٢٢ مترا تقريبا وهناك بئر للاستقاء منها عمقها ٢٢ مترا ويظهر أن أرض الجامع كانت منخفضة بمقدار خمس زلف. الحويزة بلدة في وسط البطائح، بين البصرة وواسط وخوزستان وأول من حاز هذا البلد هو ديبس بن عفيف الاسدي وذلك في خلافة الطائع العباسي. وقد تلاعبت الحوادث على الحويزة وتعاورت وما أكثر ما تتابعت عليها أغراض الزعماء والمتغلبين. وقد تعرض لذكرها بعض الأدباء المتقدمين. فقال: الحويزة، وما أدراك ما الحويزة! أرضها رغام، وسماؤها قتام، وسحابها جهام، وخواصها عوام، أنا منها بين هواء رديء، وماء وبئ. . . ولم يكن للحويزة شأن كبير من أول نهوضها إلى القرن الثامن للهجرة ولكن في غضون القرن التاسع برزت وظهر شأنها وذلك بواسطة المشعشع المتمهدي الذي اختار الحويزة عاصمة لإمارته على البطائح لما رأى فيها من المناعة والمناسبة للموقع. وقد كانت تابعة لحكومة شيراز فواقع المتمهدي الأمير الشيرازي عدة. مواقعات على أبواب الحويزة، فشل في بعضها ونجح في الأخيرة منها فاحتل الحويزة، وجعلها قاعدة إمارته، فعمرت وتوسعت وهكذا بقيت زاهية في كل زمان إمارة الموالي. وسقط شأنها بسقوطهم. وذلك في القرن الرابع عشر للهجرة فقد انحازت

стр. 3152

البطائح إلى حكومة العراق وأصبحت إمارة خوزستان في بيت الشيخ جابر أمير المحمرة فنهضت المحمرة، وسقطت الحويزة، وهي اليوم قرية واهية تريد أن تنقض، وفيها بقية للموالي وبقية لنفوذهم الأدبي. هذا تمام الكلام في مدن البطائح وقراها أما واسط فسيأتي الكلام عليها مفصلا في فصل الغراف وآثاره. البطائح في التاريخ وذكر أمرائها ذكرها جماعة من المؤرخين وأصحاب كتب البلدان مثل البلاذري، وابن رسته، واليعقوبي وابن الفقيه وابن فضل الله وابن حوقل وابن خرداذبه والحموي والسمعاني وحفيد الصابئ والصفدي وابن الأثير وابن أبي الحديد والطبري وصاحب حماة والمسعودي وابن سرابيون. قال هذا أن أول البطيحة (القطر) وهو زقاق قصب نابت وبعده هور والهور هو ماء كثير ليس فيه قصب واسم هذا الهور (بحصى) وبعده زقاق قصب ثم الهور الثاني واسمه (بكمصى) وبعده زقاق قصب ثم الهور الثالث واسمه (بصرياثا) وبعده زقاق قصب ثم الهور الرابع واسمه (المحمدية) وفيه منارة حسان المعروفة بمنارة البطائح وهو أعظم الأهوار وبعده زقاق قصب وهو ماء إلى نهر أبي أسد ويمر بالخالة وقرية (الكوانين) ويصب في دجلة العوراء. اهـ. وذكرها كثير من أدباء الفرس وكتابهم وذكرها البحتري في شعره بقوله: حنانيك من هول البطائح سائرا ... على خطر والريح هول دبورها لئن أوحشتني جبل وخصاصها ... فما آنستني واسط وقصورها جبل ضبطها الحموي بالضم والتضعيف وجاء في مراصد الاطلاع ص ١٠٨ بالفتح بليدة في الشرقي من دجلة بغداد وهو من بقايا آثار الفرس وعمارتهم وموقعه بين النعمانية وواسط. قلت: واليوم يقع بين كوت الإمارة وقصبة البغيلة وبسبب انحراف مجرى دجلة ركب الماء آثار جبل وجرى عليها فهي الآن في عقيقه لا

стр. 3153

تظهر إلا زمن النشف (أي النشوفة) والعرب اليوم تسمي تلك الآثار جنبل بزيادة النون. وقد أخرجت البطائح جماعات من رجالات الأدب والعلم حتى افرد لذلك تاريخ خاص فقد ذكر أن لأبي العباس أحمد بن بختيار الواسطي المتوفى سنة ٥٥٢هـ كتاب تاريخ البطائح، لم نعثر على أثره مع شدة الطلب له، وأخرجت البطائح رجالا كبارا لم يغفل التاريخ ذكرهم بل جعلهم في صف مشاهير الرجال فمنهم من تأمر، وهم كثير ومنهم من تقلد منصب الوزارة ومن هؤلاء أبو عبد الله المأمون ابن البطائحي وزر للأمر بالله العلوي صاحب مصر، وكان هذا الوزير كريما واسع الصدر شديد التحرز سفاكا كثير الإطلاع وقد كثر الغامزون فيه واخذ يتلاعب في أمر الخلافة وحاول قلبها عن مستقرها فاتصل أمره بالخليفة فصلبه واخوته سنة ٥١٩هـ. وقد كانت البطائح من أعمال واسط مرة ومن أعمال الحويزة مرة أخرى ومن أعمال البصرة طورا: وربما جمعوا واسطا والبصرة وما بينهما من البطائح في عمل واحد وربما انفصلت البطائح مستقلة كما يظهر كل ذلك من أكثر كتب التاريخ وخطط البلدان ونحن لا نذكر زمن تابعيتها في الحكم إذ لا فائدة في ذلك ولكن إليك تاريخ الإمارات الضخمة التي تأسست فيها مثل إمارة آل شاهين وإمارة آل المظفر وإمارة آل الرابي الخير وإمارة الموالي وإمارة آل سعدون وتاريخ كل أسرة من هذه الإمارات مفصلا. النجف: علي الشرقي (لغة العرب) جاء ذكر البطائح في معلمة الإسلام والمقالة لصديقنا العلامة م. شتريك البفاري. وفي خاتمتها يقول: (وفي تلك الأرجاء مثل (أم الرق) (أي والدة الفسافس) في جنوبي كوت الإمارة على شط الحي مشهورة بكثرة هذه الهوام التي لا تطاق). قلت: ليس هناك (أم الرق) بل (أم البق) ولا جرم أن الخطأ من الطبع لا من صاحب المقال بما إنه يؤولها (بوالدة الفسافس) والتأويل هنا خطأ. ومعنى (الأم) هنا (ذات) والبق هنا البعوض لا الفسافس.

стр. 3154

من كنوز العرب ابنة تبكي خطيبها قرأت على صفحات الجزء التاسع من مجلتكم الغراء لسنتها الخامسة أبياتا من الشعر العامي الجليل بقلم حضرة الفاضل الشيخ عبد المولى الطريحي. فراقني ما شاهدت واهتز قلبي طربا لتلك الأغاني الجميلة التي تنم عن سمو أفكار العرب وسعت خيالهم. لكن مع كل أسف لم يعثر حضرته إلا على النزر القليل من منظومهم فاكتفى بشيء لم يمثل أفكارهم على حسب المرام، لذلك رأيت أن أتحفكم بشيء من منظومهم ليطلع القارئ على ما للعرب من سمو الفكر وسعة الخيال والغور في بحار المعاني العالية واليكم ما عثرت عليه من تلك الكنوز. وقد جعلت هذه الأبيات على لسان خطيبة فارقت خطيبها فأخذت تصف نفسها بعد سفره كما تصف جمال حبيبها. وقد دعوتها بكنوز العرب راجيا نشرها على صفحات مجلتكم الراقية الغراء: أرتوي الزيتون من دمعي ولأراك ... الغيرك ما نحل جسمي ولا راك أخاف أطول مدتنا ولا راك ... وقبل وصلك تبادرني المنية الأراك شجر معروف والغيرك أي لغيرك لم ينحل جسمي ولم يرك والخطاب للمحبوب ولا راك بمعنى أخشى أن تطول مدة الجفاء ولا أشاهدك وتبادرني أي تفاجئني والمنية نهاية العمر. دمه هلن بدال الدمع يجفون ... على الماظن بيهم قبل يجفون الوداع أشجان ضرهم لو أن يجفون ... جفوني وكل حسود اشتمو بيه الدمع يجفون أي سحي أيتها الجفون دما عوضا عن الدموع. وقبل يجفون أي يبدون الجفاء. تقول ما ضرهم لو وقفوا ساعة الوداع. الله وياك حلو الجسد والطول ... بقت عيني عليك تهمل وأطول العشرة ما بقت وياك والطول ... يا زاجي ما بدت مني رديه تريد بالطول القد والاعتدال وتهمل وأطول أي تمطر دمعها كالطل والطول (الثالثة) أي طول الألفة.

стр. 3155

الله وياك حلو الجسد والعين ... هلبت ودعت من بيك والعين دريض يا قلب واستجن ولعين ... ابتليت بلوت الخنسا الشجيه والعين يعني مغرمين واستجن ولعين بمعنى كف عن ذكراه أيها القلب واسترح قليلا. إذ قد بليت كابتلاء الخنساء في حسنها الشديد. دفق دمعي على الوجنة وسيله ... على الماصار وياهم وسيله أدور الممتحن مثلي وسيله ... يقلبي اهجع مثل ما بيك بيه أي أخذت دموعي تنهار على وجنتي ووسيلة أي السيلان ووياهم وسيله أي صورة حال معهم والوسيلة (الثالثة) بمعنى أتحرى كل ممتحن مثلي لأسأله عما جرى عليه من امتحان الغرام. واهجع أي استقر. صلت خدي دمعتي من تسالي ... عليك الرأس شيب منتسالي عيب لسا يقلبي منتسالي ... سلوك اهجع شبيدي تلوم بيه تقول أن دموعي قد أحرقت خدي من كثر جريانها، ولقد شاب رأسي من كثرة السؤال عنك. ثم تقول عجبا أيها القلب إلى الآن ما سلوت من ألم الوجد، والسلوك هنا الأحبة أيها القلب فما ذنبي تكثر علي اللوم. الك منزل بدلالي ولك دار ... ووصلك يجلي همومي والكدار مدار هواك بضلوعي ولك دار ... سحن بقواي ونشبني المنيه تقول لك منزل في قلبي ودار أنت ساكن فيها والدلال القلب، والكدار أي الأكدار. تقول ويلك فإن غرامك قد أخذ يدور بين جوانحي. ومعناه الشطر الرابع: هد قواي وأنحلها وقولها ونشبني المنيه أي رماني بالهلاك. فقت مرعوب من نومي بالأسحار ... دون ما ونت الثكلى بلسحار يناهي فرزن دلالي بلسحار ... عيونك حيث مبهن رحم بيه بالأسحار أي انتبهت مرعوبة من نومي في السحر. وبلسحار أي أئن كما تئن الثكلى في الصحارى وتريد بلسحار (الثالثة) سحر الجفون وقولها فرزن دلالي أي جفونك قد اصمت فؤادي بسحرها. مبهن أي ما فيهن رقة علي. أنا بادي وعلى الترف بداي ... وحرت يا ساهي العينين بداي

стр. 3156

انجان أنت حكيم استاد بالداي ... دون جروح قلبي وجرن بيه تقول لقد قصدت مكانا غير مكاني فزار الحبيب منزلي ولم يجدني وذلك لسوء طالعي. وساهي العينين أي واسع العينين وقولها بداي تعني حرت في دوائي والشطر الأول من البيت الثاني هو خطاب للمحبوب تقول أن كنت حكيما حاذقا وتشخص الداء فعليك إذن بمداواة قلبي وقولها وجرن بيه يعني أخذت جروح قلبي تتعاظم في الآلام. ذلولي ما يجده السير ظل عاي ... انتهو عني ومد البصر ضلعاي شبه كسر الزجاجه انكسر ضلعاي ... وبد ما يرهم التجبير بيه تقول أن ذلولي قد عجز عن المسير وقولها ظل عاي يعني ظل واقفا لم يتحرك من شدة التعب. وفي الشطر الثاني من البيت الأول تقول أن أحبتي قد غابوا عن بصري فلم أشاهد سوى أضلاع جبال شاهقة ممتدة في الصحراء وقولها أيضاً أن أضلاعي قد تحطمت تحطم الزجاج وأصبحت غير قابلة للإصلاح كما أن كسر الزجاج لا يشعب. النجف: حسن الجواهري (لغة العرب) للشيخ عبد المولى الطريحي العلامة مقالات كثيرة في إدارتنا منذ نحو أكثر من سنة. ولكن كثرة ما عندنا حال حتى الآن دون نشرها. وله في (أبو ذية) أبيات أخرى وقد أجاد في انتقائها وشرحها بيد أننا ننتظر فرصة لنشرها؛ إلا أن هذا التأخير لا يقلل شيئا من عظيم شكرنا له وطلب العذر من عدم نشرها حتى الآن. وبعد أن ندرج المقالة التي أشرنا إليها لا نذكر بعدها ما يكون في هذا الموضوع لكثرة ما عندنا منه بل إذا أراد أحد الكتبة أن يجيل يراعته في ميدان الشعر العامي فليكن من الأنواع الأخرى ليكون عندنا أمثلة متنوعة لمختلف القصيد العامي ولهذا نرجو من أرباب الأقلام أن لا يعودوا إلى موضوع (أبو ذية) لأننا نطرح مقالهم بين المهملات. ولا لوم علينا بعد ذلك. إذن لينتبه الغافلون.

стр. 3157

آثار في ضياء أباد إيران - على بعد ١٢ ميلا في الجنوب الغربي من زنجان قرية اسمها (ضياء آباد) كانت أرضها قطعة من قرية أخرى عمرها والدي الشيخ الجليل رحمة الله عليه وأسكن فيها جماعة من الفلاحين والزراعيين وألان هي عامرة وملك لنا. بين سنة ١٣٢٠هـ أو سنة ١٣٢٦هـ عثرت بعض نساء القرية وفي جنوبيها حين اشتغالهن بشؤون الفلاحة على أربعة دراهم من الذهب قطر الواحد منها يقرب من قطر الربية في هذا الزمان: ولكنها ارق منها. وفي واحد وجهيها صورة رجل قاعد على كرسي يشبه أن يكون من صور الملوك أو رجال الدين وفي وجهها الآخر صورتا رجلين حاملين شيئا كالعلم في رأسه صليب مثنى الذراعين أو أن شئت فقل: خط قائم وعلى عرضه خطان متوازيان كحرف الفرنسي مع خطين متوازيين في رأس الحرف. ولما زرت المجمع العلمي في دمشق سنة ١٣٤٢هـ كان معي أحد تلك الدراهم فرآه أعضاؤه الكرام فظن أحدهم إنه من الدراهم الرومانية العتيقة وأظن إنه أصاب في رأيه، وإن الدرهم أثر لأول زمن انتشار النصرانية في المملكة الرومانية. ثم تيسر لي أن أرى بعد ذلك الحين بسنين كتابا في كربلاء في النقود والدراهم العتيقة بالفرنسية وبعد الفحص لم أجد صورة هذا الدرهم بين الصور الموجودة فيه. ووجدت مرة أخرى في هذه القرية عدة أوان كبيرة من الخزف كالآنية المدهونة التي ترى في هذا الزمان. وفي الصيف الماضي خرجت من زنجان متوجها إليها للوقوف على أحوال الفلاحين الزراعية وللنزهة فوجدتهم قد بنوا لهم فيها حماما وحفروا في الجهة الشرقية من بيوت القرية حفرا ليخرجوا منها أحجارا ظنوا بوجودها هناك عثروا على قطع الخزف المخطوطة التي تفضلتم بقراءتها وأنقذتها من أيديهم وكانوا يحاولون وضعها للحمام. وسألت بعض أهل القرية عن الموضع الذي وجدوا فيه هذه القطع فقالوا

стр. 3158

هو موضع تتبرك به نساء القرية إذ يسرجن فيه ويقمن فيه ببعض القربات الدينية. فشكل الدراهم وكتابة القطع تقوي الظن بوجود النصرانية في نواحي زنجان في سابق العهد فلا شك أن يد الحفر تصل في هذا المكان إلى آثار عتيقة أخرى. زنجان (إيران): أبو عبد الله الزنجاني (لغة العرب) كان حضرة الشيخ المجتهد الكبير أبي عبد الله الزنجاني أرسل إلينا صورة شمسية للكتابة التي يشير إليها وهي بالخط الكوفي وهذا نصها: (الى الله. قبر افلوتلا الملائكية سنة. . .) فمعنى (إلى الله): أنت الذاهبة إلى الله؛ - ومعنى قبر افلوتلا إشارة واضحة إلى أن المدفونة نصرانية لأن الاسم المذكور لا يتسمى به إلا النصرانيات وهو روماني الوضع. وافلوتيلا في الأصل أسم قديسة كانت تلميذة القديس بطرس ويحتفل بعيدها في ٢٠ أيار. وقول الكتابة القبرية: (الملائكية) دليل على أن الابنة كانت صغيرة السن. وكنا قد قرأنا السنة المكتوبة على قطعة الخزف لكنها فقدت منا فنسيناها. فنرجو من حضرة صديقنا الوافي الشيخ أبي عبد الله أن يذكرها لنا إتماما للفائدة. أما أن النصرانية كانت معروفة هناك في سابق العهد، فليس من يجهل ذلك. وتاريخ النصرانية مملوء بذكر شهدائها في عهد المجوس وبعده. ولقد بقيت النصرانية زاهية في فارس إلى عهد غير بعيد. أما في زنجان فقد ذكر الطبري في تاريخه (٣: ٢١٤٠ من طبعة الإفرنج) ما نصه: (ولليلتين خلتا من رجب منها (أي من سنة ٢٨١هـ الموافق ٨ أيلول ٨٩٤م) شخص المعتضد إلى الجبل فقصد ناحية الدينور وقلد أبا محمد علي بن المعتضد: الري وقزوين، وزنجان، وابهر، وقم، وهمذان والدينور. وقلد كتبته: أحمد بن أبي الأصبغ نفقات عسكره والضياع بالري: الحسين بن عمرو النصراني. . .) انتهى. قلنا لو لم يكن في تلك الأنحاء نصارى لما قلد المعتضد نصرانيا وسلم بيده ما سلم. وكانت زنجان في أمر تدبيرها الديني راجعة إلى أبرشية قزوين. وكان في هذه الأبرشية في نحو سنة ١٧٠٠م: (أسقف واحد اسمه مار أدى وكان من

стр. 3159

كفرتوثا وتحت يده قسوس وشمامسة قدرهم كاف لإدارة الرعية. وكان عدد الكنائس ثلاثة. وعدد المؤمنين أربعة آلاف وجميعهم نساطرة) (راجع التقويم للكنيسة الكلدانية النسطورية ص ٢١). وقد أفادنا صديقنا الجليل فائدة عظيمة وهي (أن النساء الوطنيات يذهبن إلى الآن إلى ذلك الموطن ويتبركن ويسرجن فيه السرج ويقمن فيه ببعض القربات الدينية). - وعندنا أن هذا دليل على أن المكان المذكور كان مقبرة للنصارى إذ من عادة المسيحيين أن يسرجوا السرج على القبور - كما هي العادة إلى اليوم في ديار الغرب - ويتقربون إلى الله ببعض القربات. ولا جرم أن هذه العادة انتقلت من جيل إلى جيل منذ العهد القديم إلى هذا العهد من غير أن ينقطع حبل ذلك التقليد. واحرص الناس على الأمور الدينية النساء لما في طبعهن من حب الدين والجري على آثار السلف الصالح. هذه آراؤنا نعرضها على القراء ولا ندعي أننا مصيبون بل هي بمنزلة خواطر عرضت لنا ومن أحب أن يفندها بأدلة قاطعة تاريخية فنحن لا نتوقف في نشرها. البلور والبلارج وضبطهما ورد في البستان للبستاني: (البلور (وضبطها كسنور) جوهر أبيض شفاف وهو نوع من الزجاج. معرب. قال في اللسان: هو المهى من الحجر. واحدته بلورة. . . (انتهى المطلوب من إيراده على أن هناك لغة مشهورة جاءت في اللسان وغيره. لم يذكرها البستان وهي البلور (بكسر ففتح فسكون) قال في اللسان: وفي التهذيب: وإما البلور المعروف فهو مخفف اللام. اه فعدم ذكر لغات الكلمة الواحدة تقصير من المؤلف. وقال في بلرج: البلارج (وضبطها ضبط قلم بكسر الراء) طائر كبير طويل المنقار ليس بأعقف. دخيل. اهـ. والصواب ضبط الراء بالفتح لأنه مفرد بدليل قوله الطائر. وليس في لغتنا كلمة واحدة في المفرد مكسور ما قبل آخرها. وقد أصاب فريتغ هذه المرة بضبطها بالفتح ولم يصب صاحب محيط المحيط بضبطها بفتح الراء وكسرها.

стр. 3160

قاتل أخيه ما أجهز على المجتمع العراقي من قبل إلا إهمال التربية الصالحة، وإطلاق الوحشية عليه من كل جوانبه؛ وما أخاه الشقاء إلا لتقاعس حكامه وزعمائه عن إنعاشه من كبوته، وتمهيد السبل المأمونة المستقيمة له على أنهم هم المسؤولون عن ذلك لاستيلائهم على خلاقه من المال والثمرات. وكان إذا استأداهم حقه من الإصلاح الذي ابتاعه منهم بماله وثمراته، كانت حال جوابهم منطبقة على المثل المشهور القائل: (الأخذ سريط والقضاء ضريط). فلذلك صار العراق بيئة للجرائم وبؤرة تتقد فيها الاضطرابات ويضطرم فيها الجهل، ووطيسا يقذف شرار الهمجية وحممها. شب (ي. ن) في ذلك العهد المشؤوم في ناحية من لواء ديالى كثيرة الجداول والخمائل خصيبة الأرض وافرة النعم. في أسرة مشتملة على رجال ونساء عدة وأطفال أقلاء. ولقد كانت هذه الأسرة معتمدة على زراعتها وأنعامها في أعداد معيشتها واعتاد حاجها ولكن العيش لم يتسع لها ولا رأت منتدحا عن حالها الأولى مع كدح رجالها ودأبهم في أعمالهم. وكان موطن الشاب المذكور (ي. ن) مكتظا بالزعارة أو شراسة الخلق والأجرام. واكثر عشرائه أشرارا وأغمارا وشطارا فلا غرو أن يكون عنفوان شبابه معفرا بالجهالة والسفالة والشرة وكان والداه في أبان ذلك الشاب المضطرب حيين وله منهما ثلاث أخوات اثنتان متبعلتان والأخرى عانس وأخ كبير أسمه (ع. ن) كان يؤدبه كلما جنف عن الصلاح وينقذه إذا وقع في أمر عصيب. ولقد كانت المودة مستحكمة بين هذين الأخوين استحكاما تاما. فالصغير يحترم الكبير وينقاد له انقيادا عظيما. والكبير يعز الصغير ويعطف عليه عطفا اخويا ويعوده الشجاعة ومكابدة المشاق ويحميه من كل اعتداء أو تحامل من الناس. والويل والثبور لمن كان يمس أخاه الصغير بضر؛ فإنه يكون

стр. 3161

من النادمين المنكوبين بل ويح الذي يماس (ع. ن) نفسه مماسة فيها خشونة فإنه يعرض نفسه لرجل كالصاعقة في انقضاضه وكالليث في غضبه وكالمستبسل المستميت في كفاحه. ولكثرة تخوف الناس إياه وتحاشيهم عن بأسه زاد سطوة وهيمنة، وشهرة حتى سموه (غضب الله). أما الأسرة فأنها كانت قانعة بعيشها مطمئنة في أفكارها هادئة في حياتها وكان ذانك الأخوان همامين دائبين في زراعتهما راضين بعيشة الاجتهاد والكدح؛ بل قدوة حسنة للذين يعملون عملهما وينافسونهما. وما أحلى الاشتغال بحرية بين المزارع والبساتين والجداول والخمائل بقلوب متعاضدة مؤلفة وأجسام نشيطة وهمم عالية ونفوس مطمئنة. والذي يقرأ صحيفة حياة الأسرة المذكورة يجد عنوانها (السعادة) وشرح السعادة غني عن التفسير (ورب موضوع فسره عنوانه)، ولما توفيت والدتهم التي كانت حنونا عليهم وقطبا لتحابهم وتعاونهم وإئتلافهم أمسوا بعدها مستعدين للشر معدين له (قرع الظنابيب) ما خلا أباهم فإنه كان عاقلا وديعا لكنه لم يعرف كيف ينهج مهيع التأديب والتهذيب. لذلك لم يقدر على إرواء أولاده من مورد الأدب الكامل والتربية الصالحة فانهم كانوا عطاشا بل هيما لا متعطشين. بينما كان الآخر الكبير (ع. ن) يرقص أبنه ذات يوم إذ نشب في البيت شجار أو حوار ثم مشاحنة دفعته إلى سب والدته المتوفاة أمام أخيه الشاب فأمتلئ هذا غيظا وحنقا عليه وقال له: ويلك يا هذا كيف استبحت سب والدتنا التقية البارة ومعاملتنا بغلظة فظاظة؟ أجابه: أسبها ولا أبالي من أنت يا أيها النذل الرذل حتى تقابلني بهذا الاعتراض والامتعاض؟ ثم هجم عليه ليضربه فراغ عنه هذا وصعد إلى سطح منزلهم هلعا حنقا ثم تجاوزه وانحدر إلى بيت أخته (ع. هـ) المتبعلة وكان قريبا فتناول بندقية كان يعرف مناطها ثم غذ أو أسرع إلى سطح منزلهم أيضاً متوعدا أخاه متهددا إياه بقوله: أأنت تريد أن تضربني. اغرب عني يا لئيم يا رعديد وإلا رشقتك بقذيفة تعدمك

стр. 3162

الحياة فتسكنك القبور. قال الكبير: من هو اللئيم والرعديد يا جبان. قف لي أن كنت صادقا فسوف أريك الحقيقة. واندفع نحوه صادعا إلى السطح ليفتك به ولكن (ي. ن) هرب من بين يديه بجأش مضطرب وإنذعار شديد. فقد كان لا يطيق الوقوف أمام أخيه الكبير وقوف المخاصم بل المناضل فضلا عن أن عمره لم يتجاوز الثامنة عشرة. لتلك الأسباب نمت بينهما العداوة وأثمرت وبالا وشقاء. فإن عنوان حياة الأسرة قد تبدل بعنوان (الشقاء) وحملت القلوب أحمال الإحن والضغائن وأمست تنوء بها مهتبلة فرصة تتبدد فيها ويكون ذلك التبدد فاروقا وفيصلا. يفرق أو يفصل بين هذين الأخوين بالعاقبة الوخيمة والمغبة السقيمة. والذي زاد الشنئان أضعافا مضاعفة هو أن أختهما الكبيرة (ع. هـ) وزوجها (ح. ن) كانا يشنئان ذلك الأخ الكبير لكونه شديدا في معاملتهما مفتئتا بحريتهما. مضت على تلك المشادة أيام وهنالك من يضرم سعير العداوة بين الأخوين إضراما مستمرا والذين لا يضرمون غافلون عن تدارك الخطر القريب الوقوع. أما (ي. ن) فإنه هجر أهله وانقطع إلى الأقرباء والبساتين بيد إنه كان يختلف إلى بيت أخته (ع. هـ) فيستفهمها أخبار أخيه ونيته نحوه فلا يسمع منها إلا ما يقلقه ويهوله. بعينها في ذلك (حليلها) فقد كانا يقولان له: (إن أخاك متسلح ببندقية يبحث عنك في مآويك ويسأل عنك الناس فلئن ألفاك ليقتلنك فأحذره). دخل أخوه مرة عليه وهو في بيت أخته المذكورة فأخفته في حجرة فيها بندقية حتى إذا أراد به أخوه شرا دافع عن نفسه. ولكن (ع. ن) لما سألها عن أخيها الصغير أنكرت وجوده عندها لأمر في نفسها أن تعظم الخلاف بينهما فلا يتفقا بعد أن افترقا. ولو أخبرته بوجوده فلربما صالحه وهادنه. أما الأخ الصغير فإنه عزم عزما صادقا على اغتيال أخيه لينجو من شره الذي صوره له النمامون وظل يهتبل الفرص للفتك به حتى مر به مغربا وهو كامن له ممسك بندقية فوجهها نحوه وجر زندها فثارت وأصابت قذيفتها بطن أخيه

стр. 3163

فمزقت أحشاءه كل تمزيق. وخر على الأرض صريعا. ولقد سمعت إنه استجوب عن قاتله فغلبته الشفقة الأخوية ولم يقر بأنه أخوه (ي. ن) ثم فارق الحياة بعد ساعات فما أعظم رأفته بأخيه فقد دعته إلى الإنكار: أخوه قاتله عمدا ورأفته ... به دعته إلى الإنكار والصبر وانه صار قربانا لرأفته ... أكرم به من أخ في اليسر والعسر ثم هرب القاتل المجرم الأثيم كالكلب المكلوب ممثلا للناس عاقبة التربية الطالحة ونتيجة الجهل ومغبة إهمال التأديب وغاية التحريض والنميمة. أما المبتلى فهو المجتمع البائس الذي لا يبل من مرضه إلا بإبلال أفراده. سمعت الحكومة بالحادثة فطاردت مرتكب ذلك الجرم العظيم وأمسكته ودحمته إلى غيابة السجن لمدة اثنتي عشرة سنة ابتداؤها سنة (١٣١٦) مالية فقضى هذا الشرير قسما منها ثم نجا بالعفو العام. وهو الآن حي يرزق دميم الوجه (كالحريري) أعمش العينين أرمصهما خبيث النفس ولكن الدهر خفف من زعارته وشرته وقد قيل: (نعم المؤدب الدهر) وإن لهذا المجرم جرائم عدة وقد سئل مرة عما دفعه إلى اغتيال أخيه فأجاب: لا تثيروا أشجاني ولا تنبشوا أحزاني إنه كان شفيقا رؤوفا بي مواسيا وحاميا لي فما أعظم إساءتي إليه ووا حر كبداه عليه. اهـ لقد حرضني عليه الظالمون النمامون من الغرباء وذوي القربى وسرت خباطا في ضلال مبين. (ذلك غدره وهذا عذره) أيد الله المصلحين المرشدين الذين سدكوا بتضميد جروح المجتمع وبث العرفان فيه وأغرموا بمداواة أمراضه ففي ذلك الأجر العظيم. الكاظمية قرب بغداد: مصطفى جواد الجزءان الحادي عشر والثاني عشر يسألنا كثيرون من داخل العراق وخارجه عن صدور الجزأين المزدوجين الحادي عشر والثاني عشر فنقول لهم انهما لم يطبعا إلى الآن لموانع حالت دون أمنيتنا ولعلهما لا يطبعان إلا بعد أربعة أشهر أي إلى أن يتفق لجزء الشهر الواحد أن يصدر في أول يوم منه لأنه إلى الآن لم يستهل لنا ذلك. لكن على كل حال لابد من صدور الجزأين معا. وكل آت قريب.

стр. 3164

فوائد لغوية الأب عجيبة هي لغتنا الشريفة: لو قلت لك إنها تفتح أسرار اللغات السامية والآرية، فلا تعجب، لأنه كذلك. خذ كلمة الأب (بفتح الهمزة وشد الباء) فإنها تفيدك معنى الكلأ والمرعى للدواب كالفاكهة للإنسان. وقال ثعلب: الأب: كل ما أخرجت الأرض من النبات. والأصل فيها: هجاء واحد أي أب (بفتح فسكون) وهو آخر ما تكون عليه اللفظة وهذا ما يدل على قدمها، أما الآرميون فيقولون في هذا المعنى (ابيانا) وتلفظ وتكاد تكون الكلمة في العبرية والسامرية والامحرية تشبه العربية لكنها ليست بهجاء واحد كما في لغتنا، كل هذا يدلك على أن صيغة حرفنا من أقدم الصيغ. ذلك من جهة اللغات السامية وإما في لغات الغرب فلليونانيين كلمة فانك أن حذفت من آخرها أداة الأعراب يبقى لك وهو كما في لغتنا لفظا أو يكاد، ومعناها عندهم: ماء النبات أو الماء الذي يجري في العود. وعندنا نحن الاباب (كسحاب) بمعنى الماء وبالضم: معظم السيل والموج. قابل كل ذلك بالهندية القديمة أي كلمة (آب) بباء مثلثة ومعناها الماء. وبالفارسية الحديثة (آب) بباء موحدة بمعناها، ويلفظها بعضهم (آو) وهي بالكردية) (آو) وبالزندية (آفش) وبالبروسية القديمة ومعناها النهر والينبوع وفي اللتوانية وفي اللتية أو اللتونية ولو أردنا أن نجري في وجهنا ناظرين ما يقابل لفظتنا في سائر اللغات لقضيت العجب مما تهتكه لك لغتنا من أستار الأسرار. وهذه الكلمة ليست الوحيدة في جنسها بل هناك مئات هي على هذه الشاكلة، بل قد جمعنا منها نحو ألفين، إذن أكرم بلغة تمكنك من القبض على أزمة سائر الألسنة. وكفى بها شرفا.

стр. 3165

باب المكاتبة والمذاكرة اللغة والعصر كتب إلينا أحد الأصدقاء العلماء في ديار مصر يقول: (ما رأي فضيلتكم في نشر هذا الحوار والتعليق عليه في (لغة العرب)؟ فهذا بحث مفيد. ثم أرسل إلينا بقصاصة من جريدة الكشاف الصادرة بمدينة القاهرة بتاريخ ٢ أبريل ١٩٢٨، فنحن ندرج هنا نص الحديث الذي جرى بين الشيخ الجليل وبين مكاتب الكشاف ثم نعلق عليه ما يبدو لنا. (لغة العرب) كيف تنهض لغة العرب حديث للشيخ عبد الله البستاني قال مكاتب الكشاف من بيروت: حدث الشيخ عبد الله البستاني، رئيس المجمع العلمي العربي اللبناني، عن هذا المجمع قال: لا نفع يرجى من المجمع العلمي، إلا إذا عرفت الحكومة كيف تنفق أموالها عليه: ثم قال: نحن الآن أمام حقيقة يعرفها الجميع. فليس بين البشر من يعمل بلا أجر، وأعضاء المجمع العلمي من هؤلاء البشر، فإذا لم يجدوا لهم فائدة من المجمع، لن يأتوا عملا ثابت الركن وطيد البنيان. وعندي أن أعضاء المجمع يجب أن يكونوا من المتخصصين، وممن يحسنون اللغات الأجنبية، لا من الواقفين على أصول اللغة العربية فقط، لأننا في مهمتنا سنأخذ على عاتقنا وضع مصطلحات جديدة، للاختراعات الحديثة، فيوضح لنا المتضلع في (كذا) اللغات الأجنبية اشتقاق الألفاظ التي تحتاج إليها لغتنا، فنضع لها المترادفات. ولا حرج علينا إذا نهجنا نهج علماء اللغة في أيام هارون الرشيد، فكانوا يأتون بالألفاظ الفارسية، والرساينية، ويثبتونها، أما على علاتها، أو بتعديلها بعض تعديل، ويجب علينا أن نأخذ بمبدأ النحت. ولو سألوني عن

стр. 3166

كلمة تلفون لقلت لهم: اكتبوها كما هي وقولوا: تلفن يتلفن تلفنة فاللغة لا يضيرها إذا نقلت عن اللغات الحية لتنهض وتعيش. أما موقف المجمع العلمي من سائر المجامع العلمية العربية فيجب أن يسوده ويسودها جميعا جو وئام وحسن تفاهم وعلى الحكومات العربية أن تكن همزة الوصل بين هذه المجامع فتسعى للتوفيق بينها؛ وليس أفضل من المكاتبات لتذليل كل عقبة تقف في الطريق فتتفاوض المجامع في ما بينها ولا تتمسك بسوى الرأي الصحيح. ثم أجاب على سؤال وجه إليه عن ترجمة قاموس (لاروس) إلى اللغة العربية فأجاب: لا باس أن نترجم من قاموس لاروس ما تخلو منه اللغة العربية من ألفاظ ولا يهولن أقطاب اللغة أمر تلك الترجمة فالكلمات غير الموجودة في لغتنا لا يصعب علينا أن نجعل لها وجودا (كذا) وأنا الكفيل. ثم قال: أن الجمود يقتل اللغة العربية وإذا نحن رددنا عنها تيار العجمة والرطانة والركاكة لا يستنتج من عملنا أننا نريد أن نعيش بعقل أبن البادية فإن أبن البادية جاءنا بما عنده وعلينا أن نتحف اللغة بما عندنا لتقوم لها قائمة وقد عابوا يوما على جمال الدين الأفغاني قوله: هذا رجل من نسل البقروت، فأجابهم: ألا تقولون جبروت ورهبوت وملكوت فلماذا تمنعون عني القول بقروت؟ قالوا: ولكنها لم ترد في كلام العرب. قال: وهل تريدون مني أن أنكر نفسي واخضع لبدوي. هذا ما قاله الأفغاني وهذه هي القاعدة التي يجب علينا العمل بها في إنهاض لغتنا. جوابنا نوافق على آراء الأستاذ الشيخ الجليل واللغوي المعروف إلى قوله: (ولا حرج علينا إذا نهجنا علماء اللغة في أيام هارون الرشيد. . .) فنخالفه فيه لأن الذي وجدناه نحن هو أن الذين وضعوا الألفاظ الفارسية والسريانية لم يكونوا من اللغويين في نظرنا، بل من النقلة. والناقل غير اللغوي؛ أما اللغويون فهم الذين وجدوا لتلك المفردات عربيات فصيحات قتلت تلك الأعجميات الدميمات. فقد قال النقلة مثلا السولوجسموس والافودقطيقي، والطوبيقي، والسوفسطيقي والربطوريقي، والبيوطيقي؛ ولما جاء المعربون اللغويون قالوا عوضا عنها:

стр. 3167

القياس، والإيضاح، والمواضع، والتحكم، والخطابة، والشعر. ومثل هذا كثير. ومن شاء فليراجع كتاب مفاتيح العلوم للخوارزمي والمؤلفات التي عربها كبار الفصحاء. والنحت لم يذهب إليه أحد إذ لم يوضع له ضابطة والألفاظ المنحوتة التي وصلت إلينا هي حروف جاءتنا في مواضيع مختلفة نطق بها الناس بعد أن صقلتها السنتهم، وهي غير جارية اطرادا على وجه من الوجوه؛ والاشتقاق عندنا يقوم مقامه ويوفي حقه بل يفوقه وقد وضعت له قواعد وصنفت الكتب وجاءت أبوابه في جميع المعاني. وكل لفظة منحوتة (وضعت في العلم) نزعت منه ولم تعش زمنا طويلا. ولغتنا ليست من اللغات التي تقبل النحت على وجه لغات أهل الغرب كما هو مدون في مصنفاتهم، والمنحوتات عندنا عشرات. أما عندهم فمئات بل ألوف لأن تقديم المضاف إليه على المضاف معروف عندهم فساغ لهم النحت أما عندنا فاللغة تأباه وتتبرأ منه. نعم هناك ألفاظ يقدم فيها المضاف على المضاف إليه كما في لغتنا. لكن مزايا لغتنا تفر من الجمع بين ذينك اللفظيين المتنافرين حفظا لسلامة الذوق أو هربا من إطالة الاهجية التي تستمرئها لغات الغرب وتنبذها لغتنا الشريفة. إلا إننا نقبل بين مفرداتنا الألفاظ المنحوتة الغربية الأصل فنقول: تلفون ونشتق منه فعلا فنقول تلفن كما قال السلف نوروز ونورز، وفيلسوف وفلسف؛ لكن هذا لا يكون إلا لشرطين وهما: ١ - أن تكون الألفاظ خفيفة النطق والصيغة. ٢ - أن تكون مادتها تشبه المادة العربية وإلا فانك لا تقول فوطغرف يفوطغرف اشتقاقا من الاسم الإفرنجي المنحوت (فوطغرافية) أن قبلناها. فما كل منحوت إفرنجي نقبل كما لا نشتق دائما منه فعلا يفيدنا مرادنا فالأمر موكول إلى الذوق العربي وأوزان لساننا وصيغ الألفاظ نفسها ومادتها. وهذا مما يجب أن ينتبه له. أجل لأننا لا نريد أن نسير برأي أهل البادية في لغتنا لكننا نريد أن نسير على المناحي والمنازع التي تلقيناها من السلف جيلا بعد جيل وأصلهم من البادية ولا نقبل أن ندخل في لغتنا مثل البقروت بحجة أن جمال الدين نطق بها. فلقد

стр. 3168

يكون المرء حسن الرأي والقول في أمور ولا يصح رأيه في أمور اخرى؛ ولهذا يجب علينا أن نعمل بقول من قال: لا تنظر إلى من قال وانظر إلى ما قال. فجبروت ورهبوت وملكوت ألفاظ ارمية الأصل والصيغة أو مشتركة بين الأختين الساميتين وكذلك البقروت فمعناها في اللغة الآرامية رعاية البقر؛ لكن هل نحن في حاجة إليها ذلك ما ندعه لحكم القارئ. وإذا كان لابد من وضع كلمة في هذا المعنى فالبقارية والفدادية (بالتشديد وياء النسبة) أقرب إلى المراد والطف اشتقاقا من البقروت الخشنة الثقيلة التي لا تغني فتيلا. الأدب العربي بعض أخطاء (عن الجزء ١٠٨ من مجلة (المهذب)) تحت هذا العنوان نشرت مجلة (الأفريكان ورلد الشهيرة في عددها المؤرخ ١٧ مارس نبذة جميلة تقديرا للأدب العصري في مصر، فأحببنا تعريبها لقراء (المهذب) ليروا كيف ينظر أدباء الغرب إلى جهدنا الأدبي في الوقت الحاضر. ولا يسعنا إلا توجيه الشكر إلى الزميلة لما تبذله بنفوذها القوي من مسعى جليل لتوثيق عرى الإخاء الأدبي بين الغرب والشرق بأقلام حضرات محرريها المستشرقين ونرحب بمثل هذه الآراء الصادرة من عاصمة الإمبراطورية الإنكليزية قالت: (لمناسبة تجدد العناية بالأدب العربي - كما سبقت الإشارة في (الأفريكان ورلد) - ربما كان المفيد في هذه الفرصة أن نمحو بعض الأخطاء الشائعة عن طبيعة الأدب العربي الحديث. فإن الفكرة الغالبة هي أن الأدب العربي الحالي يتمثل في الشعر وهذا ليس سوى طبعة جديدة للشعر العربي القديم اللهم إلا في تطبيقه على الظروف الحديثة! ولكن بينما شعراء العرب القدامى مخلصين في عواطفهم فالشعراء المعاصرون في العالم العربي أو على الأقل معظمهم لا يمثلون عقيدة فنية صادقة، وهم كثيرو التقلب في أغراضهم وأساليبهم. ولم يكن قليلون منهم من ترددوا في مقاومة حرب الاستقلال اليونانية وفي معاضدة الطاغية عبد الحميد! على أننا وإن لم ننكر هذه الآراء، وإن اعترفنا كذلك بأن ترجمات السير تشارلس لايال من ديوان الحماسة لأبي تمام تصلح لأن تكون بديلا بل مغنيا عن الترجمات المقترح عملها من نظم شعراء

стр. 3169

المدرسة القديمة المعاصرين، إلا إنه من العدل أن نذكر أن هناك عملا جيدا وافرا يقوم به في هدوء الشباب الناهض من شعراء العرب. وبغض النظر عن جهود الدكتور أبي شادي التي أشير إليها بتقدير على صفحات (الأفريكان ورلد) وفي جرائد أخرى بأقلام الأدباء المستشرقين فمن الواجب الإشارة إلى غيره من الشعراء المبرزين كشكري وجبران والعقاد وأبي ماضي دون أن ننسى النقاد والكتاب المشهورين أمثال الدكتور هيكل والدكتور طه حسين. وبتعاون هؤلاء الشعراء والنقاد المثقفين والعصريين حقيقة استطاعت مصر (وتبعا لها الأقطار العربية الأخرى) أن تنهض بمستوى الشعر العربي الذي صار الآن مساعدا على تأليف الدرامة والأوبرا ومؤديا نصيبه نحو تقدير الطبيعة وخدمة الإنسانية. وهذا الروح الجديد هو الذي يستحق أن يستحضر أكثر من قبل أمام الجمهور الأدبي في إنكلترا إذ لاشك في إنه سيقدم شيئا جديدا ممتعا، كما إنه سيعين على إنماء صداقة مدرسية جميلة ما بين الأدباء الإنكليز والمصريين وبالتالي ما بين الفريقين النابهين في الأمتين لفائدتهما المشتركة. ومن أجل هذا نرى الفرصة سانحة لإنعاش (جمعية الآداب العربية التي أسسها في لندن الدكتور أبو شادي والمستر ك. ميخائيل والمستر أ. بكري وغيرهم برئاسة الأستاذ مرجليوث منذ ١٤ سنة وغرضها الأول تبادل الثقافتين الإنكليزية والعربية. وقد خسرت هذه الجمعية بسبب ظروف الحرب وما بعدها وبسبب سفر الكثيرين من أعضائها من لندن. ولكن مع وجود المساعدة المالية والغيرة الأدبية فإنه من الميسور تجديد جهودها النافعة). اليوصي لا العفصي رأيت في جملة أغلاط معجم دوزي في مادة (أب) قوله أبو جرادة: ضرب من الطير الجوارح يسمى أيضاً بالباذنجان وفي الشام بالبصير وفي كتاب مخطوط في الاسكوريال ٨٩٣ يذكره المؤلف بين الطيور التي سماها: (الباشق واليؤيؤ والعفصي) اهـ. قلنا: والصواب اليوصي. لأننا لم نجد العفصي بهذا المعنى في أي كتاب كان. أما اليوصي وزان سبب وبياء النسبة في الآخر فيرى في جميع المعاجم. ب. م. م

стр. 3170

أسئلة وأجوبة السطو س - بينانغ (ملقى) السيد حسين المازندراني - هل يجوز في دين الإسلام أن يستخرج الرجل الولد الميت في بطن أمه إذا نشب فيه. وهل لهذا العمل أسم في العربية؟ وما يسمى بالإفرنجية؟ ج - كان يجدر بكم أن تسألوا هذا السؤال أحد علماء الدين الحنيف. على إنه لما كان يتصل باللغة نجيبكم على الأسئلة كلها. فنقول: جاء في تاج العروس: قال ابن الأعرابي: سطا (الرجل) على الحامل، وساط مقلوب، إذا أخرج ولدها. وحكى أبو عبيد السطو في المرأة ومنه حديث الحسن: لا باس أن يسطو الرجل على المرأة. وفسره الليث، فقال: إذا نشب ولدها في بطنها ميتا، فيستخرج، أي إذا خيف عليها ولم توجد امرأة تفعل ذلك. اهـ. فيؤخذ من هذا إنه: ١ - يجوز في دين الإسلام أن يستخرج الرجل من بطن المرأة الولد إذا نشب في البطن وكان ميتا ولم يكن في البلد امرأة تحسن إخراجه. ٢ - أسم هذا الفعل بالعربية السطو. ٣ - اسمه بالإفرنجية على ما نظن متى تكون (المنى) مذكرا ومتى مؤنثا س - الكاظمية - مصطفى جواد: قال (محمد بهجة الأثري) في رثاء الكبير سعد باشا: هذا مناي فإن تحقق فهو لي ... سلوى الحزين ورب سلوى تنفع والمني جمع (منية) مثل (نهى ونهية) و (زبى وزبية) وقد ظهر عندي إنه لم يفرق بين المذكر والمؤنث بقوله (هذا مناي) وقوله (فان تحقق) وقوله (فهو) وكذلك لم يفرق بين المفرد والجمع لأن (ذا) يشار به إلى المفرد

стр. 3171

المذكر وقد أشار به إلى الجمع المؤنث. فما قولكم دام فضلكم في هذا البيت الغريب الذي عددته أنا طعنة في قلب لغة العرب وأرشدت قائله إلى الخطأ فلم ينتصح. ولعلكم تظهرون أني مخطئ لأن إصرار القائل على قوله إصرار عجيب يستوجب وجود حجة قوية لديه. ج - (مناي) في البيت المذكور مفرد مذكر لا جمع وهو وزان (على) الجارة بعد حذف الضمير للمتكلم ومعناه (القصد) كما صرح به اللغويون. ولو فرضنا أن الكلمة هنا جمع منية فالمعنى يكون حينئذ: هذا الأمر مناي، فتكون خبرا لمحذوف وهو كثير الأمثلة في لغتنا. فلا طعنة هناك ولا غرابة. النضوج س - الله آباد (الهند) - السيد محمد برغش الافشاري: أرى في كتب المصريين وصحفهم ومجلاتهم النضوج بمعنى النضج أي أدراك الثمر أو نحوه، فهل ورد هذا اللفظ عند الفصحاء؟ ج - لم يرد هذا اللفظ أو هذا المصدر في كلام الفصحاء، لكن النضوج قد يؤول بجمع النضج وحينئذ يستقيم المبنى والمعنى. ومثله النضوج فإنه لم يرد، لكنه يقاس وإن لم يسمع. قال في لسان العرب في مادة ض ح: (فأما قول أبي حنيفة (الدينوري، صاحب كتاب النبات) نضوج الشجر (بمعنى تفطره بالورق) فلا أدري أرآه للعرب أم هو أقدم، فجمع نضج الشجر على نضوج لأن بعض المصادر قد يجمع كالمرض والشغل والعقل. قالوا: أمراض وأشغال وعقول). اهـ. قبلة وقرطاس وهدف س - بيروت - ق. ل. ما أحسن كلمة عربية تقابل؟ ج - معنى الفرنسية: خشبة تتخذ مرمى لأسلحة النار والكلمة الفرنسية عربية الأصل وهي القبلة ومعناها كل ما يستقبل من شيء. ومن مرادفاتها بالعربية القرطاس والهدف. والفرنسيون لم يعرفوا إلى الآن أن لفظتهم من لساننا. إذ لم تذكرها معاجمهم، بل ذهبوا إلى إنها من أصل ألماني وهذا خطأ ظاهر.

стр. 3172

باب التقريط ٣٩ - كلمات جبران خليل جبران جمعها من مؤلفاته المختلفة (في ١٧٠ ص بقطع ١٢) الارشمندريت انطونيوس بشير، عني بنشرها الشيخ يوسف توما البستاني، طبعت في المطبعة العربية بمصر القاهرة. للكاتب جبران خليل جبران روائع أفكار. كما له أفكار تمت إلى عنقاء مغرب بخيال بعيد، بيد أن الغالب على هذه (الكلمات) خواطر جامعة بين صحة الفكر وجدة العبارة، على أن للمؤلف طرازا من السبك إذا ألفه القارئ مله لوحدة نسقه. والكتاب حسن الطبع والحرف والورق. وهو ما يجلب نظر القراء في هذا العصر والشيخ يوسف البستاني نشر مؤلفات كثيرة عربية لم ينشرها غيره فهو جدير بالشكر. ٤٠ - المجلة السورية تاريخية أدبية علمية مصورة تصدر مرة في الشهر في مصر القاهرة، لصاحبها ومحررها: الخوري بولس قرألي. دفع لينا البريد في الأسبوع الأخير من نيسان جزأين من السنة ٣ من هذه المجلة فألفيناهما حافلين بالمواضيع العامة الفائدة عن المباحث الخاصة بسورية. وهي مما تفرغت له هذه المجلة الحديثة. ويلاحظ الأدباء أن المجلات المتخصصات لفرع من فروع العلم والتاريخ والأدب أمتع لهم من سواها، ولاسيما المجلات التي تدعي إنها تبحث عن كل مقصد وغاية، فانك تجدها فارغة. بل افرغ من فؤاد أم موسى. فنحن نتمنى للخوري بولس قرألي - وهو من بيت علم وفضل وأدب - اطراد النجاح لمجلته والفوز بالفلاح وهذا ما يرى في تضاعيف سطورها كلها.

стр. 3173

٤١ - فتاة الشرق مجلة علمية أدبية تاريخية روائية، تصدر في مصر القاهرة مرة في الشهر لصاحبتها ومحررتها لبيبة هاشم. جاءتنا أجزاء هذه المجلة لسنتها الثانية والعشرين فوجدناها من أفضل مجلات الإناث وأقدمها وقد خدمت الوطن العربي ولغته بين النساء خدمة لا تنكر ومباحثها من أطيب الموضوعات وفيها من المقالات الطويلة النفس ما يشبع منها قارئها وليست نبذا مقطعة الأوصال مشوهة الأعضاء كما يرى في بعض المجلات التجارية البضاعة فالمجلة حافلة بكل معنى طريف، جدير بأن تطالعه بنات الخدور، كما يليق بأن يطالعه أبناء القصور على السواء. ٤٢ - صدى الكرخ جريدة أدبية أسبوعية تصدر في بغداد بقطع الربع، صاحب امتيازها: الملا عبود الكرخي ومحررها عبد الأمير الناهض. كانت (الكرخ) أم (الصدى) كتبت مقالا حول الصراع القائم بين صحف الاستعمار وصحف الوطن عن مسالة مظاهرة الطلبة، فرأت مديرية المطبوعات في ذلك المقال خروجا عن الخطط المرسومة للصحف الأدبية فأقفلتها. وألان حصل صديقنا الشاعر العامي الكبير الملا عبود الكرخي على امتياز لإصدار خلف للكرخ فسماها (صدى الكرخ) وهي كلها مشحونة بالقصائد العامية اللذيذة كثيرة المقالات المفيدة ظهر عددها الأول يوم الثلاثاء ٢٧ نيسان ١٩٢٨ فنتمنى لها النجاح والعمر الطويل. ٤٣ - الاقتصاد مجلة شهرية اقتصادية مصورة تبحث بالتجارة (كذا) والصناعة والزراعة، في ٥٢ ص بقطع الثمن. المدير المسؤول: بديع شوكت، بدل الاشتراك عن سنة كاملة ١٠ روبيات في كل مكان، طبعت بالمطبعة الوطنية عشار، (كذا) بصرة (كذا) هذه المجلة تصدر في البصرة بعربية خاصة بها وعبارات لا يعرفها إلا بعض البصريين وتحتاج إلى أن يفتح مغلقها في الحاشية لكي لا يحرم فوائدها من ليس من ذلك الثغر العربي القديم. فنحث الناس على مطالعتها.

стр. 3174

باب المشارفة والانتقاد ٤٤ - السريريات والمداواة الطبية لمؤلفيه الحكماء: ترابو ومرشد خاطر وشوكة موفق الشطي، طبع على نفقة وزارة معارف دولة سورية الجليلة. دمشق سنة ١٩٢٧. وصلنا من هذا الكتاب النفيس ٥٧٦ صفحة فاخرة الورق بقطع الثمن وهو لم يتم. والذي لاحظناه فيه: وقوف أصحابه على المستحدثات الطبية والاختبارات التي انتهت في السنة الماضية وهو لا يزال يطبع ويدون فيه أصحابه كل ما يكشف في هذه السنين. وتزينه صور كثيرة متنوعة تجلي ما غمض من إدراك بعض الأمور التي تحتاج إلى رؤية العين في الخزع والبضع والقطع. ومما يلفت الأنظار حسن عبارته وابتعادها عن ركاكة بعض المؤلفات الطبية التي يكثر فيها سقم المنطق، وإدخال ألفاظ أعجمية تنفر القارئ عن المطالعة أو تتحرى وضع مفردات لا توافق لغتنا العدنانية. فلا جرم أن هذا السفر الجليل يرفع ذكر واضعيه فيكون في مقدمة المصنفات الطبية، إذ فيه مزيتان: مزية تنفع أبناء اسقلبيوس (اسكولاب) وهو ظفرهم بتصنيف يوقفهم على أحدث الآراء واقرب الطرق إلى مداواة المرضى وتخفيف ما يصابون به من الويلات ومزية تنفع المنتمين إلى الفصاحة والبيان ومعرفة المصطلحات الطبية والطبيعية والخلقية من قديمة وحديثة، إذ يجدون فيه كنزا نفيسا جواهره مفردات تزري بكل عقد ثمين، أو حجر كريم. ومعنى كلامنا هذا، أن لابد من اقتناء هذا التأليف البديع، إذ لا يستغني عنه أديب ولهذا نتمنى له كل انتشار ورواج.

стр. 3175

٤٥ - معجم المطبوعات العربية والمعربة وهو شامل لأسماء الكتب المطبوعة في الأقطار الشرقية والغربية مع ذكر أسماء مؤلفيها ولمعة من ترجمتهم وذلك من يوم ظهور الطباعة إلى نهاية السنة الهجرية ١٣٣٩ الموافقة لسنة ١٩١٩ ميلادية، جمعه ورتبه يوسف اليان سركيس بشارع الفجالة رقم ٥٣ مصر القاهرة ١٩٢٨م بقطع الربع الكبير. كلنا نعلم من هو يوسف اليان سركيس، أي هو رجل مولع بالكتب ومطالعتها ومحل وجودها ويعني بهذه المهنة منذ عدة سنين وأنجاله يشبهونه في هذا الغرام غرام الأدب. ونحن نعرف هذا الصديق منذ أعوام كثيرة وعرفناه بهذا الولع العجيب وكان يشتغل بوضع هذا السفر الجليل وألححنا عليه مرارا بطبعه فكان يمتنع. أما اليوم فقد شرع في إبرازه إلى عالم الوجود فإنه ديوان جليل لا يستغني عنه كل أديب يعرف العربية مهما كانت مهنته. ولقد أرسل إلينا الصديق الجليل بنموذج ما صدر منه فإذا هو في ٧٢ عموا أو ٣٦ صفحة بقطع الربع وكل صفحة منه مقسومة شطرين لكي لا يطول السطر ويضيع القارئ السطر التالي في أثناء المطالعة. وطريقته في هذا المعجم أن يذكر المؤلف بموجب ترتيب حروف الهجاء وسنة ولادته ومحلها وسنة وفاته ومحلها ويشير إلى تآليفه وموطن طبعها وإن طبع المصنف مرارا وفي مدن مختلفة فيذكرها. وكل ذلك على أحسن صورة وأبدع حرف بحيث لا يسقط نظر القارئ على الصفحة إلا يرى فيها كل ما ذكرناه وإذا احتاج إلى زيادات وإضافات في الإفادات ذكرها في هدب الحاشية. وكل مؤلف مذكور اسمه في وسط السطر بحرف ممتاز وكذلك فعل عند ذكر أسم كل تصنيف. على إننا لا نتوقع أن يكون هذا التصنيف الجليل كاملا في طبعته الأولى، لما يتطلب من البحث والتنقير وكثرة الاطلاع. وهذه صفات لا تجتمع في الرجل الواحد إلا من باب الشذوذ. ولنا دليل على ما نقول أن المؤلف نسي عدة كتب مطبوعة للعلماء الذين ذكرهم. من ذلك إنه ذكر لأستاذنا محمود شكري الالوسي ثلاثة كتب مطبوعة فقط ونسي:

стр. 3176

١ - فتح المنان، تتمة منهاج التأسيس، رد صلح الاخوان، طبع في الهند. ٢ - المنحة الإلهية تلخيص ترجمة التحفة الإثني عشرية (كذا). طبع في الهند. ٣ - كشف الحجاب عن الشهاب في الحكم والآداب. ٤ - شرح أرجوزة تأكيد الألوان. نشر في مجلة المجمع العلمي العربي في دمشق. ٥ - السواك. وقد نشر في مجلة الحرية في بغداد. (لا نذكر هنا مساجد بغداد لأنه طبع في سنة ١٩٢٧ وصاحب المعجم يقف في سنة ١٩١٩ ولا كتاب الضرائر. . . ولا كتاب تاريخ نجد ولا غيرها من المؤلفات). وسوف يظهر المعجم المذكور أجزاء ليسهل اقتناؤه ومطالعته وفي كل جزء ١٠٠ صفحة كبيرة بقطع الربع كما قلنا. فيكون مجموع ما في الجزء الواحد ٢٠٠ صفحة لو جعلناه بقطع الثمن أو مائتي عمود. وثمن كل جزء ٢٠ قرشا مصريا أي نحو ثلاث ربيات وإن أراد المشتري أن يدفع ثمن الكتاب سلفا (ويكون في ٢٠٠٠ صفحة مزدوجة) فقيمته ١٥٠ قرشا مصريا وترسل إليه الأجزاء تباعا خالصة الابراد (أجرة البريد) هذا ما علمناه بكتاب خاص ورد إلينا. ونحن نأمل أن يلحق المؤلف خاتمته بالتصويبات إذ المطبوعات لا تخلو من أوهام. فقد قرأنا في ص ٨: (قمر على سوريا. . . وكان شغوفا بالمطالعة. . . فوفق لتأليف مكتبة. والصواب: على سورية (كما يكتبها جميع اللغويين والكتبة الإثبات. ولا عبرة بما يكتبه بعض الصحفيين)، وكان مشغوفا (لأنه مشتق من فعل شغف المجهول الصيغة)، فوفق لتأليف خزانة (لان المكتبة هي المكان الذي تكثر فيه الكتب لتباع). ومن أوهامه ذكره أسم طابع كتاب غرائب الاغتراب ونزهة الألباب وانه أحمد شاكر الالوسي نجل أبي الثناء شهاب الدين السيد محمود والحال أن ناشره هو أستاذنا محمود شكري الالوسي بن عبد الله بن محمود الالوسي. والذي ساقه إلى الوهم هو إنه رأى على ظهر الكتاب المطبوع، غرائب الاغتراب. . . (حقوق إعادة الطبع محفوظة لنجل المصنف. . . السيد أحمد شاكر الالوسي). فالناشر

стр. 3177

شيء وصاحب حقوق إعادة الطبع شيء آخر. على أن أوهام الطبع لا صلة لها بفوائد هذا المعجم الفذ فنحث جميع الأدباء والفضلاء على اقتنائه. ٤٦ - عجائب الزمان في صرح عروس البلدان رواية تاريخية أدبية اجتماعية في ١١٠ ص بقطع ١٢، بقلم المحامي آكوب كبرئيل، طبعت في المطبعة الكاظمية في البصرة سنة ١٩٢٨. مؤلف هذه الرواية أحد المحامين في البصرة وكان قد عني بزرع أرض جليلة القدر وجلب لها أدوات السقي والفلاحة واتخذ لها عددا عديدا من الاكرة والعملة فاحتك بهؤلاء كلهم وبغيرهم وأراد أن يذكر ذلك بصورة روائية فأنتجت له قريحته هذه الرواية. والظاهر إنه عني بمعناها أكثر مما عني بمبناها، لأن عبارتها لا تخلو من ركاكة ظاهرة فقد قال مثلا في ص ٥١: (الجلوس إلى خوان الطعام. . . والمعتم بالعمامة. . . بالأردية السمال رجلا هامجا. . . كما جاء في قول أحد إخواننا الأدباء: ولبس عباءة وتقر عيني ... خير إليّ من لبس الشفوف) والذي نعرفه إنه يقال: مائدة الطعام. . . والمعتم. . . بالأردية الأسمال رجلا همجة. . . كما جاء في قول ميسون بنت بحدل الكلبية (وفي محيط المحيط في مادة شفف ميسون بنت جندل الفزارية وقيل الكلابية وهو خطأ صريح كما هو مألوف عادته): ولبس عباءة وتقر عيني ... أحب إليّ من لبس الشفوف والبيت أشهر من أن يذكر إذ يستشهد به النحاة لإضمار أن المصدرية جوازا بعد عاطف على أسم صريح. فعسى أن تصحح هذه الرواية من أغلاطها العديدة التي لا تخلو منها صفحة في طبعة ثانية!

стр. 3178

٤٧ - الثقافة مجلة الحركة التجديدية في العراق في ٦٤ ص بقطع الثمن، مديرها: لمحامي عبد الجليل يرتو، طبعت في المطبعة الكاظمية: عشار (كذا) بصرة (كذا). وصل إلينا الجزء الخامس من هذه المجلة ولم يصل إلينا الأجزاء الأربعة الأولى وهي لا تخلو من فائدة: فعسى أن تصادف فلاحا ونجاحا. ٤٨ - كتاب الأصنام كتاب الأصنام لأبي المنذر هشام بن محمد بن سائب بن بشر الكلبي، المتوفى سنة ٢٠٤هـ ٨١٩م هو أجود كتاب في هذا الموضوع إن لم يكن الوحيد في بابه. وقد عثر صديقنا النقابة البحاثة، أحمد زكي باشا من علماء مصر - ومصر موطن العلم والعلماء - على نسخته الفريدة التي أبقت عليها يد الزمان، فنشرها بعد أن قدم لها مقدمة ممتعة، وعلق عليها حواشي نافعة، تنم عن علم وفضل غزيرين. وطبع هذا الكتاب للمرة الأولى في المطبعة الأميرية بالقاهرة، سنة ١٣٣٣هـ ١٩١٤م بحرف مشكول على ورق صقيل، فجاء أية في الإتقان. وأهدى إليّ صديقي الزكي سنة ١٣٤٢هـ ١٩٢٣م وأنا في بيت المقدس نسخة من هذا الكتاب الذي لم ينتشر بين عامة القراء، إلا قبل سنة واحدة حيث أعيد طبعه في المطبعة المذكورة فتداولت الأيدي طبعته الثانية وعم النفع بها. ترجمته إلى الفرنسية في سنة ١٣٤٣هـ ١٩٢٤م كان زارني المستشرق الفاضل الأب جوسين

стр. 3179

الدمنكي وطلب إليّ أن أعيره نسختي ليعمل على ترجمتها إلى الفرنسية وعلمت منه إنه من الذين تخصصوا في هذا البحث وضربوا في طول بلاد العرب وعرضها وجابوا الصخر بالواد لأجله وإذا لم تكن قد خانتني الذاكرة فإنه كان في العلا وما إليها عند شبوب نار الحرب الكونية الكبرى فنجا بروحه بشق الأنفس وعاد إلى بيت المقدس. فأعرته نسختي عن طيب خاطر أو قل جدنا عليه بما جاد به علينا الخيرون وعدت بعد ذلك إلى الإقامة في حيفا. (لم يتم) حيفا (فلسطين): عبد الله مخلص ٤٩ - الشوقيات الجزء الأول: السياسة والتاريخ والاجتماع لأحمد شوقي، طبع في مطبعة مصر، شركة مساهمة مصرية في ٣٧٦ ص بقطع الثمن - ١ - في شهر حزيران من السنة الماضية كتب إلينا أحد الفضلاء رسالة طويلة

стр. 3180

هذه زبدتها: (أني مغرم بشعر شوقي بك. لأنه عصري المغزى، بديع المعنى محكم المبنى. لا يرى في أبياته أدنى ركاكة حتى إنك لا تجد في كل ما نظم ضرورة شعرية واحدة مهما كانت. وإذا تليت قصائده، سمعت أنغام أوتار تذكرك أنغام ملائكة السماء. وكثيرا ما ترفعك تلك الحبرات إلى طبقات علية من الأفكار، لا تجدها في أي شعر كان من الأقدمين والمحدثين، من جاهلين وإسلاميين. والى الآن لم يستطع أحد أن يجد فيما نظم وأبدع أدنى شائبة من أي نوع كان. فإن كان عندكم ما يخالف مقالنا أو مدعانا فنرجوكم أن تذكروه خدمة للأديب وسعيا وراء إصلاح ما يظن إنه لا يناله ارفع انتقاد. فكتبنا إليه ما هذا معناه: (الأذواق قد تختلف في الناس اختلاف صورهم ووجوههم وسحناتهم. وإذا اغرم أحدنا بشيء فهذا لا يدل على أن سائر الناس يغرمون به، فلك ذوق ولغيرك ذوق آخر، أما نقد (الشوقيات) فلا نتعرض له، ما لم يهد إلينا أحد نسخة منها أو يكتب أحد في هذا الموضوع نقدا نظنه صائبا (فندرجه له). فلم يرد علينا الفاضل بكلمة، وألان قد أتحفنا أحد الأدباء بنسخة من هذا الديوان وطلب إلينا أن نبدي رأينا فيه. ولما كان الكتاب كثير القصائد ويصعب علينا أن ننقدها جميعها إذ لا يسعنا الوقت ولا يمكن أن نرصد صفحات كثيرة من مجلتنا هذه لمثل هذا الموضوع الذي لا يفيد إلا جماعة من القراء أخذنا أول قصيدة من تلك المجموعة وآخر قصيدة منها ثم أوسطها فنقدناها نقد مجملا ليكون مثالا لبقية تلك المنظومات ولعلنا ننقد غيرها في فرصة أخرى. فنقول: نقد للقصيدة الأولى من الشوقيات لا يخرج شعر شوقي بك في الأكثر من أفكار متناقضة، لا صلة لها بالطبيعة أو الحقيقة التي تستند إليها، وتفاهة وتقليد للقدماء. خذ مثلا قصيدته الهمزية في أول ديوانه فإنها نموذج لكل ذلك. قال: (ص ١) همت الفلك واحتواها الماء ... وحداها بمن تقل الرجاء ولا أدري أأنزلت في الماء الفلك التي أقلت من فيها ساعة ركوبهم ليحتويها الماء حينئذ. ألم يكن الماء محتويا إياها قبل أن تهم؟ وهل كان رجاؤهم هو

стр. 3181

الذي حداها؟ إذن ماذا كانت وظيفة الربان؟ وقال (فيها): ضرب البحر ذو العباب حواليها ... سماء قد أكبرتها السماء وفي البيت مبالغة ذميمة، فإن البحر ليس بشيء يذكر بالنسبة إلى سعة السماء فكيف تكبره هذه؟ - وقال (فيها): ورأى المارقون من شرك الار ... ض شباكا تمدها الداماء وجبالا موائجا في جبال ... تتدجى كأنها الظلماء وأنت ترى إنه شبه فيهما أمواج البحر تارة بالشباك وأخرى بالجبال الموائج في مثلها، على ما بينهما من الفرق. ومعنى (تتدجى)): تظلم. فكأنه يقول: تظلم كأنها الظلماء. وقال (فيها): ودويا كما تأهبت الخيل ... وهاجت حماتها الهيجاء وكلمة (دويا) معطوفة على قوله قبلا: (ورأى المارقون من شرك الأرض شباكا. . . وجبالا). ولا أدري أيرى الدوي أم يسمع؟ وقال (فيها): لجنة عند لجة عند أخرى ... كهضاب ماجت بها البيداء والهضاب في البيداء ثابتة، فلا يحسن تشبيه لجج البحر بها، كما لا يحسن إسناد الموج إلى هضاب البيداء. وقال (فيها): نازلات في سيرها صاعدات ... كالهوادي يهزهن الحداء شبه السفين في البحر في نزولها وصعودها بالإبل التي يهزها الحداء. والمقصود من النزول والصعود هو ابتعادها عن الأنظار واقترابها؛ فلا وجه لتشبيهها من هذا الوجه بالإبل التي تهتز للحداء. ثم ماذا حدا بأمير الشعراء في القرن العشرين (؟!) أن يشبه البواخر بالإبل في سيرها. ألم يمض بعد زمان التغني بالإبل والتشبيه بها؟ وقال (فيها): رب أن شئت فالفضاء مضيق ... وإذا شئت فالمضيق فضاء ولا صلة لهذا البيت بما قبله أو بعده؛ وإنما هي الصنعة - طرد العكس - هي التي حببت إليه إثباته في مكانه؛ وإلا فإن هناك بحرا رحبا ولا فضاء قد صار مضيقا، ولا مضيق قد صار فضاء. وقال (فيها): فأجعل البحر عصمة وابعث ... الرحمة فيها الرياح والأنواء

стр. 3182

يدعو (أمير الشعراء) أن يبعث الله الرحمة فيها الرياح والأنواء وهو في البحر كأنه طائر البحر الذي يأنس بالزوابع، وهل يكون البحر عصمة إذا هبت الرياح والأنواء؛ ثم أخذ يتصوف في أبيات، ثم طفر يتكلم عن البخار ولكن بشعور عرب الجاهلية، فقال (ص ٢): يا زمان البخار لولاك لم ... تفجع بنعمى زمانها الوجناء وهل كان تحميل الناقة والسير عليها أياما وليالي في القفار نعمى لها حتى تفجع بها بسبب البخار؟ وقال (فيها): فقديما عن وخدها ضاق وجه ... الأرض وانقاد بالشراع الماء فهل صحيح أن وجه الأرض في القديم كان يضيق عن سير الإبل؟ وإن كان صحيحا فالإبل أفضل من البواخر. وهو في مقام تفضيل البخار عليها، كما يدل عليه قبل البيت قوله:. . . (لولاك لم تفجع الوجناء) وإذا كان الماء قبل وجود البخار ينقاد بالشراع، فما فضل البخار عليه؟ - ثم أتى بأبيات كلها مبالغ فيه مبالغة شعراء القرون الوسطى إلى أن قال (فيها): تشفق الشمس والكواكب منها ... والجديدان والبلى والفناء ولا اعتقد أن شوقي عندما قال هذا البيت، كان يعتقد أن الشمس والكواكب كانت تخاف من قبور الفراعنة في مصر؛ ثم تأتي أبيات سخيفة وأخر عامرة. وقال (ص ٣): ليت شعري والدهر حرب بنيه ... وأياديه عندهم أفياء ما الذي داخل الليالي منا ... في صبانا ولليالي دهاء وأظن كهنة مصر الأقدمين أيضاً يعجزون عن فهم ما يريده منهما (أمير الشعراء)، وقال وراءهما (فيها): فعلا الدهر فوق علياء فر ... عون وهمت بملكه الأرزاء ولا أدري أي فرعون يعني، فهم كثار. و (همت) إذا تعدى بالباء، فهو بمعنى نوى الشيء وقصده ولم يفعل؛ فهل يريد أن الأرزاء أرادت أن تلم بملك فرعون، فلم تفعل؟ وهو خلاف الواقع، - ثم تأتي أبيات ركيكة

стр. 3183

قلقة القوافي، لا تمت حتى إلى الشعر القديم بواشجة وقال (ص ٤): قد أذل الرجال فهي عبيد ... ونفوس الرجال فهي إماء جعل الرجال عبيدا، ونفوس الرجال إماء، فهل نفوس الرجال غير الرجال؟ - أم هل يلعب بالألفاظ، فيجعل النفوس إماء لأنها جمع نفس وهي مؤنثة من حيث اللغة سماعا. فهلا قال في الشطر الثاني: (وأذل النساء فهي إماء)؟ وقال بعد بيت (فيها): ولقوم نواله ورضاه ... ولا قوام القلى والجفاء ففريق ممتعون بمصر ... وفريق في أرضهم غرباء وإذا كان رجال مصر يومئذ أذلاء عبيدا، ونفوسهم إماء كما صرح به في البيت المتقدم، فمن هو هذا الفريق الممتع في مصر؟ (له بقية) ٥٠ - ديوان العقاد - ١ - الأستاذ العقاد كاتب كبير وكنا نعتقد إنه كذلك شاعر كبير، حتى جاءنا ديوانه الجديد حافلا بما نظمه قديما وحديثا، فإذا هو دون ما أكبره تصورنا وإذا هو مشحون بالأغلاط والضرورات القبيحة، وإذا هو قبر للألفاظ الميتة دارس فيه كثير من العظام البالية، وإذا هو تافه المعاني في الأكثر، وإذا هو في كثير من قصيده يخرج عن الموضوع فلا تبقى فيه الوحدة المتوخاة منه، وإذا هو يبالغ أو يغرق في كثير من أبياته، وإذا هو يقلد القدماء فليس فيه ما يمت إلى الشعور بواشجة إلا أبياتا قليلة متفرقة هنا وهناك. وكنا نراه قبل نشره ديوانه يطعن في مواهب كبار الشعراء، بل كان ينال من كل شاعر عربي تقريبا، مصريا كان أو شاميا أو عراقيا، فما كنا نفهم علة ذلك بعد سكوته الطويل عن الشعر والشعراء، حتى ظهر ديوانه العجيب فأدركنا السر. وقد دفعني حبي للأدب. أن انقده نقدا نزيها كما هو عادتي عند ظهور كل ديوان لأديب قد اشتهر؛ فاذكر على سبيل الإجمال ما أجده فيه من الحسنات

стр. 3184

والسيئات، ففعلت وعسى أن لا يسوء الأستاذ نقدي هذا، ولي شفيع من قوله في صدر ديوانه: فيه من الحكمة والغباء فليلق بين القدح والثناء ما شاءت الدنيا من الجزاء ولما كان إظهار كل ما فيه من زيغ وشطط، يحتاج إلى زمان طويل اكتفيت بذكر ما هو بارز من الأغلاط أو سخيف من المعاني غير مغفل التنويه بما أجاد فيه فبرز على غيره ولله وحده العصمة. قال ص ١٩ من قصيدة (فرضة البحر): قطب السفين وقبلة الربان ... يا ليت نورك نافع وجداني أن كان يريد فرضة خاصة فهذه ليست قطب جميع السفن، وقبلة كل ربان، كما يفهم من الإطلاق، وإن أراد الفرضة عامة فما تعلقها بوجدانه ليكون نورها نافعا له أو غير نافع؟ والقصيدة برمتها في وصف الفرضة فما ادخل وجدانه في هذا الصدد؟ وقال: يزجي منارك بالضياء كأنه ... أرق يقلب مقلتي ولهان و (يزجي) يتعدى بنفسه لا بالباء. وقال: وعلى الخضم مطارح من ومضه ... تسري مدلهة بغير عنان المطارح هي المواضع التي يطرح إليها الأشياء، وهي من البحر المواضع التي يصيبها ومض المنار؛ وهذه ثابتة لا تسري بل الذي يسري هو ومض المنار وهو غير المطارح. وقال: تخفى وتظهر وهي في ظلمائها ... باب النجاة وموئل الحيران افهم أن تكون مطارح ومض المنار في ضيائها باب النجاة وموئل الحيران ولا افهم أن تكون كذلك في ظلمائها. ثم قال: أمسيت إحداق السفائن شرع ... صور إليك من البحار رواني ولو نصب (شرع) على الحالية لخلا البيت من تتابع الأخبار شرع، صور. رواني. وقال:

стр. 3185

فكأن ضوء منارها نار القرى ... لو كان يبعث ميت النيران ولا أدري لماذا جعل بعث ميت النيران ممتنعا، كما يدل عليه (لو)؟ ولماذا علق كون ضوئها مشبها نار القرى ببعث ميت النيران؟ وفي القصيدة أبيات رائعة كقوله: بسطت ذراعيها تودع راحلا ... عنها وتحفل بالنزيل الداني زمر توافت للفراق فقاصد ... وطنا ومغترب عن الأوطان متجاوري الأجساد مفترقي الهوى ... متبايني اللهجات والألوان وقال من قصيدة (عزاء): يا شاكيا وصبا أحاط بنفسه ... أربع عليك لكل يوم كوكب وقد شرحه بقوله: أن الأيام تختلف كواكبها فيوم للنحس، ويوم للسعد وأني استحلف القراء هل يفهمون من قوله: (لكل يوم كوكب) هذا المعنى قبل مراجعة الشرح؟ وقال: أنت النعيم لناظري وخاطري ... عجبا وحقك من نعيم ينحب أهذه المغالطة من الشعور الذي يدعو الأستاذ الشعراء إليه؟ وهل يخرج من كان نعيما للأنظار بجماله عن كونه إنسانا يتألم؟ وقال: يشكو من الدنيا الألى لولاهم ... ما كانت الدنيا تحب وترغب و (رغب) فعل لازم لا يبنى منه المجهول إلا بحرف الجر و (رغب) لا يحذف منه حرف الجر لأنه يتعدى بحرفين مختلفين (فيه وعنه) ويختلف معناه بموجبهما فأي معنى يريده منهما؟ وإذا صحت قاعدته من أن الذين تحب الدنيا بهم يشكون من الدنيا فما باله قد تعجب في البيت قبله من نحيب حبيبه؟ وقال: قد كنت تبلغ ما تروم وتشتهي ... لو أن للأيام عينا ترقب ولكن الأيام ليس لها عين ترقب فأنت لا تبلغ ما تروم وتشتهي. هذا هو المعنى الذي أراده فهل يلائم قوله بعده: لا يذهبن بك القنوط فربما ... عاد الصباح وأنت لاه تطرب إذ كيف يؤمل له أن يلهو ويطرب بعدما أحال أن ينال ما يروم ويشتهي؟ وقال من قصيدة (فينوس) ص ٢١ وقد عربها من شكسبير:

стр. 3186

وتنفخ في روع الغبي فينبري ... فصيحا ويغدو مدره القوم ابكما فقوله: (ويغدو) معطوف على (فينبري) وهو معطوف بفاء التفريع على تنفخ في روع الغبي، فكيف يكون الغبي مدرها؟ وإذا تسامحنا فقلنا إنه معطوف على (تنفخ) فبأي شيء يغدو المدره ابكم إذ لا تعلق للنفخ به، وقال ص ٢٢: (عرامة مجنون ورقة مائق) وشرح العرامة بالشراسة، والمائق بالأحمق، وإذا كانت الكلمتان تحتاجان إلى شرح فلماذا جاء بهما؟ ولماذا لم يضع مكانهما الكلمتين اللتين شرحهما بهما؟ والوزن مساعد فيقول: (شراسة مجنون ورقة أحمق) ثم لا أدري متى كان الأحمق رقيقا، بل الحقيقة أن الإنسان كلما زادت حماقته اقترب من الحيوانية، فكثرت غلطته، وقال (ويسفه فيك الشيخ أن بات مغرما) وأحسن من قوله (إن بات) (قد بات) ليكون حالا. وقال (عسوفا إذا ما الخوف قد كان احزما) ولا تجتمع (قد) للتحقيق والشرط فلا يقال (إذا ما زيد قد أتاني) لأن الشرط مشكوك في وجوه فلا يناسبه التحقيق. وقال (وأنت بأن تقسو جدير وترحما) أليس عجيبا أن لا تنصب (أن) فعل المضارع بها - تقسو - وتنصب الفعل البعيد عنها - وترحما - بواسطة العطف؟. وهذا قبيح وإن جاز. وقال: وإن شئت أزجت الجبان فاقدما ... ووسوست في قلب الجريء فأحجما وهو في صدد ما سيصيب الحب من الكوارث أو التناقض، فقوله (أن شئت) ينافي ما يريده. فما دام الأمر قائما بمشيئة الحب فالحب لا يشاء ما يكون فيه زراية عليه، فهو لا يورط نفسه. وقال (ألا ولتفرق والدا عن وليده) واللام للأمر الغائب فلا يدخلها الفصحاء على المخاطب. وقال ص ٢٣: أحمل هذا الدهر ذم صنيعه ... كما يحمل العبد السياط ليضربا ويشبه عبد السوء في كل فعله ... فيضرب أحيانا وما زال مذنبا شبه الأستاذ الدهر بالعبد الذي يضرب بالسياط، ولا أحسب أن الأدب العصري يهضم مثل هذا التشبيه، والأستاذ إنما تبرم بالدهر لأن الدهر ضربه ومن هنا تعرف أيهما الضارب. وقال من قصيدة (أنس الوجود) ص ٢٤ بعد أبيات:

стр. 3187

تصاحبتما قدما فيا بدر هل ترى ... عراص الثرى يوما بموضعه قفرا الخطاب للبدر وللقصر الذي ذكره في البيت السابق والمعنى غير مفهوم وقال: عبرنا إليه النهر ليلا كأننا ... عبرنا من الماضي إلى الضفة الأخرى أتراه يريد بالماضي الضفة التي عبر منها؟ ولا أدري لماذا عده ماضيا. وقال ص ٢٥ (قضى نحبه فيه الزمان الذي مضى) وإذا كان الماضي قد قضى فيه نحبه فإن آثار فيه باقية، كأنها لم تقض نحبها. وقال بعد أبيات لا تستخرج منها معنى واضحا: ويا رب أرباب قضى الموت حكمه ... عليها فسواها بعبادها الحيرى يريد أن الموت اهلك الأصنام كما أهلك عبادها ولكن الهالكين لا يكونون حيرى. وقال: فيا عابديها قد ذهبتم بسرها ... فقوموا فأفشوا الآن ذيالك السرا والبيت يدل على أن عبادها لم يكونوا حيرى فانهم يعرفون سرها وإلا لم يطلب منهم إفشاءه. وقال: أقامت على عهد الشموس ولم يكن ... مقيم على عهد الكواكب في مصرا ولعل الناظم نفسه لا يفهم ماذا أراد بهذا البيت. وقال راجزا: يا للسماء البرزة المحجوبة ... أعجب ما أبصرت من أعجوبة تروعنا أنجمها المشبوبة ... تهولنا قبتها المضروبة كأنها الهاوية المقلوبة ... كأنها الجمجمة المنخوبة تهمس فيها الذكر المحبوبة والذي يشبه السماء بالهاوية المقلوبة لا يشبهها بالجمجمة المنخوبة (!). وقال ص ٢٧: الشمس والبحر المريج تلاقيا ... أم الضياء ومعدن الأنعام إذا تلاقى الشمس والبحر فكلاهما المريج فما وجه تخصيصه البحر به. وقال: دهر يدور صباحه ومساؤه ... متعاقبان على مدى الأيام والأولى جعل (صباحه) فاعلا ليدور ونصب (متعاقبان) على الحالية. وقال ص ٢٨:

стр. 3188

يرفان في الحسن القشيب كأنما البسنه يبقى على الأعوام والصواب (كأن ما) ليعود ضمير يبقى إلى (ما). وقال: والنجم في غسق المساء كأنه ... شرر تطاير في خلايا أيام والأيام بالتخفيف هو الدخان وهو من الكلم الميتة منذ الجاهلية. وقال: بوركت فاغمر بالظلام ظلامي ... يا مغرق الأفراح والآلام ولا أدري لماذا يكون الليل مغرق الأفراح والآلام وهما في الغالب يشتدان فيه. ولعله أراد بالإغراق إخفاءهما. وقال من قصيدة (الشاعر الأعمى) ص ٢٩: وتسلبني نورا أراك بوحيه ... فأظهر ما أخفى سواد الدياجر وكان عليه أن يقول (كنت أراك بوحيه) لأنه في الحال لا يراه وقد أجاد في قوله: وهل كنت أخشى الموت إلا لأنه ... يحجب عني حسن تلك المناظر وقال من قصيدة العقاب الهرم ص ٣٠: يهم ويعييه النهوض فيجثم ... ويعزم إلا ريشه ليس يعزم وكان الصحيح أن يقول إلا ريشه فهو لا يعزم أو إلا أن ريشه ليس يعزم فإن (ريشه) مستثنى منصوب فلا يصح أن يخبر عنه بقوله: (ليس يعزم) وأحسن من (ريشه) (حوله) بمعنى قوته فإن المانع عن طيرانه هو الخور فيه لا ريشه. وقال: لقد رنق الصرصور وهو على الثرى ... مكب وقد صاح القطا وهو أبكم و (رنق) بمعنى خفق بجناحيه ورفرف ولم يطر لا كما شرحه بقوله طار طيرانا خفيفا، ومن عرف حياة العقبان علم إنها وإن هرعت لا تقع مواقع الصرصور. وقال: جناحين لو طارا لنصت فدومت ... شماريخ رضوى واستقل يلملم رضوى ويلملم جبلان بالحجاز والبيت أقرب في أسلوبه إلى شعر الجاهلية. يريد لو طار ذانك الجناحان، لطار رضوى ويلملم أي أن طيرانهما محال كطيران

стр. 3189

هذين الجبلين وما كاد أجدره بالتباعد عن هذه المبالغات، وهذا الشعور الجاهلي وقال: ويغمض أحيانا فهل أبصر الردى ... مقضا عليه أم بماضيه يحلم ومعنى (أقض) خشن وهو إنما يستعمل في المضجع ولعله ظن مقضا بمعنى منقضا؟ وأحسن من (أبصر)؛ (وجد). وقال: وما عجزت عنك الغداة وإنما ... لكل شباب هيبة حين يهرم الذي أعرفه أن الشباب لا يجتمع والهرم. وهناك قطعة بعنوان (إلى السعادة) هي جد جميلة لولا البيت: إن الحبيب بغيض ... إذا أستمر بخالك والخال هو الخيلاء. ولولا أن الفكرة غير طبيعية ولا أشك في أن الأستاذ كغيره يركض وراء السعادة التي يذمها. وهي كالسراب تبتعد عنه وقال من قصيدة (النوم) ص ٣١: أيا ملكا عرشه في العيون ... يظلل دنيا الكرى بالجناح والملك الذي يناديه هو النوم والكرى أيضاً هو النوم فهل يظلل النوم دنيا النوم؟ - أي يظلل نفسه؟ - وقال: وتدني إلينا بعيد الرجاء ... إذا الدهر ما طلنا بالسماح والنوم قد يدني بعيد الرجاء في الحلم فلا يصح الإطلاق. وقال: إذا كان عش الفتى لا يدوم ... فهزل المنام كجد الصباح وقد أراد هزل المنام كجد اليقظة. فلما لم تؤته القافية قال كجد الصباح. والصباح لا يقابل المنام وكثيرا ما يحلو النوم في الصباح. وقال من قصيدة (الليل والبحر) ص ٣٢: غرب البدر أم دفين بقبر ... وهوى النجم أم أوى خلف ستر والذي أعرفه ويعرفه كل واحد هو أن القمر في حالة البدر لا يغرب عن عين الرائي فهو يبقى فوق الأفق إلى الصبح وإلا لم يكن بدرا. ثم قال: ضل هادي العيون وأحلولك الليل ... فلا فرق بين أعمى وهر ولا أحسب أن القمر إذا غاب، أحلولك الليل، إلى درجة أن يتساوى الأعمى والهر الذي يرى بنور النجوم ما لا يراه الأعمى، على أن كلمة الهر في

стр. 3190

البيت لا يستملحها القارئ. وقال من قصيدة (عظمة الجمال): أوتيت من حسن الشمائل نعمة ... والحسن في الدنيا من الآفات وإذا كان الحسن من الآفات فكيف يكون نعمة؟ ومما أجاد فيه قوله: كالبدر يأتم السراة بنوره ... ولقد يضيء مواقع الشبهات وقال من قصيدة (أين الدموع) ص ٣٥: لو جرت في السحاب أجفل أو يأ ... زم عن سبحه الفضاء الوسيع الضمير في (جرت) راجع إلى العبرات قبل البيت وفيه مبالغة تدل على إنه ليس بشعر الشعور وعطف (يأزم) وهو مضارع على (أجفل) وهو ماض على أن يكونا جوابا لقوله (لو جرت) قبيح. وهذه القصيدة كلها تافه. وقال من قصيدة (الصبر): أكان للمرء أيما أرب ... في الصبر لولا كوارث الزمن وليس من الصواب جعل (أيما) وهي للاستفهام اسما ل (كان) المصدر كذلك بهمزة الاستفهام. ثم أن (أي) لها صدر الكلام فلا يجوز من هذا الوجه أيضاً جعله اسما لكان. وقال: الخطب يعرو والصبر يعقبه ... يا بئس من صاحبين في قرن نعم يجوز حذف فاعل (بئس) والاستعاضة عنه بنكرة منصوبة على التمييز أو مجرورة بمن، ولكن هل يجوز مع ذلك حذف المخصوص بالذم كما في بيت الأستاذ؟ هذا ما ارتاب فيه. وقال ص ٣٦: لست على الصبر مزريا أبدا ... الصبر دأب المجرب الطين يتعدى (أزرى) على الفصيح (بالباء) وقد جاء بمعنى زرى ولما كان (مزريا) في البيت بمعنى زاريا كان عليه أن يقول: لست على أحد مزريا الصبر. وأبرد ما في القصيدة قوله: والعيش عيشان جانب دمث ... واللب منه في الجانب الخشن والموت موتان موت ذي دعة ... لا حسن فيه وموت ذي الكفن ولا أدري كيف يكون موت ذي الكفن قسيما لموت ذي الدعة. فهل جميع ذوي الأكفان غير وادعين؟ (له تلو)
следующие страницы →