Полный текст (6 158 стр.). Показаны 3396–3435 · переход к 3401.
стр. 3396
للثلاثي المزيد عشرة أبواب لأنه أما أن يزداد فيه حرف واحد وهو ثلاثة أبواب فعل وفاعل وافعل. وأما يزداد فيه حرفان وهو خمسة أبواب تفعل وتفاعل وانفعل وافتعل
وافعل. وأما أن يزداد فيه ثلاثة أحرف وهو بابان استفعل وافعوعل.
باب فعل (بتشديد العين)
أكثر ما يستعملون هذا الباب لتعدية الفعل اللازم فإذا أرادوا أن يجعلوا قعد مثلا متعديا قالوا قعد (بالتشديد) ولا يقولون اقعدوا وكذلك يقولون في قام قوم ولا يقولون أقام. وخاف ونام ونوم ولا يقولون أخاف ولا أنام وفي مات موت ولا يقولون أمات وكذلك طول ونزل وفرح وهو كثير في كلامهم وقد يستعملونه للمبالغة والتكثير وذلك في الأفعال المتعدية نحو ضرب وقطع ومنه قولهم وهو من أغانيهم (لو كطعوني بسيف منك فلا أجوز) وقد يستعملونه لقصد الجهة نحو غرب وشرق أي سار نحو الغرب والشرق ومنه قول شاعرهم وهو من أغانيهم (والله لا شرج تشريج واكضي العمر بطويريج) وقد يستعملونه للكسب والاحتراف كقولهم (فلان يبكل) و (فلان يحمل) أي يشتغل بالبقالة والحمالة. وقد يستعملونه بمعنى المجرد كقولهم (فلان يجذب) أي يكذب.
باب فاعل
يستعملونه للدلالة على المشاركة وهي أن يفعل الواحد بالآخر ما يفعله الآخر به فيكون كل منهم فاعلا ومفعولا نحو ضارب ومنه قولهم (كاسرت الماي) إذا صب الماء الحار ماء باردا ليعتدل فهو من باب المشاركة لان البارد يكسر حرارة الحار كما أن الحار يكسر برودة البارد فيحصل الاعتدال وقد يستعملونه بمعنى افعل نحو قولهم (عاونت فلان) أي أعنته وقد يستعملونه للمبالغة كقولهم (طالبت فلان بحكي)
باب افعل
هذا الباب نادر الوقوع جدا في كلامهم لأنه أكثر ما يستعمل للتعدية وقد قلنا انهم إذا أرادوا تعدية اللازم نقلوه إلى فعل (المشدد العين). على أن من الأفعال اللازمة
стр. 3397
ما يستعملونه متعديا بنفسه دون أن نقلوه إلى فعل أو إلى فعل ومن ذلك قولهم (فلان نكر حكي) بمعنى أنكر. وقولهم (كرمني) بمعنى أكرمني و (عجبني بمعنى أعجبني و (قر) بمعنى أقر و (عزني) بمعنى أعزني ويقولون في الفاعل من هذه الأفعال ناكر وقار وفي المفعول معزوز ومكروم. ولم أجد في كلامهم فعلا على افعل سوى أصبح واقبل. ومن ذلك قول شاعرهم
(اكبل علي من بعيد وحواجبه هلال العيد) ويروى (سلم علي من بعيد).
باب تفعل
أكثر ما ستعملونه لمطاوعة فعل نحو تكسر وتبعد وقد يستعملونه للكسب والطلب نحو تفود أي الفائدة وكسبها ومنه قولهم وهو من أمثالهم (راحت تتفوذ نكطت بالمعود) وقد يستعملونه للاتخاذ كقولهم (توسد أيده ونام) أي اتخذها وسادة.
باب افتعل
يستعملونه لمطاوعة فعل فيقولون اجتمع مطاوع جمع، وافتضح مطاوع فضح وارتمى مطاوع رمى. وانتهى مطاوع نهى ومنه قول بعض نسائهم (نهيتج ما انتهيت وعملت ما اشتهيت) وقد يستعملونه للاتخاذ نحو احتطب أي اتخذ حطبا.
باب انفعل
يستعملونه لمطاوعة فعل كاستعمالهم انكسر لمطاوعة كسر واكثر استعمالهم إياه في مقام الفعل المجهول لان صيغة الفعل المجهول معدومة في كلامهم فيستعملون بدلها صيغة انفعل ويبنونها من كل فعل ثلاثي متعد كما ذكرنا سابقا فيقولون من ضرب وانضرب ومن فهم وانفهم ومن خبز انخبز ومن طحن انطحن ومن عجن انعجن ومن سمع انسمع ومن شاف انشاف إلى غير ذلك من الأفعال. ففاعل انفعل في كلامهم بمثابة نائب الفاعل في اللغة الفصحى.
باب افعل
يستعملون هذا الباب للدلالة على الألوان والعيوب نحو أحمر وأصفر واسود وابيض واطرش واعوج وأثول. ويجرون فيه حكم المضاعف الثلاثي عند
стр. 3398
إسناده إلى الضمائر المرفوعة أي يزيدون في آخره ياء إذا اتصل به من الضمائر المذكورة ما سوى ضمائر الغيبة فيقولون في المفرد المتكلم اطرشيت واثوليت وكذا في غيره من ضمائر التكلم والخطاب.
باب تفاعل
أكثر ما يستعملونه للمشاركة نحو تضاربوا وتشاتموا وتكاونوا وتعاركوا وتعاونوا وتصالحوا وقد يأتي في كلامهم للدلالة على توالي الشيء وتتابعه كقولهم (السما تتبارك) إذا كان برقها متتابعا.
باب استفعل
يستعملونه للطلب نحو استغفر الله أي اطلب مغفرته. وقد يأتي للوجدان على صفة كقولهم (ما استحسن كذا) أي ما أجده حسنا وقد يستعملونه بمعنى المجرد كقولهم (ما أستجري افعل كذا) أي ما أجرأ.
باب افعوعل
هذا الباب ملغى عندهم فلا وجود له في كلامهم فأبواب مزيد الثلاثي في كلام العامة تسعة وإذا أسقطنا باب أفعل أيضاً لأنه نادر في كلامهم كما قلنا آنفا للثلاثي المزيد في كلامهم ثمانية أبواب.
الرباعي المزيد
لا يوجد في كلام العامة من الرباعي المزيد سوى ما زيد فيه حرف واحد وهو باب تفعلل ويستعملونه لمطاوعة فعلل نحو تكربس وتخرمش ويستعملونه أيضاً في مقام الفعل المجهول فاعله من الرباعي المجرد فيقولون في مكان كربس تكربس وفي مكان خرمش تخرمش كما بيناه فيما سبق ذكره من الفعل المجهول.
الملحق بالرباعي
أن من الأفعال الثلاثية ما يزاد فيه بعض الحروف على الطريقة التي ذكرناها في الثلاثي المزيد. ويسمى مثل هذه الأفعال ملحقا بالرباعي وله ستة أبواب في اللغة الفصحى إلا أنه لا يوجد منه في كلام العامة سوى ثلاثة أبواب وهي (١) باب فنعل نحو خنزر وعنفص وحنبل (٢) باب فعول نحو هرول. (٣) باب فيعل نحو بيطر.
стр. 3399
النمر البشري
-
أن كان النمر مغرما بسفك الدماء في كل وقت فإن في البشر نمورا أشد منه وحشية وأرغب منه في سفك الدماء.
محمد باقر رجل إيراني قبيح الوجه طويل القامة احمش الساقين تظهر عليه سيماء الهدوء والدماثة وقد قارب عمره الخمسين سنة. موطنه بلد (كلتا يكان) من إيران قرب أصبهان. وكان في بلده مشهورا بالزعارة والسرقات والتعدي على من يستضعفهم. ومن زعارته أنه رأى (لمحا باصرا) امرأة جميلة مفرطا في جمالها. فأهاجت عاطفته الحبية. وأقلت نفسه المطمئنة. ومع علمه بأنها متبعلة وأن لها حليلا لا تخونه ولا تثلب شرفه وعفتها، راودها عن نفسها مرارا واحتك بها احتكاك العاشق الدنف ولكنها لم تره إلا صدوفا وتبكيتا ولما استحوذ عليه الفشل والخيبة شرع يضرب أخماسا لأسداس حتى اصطحب يوما زوجها وهو خارج من (كلبايكان) فاغتاله في الطريق ثم افترض الفرصة فتزوج امرأته الجميلة. أنه لم يقتل ذلك البري إلا لصلابة قلبه واستسهاله الولوغ في دماء بني جنسه واستمرائه إزهاق الأرواح. فما أشد وحشيته وما أعظم خطره على الناس البراء الودعاء.
ولما ضاق به بلده ونضبت موارده رزقه هاجر إلى العراق منذ سنين فاتخذ مدينة الكاظمية غاية هجرته فافتتح حانوتا قريبا من مدرسة (اخوت ايرانيان) وبدأ يبيع الفحم وبذلك صار فحاما. أن الذي ينظر إلى هذا الفحام الجديد لا يرى عليه إلا أخلاق الملابس ودمامة الوجه وسكينة الفقر والذلة والمسكنة بيد أنه كان يقضي زمانا في الذهاب خلفه بين القطرين والسبب الظاهر في ذهابه وإيابه زيارة بعض أهليه وذوي قرباه في إيران.
وكان في الكاظمية شاب وديع النفس محمود السجايا اسمه (علي) وحرفته
стр. 3400
العطارة من السوائل في حانوت قريب من مرقد الإمامين (موسى الكاظم وحفيده محمد الجواد) (ع). وكانت بضاعته رائجة لاستمرار قدوم الزوار من إيران إذ بهم ينفق مثل هذه البضاعة. ولما منعت الحكومة الإيرانية الزيارة كسدت تجارة الشاب فقرع ظنبوبه ليجد نجاة من ذلك الضيق ويخرج إلى نجوة يستعيد بها الربح القديم ويستثيت ذلك النعيم. أنه كان خبيرا ماهرا بصناعته رفو الطنافس وإصلاح معثوثها وباليها. ولما سمع بأن الرفو في إيران
نافق رابح تأهب للسفر إليها سنة (١٣٤٢) للهجرة وعند إيغاله في إيران اختار مدينة (همذان) محطا له ولعلمه واستأجر محلا وبدأ يدعو الناس إلى صناعته فيرفو لهم ما يحتاجون إلى رفوه. ثم أخذ يشتغل بالتجارة أيضاً وبذلك إنثالت عليه المكاسب وتتوج عمله بالنجاح. ولكثرة عمله استعان بشبان جعلهم تلاميذ له. وبعد مدة تزوج امرأة فأصبح رافلا بحلل النعيم مطمئنا إلى هذه الحياة النضرة القشيبة.
وفي العام الفارط جاء بغداد رجل اسمه (حسين) وهو من سكان مدينة (النجف) ومعه أربعة أحمال من الأعبية العراقية قد أعدوها ليتاجر بها في إيران وذلك العمل حرفته من الزمن السابق. لذلك ارتحل إلى إيران آملا ربحا كثيرا والرجوع إلى وطنه العراق سالما ذا ثمر.
أما محمد باقر الفحام فانه كان يبدو أمام الناس بأطوار مستغربة لأنهم يرونه يتصل بما لا يغنيه فيتحسس أخبار المسافرين إلى إيران حتى أنه ليسأل المسافر عن غاية سفره وأمله ومنزله ورفقائه ووقت سفره. أنه لتحسس يستوجب التبصر والتمحص. أما حسين النجفي فانه وافي مدينة (كرمانشاه) كان محمد باقر المذكور قد تأثره من قبل وأدركه فيها. ثم أخذ يتعرف به بالسلام والكلام وبعد التعرف به تعرفا تاما رغب إليه أن كان له ماهنا يمهنه ويؤنسه في وحشته. فرضي حسين بطلبه وامتهنه ثم وجده كثير الاجتهاد بارز الإخلاص أمينا. ومن يعلمه أن هذه الرجل طماع طماح يتوسل بكل وسيلة لتحصيل الحطام الدنيوي الذي جاد الرحمن به على غيره؟ ومن يخبره أنه يهون عليه قتل كل إنسان إذا كان وراء القتل استلاب أموال وابتزاز نقود؟
стр. 3401
أن كان (لاندرو) الأوربي قد اغتال عشرات النساء من أجل ابتزاز حليهن ونقودهن فإن محمد باقر يريد أن يغتال مئات الرجال للحصول على الأموال. وإن كان ذاك (لاندرو) النساء فإن محمد باقر (لاندرو) الرجال. وفي الدنيا عجائب وغرائب ومصائب. فهذا الرجل الضاري بقتل النفوس هب ليطفئ ضراوته باغتيال (حسين النجفي) وبذلك يسلبه العباءات الأربعة ولكنه بقي مترقبا الوقت الملائم لإجرام هذه الجريمة ولم يغير من نشاطه وأحواله في خدمته حسينا المذكور.
ارتحل حسين إلى (همذان) مصطحبا ماهنه محمد الذي لم ير منه إلا النشاط والإخلاص. ولقد قلنا آنفا أن (عليا) الكاظمي يشتغل في (همذان) وهي محط أعماله ومسكنه. وكانت
بين حسين وبينه صداقة وثيقة فلا بد لحسين إذن من أن يعرج على صديقه علي ويهدي إليه الهدايا التي أعدها له من العراق فنفذ عزمه بزيارته عليا وتقديم الهدايا إليه. وبهذه الواسطة تعرف محمد باقر بعلي واظهر له الاحترام والزهد والتنطس أما أحمال العباءات فإن حسينا أرسلها إلى مدينة (طهران) مع شركة سفرية. وكان محمد باقر عالما بهذه القضية ولذلك نشر شبكة دماغه ليصطاد حيلة يتوصل بها إلى ابتزاز الأحمال وإدراك الآمال. الذي ساعده على نجاحه في خسته هو أن حسينا رغب عليا في التجويل في مدن إيران فأعدا عدة السفر إلى مدينة (قم) وسافرا مرفقين محمد باقر الفحام أمانية الأخير فهي أن يغتال حسينا ويسرع إلى الشركة في طهران فيدعي أنه حسين النجفي المرسل الأحمال الأربعة وفي ذلك الفوز العظيم. وصل الثلاثة مدينة (قم) في شهر رمضان الماضي سنة (١٣٤٥) أما محمد باقر فقد تمزقت مريطاء صبره وهاجت هوائج وحشيته فأعد سما زعافا من نوع (الاستركنين) كما قيل ومزجه بما يشرب منه حسين النجفي من دون أن يطلع أحد غير الرؤوف الذي هو بالمرصاد. فلما شربه البائس المظلوم أخذ يتلوى ويتضور لان السم قد اختلط بدمه العبيط فصيره نجيعا وظهرت عليه إمارات السم. ولما رأى صديقه هذا المرض الفجائي استدعى طبيبا قميا فعاده الطبيب وقبل أن يصف له الدواء افترض محمد باقر فرصته انفراده (أي انفراد الطبيب) عن على وانبرى يقول له:
стр. 3402
يا مولاي الطبيب أن حسينا المريض قد أكل البارحة كم حقق من الرمان وكذا مئات من التفاح وكثيرا من غيرهما لذلك أصابته (التخمة) وبذلك غش الطبيب وسخم له وجه الحقيقة فبدا اسود حالكا. في حين أن الطبيب لم يصادف معالجة مسموم من قبل هذا حتى يدرك إمارات السم في جسم حسين. وصف الطبيب الدواء فأحضر ثم تناوله المريض فتجانف إلى الإبلال مصادفة وأظهر محمد باقر الفرح العظيم واكمن الغدر الأليم ثم قرب إلى الله تعالى قربانا من الشياه مع أنه لم يعرف حرمة ولا احتراما فعل ذلك لئلا يستريب به رفيقاه والناس المطلعون. وهذه حيلة شيطانية أن لم أقل أن الشيطان لا يدركها بسهولة وما دامت قنينة السم عنده (فان حسينا لا محالة مائت) ثم وجد نهزة سانحة فسقاه السم مرة ثانية كانت عليه القاضية.
وبعد سويعات اجتثت المنون شباب حسين المزهر فغادر الدنيا فزعا إلى ربه الرؤوف
جزعا مما لاقاه من قساوة هذا (النمر البشري) طامعا في الاستئثار من خصمه الوحشي الزنيم. وكان ذلك في اليوم الخامس عشر من رمضان المذكور.
لقد شاهد علي وفاة صديقه وراقب فبكاه بدموع يمدها الألم ويسيل معها الحنان وبعد ذلك دفنه في المدينة نفسها أي (قم) تأمينا لا دائما وانفق عليه من ماله ولم يعلم السر في هذا المرض البغتي ولم يستغرب هذا الإعلال بعد ذلك الابلال. أن الثلاثة كانوا قد لاقوا أحد تجار طهران المسمى (عبد الوهاب) في مدينة قم وكان لهذا صداقة ثابتة بينه وبين الصديقين علي وحسين ولا سيما حسين وقد دعاهما إلى زيادة مدينة طهران ومحمد باقر مطلع على تلك الأمور. فقال في نفسه: (لم أقتل حسينا إلا للحصول على بضاعته المودعة الشركة الفلانية في طهران) فإذا ارتحل صديقه علي إلى طهران اخبر (عبد الوهاب) بموت صديقه الحميم حسين فيسرع ويضع يده على الأحمال الأربعة ريثما يتسلمها أهله في العراق وبذلك أمسى مبلسا مخفقا فالحزم الحزم أن اغتال عليا قبل أن يصل طهران فتصبح فريستي كأنها في بيتي.
أما علي فانه سافر بعد أيام من (قم) إلى طهران فلما وصل (حسن أباد) كان محمد باقر قد أرهقه فيها عازما على إزهاق روحه ولما رآه محمد باقر يتغدى أخذ
стр. 3403
يلجلج لقمة في فمه ويمضغها شديدا يستوجب الالتفاف أنه أيها القارئ كان قد اعد (مربى من الزنجبيل) ولا شك في أن طعمه حريف. ولكن المنية حركت عليا فسأله قائلا:
ما تأكل يا محمد باقر؟ أجابه (آكل مرباة من الزنجبيل طيبة الطعم كثيرة الطراوة مفيدة للبدن فهل لك إلى أن اقدم إليك قطعة جيدة لترى صدق قولي؟) فقال علي: (نعم ناولنيها) فناوله قطعة قائلا له: استرطها يا علي استراطا سريعا لئلا تحس بحرارتها ولا تلجلجها.
أنه امرؤ لعين بل لشيطان بشري عرف أن عليا إذا لجلج هذه الأكلة بفمه لم يسغها لوجود السم فيها ولذلك قال له: (استرطها).
استرطها علي من دون لجلجة أو ترديد اتباعا لنصيحة ذلك المجرم الأثيم والجاحد الزنيم وبعد ساعة أخذ العرق يتصبب من جميع جسمه ثم جرى السم في دمه فعم جسمه وهو يتضجر ويتكسر ويضطرب ويتضور. ولما أحس محمد أن وحشيته قد لاحت بوادر نجاحها احتمل (عليا) بسيارة موجها شطر بلد (الشاه عبد العظيم) فوصله ذلك النهار وكانت الآلام
قد ضغطت عليلا ضغطا مهلكا ففارق الدنيا قبل غروب الشمس في اليوم ال ٢١ من رمضان لائذا بربه الشفيق مستئثرا من هذا الزنديق. شعر محمد باقر بموته وهما غريبان فهب يبكي ويصيح ويعول إعوال الجريح قائلا نادبا (وا ابن أختاه! وا عزيزاه! يا قطعة كبداه! ويا حزناه!) وأرسل الدمع من عينيه مدرارا. فاجتمع الناس حوله واضطربت قلوبهم من اجله وهو لا ينفك يصرخ (يا أيها الناس! وا مصيبتاه! هذا المتوفى ابن أختي قد فقدته! وله أخ قد توفاه الموت في مدينة (قم) قبل نيف من الأيام اللهم ما هذه المصائب والفجائع؟ وما أقول لأختي في العراق التي أرسلتني خلف ولديها العزيزين لآتي بهما إليها سالمين؟) ثم يعقب ذلك بلطمات على وجهه ودمغات على هامته وبكاء طويل وعويل. أنه لعالم أن لا ينجو من هذا الموبق ولا يفوز إلا بأن يضرب أخماسا لأسداس بين هؤلاء الناس وقد
стр. 3404
نجح في مكره وخداعه ولم يترك سبيل ريبة تسير فيه أفكار الناس فأف له ولما ارتكب من منكرات ووحشيات فذة لا نظير لها! ووي من خسة آماله التي لا تخطر على بال!
ولكي ينفي الاسترابة به نفيا مجزوما دفن عليا في (الشاه عبد العظيم) وأقام له مأتما حزينا واظهر الحداد لابسا الحداد. وبعد إتمامه جريمته الثانية هرع إلى طهران وذهب إلى الشركة التي كان حسين النجفي قد أودعها بضاعته فادعى أمام الخازن أنه حسين المذكور له حكاية البضاعة وأوصافها ثم تسلمها وشرع يبيع منها ما تيسر له بيعه ولم يبق إلا عباءات قليلة أخذها معه حين سافر إلى بلده القديم (كلبايكان) فأعطاها أخاه ليبعها ثم آب إلى العراق فوصل الكاظمية وشرع يبيع الفحم كأنه قتل ذباباتين حقيرتين. لكنه استعد ليورط له فريسة أخرى: كان له صديق في الكاظمية اسمه (علي أكبر) يبيع الأحذية فتحسس أسراره فألفاه يملك ألفى ربية وسولت له نفسه الخبيثة أن يغدر به ويبتز ما عنده فقال له يوما:
ما لي أراك سئوما هذه الحال ذاوي الآمال ذا تجارة كاسدة وعزيمة باردة؟ فأجابه علي أكبر:
أن العمل يولد النشاط؟ فقال محمد باقر: بلى فارحل معي إلى إيران فإن الألفي ربية يصبحان أربعة آلاف وأنا كفيل بذلك الربح فانخدع هذا البائع لاعتماده على الصداقة ولاستناده إلى ظواهر محمد باقر التي على سلامة وصفاء نية.
ثم أخذ يبيع بضاعته بثمن بخس فرحا باتباع الأمل الجديد والآمال مهواة الرجال ومدعاة الأموال. ولكن هذا المغشوش قبل أن ينهي ما عزم عليه قبضت شرطه الكاظمية على محمد باقر وذلك في شهر ذي الحجة سنة ١٣٤٥.
أما السبب في اعتقاله فهو أن أخبار (حسين وعلي) قد انقطعت عن أهليهما في العراق وقد مر بالقارئ انهما سكنا القبور من أجل ذلك سافر عم الأول وأخو الثاني إلى إيران يستقريان البلاد التي مر بها المفقودان استقراء عظيما ولما أحست الحكومة الإيرانية بهذه الجناية العظمية اجتهدت وتفقدت ذينك الشابي
стр. 3405
ن وتطلبت أسباب اختفائهما والمجرم فأوصلها البحث إلى أخيه المقيم في (كلبايكان) ومنه أخذت أوصاف محمد باقر وانه رجع إلى العراق فأشعرت أولي الأمر في العراق فقبضوا عليه كما آنفا وأرسل إلى طهران للتحقيق ولا يزال هذا المجرم الفاسق الشرير مسجونا في طهران يراوغ في جوابه عند استجوابه ولا يقر بالخبر الصحيح إلا بعد إجهاد الحكومة وذهابها شرقا وغربا وشمالا وجنوبا لتعثر على موضع جرائمه وقد قال أولو الأمر في طهران (لماذا تراوغ في الأخبار وتتعب الحكومة وأنت مجرم ثابت الجرم؟) فأجاب (لأجد لي فرصة افترصها لأهرب) والقارئ يعلم أن جوابه لا يخلو من أفكاره الشيطانية الجهنمية.
أما المعروفون الذين ذهبوا ضحية هذا النمر البشري فهم سبعة أحدهم (حسن خان) الذي أخذه من الكاظمية حينما جاء من إيران إلى قبر (سلمان الفارسي) (رض) وأغرقه في القرب من قبر (حذيفة اليماني) في دجلة ثم أخذ يستغيث ويستنجد ويبكي وينوح عليه فلم يجد في جيبه ما يجاوز العشر ربيات أما الذي اغتالهم من غير هؤلاء المعروفين فالله عالم عديدهم ولا شك في انهم كثير طهر الله الناس من أمثال هذه النفس الخبيثة والوحشية التي ستلاقي جزاء وفاقا وتشرب من العذاب كأسا دهاقا إنه رؤوف بعباده.
الكاظمية: مصطفى جواد
البلشة
البلشة: تفاقم الشر بين قبيلتين إذا وقع بينهما قتيل وذلك إذا قتل رجل من قبيلة رجلا من قبيلة أخرى، فقبيلة المقتول تطالب قبيلة القاتل بدمه؛ فإذا لم يجد صلح بينهما، تعرضت قبيلة المقتول لكل من تصادفه من قبيلة القاتل دون تفريق الجاني أو غيره. فيسمى الموقف (بلشة) (وزان رحمة). وحينئذ تضطر قبيلة القاتل الضعيفة إلى الهجرة مدة نائرة العداوة؛ فإذا قتل واحد من قبيلة القاتل تكافأ الدامون، وعادت المياه إلى مجاريها. ويقال: ابتلش بالأمر: إذا ابتلى به والكلمة معروفة عند أعراب البادية، ولا سيما في أنحاء حلب وما يجاورها.
стр. 3406
فوائد لغوية
١ - فلتة لجلال الدين السيوطي
أن جلال الدين السيوطي مؤلف (البهجة المرضية في شرح الألفية) لما ضرب مثلا من أمثال (باب التنازع) قال (ومثاله على أعمال الثاني: قاما وقعد أخواك. رأيتهما وأكرمت أبويك. ضرباني وضربت الزيدين) ولذلك ظهر لي أن السيوطي نقل وما عقل. لان العلماء الالى أجازوا التنازع (منعوا عند أعمال الثاني أن يذكر للأول ضمير نصب غير عمدة. أي أوجبوا حذف الضمير أن كان (فضله) كضمير المفعول به المنصوب بغير أفعال القلوب والتحويل فالسيوطي مخطئ في قوله (رأيتهما) و (ضرباني) وذلك لوضعه الهاء في الفعل الأول وإبقائه الياء في الفعل الثاني وهما فضله يجب حذفها عند إهمال العامل قد أهمل من العمل بضمير لغير رفع. . . بل حذفه (أي ضمير غير الرفع) (الزم أن يكن فضله) أما الصواب فهو (رأيت وأكرمت أبويك) و (ضربا وضربت الزيدين) بحذف ضميري النصب من العاملين الأولين لأنهما مهملان ولان الضميرين ليسا بعمدة في الأصل.
٢ - فلته لابن عقيل في شرح الألفية
لا نلام إذا ما اعتمدنا على أقوال العلماء فأقوالهم مقبولة ما لم تنصدم أدلتها ولا كذبها الواقع. قال ابن عقيل في شرح الألفية في باب (تعدي الفعل ولزومه) ما يأتي (فان حصل لبس لم يجز الحذف نحو (رغبت في أن أقوم) فلا يجوز حذف (في) لاحتمال أن يكون المحذوف (عن) فيحصل اللبس) فقوله (لم يجز الحذف) تطرف وتعسف إذ يجوز الحذف عند وجود قرينة معنوية بينة. فقد جاء في القرآن العظيم في سورة النساء (في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهم ما كتب لهن وترغبون أن تنكحونهن) بحذف حرف الجر من
стр. 3407
(ترغبون أن تنكحوهن) لوجود قرينة معنوية بينة. هي (الاستيلاء على أموال يتامى النساء من ذوات القربى إجبارا مع عدم التزوج منهن) فالحرف المحذوف هو (عن) من دون شك وإلا فكيف يلام من رغب في التزوج من يتيمة أملا أن يبقى مالها عنده وهو وليها؟ فالقرينة واضحة. ولكنها لم تبد لابن عقيل.
٣ - فلتة للشيخ مصطفى الغلاييني
رغبت في أن اطلع ما كتب مصطفى الغلاييني عن (ولا سيما) فوجدته قد قال (ولا سيما مجتهد مثلك) بجر مجتهد. ثم قال (ولا سيما مجتهد مثلك) برفع مجهد. ثم قال شارحا الإعراب اسفل الصفحة (والجر على انه مضاف إلى (سي) وتكون (ما) زائدة أيضا) ثم قال (وتكون (ما) اسم موصول محلها الجر بالإضافة إلى (سي) فأقول: قد غلط الشيخ (غفر العلم غلطه) ثلاث غلطات أولاها (جعله الاسم الواقع بعد (ولا سيما) مجرورا بكونه مضافا إلى (سي) مع أنها متقدمة عليه) (فالصواب أن يقول (والجر على أن (سيا) مضافة إليه) وثانيها (إضافته (ما) إلى (سي) مع أن (سيا) متقدمة على (ما) فالصواب (بالإضافة (سي) إلى (ما) وثالثتها قوله تكون (ما) اسم موصول) والصواب (اسما موصولا) فالأول خبر (تكون) والثاني نعته الحقيقي.
والغلطات اللغوية فظيعة ولا سيما الأغلاط اللغوية في كتب لغوية.
٤ - فضلا عن
قال العسكري في (جمهرة الأمثال): ليفهمها الغبي فضلا عن اللقن وجاء في المباح المنير (قال: قطب الدين الشيرازي في شرح المفتاح: - اعلم أن (فضلا) يستعمل في موضع يستبعد فيه الأدنى ويراد به استحالة ما فوقه. ولهذا يقع بين كلامين متغايري المعنى. واكثر استعماله أن يجئ بعد نفي) أه.
فأقول: أني كنت مصدقا لهذا القول ولكني على الحقيقة متورط. فقد رأيت كلاما لعرب كثيرا فيما يخص (فضلا عن) والذي ارتبطه هو ما جاء في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد من قول معاوية يوم صفين (أن نساء خزاعة لو قدرت أن تقاتلني (فضلا عن رجالها) لفعلت) ومن قول الشريف
стр. 3408
المرتضى في الرد على قاضي القضاة (يجب أن يعرفه العوام (فضلا عن العلماء) فالأول من الفصحاء الأولين والثاني من الآخرين. وليس في كلامهما (تغاير معنى) و (لا استبعاد أدنى ولا استحالة فوقه) ولا (نفي) فقول أبي اسحق ابتر. ورضا صاحب المصباح بذلك القول لا مبرر له. والصواب كلام العرب لا كلام الكتب. فالفضل يستعمل بمعنى (الزيادة) في كل كلام يليق به ولا خير لنا في الجمود. وقال
العسكري (تجتنيها الخرقاء فضلا عن غيرها).
٥ - طائل ولا طائل
جاء في مختار الصحاح (ويقال: هذا أمر لا طائل فيه) في التذكير والتأنيث ولا يتكلم به إلا في الجحد). ولم ادر كيف اثبت مؤلف الكتاب قوله (ولا يتكلم به إلا في الجحد)؟ فقد قال (أبو عيينه) يعرض بعيسى العباسي ابن صالح (هو صالح الذي بنى ما هدمه الروم من (ملطية) في أبان حكم المنصور) ويلوم زوجة فاطمة:
فان ظفرت كفاه منك بطائل ... فما ظفرت كفاك منه بطائل
فجاء (طائل) غير مجحود مرتين في بيت واحد. ومن سوء الحظ أني احتججت غير مرة بكلام مختار الصحاح. ولكني قد صدفت عنه صدفة طالب الصواب ولا عبرة بقول الكتاب.
٦ - حصر الماضي والمضارع ب (إلا)
جاء في شرح ابن أبي الحديد قول عمر بن الخطاب (ما سألني رجل عن شيء قط (إلا تبين) لي عقله) وفيه قول رجل لعمر بعينه (ما أراك إلا تستعمل) عمالك وتعهد إليهم العهود) قلت هذا هو الصواب ومجرى الباب. أما إقحام الواو بعد (إلا) فليس على شيء من الصواب إلا إذا قصدت الحال
الكاظمية: مصطفى جواد
стр. 3409
باب المكاتبة والمذاكرة
الآثار العباسية
في يوم واحد (٩ حزيران) تلقينا من البريد الجوي أربع رسائل وفيها ملاحظات على مقالة (الكتابات الأثرية العباسية) المدرجة في ١٦١: ٦ الواحدة من الإسكندرية، والثانية من طرابلس لبنان، والثالثة من رومة، والرابعة من لندن. ونحن نلخص كلا منها بما يأتي:
الإسكندرية - طالعت بلذة مقالة عبد الله بك مخلص عن الكتابات الأثرية العباسية في القدس الشريف. وقد قدمت عليها (لغة العرب) كلاما معطرا بالمدح والثناء ولا جرم أنها تجهل أن تلك الآثار أو الكتابات كان قد جمعها فون برشم وعلق عليها فوائد جليلة ولعل الكتاب نشر قبل أيام في مطبعة المعهد الفرنسي في القاهرة. وأنا اقدر ما يكتبه مخلص بك كما تقدره (لغة العرب) لان على ما يحرره هذا الكاتب سلامة ذوق وتتبعا دقيقا اه. طرابلس - قرأت يا سيدي في (لغة العرب) التي يحق لنا أن نسميها (حلقة الطلب)، بحثا عن آثار الإسلام في فلسطين، وتبينت أن الباحث الفاضل يذكر قضية طرقناها منذ ١٨٩٢ في (المقتطف) في العدد ٨ و٩ من السنة ١٦ على ما اذكر. يومئذ ترجمت بحثا للعلامة كليرمون كانو وكان تعليقي عليه سببا لعقد الصداقة والترسل. ومع أني اطعن فيه بنقدي فقد لقيت منه - رحمة الله - ما عرف به الفرنسيون من اللطف والأدب وما امتاز به العلماء الأعلام من التواضع. ألا ليت قومنا يقلدون الفرنجة أيضاً بقبول النقد الصحيح بالرضا والقبول. ولكنا ما برحنا بعيدين عن ذلك. وفقنا الله للخير والهدى. انتهى.
رومة - طالعت في (لغة العرب) في أول الجزء الثالث من هذه السنة مقالة
стр. 3410
بعنوان (الكتابات الأثرية العباسية) وكنت قد طالعت ثلاثة أرباع ما فيها مقالة أدرجت في (الهلال) قبل سنوات قليلة حينما كنت في مصر القاهرة وكانت بتوقيع أحمد زكي باشا. واحمد زكي باشا نقلها ببعض تصرف عن مقالة لفون برشم وكليرمون كانو. فانتفع عبد الله بك مخلص من مقالات هؤلاء الثلاثة ولم يشير إليهم بكلمة واحدة. وعبد الله بك مخلص غير معذور في ذلك لأنه واقف على حركة ما ينشر من آثار الاقدمين، ولا سيما الآثار التي تبحث عن مآثر الأقدمين في فلسطين. . . أه.
باريس - (الكتابات الأثرية العباسية) من احفل المقالات التي وردت في مجلة (لغة العرب) وهي المجلة التي أتطلع إلى مطالعتها بكل شوق وهي المجلة الشرقية الوحيدة التي يستفيد منها أهل البحث والتحقيق. على أن تلك المقالة - والحق يقال - ليست كلها للأديب عبد الله مخلص. فأني أتذكر أن أول مجلة خاضت عباب هذا الموضوع كانت المقتطف في مجلدها السادس عشر في الجزء الثامن الصادر في أول مايو ١٨٩٢ من ص ٥٣٧ إلى ص ٥٤٢ وفي الجزء التاسع الصادر في أول يونيو ١٨٩٢ من ص ٥٩٣ إلى ص ٦٠٠ بعنوان أثر الإسلام في بلاد الشام. وصاحب المقالة جناب العالم المحقق جرجي أفندي يني من علماء طرابلس الذين يشهد لهم المستشرقون بالتحقيق والتدقيق - وقد استفاد من هذه المقالة بعد نحو ربع قرن الأستاذ أحمد زكي باشا المصري فنشر مقالا في الهلال (لا أتذكر الآن المجلد ولا السنة لان سني هذه المجلة ليست تحت يدي) دل أنه انتفع بما جاء في المقتطف وما نشره فون برشم التي اخذوا عنها مقالاتهم ولا ينتحلوها لأنفسهم إذ في ذلك الأمانة والإقرار بالمعروف نسبة إلى كل ذي حق حقه. ولله في خلقه شؤون. أه.
(لغة العرب) أننا لا نظن أن عبد الله بك مخلص كان واقفا على كل هذه المقالات، ولا سيما وحضرته يجهل اللغات الإفرنجية. وعلى كل حال لا بد من أنه يقول كلمته بهذا الصدد.
стр. 3411
الخيزران وثروتها
حضرة صاحب مجلة (لغة العرب) الغراء
تحية وسلاما:
كنتم ذكرتم في مجلتكم الشائقة الأبحاث (٥٦٣: ٥) ما ورد في مجلة العرفان الصيداوية (٤٤: ١٤ (من قولها في الخيزران أم الخليفتين الهادي والرشيد إنها زوج السفاح وعطفتم على ذلك بالرد وأتيتم بنص الطبري في ذلك. واحسب ذلك الغلط محض خطأ مطبعي بدليل قولها (وأم الهادي والرشيد) وإنما أبوهما المهدي ابن المنصور.
ثم قلتم فيما ورد فيها عن ثروة الخيزران من ريع أملاكها يبلغ ١٦٠٠٠٠٠٠ درهم وهو قدر يعادل نصف ريع المملكة العباسية - أنكم لم تجدوا مؤرخا ثقة ذكر ذلك واستفهمتم عن عمدة (العرفان) فيه.
وقد انتظرنا عسى أن نرى لأحد الكرام الكاتبين كلمة في ذلك الموضوع حتى دخلت مجلتكم
في سنتها السادسة الجديدة وورد العدد الأول ثم الثاني وليس فيهما شيء عن ذلك. ولم يتح لي الاطلاع من (العرفان) إلا على ذينيك الجزأين فما أدري أأجابت أم كانت من الساكتين فرأيت أن أدلي إليكم بما لدي إذ كنت ابحث في ترجمة الخيزران. ولا جرم أن (لغة العرب) أوسع انتشارا من أن تكون خاصة بما بين النهرين وما حولهما.
قال المسعودي في مروج الذهب (وكانت غلة الخيزران مائة ألف الف وستين ألف الف درهم) (٢٠٧: ٢) من الطبعة المصرية ببولاق سنة ١٢٨٣هـ و (٢٨٩: ٦) من الطبعة الباريسية المشفوعة بترجمة الكتاب الفرنسية ل (بربي دومينار) سنة ١٨٧١م فليقابل بما في (العرفان) مع التنبيه إلى أن ذلك إحصاء تقريبي لا يصح أن يعتمد عليه كل الاعتماد كما هو الشان.
أما كون تلك الغلة - وهي في اللغة (الدخل من كراء دار وأجرة غلام وفائدة ارض) - سنوية فهو من زيادات جرجي زيدان في تاريخ التمدن الإسلامي (١٣٤: ٢) كما زاد أن ذلك القدر (نحو نصف خراج المملكة العباسية لذلك العهد) ولعله اعتمد على إحصاء للخراج.
عن رباط الفتح - عاصمة المغرب الأقصى -
ابن خلدون الصغير
стр. 3412
الدانشمندية لا الدانشمندذية
سيدي الفاضل:
ذكرتم في كتابكم الفوز بالمراد في تاريخ بغداد (ص ٤): والدانشمندذية (أي كابر السادة). والذي أظنه هو أن الكلمة: الدانشمندية نسبة إلى (دانشمند) الفارسية ومعناه العالم.
سبزوار (إيران): محمد مهدي العلوي
(ل. ع) تصحيحكم في محله وفي كتابنا هذا أغلاط طبع كثيرة كنا ذكرناها لمن تولى طبع الكتاب فلم يعبأ بها فنشكركم على تصحيحكم.
مير السيد علي لا مير سعيد علي
ورد في هذه المجلة (٨: ٥): مير سعيد علي والذي اعتقده هو أنه مير سيد علي. وهذا الاسم بهذه الطريقة شائع في إيران. وضم سعيد إلى علي غير مسموع لحد الآن في إيران
نعم بضم محمد إلى علي وحسن وحسين وغيرهما، ولو قيل أن عليا اسم والد مير سعيد قلنا أن ضم اسم الوالد إلى الولد غير موجود في إيران بخلاف الأقطار العربية كالعراق ومصر وسورية وغيرهما. هذا كله فضلا عن أن اسم سعيد في إيران نادر جدا.
(ل. ع) إنكم مصيبون في نقدكم ونشكركم على ما صححتموه.
الفقير والمسكين
كنت أنقب في مظان البحث عما يؤيد رأيكم من كلام للراسخين في العلم وهو الرأي الذي ذكرتموه في هذه المجلة (٢٣٠: ٥) فحصلت على بغيتي في تفسير سورة البقرة للإمام الحسن بن علي العسكري إذ وجدته يقول عند شرحه للآية (وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانا وذوي القربى واليتامى والمساكين): أما قوله والمساكين فهو من سكن الضر (وفي نسخة أخرى مسكن الضر) والفقر حركته.
سبزوار (إيران): محمد مهدي العلوي
стр. 3413
أسئلة وأجوبة
جمع معجم
س - مصر - ص: كيف تجمع (معجم) وهل لكم شاهد على ما تقولونه
ج - تجمع معجم على معاجم وهو قياسي. ودواوين اللغة لا تذكر دائما القياسات لزومها الوجه الأقوم. فقد قالوا في جمع مطرف ومصحف ومخدع ومجسد: مطارف ومصاحف ومخادع ومجاسد إلى غيرها.
ارم أو أرام لا آرام
س - تلكيف (العراق) - يوسف هرمز: لماذا تقولون ارم (بكسر ففتح) ولا تقولون آرام (بالمد) وأيهما الأصح؟
ج - العرب لم تقل في كتبها آرام بالمد، بل ارم كعنب. ومنه إرم ذات العماد في سورة الفجر. ومعلوم أن القرآن لا يذكر إلا افصح الألفاظ. ويقال فيها ارام بالفتح كسحاب.
أما آرام بالمد فغلط صريح لان صاحب القاموس يذكر (ارم وارام كعنب وسحاب) ولا يذكر آرام بالمد كخاتام كما لم يذكر ذلك أحد من اللغويين.
اختلاط العرب بالرومان أو اللاتين
س - البصرة - ع ب: متى اختلط العرب باللاتين؟
ج - اختلطوا منذ اقدم العصور واقرب عصر إلينا ذكره مؤرخونا هو عصر الجاهلية فإن الغساسنة وهم من اقحاح العرب كانوا يدينون للرومان (للاتين) وكان قد دان للرومان قبلهم الضجاعمة وهم من سليح، فاخرجت غسان سليحا عن ديارهم وقتلوا ملوكهم وصاروا في موضعهم (راجع تاريخ أبي الفداء ٧٦: ١ من طبعة الأستانة وتاج العروس في مادة ض ج ع م). ومن العجب أنكم تسألون ذلك. وبيدكم (شهادة من متقن الحقوق البغدادية) أفما كان يجدر بكم أن تطالعوا ذلك في أي كتاب تاريخ كان، حين تلقيكم علم التاريخ أو
стр. 3414
أخبار الأمم؟
ألا تعلمون أن كان للرومان في ديار العرب كورة عرفها التاريخ باسم (الكورة الرومانية)؟ تلك الكورة التي بدأت في عهد دولة ملخس الثاني (في نحو سنة ٤٥ وعلى رأي آخر في
سنة ٤٨ للميلاد) وثبت بأيديهم في سنة ١٠٥ ثم امتد ظل صولجانهم فيها في عهد الغساسنة ولم يتقلص منها إلا عند فتوح الإسلام فكان آخر أمراء بني غسان جبلة بن الايهم في نحو أواخر المائة السادسة للمسيح؟
ألا ترون من هذا أن الرومان أو اللاتين خالطوا العرب مدة ستمائة سنة وانتم تقولون: متى اختلط العرب باللاتين؟
ألا تعلمون أن في لغتنا ألفاظا لاتينية (رومانية) جاءتنا من ذلك العهد مثل قنطار ودرهم ودينار وبلان ودمستق وقيصر ووقية وحقة ورطل وقيطس وقمس وقنديد وانبراذور (انبراطور) إلى غيرها وانتم تقولون: متى اختلط العرب باللاتين؟
الملقمة لا الملغمة
س - جامعة عليكره في الهند: جاء في لسان العرب، لابن مكرم، في مادة ح ب ر ج هذه العبارة: ابن الأعرابي: الحباريج طيور الماء الملعمة (وضبطها ضبط قلم بضم الميم وفتح اللام وشد العين المهملة المفتوحة وفتح الميم وفي الآخر هاء) فلم أفهم معناها وبحثت عنها في المعجم نفسه في مادة لعم، فلم أجد لها ذكرا، فهل لكم أن تفيدونا عن معناها.
ج - الذي يبدو لنا من سياق العبارة أن الكلمة محرفة، واصلها (الملقمة) بقاف مشددة مكسورة وهي الطيور التي تلقم فراخها تلقيما. ولا تزقها زقا كما يفعل اللقلق والحبروج وغيرهما من طير الماء.
حمم
س - بروسل (بلجكة) ما احسن كلمة عربية تقابل الفرنسية في الكلام عن الشعر أو النبات أو نحوهما.
ج - حمم (بتشديد الميم) قالوا: حمم الرأس نبت شعره بعدما حلق.
стр. 3415
باب المشارفة والانتقاد
رد على رد العقاد
قرأت في (عدد ١٥ يونيو) من (البلاغ الأسبوعي) الأغر ردا للأستاذ العقاد، بعنوان (نقد غريب)، على نقدي ديوانه لأخير. ولا أدري لماذا كان نقدي غريبا؟ ألكوني تجرأت على نقد ديوان الأستاذ، وهو الذي يخشى الناس معرة لسانه، فيتجنبونه لئلا يصيبهم رشاش من شتائمه التي يقذفها على من يتصدى لنقده؟ أم هناك سبب آخر أجهله؟ على أن الأجدر بالأستاذ أن يثوب إلى نفسه ويقرع الحجة بالحجة، شأن العلماء، فلا يحنق، ولا يتهور، والذي لا يحترم الناس فالناس لا يحترمونه.
وقد صدر رده على نقدي بفقرات ادعى أنها من كتاب أرسل به إليه الشاب الأديب (اكرم احمد) منها قوله: (فحبذا لو أعرضت عن هذه الوشايات، وقابلتها بفضل وفصول تكتبها عن اللباب، ديوان الزهاوي الجديد، ويتبعها الزهاوي بفصل أو فصول يكتبها عن ديوانك، فينقطع بذلك القيل والقال) إلى آخر ما هنالك، ودعوت الأديب (اكرم احمد) واريته صدر مقالة الأستاذ العقاد فبهت الشاب متعجبا ما وقع من التحريف في كتابه:
ثم أنه أراني مسودة ما كتبه وإذا الفقرة بهذا النص: (حبذا لو نقدت اللباب ديوان الزهاوي نقدا نزيها من الأغراض، ونقد هو كذلك ديوانك نقدا نزيها فاستفاد الأدب من نقديكما) إلى غير ذلك. وليس في كتابة (اكرم) كلمة (الانتقام) ولا جملة (فينقطع) بذلك القيل والقال).
ولعل الأستاذ عبارة الأديب (اكرم) بنصها فأخذت هذا الشكل الذي يوهم ما يوافق هوى الأستاذ العقاد أن يذيع عن الأستاذ الزهاوي.
وسواء أصدقت مسودة اكرم، أم صدق الأستاذ العقاد، وكذب اكرم، فذلك ليس بالمهم. إنما المهم رد الأستاذ على قسم من نقدنا، وإهماله قسما مع
стр. 3416
أن ما أهمله راجع إلى المعاني، وفيه ما يتعلق بالألفاظ والتراكيب. فما سر ذلك؟ أيريد أن لا يرى قراء (البلاغ الأسبوعي) إلا ما يعتقد الأستاذ أنه قد وفى فيه حق الرد؟ أم ماذا؟
ولا أريد أن أخرج في ردي عليه عن جادة النزهة وان خرج هو عنها، لاعتقادي أن المهاترة سلاح العاجز، وإن التهور لا يكسب صاحبه الحق، إنما الحجة وجدها السلاح
الماضي في مثل هذه المواقف، وأنا لا أنكر أن الأغلاط العربية يمكن توجهها بوجه من الوجوه، فإن باب التعليل في النحو واسع حتى انك لا تكاد تجد خطأ لا يؤول. ولكني أتطلب من الشاعر أن يأتي (بالفصيح المشهور)، لا بالنادر المهجور؛ فيتجنب الضرائر القبيحة، والتعقيد، وهذا هو الفرق بين الشاعر الفحل و (غيره).
قال يجيب عن نقدي قوله:
قطب السفين وقبلة الربان ... يا ليت نورك نافع وجداني
(أسال صاحب لغة العرب من الذي قال أن الفرضة من الفرض يجب أن تدخلها كل سفينة في الأرض ليصح أن يقال فيها أنها قطب السفين). أه.
واحسن جواب عن سؤاله هو إعادة كلمتي وهي: أن كان يريد فرضه خاصة فهذه ليست قطب جميع السفن، وقبلة كل ربان كما يفهم من الإطلاق). فهل في عبارتي هذه ما يفهم منه أن الفرضة العامة يجب أن تدخلها كل سفينة في الأرض؟
وإنما المراد أن الفرضة العامة ما يجوز أن تدخلها كل سفينة، والفرضة الخاصة ما لا تدخله إلا سفن خاصة فيظهر من هذا أن لا وجه لإيراد الكعبة وبيت المقدس مثالين. ولا أعتقد أن الأستاذ يعتقد أن (اللام) في السفين والربان للعهد الخارجي أو الذهني فلا يبقى إلا الجنس والاستغراق.
أما الاستغراق فواضح. وأما الجنس فانه لا يناسب المقام.
ثم أني قسمت ما عسى أن يكون مراده إلى شقين: أحدهما قولي أن كان يريد فرضه خاصة، فهذه ليست قطب جميع السفن، كما يفهم من الإطلاق، وإن أراد الفرضة عامة، فما أدخل وجدانه في هذا الصدد؟ ولكن الأستاذ رد
стр. 3417
على شق واحد، وسكت عن الشق الثاني، ولعله يريد مهلة للتفكير في أيجاد وجه لدخول وجدانه في الصدد!!!
ورد على قولي: يزجي يتعدى بنفسه لا بالباء قائلا (يزجي هنا متضمنة معنى يدفع، وانه كما يصح أن يقال دفعه ودفع به، يصح كذلك على هذا المعنى أن يقال؛ أزجاه وأزجى به).
على رسلك يا أستاذ! فإن (دفع به) كذلك لم يجئ إلا إذا توسعا فقلنا: الباء زائدة. على انك، يا أستاذ، لم تفهم بعد التضمين، فإن الشرط في التضمين أن يكون معنى الفعل المتضمن - بالكسر - غير معنى المتضمن - بالفتح - ولكنه يتصل به من بعض النواحي، لا أن يكون
مرادفه في المعنى، كما بين (أزجى ودفع) مثال ذلك: (حمد) فانه يتضمن معنى أنهى فيتعدى مثله (بالى) فيقال أحمد إليك فلانا أي انهي، وكقوله: (يخالفون عن أمره) فانه يتضمن معنى يعدلون، ولذلك يجوز تعديته بعن، وقوله: (لاقعدن لهم صراطك المستقيم) فانه يتضمن معنى: لا لزمن. ولذلك جاز تعديته بنفسه وبقوله: (ولا تعزموا عقده النكاح) فهو يتضمن معنى لا تنووها، فعدي مثله. وفي التضمين يقصد معنى الفعل بالأصالة، ومعنى ما تضمنه بالتبع، وهذا ما يدلك على وجوب المخالفة إلا في بعض النواحي.
وأجاب عن قولي في نقد البيت:
أمسيت إحداق السفائن شرع ... صور إليك م البحار روان
(ولو نصب (شرع) على الحالية لخلا البيت من تتابع الأخبار بكلام فيه غرور وتهكم كما هو عادته، فقال (أن مجي الحال من المبتدأ لا يجوز إلا في اضعف الأقوال) فأقول:
نعم، لا يستحسن النجاة مجيء الحال من المبتدأ، ولكنهم لم ينكروا مجيئه في النثر والنظم كقولهم - وهو ما يستشهدون به -: (هذا بسرا خير منه رطبا) وقول الشاعر: (لمية موحشا طلل) ومثله مجيئه عن الخبر كقوله: (هذا بعلي شيخا) وقوله: (وهو الحق مصدقا لما بين يديه) فضلا عن أن مجيئه عن المضاف إليه كثير كما في بيت الأستاذ، إذا نصبنا (شرع) جاعلين إياه حالا
стр. 3418
عن السفائن.
وأما ما أورد من الآيات القرآنية لإثبات تتابع الأخبار فنحن لم نمنع ذلك على أن ما جاء في هذه الآيات بمثابة النعوت المتتابعة وإن كانت في صور الأخبار كما لا يخفى على (ذي النظر النافذ) بخلاف بيت الأستاذ ونحن لم نستقبح تتابع الأخبار إلا في بيت الأستاذ لما تستوجبه هذه الأخبار من الشطط فإن (شرع) في البيت جمع شارع بمعنى المتسدد أو المرتفع؛ والتسدد أو الارتفاع مناف لقوله (صور) فالصور جمع الاصور وهو المسائل المعرج والإحداق لا تتسدد إلى الشيء أو ترتفع إليه وهي مائلة معوجة، إلا إذا كان صاحبها احول. . .!!! وقد نقدت البيت:
يشكو من الدنيا الأولى لولاهم ... ما كانت الدنيا تحب وترغب
بقولي: ورغب فعل لازم لا يبنى منه المجهول إلا بحرف الجر، ورغب لا يحذف منه حرف الجر، لأنه يتعدى بحرفين مختلفين (فيه وعنه) ويختلف بموجبها وهنا لم يجب
الأستاذ عن جوهر النقد وهو اتخاذ المجهول من اللازم بل تشبث بالعرض، وهو حذف الجر بعد رغب وقد جاء يشاهد من القران وذكر بيتا أورده ابن هشام وكلاهما شاهدان على حذف حرف الجر على (أن) وليس كلامي في هذا، فإن حذف حرف الجر على (أن) بالتخفيف (وأن) بالتشديد قياس، وأما حذفه من رغب فذميم يستقبحه كثير من أئمة اللغة ونحن إنما نحاسب الشاعر على ما يأتيه غير فصيح (وان كان قد شاركه من تقدمه في ذلك).
ورد على نقدي الشطر: (عسوفا إذا ما الخوف قد كان احزما) وهو قولي: (ولا تجمع (قد) للتحقيق والشرط، فلا يقال: إذا زيد قد أتاني لان الشرط مشكوك في وجوده فلا يناسبه التحقيق) فقال: (أصبت لولا (إذا) تستعمل للشرط في حالة التحقيق بخلاف (إن) التي تستعمل للتشكيك (؟!!!) فأقول: أن (إذا) ظرف للمستقبل، تضمن معنى الشرط ومعناها أن الجزاء يتحقق الشرط، فإذا كان هناك تحقيق فهو تحقيق الجزاء عند ثبوت الشرط والأستاذ لم يدخل (قد) على الجزاء، بل على الشرط، وهو ينافي الشرطية
стр. 3419
كما بينا؛ أما إدخال (قد) على الجزاء فكثير ولا منافاة فيه. ومن أمثلة ذلك قول الشاعر:
إن كنت ريحا فقد ... لاقيت إعصارا
وإن صدق الأستاذ في ادعائه اجتماع الشرط و (قد) فيأتنا بمثال من القرآن أو ببيت قيل في الجاهلية أو الإسلام، وإلا فليسكت، ولا يرفع عقيرته مجهلا لمن يدله على الصواب.
ثم أتى الأستاذ بسند من الشعر على مجيء أمر الغائب بصورة المخاطب، وهذا لا يدل على أنه الفصيح، وأما الآية القرآنية فإن قراءة (أبي) لا تستلزم مرجوحية بقية القراءات بل بالعكس تدل بقية القراءات على ضعف قراءة (أبى).
ونحن لم ننكر دخل لام الأمر على المخاطب بتاتا، بل أنكرنا إدخال (الفصحاء) لها، فقد قلنا لا يدخلها (الفصحاء) على المحاطب والبيت الذي استشهد به الأستاذ:
إذا جن جنح الليل فلتأت ولتكن ... خطاك خفافا أن جيراننا أسدا
قد نصب فيه خبر (إن) فلماذا لا ينصب الأستاذ خبر (إن) في أبياته قياسا على ما جاء في هذا البيت؟ أليس ذلك لان الذي يخالف الجمهور ليس (بفصيح)؟
وأما البيت:
دهر يدور صباحه ومساؤه ... متعاقبان على مدى الأيام
فقد قلنا في نقده: (الأولى جعل صباحه فاعلا ليدور ونصب (متعاقبان على الحالية) ولكن الأستاذ أبي وطلب منا الدليل على أولوية ما ذكرنا والدليل هو القاعدة المرعية، وهي قول ابن الناظم في شرح ألفية أبيه: (وان كانت الجملة الحالية اسميه فإن لم تكن مؤكدة، فالأكثر مجيئها بالواو مع الضمير ودونه، كقوله تعالى: فلا تجعلوا لله أندادا وانتم تعلمون، وقوله تعالى:
ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت؟)
فإذا لم نجعل (صباحه) فاعلا ليدور، كان مبتدأ خبره (متعاقبان) وتكون الجملة حالا من فاعل يدور، وهي غير مصدرة بالواو
وكنت نقدت البيت:
стр. 3420
يرفلن في الحسن القشيب كأنما ... البسنه يبقى مدى الأيام
قائلا: الصواب (كان ما) ليعود ضمير يبقى إلى (ما) فشدد الأستاذ علي النكير واخذ يجهلني قائلا: (هل رأى القراء عالما باللغة العربية يجهل أن (ما) بعد (كأن) تكون كافة عن العمل ولا تكون موصولة في حيثما ترد؟)
مهلا أيها الأستاذ فانك لم تعرف إلى الآن أين تكون (ما) كافة، وأين تكون موصولة فقد (علمت شيئا وغابت عنك أشياء) فاعلم أن (ما) بعد (إذا) لا تكون إلا زائدة وهي بعد (أن وكأن ولكن)، تكون زائدة كافة عن العمل وحينئذ تكتب متصلة وتكون موصولة وحينئذ تكتب منفصلة وإذا جعلنا لها وبقي (يبقى) من غير فاعل فيا أيها الأستاذ! أن الخطأ ليس بعيب، ولكن الإصرار عليه هو الغيب. وكنت أزد أن تجل نفسك عنه!!!
وكنت نقدت البيت:
وتسلبني نورا أراك بوحيه ... فاظهر ما أخفى سواد الدياجر
فقلت: وكان عليه أن يقول: كنت أراك بوحيه فانه في الحال لا يراه فقال: (فهل يدري أحد لماذا أجاز لنا أن نقول (تسلبني) عن الماضي ولم يجز لنا (أراك) بدلا من كنت أراك) والجواب: أن البيت مقول على لسان الأعمى وهذا الأعمى مسلوب منه النور في الحاضر، كما سلب منه في الماضي، فصح القول: (تسلبني) ولكن ليس الأمر كذلك في (أراك) فإن
الأعمى في الحاضر لا يراه بالنور، فهل فهمت أيها (الأستاذ)؟!!
ونقدت البيت:
يهم ويعييه النهوض فيجثم ... ويعزم إلا ريشه ليس يعزم
فقلت: وكان الصحيح أن القول: إلا ريشه فهو لا يعزم، أو إلا أن ريشه ليس يعزم، فإن (ريشه) مستثنى منصوب، فلا يصح أن يخبر عنه بقوله (ليس يعزم).
فقال يجيب الأستاذ وليته لم يقل: (ألا يجوز أن تكون (إلا) بمعنى لكن، وإن يكون ما بعدها جملة مركبة من مبتدأ وخبر؟ اعلم، يا هذا، أن
стр. 3421
هناك شيئا يسمى الاستثناء المنقطع، وراجع باب الاستثناء يفتح الله عليك الأبواب) وخلاصة الجواب أنه يجعل (إلا) بمعنى (لكن) وليس في معاني (إلا) (لكن)، وقد بسط معانيها ابن هشام في المغنى، ومنها العاطفة بمنزلة الواو في التشريك في اللفظ والمعنى كقوله في آية (لا يخاف لدي المرسلون إلا من ظلم، ثم بدل حسنا بعد سوء) أي ولا من ظلم وزاد ابن هشام قائلا: على أن هذا رأي بعضهم والجماهير على إعراب ما بعدها مستثنى منقطعا.
أما الأستاذ فقد جعل (إلا) بمعنى (لكن) فأخرجها عن الاستثناء وجعل ما بعدها مستثنى منقطعا فأرجعها إلى الاستثناء وقد عرفت أن جعلها بمعنى (واو) العطف يقتضي التشريك في اللفظ والمعنى، ولا يتصور في البيت التشريك فإن (يعزم) مثبت و (ريشه) قد نفي عنه العزم بقوله: ليس بعزم أما جعل ما بعد (إلا) مستثنى منقطعا، فلا يزيل الاعتراض، فإن (ريشه) الذي هو منصوب على الاستثناء سواء أكان متصلا أم منفصلا لا يجوز أن يخبر عنه بليس يعزم.
ثم أراد الأستاذ أن يوجه (رنق) في بيت له كنا قد نقدناه، فأراد ما قاله صاحب اللسان في (رنق): الترنيق كسر الطائر جناحيه من داء أو رمي حتى يسقط، وهو مرنق الجناح، إلى غير ذلك من معاني الترنيق ونحن لا ننكر أن للترنيق معاني كثيرة ولكن ننكر أن يكون الصرصور قد طار طيرانا خفيفا وهو مكب على الأرض). على أن الطائر إذا رنق من رمي، فلا يطير طيرانا خفيفا بل يسقط أو يطير طيرانا ثقيلا.
ونقدنا قوله:
أكان للمرء أيما أرب ... في الصبر لولا كوارث الزمن
فقلنا: ليس من الصواب جعل (أيما) وهي للاستفهام اسما لكان المصدر كذلك بهمزة الاستفهام ثم أن (أي) لها صدر الكلام، فلا يجوز من هذا الوجه أيضاً جعله اسما لكان.
فقال الأستاذ: (ما رأي (لغة العرب) في قولنا لها: لم نر أي خطأ ولم يزعم أي أحد ما تزعمين. أهذا كلام صحيح أو غير صحيح؟)
والجواب: (غير صحيح) وقد أخذ في السني الأخيرة بعض الكتاب
стр. 3422
يستعملون (أي) في غير موضعها خطأ منهم في العبارتين السابقتين والصواب في العبارة الأولى (لم نر خطأ) وفي الثانية: (ولم يزعم أحد).
وكنا نقدنا قوله (لست على الصبر مزريا) فقلنا لان (أزرى) يتعدى على الفصيح بالباء، فقال: (لم نعرف أحداً غيرها يجترئ هذا الاجتراء، وينكر تعديه أزرى بعلى وهي في كل كتب اللغة تتعدى بها كما تتعدى بالباء) ويرى القراء من عباراتنا أنا لم نجترئ على إنكار عديها بعلى إنما قلنا يتعدى على (الفصيح) بالباء وإذا كان هذا اجتراء فليمسك بتلابيب ابن سيده وصاحب لسان العرب فإن الأخير قال: (قال ابن سيده عليه قليلة) وتلابيب صاحب القاموس إذ قال: (كأزري عليه لكنه قليل) وتلابيب صاحب الصحاح إذ قال أزريت به ولم يشر إلى وجود أزريت عليه.
ديوان العقاد
- ٤ -
وقال ص ٨٣ (وغبن الشاعرين شديد) وهو يريد الشعراء وقال (عليها من حلاه نضود) وجمع النضد انضاد لا نضود، وقال:
تجمعت الأضداد فيه فحكمة ... وحمق وقلب ذائب وجمود
كأنه أحس بما في شعره من تناقض فأراد أن يعتذر عن نفسه عادا إياها من الشعراء وهيهات!!! وقال:
وأقصى مناه في الحياة نهاره ... وأدنى مناه في الممات خلود
وما أكثر ولع الأستاذ بالصناعات البديعية فتراه يهزأ بالحقيقة ليتم له الطباق بين الحياة والممات و (أقصى وأدنى) ومتى كانت الذي أبعده مناه عيش يومه شاعرا خالدا؟! وقال من
قصيدة (الورد) ص ٩١:
وغرد هاتف الأطيار لما ... جلا البستان عن خدر العروس
لا افهم معنى (جلا البستان عن خدر العروس) يقال جلا عن فلان الأمر بمعنى كشفه وجلا العروس على بعلها بمعنى عرضها عليه مجلوة فهل يريد كشف البستان عن خدر العروس عن ذكر المفعول وقال:
стр. 3423
نديم الكأس طف بالروض تنظر ... غصون الورد مترعة الكؤوس
وفيه ثمالة لم يودعها ... من الأفراح كرم الخندريس
الضمير في (فيه) لا يعود إلى الكأس لأنها مؤنثة فأين هذه الثمالة التي يتكلم عنها بقية ما في الكأس؟ ولعله راجع إلى الورد ولكن غصون الورد مترعة الكؤوس كما في أول البيتين ولا يقال لما كان مترعا (فيه ثمالة) (!!!)
وقال ص ٩٢:
جنى الفردوس إلا أن فيه ذكاء ... النار والجمر القبيس
ولم يجئ القبيس إلا بمعنى الفحل السريع الالقاح فلا محل لإيراده في البيت وقد ظن أنه فعيل بمعنى مفعول من قبس فهو يريد الخمر المقبوس.
وقال:
وتتركنا كما نشأت وطابت ... كرام الطبع بالوادي الجديس
وقد شرح الجديس بالجدب ولم يجئ الجديس إلا اسما لقبيلة كانت في الدهر الأول وأما الذي جاء بمعنى المجدب فهو الجادس وقال:
لو أنا قادرون لما هفونا ... إلى غير المحاسن والروس
والطروس لم تجئ هنا إلا للقافية ثم تأتي أرجوزة (رحلة إلى الخزان) ص ٩٣ واكثر معانيها غامض وليس فيها ما يجذب نفس السامع نضربنا عنها صفحا.
وقال من قصدية (عيش العصفور) ص ٩٧:
مغردا قط ما تواني ... مرفرفا قط ما استقر
قدم (قط) على فعل الماضي في الشطرين وذلك ليس بالفصيح ولا أتى بمثله شاعر (فحل). وقال:
كخفة الطفل في صباه ... لكنها خفة العمر
أراد كخفة الصبي ولكنه قال (كخفة الطفل في صباه) كأنه يدفع ما عسى أن يتوهم القارئ أن الخفة خفة الطفل في رضاعه أو في شبابه أو كهولته ثم قال: (لكنها خفة العمر) والضمير في (لكنها) راجع إلى خفة ولا أعرف أهي خفة العصفور أم خفة الطفل. فإن كانت خفة العصفور فليست هي خفة العمر بل خفة نوع الطائر. وإن كانت خفة الطفل فما هذا الاستدراك؟ احسب أن من القراء من يزعم أن خفة الطفل هي غير خفة الصبا. وقال:
стр. 3424
يقارب السحب ثم يهوى ... يبشر االروض بالمطر
ما أوصل العصفور بالسحاب وقد كان بين الأغصان يتنزى والمعروف أن القبرة هي التي تصعد إلى علو مغردة ثم تهبط وقال:
ويستحث الرياح ضربا ... بخافقيه فتبتدر
لله ما أهول المطايا ... واضعف الراكب الأشر
جعل الريح مطيه العصفور وتعجب من هول هذه المطية ومن ضعف راكبها - العصفور - وأي ضعف في طائر يستحث الرياح ضربا بخافقيه فتبتدر الرياح كما ادعى في أول البيتين؟ وقال:
(ولا خلا الروض من ثمر) والروض لا يثمر في كل المواسم. وقال:
من عاش يوما أو بعض يوم ... يعلم ما ضربة القدر
قد يعيش الطائر وغيره شهورا وسنين ولا يعلم ضربة القدر.
وقال من قصيدة (أحكام الموتى) ص ٩٩.
ستغرب شمس هذا العمر يوما ... ويغمض ناظري ليل الحمام
جعل الحياة شمسا للعمر وقال ستغرب ويجئ ليل الموت فيغمض ناظري وما أغنى الشاعر العصري عن كل هذه الاستعارات!!! وقال:
فهل يسري الى قبري خيال ... من الدنيا بأنباء الأنام
ويمسي طيف من أهوى سميري ... ويؤنس وحشتي ترجيع هام
واحلم بالزواهر دائرات ... وبالزهر المنور والغمام
والجواب على استفهاماته هذه كلها: (كلا) وقال:
ألا ليت النيام هناك تحظى ... بأحلام كأحلام النيام
إلى آخر ما تمنى وهي مثل تمنيات الأطفال. وقال من قصيدة (الموت في الكرى) ص ١٠٠:
أبصرت بالموت في الكرى ... عميان لا يخطئ العدد
أراد بالعميان الأعمى ولم يجئ وهو من لغة العوام. وقال:
كف من الثلج أن جرت ... في جاحم النار تبترد
أراد بتبترد (تبرد) وتبترد بمعنى تغتسل بالماء البارد وهذا غير مراده وهو
стр. 3425
يفسد ما أراده. وقال
يا مطعم الدود بالصبا ... لا الدود تبقى ولا الجسد
والباء في (بالصبا) زائدة وقال:
تنسى الذي نام في الثرى ... ولست تنسى الذي ولد
لا تطرق الناس في الكرى ... سلطانك القبر فابتعد
والذي ينسى الذي نام في الثرى ليس سلطانه القبر. وقال من قصيدة (شهرزاد):
فله طلعة بها أجل الغيد ... رهين يستنجز الموعودا
فما اسخف البيت!!! وقال ص ١٠١:
ما جلوها إليه بالليل إلا ... أتلع الموت في الصبيحة جيدا
يريد ما زفوها في الليل إلا ماتت في الصبح ولكن انظر أي طريق وعر سلك في بيان أنها ماتت في الصباح، والصواب (جلوها عليه) يقال جلا العروس على بعلها: عرضها عليه مجلوة. وقال:
جذلا كان صغوه لا غراما ... وجد الآن قلبه المفقودا
وما أرك لفظ هذا البيت واسخف معناه!!!
وهناك أبيات على هذا النمط ما عليها صبغة شعرية. وبينما هو يقص علينا قصة شهرزاد والرجل الحقود على النساء القاتل لهن إذا به يقول في بيتين: (السحر آيتان فمن يملكها يملك الملوك عبيدا) ثم بين الآيتين بقوله:
يستبي القول ساحرات الغواني ... والغواني تسبي القؤول المجيدا
وهو يظن أنه ينثر الحكمة أو يجئ بفلسفة جليلة!!! ثم قال:
أيتا فتنة تصاد وتصطاد ... فآنا صيدا وآنا صيودا
وليست الآيتان تصاد وتصطاد بل الذي يصاد ويصطاد هو الرجل الحقود والغانية وأما الآيتان فهما القول الخادع وجمال الصورة وقال ص ١٠٣ من قصيدة:
نحن في هذه الحياة حيارى ... حار والله كل قلب وحيد
ولا أريد أن اصدر حكمي على هذا البيت، إنما اعرضه على القارئ ليصدر حكم نفسه عليه. وقال من أرجوزة (حديقة البرتقال) (نزة عن تصوح
стр. 3426
وعري) ولا أدري أيقسم التصوح إلى سهلي ووعري.
وقال من قصيدة (قدوم الشتاء) ص ١٠٦:
تسير الكواكب سير الحذر ... ويرجف في الجو نور القمر
وما في مشهد الكواكب في الشتاء ما يدل على أنها تسير سير الحذر ولا في منظر القمر ما يفهم منه أن نوره يرجف أما القمر فلا يرجف نوره في الصيف والشتاء وأما الثوابت فإن ما يشاهد من اهتزاز أنوارها لا يختص بموسم دون آخر واظهر فرق بين الثوابت والسيارات أن الأولى يهتز نورها والثانية لا يظهر في نورها هذا الاهتزاز. وأما السبب في الاهتزاز الظاهر للثوابت وعدمه للسيارات فليس هنا محل بيانه. وقال:
وللشمس مشية مستكره ... يساق إلى منظر لا يسر
والأستاذ ظن كلمة (مستكره) وقد شكلها بفتح الراء - بمعنى مكره واستكره الشيء بمعنى عده أو وجده كريها وهذا لا يناسب المقام. وقال:
ينادي بأن الربيع اندثر ... ولكن لا يقال أن الشتاء غدا بالأثر
يقال إذا قدم الشتاء إن الربيع أندثر ولكن لا يقال أن الشتاء غدا بالأثر فإن (غدا) بمعنى ذهب غدوة وكيف يصح القول أن الشتاء ذهب وهو قادم؟
وقال:
فيا منظرا مونقا للرياض ... تأنق فيه الربيع العطر
لقد أنكرتك عيون الشتاء ... ويا حسن ما أنكرت من صور
كما أنكر الشيخ من مجلس ... تداعى الشباب به للسمر
بعدما بين أن الزهر عند قدوم الشتاء طائح يتقلب في الأرض كالمحتضر وأن الطيور أخذت تهجر الرياض شرع يمدح منظر الرياض المونق في الربيع ويذكر أن عيون الشتاء تنكر هذا الحسن كما ينكر الشيخ مجلس الشباب وهل يجتمع الشتاء والربيع لينكر حسنه كما ينكر الشيخ مجلس الشباب؟!!
وقال من قصيدة (الوداع) ص ١٠٨ وقد عربها عن بيرنز بعد أن ذكر القبلة والفراق والعناق وانه سوف يبكيها ويدعوها في الليل بالأنين:
كيف يشكو من عثرة الجد ظلما ... من محياك نجمه الالاق
كأنه يقول أن شكايتي ليست في محلها فإن محياك نجمي المؤتلق الذي
стр. 3427
لا يغيب عن نظري طيفه. ثم قال:
بيد أني درجت في ظلمة اليأ ... س فحولي من الظلام نطاق
ولا أدري كيف غاب عنه طيف المحيا الالاق فدرج في ظلمة اليأس وضرب حوله نطاق من الظلام وقال:
من رآها فكيف يسلو هواها ... يعشق القلب إذ ترى الإحداق
ولم استحسن جعل (كيف) وهي للاستفهام جوابا للشرط فهلا قال في الجواب: (فليس يسلو)؟ و (إذ) الزمانية تختص بالماضي فلا يجوز قوله (إذ ترى) والقصيدة لا تهز سامعها ولعلها في اصلها بديعة غير أن الأستاذ لم يحسن تعريبها وهذا دليل على صعوبة ترجمة الشعر بالشعر مع المحافظة على الروعة.
وقال في ثاني بيتين مستقلين باسم (خف العيش).
وان الموت إذ يأتي ... ك لا يلفيك موجودا
وقد تقدم أن (إذ) الزمانية تختص بالماضي. وقال من قصيدة (هذا لماك) ص ١٠٩:
أدنى لثغري من يدي ... وكأنه نهر المجرة
شبه لمي (حبيبه) بنهر المجرة؟ فما أوسع فمه!!! وقال:
أن الشفاه شهية ... أما إذا اشتهيت فمرة
ولماذا؟ وقال من قصيدة (رائش لا يتعب).
ليت الذي يرمي القلوب بلحظه ... رام يريش فيعتريه لغوب
يقال راش السهم بمعنى الصق به الريش ولا أدري لماذا يعتري الذي يريش السهم تعب. قال:
يا من يعيب على الفراش طياشة ... نحن الفراش فما تراك تعيب؟
ولم يجئ مصدرا لطاش إلا الطيش. هلا قال (يا من يعيب على الفراشة طيشها). وقال أبيات باسم (السعادة) ص ١١١:
أن الشقي الذي لا صنو يشبهه ... وللأصاغر أشباه وأمثال
جعل (الذي) خبرا لان وهو يلتبس بالنعت للشقي. وقال:
(ومن علا عنه ساءت به الحال) و (علا) لا يتعدى بعن يقال علاهم
стр. 3428
بمعنى ارتفع عليهم. وقال:
أن السعادة تحت الأرض معدنها ... لا يطلب السعد من آوته الجبال
ولا أدري أية سعادة هذه التي معدنها تحت الأرض. أيريد الذهب أم ماذا؟
وقال من قصيدة (الوردة) ص ١١٣ وقد ترجمها من قطعة للشاعر الإنكليزي وليام كوبر:
فما كان اقساني لقد فاض روحها ... وطارت بدادا في التراب إلى الدفن
يريد بكلمة (بدادا) متفرقة و (بداد) بمعنى المتفرق مبني على الكسر فلا يجوز فيه النصب بالفتح والتنوين قال الشاعر: (والخيل تركض في الصعيد بداد) وأما البداد بالفتح فهو بمعنى الرباز والأعداد والأقران وبالضم فهو بمعنى النصيب وبالكسر فمصدر باد القوم بمعنى أخرج كل إنسان شيئا من النفقة في السفر ثم يجمع فينفقونه بينهم أو مصدر باده بمعنى باعه معرضة.
ثم تأتي قصيدة (يا قمر) ص ١١٤ وقد أجاد فيها كل الإجادة.
له بقية
٦٨ - منهج السنة الدراسية الأولى لكلية الطب العراقية
جامعة آل البيت
بغداد طبع في مطبعة الحكومة سنة ١٩٢٨ في ٢٣ ص عربية و١٧ ص إنكليزية
متقن الطب عندنا حديث أنشأته الحكومة العراقية في سنة ١٩٢٧ أما قبل الحرب فلم يكن
في ديارنا شيء من هذا القبيل ولا ما يقارنه وكان أبناء العراقيين يذهبون إلى بيروت أو إلى ديار الغرب لدرس علم الطب، فاليوم أصبحنا في غنى عن تغريب أولادنا.
وهذا المنهج يدل على أن الطب في سنته الأولى يدرس بكل إتقان. وفيه ذكر العلوم والفنون التي تلقى فيه مع أسماء الأساتذة الذين يعنون بتلقينهم إياها للطلبة. ولا جرم أن هذا المتقن يوغل في التعليم كلما تقادم عهده ومرت السنون عليه. فنتمنى له الرقي الدائم والنجاح الثابت!
стр. 3429
تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره
المؤتمر الدولي السابع عشر للمستشرقين في اكسفورد سنة ١٩٢٨.
بناء على القرار الذي صدر في الاجتماع الأخير للمؤتمر الدولي السادس عشر للمستشرقين الذي عقد في أثينة سنة ١٩١٢ اقترح أن يكون انعقاده السابع عشر في أكسفورد، وبناء على ذلك تتخذ الآن التدابير اللازمة لهذا الغرض في أكسفورد في الأسبوع الذي يبتدئ في ٢٧ أغسطس (آب) سنة ١٩٢٨ وقد تألفت لجنة التنظيم برئاسة الأستاذ ف. وتوماس مدرس السنسكريت في اكسفورد وقد وضع الترتيب التالي لتأليف المؤتمر:
الرئيس: اللورد تشلمرس.
اللجنة العامة: أعضاء مجلس إدراة معهد اللغة الشرقية في اكسفورد.
اللجنة المنظمة: الرئيس: الأستاذ ف. و. توماس.
الأعضاء: الأستاذ د. س. مرجوليوث الأستاذ و. ا. سوتسهل. الأستاذ س. هـ. لنجدون - الأستاذ ف. ل. جريفث - المستر ج. ر. در يفر أمين الصندوق والسكرتير المستر ك. ن. سادون.
وتبتدئ أعمال المؤتمر يوم الاثنين ٢٧ أغسطس (آب) سنة ١٩٢٨ وتنتهي جلساته يوم السبت أول سبتمبر (أيلول) وتعقد الجلسات في المعهد الهندي ومباني الكلية المجاورة وترتيب الأعمال في اجتماعات عامة واجتماعات قسمية.
ورتب الاجتماعات القسمية ترتيبا وقتيا كما يلي:
١ - علم البحث في الجنس. مباحث السلالات البشرية. علم الآثار القديمة قبل التاريخ. علم الأساطير القديمة قبل التاريخ. علم الأساطير القديمة وخرافات البشرية.
٢ - علم اللغة الآشورية ومواضيع مختلفة. العراق القديم وآسية الصغرى.
٣ - مصر وأفريقية.
٤ - آسية الوسطى وآسية الشمالية مع التيبت (التبت).
стр. 3430
٥ - الشرق الأقصى. العند الصينية. مالينزية وبولينيزية.
٦ - الهند وإيران لغات الهند الأوربية في آسية.
٧ - العهد القديم والأدب الخ في الإسلام.
٩ - الفن الشرقي.
وستقرر اللجنة توزيع الأوراق على الأقسام المختصة بها وستبذل اللجنة كل ما في وسعها لكي لا تقرأ الأوراق ذاتها في وقت واحد.
وستكون الأقسام تحت مراقبة رؤسائها وسيكون لها سكرتيرون خصوصيون وستكون اللغات المعترف بها في المؤتمر الفرنسية والألمانية والإنكليزية غير هذه وجب عليه أن يستأذن رئيس القسم المختص.
يؤمل أن الاشتراكات التي وصلت تكون كافية لطبع إجراءات المؤتمر وفي هذه الحالة يحق لكل عضو أن يدفع اشتراكا كاملا للحصول على نسخة منها.
قيمة الاشتراك الكامل في العضوية هي جنيه إنكليزية ويحق للأخطاء أن يأخذوا تذاكر لأفراد عائلتهم بنصف قيمة الاشتراك ولهؤلاء الحق في جميع الامتيازات المخولة للعضوية عدا الحصول على نسخة من النشرة التي تشتمل على إجراءات المؤتمر. وعلى الذين يرغبون الانضمام إلى المؤتمر أن يرسلوا بقيمة اشتراكهم إلى أمين صندوق المؤتمر الدولي للمستشرقين وعنوانه كما يلي:
وترغب اللجنة المنظمة أن تدعو بهذه النشرة كل من يهمه الاشتراك في هذا المؤتمر وإن يتكرموا بعضده.
وترجو من الأعضاء أن يقدموا ما لديهم من المطبوعات والمخطوطات التي تهم المؤتمر.
٢ - عودة السيد توفيق البكري
عاد إلى القاهرة بعد غياب طويل (١٧ عاما) في سورية لأسباب طويلة سماحة السيد توفيق البكري الشاعر الناشر المشهور، فرحب به الأدباء في مصر ترحيبا جما وقد نشرت (المقطم) حديثا دار بينه وبين الأستاذ لطفي بك جمعة في شؤون شتى دل على تعافي السيد توفيق مما ألم به. فنهنئه نرجو استئناف جهوده القيمة لخدمة لغة العرب وآدابها بعلمه
وجلده وغيرته.
стр. 3431
٣ - مصر والشيوعية
جاءتنا الصحف المصرية بالبريد الأخير فإذا بها تمتاز بجملة سفيهة منظمة يحملها عباس أفندي العقاد المحرر في صحيفة (البلاغ) التي تصدر بالقاهرة على الدكتور محمد حسين هيكل بك، رئيس تحرير صحيفة (السياسة) المشهور بدعته ومكارم أخلاقه. ثم تبع ذلك ادعاء العقاد هذا بأن في مصر مأجورين لزعماء الشيوعية في موسكو، وانهم يحاربون قوميتهم تحت ستار تمهيدا للشيوعية، فكان بذلك خير معوان للصحافة الإنكليزية التي تحارب توثيق العلاقات التجارية بين مصر وروسية.
وقد سخفت (السياسة) هذا الرأي بقوة، وأظهرت من طرف خفي أن غرض العقاد إنما هو النيل من زملائه الأدباء المجددين المنتصرين للمبادئ الأممية، وللأفكار الإنسانية العامة، التي ينادي بها (ولز) و (شو) وإضرابهما! وهكذا تكون نزهة الحكم والتفكير والقيادة الأدبية وإلا فلا! وإذا لم يخطئ استنتاجنا فنحسب أن العقاد يريد الإساءة إلى سلامة موسى. و (لغة العرب) ليست من عشاق سلامة موسى أولا: لآرائه المتطرفة الجنونية أحيانا، وثانيا: لما نعده من اباحاته الكثيرة إساءة إلى لغتنا العدنانية الشريفة، ولكننا لن نتدنى إلى مثل هذا الاتهام الخطير الذي يلقيه العقاد جزافا لحاجة في نفسه هي حسده لمنافسه وحقده عليه. ونصحتنا إلى سلامة موسى أن لا ينسى ذكره في قائمة عظماء مصر إذا ما عالج هذا البحث مرة أخرى في المستقبل فيريح ويستريح، وحسبنا نحن أن نقول أن رجلا كالعقاد ينحط هذا الانحطاط في أساليبه النقدية إنما ينتحر وهو لا يدري، وليس يضيرنا بعد ذلك إذا حاول الإصغار من قدر (لغة العرب) من جهود صاحبها في جيل كامل والنفاق معا والحق أنه لولا رياءه هذا لكان لنقده شوقي بك زعيم المحافظين قيمة ولكن الناس عرفوا نفاقه وحسده وكبريائه المصطنعة، التي شرحها زكريا أفندي جزارين في كل من (السياسة) و (المهذب) شرحا علميا نفيسا، فأعرضوا عنه، وهكذا أساء العقاد إلى قضية التجديد في الأدب، كما أساء إلى نفسه والى من حف به.
стр. 3432
٤ - العرب ومؤسسات روكفلر
قررت مؤسسات روكفلر إدخال ستة طلاب من العرب على نفقتها في جامعات أميركة لتلقي علومهم فيها، وقد وزع هذا كما يلي: ٣ من العراق، و ٢ من سورية و ١ من فلسطين.
٥ - حمعية طبية في حيفا
نظم الأطباء العرب في حيفا جمعية عليمة طبية لسانها اللغة العربية، وانتخبوا لها الدكتور إبراهيم زعرب رئيسا والتحق الأطباء الثلاثة الأجانب في حيفا وهم إنكليزية وإيطالي وألماني بهذه الجمعية.
٦ - بريد المكلا
طبعت حكومة المكلا طوابع بريد من جنسين، ووصلت إليها أدوات البريد، وستشرع عن قريب في تنظيمه بين البلاد القعيطية، وتريم، وسيون.
٧ - وفاة الشيخ محمد أمين عالي باش أعيان العباسي
كانت الوفاة نهار الثلاثاء ٢٩ أيار في يوم عيد الأضحى في البصرة وكان المرحوم نائب البصرة ووزير الأوقاف سابقا. وعمره يناهز الستين. وله مقالة في لغة العرب ٥٧: ٣ إلى ما بعدها و ١٢٨ وما يليها استمد منها جميع المستشرقين الذين كتبوا عن العراق. وكذلك فعل من الفئات عن العراق. وقد اشتهر المرحوم بمساعدته لهذه المجلة بعمله وقلمه وماله ﵀ رحمة واسعة!
٨ - نافع الاورفة لي
انتقل إلى دار البقاء فجأة في ٤ حزيران وكان قبل موته بساعات يجول في الحاضرة منهمكا في أمور الانتخابات والترشيحات. وقد ظهر للأطباء الذين فحصوه أنه (من المحتمل أن يكون مات مسموما).
٩ - لجنة مشروع المنازل في العاصمة
الفت وزارة الداخلية لجنة خاصة لمشروع المنازل قوامها معالي وزير الداخلية (رئيسا) والمستر بري مستشار وزارتي الزراعة والري والأشغال والمواصلات وسعادة أمين
العاصمة وسعادة مدير الصحة العام وسعادة المفتش الإداري للواء بغداد.
وقد اجتمعت اللجنة في وزارة الداخلية وقررت أن تبين المنازل الجديدة في الأراضي الأميرية. وقد صرف النظر عن البناء في جهة الكرخ وتم الاتفاق على تشييد المنازل في محل عال بين الكرادة الشرقية وسكة حديد خانقين على أن تؤكد إدارة الري أن المحل مصون من أضرار الفيضان.
стр. 3433
١٠ - حفلة الضباط الجدد
أقامت المدرسة العسكرية الملكية العراقية في الحاضرة حفلة ذكرى لإخراج ثاني صف من التلاميذ ضباطا للجيش العراقي. وجرى عرضه في ميدان عرض المدرسة في الكرادة الشرقية في الساعة السادسة ونصف من صباح السبت ٣٠ حزيران وحضر الحفلة صاحب الجلالة ملكنا المعظم فكانت من أبدع ما جاء من نوعها. فنهنئ الضباط الجدد بهذا الفوز المبين.
١١ - كيف تتنصل حكومة الحجاز من تبعة أعمال الإخوان
من غريب ما جاء في جريدة (أم القرى) وهي الصحيفة الرسمية الصادرة عن لسان ابن سعود ما يأتي نشره بحرفة نقلا عن العدد ١٦٩ وهي:
نشرنا من قبل بعض القول عن الخلاف القائم بين نجد والعراق في الأيام الأخيرة، ولا تزال نرى بعض الصحف وعلى الأخص العراقية منها توجه اللوم على نجد وحكومته متناسية ما كان من العراق في جنب نجد من سوء. وربما تبع صحف العراق بعض الكتاب من العرب الذين لا يعلمون حقيقة الإساءات المتتابعة التي كانت من العراق وشرقي الأردن على نجد، والتي من أجل وضع حد لها كانت مقررات المحمرة ثم بروتوكول العقير ثم مؤتمر الكويت ثم معاهدة بحرة ولو أن من في العراق وشرقي الأردن حافظوا على العهود التي قطعوها ولم يخلو بشروطها لما رأينا هذه الحوادث المريعة بين العراق ونجد هذه الأيام وأنا نسرد هنا للقراء نص المواد العهدية التي وردت في مقررات المحمرة وبروتوكول العقير ومعاهدتي بحرة وجدة والتي نقضتها حكومة العراق وحكومة شرقي الأردن ونترك للمصنف الحكم بعد ذلك:
(١) - جاء في فقرة (ب) من المادة الأولى لمعاهدة المحمرة المنعقدة في ٧ رمضان سنة ١٣٤٠ ما يأتي: (انه نظرا لقرار (أ) عشائر المنتفق والضفير والعمارات يرجعون إلى العراق وشمر نجد إلى نجد. . . الخ) فكان بعد ذلك أن عادت عشائر المنتفق والضفير والعمارات إلى العراق وبقيت شمر نجد في العراق تشن الغارات في كل وقت وحين على قبائل نجد ولم تنقطع غزوتها حتى هذه الأيام، وقبل بضعة أسابيع نشرنا في (أم القرى) خبر غزوة المائق من شمر على جهات الجوف وفتكه ببعض
стр. 3434
الرعاة الضعفاء وسلبه ثلاث رعايا من الإبل ثم أعادت الكرة على جهات الجوف أيضاً وسلبه منها ثلاث رعايا أخرى (ولشمر نجد المتلجئة إلى العراق حديث طويل عن سبب التجائها وغاية الذي يحميها في العراق من حمايته لها وما سبب التجاء الأشرار من هذه القبيلة من كوارث ومحن بين نجد والعراق وليس هذا محل التفضيل في هذا الشان).
(٢) - جاء في المادة الثالثة من بروتوكول العقير ما يأتي: (تتعهد الحكومتان كل من قبلها أن لا تستخدم المياه والآبار الموجودة على أطراف الحدود لأي غرض حربي كوضع قلاع عليها وإن لا تعبئ جنودا في أطرافها) أما حكومة نجد فقد منعت البناء مطلقا على الرقعى والحفر ولينا وغيرها لما طلب منها الترخيص بالبناء على هذه المواقع ولكن حكومة العراق لم تبال بالعهد المقطوع فبنت الحصن المشؤوم على بصية والتي قامت القيامة الأخيرة بين نجد والعراق من اجله وفصلنا كل شيء وقع من أجل ذلك في إعداد سابقة.
(٣) - جاء في المادة الأولى من معاهدة بحرة المنعقدة بتاريخ أول نوفمبر سنة ١٩٢٥ ما يأتي:
(تعترف كل من دولتي العراق ونجد أن الغزو من قبل العشائر القاطنة في أراضيها على أراضي الدولة الأخرى اعتداء يستلزم عقاب مرتكبه عقابا صارما من قبل الحكومة التابعة لها وإن رئيس العشيرة المعتدية يعد مسؤولا) وقد وردت هذه المادة بنصها في معاهدة جدة المنعقدة بين نجد والحكومة البريطانية النائبة عن شرقي الأردن وكانت فيها المادة الخامسة. ولكن ما قول المنصفين، إذا كان قد بلغ قيمته ما نهبته قبائل شرقي الأردن من قبائل نجد عن طريق الغزو في أراضي نجد بما في ذلك تقدير ديات القتلى بما لا يقل عن مائتي الفئات جنيه ولا تقل تلك الغزوات عن ثلاثين غزوة وكان من بدو العراق غزوات عظيمة
لا تقل مقدار الخسائر التي لحقت نجدا بسببها عن مائة ألف جنيه، ورغم ما جاء في المادة المذكورة ورغم احتجاجات حكومة نجد وتحذيرها من نتيجة التمادي في هذه الخطة فلم يقصر الغزاة عن إجرامهم وشرورهم كما أن حكومة العراق وحكومة شرقي الأردن لم تؤدبا مجرما من أولئك المجرمين حتى ولا بعتب ولا لوم.
(له تلو)
стр. 3435
العدد ٦٢ - بتاريخ: ٠١ - ٠٨ - ١٩٢٨
الأب جوزيف بوشان
جوزيف (يوسف) بوشان، فلكي فرنسي ولد في فزول (في فرنسة) في سنة ١٧٥٢، وتوفي في نيس (فرنسة) عام ١٨٠١، وهو ابن أخي ميروده دي بور أسقف بابل (بغداد) على اللاتين.
دخل في سنة ١٧٦٧ في رهبانية البرنرديين وصادق لالند الذي خرجه في علم الفلك، وبرح عام ١٧٨١ فرنسة ذاهبا إلى الشرق، لينضم إلى عمه الذي كان قد سبقه إليه بل ذهب إليه ليتفرغ في ديارنا الشرقية لعلم الفلك متتبعا ذوقه الذي كان يحدو به إلى التوغل فيه وفي علم البلدان.
فزار حلب الشهباء، وبغداد الزوراء، والبصرة الفيحاء (سنة ١٧٨٤) وإيران (١٧٨٦) ثم آب إلى فرنسة سنة ١٧٩٠. وفي مدة السنوات العشر أمد بوشان أستاذه لالند بأرصاد مختلفة مهمة وبملاحظات نفيسة. ورسم له خريطة لمجرى دجلة والفرات على طول ١. ٢٠٠ كيلو متر، وخط خريطة أخرى لبحر الخزر (أو بحر قزوين) وأهدى إلى الأبيل برتلمي صورمبان وكتابات ورقم وأنواط عديدة جميعها عن بابل، كما أتحفه بكتب عربية خطية اشتراها في ديار الشرق.
следующие страницы →