Полный текст (6 158 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
ما ندري ما الدواعي الباعثة إلى محاولة اقتحام مثل هذه العقبات المودية بشرف اللغة وطلاوة أسفارها إلى أحط الدركات ولقد طالما عرضت ضروب شتى من مثل هذه الاقتراحات وحيث إنها لم تلاق اكتراثاً ممن يعول عليهم في علوم اللغة طويت طيا بل لما انتبر اللغويون وتناصروا على دحضها بالحجج القواطع دحروها دحراً ولكنهم مع ما اثبتوا في أشهر الصحف البلاد التي هي مستودع ذخائر العلم والعلماء من وجوب التجافي عن مثل هذه الآراء والتنصل مما فيه تبخيس أو مساس باللغة فقد استأنف بعضهم هذه الكرة وعرض على أرباب العلم ما عن له من الرأي في تدوين جميع كلم البلاد العامة وان يعولوا فيها على تثبيت ما هو قريب من اللغة الفصحى ويعرضوا عن الأوضاع العامية والدخيلة القحة حتى إذا ألحقت بأصل اللغة واعتمدها جميع أهل الصحف ومؤافي الكتب حملوا قرائح العامة على فهمها وتقليدها فتغرب إذ ذاك شمس اللغة العامية بازائها ويسود تكلم الخاصة والعامة بها.
ولا يخفى أن الاضطلاع بجمع لغة البلاد العامية عقبة تكاد لا
стр. 422
تظفر بها أمنية بل أحر به كمن يطلب أمراً لا تبلغ إليه همة قصية لما انه من الأعمال التي لا يقوم بأعبائها إلا العدد العديد في الزمن المديد من الكتبة المحققين والأفاضل المدققين مع ما يستلزم من تفرغهم للاشتغال به دون سواه بحيث ربما يستغرق هذا العمل جيلا برمته ولم يفوزوا بنهايته وحسبنا برهاناً على هذا ما ورد عن المستشرق النحرير دوزي من مقال له في هذا المعنى ما تعريبه (. . فمن الواجب إذا إنشاء معجم للغةٍ غير فصيحة لكن اللغة العربية وآدابها غنية حتى انه يجب أعوام بل عصور تمضي قبل أن يشرع بمثل هذا المشروع وقد قال
لاين اللغوي الإنكليزي من الجهابذة لا يؤلف إلا ويقوم له جماعة عظيمة من علماء مبرزين مبثوثين في عدة مدن من ديار الإفرنج وتحت أيديهم مكاتب حافلة بكتب خط عربية ومنهم جماعة منتشرة في بلدان آسيا وأفريقية
стр. 423
شانهم شان أولئك المذكورين فيجمع جانب من اللغة من الكتب المخطوطة والجانب الآخر من أفواه الإعراب وان يتضافر لهذا المشروع علماء عارفون بعلوم المسلمين).
ثم على تسليمٍ أن استجماع مثل هذه المؤن والمهام ليس مما يحول دونه تعذر وعناء غير انه والحالة هذه مما يقتضي نفقات طائلة ذات موارد غير منقطعة فكيف يتسنى لمن يقومون بهذه الأعمال أن يأتوا بمثل هذا المال؟ وأين الرجال من أرباب الغنى واليسار من تستفزهم النخوة العربية وتستمطر برهم الغيرة على الآداب اللغوية فيدرون عليها من فيض نعمهم السنية؟ بل أين يا ترى من شكا من اللغة عجزاً أو تقصيراً بما يستطير الخواطر للأخذ بأسباب الولوج في مثل هذه الأبواب ومعاناة اقتحام هذه الأمور الصعاب؟ ولكن هي اللغة التي طالما وصفها الواصفون من جلة العلماء الناطقين بها ومشاهير المستشرقين من الدخلاء فيها بأنها اغزر الألسنة مادة وأوسعها تعبيراً وأبعدها للأغراض متناولاً وأطوعها للمعاني تصويراً وكفى الناظر أن يجيل طرفه بين ألواح معجماتها فانه يجد هنالك ما يغنيه
стр. 424
عن إفسادها بإدخال الألفاظ المتداولة فيها لما عنده من وفرة الكلم ومرادفاتها ما لو شاء أن يضع عدة طبقات متفاوتة المراتب من محض اللغة الفصحى مركبةً من انس الألفاظ وأسلسها لما وجد من ذلك ما هو أدنى إليه منالا وأطوع له انقياداً ومما لا يجد له مثيلاً في شيءٍ من هذا بين جميع اللغات المنتشرة على ألسنة البلاد.
اجل لا ننكر وجود لغةٍ صدعت في وضعها رؤوس أربابها لما بالغوا في نسجها من أوابد يعسر جمعها على العوام والخواص وفرائد غالية لكنها أشبه بدرر الغواص مما لا تخرق معانيها حس العامي فيقف بازائها قاصراً عن فهمها إلا أن مثل هذه اللغة قد أهملت من عهد عهيد ولم نجد لاستعمالها ظلا فيما بين أيدينا من التأليف الحديثة والكتابات المتداولة على ألسنة أرقى الصحف والمجلات التي أصبحت لغتها عذبة المورد خفيفة المحمل على سمع العامي وفهمه مما لو تسنى له استخدامها في معاملاته ومحادثاته لأنتسخت بازائها لغته الساقطة المبتذلة التي يمجها الذوق وينفر منها الطبع.
ولذا فإذا ثبت ذلك تبين أن الداء الذي أريد علاجه لاستئصال
стр. 425
شافة اللغة العامة ليس من الأدواء التي ينجع فيها اقتباس ألفاظٍ من أوضاعها وإلحاقها بأصل اللغة الفصحى فهذا الضرب من العلاج مما يشوه وجه الجمال وينكر أسلوب وضعها بل يزيد اخرق بذلك اتساعاً والطينة بلةً وقد سبق أولئك النوابغ من كتبة العصر الذين أشرنا إليهم واغنوا بسعة علمهم وفرط اطلاعهم وتنقيبهم جميع المتشوقين إلى الخوض في مثل هذا العباب وكفوهم مؤونة التطرق إلى مثل هذه الأبواب إنما علاجه اتخاذ لغة هؤلاء الأفاضل مناراً عالياً نقتفي به آثارهم وأستاذاً هادياً يؤهلنا من النسج فيه على منوالهم والإجماع على إدخالها مدارس الفتيان والفتيات كلها جمعاء بل مدارس الحكومة نفسها وان تعمم المكاتب في جميع أنحائها وتحمل الأمة قسراً على الانضمام إليها ولا يستثنى منها ذليل ساقط ولا ضئيل لاقط حتى إذا احكم أصول تلقين هذه اللغة وبثت أشعتها في فضاء الإفهام لا تلبث أن تبلغ منها على طرف الثمام فتسقط إذ ذاك اللغة العامية من عالم اللسان وتلحق بما سبقها من لغات القرون الخوالي.
ولقد كنا وقفنا على شيء مما تنبهت إليه الخواطر من هذا القبيل
стр. 426
وثارت على أثره حركة أرباب الصحف تتقاضى الحكومة لإبرازه من حيز القوة إلى عالم الفعل وانصرفت وجوه الأمة العربية استبشاراً لما من شانه تعزيز آخر ذخيرة تركها لها الدهر في عالم الوجود إلا انه ما عتمت الحوائل أن قضت قضاءها على ما جرى للحكومة في هذا الباب من المفاوضات فاندكت هذه الأماني الحيوية في عالم الأموات.
وعليه فإذا تقرر أن اللغة قد انتعشت من رقدتها وتجلت في مجالي عزها وجمالها وتأتي لحملة الأقلام من فصحائها استخدام فنونها ومحاسنها لزمهم ضرورة أن يقفوا بها عند هذا الحد من الاتساع والإبداع وينتقلوا إلى عطف النظر إلى مزاولة أمر الوضع فيها والأحداث وهذا ولا جرم من الأمور الحرية بأن تتظافر الآراء عليه وتتزاحم أعمدة الصحف في مقاضاته وينتدب للقيام به علماء العصر بأسرهم على تفاوت مراتب علمهم وتحصيلهم ويكون محل شغل شاغل لعقولهم في مثل هذا العصر الذي اتسعت فيه سبل التنقيب عن أسرار الطيبعة والتطلع إلى خفايا الكائنات بعد ما ظهر من المكتشفات التي نبهت أرباب العقول للإيغال فيها وكشف غوامضها وهتك حجب
стр. 427
رموزها وآثارها وليس بين معجمات
اللغة من الأوضاع ما يقوم بمباراة ذلك الغناء بل لم ير هناك ما يعين على أداء كثيرٍ من المعاني المدنية والعلمية مما كان ولا ريب متداولاً على ألسنة السلف وكتاباتهم في عهد حضارتهم وعز مدنيتهم لإغفال المدونين عن نقل كثير من أوضاعهم وبعد فلو كانت اللغة قد خلت من سنن وصيغ وضع الألفاظ فيها لوجد العلماء في ذلك عذراً يشفع بوقوفهم دون النزول إلى مثل هذا المضمار وأنى لهم مثل هذه الأعذار وقد سبق السابقون فمهدوا سبل استقراء أحكام الوضع واستنبطوا سره وقبضوا على قياده على ما يجدون ذلك مثبتا في محله.
وغير خافٍ أن مواضيع الخلل في اللغة من هذه الجهة قد لاحت طلائعه فان نهض اليوم علماؤنا والسراة ممن يهمهم صيانة لغتهم عن الفساد ووقفوا في سبيلها الأعمار ومطامعهم من المال وإلا فهذه لغتهم بعد زمنٍ يسير ستنحط من عالم الأقلام وتذهب كل مذهب من الخلط بين السماء والأرض وتصبح عرضة للناقدين من فحول المؤرخين وهدفا لسهام المنددين والمفندين.
стр. 428
إلى حضرات المشتركين الكرام
طالما تبرم وسئم كل من طالع الصحف والمجلات التي لا تزال تطبع في مطابع بغداد لما أن جميع حروفها تركية النمط ولا تقبل شيئاً من الحركات في بعض المواضع اللازم أشكالها وياءاتها غير المنقطة وحين وقوعها من آخر الكلم لا تمتاز عن الألف المقصورة وحجمها متعب للأنظار وطرازها لا يقابل جمال الحروف العربية الحديثة وأما الأغلاط المطبعية الفاشية في جميع منشوراتنا فحدث عنها ولا حرج. وغير خاف عما ينجم عن مثل هذه الأحوال من الإخلال بالمعاني والذهاب بطلاوة ترصيفها وفضل ناشريها مما لا يسع المطالع في خلال ذلك إلا أن يقف بازائها حائراً بل متوقعاً أن يؤتى علم الغيب حتى يتكهن لمواقع الفساد ليتسنى له أن يرد كل معنى منه إلى نصابه.
ولما كانت الحالة هذه مست الضرورة إلى تدارك شيءٍ من تلك الثلم فاستحضرت في هذه الأيام مطبعة بيخور الحرف المطبوع به هذا العدد وهو كما يراه القراء الأدباء من الحروف الوضاءة المعتدلة الحجم التي يطبع بها كثير من جرائد ومجلات ديار مصر والشام بل الآمال
стр. 429
معقودة على هذه الخطوة مما تدعو إلى تنبيه أرباب المطابع الأخرى إلى أن يحذو حذوها ملافاةً للتشكي بل للنفور المحيق بمطابعهم من تلك الأوجه. وحيث أن هذا الحرف يستهلك من المجلة محلاً أوسع مما يستغرق من ذاك فإدارة المجلة قد أعاضت عن ذلك على المشتركين بإصدار هذا العدد فما يليه في ثلاث ملازم أي بزيادة نصف ملزمة عما كان يصدر عليه أولاً وفي عزمها استئناف هذه الخطة حيناً بعد حين تذرعاً إلى التوسع في المباحث واختيار ما يكون منها اجزل فائدة واجمل وقعاً مع إبقاء قيمة الاشتراك بحالها.
وقد انتدب لتنضيد حروف هذه المجلة الفتي الذكي البارع الياس أفندي يعقوب من قد امتاز على حداثة عهده في هذه الحرفة على كثير من المنضدين القديمي العهد بها. ومأمولنا في غيرته دوام الاجتهاد فيها تفديا من شوائب اللبس والأغلاط
وهنا محل للإجهار بالثناء الطيب على حضرات المشتركين الأفاضل من الناطقين بلغة العرب والمستعربين معاً لما تفضلوا على إدارة هذه المجلة من كتب التهنئة والتقريظ ونقل كثيرٍ من مواضيعها إلى بعض
стр. 430
الجرائد الأوربية سائلين الله أن يوفق الإدارة إلى ما به نفع عامة القراء انه تعالى ولي الإعانة والتوفيق
الخميسية أو لؤلؤة البرية
(١ - موقع هذه المدينة) بلدة واقعة في لواء المنتفق بين سوق الشيوخ والهور الكبير أي يحدها شمالاً الفرات وأبو غار والشقراء وهما من منازل لبعض أهل البادية وجنوباً شرقياً بلدة الزبير وهي تبعد عنها نحو عشرين ساعة وشرقاً وغرباً الحماد أو بادية العرب وهي على هور يأخذ ماءه من الفرات وواقعة بين الدرجة ٤٤ وربع طولاً و٣٠ عرضاً عن بارس
(٢ - حداثة نشأتها) الخميسية حديثة العهد، قد ولدتها حادثات الليالي الأخيرة. ومع حداثة وجودها أصبحت اليوم من اجل المدن الساعية وراء التقدم والرقي والعمران، بالنسبة إلى ما يجاورها من الربوع والديار، ولولا عوائق الفضاء وعوادي الدهر، التي لا تزال قائمةً في وجه سبيل رقي البلاد العثمانية كلها، ولا سيما البلاد العربية منها، لأوغلت في الحضارة والعمران أي إيغال. ولبلغت من
стр. 431
الحال والمنزلة غاية هي غاية ما وراء الآمال.
الخميسية التي نروي ليوم حديث نشأتها على قراء لغة العرب، وتاريخ بدئها وتقدمها هي من القرى التي أبرزتها الحاجة إلى الوجود، ودفعتها إليه طبيعة البلاد لأنها أجبرت أهاليها على اعمارها، واقامة أعلام التمدن فيها رغماً عما هناك من سوء أصحاب السياسة والإدارة الذي كان في عهد الاستبداد، إذ وجد بينها من كانوا بمنزلة لمعاول بيد الزمان دائبين في تأخير البلاد وتخريبها إلى المهالك والمهاوي فضلاً عما كانوا يفتحونه على الرعية من أبواب الجور والظلم، ويطلقون عليها عقال العسف والغشم
ومع ذلك فلقد قويت عليهم طبيعة هذا الفطر المبارك وأجبرتهم على أعمار تلك الخطة فأصبحت لؤلؤة البرية، وسوقاً قائمة لأهل البادية
(٣ - سبب تسميتها وضبط اسمها وبناؤها وقدمها) سميت بالخميسية نسبةً إلى عبد لله بن خميس (وزان كبير) وهو رجل من أبناء القصيم، قرية من القرى التابعة لبريدة إحدى عاصمتي القصيم والبعض يلفظونها خطأ مصغرة أي بضم الخاء المعجمة الفوقية وفتح الميم بعدها ياء ساكنة مثناة تحتية مشددة وفي الآخر هاء. والذي
стр. 432
دعاه إلى بنائها هو انه كان مع جماعة فاضلة من النجديين ممن كانوا يوالون فالح باشا السعدون أيام كان السعد يخدمهم والتوفيق يرافقهم أيام كانت كلمتهم نافذة، وصولتهم عظيمة في بلاد المنتفق وما يجاورها ثم قلب الزمان ظهر الجن لآل السعدون وذلك أن هذه العشيرة استاءت من حكومة
ذلك العهد لكثرة ما ضيقت عليها الخناق فرفعت عليها راية العصيان وللحال أرسلت الحكومة جنداً في أواخر أيام تقي الدين باشا في منتصف سنة (١٢٩٧ مالية ١٨٨١) لمناواة بني السعدون والتنكيل بهم، فاضطر المنتفق إلى الإمعان في بر الشامية وظلوا هناك حيناً من الدهر، وكانوا يمتازون من سوق الشيوخ. وبعد أن مضى على هذه الحال بضعة أعوام، حدث أن طغى ماء الفرات فأحاط بسوق الشيوخ ولا إحاطة الهالة بالغمر فتعطلت لتجارة وتعذر الامتياز (المسابلة) وأصاب أهل الأموال أضرارا فاحشة، ولا سيما لما كثرت الأمراض الوافدة بأسباب العفونات التي تولدت من زيادة المياه فهاجر اكثر ساكني سوق الشيوخ إلى جهات الزبير والبصرة والكويت وكادت سوق الشيوخ تتضعضع دعائمها وتنتكث مرائرها وفي واقع
стр. 433
الحال إنها أخذت منذ ذاك الحين بالتقهقر إلى أن وصلت إلى درجة قامت مقامها الخميسية المذكورة وذلك بصادراتها ووارداتها وحسن تجارتها.
ومما زادها شأناً وقدراً أن الحكومة نظرت إليها نظر وامقٍ لحسن موقعها والعشائر قطعت التردد من سائر المدن المجاورة وأخذت تختلف إليها وهي ترد إليها من جهات نجد والزبير والبصرة والكويت وسائر ديار العراق.
وعليه فان عبد الله بن خميس لم يختط تلك المدينة إلا سنة غرق سوق الشيوخ وجعلها على الهور قريبة من لبر على مسافة زهيدة منه بحيث جعلها مقاماً صالحاً لجميع أبناء البادية والمتحضرين، بين البصرة والكويت، بين بادية العراق وعشائر نجد والمنتفق، بين الزبير وسوق الشيوخ. وبعد أن اختطها بني فيها قصره فجاراه من كان معه من النجديين فبنوا لهم دويرات واخذوا يجابون إليها الأموال والبياعات والتجارات وأنواع المؤونة والميرة من طعام كالأرز والحنطة والشعير والتتن (التبغ) ولباسٍ كأنواع الأنسجة والأقمشة. وللحال اقبل
стр. 434
عليها الناس من كل حدب وصوب لقربها إليهم ولسهولة المعاملة فيها إذ ليس هناك دار مكس ولا رسوم ولا ضرائب ولا ما يماثل هذه الوضائع والجبايات كالتي تؤخذ على الحيوانات كما هو الأمر في البلاد المتمدنة وديار نجد والكويت وغيرها.
ولما اتسع نطاق هذه المدينة ورأى فالح باشا إنها صالحة للأعمار وعليها إقبال عظيم من كل صقع وقطر قام وبنى فيها مسجداً تصلي فيها الجمعة ومدرسة يدرس فيها مبادئ العلوم الدينية وجلب لها أحد العلماء من نجد وهو حضرة الشيخ علي بن عرفج من أحد البيوتات
الكريمة من إحدى القرى التابعة لبريدة السالفة الذكر وخصص لهذه الغاية واردات بأخذها العالم المذكور كل سنة من أطعمة السعدون فيصرفها على كل ما يتعلق بأمر المدرسة وطلبة العلم وما زال ذلك الشيخ مقيماً فيها حتى توفاه الله في سنة ١٣٢٨ هجرية ١٩١٠ م فطلب حينئذٍ آل السعدون شيخ علم آخر بدلاً من المتوفي فجاءهم الشيخ العلامة إبراهيم بن جاسم قاضي القصيم عنيزة وبريدة سابقاً وهو لا يزال مقيماً هناك ومضطلعاً بوظيفته أتم اضطلاع إلى يومنا هذا.
стр. 435
أما عبد الله بن خميس فانه انتقل إلى رحمة الله منذ بضع سنوات فخلفه ابنه في مقامه ولا يزال الأمر الناهي في تلك المدينة الحديثة إلا انه لا يستغني اليوم عن مراجعة بعض ممثلي الحكومة التي أرسلتهم في آخر هذا العهد للمراقبة ومنع دخول الأسلحة الواردة من الكويت
(٤ - الخميسية في هذا اليوم) في الخميسية اليوم من البيوت ما يقدر بلف ويبلغ كأنها خمسة آلاف وهي لا تزال آخذةً في الرقي والتمدن للأسباب التي ذكرناها وما زالت الأسرة المؤسسة فيها إلى يومنا هذا وكلمتها نافذة ومما يجدر ذكره أن هذا البيت أصبح ملجأ الكرا الذين يخونهم الدهر من أمراء وشيوخ وتجار وأغنياء أو كل من نبذته أرضه فزايل وطنه فهؤلاء جميعهم يحلون ضيوفاً مكرمين في دار أولئك الاماجد فيجدون هناك وجوهاً باسمة وصدوراً رحبة وكرماً حاتمياً ومقاماً منبعاً بدون أن يسمعوا شكوى أو يروا فيهم مللاً أو يظهر منهم اقل ضجر.
(٥ - سكانها) اغلب هؤلاء السكان من نجد أن لم نقل كلهم والسبب في ذلك رخص المعيشة وسهولة تناولها حتى انه يقال إنها على
стр. 436
طرف الثمام. فالخميسية إذاً مأوى أمين بل حصن حصين لأهالي نجد، وبالأخص في هذه الأيام الأخيرة التي حدثت فيها الحروب بين ابن الرشيد وبين ابن الصباح من جهة وبين آل أبا الخيل وبين ابن السعود وال سليم من جهة أخرى ففي أثناء تلك الفتن والحروب التي طالت كانت هذه البلدة ملاذاً للذين يفرون من الحرب ويؤثرون السلم والراحة فكان الناس يأتونها فرادى ومثنى وزرافات والحق يقال أن ليس هناك من المدن القريبة إليهم مثل حافلة بما يحتاج إليه من ذخيرة وميرة ولباس
وترى في هذه المدينة الحديثة لؤلؤة البرية بيوتاً نزحت عن وطنها نجد بذراريها وظعائنها
وعيالها وفضلة الإقامة في هذه البلدة، غير ملتفتة إلى مسقط رأسها تلك هي نتيجة الحروب إنها إذا تفيد بعض الأفراد خدمةً لمنفعتها الشخصية فإنها بالجملة تضر بالجم الغفير من الناس.
(٦ - ديانة أهلها ومذهبهم) من عرف أن اغلب أهالي هذه المدينة هم من نجد علم أيضاً أن لا دين لهم إلا الإسلام وان مذهبهم
стр. 437
مذهب النجديين لا غير آذانهم سنيون على مذهب الإمام احمد بن حنبل (رضه) أو الوهابية وقلت أو الوهابية لان الوهابين هو حنابلة إلا أن المحدثين أعداء النجديين سموهم كذلك كأنهم يريدون أن ينسبهم إلى مذهب جديد ويكفروهم وليس الأمر كذلك إنما الحنابلة وهابية والوهابية حنابلة في المذهب وان كان الاسم حديثاً فالمعتقد واحد وعليه فديانة سكان الخميسية ديانة السلف، مذهب شيخ الإسلام ابن تميية، مذهب تلميذه ابن القيم، مذهب الشيخ محمد بن عبد الوهاب
(٧ - تجارتها) يصدر من الخميسية أنواع الحبوب كالأرز والشعير والذرة وغيرها، ويصدر منها أيضاً التتن (التبغ أو الدخان) والملبوسات وأنواع الأقمشة وغيرها من الحاجيات الضرورية وهذه تنفق على قبائل وعشائر العراق ونجد كالمنتفق والضفير وشمر وعتبة ومطير وغيرها ولكل قبيلة وعشيرة وقت للامتياز والابتياع.
وإذا أصيبت ديار نجد بمحل أو غلاء اقبل أهلها على الخميسية وجاءت القوافل تتري وحملت منها إلى نجد مرتزقات تسد عوزها وإذا اضطر
стр. 438
أحد الأمراء لي شيءٍ من ذلك وجه إلى (لؤلؤة البرية) إحدى عشائره أو كلها لتمتاز ما يعوزها من المرتزقات والمؤونة والذخيرة
أما وارداتها فهي التمر والسمن (الدهن) والصوف والوبر والجلود والخيل والإبل وأنواع البنادق من مارتيني (ماطلي) وموزر وغيرها والآن قد قل نقل هذه الأسلحة إليها لان ابن الصباح منع تهريب السلاح إجابةً لطلب إحدى الدول التي اتفقت على هذا الأمر مع دولة عثمان.
(٨ - زراعتها) ليس هناك من يعنى اشد العناية بالزراعة فالخميسيون لا يزرعون إلا الحبوب والبقول وما ضاهاها.
(٩ - صناعتها) قل عن الصناعة ما قلت لك عن الزراعة لان البلدة حديثة النشوء ليس
فيها من قد احكم الصنائع وليس هناك من يحتاج إلا إلى الصنائع الضرورية التي تسد حاجاتهم التي لا غنى لهم عنها.
(١٠ - العلوم قيها) لا يوجد فيها من يزاول العلوم والمعارف إلا ما نزر والذي يعنى بها لا يتفرغ إلا لعلوم الدين والعقيدة والمذهب بل ولمذهب الحنابلة فقط إذ لا يوجد في تلك المدينة من يقول بغير مذهب
стр. 439
الوهابية أو مذهب السلف
(١١ - الآثار القديمة فيها) سمعت كثيرين يقولون في جوار الخميسية آثار قديمة لكني لم أتحقق الأمر بنفسي كما لم استطع إلى الآن أن أتتثبت الخبر على أني لا اعجب من ذلك لان شاطئ الفرات كان آهلاً بالسكان في سابق العهد ومدنه كثيرة لا يعرف عددها على التحقيق فإذا ثبت لي صدق النبأ وأمكنني بسطه على وجهٍ مفيد أتيت به قراء لغة العرب إن شاء ربك القدير والسلام.
سليمان الدخيل صاحب جريدة الرياض ومجلة الحياة
البعبع في مصر
كتب إلينا العلامة الأستاذ الدكتور اغناز غولدزيهر في بودابشت كتاباً دل على طيب عنصره وكرم أخلاقه ومن جملة ما ذكره تعقيب له على مقالة البعبع قال حرسه الله بحرفه العربي، ونصه البدوي (أستأذن حضرتكم في أن استخرج من حافظتي لأعقب على ما في مجلتكم في الصفحة ٧٠ أو ما يليها بصدد كلامكم عن البعبع وعما
стр. 440
يستعمله العوام من الألفاظ لزجر الصبيان وتخويف الأولاد الصغار فأقول في الزمان الذي كنت في مصر (١٨٧٤) سمعت من بعض العوام عبارات يخوفون بها أولادهم بقولهم (اسكت لحسن (الأحسن بمعنى لئلا) أحط لك في عينك، (يعني الششمة) اسكت لحسن أحط لك في بقك الفلفل، اسكت لحسن أجيب لك شيخ الحارة اسكت لحسن السماوي (من السم) بيجي يأخذك
ثم أن التخويف بالبعبع مذكور أيضاً في كتاب هز الفحوف، في شرح قصيدة أبي شادوف، (طبع حجر الإسكندرية ١٢٨٩) ص١٤٧ وهاكم عبارته (وإذا أرادت أمه أن تخوفه أو تسكته عن الصياح تقول له اسكت لا يأكلك البعبع بكسر الموحدتين ورفعهما وجزم العينين المهملتين. والبعبع مشتق من البعبعة وهي صوت الجمل) اهـ
في الصبر
يقولون أن تصبر تنل كل غاية ... وقد فلتهم أن المرارة في الصبر
وهل يستطيع المرءُ صبراً على أذى ... يكابده حتى يغيب في القبر
محيي الدين فيض الله الكيلاني
стр. 441
يهتف باسمه
وكم هادم للدين يهتف باسمه ... وينعاه للإسلام وهو يقاتله
ويأمر بالمعروف وهو غريمه ... ويدعو إلى نصر الهدى وهو خاذله
ويزعم أن الحق لولاه ما سما ... ويأتي بقولٍ يدحض الحق باطله
ويدعي بأيد الدين حامي حمى الهدى ... وكم غالت الدين القويم غوائله
ولو سلم الإسلام منه لأصبحت ... معارفه منشورة وفضائله
كاظم الدجيلي
أرز أو تمن العقر
أرز العقر المشهور في العراق ينسب إلى العقر القلعة الحصينة (التي هي اليوم مدينة شهيرة) في جبال الموصل والتي أهلها أكراد وهي شرقي الموصل المعروفة أيضاً باسم عقر الحميدية لا إلى العقر التي هي بين تكريت والموصل كما كتبناه في ص٣٧٥
البربن والبدرايي والإبراهيمي والبريم
سألنا بعضهم ما صحة هذه الألفاظ من الفصاحة وما أصابها أو ما يقابلها عند لفصحاء الأقدمين
стр. 442
قلنا: هذه كلها من أنواع التمور المشهورة في العراق فأما البرين وزان جعفر فمن أصل فارسي وهو في هذه اللفظ (بهاربانو) ثم قصرت وصحفت ومعنى هذا اللفظ المركب: العروس أو السيدة (بانو) الحسناء (بهار) لان هذه لتمرة من احسن التمر بلونها لأحمر البديع وكبرها وطعمها اللذيذ فهي بين سائر أخواتها كالعروس أو السيدة الحسناء بين سائر العرائس.
وأما اسم هذا النوع من التمر في سابق الزمان فهو الطن بضم الطاء وفتحها والنون
المشددة. قال في لسان العرب: الطن ضرب من التمر أحمر شديد الحلاوة كثير الصقر. اهـ وفي الحاشية عن الصغاني: قوله كثير الصقر يقال لصقره السيلان بكسر السين لأنه إذا جمع سال سيلاً من غير اعتصار لرطوبته، قلت: وكذا قال ابن سيدة في المخصص على أن العراقيين لا يخصون لفظة السيلان بصقر الطن أو البربن بل بصقر كل تمر. وإذا طبخ السيلان قيل له الفضيخ.
وأما البدرايي فهو نسبةً إلى بادرايا (بفتح الحروف كلها إلا الألف) لا بادورايا. وبادرايا هذه هي التي تسمى اليوم بدرة قال ياقوت:
стр. 443
بادرايا: ياء بين الألفين: طسوج بالنهروان، وهي بليدة بقرب باكسايا بين البندنيجين ونواحي واسط، منها يكون التمر الفسبا اليابس الغاية في الجودة واليبس اهـ. فالأصح إذاً أن يقال: البادرايي. لكن العوام تقصر الكلمة للتخفيف.
وأما البريم فلفظه الحقيقي (البريني) تصغير البرني ثم نقله العوام إلى لفظ متعارف مشهور بينهم جهلاً للفظه الأصلي. قال في التاج: البرني بالفتح: تمر معروف أصفر مدور وهو أجود التمر، واحدته برنية وقال الأزهري: ضرب من التمر أحمر مشرب بصفرة كثير اللحاء، عذب الحلاوة، يقال: نخلة برنية، ونخل برني قل الراجز:
برني عيدان قليل قشرة
وهو معرب، وأصله: برنيك أي الحمل الجيد. وقال أبو حنيفة: إنما هو بارني، فالبار الحمل، وني تعظيم ومبالغة. وقول الراجز:
وبالغداة فلق البرنج
أراد البرني، فأبدل من الياء جيما. اهـ والأصح، أن البرني منسوب إلى البرن وهي قرية مشهورة بهذا التمر كما جاء في معجم لبكري كما
стр. 444
أن البادرايي منسوب إلى قرية بادرايا
ومثل البرني أو البريم الصرفان والصيحاني. قال في التاج: الصرفان (بالتحريك) تمر رزين مثل البرني لأنه صلب المضاغ علك بعده ذوو العيالات وذوو الأجراء وذوو العبيد لجزائه وعظم موقعه والناس يذخرونه قال أبو حينفة: أو هو الصيحاني بالحجاز نخلته كنخلته حكاه أبو حنيفة عن النوشجاني فاحفظه نصب أن شاء الله
ديوان ابن الخياط
هو كتاب خط موجود عند أحد أدباء بغداد وهو من الدواوين القديمة. طوله ١٨ سنتيمتراً في ١٣ ونصف عرضاً. فيه ٨٨ ورقة مكتوبة أي ١٧٦ صحيفة. وطول المكتوب من الصفحة ١٢ سنتمتراً في ٩ عرضاً وهو كامل لا ينقصه شيء لا في الأول ولا في الآخر. وهذا بدا كلامه بحرفه، (بسم الله الرحمن الرحيم وما توفيقي إلا بالله قال الشيخ أبو عبد الله احمد بن محمد بن الخياط يمدح الأمير أبا القوام وثاب بن نصر بن صالح:
عتادك أن تشن بها مغارا ... افقدها شذباً قباً تبارا
стр. 445
كأنَّ أهلة قذفت نجوماً ... إذا قدحت سنابكها شرارا
وهل من ضمر الجرد المذاكي ... كمن جعل الطراد لها ضمارا
إلى آخر القصيدة وهي في ٣٧ بيتاً عامراً
والكتاب حسن الخط جلي الحروف محلى بالشكل الكامل لاسيما في المواطن التي تحتاج إلى تحرير وضبط وتدقيق وفي كل وجه ١٩ سطراً وقد كتبت العناوين مرة بالحبر الأحمر ومرة الحبر الأخضر الضفدعي اللون، وربما لم يتبع الكاتب هذه القاعدة اتباعاً مطرداً فيخالفها في بعض الأحايين والنسخة قديمة جداً ويكاد كاغدها يتمزق أرباً أرباً لقدمه وتطاول الزمان عليه وقد جاء في آخره: (تم الديوان بأسره على ما قرره صاحبه أبو عبد الله محمد بن نصر بن الخياط من نسخة قبل فيها من نسخة الشيخ أبي عبد الله محمد بن نصر بن صغير الخالدي، ثم قال أيضاً: كتبته من نسخة عليها خط الشيخ أبي عبد الله بن الخياط ﵀ بما نسخته كلما رواه عني الشيخ الأجل الأديب أبو عبد الله محمد بن نصر بن صغير، فهو ما سمعه مني وقراه علي وما رواه غيره فحالف ما في نسخته هذه فلا يعتد به، وكتبه احمد بن محمد بن علي بن الخياط
стр. 446
في سنة سبع عشرة. اهـ
وهذه الأسطر مكتوبة بشكل مثلث وعن يمين المثلث هذه الأسطر وكان الفراغ من كتابة هذه النسخة في يوم الجمعة المبارك رابع عشر شهر رجب الفرد من شهور سنة أربع عشرة ٨١٤ (ووراء هذه السنة كلمة محكوكة حتى ثقب الورق هناك قم هتان اللفظتان) ختمت بخير وعن يسار المقلق هذه الكلمات (كاتبه الفقير الحقير، من حف باللطف الخفي، يوسف الملاح سبط الحنفي، غفر الله له ولوالديه والمسلمين أمين.)
فترى من هذا الكلام نفاسة هذه النسخة أن بصحتها وان بقدمها وان بشهرة صاحبها. كيف
لا وهو ابن الخياط الذي قال عنه ابن خالكان:
هو أبو عبد الله احمد بن محمد بن علي بن يحي بن صدقة التغلبي المعروف بابن الخياط الشاعر الدمشقي الكاتب الذي كان من الشعراء المجيدين طاف البلاد وامتدح الناس ودخل بلاد العجم وامتدح بها ولما اجتمع بابي الفتيان ابن حيوس الشاعر المشهور بحلب وعرض عليه شعره.
стр. 447
قال قد نعاني هذا الشاب إلى نفسي فقلما نشأ ذو صناعة ومهر فيها إلا وكان دليلاً على موت الشيخ من أبناء جنسه. ودخل مرة إلى حلب وهو رقيق الحال لا يقدر على شيء فكتب إلى ابن حيوس المذكور يستمنحه شيئاً من بره بهذين البيتين
لم يبق عندي ما يباع بحبةٍ ... وكفاك علماً منظري عن مخبري
إلا بقية ماء وجهٍ صنتها ... عن أن تباع وأين أين المشتري
وكانت ولادته سنة ٤٥٠ بدمشق (١٠٥٨م) وتوفي بها في حادي عشر شهر رمضان سنة ٥١٧ (١١٢٣م) وبهذا كفاية لمن يريد أن يعرف قدر هذا الديوان الذي لم يطبع بعد وقد أصبحت نسخه الصحيحة كهذه اعز من بيض الأنوق، أو ابلق العقوق.
نقد كتاب تاريخ آداب اللغة العربية
٣ - أغلاط التعبير
جرجي أفندي زيدان من الكتاب المعروفين بسلاسة الإنشاء وحسن سبك العبارة حتى انك لتقرأ كتبه من الأولى إلى الآخر ولا يحدث فير صدرك ما يحدثه فيه حملة الأقلام في كتاباتهم فأنك إذا قرأت
стр. 448
صفحة أو صفحات من نفثات يراعتهم حرج صدرك وضاق نفسك وحارت عيناك ونشأ فيك نوع من السأم يدفعك إلى الثؤباء والمطواء يعقبهما ضرب من الوناء والفتور والرخوة إلى درجة يسقط فيها الكتاب من يديك ولا تشعر بإفلاته منهما. وانك لتشعر بالعكس عند تصفح مصنفات كاتبنا البارع ومهما اختلفت مواضيعها وطالت أبحاثها.
على أن هذا القول لا ينفي عن المؤرخ البارع كل شائبة. فلقد رأينا في مؤلفاته بعض الشبهات ولعلها من سوءِ فهمنا إياها لا من وجودها حقيقةً فيها بيد أننا نذكرها على ما هي ونسوق لها ما يعن لنا إنها اجدر بالمقام للمقابلة بين التعبيرين وللأخذ بأحد الوجهين. فمن ذلك ما جاء
في ص٢٠٧ إذ قال اعتنق الإسلام وفي ص٢١١ واعتنقها (أي النصرانية) اليونان وقد كثر هذا التعبير في مطبوعات هذا العصر منقولاً عن تعبير الإفرنج وله وجه في المجاز لا تأباه العربية إلا أن فصحاء كتاب العرب الذين يرمون إلى البلاغة يعدلون عن هذا القول وينخون نحواً عربياً صرفاً فيقول مثلاً دان بالإسلام أو دان دين الإسلام كما ورد في الأغاني (١٨: ٢) إذ قال ودان دين المسيح.
стр. 449
وقال في ص٢١٦ كانت المدينة قد أصبحت مرسحاً للهو وهذا أيضاً من التعبير لدخيل وهو قبيح لان العرب لم تعرف لفظة المرسح لا بالمعنى الحديث ولا بمعنى لغوي يحرر هذا الاستعمال أو يحقه والأصح أن يقال هنا (ميداناً للهو) فان العرب عرفت الميدان وهو يوافق هذا التعبير هنا وإذا أراد الكاتب مقاتلاً فصيحاً لكلمة مرسح فالأفصح المرسح لان العين تسرح في جوانبه وفي الأشخاص والزينة التي ترى فيه. قال الحريري في المقامة الصنعانية: وأورد في مسارح لمحاتي ومسايح غدواتي وروحاتي. وفسروها بالمواضع التي يسرح أي ينطلق النظر فيها. وهو المراد هنا. إلا أن أحد الكتاب أنكرها في المقتطف فلا
يحق له هذا الإنكار ووجه التسمية واضح لكل ذي عينين.
وقوله في ص٢٢٣ الأمور الهامة. والمهمة افصح. ومثلها في ص٥٢ وقوله في ص٢٢٤ وهكذا العرب فقد نظموا والأفصح وهكذا العرب نظموا.
وجاء في ص٢٢٨ أحراف الأخرى الألسنة والمسموع حروف وأحرف لجمع حرف.
стр. 450
وورد في ص٢٣٠. . . فلما ظهر الإسلام واشتغل المسلمون بالفتح والحرب حتى استتب لهم الأمر ونزعوا إلى الجهاد، تدرجوا في وضع التاريخ. والأوفق أن يقال هنا: ونزعوا عن الجهاد لأن النزوع إلى الشيء الميل إليه أو الذهاب إليه. والمراد هنا الانتهاء أو الانقطاع عنها كما هو سياق العبارة ومقتضى المعنى.
ومن هذا الباب ما جاء في ص٢٣١ فمعاوية بن أبي سفيان كان يجلس لأصحاب الأخبار في كل ليلة. . . فلقوله يجلس لأصحاب الأخبار وجه مقبول لكن لو قال يجلس مع أصحاب الأخبار أو يجالس أصحاب الأخبار لكانت العبارة أتقن وأوفي بالمراد
ومن هذا القبيل قوله في ص٢٣٧ (وكان عمال الأمويين أصحاب شعر وخيال وحساسة مثلهم) ولا نعلم ما بالمراد بالحساسة هنا فلعلها الحس أو الشعور أو دقتهما وعلى كل فليست الكلمة فصيحة إلا إذا كانت مضمومة الأول بمعنى مفرد الحساس وهو غير المطلوب هنا ومما يدخل تحت هذا لباب قوله ص٢٥٠ (فكان اكثر الشعراء في هذا لدور أما على الحياد خوفاً من معاوية أو. . .) والأصح أن يقال
стр. 451
أما على. . . . وأما. . . بإعادة أما لان الأولى ذكرت متأخرة فيجب أن تعاد (أما) في الثانية وتعاد متقدمة كما هو مثبت في كتب القوم ثم أن الناس قد أفاضوا في استعمال الحياد بمعنى تجنب التحزب أو عدم الميل إلى أهل الحزبين الخصمين والمألوف عند العرب بهذا المعنى الاعتزال وان كان للحياد وجه فصيح لا غبار عليه إلا أن اتباع المألوف المطرد خير من اتباع غير المألوف القليل الورود في كلامهم.
وجاء في تلك الصفحة دعا إلى ابن الزبير وخالف عَلى مروان (والاظهر خالف في مروان. وفيها أيضاً. . . ولذلك فلما علم بقصيدة الاخطل. والأفصح ولذلك لما. . . ومثلها في ص١٠٢ و١٨١.
وربما جاءت بعض الألفاظ في غير موطنها من وضع معناها كما جاءت (ناهيك ب. . .
) بمعنى (فضلاً عن) وقد وردت مراراً عديدة في الكتاب منها في ص٤١، ٤٨، ٦٦، ١٧٨، ١٩٥، ٢٠٩، ٢٣٤ إلى غيرها.
وذكر في ص١٣٦ ما هذا نصه وكان (أمية بن أبي الصلت) يسمي الله في بعض أشعاره (السلطيط) وفي بعضها (التغرور) فربما اقتبسها
стр. 452
من الحبشية أو صاغها على صيغ تلك اللغة. اه: قلنا: التغرور أرمنية الأصل تصحيف تغفور أو تكفور ومعناها الملك أو الأمير. وجعل الراء فاء لغة عندهم قديمة فيقولون الصرير أو الصريف. وردم الباب والثلمة: سده كله أو ثلثه أو الردم اكثر من السد. وقدم فم الإبريق غطاه ووضع الفدام عليه.
وقال في ص٥٨ المودعة عنده. والأفصح المودعة إياه. لأنه يقال أودعه شيئاً.
وجاء في ص١١٤ نظم معلقته على مرتين. وهو من تعبير عوام الشام ومصر والأفصح مرتين بحذف (على).
وذكر في ص١٧٤ قي الأشهر الحرام. والأصح في الأشهر الحرم وعدَّ في ص١٨٦ أيام الأسبوع عند العرب في عهد الجاهلية فقال أول أهون جبار والأصح (اوهد) كما ذكره اغلب اللغويين. نعم انه جاء في بعض النسخ (أول) لكن هذا من تصحيف النساخ أو من تصحيف الجهلاء تلك الأيام.
وورد في ص٩٣ أو التهويل عَلَى عدوهم. والأصح: تهويل عدوهم
стр. 453
وفسر العسب في ص٢٠١ بما حرفه: قحوف جريد النخل ولا نعلم معنى القحوف هنا إنما العسب جمع عسيب والعسيب السعفة مما لا ينبت عليه الخوص.
وقال في ص٩٤ ويسمونهم (أي يسمي اليونان الرواة) والحال هذه اللفظة بهذه الكتابة ليست إنكليزية واليونانية تكتب ومن هذا الباب كتابته للفظة (ص٥٧) بهذه الحروف المذكورة. فإذا كانت بهذا الوجه فهي لا إنكليزية ولا فرنسوية ولا. . . ولا. . . والأصح أن تكتب إذا أردنا كتابتها باللغة الإنكليزية بالفرنسوية. الخ.
وجاء في ص١١١ س٢٢: وقد آلي على نفسه في الجاهلية أن تهب صبا إلا أطعم. (والمراد هنا: أن لا تهب صباً إلا أطعم.)
هذا ما بدا لنا في أثناء المطالعة ونحن نحدر فيها تحديراً ولعنا في اغلب الأحيان من المخطئين لا من المصيبين وربك فوق كل علم عليم.
تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره
١ - ابن السعود والشيابين
стр. 454
أخبرت الرياض أن الأمير عبد العزيز باشا السعود غزا بجيشه الجرار القبائل العاصية من عتيبة وهم الشيابين فاخذ منهم غنائم كثيرة واحسن تأديبهم وقد أخلدت اليوم هذه الأعراب إلى السكون والراحة وعدلوا عن إثارة نيران الفتن وانتشر بين ظهرانيهم فكر الاتحاد العربي أي المطالبة بإرسال مبعوثين من جميع البلاد العربية ليشاركوا إخوانهم ويكونوا يداً واحدة عَلَى الأعداء.
٢ - إنكليزي في بلاد العرب
برح أحد سفار الإنكليز الكويت قاصداً التجول في الديار نجد والوقوف على ما فيها من الدفائن والمعادن وقد اخذ معه أحد أدلة العرب اسمه عثيمين (تصغير عثمان) ونقده لهذه الغاية مائة وخمسين ليرة ويقال انه قتل في الطريق.
٣ - لجنة نجدية
علمت الرياض من مصدر ثقة أن الباب العالي أرسل لجنة قوامها عالم ونباتي ومهندس وجغرافي ومكتشف معادن للوقوف على تلك الديار وما فيها وقوفاً تاماً وإحصاء نفوسها وعشائرها والاطلاع على
стр. 455
دخلة أمورها. وإذا تم إحصاء سكانها يوفد حينئذٍ أهلها مبعوثين ينوبون عنهم في المجلس فعسى أن تتحقق الأماني.
٤ - قداد (ترامواي) للاعظمية وتنوير بغداد بالكهربائية
توفق وطنينا الفاضل محمود جلبي الشابندر للحصول على امتياز إنشاء قداد (ترامواي) من الاعظمية إلى القرارة وقد سافر من الآستانة إلى ديار الإفرنج لجلب مهندسين مهرة يقومون احسن قيام بم يعهد إليهم.
ومما حصل عليه حضرة وطنينا تنوير بغداد بالكهربائية وهو أمر يتشوق إليه جميع أهل الحاضرة.
٥ - القضاء على صحف بغداد
ورد أمر من نظارة الداخلية ما ملخصه: أن الجرائد التي اخذ امتيازها ولم تنشر حتى ٥ مارت (آذار الرومي) أو نشر أصحابها بضعة أعداد منها ثم احتجبت حتى هذا التاريخ لا يسمح لأصحابها بعد ذلك أن ينشروها لسقوط امتيازاتهم بعد ذاك الحين.
أما الجرائد التي وقعت تحت هذه الضربة القاضية في حاضرتنا
стр. 456
فهي هذه وقد أحطنا بقوسين ما لم يظهر منها عدد بل اخذ بها أصحابها امتيازاً لإصدارها وهي هذه:
سيف الحق. الحقوق. (الرياحين)، يكي موده. خان لذهب، دونيلا. صائب. (الوطن)، أخوت. قلنج. العلم (بفتح العين واللام). الرقيب. تفكر، خان جغان. الأسرار. سبيل الرشاد، أفكار عمومية. تعاون. وجدان. بالك. البلبل. (جهينة)، يلديرم بين النهرين، الصاعقة. الرصافة. (عصا موسى)، المضحكات. القسطاس خردلة العلوم، (الكرخ)، روضه، (لسان)، العراق. الحقيقة، (الشرق)، (رعد)، (لسان الصدق)، بغداد. الإرشاد. الانقلاب. الظرائف. تنوير الأفكار. الوجدان. كرمه ونرمه. مصبح الشرق وعليه فالباقي من الجرائد هو الزوراء الزهور، الرياض، المصباح، صدى بابل، النوادر، والمجلات الحية هي: العلم (بكسر الأول) الحياة لغة العرب، لاغير، فليتدبر العقلاء.
стр. 457
العدد ١٢
وضع اللغات وخضوعها للطبيعة
ذهب الأوائل مذاهب شتى في من هو واضع اللغات، فقال بعضهم: انه الخالق العظيم وضعها مباشرة أو بالهام منه، وينسب الأصوليون إلى سليمان بن عباد القول بأن الوضع حدث بالمناسبة الذاتية؟ ويفسرون هذا الرمز بأن الألفاظ بطبيعتها ولمناسبة ذاتية فيها دلت على المعاني دلالة أزلية. وخشي بعض أهل الرهبة من علماء الأصول وجود تلك الروح في الألفاظ واحتمال القدرة أو القوة الكامنتين فيها فاخذ ينزل ذلك ويؤله طبق الأصول المسلمة عند العقلاء قائلاً ما معناه:
стр. 458
أن الألفاظ وان دلت بطبيعتها إلا أن المبدأ الأعلى في تلك الدلالة هو الخالق، شأنه في رجوح اكثر الظواهر الطبيعية إليه، فدلالة الألفاظ بالطبيعة مثل هبوب الرياح، ونزول الأمطار، ولمعان البرق، وجولان السحاب، من رجوعها ظاهراً إلى الطبيعة والأسباب المخلوقة وواقعاً إلى الخالق. هكذا كتب بعضهم في هذا القول الغريب الذي لا تفهم فلسفته.
ثم أن الرأي المعول عليه في هذا العصر، عصر الانتقاد والتمحيص، هو أن اللغات كلها جمعاً نشأت من الأصوات الطبيعية وتكونت قهراً بعد إرادة التعبير عن المرئيات أو غيرها، من معلومات الإنسان الأول، وليس هذا الرأي بحديث العهد، فقد قال به بعض العلماء الأول، كما قالوا بكير من الآراء العلمية المسلمة في هذا العصر المنسوبة إليه، الملزوزة به. فقد ذهب بعض الأوائل إلى حركة الأرض وقد عبروا عن الجاذبية بالثقل المركزي وذهبوا أيضاً إلى القول بالنشوء والارتقاء واتحاد أصل الكائنات إجمالاً، إلى غير ذلك من المذاهب العلمية التي يحسب بعضهم أنها أبكار، هذه الإعصار. وكذلك قل عن المذاهب الاجتماعية كالاشتراكية والإباحية أو السياسية كالجمهورية أو الملكية فقد قيل فيها في الأزمنة الخالية بل ووضعوها موضع الأعمال.
فالقول بان اللغة من وضع الإنسان قديم، قال العرب به. وممن نذكر أن مذهبهم ذلك ابن سيده اللغوي الكبير صاحب المخصص أمتع
стр. 459
كتاب في اللغة العربية، غير انهم لم يصرحوا فيما اعلم بأن الألفاظ تكونت من الأصوات البسيطة بل صرحوا بأنها من وضع الإنسان مباشرة لا من وضع غيره.
وقد استنكر الجامدون هذا المذهب واعترضوا عليه ذاهبين إلى أن الإحاطة بجملة المعاني الموضوع لها غير مقدور للبشر. فيقال لهم أن المعاني لم تعلم دفعة واحدة، وكذلك الألفاظ
توضع دفعة واحدة، بل كلما تجددت المعاني، وعلا إدراك الإنسان، وتصور الأمور الدقيقة، اضطر لأحداث الألفاظ متبعاً في ذلك التدريج، لان الطفرة محال.
هذا ما كان من أمر الوضع والواضع. وهناك نواميس طبيعية عامة مثل ناموس (التحول) وناموس (بقاء الأصلح) فهل اللغة خاضعة لها وهي جارية على سنتها جريان سائر الأشياء، وهل عرف العرب ذلك كما عرفه الإفرنج؟ فنجيب بنعم عن الجميع، وإليك البيان:
اللغة كالأخلاق أو ككل مميزات الإنسان، خاضعة للقوى العاملة فيه فيصح من بعض الوجوه أن نقول أنها كائن حي كالإنسان، ولحياته أطوار كأطوار حياة الإنسان، فما كان ليسمع المقيم في إحياء عرب الجاهلية من الألفاظ غالباً إلا في أمثال السباسب والبسابس والغيلان والذعلبة والكوماء والفنيق والبيداء والفيفاء والأجرد وما أشبه ذلك وما كانت لتمر الألفاظ السهلة الجزلة المعبرة عن المعاني العالية إلا شذاناً. كل ذلك لتأثير محيطهم في أوضاعهم وأخلاقهم وظواهرهم الطبيعية
стр. 460
ومنها اللغة التي يتكلمون.
ثم أن أوان البعثة فبعث النبي وأثرت تعاليمه في نفوسهم فأثرت في لغتهم، فكنت تسمه فيما يدور على ألسنتهم الصوم والصلوة والزكوة والعبادة والإيمان والاعتقاد والتوبة والثواب والعقاب وغيرها من الألفاظ الدينية ناهيك بالقرآن العظيم، وما أبقى في لغة العرب، فقد لطفها ورقق ألفاظها وبعث فيها روحاً من الفلسفة الأدبية، ثم لم يطل العهد حتى رأينا في ثنيات ألفاظهم: الألفاظ الرياضية، والعلمية، والفلسفية، وذلك العصر العباسي، عصر سلطان العرب، واستفحال حضارتهم العجيبة.
في ذلك العصر رقت لهجة اللغة، وتهذبت ألفاظها، وحلت نغماتها، ليس من اجل انبعاث المؤلفين، والمترجمين فقط، بل قد ساعد على ذلك جمع من ذوي الذوق، والقريحة، وأرباب الفنون الجميلة، وهم طبقة من الشعراء، والكتاب والأدباء الفكهين، ورجال الغناء، والمطربات، والمطربين، فتكونت إذ ذاك آداب اللغة العربية كأرقي ما يمكن أن يكون، وبلغت شأوا لم تبلغه لغة من اللغات القديمة.
следующие страницы →