Полный текст (6 158 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
وغر على غير الأيام جامحة ... مغيرا بسرايا عزمك الغيرا
وافزع إذا أفزعتك النائبات إلى ... كهف الأرامل والأيتام والفقرا
مصباح كل هدى مفتاح كل ندى ... مقباس كل تقي مطعام كل قرى
وهكذا إلى آخر القصيدة، فأنت ترى أن الأبيات الأولى جمعت حكما رائعة بخلاف ما يرى في اغلب قصائد المدح التي ينسج بردها على منوال عصر انحطاط الشعر في القرون المتأخرة. ومن شعره قوله طالباً تبغاً من صديق له:
يا خير فرع طيب الأصل ... وخير قرم شامخ الفضل
إليك أشكو توتناً منتنا ... يأذن قبل الشرب بالقتل
جد لي بتتن منك يشفى الضنى ... مشروبه بالعل والنهل
ما أنا عنه راغب بالذي ... توليه من شرب ومن أكل
وصلت في حبلك حبل الرجا ... فصل به حبلك في حبلي
إن قلت هل في الناس من مفضل ... قالوا نعم ذاك أبو الفضل
فأن يكن بعل لبكر العلي ... فما لها سواه من بعل
كم في المعالي من قضايا له ... منتجة عقيمة الشكل
وكم له وابل جود همي ... أزرى على منهمل الوبل. . .
فاسلم مدى الأيام من غدرها ... من العلي تجني جني النحل
وقال في وصف شمعة:
وبيضاء يحكي ألبان حسن اعتدالها ... أضاءت لنا ليلاً وأغنت عن البدر
فكانت كخطى القنا غير إنها ... لحين وقد كان السنان من التبر
стр. 387
وله أيضاً مرتجلا:
إن أبا الفضل له همة ... تنحط عنها همة الطائي
ينهل كالوسمى لكن هما ... ما بين ضحاك وبكاء
محله النجم وقد لاح ما ... بين الورى كالنجم في الماء
وقد مدح طائفة من علماء زمانه بقصائد عامرة الأبيات طويلة النفس ورثى كثيراً من أبناء وطنه فاجتزأنا بما ذكرنا تعريفا به ومن أراد الوقوف عليها فليطلبها في ديوانه. فقد جمع ووعى. وأبقى له فيه أثراً لا يمحى.
اسم بغداد
ومعناها وقدمه ولغاته ومرادفاته
اختلف العلماء في اسم بغداد ومعناه. وهاء نحن نجمع ما قالوا فيه من الأقوال. قال أبو الفداء في كتابه تقويم البلدان: قال في اللباب: وإنما سميت (بغداد) بهذا الاسم لان كسرى
стр. 388
أهدى إليه خصي من الشرق فاقطعه بغداد. وكان لهم صنم يعبدنه بالمشرق، يقال له (بغ) فقال ذلك الخصي: (بغ داذ)، يقول: أعطاني الصنم. والفقهاء يكرهون هذا الاسم من اجل هذا. وسماها
المنصور مدينة السلام. لان دجلة كان يقال له: (وادي السلام) قال: وكان ابن مبارك يقول: لا يقال بغداذ. يعني بذال المعجمة، فإن (بغ) شيطان. و (داذ) عطية، وإنها شرك. وإنما يقال بغداد، يعني بالدالين المهملتين، وبغدان أيضاً. وقال بعضهم أن (بغ) بالعجمية (البستان) و (داذ) اسم رجل يعني بستان داذ) اهـ.
وقال ابن الانباري: أصل بغداد للأعاجم. والعرب تختلف في لفظه، إذ لم يكن اصلها من كلامهم ولا اشتقاقها من لغاتهم. . اهـ.
وقال بعض الأعاجم (نقلا عن معجم ياقوت): تفسيره بستان رجل. (فباغ): بستان. (وداد) اسم رجل. وبعضهم يقول: بغ: اسم للصنم، فذكر انه أهدى إلى كسرى خصي من المشرق فاقطعه إياها، وكان الخصي من عباد الأصنام ببلده، فقال: (بغ داد) أي الصنم أعطاني. وقيل: (بغ) هو البستان. و (داد) أعطى. وكان كسرى قد وهب لهذا الخصي هذا البستان فقال (بغ داد) فسميت به. وقال حمزة بن الحسن. بغداد اسم فارسي معرب عن باغ داذويه) لان بعض رقعة مدينة المنصور كان (باغ) لرجل من الفرس اسمه داذويه) وبعضها اثر مدينة دارسة كان بعض ملوك
стр. 389
الفرس اختطها فاعتل. فقالوا: ما الذي يأمر الملك أن تسعى به هذه المدينة فقال: (هليدوه وروز) أي خلوها بسلام) فحكى ذلك للمنصور، فقال سميتها مدينة السلام. وفي بغداد سبع لغات: بغداد. وبغدان. ويأبى أهل البصرة ولا يميزون بغداد في آخره الذال المعجمة. وقالوا لأنه ليس في كلام العرب كلمة فيها دال بعدها ذال. قال أبو القاسم عبد الرحمن بن اسحاق: فقلت لأبي اسحاق إبراهيم بن السرى: فما تقول في قولهم خرداذ، فقال: هو فارسي ليس من كلام العرب. قلت أنا: وهذا حجة من قال: بغداذ، فانه
ليس من كلام العرب. وأجاز الكسائي بغداد على الأصل، وحكى أيضاً مغداذ ومغداد ومغدان. وحكى الخرزنجي: بغداد بدالين مهملتين وهي في اللغات كلها تذكر وتؤنث. وتسمى مدينة السلام أيضاً.
فأما الزوراء فمدينة المنصور خاصة. وسميت مدينة السلام لان دجلة يقال له (وادي السلام). وقال موسى بن عبد الحميد النسائي كنت جالساً عند عبد العزيز بن أبي رواد فاتاه رجل فقال له: من انت؟ فقال له: من بغداد، فقال: لا تقل بغداد، فان (بغ) صنم. و (داد) أعطى. ولكن قل: مدينة السلام، فان الله هو السلام والمدن كلها له. وقيل أن بغداد كانت قبل سوقا يقصدها تجار أهل الصين تجاراتهم فيربحون الربح الواسع. وكان اسم ملك الصين (بغ فكانوا إذا انصرفوا إلى بلادهم قالوا: بغ داد) أي أن هذا الربح الذي ربحناه من عطية الملك.
стр. 390
وقيل: إنما سميت مدينة السلام. لان السلام هو الله. فأرادوا مدينة الله. إلى هنا من كلام ياقوت بحرفه.
وقال صاحب تاج العروس: بغداد وبغذاذ بمهملتين ومعجمتين، وتقديم كل منها. فهذه أربع لغات في المصباح: الدال الأولى مهملة وهو الأكثر. وأما الثانية ففيها ثلاث لغات، حكاها ابن الانباري وغيره دال مهملة وهو الأكثر، والثانية وهي الأقل ذال معجمة، وبعضهم يختار بغدان، بالنون، لان بناء فعلال بالفتح بابه المضاعف كالصلصال والخلخال، ولم يجيء من غير المضاعف، إلا ناقة بها خزعال، وهو الظلع، وقسطال ممدود من قسطل وقال أبو حاتم: سالت الأصمعي: كيف يقال: بغداد أو بغداذ أو بغدين، وقد تقلب الباء ميما، فيقال، همذان. فقال: قل: مدينة السلام فهذه سبع لغات الفصيح منها بغداد بدالين (مهملتين) وبغدان بالنون (في الأخر). كما اقتصر عليه ثعلب، وأورد ابن سيدة هذه اللغات كما أوردها المصنف، وزاد القزاز: بغدام بالميم في أوله، وزاد صاحب الواعي عن أبي محمد الرشاطي: بغذان بدال معجمة. وحكى أبو زكريا، يحيى بن زياد الفراء بهداد بالهاء والدال. قال أبو العباس كلها لهذه البلدة المشهورة بمدينة السلام قال: وهو اسم أعجمي عربه العرب. وقال صاحب الواعي: هو اسم صنم فتأويلها: بستان صنم وقال الرشاطي قال عبد الله بن المبارك لا يقال بغداذ بالدال الثانية معجمة
стр. 391
فان (بغ (صنم و (داذ) عطية وعن أبي بكر ابن الانباري عن بعض الأعاجم يزعم أن تفسيره بستان رجل فبغ بستان وداد رجل
وبعضهم يقول بغ اسم صنم لبعض الفرس كان يعبده وداد رجل قال الرشاطي: وكان الأصمعي ينهى عن ذلك ويقول مدينة السلام قال شيخنا ويقال لها دار السلام أيضاً) اهـ
وقال في البرهان القاطع: بغداد مخفف باغ داد، ومعناه بستان العدل
وقال ابن الخازن وابن المكين بغداد مأخوذة من اسم راهب كان يقوم بشؤون كنيسة مبنية في الموقع الذي هو اليوم بغداد فقيل: مدينة بغداد مضافة إلى اسمه، كما يقال مثلا مدينة اسكندر أو قسطنطين أو المنصور.
وقال آخرون: بغداد مأخوذة من (بيت غدادا) الارمية ومعناها: مدينة الغزل أو الحياكة والنسيج أو أيضاً: مدينة الجداد (وزان الرمان) وهو كل متعقد بعضه ببعض من خيط أو حبالٍ صغارٍ.
قلنا نحن: هذه كلها خواطر خيالية اخترعها مخيلة اللغويين أو واهمة بعض المتشدقين والمتحذلقين إجابة لما في الإنسان من حب الوقوف على ما يجهل لكي لا يقال عنه انه جاهل وإلا فان اسم
стр. 392
بغداد قديم إذ قد ورد في تاريخ الآشوريين قبل المسيح بألف وتسعين سنة. فقد جاء في التواريخ المسمارية الخط المكتوبة على الآجر: أن الملك أشور بلكلا رتق ما فتقه أبوه فأخذه بغداد واكتسح أنحاء بابل واضطر الملك مردوخ شايكزر مايي على أن يطلب الصلح.
وقد وجد العلماء في نفس بغداد أجراً كثيرا مكتوبا عليه اسم بغداد وبعض الوقائع التي جرت فيها، وعليه فالقول أن اللفظة فارسية أو أرمية أو غير ذلك هو من باب التكلم على أساس غير ثبت. وأما معناها في اللغة الآشورية فلم يهتد إليه العلماء فلعل التبحر في هذه اللغة يكشف القناع عن حقيقة معناه.
وأما أسماء بغداد واختلاف اللغات فيها فقد رأيت أنها كثيرة تبلغ العشرين وهي: بغداد. وبغذاذ، وبغداذ. وبغذاد، وبغدان، وبغدين، ومغذان، ومغدان، وبغدام، ومغدام، وبغذان، وبهداد، والزوراء، ومدينة السلام، ودار السلام، وقبة الإسلام، وحاضرة العباسببن، ودار الخلافة، ودار الأمارة العباسية، وأم العراق. إلى غير هذه الأسماء ما يستغني عن ذكرها.
رزوق عيسى
نقد كتاب تاريخ آداب اللغة العربية
١ - تمهيد
إذا بحثت عن كتبة العرب في هذا العصر وجدتهم كثيرين
стр. 393
وفيهم المعرب والجاري على طريقة الكتابة في عصر انحطاط اللغة. والجاري إلى أساليب أهل هذا العصر. والجاهل الذي لا يدري ما يكتب، أما إذا فتشت عن الكاتب البليغ المبتدع للمعاني، والمبتكر للمواضيع، فانك لا تجده إلا بشق النفس ونعني بالمبتدع المبتكر من يكتب في المواضيع لم يسبقه إليها أحد فينقلها عنه من يجيء بعده من الكتبة أو ينقلها الأجانب إلى لغاتهم إقراراً بفضل المؤلف وعلمه وابتكاره المباحث.
وممن نفتخر بقلمه وعلمه الكاتب والمؤرخ الشهير جرجي أفندي زيدان صاحب مجلة الهلال والتأليف المختلفة المواضيع، والذي نقلت عدة كتب من تصانيفه إلى لغات الأجانب. فإذا قلنا أنه هو العربي الوحيد الذي اقر بفضله علما الإفرنج لنقلهم بعض أسفاره إلى ألسنتهم لما غالينا في كلامنا، ولما تعدينا الحقيقة.
على أن سماع هذه الكلمات بشق على كثيرين من الحساد. ولهذا اخذ بعضهم يتنقصونه ويغضون منه ظناً منهم انهم أن فعلوا هذا الفعل يزيدونه قدراً ويسبونه إلى الفضل ويتفوقون عليه كل التفوق، ونسوا قول الشاعر:
ترى متى تشتفي الحساد من رجل ... تريد خفضاً له والله يرفعه
إذا قضى الله أمراً لا يرد وان ... أجرى عطاء فمن في الأرض يمنعه
ألف جرجي أفندي زيدان عدة كتب وروايات حظيت غاية الحظوة عند العامة والخاصة، ومن الكتب التي وقعت احسن موقع
стр. 394
عندهم هذا كتابه الأخير وهو: (آداب اللغة العربية) فلما وقف عليه الحساد جاشت في صدورهم أبحر الغيظ وأخذت الحزازة تزداد شدة وأذى. حتى انهم اخذوا يتعرضون لما يمس شرفه وشخصه في انتقادهم لهذا الكتاب الجليل عوضاً من أن يذكروا ما فيه من المغامز والأغلاط لتصحح في الطبعة الثانية.
هذا وأننا وأن أجللنا المؤلف وتأليفه فأننا لا نريد بهذا الإجلال أن نعصمه من الخطأ أو نجعل مصنفاته بعيدة عن شوائب النقص والخلل فالإنسان لكونه إنساناً ينزله الوهم وينتابه الزلل، على حد ما قيل: الإنسان، محل النسيان.
وكتاب تاريخ آداب اللغة العربية من المؤلفات التي تطرق إليها السقط على أنواعه ونحن نقسمه إلى ثلاث طوائف: ١ - أغلاط الطبع والأصول العربية ٢ - أغلاط التعبير ٣ - الأوهام في جدة الآراء. ونحن نأتي بذكر كل طائفة على حدة لتتضح الأمور للقارئ فنقول:
٢ - أغلاط الطبع والأصول العربية
كنا نظن أن مطابع بغداد وحدها تأتينا بأعاجيب الأغلاط وما كنا نخال أن سائر المطابع تلد مثل ذلك النتاج الغريب. فان أغلاط هذا الكتاب كثيرة تعد بالعشرات وتكاد تبلغ المائة. وكان الأجدر بمتولي طبع هذا السفر الجليل أن يصونه عن مثل هذه الشوائب المخلة به. لاسيما لأنه ينتظر أن يقع في أيدي الكثيرين من علماء وجهلاء. ولهذا كان يحسن بان ينزه عن كل ما يشوه محاسنه. من
стр. 395
ذلك ما ورد في ص ١١ قوله الاحافير وهي لفظة لاحظ لها من العربية بهذا المعنى والأحسن أن يقال: الآثار المدفونة. أو المندرجات أو الرقم بضمتين جمع رقيم. لان الاحافير جمع احفار جمع حفر وهو التراب المخرج من المحفور لا غير.
وقوله ص ١٢٠ وقد تعاصر البابليون والمصريون. والأصح: وقد عاصر البابليون المصريون لان لاوجود للتفاعل في مادة ع ص ر. وقوله في تلك ص: فيها قائمة بأسماء، والأصح: قائمة أسماء، واحسن منه: ذكر أسماء وقوله: ورقة. وهي اسم بلدة قديمة في العراق. والأصح: وركاء بالكاف لا بالقاف وراءها ألف ممدودة (راجع معجم ياقوت. ومجلة المشرق ٥: ٦٧٥.
وجاء ص١٣: بغدد، والأصح بغداد، والمتحف، والأصح دار المتحف. وعثر النقابون أمس على بقايا هذه المكتبة مكتبة بين النهرين. أو على بقايا مكتبة بين النهرين هذه. أو نحو ذلك.
وورد في ص١٤: فالتمدن الإسلامي مدين لآداب اليونان في اكثر العلوم الطبيعية. فهذا تعبير إفرنجي، ولو قال: فلآداب اليونان فضل على التمدن الإسلامي في اكثر العلوم الطبيعية، لكان افصح وأحلى عبارة.
ومن هذا الباب باب الوهم قوله في ص١٥: تجد لكل أمة خصائص في شعائر ومداركها تمتاز بها عن سواها، والمطلوب في
стр. 396
هذا المقام شواعرها بدل شعائرها. وهذه غير تلك وبالعكس. وفي ص١٧ الشعر الغنائي والأصح الغنائي وفي ص٣٠ والزراقة للزرافة وفي
ص٤٠ الطياهج للطباهج والسكنجين والخلنجين في السكنجين والخلنجين والمزنجوش في المرزنجوش وفي ص٤٥: وكان الهذيليون وهم قبيلة من مضر يجعلون الحاء عيناً ويسمونها العجعجة (كذا). والأصح الفحفحة بفاءين عوض العينين. وقال: ومنها الجعجعة (كذا) في قضاعة وهي أن يجعلوا الياء المشددة جيناً (كذا) والأصح العجعجة. . . جيماً. ثم أن تقييد القول يجعل الياء المشددة جيماً هو موافق لبعض اللغويين والحق أن قلب الياء جيماً غير خاص بالياء المشددة بل بمطلق الياء. راجع التاج مادة ع ج ع ج. وقوله: الاسننطاء في لغة سعد بن بكر وهي أن يقولوا أنطى بدل أعطى. وليس هذا الكلام بصحيح وإنما الصحيح هو: أن الاستنطاء في لغة سعد بن بكر وهذيل والازد وقيس والأنصار جعل العين الساكنة نوناً إذا جاورت الطاء (لا في انطى فقط بل كلما شابه اللفظ) وما انطى إلا من باب التمثيل هنا. وان كان الاستنطاء مشتق من ذلك فهذا من باب تعميم التسمية. (راجع المزهر ١: ١٠٩).
وقوله ص٤٦: ليس في جزيرة فقط بل في كل بلد دخله الإسلام. والأصح أن يقال: ليس في الجزيرة فقط (أي في جزيرة بلاد العرب) بل. . .
стр. 397
وجاء في ص٤٨ المعائب (مهموزة) والأصح المعايب بالياء لان الياء فيها أصيلة وود فيها: لكل قوم أعجاز. وصور الهمزة فوق الألف والأصح جعلها تحت الألف لأنها مكسورة. ومثل هذين الضبطين المخطوئين شيء كثير لا يعد. ومثله قوله ص٥٢: سبق السيف العزل. والأصح العذل. وهو كثيراً ما يجعل الذال المعجمة زاء تبعا للفظ أهل الشام ومصر كما أن أهل العراق كثيراً ما يخلطون الصاد بالظاء وبالعكس كما يرى ذلك في صحفهم وكتبهم ومطبوعاتهم.
وورد في ص٦٠ والشعب في حطم. والأصح: والعشب في حطم. وفي ص٦٣ كانت بداية النظم والأفصح بداءة. وفيها: صفاء جوههم. والأصح جوهم.
وقال في ص١٢٦: إذا قالت حزام فصدقوها. فان القول ما قالت حزام. والأصح حذام بالذال المعجمة. وقال ص٦٥ فدسوا رجلا اسمه زيابة. وقد تكرر الغلط مراراً. والأصح ابن زيابة كما في الأغاني (٢١: ٩٥، ٩٦) وشرح الحماسة للتبريزي. قلنا: ونقف عند هذا الحد من نوع هذه الأغلاط لئلا نملأ عدداً من مجلتنا منها. وبهذا القدر كفاية.
(للبحث تلو)
الخستاوي والزهدي
سألنا أحدهم عن التمر المعروف اليوم عند أهل العراق
стр. 398
باسم الخستاوي، هل هذه اللفظة فصيحة وان لم تكن كذلك فما هي الكلمة التي صحفت عنها.
قلنا: الخستاوي ويلفظها العوام بضم الخاء المنقوطة وإسكان السين المهملة وفتح التاء المثناة بعدها ألف ثم واو مكسورة وفي الآخر باء مشددة هي كلمة مصحفة عن الخستواني بضم فسكون فضم ففتح إلى آخر الضبط السهل المعرفة. وقد جاء ذكر هذا التمر الصادق الحلاوة اللذيذ الطعم في كتاب احسن التقاسيم للمقدسي ص١٣٠ من الطبعة الإفرنجية قال: عبد الله: وبالبصرة من أجناس التمور تسعة وأربعون ثم عددها وذكر فيها: الخستواني وقد صحف في بعض الكتب بصورة: (خاستوي) كما جاء في كتاب خط موجود في دار المتحف البريطانية عدده ١٩٩١٣ في وجه القائمة ٤١ على ما نقله دي كويه في كتابه معجم مجموعة البلاد (ص١٧٥) إذ يقول في ما ذكره من أنواع التمور: القرش والخاستوي والمشمش. . . .) وقد ذكره نيبهر الرحالة باسم الخستاوي (في ٢: ٢١٥) بفتح الخاء وكذلك نقله دوزي في كتابه ملحق المعاجم العربية في الجزء ١ ص ٣٧١،
والظاهر أن الخستواني منسوب إلى الخستوان ومعناها الأكابر أو الأغنياء باللغة الفارسية وهي جمع خستو. وسبب تسمية هذا لنوع من التمر بهذا اللفظ هو لأن الأغنياء مولعون بأكله بخلاف الزهدي فانه لا يأكله إلا الفقراء وأهل الزهد في الدنيا ولم يرد
стр. 399
كلا اللفظيين (الخستواني والزهدي) في دواءين اللغة أن مطولة وأن مختصرة بل ورد بدلاً من الثاني الازاذ والحر وهما مرادفاه الفصيحان وما الزهدي إلا تصحيف الازاذ.
الجكير
أو الشجير أو الجقير
وسألنا آخر قال: نصارى العراق والجزيرة يستعملون لفظة الشجير ليدلوا بها على اليوم الأول من صومهم الكبير الذي لا يبتدي عندهم الأنهار الاثنين بخلاف نصارى الطائفة اللاتينية فهم لا يبتدئونه الأنهار الأربعاء الذي يتلو يوم الاثنين الشجير أو الجكير (بالكاف الفارسية في الثاني وبالجيم المصرية في الأول) فمن أين لهم هذه اللفظة وما معناها.
قلنا: الشجير لفظة ارمية الأصل وهي بلسانهم. أو ومعناها البعث والإرسال. وسبب هذه التسمية أن بطرك الطائفة كان يرسل إلى أبنائه راهباً في بدء الصوم ليبلغهم أوامره وزواجره وليعظهم في تلك الأيام وكان الأهلون يعرفون هذا الأمر فيخرجون إليه زرافات ليستقبلوه ويرحبوا به. ثم أصبحت تلك العادة سنة جروا عليها وأن انقطع عنهم رسول الإمام الأكبر لان العامة تحافظ دائماً على ما به ترويح الجسد. وأصبح ذلك اليوم عندهم يوم نزهة ولهو وقصف وكان الأجدر بهم أن يجعلوه يوم توبة وقشف.
وهذه العادة جارية في جميع البلاد التي كان فيها للبطاركة
стр. 400
الشرقيين السلطة العظمى. إلى أن أهل العراق والجزيرة حافظوا على الاسم بخلاف أهل الشام مثلاً فإنهم لم يحافظوا عليه.
ومما تقدم إيضاحه ترى مناسبة استعمال اللفظة وسبب اتخاذها للدلالة على هذا اليوم. وقدم هذه العادة في الشرق لقدم التسمية.
بغية الأنام في لغة دار الإسلام
وعدنا القراء بجمع ألفاظ عوام العراق ولا سيما أهل بغداد فها نحن ذا ننجز وعدنا مبتدئين بالحرف الأول من حروف الهجاء
(آب كشت أو آب كوشت)
كلمة فارسية معناها: ماء اللحم: هذه اللفظة شائعة ومنتشرة بين الجعفرية خاصةً. ولم ترد على لسان غيرهم. وقد اقتبسوها من العجم لكثرة مخالطتهم إياهم. أما السنيون واليهود والنصارى فيستعملون عوضها لفظة (تشريب أو تشريبة أو مشرب) وهذه الحروف الثلاثة مشتقة من شرب المضاعف العين بمعنى جعله يشرب. لأنهم يثردون الخبز في مرق اللحم فيتشرب الخبز ذلك المرق شيئاً فشيئاً.
والتشريب طعام مشهور بعرفه أهل العراق كلهم ويتخذه الخاص والعام منهم. أما كيفية تهيئته فهي أن تأخذ اللحم وتقطعه قطعاً عديدة، ثم تغسله غسلاً نعما وتلقيه في قدر فيها ماء صاف نقي.
стр. 401
وتوقد النار تحتها إلى أن يأخذ الكل بالغليان والرغو. (وهم يسمون الرغو: الزفر. والرغوة: الزفرة أو القشفة وكلاهما وزان حركة)، فإذا رغا تقشط رغوته بمعرفة كبيرة مثقبة يسمونها الكفكير وهي لفظة فارسية ويراد بها بالعربية الفصحى المطفحة والمرغاة. وهي كالقفشليل التي عربها الأقدمون بالمعنى عينه. وتحرص عند الإرتغاء أن لا تغترف المرق. ثم تجتهد أن لا ترفع النار من تحت القدر إلى أن ينضج اللحم تماماً ويكون صالحا للأكل. ثم تحضر الخبز وتثرده ونضعه في الصحفة وتذر فوقه قليلاً من الفلفل المسحون، وتقدد بصلة أو اكثر وتضعها فوق كسر الخبز، وفي الآخر تسكب عليه اللحم والمرق. والبعض يصبون عليه سمناً إذا لم يكن ماء اللحم ودكا - والتشريبة لغة في التشريب وكان يجب أن يقال تشربة بحذف الياء كما هو القياس إلا أن العوام لا تعرفه. ولأولادهم لعبة يقف واحدهم وراء صاحبه ظهرا لظهر ثم يأخذ الواحد بذراع الآخر وينحني به إلى الأرض ويفعل الثاني بالأول ما فعل الأول به وعند انحنائه يقول: (يا حمصة يا زبيبة، وقت العشا تشريبة) وهم يفعلون هذا الفعل لتقوية الظهر أو لمجرد اللهو واللعب.
والمشرب بتشديد الراء مصدر ميمي بمعنى المصدرين السابقين. وكل هذه الألفاظ الثلاثة مستعملة على السواء. وهم يميزون بينه وبين الثريد. فالثريد عندهم خبز مثرود في ماء قد
غليا معاً في قدر
стр. 402
بها قطع اللحم. وأما عند العرب الفصحاء فالثريد مشتق من ثرد الخبز: إذا فته ثم بكله بمرق ثم شرفه وسط القصعة. فهو إذا نفس المشرب أو يكاد.
وقد قيل أن هاشم بن عبد مناف أبا عبد المطلب كان اسمه عمرا وسمى هاشماً لأنه أول من هشم الثريد. فقلت فيه ابنته:
عمرو العلا هشم الثريد لقومه ... ورجال مكة مسنتون عجاف
آب نبات
لفظة مركبة من الفارسية والعربية. معناها ماء النبات. ويريدون بها أنابيب دقيقة تتخذ من سكر النبات (أي الطبرزد) وتكون بحجم الخنصر. يتخذها حمولا المصاب بالقبض أي الاستمساك أو ببعض أمراض البطن ظانا أنها تجذب الرياح الداخلية وتطردها وتزيل الادران الجسدية فيستريح. واليوم لا يستعملها من أهل العراق إلا من يجهل أدوية الطب الجديد. والكلمة التي استعملها المولدون من العرب بهذا المعنى هي (الحمول) بفتح وضم. وأن أريد التدقيق قيل: الحمول السكري.
آبونة
كلمة فرنسية الأصل وقد أخذها العراقيون المحدثون عن الترك. ويراد بها الاشتراك في جريدة أو مجلة.
آبيل
كلمة عبرية معناها: الحزن والكآبة ويجمعونها على (آبيليم) ويستعملها يهود العراق في مخاطباتهم ولا يعرفها غيرهم. ويريدون بها مجرد
стр. 403
الدعاء بالشر على من يخالفهم وذلك من باب التوسيع وقد يستعملونها على سبيل المزاح مع أصحابهم وأخدانهم. فيقولون مثلا: آبيل عليك، أو برأسك، أو بمخك أو نحو ذلك.
آجغ (بالجيم الفارسية المضمومة)
كلمة محرفة عن آجيق (بالجيم الفارسية) أو آجق (بحذف الياء) ومعناها المكشوف والواضح والظاهر ومن الألوان الواضح البين الغير المشبع وهو الرائق أيضاً. وعوام العراق تستعمل هذه اللفظة بجميع معانيها التركية فيقولون مثلا: هذا البيت آجغ أي غير
مستور وهذا اللون آجغ أي غير مشبع ورائق وهذا اللون آجغ أو أاجغ من هذا (هكذا بهمزتين) أي أوضح منه. ويقولون: هذا الرجل بقى آجغ أي بدون شغل وقد خرج من خدمته. ويقولون: في المحل الفلاني موضع آجغ أي انه موضع فارغ يحتاج إلى شخص ليشتغل فيه أو يملأ فراغه.
آجي (بالجيم الفارسية المشددة المكسورة)
كلمة تركية الأصل وهي محرفة عن اشجي ومعناها الطباخ والظاهي والعجاهن. وأهل الشام يقولون: العشي بتشديد الشين والياء ويظن بعضهم أن اللفظة مشتقة من العشاء وهو خطأ ولو كان كذلك لقيل المعشي المشددة العين. هذا فضلاً عما هناك من التكلف في المعنى.
آخ (بمد الهمزة وإسكان الخاء)
كلمة هي حكاية صوت المتألم أو المتضجر. والعوام يمدونها والفصحاء يقولون أخ بهمزة غير ممدودة يليها خاء موحدة
стр. 404
فوقية مشددة. قال في التاج: أخ كلمة تكره وتوجع وتأوه من غيظ أو حزن. قال ابن دريد: واحسبها محدثة. قلنا ليست اللفظة محدثة بل حكاية صوت المتألم ومن ثم هي قديمة. ويقول العوام: أخ بطني، أخ ظهري، إذا رأوا الاخوة أو الأقارب أو الأصحاب يتضاربون ويتنازعون ليس في الإمكان المدافعة عن الواحد دون الآخر إذ جميع الأقارب هم أعزاء لأنهم أخطاء جسد واحد أدبي هو الأسرة أو العشيرة.
آخور
فارسية تركية معناها: الاصطبل والمربط. والعامة تستعملها بمعنى مربط الدواب وبمعنى البيت القديم البناء الضيق الفناء العميق الأرض الكثير الرطوبة المظلم المساكن القليل النوافذ الفاسد الهواء الذي لا يصلح للإقامة ولا للسكنى. وذلك لما بين مثل هذه الدور ومرابط الخيل من المشابهة. ويجمعونها على أواخير وقليل منهم يجمعونها على آخورات
وقد جاءت هذه اللفظة (بمعنى المربط) متشابهة في عدة لغات كالتركية والفارسية والكردية والأرمنية والسريانية والهندية والروسية أو الفرنسية والإيطالية واللاتينية المولدة والألمانية القديمة العالية إلى آخر تلك اللغات المتناسبة الأصل.
رزوق عيسى
стр. 405
باب المشارفة والانتقاد
١ - الفوز بالمراد في تاريخ بغداد
الكتب التي يرى فيها تاريخ بغداد الحديث قليلة واغلبها لا تزال في بيوت الخواص لم تظهر إلى عالم الطبع. ثم أن هذه المؤلفات تبحث عن عصر من عصور بغداد أو عن جملة من سنيه، وخلاصة القول انك لا ترى كتاباً مطبوعاً جامعاً لتاريخ بغداد من عهد سقوطها على يد هولاكو إلى يومنا هذا، فأراد (ساتسنا) أن يضع على طرف الثمام هذه الحاجة فاخذ بإنشاء سفر يحقق هذه الأمنية وينشره في جريدة الرياض البغدادية وبعد أن تم جزء منه نشره على نفقته صاحب الرياض، إلا انه وقع فيه من أغلاط الطبع ما ينفر القارئ عن مطالعته من ذلك ما ورد في ص٢: تسيبر (والصحيح تسيير)، الداويدار (الدوايدر)، محى الدين (محيى الدين)
طيب قلبه (وطيب قلبه) إلى آخر ما صحف وحرف ومسخ ونسخ لا سيما في الاعلام، مع انه يجب العناية بكل العناية في ضبط الإعلام وبالأخص القليلة الورود على الألسنة. لكن كيف العمل وقد قضى على بغداد أن تتأخر عن سائر بلاد الله حتى في مطابعها، فعسى أن يقوم أحد أصحاب الغيرة على وطنه يصلح هذا الخلل بجلب مطبعة تفي بالمرام، وليس هذا بعسر على أبناء الكرام.
٢ - كتاب قرة العين، في تاريخ الجزيرة والعراق والنهرين.
(تأليف محمد رشيد ابن العالم العامل المرحوم السيد داود ابن
стр. 406
الورع الزاهد السيد سعدي طاب ثراهما، آمين طبع على نفقة مطبعة الرشيد، حقوق الطبع محفوظة للمطبعة. مطبعة الرشيد بشارع بابلاتنك رود ببومبي سنة ١٣٢٥ هجرية.) في ١٢٨ صفحة من قطع الثمن.
هذا عنوان أطول من يوم الصوم لكتاب صغير لا يخلو من فائدة. والكتاب يحتاج تقسيم منظم يقرب فهم الفصول وهو كثير أغلاط التعبير والطبع كقوله في ص ٦ والأزهار البديعة الألوان. . . التي لم يحتوي عليها (كذا) علم النباتات تزيد العيون نظرة (؟) وتفيدها خظرة (كذا)!!! وفرجة (!!!). . . ومزيداً على هذا فإن لأنهارها منظر عجيب (كذا) ومخبر عريب (كذا) مع ما يوجد فيها وفيما حولها من الأدوية النباتية (كذا).
فاحكم أنت بعد هذا عن احتياج الكتاب إلى تهذيب أم لا وقل كيف جاز للمؤلف أن ينشره
بهذه العبارة الركيكة ولهذا فالأمل انه يصلح في طبعة ثانية وتقرب فوائده من المطالع.
٣ - خليل الخوري
هو عنوان كتاب عنيت بطبعه ونشره حديقة الأخبار وما احسن ما قالت عن نفسها في صدر الكتاب: باغتت (الملية) نافح ازهاري، ومطلع ثماري، المغفور له المرحوم خليل الخوري، مؤسس الصحافة السورية، نائل أول رخصة سنية صدرت بإنشاء جريدة في السلطنة، شاعر الدولة، مدير الأمور الأجنبية سابقاً في ولاية سورية، صاحب زهر الربى
стр. 407
والعصر الجديد، والسمير الأمين، والشاديات، والنفحات، والخليل، وناظم الكواكب العثمانية، في تاريخ الدولة العلية،
والكتاب مصدر برسم الفقيد وقع في ٢٠٨ صفحات من قطع الثمن. قد جمع فيه كل ما يتعلق به من ترجمة وتأليف وأقوال الصحف والمجلات في خطب وفاته. ولا يشين هذا السفر الحسن إلا أمر واحد وهو سوء الكاغد النسي طبع عليه، فكان يليق بإدارة الجريدة أن غير اهـ احسن الورق إقراراً بفضل الفقيد ﵀.
٤ - شجرة الرياض، في مدح النبي الفياض
(من نظم عبيد الله المنتجي إليه: محمد ابن الشيخ طاهر السماوي طبعت على نفقة الشيخ احمد آل عبد الرسول لتكون هدية لمن له انس بالشعر من جميع المسلمين. طبعت في مطبعة الآداب سنة ١٣٣٠) في ٦٠ صفحة بقطع الثمن.
قال الناظم بعد الحمد له: (نظمت قبلاً قصيدة في قصيدة في بحر السريع مشجرة الأوائل بحروف المعجم، خدمت بها أعتاب حضرة النبي الأعظم، ﷺ ، فحداني داعي التوفيق، على أن أتمها بذلك الطريق، روضة مشجرة، واخدم بها تلك الحضرة النظرة (النضرة)، فهاكها شجرة الرياض، في مدح النبي الفياض،. . .
والكتاب حسن الطبع جيد الورق لكنه لا يخلو من أغلاط الطبع كما جاء في ص٧: فاستوسق والصحيح فاستوثق وفي ص٨: وهاث، والصحيح وهات، وفيها أيضاً: يدعوا والصحيح يدعو
وفي ص٩: الغوات والصحيح الغواة، وفيها: أحياءاً والصحيح
стр. 408
أحياء، وفيها العتات،
والصحيح العتاة. وفي ص١٠ ماثر والصحيح موثر. وفيها: مازر والصحيح مازر. وفيها: للمهظوم والصحيح للمهضوم، وفي ص١١: السمحاء والأصح السمحة وحينئذ ينكسر البيت. وقس على ذلك إلى آخر الكتاب. وهو مما يشوه محاسنه فعسى أن تكون الطبعة الثانية خالية من هذه الشوائب.
٥ - الحاجيات والكماليات وفي أي منها نحن الآن
خطية تلاها الدكتور كامل سليمان الخوري عيسى في نادي الحرية في حمص في ٢٤ ت اغ سنة ١٩٠٨ ثمن النسخة منها ٣٠ بارة. طبعت في مطبعة التوفيق لنسيب أفندي صبر في بيروت. عدد صفحاتها ٢٢.
وهي خطبة حسنة إبان فيها صاحبها وجوب الابيداء بإصلاح ولا سيما بإصلاح الزراعة، والصناعة، والعلوم، والآداب وقد صدق في كلامه وأجاد في إظهار الأدلة المقنعة. حقق الله الأماني.
تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره
ابن الرشيد والضفير
أخبرت الرياض أن حضرة الأمير ابن الرشيد قد اقبل بخيله ورجله فنزل على (أبي غار) من ديار المنتفق. والغاية من هبوطه تلك الأرجاء تأديب عشيرة إعراب الضفير لإصرارها على قطع الطرق ونهب القوابل وهضم حقوق المنتفق وشق عصا الطاعة، على أن الأمير يعدل عن الإيقاع بهم إذا ارعوا عن ضلالهم، هداهم الله إلى الصراط المستقيم
(طبعت بمطبعة دنكور - بغداد)
стр. 409
العدد ١١
نظر
تاريخ لغوي انتقادي
بعث إلينا حضرة الكاتب اللوذعي، والشاب الألمعي، يوسف أفندي يعقوب مسيح بهذه المقالة التي جمعت فأوعت، وزفها إلى القراء بحلة وشاها قلمه البليغ، ودبجتها براعته الحسناء، فنوجه إليها الأنظار ونستوقف على أفنانها أطيار الأفكار
(لغة العرب)
إن من اطلع على شئٍ من تاريخ الثوائر المدلهمة التي ثار ثائرها على
стр. 410
الأمة العربية في اعصر حضارتها المدرسة وما إدراكها إذ ذاك من توالي غارات الأقدار ودواعي الدمار التي أفضت بفخامة ملكها ومدنيتها إلى مهاوي الذل والبوار إلى آخر ما طرأ عليها من الاستسلام إلى أحكام الجهل الذي مد رواقه وضرب إطنابه ما بينها يرى انه لم يبق لها من أعلام مجدها وسالف فخرها إلا هذه اللغة التي لا تكاد تضاهيها في الاتساع أي لغة كانت لما خصت به من المزية التي عز أن توجد في غيرها حتى تجاوب صداها بين مشارق الأرض ومغاربها مما لا يسعنا استيفاء ذلك في هذا المقال
ومعلوم أن اللغة إنما تقوم بالذين ينطقون بها وتثبت بثباتهم ومن تدبر ما أشرنا إليه من انفصام عروة حضارة الأمة العربية وتخلفها في حلبة تنازع البقاء تخلص إلى ما لحق باللغة من عوامل الفناء التي دكت حصون ما كتب المتقدمون من مبتكرات الفرائح وطمست الألوف المؤلفة التي لا يأخذها الحصر من أسفار العلوم الجلائل أن كان بالإحراق كما وقع بمكاتب بغداد وفارس والإسكندرية والأندلس وغيرها أو بالاجتياح والنهب والإغراق في لجج لا يعرف لها درك ولا ساحل
стр. 411
بحيث لم يبق منها إلا الشيء النزر مما لا يتجاوز في الغالب علوم الدين ومما يتصل بها وإما ما سوى ذلك فلا يرى اليوم إلا في مكاتب الأعاجم وأكثره ابتيع من أيدينا وصار من مودعات الخزائن وبعضه قويض بكتب الخرافات والمجون وما يقابلها فأصبح في جملة الدفائن.
غير انه مهما يكن من أمر هذه الرزايا التي حلت بالأمة العربية فلو أنها بقيت ثابتة ومجدة في أشواط سلفها من الاشتغال بأسباب العلم ولاسيما في ما يتعلق منه بمسائل اللغة لأحيت من آثار أساطينها ما خففت به اليوم عن كتبتها ما يلاقونه من العي في التعبير لقعود اللغة
عن معايشتهم إلى مجاراة العصر الحاضر بالتأدية والتحبير بل لو اقتفت آثار الألوف من أولئك الدارسين والمصنفين ممن ضربوا في مناكب الأرض بحثا عما خبأته ذراتها من العناصر وما اشتملت عليه من المعادن والجواهر فوضعوا لها المسميات ونفضوا آفاق السماء تطلعاً إلى حقائق كواكبها وحركاتها فضبطوا ما اشتقوا لها من المصطلحات لخدمت العلم واللغة خدمةً لا يمحى ذكرها على تراخي الإعصار ولا تنقرض إلا بانقراض القرون والأجيال بل لو أنها تفانت في الحرص
стр. 412
على ما كان بينهما من استتباب الصلة الاجتماعية وتوحيد الكلمة القومية غير منصرفة إلى ما من شأنه إطفاء شعلة الآداب فيها وضرب الحواجز في سبيل نمو مداركها لنجت من تأثير عوامل الفاتحين لبلادها واستئثارهم بخصائصها الحسية والمعنوية التي أصبحت أثراً بعد عين كما ثبت الأمر لكل ذي عينين بل لصانت لغتها التي هي افصح ما اختلج به لسان واستدركت ما طرأ عليها من ألفاظ العجمية التي فشت في جميع البلدان إلى حد لم يكن يرى له مثيل في شيءٍ من لغات بني الإنسان غير أن الأمة تسربت من جوانب هذه الخطط الأدبية تسرب الماء من الإناء المثلم ونزعت عن هذه المناحي التي هي عنوان منزلة الشعوب الراقية إلى ما لا يعرف له منحى من غابر خمولها وتخاذلها حتى اختلط حابلها بنابلها فاستسلمت للقضاء المبرم الذي قذف بها وبعلومها ولغتها من أسمى ذرى الجلالة والعلاء إلى فيافي الضلالة والبلاء وسجل التاريخ في صحيفته البيضاء هذه الرزايا الدهماء وقامت لها قيامة الخطباء والشعراء وعلا من فوق المنابر ضجيج أصواتهم قياماً بواجب تأبين أمةٍ كانت دولة علومها رفيعة العماد فسيحة الظلال ورنت
стр. 413
المحافل بصدى الراثين للغتها التي فجعت بفجوع المتكلمين بها حتى بلغ أنين رثائهم عنان السماء.
ومذ ذاك العهد سقطت هذه اللغة الشريفة من عالم الأقلام وفسدت بفساد ألسنة الأعقاب فاتشحت عليها بالحداد أنديتها بل تحطمت أقفرت أوديتها وطال بها عهد السكون في عالم الدثور عدةً من القرون دون أن تجد من خلف أولئك الذين طالما حملوا منارها وبثوا أشعتها من اخطر للنظر فيها فكراً ولا أجرى لأمر بعثها ذكراً فكان أبواب الأبدية أوصدت في وجها لذنبٍ فاضحٍ اقترفته حتى حق عليها مثل هذا المنفى المفرط.
وقد توالت بعد ذلك الأحقاب والعصور واللغة لم تزل متسكعة في ديجور القبور إلى أن
مست الضرورة إلى تدارك هذه الحال فمن الله على العربية في النصف الأخير من القرن التاسع عشر ببضعة رجال هم على الحقيقة أولو عزم وحزم بل فحول من فحول بر الشام ومصر إلا وهم الشيخ ناصيف اليازجي. المعلم بطرس البستاني. الدكتور كرنيليوس فانديك. احمد فارس الشدياق. رفاعة بك الطهطاوي.
стр. 414
عبد الهادي نجا الابياري. فيحق لهؤلاء الزعماء الأماثل أن تدون أسماؤهم بمحلول من التبر في صفحات التاريخ إجلالا لقدرهم بل أحر بهم أن تقام الأنصاب لعلماء مثلهم تخليداً لذكرهم فانهم ﵏ لما عاينوا أن اللغة العربية في غمراتٍ هي بالموت أشبه منه بالرقاد شدوا لها مئزر الإخلاص واندفعوا بفواعل قلما يحلم الدهر بمثلها إلى إنهاضها من رمسها وأحياء ما درس من معالمها فعطفوا على التأليف السديدة المنهج من علومها وآدابها بما تقصر بجانبها التأليف العصرية مما في بابها لأنهم استقصوا أطرافها وأحاطوا بأصولها وفروعها فجاءت آيةٍ في البراعة والبيان. ثم تناولوا بعد التحري والتنقيب طائفة من انفس ما وصل إليهم من كتب ورسائل المتقدمين من فحول علماء الأدب ممن أبدعوا في صناعتي النثر والنظم وأجادوا فوقفوا على بعضها ونزهوها عن شوائب اللبس والتحريف اللاحقة بها من قبل النساخ حتى أعادوا إلى مطرد انسجامها وذيلوا بعضها برخيم الحواشي فاستبطنوا دقائق أغراضها ومكنون فرائدها وعلقوا التفاسير على مغلق ألفاظها حتى برزت كالصبح وضوحاً وجلاءً. وإذ لم يقضوا نهمتهم من تمثيلها
стр. 415
أذاعتها بين ظهراني الأمة تصدوا لتدريسها بأنفسهم لطلبة العلم من تلامذة المدارس فلقنوهم إياها أجزاءً وقربوا مداركهم من استيعابها فاستضاءت بصائرهم بنبراسها وتأدب عليهم كثير من نوابغ العصر وجلة الكتبة ممن أزهرت بهم تلك الثغور وابتسمت وحفلت بمطابعها ومكاتبها وانتشرت.
غير انك لا تجدهم قد اقتصروا على هذا القدر من الاشتغال بأسباب العلوم وفنون الآداب العربية بل انهم عمدوا إلى إنشاء الصحف والمجلات التي كانت من أعون الذرائع الموصلة إلى سرعة انتشارها بين طبقات الناس فأيقظت الهمم من غفلتها وهبت بالفطن من ضجعتها وتهافت القوم على تلاوتها ومطالعتها. ولم تكد ترى أولئك الأسود الأفاضل زعماء هذه النهضة العلمية والحركة الفكرية دائبين في مزاولة هذه الوجهة الأدبية شاحذين لها العزائم الماضية مستنزفين أيامهم في توطيد شانها دون أن يكترثوا بما طوروا من
مراحل الحياة وما انتهوا منها حتى زفوا إليها من أشبالهم وذوي قرباهم أن ممن وردوا شرعتهم واقتبسوا من علومهم وان من أولئك المجيدين في
стр. 416
صناعة الأدب من خريجي المدارس الآخر التي كثرت في عهد هذه النهضة العلمية واتسع نطاقها ما يدعو إلى التنويه بذكرهم والإشادة ببيض أياديهم.
فمن لنا بإمام من أئمة علماء هذا العصر تنقاد لبادرته دقائق الوصف لنشد إليه الرحال فيميط لنا اللثام عما أوتيه الشيخ إبراهيم ابن الشيخ ناصيف اليازجي من التفوق بل التناهي في إبداع أساليب الكلام والغوص على درر المعاني التي مثلها للأبصار تمثيلاً تفرد به عن الأشباه والنظراء بل مصاقع الخطباء ومتفنني الشعراء حتى نكب به عن طريق أبي تمام فانتهت إليه عن استحقاقٍ تام الرئاسة بين حملة العلم والأقلام. إنما ما لنا والضرب في مثل هذه البيداء وتحمل مشاق التكليف للبلوغ إلى من أوتى فصل الخطاب وهاهو ذا بين أظهرنا من تأليفه في فنون اللغة والآداب ما تكاد تحتجب بازائها الأنوار والأضواء والبيان والضياء التي دوى صدى شهرتها في كل قطر وناد ما تقف دون مجاراتها سوابق أفكار المبرزين في علم الإنشاء وكيف
стр. 417
لا وقد نهج من طريق الكتابة في ابرز المبتكرات ما كشف لنا النقاب عن مخدرات الأفكار واحدث من مذاهب التلاعب في قوالب اللفظ ما يحمل المطالع إلى التصور أن ذهنه عالم الصنع والإبداع. على انه أن وجد من يرتاب في مثل هذه المقررات البديهيات فما عليه إلا أن يسرح رائد الطرف فيما كتب فيها من مواضيعه المستفيضة المترامية الأغراض الجامعة لأصول العلم وفروعه المعنونة باللغة والعصر المجاز لغة الجرائد، أغلاط العرب، أغلاط المولدين، أغلاط لسان العرب، الشعر التعريب، وغير ذلك من المواضيع الجليلة في انتقاد ذخائر المتقدمين وتذليل بعضها فيجد هنالك من الإحاطة بأسرار اللغة وآدابها وسبر غور حالاتها وأطوارها ما لم يباره مبارٍ فيها بل إذا استقرينا ما جاء بين تضاعيف تلك المواضيع مما كتب من المقالات المحيرة في القمر والزهرة والمشتري نراه قد نهج فيها من جديد الوصف بل غرر البدائع ورشيق الاستعارات وضروب المجاز والكنايات التي لم يسبقه إليها سابق ما حق له أن يلفظ بقطب أفلاكها دون أن ينازعه فيه منازع وعلى الإجمال فانه أثابه الله أقام نفسه ترساً منيعاً وقى
стр. 418
به اللغة وفنونها من هجوم الأقلام المعتسفة فأفنى حياته في خدمتها وجدد من رسوم
فصاحتها وبلاغتها ما يكاد يسترد لها سابق أبهتها ورفيع شرفها.
ولما كان القيام باستيفاء الكلام عن جميع نصراء علوم العربية من العلماء الأفاضل والكتاب القرح الأماثل الذين رفعوا بتأليفهم ومنشوراتهم منار الفصاحة النعمانية وشيدوا الصروح الفخيمة للبلاغة المقفعية مما لا يضطلع بأعبائه وصف واصف فضلاً عن انه يتجاوز نطاق هذا الموقف لم تجد بداً من الإضراب عن الخوض في مثل هذا العباب الواسع الاكناف والاكتفاء بالإشارة إلى ذكر بعضهم على قدر ما تعين عليه الحافظة. ولكننا نستطرد في هذا المقام إلى أيراد أولئك الأفاضل الذين قد تقطعت أوتار أقلامهم على اثر إجابتهم إلى دعوة ربهم وهم محمد عبده، نجيب الحداد، إبراهيم المويلحي، الدكتور بشارة زلزل، الشيخ خليل اليازجي عبد الرحمن الكواكبي الشيخ محمد محمود الشنقيطي بطرس كرامة أديب بك، اسحق نصر الهوريني رشيد الشرتوني وسواهم ممن طوتهم الأيام
стр. 419
ولكن نفثات أقلامهم باقية على توالي الأعوام سقى الله يصيب الرحمة تربتهم واجزل في دار النعيم ثوابهم.
وأما الجهابذة الذين ما فتئوا حتى الآن متفانين في نصرة اللغة عاقدين الخناصر على الدفاع عن حياض علومها فهم سليمان البستاني، نجيب البستاني، نسيب البستاني، الأب شيخو اليسوعي، سليم بك عنجوري، سعيد الخوري الشرتوني، احمد زكي باشا قسطاكي بك الحمصي، ولي الدين يكن، الدكتور شلبي شميل، خليل المطران، حافظ إبراهيم، احمد شوقي، نقولا الحداد، جماعة من بيت المعلوف مصطفى صادق الرافعي، يوسف جرجس زخم، توفيق اليازجي، خليل سركيس، مجلة المقتطف، مجلة الهلال، مجلة المقتبس (الخ). وعلى أثرهم نذكر أيضاً الأعلام الذين نبغوا في بغداد من القرن الغابر وهم السيد محمود الالوسي، عبد الباقي العمري الأخرس وأما العالمان الفاضلان اللذان تثني بهما الأصابع، في هذا العصر اللامع، فهما الشيخ محمود شكري اللالوسي وجميل صدقي الزهاوي من قد استصبح أدباء العراق ببدر علمهما في المعضلات اللغوية وضربت إليهما
стр. 420
أكباد الإبل في المشكلات العقلية والنقلية بل طالما رن في الخافقين صدى تأليفهما فانبثقت أنوار العرفان من سماء محرابهما.
فهؤلاء الأفاضل وكثيرون غيرهم خواص أهل الأدب قد أذابوا أدمغتهم ولضنوا أجسادهم بل ضحوا حياتهم في أحياء رسوم اللغة وجمع شتيتها فأدركوا من علومها حظاً وسيعاً
وبلغوا من القبض على أعناق المعاني فسخروها تسخيراً تأتي لهم معه أن يطرسوا عل آثار السلف من واضعي هذه اللغة وعلى الجملة فانهم أغاروا على حصون أسرها وما لبثوا أن نسفوها نسفاً أهلهم من أن يظهروها بما انتهت إليه اليوم من مظاهر الحسن والجمال بل العز والكمال وهو السر في سرعة نموها وبلوغها إلى هذا الحد العجيب.
إلا انك مع ما ترى من انتعاش اللغة من كبوتها وإحياء ما اندرس من آثارها حتى بلغت آلة مثل هذا الطور طور ترعرها وريعان شبابها تجد من حين إلى آخر آراء لبعضهم في استبدالها وتنكرها مبسوطةً على صفحات الصحائف معززة بمقدمات ونتائج لم يكد يتناولها القلم والبرهان حتى يزيفها تزييفاً يلحقها بخبر كان ولعمر الحق
стр. 421
ما ندري ما الدواعي الباعثة إلى محاولة اقتحام مثل هذه العقبات المودية بشرف اللغة وطلاوة أسفارها إلى أحط الدركات ولقد طالما عرضت ضروب شتى من مثل هذه الاقتراحات وحيث إنها لم تلاق اكتراثاً ممن يعول عليهم في علوم اللغة طويت طيا بل لما انتبر اللغويون وتناصروا على دحضها بالحجج القواطع دحروها دحراً ولكنهم مع ما اثبتوا في أشهر الصحف البلاد التي هي مستودع ذخائر العلم والعلماء من وجوب التجافي عن مثل هذه الآراء والتنصل مما فيه تبخيس أو مساس باللغة فقد استأنف بعضهم هذه الكرة وعرض على أرباب العلم ما عن له من الرأي في تدوين جميع كلم البلاد العامة وان يعولوا فيها على تثبيت ما هو قريب من اللغة الفصحى ويعرضوا عن الأوضاع العامية والدخيلة القحة حتى إذا ألحقت بأصل اللغة واعتمدها جميع أهل الصحف ومؤافي الكتب حملوا قرائح العامة على فهمها وتقليدها فتغرب إذ ذاك شمس اللغة العامية بازائها ويسود تكلم الخاصة والعامة بها.
ولا يخفى أن الاضطلاع بجمع لغة البلاد العامية عقبة تكاد لا
стр. 422
تظفر بها أمنية بل أحر به كمن يطلب أمراً لا تبلغ إليه همة قصية لما انه من الأعمال التي لا يقوم بأعبائها إلا العدد العديد في الزمن المديد من الكتبة المحققين والأفاضل المدققين مع ما يستلزم من تفرغهم للاشتغال به دون سواه بحيث ربما يستغرق هذا العمل جيلا برمته ولم يفوزوا بنهايته وحسبنا برهاناً على هذا ما ورد عن المستشرق النحرير دوزي من مقال له في هذا المعنى ما تعريبه (. . فمن الواجب إذا إنشاء معجم للغةٍ غير فصيحة لكن اللغة العربية وآدابها غنية حتى انه يجب أعوام بل عصور تمضي قبل أن يشرع بمثل هذا المشروع وقد قال
لاين اللغوي الإنكليزي من الجهابذة لا يؤلف إلا ويقوم له جماعة عظيمة من علماء مبرزين مبثوثين في عدة مدن من ديار الإفرنج وتحت أيديهم مكاتب حافلة بكتب خط عربية ومنهم جماعة منتشرة في بلدان آسيا وأفريقية
стр. 423
شانهم شان أولئك المذكورين فيجمع جانب من اللغة من الكتب المخطوطة والجانب الآخر من أفواه الإعراب وان يتضافر لهذا المشروع علماء عارفون بعلوم المسلمين).
ثم على تسليمٍ أن استجماع مثل هذه المؤن والمهام ليس مما يحول دونه تعذر وعناء غير انه والحالة هذه مما يقتضي نفقات طائلة ذات موارد غير منقطعة فكيف يتسنى لمن يقومون بهذه الأعمال أن يأتوا بمثل هذا المال؟ وأين الرجال من أرباب الغنى واليسار من تستفزهم النخوة العربية وتستمطر برهم الغيرة على الآداب اللغوية فيدرون عليها من فيض نعمهم السنية؟ بل أين يا ترى من شكا من اللغة عجزاً أو تقصيراً بما يستطير الخواطر للأخذ بأسباب الولوج في مثل هذه الأبواب ومعاناة اقتحام هذه الأمور الصعاب؟ ولكن هي اللغة التي طالما وصفها الواصفون من جلة العلماء الناطقين بها ومشاهير المستشرقين من الدخلاء فيها بأنها اغزر الألسنة مادة وأوسعها تعبيراً وأبعدها للأغراض متناولاً وأطوعها للمعاني تصويراً وكفى الناظر أن يجيل طرفه بين ألواح معجماتها فانه يجد هنالك ما يغنيه
стр. 424
عن إفسادها بإدخال الألفاظ المتداولة فيها لما عنده من وفرة الكلم ومرادفاتها ما لو شاء أن يضع عدة طبقات متفاوتة المراتب من محض اللغة الفصحى مركبةً من انس الألفاظ وأسلسها لما وجد من ذلك ما هو أدنى إليه منالا وأطوع له انقياداً ومما لا يجد له مثيلاً في شيءٍ من هذا بين جميع اللغات المنتشرة على ألسنة البلاد.
اجل لا ننكر وجود لغةٍ صدعت في وضعها رؤوس أربابها لما بالغوا في نسجها من أوابد يعسر جمعها على العوام والخواص وفرائد غالية لكنها أشبه بدرر الغواص مما لا تخرق معانيها حس العامي فيقف بازائها قاصراً عن فهمها إلا أن مثل هذه اللغة قد أهملت من عهد عهيد ولم نجد لاستعمالها ظلا فيما بين أيدينا من التأليف الحديثة والكتابات المتداولة على ألسنة أرقى الصحف والمجلات التي أصبحت لغتها عذبة المورد خفيفة المحمل على سمع العامي وفهمه مما لو تسنى له استخدامها في معاملاته ومحادثاته لأنتسخت بازائها لغته الساقطة المبتذلة التي يمجها الذوق وينفر منها الطبع.
ولذا فإذا ثبت ذلك تبين أن الداء الذي أريد علاجه لاستئصال
стр. 425
شافة اللغة العامة ليس من الأدواء التي ينجع فيها اقتباس ألفاظٍ من أوضاعها وإلحاقها بأصل اللغة الفصحى فهذا الضرب من العلاج مما يشوه وجه الجمال وينكر أسلوب وضعها بل يزيد اخرق بذلك اتساعاً والطينة بلةً وقد سبق أولئك النوابغ من كتبة العصر الذين أشرنا إليهم واغنوا بسعة علمهم وفرط اطلاعهم وتنقيبهم جميع المتشوقين إلى الخوض في مثل هذا العباب وكفوهم مؤونة التطرق إلى مثل هذه الأبواب إنما علاجه اتخاذ لغة هؤلاء الأفاضل مناراً عالياً نقتفي به آثارهم وأستاذاً هادياً يؤهلنا من النسج فيه على منوالهم والإجماع على إدخالها مدارس الفتيان والفتيات كلها جمعاء بل مدارس الحكومة نفسها وان تعمم المكاتب في جميع أنحائها وتحمل الأمة قسراً على الانضمام إليها ولا يستثنى منها ذليل ساقط ولا ضئيل لاقط حتى إذا احكم أصول تلقين هذه اللغة وبثت أشعتها في فضاء الإفهام لا تلبث أن تبلغ منها على طرف الثمام فتسقط إذ ذاك اللغة العامية من عالم اللسان وتلحق بما سبقها من لغات القرون الخوالي.
ولقد كنا وقفنا على شيء مما تنبهت إليه الخواطر من هذا القبيل
следующие страницы →