Полный текст (6 158 стр.). Показаны 3221–3260 · переход к 3226.
стр. 3221
شم النسيم
-
إلى الحبيب الهاجر، عن ديوان (الشفق الباكي) للدكتور أبي شادي، (والديوان يطبع اليوم):
أهلا (بشم النسيم) ... يطيب في ذكراك
كأنما هو روح ... نشرتها من هواك!
ففاح منها (الربيع) ... وجدد الكون طر!
ورف قلبي سرورا ... كأنما حال زهرا!
أو إنما بعثته ... ذكرى صعود (المسيح)
وجدت أنت بعطف ... أحيا الشهيد الجريح!
وأوقدوا النار فيه ... و (الفجر) يرنو لناري
حتى الإله (بتاح) ... رأى بها أشعاري!
يوم به تتباهى ... مواكب الشبان
تستقبل الصفو (حبا) ... في النهر والبستان!
وما تباشير عبدي ... وغرس هذا (الربيع)
إلا حنان فؤادي ... إلى سناك البديع!
عيد لأبناء (مصر) ... مؤصل في قرون
وعيد قلبي المرجي ... من خصني بالفتون!
فكل (شم نسيم) ... وأنت تقطف أنسا
لم أسل انسك فيه ... هيهات أنسك ينسى!
стр. 3222
الشيخ حسن بك
الحسن بن اقبغا بن ايلكان النوين الشيخ حسن بك حاكم العراق، وهو والد أويس، وكان يقال له (حسن الكبير) تمييزا له عن (حسن ابن تمرتاش). وكان حسن الكبير زوج خاتون بغداد بنت الجوبان فلم يزل بو سعيد إلى أن طلقها وأخذها منه قهرا وأبعده. فلما مات بو سعيد عاد فملك بغداد وأقام بها وجرت له مع التتار حروب كثيرة ومع أولاد تمرتاش انتصر فيها. ثم إنه تزوج دلشاد بنت دمشق خواجا بن جوبان هي ابنة أخي امرأته الأولى. ووقع في ولايته على بغداد الغلاء المفرط حتى بيع الخبز بصنج الدراهم. ونزح الناس عن بغداد، وقام هو بالملك أحسن قيام ونشر العدل إلى أن تراجع الناس إليها. ولما كان في سنة ٧٤٩هـ (١٣٤٨م) توجه إلى (تستر) من أهلها (كذا) قطيعة قررها عليهم فأخذها وعاد فوجه نوابه في بغداد قد وجدوا في رواق الغزر (؟) ببغداد ثلاثة قدور مثل قدور الهريسة طول كل جب منها نحو ذراعين ونصف الثلاثة مملوءة ذهبا مصريا وصوريا ويوسفيا وفي بعض سكة الناصر البغدادي. فيقال جاء وزن ذلك أربعين قنطارا بالبغدادي. ومات الشيخ حسن في سنة ٧٥٧هـ (١٣٥٦م).
(عن الدرر الكامنة)
ف. كرنكو
стр. 3223
نكت وغرائب لغوية
كل لغة لابد أن تشتمل على نكت وغرائب لا يتقنها إلا أهلها الناشون في أحضانها، وسبب غرابتها جريانها على غير قياس. والفروق الناجمة من اختلاف القياس، والمعاني الناتجة من الاسترسال في التفريع، ولدت تلك النكت، مثال ذلك: أن أهل الموصل يقولون: (مجروح) و (مكسور) و (مبيوع) مثلا بإمالة الضمة ولا يميلون (مقتول) و (مغدور) و (مغبون) و (معذور) و (مهموم) و (مديون) مثلا مع قطع النظر عن قلبهم الراء في (مجروح) و (مكسور) غينا دون (مغدور) و (معذور).
ويقولون (يروح) بالإمالة وقلب الراء غينا دون (يروج) مع تشابه اللفظيين ويكسرون ما قبل هاء التأنيث فتنقلب الهاء ياء في نحو (مفطومة) و (معجونة) و (مسلولة) وذلك فيما حققوا ضمته خاصة ولا يفعلون ذلك في ما أمالوا ضمته مثل (مقطوعة) و (مطبوخة) و (مخنوقة).
ويكسرون (شربه) و (جنه) و (خشبه) و (ثلاثة) و (خمسة) ويفتحون (أربعة) و (سبعة) و (عشرة) و (جمعة) و (خديجة) و (حجرة) و (دقيقة) و (ساعة).
ويزيدون (. . . ايه) للدلالة على الوحدة في المتفرق الأجزاء مثل (تمرايه) و (تينايه) و (حنطايه) و (حباية) و (عنبايه) في تمرة وتينة وحنطة وحبة وعنبة أو للدلالة على القطعة في المتصل الأجزاء مثل (خبزايه) و (جبنايه) و (حطبايه) و (شحماية) في خبزة وجبنة وحطبة وشحمة. أو للدلالة على حقارة الشيء في نحو (بيتايه) و (حصيرايه) و (ميزايه) للبيت الحقير والحصيرة الحقيرة والمنضدة (الميز) الحقيرة وكل ذلك بكسر ما قبل الهاء ولا يزيدون شيئا في نحو (تفاحة) و (رمانة) مع أنهم يقولون (خيزرانايه) أي خيزرانة ولا في (لحمه) وإن أشبهت (شحمه) وإن أشبهت (حطبه)! سوى أنهم يبقون (تفاحه) على فتحها ويكسرون ما عداها.
стр. 3224
ومن هنا يتبين خطأ من ذهب إلى التذمر من الشذوذ الواقع في اللغمة الفصحى لانا لو حاولنا وضع قواعد للعامية لوقعنا في الأشكال عينه! دع عنك المشاكل الأخرى التي لا يسع المقام سردها.
ثم أنهم يفتحون مثل (شريفه) و (عزيزة) و (عفيفة) إذا قصدوا العلمية، ويكسرون إذا قصدوا النعت فيقولون: (فلانة عفيفة) بكسر ما قبل الهاءين.
وهم منقسمون إلى طائفتين فيما زادوا فيه (. . . ايه) فإحداهما تميل الألف، والثانية تقيمها، ومن يقيم ينتقد من يميل، ومن يميل لا ينتقد من يقيم! كأنهم يحسون بشناعة الإمالة، وإن كانت مألوفة لديهم. كما أن هناك طائفة تفتح الياء مع الإقامة.
ويقلبون راء (رمضان) غينا. ولا يقلبون راء (رجب)، ويفخمون الراءات المفتوحة لكن يرققون راء (مدرسة) مع كسر السين ويعدون تفخيمها تنطعا، ويقولون (نور) بتحقيق الضمة والراء وربما أمالوا وقلبوا في بعض الأعلام المنسوبة أو المضافة إلى (النور) ك (عبد النور) و (نوري) لغرض في أنفسهم.
واليهود يسمون (موشي) والنصارى يسمون (موسى) كالمسلمين مع أن مأخذ اليهود والنصارى واحد. وللنصارى في ذلك غرض!
والموصليون يفخمون الراء من (إبراهيم) لكل من سمي بهذا الاسم فإذا رققوا قصدوا رجلا بعينه لا ينتقل الذهن إليه إلا بالترقيق!
ويقولون لمن لا يتكلم عادة (ما يحكي) بتحقيق الكاف، فإذا كان عدم تكلمه عن تكبر وخيلاء قلبوا الكاف جيما مثلثة فارسية كبعض الأعراب مع تشديدها، ويقولون (زرع) و (حزر) بتفخيم الزاي وقلب الراء غينا، ومن رقق استبردوا نطقه ومن عادتهم النطق بالباء العربية على حالها، في نحو (باذنجان) و (باقلاء). ويفخمونها في (باميا)، و (كباب)، و (كبابه).
ويقولون لمن كانت منته الكتابة: (كاتب)، ولمن كانت منته الحساب (حاسب) بالإقامة، فإذا أرادوا الحدث كأن يقولوا (فلان كاتب إليّ أن أفعل
стр. 3225
كذا) أو (فلان حاسب حسابه) أمالوا.
ويطلقون على الفتى كلمة (جاهل) بالإمالة، ويقيمون إذا أرادوا مقابل (العالم). وإذا أرادوا اليوم الثالث من أيام العزاء أمالوا ألف (ثالث) وفيما عدا ذلك يقيمون. وإذا دعا أحدهم صديقه للاستراحة في مقهى أو دكان قال له: (استريح) بتحقيق الراء - وإبقاء الياء - وإذا أمروا بأخذ الراحة بصورة مطلقة قلبوا الراء غينا. فهل رأيتم أعجب من هذا؟
ومن الغرائب أن (الطربوش) دخل إلى بلاد العراق من ناحية الأتراك ولا يخفى أن الموصل وغيرها من البلاد العراقية سواء بالنسبة إلى ذلك، بل ربما كانت بغداد أشد نسبة
- لأنها كانت كرسيا إداريا وسياسيا للبلاد، ومع ذلك نجد أهل الموصل يسمونه (نيس) إضافة إلى (فاس) المدينة المشهورة - كالأتراك وأهل بغداد وما إليها يسمونه (فينة) كأنها نسبة إلى عاصمة النمسة (ويانة) فمن أين أتى انفرادهم بهذا الاسم وهم إنما تلقوه من الأتراك؟ والأتراك لا يسمونه بهذا الاسم البتة وأعجب من هذا أن يهود بغداد يسمونه (فيس) كاهل الموصل.
ومن الغرائب أن لفظة (مجيدي) وضعت للقطعة الفضية العثمانية المعروفة، ولما تقلص ظل الأتراك عن العراق تقلص ظل نقودهم معهم، لكن العراقيين لا يزالون يطلقون هذه اللفظة على ما يعادل موضوعها الأصلي، فيقولون مجيدي ويريدون به ربيتين ونصفا. وكذلك لفظة (القرش) فإن البغداديين كانوا يطلقونها على (المتليك) وبعد أن فقد المتليك من بين أظهرهم لم ينفكوا يطلقونه على نصف (الانة). ولو لم يتح لنا الوقوف على سر هذه التصرفات اللغوية بأن لم يدركها جيلنا لعزت علينا معرفة سبب تسمية الربيتين والنصف بالمجيدي والبيستين بالقرش (البيسة والبعض يقول بيزة هي ربع الانة) كما نجهل اليوم سبب إطلاق البغداديين كلمة (قرش) على المتليك الذي هو ربع قرش عثماني وثلث قرش موصلي وثلث قرش حلبي مع كسر.
وكما خلدت لفظتا (مجيدي) و (قرش) اللتان هما اصطلاح تركي فيما يظهر بنقلهما إلى ما يعادل موضوعهما الأصلي، كذلك خلدت لفظة (قران) التي كانت تطلق على قطعة إيرانية ثم نقلت إلى ما يعادلها من القطع العثمانية ثم
стр. 3226
إلى ما يعادلها من القطع الهندية وهو ذات أربع الانات. (وتلفظ قرآن بإسكان القاف وفتح الراء ثم ألف ونون).
ومن النكت اللغوية بقاء فعل الأمر في اللغة الفصحى على حرف واحد إذا كان الفعل لفيفا مفروقا وقد جمعت متفرقها: (وأي) (وعد) إ، وجي (خصى) ج، وخي (قصد) خ، ودى (أعطى الدية) د، ورى (افسد) ر، وزى (أجتمع) ز، وشى (من الوشاية) ش، وصى (وصل) ص، وعى (حفظ) ع، وفي (من الوفاء) ف، وقى (من الوقاية) ق، وكى (ربط القرية) ك، وكى (ربط القرية) ك، ولى (من الولاية) ل، ومى (غلب) م، ونى (فتر) ن، وهى (من الوهي) أهـ.
ويتفرع عن أمر (وأي) دلالة الكسرة على جملة في نحو (قل إ) وإيضاح ذلك أن العرب
أجازوا نقل حركة الهمزة إلى الحرف الساكن قبلها نقلا مطردا فيسبب ذلك سقوط الهمزة وقيام كسرة اللام مقامها (قل) وإذ كان الفاعل المستتر في (إ) انتقل مع الكسرة أصبحت كسرة اللام نائبة عن فعل وفاعله أي نائبة عن جملة فعلية وهذا ما لا أظنه يجري في لغة غير اللغة العربية وعلى هذا الغز بعضهم فقال:
في أي قول يا نحاة الملة ... حركة قامت مقام الجملة؟
ومن نكت العربية قراءة من قرأ (ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى) حيث أمال (أعمى) الأولى وأقام الثانية إيذانا بأنه سيكون يوم القيامة أشد عمى! ومنها أن قراءة (عاصم) ورواية (حفص) الشائعة في بلادنا تقضي بترك الإشباع في كل هاء متصلة بكلمة (فيه) إلا موضعا واحدا من القرآن وهو قوله تعالى (ومن أوفى بما عاهد عليه الله) فأنها بالضم تفخيما للفظة الجلالة إلا أن هذه القراءات ليست عزيمة، لمخالفة بقية القراء ولكنا ضرب من البديع وإن لم تذكر في فنه.
ومن هذا الضرب ما قالوه في شأن الواو المسماة ب (واو الثمانية) في تعليلات مبسوطة في مواضعها ومنها قوله تعالى في سورة الكهف: (سيقولون
стр. 3227
ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم رجما بالغيب ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم (الآية) فإن الواو متصلة بقوله (ثامنهم) دون (رابعهم) و (سادسهم)! ونسبة الواو إلى الثمانية لا تشفي غليلا إذ يقال لماذا اختصت بها دون غيرها من العدد؟
وأقرب من ذلك أن يقال أن المفسرين نسبوا القولين الأولين إلى أهل الكتاب ولذلك عقبهما بقوله: (رجما بالغيب) تفنيدا لظنونهم ثم أتى بالقول الثالث الذي نسبوه إلى المسلمين. وإذ كانت غاية منزل هذه الآية التنويه بشأنهم وعلو منزلتهم في البلاغة أودع كلامهم نكتة بديعة دون كلام غيرهم وإيضاحه أن ترك الواو يجعل الكلب كأنه داخل في جملة أصحاب الكهف وهو مما لا يرتاح إليه الذوق! فأقحم الواو في كلام المسلمين للتمييز على سبيل التأدب من هذه الناحية تشبه الواو التي في قول المجيب بالنفي: (لا وأطال الله بقاءك) وهي الواو التي وصفها بعض البلغاء بأنها أحب إليه من واوات الأصداغ.
محمود الملاح
ضبط الأبنوس
في (البستان) الأبنوس، بضم الباء (؟! كذا) وفتحها (كذا): شجر يعظم كالجوز، أوراقه كأوراق الصنوبر وثمره كالعنب وخشبه شديد الصلابة اسود، والهندي منه فيه بياض وهو معرب واسمه بالعربية سأسم وزان جعفر بهمزة. وحذف الواو لغة. أهـ.
والذي قرأناه في تاج العروسفي مادة بنس: آبنوس بمد الألف وكسر الموحدة، قيل: هو الساسم، وقيل هو غيره. واختلف في وزنه وهنا (أي في مادة ب ن س) محل ذكره. انتهى - وذكر اللسان الأبنوس في س س م، وضبطها ضبط التاج، ثم قال: والساسم غير مهموز. ثم ذكر الساسم في س أس م، وقال: (قال أبو حاتم: هو الساسم غير مهموز). أهـ. فاتضح من هذا أن (البستان) وهم في ضبط الأبنوس كما وهم في ضبط الساسم إذ أن غير المهموز افصح من المهموز. ومن غلط في ضبط الأبنوس صاحب محيط المحيط وكل من نقل عنه.
стр. 3228
المدرسة المستنصرية
-
هي تلك المدرسة الرصينة البناء، المطلة على دجلة، التي شرع في تشييدها في بغداد على جانبها الشرقي، المستنصر باللْه العباسي، في سنة ٦٢٥هـ (١٢٢٧م) وأتمها في سنة ٦٣١هـ (١٢٣٣م)، فجاءت أية بين مآثره الجلية، وسجلت له تقديره للعلم، وحبه لرفعه، وقد مدح الشعراء منشئتها، وراحت الركبان تتغنى بها في الآفاق، وكانت موردا صافيا للطلاب ومرتشفي العلوم: ثم دالت عليها الأيام بالبؤس، وانقلبت عليها بالشقاء، فرأى الرحالة نيبهر - ويا للأسف - مطبخها في سنة ١٧٦٦م (١١٨٠هـ) دارا لضرائب سماها أي ضريبة المرور وأظن إنه أراد بذلك الكمرك. وقال عن قسم كبير منها إنه خان يسمى (اوت ميداني خان) أي خان ميدان الحشيش، وإن الكل خراب بباب. ولا شك في أن في قوله عن خرابها كلها تطرفا ومغالاة، فإنه قال ببقاء بعضها، ويدلنا واقع الحال على أن الخراب الذي قاله صاحب الرحلة هو عن مرافقها التي اندثرت، ودخلت في خبر كان، وعن الإهمال الذي صارت إليه. وهي لا تزال اليوم تنازع البقاء قوية عليه، إلى أمد قد يكون بعيدا.
والذي نعرفه عن هذا المعهد الجليل أن القسم القائم الآن وهو المدرسة بنفسها كان يسمى في القرن الماضي (خان المواصلة أو المصالوة) على لغة بعض العوام.
стр. 3229
والظن الغالب على سبب هذه التسمية أن الموصليين كانوا قد اعتادوا أن ينزلوه إذا قدموا إلى بغداد ثم أمسى بعد ذلك مخزنا لألبسة الجيش ثم دارا للكمرك وهي الضريبة المعروفة التي كان يقال لها (رسومات) أيضاً وهكذا كانت المستنصرية عند الاحتلال فلا تزال كذلك دارا للكمرك.
وقبل نحو خمسة وعشرين عاما ابتدأ الكتاب باستخراج نبذ من مطاوي الكتب عن هذه المدرسة الرفيعة الشأن ودبجوا فيها مقالات ونقلوا عنها أبحاثا أتحفوا بها مجلات المشرق (٥ (١٩٠٢): ١٦٤ و٩٦١ و١٠ (١٩٠٧): ٨٠ و٣٩٠) ومجلة المجمع العلمي بدمشق (٤ (١٣٤٢ - ١٩٢٤): ٤١) واليقين (٣ (١٣٤٤ - ١٩٢٥): ٤٨٣) والزهراء (٣ (١٣٤٥ - ١٩٢٦): ٢٥٤) وهذه المجلة (٥ (١٩٢٧): ٣٤١ و٥٠٥ وغيرهما) وملحق جريدة العراق المؤرخ في ١٥ تموز سنة ١٩٢١ ولعل غير ذلك مما لا يحضرني أو أجهله. وحكى عنها بإيجاز كتاب تنزه العباد في مدينة بغداد للمعلم (ثم الطبيب) نابليون الماريني وخلاصة
تاريخ العراق للعلامة شقيقه صاحب هذه المجلة ومختصر تاريخ بغداد للفاضل على ظريف الأعظمي. وآخر ما ورد عنها ما رواه كتاب تاريخ مساجد بغداد وآثارها المطبوع وفيه قول الصفدي الذي أظنه منقولا من مجلة المجمع العلمي التي قالت إنه نقل عن الصفدي عن ابن الساعي. وكانت وفاة ابن الساعي في سنة ٦٧٤هـ (١٢٧٥م).
ومن الذين كتبوا عن هذه المدرسة من المستشرقين في أيامنا لسترنج وهوار وماسنيون وفيوله وهرتسفلد وذكرها سعادة المستر انكرك في كتابه الإنكليزي الذي ضمنه تاريخ العراق في القرون الأربعة الأخيرة، ولقد اقتبس هؤلاء الكتاب من عرب وأوربيين ما اقتبسوه وأضاف على ذلك بعضهم شيئا عن الوقت الذي كتبوا فيه ومنهم من نقل الكتابات المنقوشة على جدران
стр. 3230
هذه المدرسة ومع هذا فإنه بقي من تاريخها شيء في تضاعيف الكتب. ولم يأتونا عنها بشيء عن الحقبة الممتدة بين استيلاء هولاكو على بغداد في سنة ٦٥٦هـ (١٢٥٨م) وبين دخول هذه المدينة في قبضة العثمانيين في سنة ٩٤١هـ (١٥٣٤م) إلا ما اقتطفوه من رحلة ابن بطوطة وكلمة نقلوها عن نزهة القلوب بالفارسية لحمد الله المستوفي وهما من رجال القرن الثامن للهجرة.
وقد اكتفى كتاب المساجد المطبوع (ص ٩٧) عن ذلك الزمن بالأسطر التالية:
(ولم تزل هذه المدرسة على ما كانت عليه في زمن منشئها إلى أن حدثت حادثة التتار. . . فجميع ما كان في هذه المدرسة من كتب وفرش ومرافق قد نهبه جند العدو المخذول بل من الكتب ما رموا به إلى دجلة قهرا لأهل العلم والدين. وبعد أن تولى بغداد من تولى عاد شمل المدرسة وأهلها إلى ما كان عليه ولم تزل تجمع الأفاضل والفضائل إلى أن دخل العراق في حوزة الدولة العثمانية. . .) أهـ.
وهذا كلام موجز عن ست وعشرين سنة مرت من فتح المدرسة إلى استيلاء هولاكو على بغداد ومر بين ذلك وبين دخولها في يد العثمانيين نحو ثلاثمائة سنة وفي ما نقله الكتبة لم نقف على خبر عنها عن تلك الأيام إلا ما سبقت الإشارة إليه. ولا نعرف في كل ما جاء آنفا من جمع على الأقل تراجم بعض مدرسيها إلا أن نبذة في مجلة المشرق (٥ (١٩٠٢): ٩٦١) جاء في صدرها: أن الأب انستاس استلها من كتاب مساجد بغداد ومدارسها للشيخ محمود شكري أفندي الالوسي قالت أن في تاريخ ابن النجار وغيره تفصيل تراجم مدرسي
المستنصرية مع من تخرج فيها من الأساتذة والأئمة والأعلام. وإذ كان هذا الخبر قولا مجملا وكان تاريخ ابن النجار غير متداول في الأيدي فقد سدل على معرفة هؤلاء الشيوخ الأفاضل. ولعل شيئا نزرا من تراجمهم في مختصر هذا التاريخ لابن ايبك الحسامي المعروف بالدمياطي. وهب تاريخ ابن النجار نفسه بأيدينا فإنه لا يحوي إلا تراجم مدرسي بضع من السنين لا غيرها لأن المؤلف توفي
стр. 3231
في سنة ٦٤٣هـ (١٢٤٥م) أي في السنة الثالثة عشرة من فتح المدرسة. ولا يبعد أن يكون في (غيره) خبايا ولعلنا نجد لم شعث من ذلك المطلوب. في المخطوط الذي ذكره تاريخ المساجد (ص ٤٧ و٤٨) وقال عنه إنه مختصر ذيل تاريخ ابن النجار وانه من مخطوطات الخزانة النعمانية بجامع مرجان في بغداد ويا ليت الناشر عرفنا باسم الكتاب ومؤلفه أن أمكن ذلك ويا حبذا لو وصفه. ونظرا إلى ما جاء فقي هذا المختصر عن ذكر سنة وفاة العاقولي (كما ورد في كتاب المساجد ص ٤٧) وهو المتوفى في سنة ٧٢٨هـ (١٣٢٧م) فمؤلفه هو من رجال القرن الثامن للهجرة أو بعد ذلك فله متسع لإيراد تراجم كثيرين من مدرسي هذه المدرسة.
ولقلة ما كتب في هذه المادة عن لي أن اجمع شتات ما وقفت عليه من نتف أخبار هذه المدرسة وأخبار نفر من مدرسيها وما وقع فيها من الحوادث ضاربا صفحا عما جاء في تلك المقالات والكتب القريبة إلى الباحث المتتبع.
ولا شك أن ما أريد أن استنير به عن العصور التي مرت على هذه المدرسة سيكون ضئيلا وضئيلا جدا لكن ما أورده سيضيف صفحة جديدة إلى تاريخها وإن كانت صفحة صغيرة. وسيبين لنا إنها فتحت بعد حادثة بغداد لهولاكو بمدة وجيزة لا تتجاوز ثلاث سنوات لو طالت والذي يخبرنا بذلك ما جاء في الحوادث الجامعة في أنباء سنة ٦٥٩هـ (١٢٦٠م) وهو:
(وفيها رتب الشيخ عبد الجبار بن عكبر الواعظ مدرس طائفة الحنابلة بالمدرسة المستنصرية نقلا عن الإعادة بها. وحضر دروسه الصاحب علاء الدين (الجويني) والأكابر، والعلماء وخلع عليهم). أهـ.
مسجد الحظائر والمستنصرية
يرينا كتاب المساجد (ص ٣٦ و٨٥) أن جامع الأصفية هو من مرافق المستنصرية لكنه لم
يرو لنا المصدر وقال القنصل الفرنسي ريموند في بغداد عن طراز البناءين المذكورين انهما واحد وكان القنصل المذكور في بغداد في أوائل القرن التاسع عشر وحكى لنا عن جامع الأصفية - قبل أن يسمى بهذا الاسم - فقال (ص ١٥٦ و٢١٨ من كتابه) (المولا خانه) تكية للدراويش
стр. 3232
لا يفصلها من المدرسة المستنصرية إلا طريق تفضي إلى الجسر والظاهر إنها منها. وقد اتصل به أن المولا خانه كانت جامعا لطلاب المستنصرية.
أما كلشن خلفاء فإنه ينبئنا في أخبار سنة ١٠١٧هـ (١٦٠٨م) أن باني زاوية الدراويش المولوية هو محمد جلبي كاتب الديوان وكاتم الأسرار عند محمد بن أحمد الطويل. وإن محمدا هذا كان مستقلا في بغداد ومتغلبا عليها في تلك السنة وكانت هذه الزاوية في عهد مؤلف كلشن عامرة على ما قاله في كتابه الذي يمتد إلى سنة ١١٣٠هـ (١٧١٧م).
وقد عد اوليا جلبي تكايا بغداد وفيها (المولويخانه) وكان صاحب هذه الرحلة في بغداد في سنة ١٠٥٨هـ و ١٠٦٦هـ (١٦٤٨م و ١٦٥٥ م).
وفي جهاننما (ص ٤٥٩) أن في بغداد مولويحانه تطل على دجلة في موضع مبهج.
وإذ قيل أن الأصفية من مرافق المستنصرية رغبت أن أنقل كلاما عما كان يجاور هذه المدرسة أملا أن يعين ذلك من يبحث على استخراج شيء عن تاريخ جامع الأصفية الحالي.
جاء في الحوادث الجامعة في زيادة دجلة وغرق بغداد في سنة ٦٤٦هـ (١٢٤٨م) ما يلي:
(ونبع الماء من أساس حائط المدرسة المستنصرية ومن دار (سنقرجا) زعيم خوزستان المجاورة للمستنصرية ومن مسجد الحظائر المعروف بأم الناصر المجاور لهذه الدار. . .).
وإذ لم يفصح هذا الكلام عن موضع المسجد والدار أكان ذلك في شمالي المدرسة أم في جنوبيها فلا يمكننا تعيين موضعهما بالتدقيق لأنه يجوز أن محلهما
стр. 3233
كان في شمالي المدرسة أو جنوبيها أي فوقها أو تحتها. وسبب هذا الاحتمال إننا نجد مسافة قدرها نحو مائة متر تفصل بين المدرسة القائمة اليوم وبين شريعة المصبغة وهي باب الغربة في العصر العباسي الذي قلت أن ما ليس بحريم دار الخلافة. وكان بلصق المستنصرية - على ما اخبرنا به ابن العبري - بستان يتنزه فيه المستنصر ويقرب من شباك مفتح (أي مفتوح) في إيوان. المدرسة ينظر إلى البستان وعليه ستر فيجلس وراء الستر وينظر إلى المدرسة
ويشاهد أحوالها وأحوال الفقهاء ويشرف عليهم ويتفقد أحوالهم. ولكن لا ندري أيضاً بأي جهة من الجهات كان هذا البستان. ويسوقنا إلى الظن أن دار سنقرجا كانت في شمالي المدرسة ما جاء في كتاب المساجد (ص ٨٩) عن الصفدي عن ابن الساعي أن الدار المجاورة لهذه المدرسة (في الحد الأعلى) لم ير مثلها أحد. ولا لأدراك وصفها أمد.
والظاهر إنها هي الدار التي قال عنها كتاب الحوادث في أخبار سنة ٦٩٦هـ (١٢٩٦م) كما سيجيء أن السلطان غازان دخل المدرسة المستنصرية من الدار المجاورة لها ثم عاد إلى الدار المذكورة وبات بها، فالراجح أن هذه الدار هي التي ذكرها ابن الساعي لما بين أناقتها التي عرفنا عنها بقوله (لم ير مثلها أحد ولا لأدراك وصفها أمد) وبين منزلة غازان ورفعته من الموافقة والوئام. وإذا صح ترجيحي هذا أضحى من الأكيد أو شبهه أن الدار المحكي عنها هي نسنقرجا فتكون الأصفية مسجد الحظائر المجاور لهذه الدار كما رأيناه. ولعل هذا المسجد هو جامع المستنصرية الذي ذكره كتاب الحوادث كما سيرد في سنة ٦٧٢ إذ قال في معرض كلام: (باب الجامع (كذا) المستنصرية). وليس بغريب أن نرى هذا الجامع بعد أن كان يسمى مسجد الحظائر أن يسمى أيضاً جامع المستنصرية بعد بنائها كما أن جامع الأصفية كان يعرف وقتا بالمولاحانة. وقد عرف صالح التميمي قدمه كما يفهم من أبياته ذلك القدم الذي حكى عنه ريموند المعاصر
стр. 3234
التميمي. ولنا مثال في تغيير الأسماء كما جرى في تسمية جامع القصر. وإما كون طراز بناء المدرسة المستنصرية والجامع المعروف بالأصفية واحدا فلا ينافي إمكان أن تكون الأصفية مسجد الحظائر. وسبب عدم المنافاة قرب زمن أم الناصر المتوفاة في سنة ٥٩٩هـ (١٢٠٢م) من زمن بناء المستنصرية إذ لا تزيد المدة التي بينهما على خمسين سنة فلم يكن ثمة اختلاف في الريازة فقي وقت لابد أن تطورها - على فرض وجوده - كان بطيئا جدا. ونظرا لما أثبته فالاحتمال عن الجامع المعروف بالأصفية اليوم هو مسجد الحظائر احتمال غير بعيد ولكن البت في الأمر هو غير الاحتمال. وإظهار الحقيقة الراهنة يحتاج إلى نصوص تؤيد هذا الرأي المشكوك فيه، ومن هذه الشكوك أن كتاب الحوادث يقول: دار سنقرجا المجاورة للمستنصرية ومسجد الحظائر المجاور لهذه الدار. ويقول أيضاً أن غازان دخل المستنصرية من الدار المجاورة فيكون موضع الدار المذكورة بين المستنصرية وبين مسجد الحظائر ولكن يجوز أن نرتئي
أن المؤلف لم يراع الترتيب بدقة وضبط كامل وخلاصة القول أن لم يكن جامع الأصفية مسجد الحظائر بنفسه فهو قريب منه جدا.
وهنا يحق للسائل أن يلزمنا بالجواب عما أوضح عنه كلشن خلفاء بقوله بأن باني المولاخانه هو محمد جلبي. قلت الظاهر أن هذا الباني جدد في المسجد شيئا ليتخذه تكية للدراويش فقيل إنه بنى المولاخانة كما أن هذا الجامع المعترف بقدمه قيل له الأصفية نسبة إلى آصف المجدد بناءه الذي أريد به - على ما يبين - داود باشا كما يستدل من البيت التالي للتميمي:
حتى أتى ذو العلى داود (آصفنا) ... من حل بالسبعة الأفلاك مفخرة
وأتمنى لو أن باحثا يجد أم يسد بعض الفراغ - والفراغ واسع جدا - عن تاريخ هذه المدرسة الشهيرة فيضم إلى لقاطه ما يرد هنا وما جاء في تلك الكتب والمجلات فينزف إلينا تاريخا ثمينا عن هذا المعهد الجليل بعد تمحيص ما يطالعه وتدقيق النظر فيه فإن ما في بعض ما كتب أغلاطا وهفوات وسهوا.
стр. 3235
وعلى سبيل المثال نورد سقوط كلمة في ترتيب الحروف أثر وقوعها في التاريخ. جاء في المشرق (١٠ (١٩٠٧): ٣٩٣ ح) في تاريخ كتابة منقوشة فوقه قال في آخرها: (وكان ذلك في سنة اثنتين وثمانين وألف) ولما كان ذلك في تجديد وقع في زمن السلطان عبد العزيز من آل عثمان فلا يمكن أن يكون التاريخ إلا سنة اثنتين وثمانين وألف. وقد ورد عفوا هذا التاريخ الصحيح في هذه المجلة (٥ (١٩٢٧): ٥٠٧) دون أن ينبه على ذلك الغلط الذي قد يجر الكتاب إليه.
وهنا أشرع بالاقتباس والاقتطاف وما لا انسبه فهو منقول من الحوادث الجامعة.
(له تلو)
يعقوب نعوم سركيس
كتاب تحفة الأزهار، وزلال الأنهار، في نسب الأئمة الأطهار
لمؤلفه السيد ضامن بن شدقم بن علي بن الحسن النقيب الحسيني المدني المتوفى في القرن الحادي عشر للهجرة.
وهو في سبعة مجلدات. منه نسخة في خزانة الشيخ علي آل كاشف الغطاء بخط السيد
حسون البراقي المعروف. رتبه مؤلفه على أبواب. وفصول، وأصول، وأيكات، وأسباط، ودرجات، وهكذا إلى الساق والقدم ذكر في الجزء الثاني منه نسل الإمام الشهيد أبي عبد الله الحسين (ع) وفيه جملة فوائد رجالية وتاريخية، وقد وقع الكتاب في زهاء (٧٠٠) صفحة بقطع كبير.
أوله: الحمد لله المتفضل المحسن الكريم الوهاب. وقد نقل عنه المحدث الشهير الحاج ميرزه حسين النوري، صاحب فصل الخطاب في كتابه (دار السلام) وتاريخ الفراغ من بعض أجزاءه سنة ١٠٥٥ انتهى.
وبيت شدقم بيت علم وفضل في القرن العاشر والحادي عشر منه: ضامن المذكور، ومنه السيد حسن بن علي بن شدقم تلميذ والد البهائي له ذكر في أمل. الأمل، والسلامة. ومن مؤلفاته زهر الرياض وزلال الحياض في السير والتواريخ. نقل عنه المجلسي الشهير صاحب البحار ومنهم محمد بن الحسن بن علي بن الحسن بن علي بن شدقم ولد في دكن ومات بمكة.
زنجان (إيران): أبو عبد الله الزنجاني
стр. 3236
لواء الديوانية
- ١ - توطئة
يكاد يقف العراقي صامتا مبهوتا، إذا ما ألقى عليه أحد سؤالا عن بلدة عراقية أو لواء من ألويته ولا سيما البلدة الصغيرة غير المشهورة في حين إنك إذا سألته عن لندن مثلا أو باريس أفادك إفادات مفصلة عنها قد لا يستطيع أن يمليها عليك اللندني أو الباريسي. وهذا النقص في الجواب لا يرى في شخص أو شخصين بل يكاد يشمل جميع الطبقات بما فيها من أفراد الحكومة. لهذا أردت أن ابحث عن ألوية العراق بصورة مفصلة عسى أن أتوفق في الأخير لوضع مجموعة تضم بين دفتيها أبحاثا ثمينة عن الألوية العراقية. وأبدأ بحثي عن لواء الديوانية لما له من الأهمية.
نظرة عامة
لواء الديوانية لواء واسع الأرجاء شاسع الأطراف. تزرع فيه أنواع الحبوب وتربى فيه أنواع الماشية وتقطنه جماعات كبيرة من العشائر المستوطنة كما أن فيه عشائر رحالة كثيرة تنتقل بأغنامها وابلها بين سورية ونجد والعراق. والزراعة في هذا اللواء معتمد معيشة سكانه الذين يتجاوزون (٤٠٠. ٠٠٠) نسمة
يحد هذا اللواء من الشمال شيء من لواء الكوت ولواء الحلة، ويحده من الغرب قسم من بادية الشام ولواء كربلاء ومن الجنوب لواء المنتفق ومن الشرق لواء الكوت ولا نغالي إذا قلنا أن ثلاثة أرباع مساحته تكاد تكون مزروعة.
أقضيته
للواء أربعة أقضية، وهي: أبو صخير، والشامية، وعفك، والسماوة، ولكل من هذه الأقضية دوائر إدارية ومالية تختص به كما سيجيء تفصيله.
مركزه
هو قصبة الديوانية: وهي بلدة لا بأس بعمرانها، قائمة على عدوة نهر الفرات اليسرى، يربطها بالعاصمة الخط الحديدي الكبير (من بغداد إلى البصرة)
стр. 3237
وتبعد عنها ب (١١٦)
ميلا، فيها جسر حديدي ومدرسة ابتدائية وأسواق منظمة، إلا إنها تفتقر إلى بساتين وحدائق تحيط بها لتمنع الأتربة من التحليق في جوها إذا ما هبت عاصفة ولو كانت طفيفة، ونفوسها ٣٠٠٠ نسمة عدا العشائر المجاورة لها. تتبعها ثلاث نواح: هي الشافعية ومليحة والإمام حمزة وهذه النواحي أو الشعبات مراكز للمقاطعات الزراعية الكبرى وليس فيها أبنية ولا أسواق غير مراكز الحكومة وهي أبنية عادية من اللبن.
١ - قضاء (أبو صخير)
مركزه قصبة أبو صخير وهي بليدة قائمة على نهير البكرية (كأنها منسوبة إلى بكر، وهو علم مشهور) المتشعب من شط الكوفة كما سيجيء تفصيله وتبعد عن الكوفة ١٢ ميلا وتحيط بها الرياض الغناء والبساتين النضرة وتقدر نفوسها بأربعمائة نسمة وتوصلها بالنجف جادة مستقيمة تسير عليها السيارات بمدة (٣٥) دقيقة. وهذا القضاء صغير بمركزه كثير بشعبه وتوابعه إذ أن له من النواحي (التاجية والجعارة والفيصلية) وهذه تؤدي إلى خزينة الحكومة أكثر من ثلث ودخلها اللواء كله. وليس في (أبو صخير) من البيوت ما يصلح للسكنى إلا أن طلائع العمران تسير فيها سيرا حثيثا.
ونواحي القضاء ثلاث كما أسلفنا: الأولى (التاجية) داخلية (ومعناه في اصطلاحهم أن مركزها في مركز القضاء. والثانية (الجعارة) (كشدادة) بلدة تاريخية معروفة من قديم الزمان ونعنى بها الحيرة محط المناذرة ورجال العلم والأدب ويشاهد في الحيرة اليوم آثار النعمان بن المنذر ماثلة للعيان. نفوسها ٤٠٠٠ نسمة وهي تبعد عن مركز القضاء ميلا واحدا. إلا إنه منخفضة في هذا المركز كثيرا. ولهذا ترى الأوبئة وأنواع الحمى تفتك في صفوف الأهلين فتكا ذريعا لما يكثر فيها من المستنقعات. والناحية الثالثة هي (الفيصلية) وكانت تسمى سابقا السوارية وهي تبعد عن أبو صخير ٢٥ ميلا وهي محط عشائر آل فتلة (وزان قتلة) وقد سبق لنا أن نشرنا في الجزء الثامن من المجلد الرابع من هذه المجلة بحثا عنها (٤: ٤٥٨).
٢ - قضاء الشامية
الشامية بلدة عمرت كثيرا في الأيام الأخيرة، وهي قائمة على أنقاض أم
стр. 3238
البعرور المعروفة
ب (الحميدية) والمؤسسة قبل ٣٠ سنة تقريبا في عهد السلطان عبد الحميد. وكلمة الشامية هذه تطلق على جميع أجزاء القضاء الواقع في قلب الأرض المصطلح عليها بالشامية. وقد كانت البلدة إلى عهد قريب مباءة للأمراض الوبيلة لكثرة المستنقعات فيها إلا إنها أخذت تزول بالتدريج. فيها مدرسة أميرية ودار إمارة (سراي) فخمة للحكومة أنشئتا حديثا. وفيها مستوصف لا بأس به وجسر من خشب وأسواق لا نظام فيها ولا عمران، نفوسها نحو ٢٠٠٠ نسمة ونواحيها أربع هي:
١ - الصلاحية داخلية (أي مركز القضاء) ولكنها ترى شؤون الزراع والمزارع التابعة لها.
٢ - (هور الدخن) ومركزها أبو شورة بالقرب من الكوفة فيها من النفوس نحو ٥٠٠٠ نسمة ويقدر دخلها ب ٧٥. ٠٠٠ ربية (حصة الحكومة فقط).
٣ - الغماس (كشداد) ومركزها الخرم (وزان بكر) وفيها آل زياد (بتشديد الياء) والسادة البوطبيخ. نفوسها مع عشائرها ٢. ٣٠٠ نسمة.
٤ - الشنافية وهي قرية تبعد عن الديوانية بأكثر من عشرين ميلا. نفوسها مع العشائر ٤. ٠٠٠ نسمة ودخلها قليل جدا ومن المحتمل إنها تلغى لتلحق بإحدى النواحي المارة الذكر.
٣ - قضاء عفك
يتقوم القضاء من مركزه ومن النواحي التابعة له وهي أربع. أما مركزه فقصبة صغيرة سكانها قليلون وشوارعها ضيقة قذرة وفيها جسر صغير من خشب وتقدر نفوسها بألفي نسمة. وفيها سوق صغيرة يبتاع منها السكان حاجياتهم. وإما نواحيه الأربع فهي:
١ - الدغارة وهي بلدة جميلة عمرانها واسع وتجارتها متقدمة، تقع على الضفة اليمنى من نهر الدغارة وفيها مرتبات شعب منظمة لإدارة أمورها.
٢ - الفوار (كشداد) وهي مقاطعة واسعة تقدر نفوسها بخمسمائة نسمة.
٣ - عفك وهي ناحية (داخلية) في مركز القضاء.
стр. 3239
٤ - آل بدير ومركزها قرية (العبرة) (بكسر العين) أما نفوسها فهي أكثر من ١. ٠٠٠ نسمة وليس فيها مدينة ولا عمران معظم سكان قضاء عفك من العشائر التي تشتغل في استغلال الأراضي الخصبة.
٤ - قضاء السماوة
السماوة بلدة جميلة عامرة تقع على ضفتي الفرات ويربط الجهتين الواحدة بالأخرى جسر من خشب إلا إنه محكم الوضع. هواؤها عذب، ماؤها غير صاف سكانها كثيرون، تجارتها واسعة، زراعتها بوجه عام حسنة. وبالقرب من السماوة تلتقي فروع الفرات المتنوعة. ويمر بها الخط الحديدي الكبير من بغداد إلى البصرة وهي تبعد عن الأولى ١٧٢ ميلا وعن الثانية ١٨٤ وفيها مدرسة ابتدائية ومركز فخم للشرطة الخيالة والمشاة التي تراقب حركات الأخوان في البادية مع صرح (سراي) للحكومة لا بأس به من حيث الجسامة والعمران. نفوسها نحو ١٥. ٠٠٠ نسمة وجاداتها واسعة ومقاهيها هي أحسن المتنزهات للآهلين. والبلدة محاط بها بسور محكم البناء لصد غارات الأخوان ولو إنه مبني من اللبن.
ولهذا القضاء ثلاث نواح هي الرميثة (بالتصغير) والخناق (كشداد) والخضر (كابل).
أما (الرميثة) (بالتصغير) فبلدة عذبة الهواء لطيفة الموقع مركزها الرميثة أو (الأبيض) (بالتصغير وتشديد الياء) وفيها مدرسة عامرة وصرح (سراي) فخم للحكومة وقد أنشئا منذ مدة قريبة. تقدر نفوسها بثلاثمائة نسمة وفيها جسر من خشب متين الوضع وتبعد عن العاصمة ١٥٦ ميلا ويمر قطار البصرة فيها. ولهذا السبب يرجى لها مستقبل زاهر من حيث التجارة والعمران.
وإما (الخناق) فناحية داخلية في القضاء ومركزها في السماوة.
وإما (الخضر) فمركزها الخضر وهي تبعد أربعة أميال عن السماوة وتقدر نفوسها ب ٣. ٠٠٠ نسمة بما فيها من العشائر. وتقع على العدوة اليسرى من الفرات. وسكانها كلهم زراع.
بغداد: عبد الرزاق الحسني
стр. 3240
أوربية تحب عراقيا
وما (حسن) إلا فتى ذو ملاحة ... وقد نال في الآداب أسمى المراتب
وفي البصرة الفيحاء حط متاعه ... يتاجر بالأموال تحت المتاعب
وسار إلى الميناء يختار مركبا ... وليس له إلا بضاعات كاسب
رأى مركبا ينوي البراح بركبه ... وشيكا إلى قطر الحجاز المقارب
فأودعه تلك البضائع مزمعا ... رحيلا إلى ما فيه خير المكاسب
رأته فتاة غضة الجسم كاعب ... تطل على الركاب من كل جانب
وتلك لربان السفين سليلة ... أبوها فرنجي رفيع المناصب
فنادته من شوق أثار بقلبها ... سعير غرام أقلق النفس غالب
ولم يصطبر حتى أجاب نداءها ... إجابة مسكين لإكرام واهب
بناء صرح الحب
وقد بنيا صرح الوداد بسرعة ... يؤولها القاصي بشتى المذاهب
وسارا ببحر يرعب الأسد موجه ... وكل له في الحب سر العجائب
أضاءهما البدر المنير تحننا ... كأن له في الحب عنوان راغب
فكم قضيا الساعات لهوا وبهجة ... وفوقهما البدر الجميل كراهب
سقوط حسن في البحر الأحمر
مضى الصب كيما يستحم بجانب ... ولم يدر أن يلقى عظيم المصائب
ومن قدم زلت به وهو غافل ... إلى البحر لم يعلم به غير راكب
وغاص بأمواج يهول اضطرابها ... وقد ظن أن الموت أقرب صاحب
وكان بأنواع السباحة ماهرا ... فلم يبد للأمواج مظهر تاعب
نعي الحبيب في المركب
ونادى مناد في السفينة ناعيا ... حبيبا هوى في رحب بحر الغرائب
فيا لنداء مفجع يبعث الأسى ... إلى كل قلب للحنان مؤالب
وجاءوا إلى الربان يبغون عطفه ... لإنقاذه قبل امتداد النوائب
فقال عمري لات ساعة منقذ ... فقد قضى الأمر الرديء العواقب
стр. 3241
شعور الحبيبة
ولما أحست بنته هاج حزنها ... فلم تر حبا لم ينغص بشائب
وشبت لها في القلب نار لفقده ... فلم تتأخر عن تحري المواجب
فصاحت بصوت يسلب العقل وقعه: ... أبي أحيني حتما بإرجاع غائبي
وإلا فهذا البحر لاشك منقذي ... من الحزن من بعد الحبيب المصاحب
فقال لها: يا بنتي استيقظي فما ... تألمك يجدي اندحار المصاعب
فهمت بما قالت وهم بردها ... ولم تقتنع إلا بنيل المطالب
البحث عن الحبيب
فأرسل من يأتي به فوق قارب ... إذا كان حيا بعد تلك المصائب
رأى شبحا فيه حراك وفوقه ... جناح حياة خافق غير واصب
فألفاه كرارا بميدان معرك ... من الموج ليس الموت فيه بناشب
فأنقذه والخوف ضعضع جسمه ... وأبدت به الأهوال أردى الشوائب
وجاء به للراكبين بفرحة ... وجفت دموع العين بعد المساكب
وهشت فتاة الحسن هشة مبهج ... به تبتغي من ذاك ردع النوائب
وآن لصبين التقاء مخفف ... عذابا له في القلب أنكى المثالب
الفراق
وإذ قاربا ميناء (جدة) أصبحا ... على جرف التفريق قصد التذاهب
فقالت له: ويل لقلبي فإنه ... سيضنى من البعد الكثير المتاعب
فيا صبر رافقني لتدفع لوعتي ... وتدحر حزنا لا يحن لناصب
وقال أبوها: لا تفارق عزيزتي ... وحقق مناها بالوداد المواظب
أحبتك جما وهي في الحب حرة ... ولست على استحبابها بالمشاغب
أجابهما والقلب يذوي بحسرة ... على الطائر الميمون ذات المناقب
فحبك في قلبي أثيل وموقد ... حشاي دهيني اختبط في الغرائب
حبيب بأرض الشرق ظل معذبا ... ومحبوبة تهواه عند المغارب
فما أنحس الأوقات أوقات مفصم ... لعروة حب مفعم بالعجائب
وما الحب إلا نعمة مستديمة ... إذا لم تمزقها النوى بالمخالب
الكاظمية: مصطفى جواد
стр. 3242
فوائد لغوية
القنع
قال السيد مرتضى: (القنع) بالضم: الشبور، وهو بوق اليهود. . . وليس بتصحيف (قبع) بالموحدة، ولا (قثع) بالمثلثة، بل هي ثلاث لغات: النون، رواية أبي عمر الزهد (كذا. والصواب أبي عمر الزاهد). والثالثة نقلها الخطابي وأنكرها الأزهري. وقد روي حديث الآذان بالأوجه الثلاثة. . . وقد روي أيضاً بالتاء المثناة الفوقية. . . مثال الخطابي: سألت عنه غير واحد من أهل اللغة فلم يثبتوه لي على شيء واحد، فإن كانت الرواية بالنون صحيحة، فلا أراه سمي إلا لإقناع الصوت به، وهو رفعه. ومن يريد أن ينفخ في البوق يرفع رأسه وصوته. وقال الزمخشري: أو لأن أطرافه أقنعت إلى داخله أي عطفت. أهـ.
قلنا أصل رواية اللفظة في القديم في عهد الجاهلية قنع (بضم القاف وإسكان النون وفي الآخر عين) وقد نقلها اليونانيون عن العرب في العهد العهيد بصورة وكانوا إذ انقلوا العين إلى لغتهم حاروا في تصويرها بحروفهم فيختلفون بين ما ذكرناه من حرفهم (وهو حرف واحد في لسانهم) وبين حروف أخرى. واصل معنى القنع صدفة يشبه ظاهرها صدفة حلزون كبير وبالافرنسية ثم أطلق على كل ما أشبه هذه الصدفة من آنية وآلات فكان من معانيها عندهم القنقل، وهو مكيال يكال به، والجمجمة، وأعلى الرأس، ومقبب الترس أو الدرقة. وغطاء كل آنية إذا كان مقببا ولاسيما ورودها عندهم بمعنى صدفة الحلزون وبمعنى الشبور الذي يشبه هذه الصدفة. والشبور بوق مقنع الطرف أي مستديره معطوف إلى داخله كالصدفة المذكورة.
أما القبع بالباء الموحدة التحتية، والقثع المثلثة فهما عندنا من التصحيف القديم للفظة، خلافا لما ارتأى صاحب التاج؛ إذ اللغات في الغالب مبنية على تصحيف
стр. 3243
وتحريف أو لثغة. وإن وردت مفردات على غير هذه الأوجه المذكورة.
ومن الغريب أن السلف من بعد أن وضعوا هذا الحرف في الزمن القديم عادوا إلى اليونانية فعربوا المذكورة بصورة قنقن وخصوها بما يقابلها عند الإفرنج وأطلقوا القنقن أيضاً على ما سماه اليونانيون وكذلك نقلوا عن اليونانيين (القنقل) المار ذكره وهو مكيال يسميه
الرومان
ونقل اليونانيون لفظتنا (القنع) بصورة أخرى وهي وهي عندهم الصدفة المستديرة العطفات إلى الداخل فنقلها عنهم الرومان بصورة بمعنى الحلزون. واشتقوا منها في لسانهم الملعقة فسموها لأنهم كانوا يستخرجون بطرفها الواحد الحلزون الذي كانوا مولعين بأكله.
فقد رأيت من هذا البسط أن السلف سموا الشبور بالقنع لأنه على شكله والقنع هو الحلزون. ولم يكتفوا بالقبع والقثع المصحفين عنه. بل زادوه تصحيفا ثالثا وهو (المنع) فكأنهم قرءوا القاف المهملة ميما وابقوا النون على حالها وأرادوا به السرطان لا الحلزون والمنعي بزيادة ياء النسبة أكال السرطانات. فالظاهر أن السلف في الجاهلية كان مولعا بأكلها على حد ما يفعل الرومان واليونان وأبناء الغرب في عهدنا هذا. ومن الغريب أن اللغويين ذكروا المنع والمنعي بمعنييهما ولم يذكروا معدنيهما واصليهما والسلف كثيرا ما يصحف الألفاظ ليعلق بها معاني جديدة وكان يتصرف مثل هذا التصرف في المفردات الدخيلة المعربة.
ومن العجب أن عوام سورية جهلوا أن اللاتينية عربية النجار فعربوها عنها وقالوا (قوقعة) في حين أنهم كانوا في مندوحة عنها بقولهم (قنعة) مفرد القنع وإن لم تسمع، لوجود القاعدة أن الشبيه بالجمع يفرد بالهاء. وكان عوام آخرون عربوها بصورة (قوقن) على ما رواه المستعيني وجاءت (كوكن) أيضاً. وكلها تنظر إلى الأصل العربي المصحف.
وما أضحكنا إلا قول أحد الفضلاء المتشدقين وهو: (إذا أردتم أن تحطموا قوقعاتكم وتتخلصوا من أنواع الضيق المسيطرة على نفوسكم. فاخرجوا. . . أفلا قال كما قال السلف الفصيح: إذا أردتم أن تتخلصوا من قائبتكم أو قنعتكم. . .
стр. 3244
أو نحوهما؟).
لكن هذه اللغة البائسة قد صار أمرها إلى بعض الجهلة فاخذوا يهدمون حصونها بالنواسف وهم يجهلون نتيجة عملهم. فهذا هو الجهل المركب. وقانا الله شره!
الغريزي لا الغرزي
يكثر كتبة مصر من النسبة إلى الغريزة بقولهم غرزي بفتح الأول والثاني مدعين أن ذلك هو القياس لما كان من المنسوبات إلى فعيلة. والحال ليس كل قياس يقال: لأن السماع أفضل من القياس. إذ هذا وجد بعد ذاك. والمسموع في النسبة إلى الغريزة غريزي كما
قالوا طبيعي وسليقي وسليمي وعميري وبديهي في النسبة إلى طبيعة وسليقة وسليمة وعميرة وبديهة، وذكر الغريزي صاحب (مد القاموس) نقلا عن الثقاة، والأطباء الأقدمون لم يقولوا إلا (الحرارة الغريزية) وقال أبو القف في كلامه عن خواص العدس: (وأما حرارته الغريزية فقوية وطبيعته فائقة جيدة لا يغلبها سبب ممرض) أهـ. وابن البيطار ذكر الحرارة الغريزية مئات ومئات.
ولهذا تتحدى كل كاتب أن يورد لنا شاهدا واحدا - من الأقدمين أو من المولدين - فيه لفظة الغرزي في معنى الغريزي - نعم قد يجد الباحث الغرزي نسبة إلى الغرز (كسبب) وهو ضرب من الثمام، لكن بمعنى الطبيعي لا تجد ولن تجد. ولهذا وجب أن يقال الغريزي أمنا للبس، وإما حيث لا لبس فالنسبة إلى فعلية هو فعلي بالتحريك. تقول ربعي وحنفي وجذمي في النسبة إلى ربيعة وحنيفة وجذيمة؛ ويشبه فعلية في النسبة فعلية (بضم ففتح) تسقط منها الياء في مواطن وتحتفظ بها في مواطن أخرى. تقول جهني وقتبي (بضم ففتح) في جهينة وقتيبة. لكنك تقول حويزي في النسبة إلى حويزة (راجع كتاب سيبويه طبع مصر ٢: ٧٠ و٧١) ولهذا لا يحسن بالمرء أن يخطئ صاحبه معتمدا على ما يرى في كتب الصرف والنحو ولا يلتفت إلى السماع، وإلا فإن ثبت هذا لديه كان حجة على القاعدة وضرب بها عرض الحائط كما قرره العلماء الأعلام في معاجم اللغة ودواوينهم العلمية.
стр. 3245
باب المكاتبة والمذاكرة
غريبة
من أغرب ما ساقتني إليه المصادفة، أني بينما كنت أطالع في كتاب (ثمار القلوب في المضاف والمنسوب) لأبي منصور عبد الملك بن محمد الثعالبي المطبوع بمطبعة الظاهر في القاهرة سنة ١٣٢٦هـ. عثرت في الصفحة ١٧٥ على بحث في حسان بن ثابت الشاعر المشهور (رض) إذ قال في حضرة النبي (ع) على سبيل التمدح بقوة لسانه: (والله أني لو وضعته على شعر لحلقه، أو على صخر لفلقه) سوى أن سقم الطبع الذي مني به هذا الكتاب الجليل أخرج الفاء قافا فكانت كلمة (لقلقه) هكذا: (لقلقه) وهي غلطة بديهية لا يعز على الأديب الاهتداء إلى تصحيحها من دون كلفة، وليس مثار التعجب هو هذا، بل هو تعليق المصحح على الكلمة بقوله: (اللقلقة صوت طائر طويل يأكل الحيات وهو صوت في حركة واضطراب ومنه حديث عمر: ما لم يكن نقع ولا لقلقة).
ولعمري أن هذا من أغرب مداحض الأقلام. وسبحان من لا يذهل ولا يسهو.
أما حديث عمر فهو كما جاء في الصفحة ١٨ من الكتاب المذكور من أن خالدا (رض) لما توفي لم تبق امرأة من بني المغيرة إلا وضعت لمتها على قبره أي حلقت رأسها، ولما ارتفعت أصوات النساء عليه أنكرها بعض الناس فقال عمر (رض): دع نساء بني المغيرة يبكين أبا سليمان، ويرقدن من دموعهن سجلا أو سجلين، ما لم يكن نقع أو لقلة.
وفي الجزء الثالث من (النهاية في غريب الحديث) ص ١٧٢ هكذا:
ما عليهن أن يسفكن من دموعهن على أبي سليمان ما لم يكن نقع ولا لقلقة. . . النقع رفع الصوت. . . وقيل أراد بالنقع شق الجيوب وقيل أراد به وضع
стр. 3246
التراب على الرؤوس من النقع (أي) الغبار وهو أولى لأنه قرن به للقلقة وهي الصوت فحمل اللفظيين على معنيين أولى من حملهما على معنى واحد. أهـ المطلوب.
محمود الملاح
قبر حيدر
وقفت على مقالة الكاتب المتفنن أحمد حامد أفندي الصراف عن الدرويش ورأيته يتوقف في صحة موقع قبر الشيخ حيدر (٦: ٨٨) والحال إنه من المثبت أن هذا القبر هو كوهستان في مدينة (زوا) وهي التي تسمى اليوم (تربة حيدر) ذكرا له (راجع كتاب لسترنج - أراضي الخلافة الشرقية المطبوع في كنبردج سنة ١٩٠٥ ص ٣٥٦) والتربة المذكورة قريبة من باخرز.
باريس: لويس ماسنيون
البياسرة
قرأت ما كتبت (لغة العرب) عن البياسرة (٦: ٥٧) وأنا واثق أن البياسرة أناس من ذرية متزوجين زواجا مختلطا أي من نسل عرب متزوجين هنديات أو من نسل هنود متزوجين عربيات. والكلمة من أصل هندي. فإن الهنود سموا البغلة (بيسر) (وزان حيدر) ولما كان البغل - حتى في اللغة العربية - يطلق مجازا على كل حي كان والداه مختلفي الجنس، جاز أن يطلق على هذا النسل أسم البياسرة. ولعل مدير المجلة يتحقق هذا الأمر من هنود بغداد الذين كثروا فيها بعد الاحتلال البريطاني. ولقد وجدت الجاحظ يذكر البياسرة في مؤلفاته. فليحتفظ ذلك إنه من الفائدة الثمينة في مكان حريز.
يهرف
ليست يهرف أسم سبع وقد أصبتم في تخطئتكم من ذهب إلى هذا الرأي.
وقد رأيت في المحكم وفي اللسان: هرف السبع يهرف. . . ولا جرم أن أحدهم قرأها هكذا: السبع يهرف فوقع في تلك الهاوية من الوهم، وجر معه من تبعه في هذا الضلال، ويهدي مخطوط من (كتاب المعاني) وفيه أوهام مصوغة تلك الصياغة الشنيعة من الوهم وسوء الفهم.
بكنهام (إنكلترا): ف. كرنكو
стр. 3247
أسئلة وأجوبة
النقود في التاريخ
س - بغداد - سائل: ما رأي لغة العرب في (العملة) وتأريخها وتطورها وهل هي قديمة أو حادثة؟ وبماذا كان يتعامل الناس قبل المسبح بألف سنة!!
ج - يؤخذ من المأثورات الإغريقية التي أثبتتها المكشوفات الأثرية أن أقدم النقود لا تتعدى المائة السابعة قبل الميلاد أما قبل ذلك فكانت المعاملة تجري بقطع الذهب والفضة وسائر المعادن من غير أن يكون عليها علامة خاصة ثم تطور شكلها بتقدم الحضارة فطبعت كل إمارة على كل قطعة منها علامة لتعرف بها وبصحة جوهرها. وقد ألف الغربيون كتبا قائمة بنفسها في تاريخ نقود كل بلد بل شحنوا مؤلفات ضخمة بصور النقود التي كانت معروفة في العصور السابقة وبتاريخ كل منها.
والعملة (كغرفة) بمعنى النقود من كلام عوام سورية ومصر ولم ترد في كلام فصيح. وسميت بذلك - على ما جاء في محيط المحيط - اشتقاقا من العملة وهي أجرة العمل لأنها تعطى أجرة للعمل. وأحسن من العملة بمعنى النقود (المعاملة) لأنه يتعامل بها. وهي أيضاً عامية أو مولدة إلا إنها وردت في كتب بعض المولدين أقدم من كلمة عملة والأحسن أن يقال النقود.
اصطلاحات علمية حديثة
س - بغداد - روزق عيسى: قرأت مقالة بديعة في العدد ال ٦٩ من البلاغ الأسبوعي بقلم الكاتب المتفنن عباس محمود العقاد بعنوان (الأحساسية في التصوير) وقد جاء فيها بعض مفردات إنكليزية عربها صاحب المقالة تعريبا معنويا كقوله:
الأحساسيون المحدثون -
التقسيميون
стр. 3248
الدواميون
التعبيريون
المستقبليون
ما بعد الأحساسية -
الوحشية
فهل تستصوبون هذا التعريب الذي جرى على منواله فريق من كتاب العربية اليوم وهل في العربية ألفاظ تقوم مقام تلك المفردات؟
ج - أحسن من الدواميين الدواريون وكلتاهما بضم الدال وتشديد الواو. ولا نفضل دواريين على دواميين إلا لأن دوارين أقرب إلى فهم العامة. أما الدواميون فقد يتوهم فيها القارئ إنها منسوبة إلى الدوام بخلاف الدواريين فليس فيها ما يدفع إلى الوهم. وإما المستقبليون (أن لم يقع في النقل وهم) فليس صحيحا لأن ما ينتهي باللغات الإفرنجية بأحرف يفسر (بالذهب أو الطريقة) أو أن يؤنث اللفظ المنسوب فيقال مثلا المستقبلية بمعنى مذهب المستقبليين لكن لا يقال أبدا (مستقبلون) (كذا) بمعنى وما بقي فهو من الترجمة الصحيحة في نظرنا.
ذهني وخارجي
س - بغداد - ح. خ: ما هما الكلمتان المقابلتان للحرفين الإفرنجيين
وج - ويقابله في لساننا الذهني والثاني يقابله في لغتنا الخارجي قال أبو البقاء في كلياته عن الأول: الذهن: القابلية. والفهم الإدراك وقد يطلق الذهن. ويراد به قوتنا المدركة وهو الشائع. وقد يطلق ويراد به القوة المدركة مطلقا. سواء كانت النفس الناطقة الإنسانية أو آلة من الآن إدراكها أو مجرد آخر. وهذا المعنى هو المراد في (الوجود الذهني) وكذا الخارج يطلق على معنيين: أحدهما الخارج عن النحو الغرضي من الذهن. لا من الذهن مطلقا والخارج بهذا المعنى اعم من الخارج بالمعنى الأول لتناوله له وللنحو الغير الغرضي من الذهن وهو المراد من الخارج في قولهم: صحة الحكم مطابقته لما في الخارج
стр. 3249
فالموجود الخارجي على نحوين: أحدهما الحصول بالذات لا بالصورة، وذلك الحصول اعم من الوجود في نفس الأمر من وجه لتحقق الأول بدون الثاني في المخترعات الذهنية وبدون الأول في الموجودات الخارجية. ثم الموجود في الذهن عند المثبتين للوجود الذهني هو نفس الماهيات التي توصف بالوجود الخارجي والاختلاف بينهما بالوجود دون الماهية.
ولهذا قال صاحب المحاكمات: الأشياء في الخارج أعيان. وفي الذهن صور. انتهى كلام أبي البقاء.
فأنت ترى من هذا أن تعريف كل من الذهني والخارجي تعريف صحيح على ما يفهمه الإفرنج في هذا العهد، ولا نعرف للحرفين المذكورين كلمتين أخريين ومن يعرفهما فليذكرهما لنا فنكون له من الشاكرين. بشرط أن ينقل كلام الأقدمين بنصه واسم الكتاب الذي ورد فيه مع أسم مؤلفه. ولو وجد غير هذين اللفظيين لذكرهما لنا صاحب الكليات نفسه.
س - ومنه - ما الكلمة العربية المقابلة للإفرنجية
ج - للإفرنجية معنيان؛ المعنى الأول إنها تفيد (بلا خبرة أو اختبار) معتمدا المتكلم في ما يقوله على العقل أو على دليل ظاهر قد سبق التسليم به وهذا يقابله قولنا: (عقليا) أو آنفا بضم الأولين. والثاني يأتي مقابلا لقولهم فيقال حينئذ استئنافا وللفظة الثانية الإفرنجية (استنتاجا) أو (اختبارا) أو أن يقال بازاء الإفرنجية: (سباقا ولحاقا) وهي أشهر ما جاء في كلام المتكلمين والفقهاء وعرفهما اللغويون، فليحتفظ بهما.
جمع المصدر وجمع جهد على جهود
س - مصر القاهرة - س. ب. م -: هل تجوزون جمع المصدر وهل توافقون على أن يجمع جهد على جهود، وهل ورد في كلام الأقدمين؟
ج - جمع المصدر لا يجوز كما صرح به النحاة واللغويون وكما ترونه مدونا في جميع المصنفات التي تتعرض لهذا الموضوع. قال في المصباح في مادة ق ص د: بعض الفقهاء جمع القصد على قصود. وقال النحاة: المصدر المؤكد، لا يثنى ولا يجمع. لأنه جنس والجنس يدل بلفظ ما دل عليه الجمع من الكثرة فلا فائدة في الجمع، فإن كان المصدر عددا كالضربات، أو نوعا كالعلوم والأعمال،
стр. 3250
جاز ذلك لأنها وحدات وأنواع جمعت، فتقول: ضربت ضربين، وعلمت علمين، فيثنى لاختلاف النوعين، لأن ضربا يخالف ضربا في كثرته وقلته، وعلما يخالف علما في معلومه ومتعلقه، كعلم الفقه، وعلم النحو، كما: تقول عندي تمور، إذا اختلفت الأنواع، وكذلك الظن يجمع على ظنون لاختلاف أنواعه، لأن ظنا يكون خيرا وظنا يكون شرا - وقال الجرجاني: ولا يجمع المبهم إلا إذا أريد به الفرق بين
النوع والجنس، واغلب ما يكون فيما ينجذب إلى الاسمية نحو العلم والظن ولا يطرد. إلا تراهم لم يقولون في قتل وسلب ونهب (المصادر): قتول وساوب ونهوب - وقال غيره: لا يجمع الوعد لأنه مصدر. فدل كلامهم على أن جمع المصدر موقوف على السماع، فإن سمع الجمع عللوا باختلاف الأنواع، وإن لم يسمع عللوا بأنه مصدر، أي باق على مصدريته وعلى هذا فجمع القصد موقوف على السماع. وإما المقصد فيجمع على مقاصد. أهـ كلام صاحب المصباح.
قلنا: لم يسمع جهد جمع على جهود لكن اليوم أكثرت منه الصحف والمجلات والكتب، فالأحسن القول بجمعه وإن لم يسمع عن الفصحاء فيسابق العهد، لأن (إجماع فصحاء العصر كإجماع فصحاء الأقدمين، ولماذا يجوز لقوم واحد أن يقولوا كذا ولا يسمح لأبنائهم أن يتبعوهم؟
ونحن نجوز كل ما استعمله (فصحاء المولدين والمحدثين والعصريين) وإن خالف صريح نصوص الأقدمين القائلين بمنعه. هذا رأينا الفائل يقول به من يشاء ويضرب به عرض الحائط من يشاء ولا نلزم أحدا باتباعه.
المتولي الفقيه
س - الكاظمية - مصطفى جواد: قرأت في المرشد (٣: ١٠٤) مقالة بعنوان آثار (كذا أي آثار) بغداد هذه العبارة: (. . . ولما كنت قد وقفت على حقيقتهما (حقيقة المدرسة التاجية وصاحب قبر الشيخ أبي اسحق المدفون فيها) بعد البحث والاستقراء الدقيقين أردت بمقالي هذا أن أبين الحقيقة لمن تهمه هذه المباحث) ثم يقول في ص ١٠٦ ما هذا حرفه: (ومنهم (من المدفونين في التاجية) أبو سعيد عبد الرحمن بن مأمون ابن (كذا أي بن) علي المعروف
стр. 3251
بالمتولي الفقيه الشافعي مدرس المستنصرية المتوفى (كذا. أي المتوفى بياء غير منقوطة) سنة ٤٧٨هـ. . .) أفهذا كلام صحيح؟
ج - كنية المتولي الفقيه أبو سعد لا أبو سعيد (كما ذكره ابن خلكان في الجزء ١: ٣٩٢ من طبعة بولاق). وإما إنه كان مدرسا في المستنصرية فهذا لا يمكن لأن هذه المدرسة أنشئت سنة ٣٢٥هـ (١٢٢٧م) راجع هذا الجزء من مجلتنا ص ٣٥٤) وأبو سعد توفي سنة ٤٧٨هـ وعليه يكون الصواب: (مدرس النظامية) كما قال ذلك ابن خلكان في الجزء والصفحة
اللذين ذكرناهما. فعسى أن يصلح الغلط في جزء تال من المرشد ذهابا إلى الحق.
الأصنوجة والدوالقة أو الزوالقة
س - زحلة - س. م: قرأت في (البستان) ومحيط المحيط وفي كثير من المعاجم هذه العبارة وهي: الأصنوجة: الدوالقة من العجين، ولما نقرت عن الدوالقة في الدواوين لأعرف معناها لم أجدها. فهل لكم أن تذكروها لنا؟
ج - لم يفسرها أحد تفسيرا واضحا. فقد قال صاحب اللسان: الأصنوجة: الزوالقة من العجين ولم يذكر معنى الزوالقة في موطن من المواطن بل قال الناشر في الحاشية: هكذا بالأصل. وفي القاموس: الدوالقة بالدال. وحرره. أهـ. وكذلك لم يفسرها صاحب التاج. وقال في الأوقيانوس: الأصنوجة وزان أضحوكة: خيط الخمير الذي يمتد طولا عندما يعجن فيكون كخيوط الحلوى (المعروفة عند الترك) بكتان حلواسي (ويسميها أهل العراق شعر بنات). أهـ. وعندنا أن الكلمة المفسرة للأصنوجة هي الدمالقة وهي القطعة المستديرة من العجين تكون بكبر الصنج وقبل أن تلصق بالتنور فالدمالقة مشتقة من الدمالق للحجر المستدير والدمالق من الدمالج أو لغة فيه والدمالج جمع دملج للحلي المستدير الذي يلبس في العضد كما أن الأصنوجة مشتقة من الصنج لمشابهة العجينة الصنج المستدير. وسبب التسمية في اللفظيين واضح كما لا يخفى على الباحث اللغوي، أما المستشرقون فلم يهتدوا إلى المعنى بتاتا ففريتغ ذكر الاصنوجة وقال (الدوالقة من العجين) بحروف عربية ولم يفسرها. وقال فرنسيس جونصن: الأصنوجة هي المعجن الذي فيه العجين (كذا) فتأمل.
стр. 3252
باب المشارفة والانتقاد
٥١ - مباحث في الآداب العربية العصرية
بقلم هـ. ا. ر. رجب
بيت جب، بيت علم وفضل وأدب. ولهذا البيت فضل على اللغات الشرقية لأن أحد أبنائه ارصد مبلغا لنشر ما يفيد من مصنفات الشرقيين عربا كانوا أم فرسا أو تركا. وأمامنا الآن مقالة نفيسة في ١٦ صفحة تكلم فيها صاحبها عن نهضة الأدب في المائة التاسعة عشرة فإذا هي من احفل المقالات في هذا الموضوع والذي يطالعها يتحقق أن صاحبها من أعظم الناس وقوفا على الحركة الأدبية عند العرب والكاتب لا يبعث بفكر إلا يؤيده في الحاشية بالأسانيد التي لا تنكر. ولم يصلنا إلا القسم الأول من هذا البحث الجليل فعسى أن يكون القسم المتمم له على هذا الطراز من التحقيق والتدقيق.
٥٢ - أنباء عن اليمن
آخر رحلة هرمان بورخرت في جنوبي ديار العرب، أعاد النظر فيها اوجين متووخ.
ما يتولى علماء الألمان نشر كتاب عن ديار العرب إلا يفونه حقه من التحقيق والعناية بخدمته من شرح وإفادات. صاحب هذه الرحلة أحمد بن محمد الجرادي من أهالي صنعاء. كان كاتبا للمستشرق الألماني بورخرت. وقد نشر نص هذه الرحلة العلامة اوجين متووخ وعلق عليها تعاليق نفيسة وشرح الألفاظ الغامضة
стр. 3253
وهي كلها من المفردات العامية الخاصة بأهل صنعاء. والحق يقال أننا لم نفهم من هذه الرطينى إلا الشيء النزر لما فيها من الكلام المحرف المشوه والمفردات الغريبة. والكتاب في ٧٤ صفحة بقطع الربع، فيه ٢٨ صورة شمسية محكمة الصنع وخريطة رحلة بورخرت من مكة إلى صنعاء مع ذكر جميع المدن التي مر بها. وقد قسم ناشر الرحلة كتابه إلى سبعة أقسام هي: المقدمة - نص الرحلة باللغة
العربية الصنعانية - ملاحظات عليها - أمثلة من لغة صنعاء - ملاحظات على غوامض نص الرحلة - فهارس وتصاوير.
والكتاب جدير بالاقتناء إذ يستفيد منه الباحث عن ديار اليمن واللغوي والمؤرخ والأديب. إذ فيه من المواد ما ينفع جميع هؤلاء الباحثين.
٥٣ - أعظم حرب في التاريخ وكيف مرت حوادثها
تأليف جرجس الخوري منشئ مجلة المورد المطبعة العلمية بيروت سنة ١٩٢٧ في ١٣٠ ص.
كتاب مفيد لكل من يريد أن يقف وقوفا مجملا على تلك الحرب العظمى التي انتابت العالم وقد قال صاحبه أن تأليفه (خلو من روح التعصب المذهبي أو الجنس. . . وإن لغته من السهل الممتنع) (المقدمة) وقد رأينا بعض أشياء تخالف ما قاله منها قوله: (من معاني لبنان الطيب الرائحة مشتق من اللبان أي البخور) وإذا كان أحد اللغويين الإثبات نطق بمثل هذا الكلام فحري بأن يضرب رأسه بصخر لبنان ليتعلم أن البحث عن أصول الألفاظ لا يكون بهذا الروح من التعصب الجنسي، إنما لبنان معناه الأبيض لا بيضاض ثلجه لا غير، وإلا فالجبال كلها ذوات روائح عطرة لما فيها من النباتات الطيبة الشذا. - وفي ص ٤ وللوطنيين شغف شديد في التعلم. والمشهور أن الشغف يوصل إلى مفعوله بالباء ومنه:
غيلان مية مشغوف بها هو مذ ... بدت له فحجاه بأن أو كربا
وفي ص ٥ يقول: متمتعين بالمناظر الحسنة وبالهواء الطيب وبالماء الزلال وبوارف الإظلال) ونحن نرى من الثقل في تكرير الباءات ما يذكرنا بجلاميد لبنان. أفما كان الأحسن حذفها طلبا لخفة العبارة؟ - وقال في ص ٦: (بقرته وعنزته). ونحن لم نجد فصيحا استعمل العنزة بمعنى العنز. نعم أن محيط المحيط واقرب الموارد
стр. 3254
والمنجد ومعجم الطالب والمعتمد (ولعل البستان الوشيك الظهور) وشركاءهم ذكروا ذلك، لكن هؤلاء جميعهم حجج ضعيفة لا قيمة لهم عند المحقق.
وهكذا لو تتبعنا المؤلف في كل صفحة من كتابه لوجدنا عبارته (سهلة، لكنها غير ممتنعة) فعسى أن تنقى في طبعة ثالثة من شوائب الركاكة ولاسيما الكتاب وضع لطلبة التاريخ الحديث.
٥٤ - العقل الباطن أو مكنونات النفس
تأليف سلامة موسى في ١٨١ ص بقطع ١٦، عنيت بنشره إدارة الهلال بمصر سنة ١٩٢٨.
سلامة موسى كاتب مصري معروف، مولع بكل علم جديد وبحث طريف لكنه ضعيف النظر في لغتنا وكثيرا ما يضع ألفاظا في غير موضعها فيفسد اللغة ويحمل الغير على إفسادها. من ذلك إنه سمى: سبق الوهم ويجمع على سبق الأوهام وبالإنكليزية بالتغرضات والحال أن التغرضات في لغتنا الفصيحة مصدر تغرض الغصن كأنغرض أي انكسر ولم يتحطم فأين هذا من ذاك.
وسمى الكظم ضغطا ونسي أن الضغط هو فلا يجدر به أن يحمل اللفظة الواحدة معنيين مختلفين في حين أن لغتنا تمكننا من اتخاذ لفظة لكل معنى.
وقال العقل الباطن هو مع إنه قال أن العقل الواعي هو فكان يجدر به أن يطلق على الأول العقل الساهي ليصدق قوله على الثاني العقل الواعي. هذا فضلا عن أن الباطن هو وكلاهما كذلك فلا معنى يفيد اللفظة إلا إذا قلنا: العقل الساهي.
وأراد بالكبت ما يسميه الإنكليز والحال أن اللفظة تعني عندنا القمع.
واغلب هذه المفردات غرابة إنه وضع للإنكليزية (اللببد)، فلقد
стр. 3255
أغربنا في الضحك حتى كدنا نموت وشرح هذه اللفظة بعربيته الخاصة به بما هذا حرفه: (لبيد هو تلك القوة الجنسية في العقل الباطن (العقل الساهي) تريد أن تنطلق على الرغم من الكبت والضغط (أي مع محاولة كظمها أو قمعها). إذن ما سماه اللبيد هو (الشبق) لا غير فلا نعلم كيف يجهل حضرة الكاتب هذه الألفاظ ويضع في مواطنها ألفاظ الغتم (البشكانية) فعسى أن لا يسوق أبناء الضاد إلى الموارد الرنقة.
ست مقالات للعلامة اغناطيوس كراتشقوفسكي
٥٥ - تاريخ الآداب العربية في المهجر الأمريكي في ٢٠ ص بقطع الثمن الكبير.
٥٦ - مقدمة للمنتخبات العصرية لدرس الآداب العربية في ٢٤ ص بقطع الثمن.
٥٧ - نقد حياة اللغات وموتها. وفي متلو كالكتاب. الجزء الأول وكلاهما للخوري مارون
غصن ٥ ص بقطع الثمن.
٥٨ - نقد لامية أبي الكبير الهذلي وشرحها للسكري وهي التي نشرها فهيم البير قداري في ٤ ص بقطع الثمن.
٥٩ - منتخبات من الآداب العربية الحديثة وترجمتها للأب رفائيل نخلة اليسوعي في ٤ ص بقطع الثمن. وكلها بالروسية إلا الأولى فأنها بالألمانية.
هذه المقالات تشهد بتضلع صديقنا من لغتنا الفصيحة في عصير القديم والحديث ومن وقوفه على آدابهما وقوفا يدهش أبناء لغتنا أنفسهم. فلله در أبناء الغرب من محققين!
٦٠ - بطل المحبة الخالد
القديس منصور دي بول في ٣٢ ص بقطع ١٢، تأليف الأب يوسف علوان اللعازري طبع بالمطبعة الكاثوليكية في بيروت ١٩٢٨.
القديس منصور دي بول هو مؤسس جمعيتي الآباء اللعازريين وراهبات المحبة وشفيع جمعيات مار منصور وسائر الشركات الخيرية في العالم كله. والكتاب مزين بالصور البديعة مما يعين على سرعة فهم الأحوال في أوائل القرن السادس عشر وعبارة الكاتب مشهورة بالجلاء والوضوح والصحة وهي خصال تندر في كتبة هذه الأيام ولاسيما الذين يكتبون في الأمور الروحية.
стр. 3256
٦١ - المنتخبات العصرية لدرس الآداب العربية
الجزء الأول وهو نصوص المنتخبات في ٢٥٨ ص بقطع الثمن، اعتنت بجمعها وترتيبها كلثوم نصر عودة فاسيليفا، معلمة اللغة العربية في الكلية الشرقية في لينينغراد وعليها مقدمة لمراقب نشرها اغناطيوس كراتشقوفسكي أستاذ تاريخ الآداب العربية في الكلية المذكورة، لينينغراد سنة ١٩٢٨.
هذا الكتاب يحوي مقالات لواحد وعشرين كاتبا وكاتبة فيهم ثمانية مصريين وما بقي من أبناء سورية. ولم نجد بينهم عراقيا أو من غير ديار سورية ومصر. نعم نرى بين أصحاب تلك الأفلام من يسكنون اليوم أمريكا لكنهم سوريون، فنحن لا نرى ذلك من باب الأنصاف، وبين العراقيين وغير العراقيين من حملة اليراع وأرباب القريظ من هم في الطبقة الأولى.
فكيف فات ذلك السيدة كلثوم. وكيف ذهل عن هذا الأمر صديقنا اغناطيوس كراتشقوفسكي؟ فلعل الجزء الثاني يحوي ما لم يحوه هذا الجزء. فعسى أن يصدق ظننا!
وكنا نود أن يذكر في الحاشية محل ولادة الكاتب ومحل وفاته أيضاً إذا كان من الراحلين. ولا سيما الكاتبة المؤلفة قد ذكرت سنة الولادة والوفاة في صدر المقال فلم يبق لها إلا أن تذكر محل الولادة والوفاة.
وكنا نود أيضاً أن يكون الحرف أحسن خطأ من الحرف العربي المشهور في روية منذ نحو مائة سنة وهو هو على ما كان لم يغير إلى الآن ورسم حروفه لا يشبع الناظر إليه.
هذه هي الهنات التي رأيناها فيصدر المنتخبات وإلا فإن صاحبتها أظهرت من الذوق في حسن الاختيار ما يجلب إليها أحسن الثناء ويشكر لها عملها كل من يقدر الآداب العربية العصرية، ومما استحسناه المقدمة التي صدر بها صديقنا هذه المنتخبات البديعة فأنها جديرة بأن تصدر من صاحب ذيالك القلم السيال المعسول.
٦٢ - ترجمة ب. ف. غرغاس
ترجمة ضافية الذيل حسنة التفصيل لصديقنا العلامة الروسي اغناطيوس كراتشوفسكي.
стр. 3257
كتاب الأصنام
٢ - كيف ترجم الكتاب
وكتبت بعد ذلك إلى صديقي الأستاذ الأب أ. س. مرمرجي البغدادي الدومنيكي أحد أساتذة المعهد الكتابي والأثري الفرنسي في بيت المقدس أسأله عما تم من أمر الترجمة فبعث إليّ بكتاب يقول فيه ما هذا حرفه:
(ما أحسن ما كان صنعك بتوجيهك الرسالة إليّ. فإن الأب جوسين وإن كان اليوم هنا لكان يعجز عن الإجابة على أسئلتك لأنه لم يكن له في أمر كتاب الأصنام لأناقة ولأجمل فإني أنا الذي كنت قد تفرغت لهذا البحث وعليه دونك ما يأتي تلبية لطلبك.
لم تنشر عن كتاب الأصنام لا ترجمة كاملة ولا ترجمة ملخصة بل أني بادئ بدء قد عمدت إلى ترجمته برمته لكن بقصد أن أصبه عند الترجمة بقالب منظم على الأصول المنطقية لا على ما هو عليه من الخلل من حيث التأليف.
وقد علقت عليه بالفرنسية حواشي كثيرة مستمد بعضها من تعليقات أحمد زكي باشا إلا أن كل ذلك لم ينشر. فقد حكم بأن الأفضل في الوقت الحاضر أن اجتزئ بمقالة واحدة موضوعها كل الأصنام المدونة في الكتاب ليس إلا.
وقد قسمتها قسمة منظمة إلى ثلاث طبقات طبقا لخطورتها عند العرب عامة أو عند بعض قبائلها.
الطبقة الأولى: هبل واللات والعزى ومناة.
الطبقة الثانية: اساف ونائلة وود وسواع ويغوث ويعوق ونسر.
الطبقة الثالثة: إلا قيصر وذو الخلصة وسعد وسعير وذو الشرى وعائم وعميانوس وسعير والفلس وذو الكفين ومناف ونهم واليعبوب وباجر والسجة.
وقد أتيت عن كل واحد من هذه الأصنام بخلاصة مستمدة من الكتاب عينه بتصرف مستشهدا بالأبيات الشعرية ناقلا نصها العربي ملحقا إياه بترجمته
стр. 3258
إلى الفرنسية.
وبعد الكلام عن الأصنام أنهيت المقال بكلمة عن أشهر المقادس العربية وهي الكعبة وكعبة نجران وكعبة سنداد والقليس ورضاء ورئام حسبما ذكرت في المؤلف ذاته.
وقد وقعت المقالة في أربع وعشرين صفحة من صفحات مجلتنا وجاءت طبقا للغاية
المتوخاة إلا وهي اطلاع القراء على ما دونه ابن الكلبي عن الأصنام.
ولذا لم يأت فيها لا نقد ولا شرح ولا مقابلة ولا تعليقات هذا ولم أتعرض لا ترجمة ولا تلخيصا لكل ما جاء في السفر فيشان أصل الأوثان وكيفية دخولها بلاد العرب لخلو ذلك من الفائدة لاستناد أكثره على تخيلات وخرافات تضحك الثكلى.
وقد عنونت المقالة بما تعريبه: (إلهة الوثنية العربية تبعا لابن الكلبي).
وقد صدرت المقالة بكلمة عن الناشر وبترجمة وجيزة لصاحب كتاب الأصنام.
هذا وما عدا الأصنام المذكورة في كتاب ابن الكلبي هناك طائفة معتبرة قد جاءت أسماؤها متفرقة في كتب القوم منها ما سرده الناشر في آخر الكتاب ومنها ما قد جمعته أنا بمطالعاتي ومنها ما قد أطلعني عليه الأب انستاس.
وأنا مواصل البحث حسب سنوح الفرص الملائمة لتحقيق ذلك مستندا على ما يقع بين يدي من الآثار والمستمدات على اختلاف ضروبها.
وإذا تيسر الأمر نشرته في مجلتنا الكتابية أو على حدة بالفرنسية.
أما محل نشر مقالتي فهذا هو:
المجلة الكتابية للآباء الدومنكيين في القدس عدد تموز سنة ١٩٢٦ من سنتها الخامسة والثلاثين من صفحة ٣٩٧ إلى ٤٢٠) انتهى كتاب الأب مرمرجي
(بحرفه)
(له بقية)
حيفا (فلسطين): عبد الله مخلص
стр. 3259
الشوقيات
- ٢ -
وهناك أدبيات ركيكة لا طائل تحتها، إلى أن أتى بقاعدة غريبة هي قوله (ص ٥):
يولد السيد المتوج غضا ... طهرته في مهدها النعماء
والذي اعرفه أنا هو أن كل أحد يولد غضا.
وقال (فيها): (فإذا أبيض الهديل غراب). ولو قال (الحمام) بدل (الهديل) لأحسن ولم يحتج إلى شرح الكلمة.
وقال (فيها): (ولواء من تحته الإحياء). وهل من العظم لرمسيس أن يكون تحت لوائه أحياء لا أموات. وأي أمير أو قائد لا يكون تحت لوائه عدد من الأحياء؟
وقال (ص ٦): (ووجود يساس). ولم افقه السر في اختياره الوجود للسياسة وهو اعم الصفات، لا صلة له بها. فهلا قال: (ورعايا تساس)؟ قال (فيها):
وبناء إلى بناء يود ال ... خلد لو نال عمره والبقاء
فما أكذبه! وقال (فيها):
لك آمون والهلال إذا يك ... بر والشمس والضحى آباء
ولم استحسن قوله: (إذا يكبر)، فإن الشرط إذا حذف جزاؤه جاء في صيغة الماضي، فهلا قال:
لك آمون والكواكب والأق ... مار والشمس والضحى آباء
وقال (فيها):
ولك المنشآت في كل بح ... ر ولك البر أرضه والسماء
فهل كانت له منشات في البحر الاتلنتي، وهل كانت له طيارات تطير في الجو ليجوز له أن يقول: (لك السماء)؟ - وقال (فيها): ليت لم يبلك الزمان. . . فحذف أسم ليت وهو عمدة يقبح حذفها - وقال (ص ٧): (فاروه الصديق في ثوب فقر) وهو كأنه يريد بالصديق ابنة فرعون اروه إياها في ثوب الفقر، يدل على ذلك فاء التفريع بعد ذكرها في الذلة، فقصر اللفظ عن المعنى الذي يريد وقال (ص ٨).
стр. 3260
هكذا الملك والملوك وإن جا ... ر زمان وروعت بلواء
وكان الأحسن أن يقول: (هكذا ترحم المارك. . .) الخ. ليناسب قوله في البيت الذي قبله:
(فبكى رحمة. . .) والصحيح في كلمة بلواء (بلوى). وقال فيها:
لا تسلني ما دولة الفرس ساءت ... دولة الفرس في البلاد وساءوا
وهو بيت سقيم، ومثله البيت الذي بعده. ثم تأتي أبيات أكثرها سخيفة في معانيها، ركيكة في مبانيها. وقال ص ١١:
(لعلاك المذكرات عبيد).
وهو جواب الشرط قبل بيت وهو قوله: (وإذا تعبد البحار. . .) الخ. فكان الواجب تصديره بالفاء. ثم تأتي أبيات كثيرة ذكر فيها آلهة المصريين القدماء، ثم استطرد إلى الثناء على الله. ثم ذكر موسى وعيسى ﵉، ثم القياصرة وفي معانيها المبالغات وأفاظها الركاكة، اذكر نموذجا لها قوله ص ١١:
فإذا قيل ما مفاخر مصر ... قيل منها إيزيسها الغراء
وقوله ص ١٣:
ليس تغنى عنها البلاد ولا ما ... ل الأقاليم أن أتاها النداء
وقال ص ١٤:
وتولى على النفوس هوى الأو ... ثان حتى انتهت له الأهواء
و (تولى) في المعنى الذي يريده لا يتعدى إلا بنفسه. يقال: تولى الأمر بمعنى تقلده وقام به: وفلانا: اتخذه وليا. وكأنه استعمله بمعنى استولى. ولذلك عداه بعلى.
ثم استطرد إلى ذكر النبي الحنيف بعد ذكر موسى وعيسى كأن القصيدة قصص الأنبياء. ثم قال فيه (وفيها):
لم يفه بالنوابغ الغر حتى ... سبق الخلق نحوه البلغاء
وكلمة (لم يفه) لا تقوم مقام (لم يدع) وهو مراده هنا. وقال في جبرئيل (ص ١٥):
يحسب الأفق في جناحيه نور ... سلبته النجوم والجوزاء
وسلامة العبارة تقتضي أن يقول: (يحسب الأفق أن في جناحيه نورا). وقال ص ١٨:
فأتت مصر رسلهم تتوالى ... وترامت سودانها العلماء
ولا أدري بماذا نصب (سودانها) فإن (ترامت) فعل لازم ولا يجوز
следующие страницы →