← Джавами‘

Джавами‘ · id 36540

مجلة لغة العرب العراقية

أنستاس الكرملي

Полный текст (6 158 стр.). Показаны 3991–4030 · переход к 3996.

стр. 3991

وبعد هذا، فما هو أثر الكرملي في نهضتنا اللغوية الحاضرة ولماذا يكون ليوبيله ميزة خاصة؟ وعندنا أن الإجابة على هذا السؤال الوجيه ميسورة وخليقة بالاهتمام بها؛ فلنجملها في النقط الآتية: (١) الأب الكرملي مثال لرجل العلم اللغوي الصادق الذي يقدس النزاهة العلمية غاية التقديس: وحسبنا أن نذكر مناقشته التاريخية الحادة للأب لويس شيخو اليسوعي حينما نسب النصرانية خطأ إلى بعض شعراء العرب وأدبائهم. فأبت ذمة الألب الكرملي النصراني أن يقبل ذلك إنصافا للعلم والتاريخ. وهذه الصفة النزيهة متجلية في جميع كتاباته بحيث أنه يتساوى أمامه في مجال النقد الأصدقاء وغيرهم على السواء. وهذا ما جعل الكرملي قدوة صالحة في النقد وكون لارائه المستقلة قيمة ثمينة في عالم الأدب كما خلق كثيرين من الخصوم بين الجهلة والمغرضين وأهل الإدعاء الكاذب. (٢) للرجل فضل لا ينكر في حركة النشر اللغوي والأدبي الصحيح شرقا وغربا ونظن الأستاذة أحمد زكي باشا وأحمد تيمور باشا والدكتور محمد شرف بك وأمثالهم في مقدمة من يشهدون بذلك وهذا ما يجعل العالم العربي بأسره مدينا لفضله العميم. (٣) وضع الأب الكرملي قواعد جديدة للبحث والنقد اللغوي ولدراسة فقه العربية تنم عن ذكاء عظيم ومقدرة فائقة. فشجع الابتكار في الدرس والبحث وقضى على أساليب القدامى النقلية التي جنت شر جناية على ثقافتنا اللغوية وأطالت أسرها في سلاسل التقليد. (٤) قضى الأب الكرملي على التقطع اللغوي وبرهن برهانا عمليا على أن العالم اللغوي يجب أن لا يتجرد من صفات الكاتب الأديب العصري وهذا ما يمتاز به أسلوبه دون غيره من اللغويين المتحذلقين وإن لم يدانوه معرفة وذكاء. (٥) عاش الرجل طول حياته الثمينة العامرة مثال النزاهة والشمم والإخلاص الكلي لما وهب نفسه له، فأستحق بتضحياته المتنوعة المتواصلة إكبارنا الأوفى. عن مجلة (العصور) جزء مارس ١٩٢٩ ص ٣١٩

стр. 3992

فوائد لغوية عثرات إبراهيم اليازجي وجرجي جنن البولسي في مغالط الكتاب ومناهج الصواب (مغالط الكتاب ومناهج الصواب): أسم كتيب محتو على إصلاحات لغوية جمعها الأب (جرجي جنن البولسي) مما كتبه المرحوم الشيخ إبراهيم اليازجي ومما كتبه هو نفسه. وقد ألفيت آثار عثرات في هذه المناهج فوجب علي أماطة العواثير عنها والإشارة إلى المعاثر خدمة للغتنا الضادية وتنبيهاً لكتاب العربية الكرام على أشياء يستحسن الوقوف عليها وإليك ذلك: ١ - نقل الأب جرجي في ص ١٣١ عن الشيخ إبراهيم اليازجي قوله (وغلط أفظع قولهم: أولد عمرو كذا بنين) ثم ذكر عنه أن الصواب (ولد عمرو كذا بنين) ولم يذكر سبب التغليط غير أني حسبته (كون الثلاثي متعديا فلا حاجة لنا إلى استعمال الرباعي). واليازجي لم يصب في تخطئته لأن العرب تستعمل أحيانا أفعالا متعدية إلى مفعولين فتهمل أحدهما وتذكر الأخر وأن هنالك من لم يذكرهما كليهما ومن الأدلة الناطقة قول الرسل ﵇ لعلي (ك) (أما إنك ستسام مثلها فتعطي) يريد (فتعطي منازعيك مثلها) ولكنه حذف المفعولين. فقولهم (أولد عمرو كذا بنين) قد حذف منه مفعول واحد فقط وذلك شيء مألوف كقولهم (أعطى درهما) و (ألبس ثوبا) لأن المعطي منوي وكذلك الملبس. فأصل قولهم إذن (أولد عمرو زوجه كذا بنين) ولكنهم حذفوا (زوجا) وما بقي فدال على المحذوف فالقول المذكور فصيح لا يستوجب الطعن ولا الاستنكار. ٢ - وقال الأب نفسه في ص ١٢١ ناقلا عن اليازجي مسندا غليه (النيف الزيادة أو ما زاد على العقد إلى أن يبلغ العقد الثاني. ولا يأتي إلاّ بعد عقد.

стр. 3993

غلط قولهم: (نيف وعشرون دينارا. صوابه: عشرون دينارا ونيف) قلت: إن تغليط اليازجي المرحوم من غريب الغلط لأنه أنكر تقدم النيف للعقد مع أن الفصحاء الكبار قدموه. ومن ذلك قول (الحسن بن رجاء) في الكامل (ج ١ ص ٢١٦) (ونحن إذ ذاك نجري على نيف وسبعين) وقول أبي العباس المبرد فيه ج ٢ ص ٥٤ (قد ولدت في العرب نيف وعشرين حيا) وهذا نص صريح على خطأ اليازجي. فالقائل (نيف وعشرون دينارا) مصيب كل الإصابة ومستعمل للفصيح من الكلام. ٣ - وقال الجامع في ص٢، ١ (غلط: لا يفنيه كر الأيام. صوابه: كرور الأيام) ثم عرض السبب وهو أن معنى الكر والكرور والتكرار لا تقتضيه الحال لأنه من (كر) بمعنى عطف وحمل وهجم وأن الموافق لمقتضى الحال (الكرور) بمعنى الرجوع) قلت: وليس الرجل مستندا إلى دعوى رصينة لأن هجوم الأيام أشد إفناءا من رجوعها فهو يحتمل الشدة والتكرار معا. ففي قولهم إذن معنى كبير. قلت ذلك فضلاً عن أن تعبيرهم من تعابير السلف الفصيح. فقد قال أبو الأسود الدؤلي: أفنى الشباب الذي أفنيت جدته ... (كر الجديدين) من آت ومنطلق فلقد رأيت قوله (كر الجديدين) أي الليل والنهار فما وجه التخطئة وللقائل أسوة حسنة في أول جامع للنحو وهو من أشهر الفصحاء؟ وقال الصلتان العبدي: أشاب الصغير وأفنى الكبير ... مرور الليالي و (كر العشي) ٤ - وقال في كلامه على مهما (وتاتي ظرفا بمعنى (كل مرة) نحو: مهما يزرني زيد أكرمه. أي كل مرة يزورني) قلت أن المشهور عن (مهما) كونها لغير العاقل وتستعمل في الاشتراط. وإن كلامه فيه ارتباك عبارة فقد قال (أي كل مرة يزورني) والصواب (كل مرة يزورني فيها) أو (كلما زارني) فهو استعمل (كل مرة) بدلا من (كلما) وشتان ما هذان التعبيران وما أضعف (كل مرة) أمام (كلما)!! ٥ - وذكر في ص ١٠١ قول اليازجي (ويقولون: رأيته أكثر من مرة وجاءني أكثر من واحد. ومقتضاه: إثبات الكثرة للمرة وللواحد لأن المفضل

стр. 3994

عليه في معنى من المعاني لا بد أن يشارك المفضل في ذلك المعنى فقولك: بكر أشرف من خالد يتضمن إثبات الشرف لخالد مع زيادة بكر عليه فيه) اهـ. قلت أن اليازجي قد ألتبس عليه استعمال (أفعل التفضيل) فعده ذلك العد. ألا ترى أن الجملتين اللتين عدهما خطأ فيهما اسما تفضيل قد تقدمهما فعلان مختلفا الاستعمال. فالأول ذكر معه فاعله فصار أسم التفضيل (مفعولا مطلقا) وهي في الأصل صفة للمفعول المطلق) المحذوف. والتقدير (رأيته رؤية أكثر من مرة) فليس في الكرم إثبات الكثرة للمرة. أي كما ادعى اليازجي وإنما الكثرة للرؤية. فالمصدر مفضل والمرة مفضل عليه ولا خطأ في الكلام لأن الرؤية التي هي أكثر من مرة تشمل المرتين وأكثر منهما. وكذلك قولهم (جاءني أكثر من واحد) لأن الذي هو أكثر من واحد (اثنان فأكثر منهما) وتقديره (جاءني بشر أكثر من واحد) أما ضرب اليازجي (بكر أشرف من خالد) مثلا للاستدلال فمرغوب عنه لأن ما قبل أسم التفضيل في المثل (أسم هو بكر) وقد ارتبط اسم التفضيل بالدلالة على التفضيل صريحا. فلو كان قد قال (جاءني أشرف من خالد لأصاب حقا. وتقدير قوله (جاءني إنسان أشرف من خالد). ولكن حذف الموصوف فنابت الصفة منابه فليس من خطأ ثم. ٦ - وقال في ص ١٢٣ ناقلا عن اليازجي (أما هاته فلم ترد في شيء من كتب المتقدمين وما هي بالفصحى ولا الفصيحة) قلت ذلك جزم يدل على أن اليازجي قد قتل كل كتب اللغة بحثا وتفتيشا فلم يجدها ولكن الحقيقة غير ذلك فقد وردت في كتب المتقدمين بنص صريح. قال أبو العباس المبرد (ذي: معناه ذه. يقال: ذا عبد الله وذي أمة الله وذه أمة الله و (ته) أمة الله ثم قال: وتقول (هاته هند وهاتي هند) وذلك في الجزء الثالث من الكامل. الكلام في ص ٥٩ و٦٠ وفي مختار الصحاح (تا اسم يشار إلى المؤنث مثل ذا الذكر و (ته) مثل (ذه) فاليازجي مخطئ في ما ذهب إليه لا محالة لن المبرد ذكر (ته) وأدخل عليها (ها) التنبيه والمختار ذكرها من غير (ها). (لها بقية) مصطفى جواد

стр. 3995

باب المكاتبة والمذاكرة أألمذمر أم السماوة؟ قرأنا في مجلة المعهد الطبي العربي (١٩٤: ٦) مقالة هذا نصها: موازنة بين كلمتين (مذمر) و (سماوة) جاءتنا المقالة الآتية من حضرة اللغوي الكبير الشيخ عبد القادر المغربي عضو المجمع العلمي تعليقا على كلمة مذمر فنشرناها شاكرين له غيرته على اللغة. حضرة الفاضل رئيس إنشاء الطب العربي. قلتم في الجزء الأول الصادر في هذه السنة من مجلتكم تعليقا على كلمة (مذمر) أن العلامة الأب أنستاس الكرملي هو الذي وضع هذه الكلمة لتقوم مقام كلمة الأفرنسية التي يراد بها الصورة النصفية وأن (المغربي) وضع كلمة (سماوة) للدلالة على ذلك المعنى. وكنتم قبل هذا التعليق سألتموني لماذا لم ارتض كلمة (مذمر) وعدلت عنها إلى (سماوة) مع أن مذمر تفيد معنى كل الإفادة هكذا قلتم وهاأنا أملي رأيي عليكم. أول من أشار بوضع كلمة (سماوة) للصورة النصفية هو الشيخ مكي الخضر التونسي. وقد نشر ذلك في مجلة (الزهراء). فلما أطلع على قوله الأب أنستاس ذكر في مجلة (لغة العرب) ما قاله الشيخ مكي ثم عقبه بأن كلمة سماوة غير موافقة للكلمة الافرنسية وأن كلمة (مذمر) أصلح منها للاستعمال. ولما قرأت قولهما راجعت كلمة (مذمر) وتأملت في معناها وطرائق

стр. 3996

استعمالها فلم أجدها تفضل على كلمة (سماوة) لا من جهة دقة المعنى ومطابقته للمراد من كلمة ولا من جهة رشاقة اللفظ وعذوبته. ولذا عولت على اختيار كلمة (السماوة) فذكرتها في جملة (الكلمات الجديدة) التي أشير على الكتاب والمحررين باستعمالها في كتاباتهم وأنشر هذه (الكلمات الجديدة) في جريدة (ألف باء). وقد قلت عند الكلام على (سماوة) ما نصه: (أستحسن بعض الفضلاء أن نستعمل كلمة (سمامة) للصورة الكاملة: ففي كتب اللغة أن (السمامة) تطلق على شخص الرجل بتمامه إذ يقال (فلان بهي السمامة. ظاهر الوسامة) كما نقول بهي الطلعة. ولا نريد إلا شخصه كله أما الصورة النصفية فنستعمل لها كلمة (سماوة) بالواو: ففي كتاب الأماني لأبي علي القالي (جزء ١ ص ٢٥) أنه يقال لا على شخص الإنسان (السماوة). وفي القاموس وشرحه: (سماوة كل شيء شخصه العالي اهـ). هذا ما قلته استنادا إلى نصوص علماء اللغة. وعباراتهم واضحة جلية تشف عن المعنى الذي نريده لكلمة كما يشف البلور الصافي عما أشتمل عليه. أما عبارات علماء اللغة في تفسير كلمة (المذمر) فلا تشف عن المعنى الذي نريده لكلمة إلاّ بتكلف: ففي القاموس وشرحه أن المذمر كمعظم القفا. وقيل المذمر أسم لعظمين في أصل القفا. وهذان العظمان كما يسميان (المذمر) يسميان أيضا (الذفرى وقيل (المذمر هو الكاهل. وقد جمع الأصمعي بين هذه المعاني في تفسير (المذمر) فقال المذمر الكاهل والعنق وما حوله إلى (الذفرى) و (الذفري) كما مر هي العظمان في أصل القفا أو العظم خلف الأذن. وإنما سمي هذا المكان ن القفا (مذمرا) بفتح الميم المشدودة لتعلق فعل (التذمير) به. و (التذمير) أن يدخل الرجل (المذمر) بكسر الميم المشدودة (والمذمر للإبل كالقابلة للناس) - يده في حياء الناقة فيلمس مذمر جنينها الذي في بطنها (أي يلمس قفاه أو العظمين اللذين في قفاه أو العظم الناتئ خلف أذنه أو كاهله) - فيعلم إذ ذاك أن كان جنين الناقة ذكرا أو أنثى. وقال بعضهم في تفسير (التذمير) هو أن (المذمر يلمس المذمر أي لحيي الجنين: فإن كانا غليظين كان الجنين فحلا. وإن كانا رقيقين كان ناقة. وهذا التفسير زادنا في معاني (المذمر) أن يكون بمعنى (اللحي) وهو عظم الفك.

стр. 3997

فنلخص من هذا جميعه أن (المذمر) في لغة العرب هو عضو من أعضاء الجسم لا يعدو أن يكون (القفا) أو (العظمين في القفا) أو (العظم خلف الأذن) أو (الكاهل) أو (اللحي). هذه هي المعاني التي يتعاورها لفظ (المذمر). وعبارة التاج التي نقلها الأصمعي وهي قوله (المذمر الكاهل والعنق وما حوله إلى الذفرى) وهي التي أستند إليها الأب أنستاس - موجزة فسرها الأصمعي نفسه وأوضحها بأكمل إيضاح. ففي شرح نقائض جرير والفرزدق (جزء ١ ص ٣٥٢) طبعة أوربا عند قول الفرزدق: (كيف التعذر بعد ما ذمرتم ... سقبا لمعضلة النتاج نوار ما نصه: (ذمرتم أي مسستم مذمرة عند نتاجه، وقال الأصمعي) للمذمر مكانان يمسهما المذمر: فأحدهما ما بين الأذنين إذا وجده غليظا تحت يده علم أنه ذكر. وإذا رآه يموج تحت يده علم أنثى. والمكان الآخر: أن يمس طرف اللحي فأن وجده لطيفاً علم أنه أنثى وأن وجده جاسئا (قاسيا صلبا) علم أنه ذكر اهـ) فبعد هذه النقول كلها لا يصح القول بأن (المذمر) له معنى لغوي باعتباره يصح إطلاقه على الصورة النصفية للإنسان. وإنما (المذمر) مكان خاص أو عضو خاص من النصف الأعلى للإنسان بل ربما كان أكثر استعماله في الإبل كما مر صراحة وهو لعمري لا يعدو المكان الواقع بين الكتف والرأس في العنق كما قال الزمخشري في الأساس. فالمذمر إذا مما يحسن أن يهديه صديقنا العلامة الكرملي إلى علماء التشريح عامة. أو علماء البيطرة خاصة. إلاّ أن يكون لدى الأب المحترم علم أو قول لعلماء اللغة في تفسير (المذمر) لم نهتد بعد إليه. والسلام عليك وعليه. المغربي فنجيب حضرة الأستاذ المغربي صديقنا المحبوب عن كلامه النفيس بما يأتي: (يعلم القوم أننا هيأنا معجما من الفرنسية إلى العربية كما أعددنا دواوين لغوية أخرى. وكنا قد وضعنا منذ نحو ثلاثين سنة لفظة (المذمر) لما يسميه الإفرنج وذلك بعد أن وقفنا عل كل ما جاء من الألفاظ التي تقارب

стр. 3998

المعنى المطلوب له وضع ما يقابله في لغتنا، فلم نجد أحسن منها ولا نرى غيرها في لساننا يؤدي مؤداها. والذي زادنا تمسكا بها ما قرأناه في المخصص (٥٢: ١) (قال) ثابت: السمامة والآل: الشخص. . . وقد يكون الشبح والسمامة والسماوة شخوص غير الآدميين. وأنشد في الشبح. . . وفي السمامة. . . وفي السماوة: سماوته أسمال برد محبر ... وصهوته من أتحمى معصب يعني (بيتا) تظلل فيه في قائلة في فلاة من الأرض) اهـ. وهذا ما يسمى بالفرنسية كما هو مدون في معجمنا، ومن أسمائه في لغتنا المبينة: السواد، والجماء، والسدف (وجمعها سدوف)، والشدف (وجمعها شدوف)، والزول واللام، إلى غيرها وهي كثيرة، فإذا كانت السماوة هي فما عسى أن تكون ولا جرم أن الصديق المغربي لو علم أن في لغة الفرنسيين لفظة أخرى تقابل كل المقابلة كلمة سماوة لما رضي أن تكون هذه الأخيرة مقابلة للإفرنجية والذي يزيدنا تمسكا بالمذمر ما جاء عن ابن مسعود، فقد قال: انتهيت يوم بدر إلى أبي جهل وهو صريع فوضعت رجلي في مذمرة فقال: يا رويعي الغنم لقد ارتقيت مرتقى صعبا. قال: فاحترزت رأسه. قال الأصمعي: المذمر هو الكاهل والعنق وما حوله إلى الذفرى. انتهى عن التاج وكذلك شرحه ابن الأثير في النهاية. فهل يعقل أن يكون المذمر هنا القفا وحده أو العظمين في أصل القفا أو الذفرى؟ - أم مجموع كل ذلك إلى الكاهل حتى استطاع ابن مسعود أن يضع عليه رجليه الاثنتين؟ - فليصدقنا القارئ. والفرنسيون لا إلاّ إذا كان إلى الكاهل أي ولهذا أخطأ كل من نقل إلى لغتنا هذه اللفظة ب (صورة نصفية) إذ ليست كذلك، ويخطئ من ينقلها إلى قوله (السماوة) لأننا لو سلمنا أنها بمعنى أعلى الشخص أو أعلى الإنسان فهذا يفيدنا نصفه الأعلى وهذا خطأ كالسابق. دع عنك من قال: أن اللغويين جميعهم اتفقوا على أن السماوة والسمامة بمعنى واحد، وكلتاهما لا تفيد الصورة الواضحة المبينة للإنسان بل تفيد الشخص لا غير، والشخص هو كل شيء يرى غير واضح عن بعد، بل يرى كأنه خيال، بل (الخيال) نفسه هو من أسماء

стр. 3999

السماوة ومرادفاتها وكذلك الظل والطيف وكل ذلك إذا لم يكن واضحا، فأن كان بينا واضحا فلا يسمى بتلك الأسماء. إذن لا يحسن بنا أن نوجه كلام السلف إلى غير معانيه كما لا يليق بنا أن نضع للألفاظ الإفرنجية ألفاظا لا تقابلها كل المقابلة إذا دققنا النظر فيها تدقيق ناقد. أما إذا نظرنا إليها نظرا مجملا بلا روية فهذه أمر آخر ولسنا من الذين يذهبون إلى الأخذ به. وبعد هذا القول الواضح الجلي ليتبع الإنسان ما يهوى فهو حر في ما يتبع. مجمل اللغة لابن فارس سألني أحد أدباء بغداد عن كتاب (مجمل اللغة) المخطوط لأحمد بن فارس المتوفى سنة ٣٩٥ هـ أتوجد منه نسخ مخطوطة عندكم في (النجف فأجبته أن في النجف على ما أعلم من هذا الكتاب ثلاث نسخ (إحداها) كانت في خزانة العلامة السيد محمد اليزدي الطباطبائي المتوفى سنة ١٣٣٤ هـ وقد بيعت مع جميع الكتب (المطبوعة والمخطوطة) الراجعة إلى السيد المذكور في العام الماضي ولم أعلم من ابتاعها و (ثانيتها) أبتاعها الصديق الشيخ كاظم الدجيلي نزيل لندن حين زيارته النجف في صفر سنة ١٣٤٦ هـ سنة ١٩٢٧ م من (أحد الكتبيين) مع كتابين مخطوطين نفيسين لا يعلم مؤلفاهما (الأول) في (علم الحيوان) وقد انخرم مقدار من أوله وآخره (والثاني) في (علم التفسير). وكانت نسخة (مجمل اللغة) التي ابتاعها الشيخ المذكور قديمة الخط كاملة الأول والآخر عليها خطوط بعض العلماء، و (ثالثها) في خزانة العلامة الشيخ علي كاشف الغطاء وهذه النسخة في غاية الحسن والنفاسة وفي أعلى مراتب جودة الخط والإعراب. وفي هذه الخزانة أيضا نسخة من (مقاييس اللغة) لأحمد بن فارس المذكور الموجودة لديكم نسخة منه. وحبذا لو تسنى لأحد عشاق الفضل وخدام اللغة العربية أحياء هذين الكتابين (المجمل والمقاييس) اللغويين بعد التصحيح والتنقيح والضبط والتشكيل ليسدي للغة العربية خالد الذكر، ويستحق بذلك جميل الشكر. النجف: عبد المولى الطريحي

стр. 4000

أسئلة وأجوبة أصل كلمة بارياء س - بغداد: ب. م. م - ذكرتم في لغة العرب ٧٨٢: ٦ أن (البارية أو البورية فارسية لا تحتمل شكا) ثم قرأنا في إحدى مجلات بيروت مقالة لأحد الأدباء يذهب فيها إلى أن اللفظة أكدية من أو وكتب لتأييد رأيه مقالة في نحو عشر صفحات فما رأيكم؟ ج - أضحكتنا هذه المقالة كثيراً لأسباب منها: إن صاحبها أراد أن يفهمنا بأنه واقف على لغات الأقدمين والمحدثين من مسمارية الكتابة وزنديتها وارميتها إلى غيرها - ٢ - ذكر وجود الأقدمين في سقي الرافدين ولم يذكر للفرس الأقدمين فيها وجوداً - ٣ - ذكر فيها قوله ساخرا من علمائنا ولغويينا بهذه العبارة (أما أهل المعاجم العربية، فلعدم معرفتهم كل هذا (إنها من الأكدية وفروعها) ولوجودهم الكلمة في الفارسية. سقطوا في وهدة الضلال (كذا سامحك الله على هذه الإهانة) بادعائهم أنها فارسية فورطوا في ورطتهم حتى أئمة عصرنا الممحصين، المنتقدين، المغربلين، القائلين القول الفصل!! (كذا بنصه ونقشه على ما به من التبجح والتكبر والتصلف والتعجرف فالمسألة صغيرة تافهة لا تتحمل كل ذلك) (راجع المشرق ٨٩: ٢٧) - ٤ - رأينا من كلام الأديب (المهذب) إنه حديث العهد بالوقوف على علم أصول الكلم. لأننا إذا أخذنا الآن لفظة من الفرنسيين أو الإنكليز أو الإيطاليين فلا نقول أننا أخذناها من القوم الذين أخذها منهم هؤلاء الفرنسيون أو الإنكليز أو الإيطاليون بل نقول: أخذناها من الفرنسيين إذا كنا تلقيناها منهم أو من الإنكليز أو الإيطاليين إذا أخذناها من أحد هذين القومين. والدليل على ذلك أننا نعرض على الكاتب مثالا من عدة أمثلة: ما تقول يا هذا

стр. 4001

في أصل كرتون ومتر وبكلة وبولس التي اقتبسناها من الفرنسيين في المائة الأخيرة من تاريخنا؟ فإن قلت أن الكرتون من الإيطالية والمتر وبوليس من اليونانية والبكلة من اللاتينية. قلنا لك لا يوافقك على هذا التقعر أحد من اللغويين المحدثين من إفرنج وعرب لأننا أخذناها من الفرنسيين ولهذا رويناها رواية الفرنسيين وإلاّ فأن أصول تلك الكلمات الفرنسية هي كما يأتي: الكرتون الكرتون من كرتونه الإيطالية وهي من اليونانية خرطاس. والمتر من مترون اليونانية والبكلة من اللاتينية والبوليس من بوليتييا اليونانية. ولهذا لم يجز القول عندنا أننا أخذناها من هؤلاء القوام بل من السلف في كتب المعربات وحديثة نأخذها كل يوم من فرنجة هذا العصر كتلفون وفونغراف وغرامفون وغيرها بالمئات فأننا لا نأخذها من الروم أو اليونانيين بل من الفرنجة. أما أن البارية هي (بورو) بالأكدية فنحن لا ننكره. وكنا قد رأينا ذلك في شرح الألفاظ الآشورية الفرنسية لصاحبه أنط. سوبين - ص ٤٩ في السطر ٦ من العمود الثاني، لكننا لم نقبلها لأن العرب أخذوها عن الفرس الذين طووا أيامهم في سقي الرافدين مئات من السنين من آخر المائة الثالثة قبل المسيح إلى منتصف المائة السابعة بعد المسيح. لأن بلادنا حكمها آشوريون وبابليون وفرس ومكدونيون وسلوقيون وفرثيون ورومانيون والسلف والترك. وبين الفرس والأكديين كان مئات من السنين ولا جرم أنه لم يبق من اللغة الأكدية شيء بعد عهد الساسانيين وانهدام مملكتهم. ثم إن الأكديين أو الشمريين لم يعرفهم السلف في تاريخهم والاسم حديث العهد في اللغات الغربية نفسها فكيف يمكن أن يقال أن العربية من الأكدية. نعم أن أجدادنا الناطقين بالضاد اتصلوا بالفرس والفرس بمن سبقهم من البابليين والآشوريين بيد أن الألفاظ التي اقتبسوها منهم أفرغوها في قوالب لغتهم (فتفرست) ولم

стр. 4002

تبق أكدية أو شمرية. ثم من قال له أن الأكديين هم الذين وضعوا هذه اللفظة. فقد يحتمل أن جيلا آخر سبق الأكديين في ديار الرافدين وهم الذين نقلوها عن غيرهم أو وضعوها هم بأنفسهم إلى غير ذلك من الاحتمالات. ومهما يكن من أمرها فأنها نقلت إلى (صيغة فارسية) أي إلى بوريا ولم تبق بورو؛ فهي في لغتنا (فارسية الأصل لا تحتمل شكا) مهما حاول الخلاف حضرة الشيخ شارح الخنفشار الذي يعارض بعلمه بيك الميراندولي الذي قيل عنه أنه كان يتقن كل ما يعرف وما وراء ذلك - ولهذا إذا وضعت معجما عربيا وأردت أن تذكر فيه أصل كلمة برياء يجب عليك أن تقول أنها من الفارسية (بوريا) ولا يجوز أن تتعدى في أصلها إلى ما وراء ذلك فهذا عائد إلى الباحث عن أصلها في الفارسية فتأمل ترعو. وهناك أدلة أخرى على ما نقول مأخوذة من ألفاظ العراقيين أنفسهم في عصرنا هذا. فأنهم يسمون مستودع البضائع ومحل بيعها بالمغازة وهي تركية بلا أدنى ريب وجميع المعاجم التركية العربية تذكر أنها من الفرنسية أي مأخوذة من (مغازين أو مغازن) إلاّ أن هذه الفرنسية هي من العربية مخازن جمع مخزن فإذا سألك سائل: من أين أتى العراقيين أسم (المغازة) فلا يمكنك أن تقول إلاّ من التركية. وإذا أردت أن تتعمق في ذكر الأصل تقول: والتركية من الفرنسية والفرنسية من العربية. ومثل هذه الكلمة (همائل وهلال) فأن الأولى هي حمائل والثانية هي الخلال لما ينظف به الأسنان. فهل فهمت الآن يا حضرة (المتبحر المتبقر المتقعر) ولهذا يجدر بك أن لا تتعرض لما لا يعنيك وتهرف بما لا تعرف - ليس هذا بعشك فأدرجي) والسلام على من لا يسوقه الهوى. كذبة نيسان س - بغداد - السيد ع. ر ح - ما أصل كذبة نيسان (أبريل)؟

стр. 4003

ج - كذبة نيسان ويسميها الإفرنج أي سمكة نيسان كذب اعتاده بعض المازحين ليخدعوا به السذج أو البله فإذا خدع قيل له (سمكة نيسان). ولم يتفق العلماء على تعيين أصلها. فمن قائل أنها ابتدأت في أواخر المائة السادسة عشرة للمسيح في حين انقطاع رأس السنة من أن تكون في أول نيسان لأنها كانت تبتدئ في هذا الشهر في الأزمن السابقة فاتفق أن ملك فرنسة وكان يومئذ شارل التاسع يقيم في قصر روسليون في دوفينة من أعمال فرنسية في سنة ١٥٦٤ وأصدر مرسوما يقول فيه أنه ينقل رأس السنة الميلادية إلى شهر يناير (ك٢) بدلا من أول نيسان (أبريل) ولما وقع هذا التغيير لم تعط هدايا العيد إلاّ في اليوم الأول من رأس السنة المحولة ولم يبق في أول نيسان إلا تبادل التهانئ تهانئ المزاح - للذين بقوا محافظين على رأس السنة القديم واستصعبوا بدءها في أول يناير (ك٢) -، بل زادوا الطين بلة أنهم أخذوا يشيرون إلى عقليتهم التي لم تنطو على التغيير الجديد بأن يهدوا إليهم هدايا فارغة أو بأن يرسلوا إليهم رسلا كذبة. ولما كان هذا المزاج يقع في شهر نيسان (أبريل) وفي هذا الشهر تنتقل الشمس من برج السمك سمى الإفرنج هذه الكذبة بسمكة نيسان (أبريل). والإنكليز يسمون كذبة نيسان يوم أحمق نيسان وعادة إرسال أناس لقضاء أمور تافهة أو لحمل هدايا فارغة معروفة في ربوع أوربة كلها وقد امتدت إلى أميركة وأسترالية وغلى جميع الديار التي دخلها الإفرنج وتكاد تكون في أصقاع الشرق كله، ولا سيما البلاد التي يكثر فيها الغربيون. ومن الآراء في أصل هذه العادة المكروهة أن الإفرنج أخذوها من عيد هومي في الهند وفي ذلك اليوم يباح الكذب المحتفلون وقيل هي ذكرى لإرسال هيرودس المسيح إلى بلاطس وهذا إلى قيافا. وهناك غير هذه الآراء وكلها لا تقوم قيام الرأي الأول الذي أثبتناه في رأس الجواب. وقد ألقي هذا السؤال على جرائد ومجلات عربية مختلفة في سورية وديار مصر وكلها أجابت أجوبة ناقلة إياها من كتب الإفرنج إذ العادة إفرنجية: أما سلفنا فأنهم كانوا يجهلونها. والرأي الذي أوردناه لم تذكره صحيفة من صحفنا المذكورة.

стр. 4004

باب المشارفة والانتقاد موادنا النقدية سألنا بعض القراء عن تتمة مقال الأستاذ العلامة أحمد أفندي الشايب عن (الأخطل) فنجيبهم بأننا لم نتلقه بعد بسبب انهماك صديقنا الأستاذ في واجبات التدريس، ومتى سمح له وقته ووافانا به أحللناه منزلة الاعتبار الواجبة لعلمه وأدبه. وسألنا غيرهم عن إتمام نقدنا لديوان العقاد ولديوان الحوماني وللبستان (معجم البستاني الحديث) باعتبار أن مثل هذا النقد الأدبي جامع لفوائد شتى حقيقة بالعناية والدرس. فجوابنا أنه لم يعقنا عن ذلك سوى كثرة المواد الأخرى كثرة غالبة، ولا مانع عندنا غير هذا العذر الاضطراري. وربما كان في ما نشرناه نماذج كافية تغني عن بقية النقد. ولا غرض لنا على أي حال سوى خدمة اللغة وآدابها. ٤١ - محمد والمرأة ابن خلدون في المدرسة العادلية - محاكمة وزيرين في أمرين خطيرين هذا الكتيب بقطع الثمن الصغير قوامه (٨٣) صفحة مطبوعة بالحرف الأوسط بمطابع (قوزما) وقد ضمنه مؤلفه (الشيخ عبد القادر المغربي الأستاذ) ثلاث محاضرات له وجعله هدية الكشاف الثانية لعام ١٩٢٨م وعناوين هذه المقالات هي عناوين هذا النقد بعينه. ففي الأولى تكلم على بعض الأحاديث النبوية الشريفة في سعادة المرأة وعلى الحجاب وتعدد الأزواج والطلاق وعلى يد المرأة المسلمة العاملة في نهضة المسلمين وفي الثانية تكلم على محاكمات الدولة العباسية وأن القضاء في أواسط زمنها أمسى قضاءا على الحق وإجهازا على العدل المثخن بالجروح وفي الثالثة تكلم على صفات ابن خلدون ومراوضته أعداءه

стр. 4005

وفضله على طلاب العلم، فهذا الكتيب جدير بالمطالعة، خليق بالتصفح حري بالمدح ولنا فيه لحظات: ١ - قال الشيخ في ص ٢٤ منه حول الأفشين ابن أبي الساج (تارة يكون عاملا من قبل خمارويه. . . وطورا من قبل الموفق الخليفة العباسي) وهذا وهم منه لأن (الموفق) لم يكن خليفة وإنما كان أخا المعتمد الخليفة العباسي (٢٥٦ - ٢٨٩) هـ غير أنه كان الآمر الناهي في الخلافة. ٢ - وقال في ص ٥٤ حول ابن خلدون (وهبط مصر سنة (٨٧٤) للهجرة) والصواب (٧٨٤) لأنه لم يحي بعد موته (٦٦) سنة ولأنه توفي سنة (٨٠٨) للهجرة أي سنة وفاة (تيمور) الأعرج مجادل ابن خلدون في هذه المحاضرة والبطل الثاني فيها. ٣ - وقال في ٦٢ (وكان الأجدر أن يمدح ابن خلدون لا أن يذم وذلك لاختراعه طريقة (ترجمة النفس) بشكل مفكرات أو مذكرات) وليس الأمر على ما قال الشيخ فأن (الرئيس ابن سينا) ٣٧٠ - ٤٢٨ هـ) أملى ترجمة نفسه بهذه الطريقة والفرق بين زمنيهما أربعة قرون فكيف يكون ابن خلدون (المخترع لهذه الطريقة)؟!! ٤ - كثرة الأغلاط المطبعية نقصت من محاسن الكتيب ففي ص ٤ (جمعية التهذيب) وفي ص ٨ (وكل امرأة أم إن لم يكن بالفعل فبالقوة) ولعل الأصل (فبالقول) وفي ص ١٠ (لمغيت) وفي ص ١٣ (نفيسة المرأة وغرائزها) وفي ص ١٧ (ملكات الحجبان) والأصل (لمغيث، نفسية، الحجاب) وفي ص ٣٥ (أخبرني بها القاضي) والأصل (أيها) وفي ص ١٧ أيضا (نصف أرت أخيها)

стр. 4006

والأصل (أرث) وفي ص ٣ (أحاديث) أي أحاديث. ٥ - الكتاب (مشحون غلطا لغويا ففي ص ٣ (حقا أن مراعاة التناسب. . . هو موضع صعوبة) وفي ص ٢١ (فإباحة الزوجة الثالثة في شرع محمد إذن إنما هو سد لحاجة الطبيعة) والصواب (هي موضع) و (هي سد) لرجوعهما إلى المراعاة والإباحة. ٦ - وقال في ص ٤ - ٥ (كانوا يرون في المرأة سببا لمذلتهم ولحوق العار بهم فتشاءموا بها إلى حد أن وأدوها) وكأني بالشيخ قد أغضى عينه عن قوله تعالى (ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق) وقوله (ولا يقتلن أولادهن) فأي تشاؤم وعار سوى حاجتهم وكيف أشترى (صعصعة بن ناجية (٢٨٠) بنتا الكامل ج ٢ ص ٧٣)؟ إن كان قتلهن خوف العار. ٧ - في ص ٥ (بل والتبشير) وفي ص ٦ (بل وعلى قلبها) والصواب حذف الواو المفسدة للتركيب، وفي ص ٨ (بل وتلميذه) وفي ص ١٧ (والجواب عليه) والصواب (عنه) وفي ص ١٨ (مهما تحرينا. . . لا بد أن يقع) وفي ص ٦٢ (ومهما توفرت. . . لا بد أن) والصواب (فلا بد) لربط جواب الشرط وفي ص ٧١ (التثبت من الأمر) والصواب (في الأمر) وفي ص ٢٠ (التي يبيح لها محمد) والصواب (يبيحها محمد) وفي ص ٨٢ (فهو وإن كان قد رأى. . لكنه رأى) والصواب (رأى) أو (فأنه رأى) على توهم الشرط أفلم يلتفت الشيخ إلى ما نقله عن القاضي البهلول في ص ٢٧ (إن هذا الجندي وإن كان قد جهل فأنه قد غمني) وفي ص ٢٧ (دون العشرة مقارع) والصواب (دون العشر المقارع) أو (العشر مقارع وفي ص ٣٠ (في آن واحد) وكذلك في ص ٤١ وقد أنكر الأب أنستاس ماري الكرملي (آنا) فالصواب (أوان) وفي ص ٣١ (ضجة عظمى. . . ثورة شؤمى) والصواب (الضجة العظمى والثورة الشؤمى) وإن كان لقومه هذا وجه ضعيف هو غير التفضيل هنا إلاّ أن الفصحاء لا يجوزون مثل هذا التعبير. وفي ص ٣٩ (العاشر من ربيع الثاني) والصواب (من شهر ربيع. .) راجع (ربع) من المصباح المنير وفي ص ٤٥ (تأمل فيها) والصواب (تأملها)

стр. 4007

وفي ص ٣٩ (زحف على بلاد الشام) والصواب (زحف إلى. . . وفي الكتيب ما فوق الثلاثين غلطة ما عدا ما ذكرنا وقد أعرضنا عن ذكرها خشية الإطالة. الكاظمية: مصطفى جواد ٤٢ - الشفق الباكي نظيم من شؤون وعواطف، بقلم، لدكتور أحمد زكي أبي شادي عني بنشره، حسن صالح الجداوي، طبع بالمطبعة السلفية بمصر سنة (١٣٤٥ هـ - ١٩٢٦ م) وقوامه ١٣١٤ صفحة، بقطع الثمن الغير. ١ - الشعر الخاص بصاحب الديوان نيف وستون وسبعمائة وثمانية آلاف من الأبيات - على ما ذكر ناشره - وقد تضمنتها ثمان وسبعون وأربعمائة قصيدة ومقطوعة. الدكتور أبو شادي حامل علم التجديد والتطوير في مصر الناهضة وقائدة الأقطار العربية ومبدع أسلوب (النظم الحر أي الشعر المرسل) وأنك لتبصرن على حياته الفلسفية والخيالية والحقيقية في ما اضطرمت عليه دفتا هذا الديوان من الشهر السامي الكامل اللذيذ الطعم الوثير الشريعة المطفئ أوام العربية، ففيه (الحقائق النيرة والخيال البديع والغزل الشريف والتشبيه الجميل والصراحة الناضجة والفلسفة العليا والوصف المعجب والقصص الحق والتنبؤ الصادق والمناظرة العادلة والرثاء الخالد والحكم الرصيفة والتاريخ الوعظي والمداعبة الجليلة والملاعبة الحنون والأبعاد المهلع والتصوف النزيه والإيمان بوجوب خدمة الوطن) وغير ذلك من شؤون ذات شجون (ومن يلم بهذا الديوان القيم الثمين يجد عذوبة اللفظ وسوغ التعبير والكلم المستأنس الأنيس والإبداع المستحق للاستبداع، فهو ينبوع أدب عال مزيج من العربي والغربي لا يستغني عنه الشاعر في خلوته ولا الأديب في مطالعته ولا العطار في دكانه ولا الفلاح في مزرعته. وكيف يستغني عن غذاء الروح ورقوه الجروح وموقظ النفوس؟

стр. 4008

أجل أن الدكتور أبا شادي آس للجسوم كما أن شعره آس للنفوس أضيف إلى ذلك دماثة أخلاقه الشهيرة ورقة طباعه الكريمة، وحنان نفسه وإيلاعه بحب الحق، وبساطة يديه، ولباقته الوافرة، وأن امرأ هذا صفاته لقمن بالتعظيم والقدر والاعتداد وأن شعره لخليق بالتبجيل والإجلال والاستعظام لأنه فيض نفس عالية طاهرة ماهرة، وشآبيب قلب طافح بالحق والسلامة والرأفة رأيت لمحا باصرا أن ناسا في مصر نعوا على الدكتور المبدع (طريقته المرسلة المبدعة) بأنها تشذ عن القوافي وتزور عن الوزن وهم ينسون أو يتناسون أن الشعر الحي هو ما كان ملاكه (المعنى الواضح والتعبير السجيح والإرب السامي) فليس الوزن والقافية إلا جلبابين من جلابيب الشعر يلبسهما إياه من أحب ويعريه منهما من لم يحب، أو لم يروا إلى (عبد الرحمن بن حسان بن ثابت) حينما لسعه زنبور وهو صبي فجاء أباه يبكي فقال له حسان: مالك؟ فقال: لسعني طائر كأنه ملتف في بردي حبرة) فقال حسان (قلت والله الشعر) فهذا شاعر الإسلام المخضرم قد أيد أن الشعر شعر من حيث المعنى لا الوزن، ومن حيث الإبداع لا القافية، بل ألم ينظروا إلى (ابنة لبيد بن ربيعة الصبية) لما مدحت الوليد بن عقبة بالأدبيات التي آخرها: فعد إن الكريم له معاد ... وظني بابن أروى أن يعودا فقد قال لها لبيد أبوها (أحسنت يا بنيتي لولا أنك سألت) فقالت له (إن الملوك لا يستحى من مسألتهم) فقال لها (يا بنيتي وأنت في هذا أشعر) فهذه الصبية النابغة لم تأت بوزن في قولها الأخير ولا قافية وإنما أرسلته حكمة وجوابا رصيفا فعدها أبوها في النثر أشعر منها في الشعر المتعارف. فالأديب يدرك من هاتين القصتين مراد العرب بالشعر وهم في ذلك الزمن أي غرة القرن الأول للهجرة ويعلم أن هذا دليل لا يسيخ ولا يتداعى. في الفرنسية استعارة (أصلية مجردة) تستعمل للكتاب المفيد فائدة عظيمة ونصها الإنكليزي (أي عرق الفائدة المثرية ينبض) ولعمري أن عرق الفائدة الفنية لينبضن

стр. 4009

كثيرا حينما يقرأ الإنسان في هذا السفر الفريد الفوائد الكثير الفرائد لأن صاحبه (عفيف النفس) بإجماع أدباء مصر على ذلك والعفة خير ما يزين به الإنسان في الحياة وخير زاد لمن يؤمن بما بعد الممات ولا يزال الغربيون ينقلون معجبين عن العرب: أي (إن العفة شجرة جذورها القناعة وثمرها السلامة) وهذا الدكتور الفاضل يعد السعادة (طهارة القلب وصفاءه) على غرار قول الغربيين وهو مشهور بإحسانه إلى المسيئين إليه وتجاوزه عن المخذلين عنه وحبه للناس وحسن ظنه بهم وما أحسن ما نقله الفرنجة عنا: أي (دعنا نكن كالأشجار تنتج ثمرها للذين يرمونها بالحجارة) وهو دؤوب على التصريح بالحقيقة خصوصا (وجوب العطف على الإنسانية المعذبة وبيانا عن الخلافة الإسلامية وتمجيد عظماء التاريخ) والصراحة من صفات الكمال الإنساني وقد أعجب الغربيون بقولنا فيها وترجموه فقالوا أي (لا تكتم الحقيقة إذا تبينتها ولا تلبسها ثوب الزور) والدكتور أيضا مشهور بانتباذه عن التعصب المردي يمدح (الطيب) لأنه طيب غير ملتفت إلى كونه من (خبيث أو طيب لأن الأصل غير الفرع، ألا ترى أنك إذا ركبت (برعوما) لشجرة مثمرة على غصن شجرة عقيمة أتى أكله وافرا لذيذا وأصله عقيم لئيم؟ يقول الغربيون وينسبون هذه الحكمة إلى العرب ومضمونها (عاشر الذين يشعرون بفرق بينك وبينهم أيا كان دينك، فإذا اختلطت بهم مختارا ولم تغضب حين سماعك إياهم فقد بلغت السلام وكنت أستاذا في التأديب والتهذيب) وأنها لحكمة

стр. 4010

سامية قل من احتذاها في حياته فنحن أحرياء أن نتبع ما عزي إلينا من هذا الأدب الحي. وإن الدكتور أبا شادي شاعر فحل وكمي مدجج بالسلاح في ميدان الشعر فلا بدعة في أن استنتل من صفة يصاول ويتحمس ويقبل ويدبر فالاسنتال المحكم من صف الشعراء فن برأسه ودال على الإبداع وزيادة الإتقان، وبأي حق يعاب من قطف ثماره اليانعة بيديه وكيف يجبر على اتخاذ سلم أو غيره والقطوف دانية؟ أما حبه لمصره العزيزة فلا يؤثر فيه المدح ولا الذم لكونه قد أستحوذ عليه منذ طفولته فصار كالغرائز أي الانطباعات النفسية التي توجد بوجود صاحبها في الدنيا وأنك لتجدنه يقول في قصيدة (حامد القار ص ٢٥٨): إن العروبة والكنانة ملتي ... دين يوحده الوفي العابد فلوطني روحي وكل جوارحي ... ولكم حنيني والشعور الماجد يكفي لنا النسب العتيد مجمعا ... فجميعنا صيد رماه الصائد فلا تنشب أن تجل هذا الشعور المبارك النير والاعتراف بحق العروبة وكل من ينتسب إليها وهم الآن فرائس بين الشدوق وأنظر إليه في قصيدة (بعد الفراق ص ٦٧٨) يقول: نزحت عيوفا عن بلاد أحبها ... تساق بها الأحرار للخسف والضيم أقمت بها عمرا على الوجد صابرا ... وخلفتها بين التلفت وألام ذكرت بها بدرا ضللنا لبعده ... فأرسلت توديع الفؤاد على أليم ولقد صدق القول المأثور (لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا حتى يريه خير من أن يمتلئ شعرا) فأنت ترى نفس شاعرنا الفحل مضطربة حيرى تغذت بالحب وشربت الإخلاص، وتحلت بالوفاء والهمة فلم تتمكن بيئتها من تحملها. ثم الحظه في ص ٩١٤ وهو يقول (أيها المصريون اعرفوا واجبكم) فينشد (اعرفوه، اعرفوه يا رجال: اعرفوه). له بقية مصطفى جواد

стр. 4011

٤٣ - معجم إنجليزي عربي تأليف الدكتور محمد شرف وهو معجم في العلوم الطبية والطبيعية (مبني على المعارف الحديثة) للاصطلاحات والمفردات المستعملة في الطب، التشريح، علم وظائف الأعضاء، الجراحة، القبالة، المادة الطبية، أمراض النساء، الأطفال، العيون، الأعصاب، الجلد، الطب الشرعي، علوم النبات، الحيوان، الكيمياء، الطبيعيات، الكهربائية، علم حفظ الصحة، الصيدلة الخ. وصاحب هذا التأليف من أشهر الأطباء علما الدكتور محمد شرف بك، عضو كلية الجراحين الملكية بإنجلترا ومجاز الطب من كلية الأطباء الملكية بلندن وجراح بمستشفى الملك وهذه هي الطبعة الثانية بعد التنقيح والإضافة. حقوق إعادة الطبع والنشر محفوظة للمؤلف. طبع بالمطبعة الأميرية بالقاهرة سنة ١٩٢٨ في ٩٧١ صفحة بقطع الربع. وفيه ١٢ ص للتصويبات و٤٢ للمقدمة وقيمته ١٥٠ قرشا مصريا. كل ما ذكرناه إلى هنا نقلناه عن هذا المعجم النفيس الذي يحقر بجانبه كل معجم من جنسه. والمقدمة وحدها تقع في كتاب قائم بنفسه ذي منافع جليلة لكل من يزاول النقل عن اللغات الأجنبية، أو يعالج تعريب الألفاظ، فأن مصنفة وقف على أسرار الوضع والترجمة والتعريب وأجاد في ما أفاد. ونكاد نوافقه في كل ما أثبته في مقدمته هذه النفيسة. وفي صدر هذه المقدمة الجليلة يذكر المؤلف ما عاناه من التعب في تحقيق ما وضعه. وهذا بعض ما ورد في ص ٧ و٨: انتهيت في ختام سنة ١٩١٤ إلى اقتباس طريقة شنون من الطرق الحديثة لتنظيم القيد والمراجعة وتوفير الزمن والجهد، وأخذت في تقييد كل لفظ أو مفرد عربي على تذكرة خاصة وإمامه ما يقابله بالإنجليزية أو اللاتينية أو الفرنسية. وكنت كلما طالعت كتابا أو ديوانا أو معجما من معاجم العربية المختلفة المؤلفة قديما أو حديثا استخرجت منه المفردات والألفاظ معاجم العربية المختلفة المؤلفة قديما أو حديثا استخرجت منه المفردات والألفاظ المطلوبة، مثبتا أمام كل لفظ مرجعه وأسانيده ومواضع نقله ومواطن أخذه بالأرقام والاختزالات احتياطا للدقة العلمية واستظهارا على كل معترض. ولما استنفدت قراءة دواوين اللغة والشعر والمعاجم والموسوعات العربية.

стр. 4012

وأخذت بغيتي وما عرب أو ألف في علوم الطب والطبيعيات قديما وحديثا ولم يبق بين كتب الأدب والشعر والعلوم مما تتناوله الأيدي، أو كان مكنوزا في الخزائن العمومية إلا وأجلت فيه نظري؛ تجمع لدي زهاء ٤٥٠٠٠ تذكرة، بدأت في ترتيبها على حروف المعجم الأجنبية واضعا كل حرف في صندوق خاص مرقوم به. وأخذت في الاستمرار على هويتي وملهاتي، أقضي بها جميع أوقات العطلة والفراغ، وأعمل على إحسانها في صمت واحتشام، واستعنت بكاتبين للنسخ على الآلة الكاتبة ومراعاة الترتيب الهجائي. وإذا علمت ما بذلته من الجهد وكيف كنت مكبا على عمل لا أفارقه، ناسيا في خدمته الشهوات حريصا على ادخار كل ما يعاونني وتدوينه أولا بأول ثم مبلغ جهدي في ضبط الألفاظ والمفردات، والنظر في كل كلمة من كلمة حتى إذا رأيت مفردا أو معنى ناقصا أو مفقودا ظللت أبحث عنه حتى أجده والتمسه من مظانه. . .) له بقية ٤٤ - برنامج سيدة النجاة الخيرية السريانية المؤسسة في بغداد سنة ١٩١٣م بلغ دخل هذه الجمعية الخيرية ونفقاتها من شهر أيلول سنة ١٩٢٦ إلى نهاية كانون الثاني ١٩٢٩ ٩٦٣٢ ربية ونصفا. ووجدنا في آخر صفحة كلمة (جمعيكون) فلم نفهم في أي فرع من فروع اللغة الهندية هي هذه الكلمة ولعلها بمعنى (المجموع). ٤٥ - الطلائع صور وأحاديث موجزة عراقية وغيرها لمحمود أحمد، طبعت بمطبعة الآداب ببغداد سنة ١٩٢٩ في ١٢٨ ص بقطع الثمن الصغير. محمود أحمد من كتابنا العراقيين المعروفين برشاقة الأسلوب العصري، وهو إذا وصف لك واقعة صورها لك تصويرا بديعا. وهذه (الطلائع) شاهدة على ذلك. وقد جعل ثمنها ربية واحدة وخصص نصف ربحها بجمعية حماية الأطفال. ونتوقع أن يبرز لنا بقية ما وعدنا به من قصصه.

стр. 4013

تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره ١ - ابن سعود وجيرانه نشرت (أم القرى) الجريدة الرسمية للدولة السعودية في افتتاحية لها أن بين نجد والعراق ما يشم منه رائحة التحامل ونفت نفيا باتا قول القائلين أن نجدا وملكها يمالتان الأجنبي على العراق بشن الغارات على ديار سقي الرافدين في مطاوي اشتداد الأزمة بين بريطانية العظمى وربوع الفراتين لغاية أن تغصب الدولة الأجنبية دولة العراق حتى تنقاد هذه لتلك. وزادت على ما تقدم أنها قالت أن نجدا لم تكن يوما من الأيام إلا الحافظة لعهد العروبة وأنها لن تكون آلة مسخرة بيد الأجنبي مهما اختلفت أسماؤه وألقابه ولا سيما غايته القضاء على أنفاس العرب الحرة. ٢ - حكومة نجد وحادثة المستر كرين أنفذت حكومة نجد إلى المستر كرين كتابا أظهرت فيه أسفها على الحادث الذي وقع له على طريق الكويت (راجع لغة العرب ٧: ٢٦٩) فقتل فيه رفيقه المستر هنري بلكرت ونفت أن يكون القاتل من أبناء رعيتها. ٣ - نبذة تاريخية في الحركة الانفصالية في البصرة لما رجع السر برسي كوكس المعتمد السامي البريطاني السابق في العراق من مؤتمر القاهرة إلى مقامه في سنة ١٩٢١ وكان قد حضر المؤتمر المستر جرجل (تشرشل) وممثلان للعراق جعفر باشا العسكري والسر ساسون حسقيل أخبر المعتمد جماعة من البصريين بأن الحكومة البريطانية تنوي تأسيس مملكة عراقية على رأسها جلالة الملك فيصل الأول، فلم ترق هذه الفكرة بعض البصريين محبي الانفصال ممن يهمهم جمع المال وحب النعيم والتلذذ بالراحة وتفضيلها على القومية الصادقة فذهب اثنان منهم إلى السر برسي وأشعراه بأنهما وجماعة من البصريين يخالفون هذه الفكرة ويودون أن تنفصل البصرة عن جسم العراق فتبقى في ظل الصولجان البريطاني متمتعة بنفسها ووحدتها دون أن تتصل بغيرها، فلم يستقبح المعتمد السامي هذه الخطة، لكن البصريين الصميم

стр. 4014

أثاروا العواصف في وجوه المخالفين فعميت أبصارهم وولت الأدبار أحلامهم السيئة. ٤ - قطعة ثوب من عهد الفاطميين اقتنت دار التحف في الحاضرة في ك٢ (يناير) كسفة قصبي (والقصبي ثوب من كتان ابيض مقصب كان يعمل في ديار مصر) وفيه ثلاثة خطوط منسوجة بالحرير الأحمر والأزرق وفي أعلاها نقوش مصورة فيها طيور موشاة متقنة الصنع يقابل فيها الطائران الطائرين وفي أعلى هذه الطيور وأسفلها كتابة بالخط الكوفي محكمة التنميق لونها ابيض على بساط أحمر هذا نصها (بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلاّ الله. . . لا شريك له محمد رسول. . . عليه. . . الله عليه نصر من الله. . . لعبد الله ووليه المنصور أبو علي الإمام الحاكم بأمر الله أمير المؤمنين الإمام العزيز بالله. . . المؤمنين وولي عهد المسلمين وخليفة أمير المؤمنين أبو القاسم عبد الرحيم بن الياس بن أحمد بن المهدي بالله أمير المؤمنين. . . سلام. . . لعبد الله ووليه المنصور أبو علي الحاكم بأمر. . . الإمام. . . العزيز بالله أمير المؤمنين. . . والعلم الثاني (الشريط الثاني) مثل الأول ولكنه أبين منه. والكتابة الكوفية التي عليه (الملك لله) مكررة مرارا عديدة. والعلم الثالث أصغر من السابقين. وهو منطقة زرقاء في أعلاها وأسفلها منطقتان حمراوان عليهما شيء دقيق مستدير أبيض اللون. والأسماء الواردة في الكتابة الكوفية تذكرنا بعهد الحاكم بأمر الله (الذي سمى نفسه بعد ذلك الحاكم بأمره) وبولي عهده عبد الرحيم بن الياس وكان هذا حفيد المهدي أول الخلفاء الفاطميين في أفريقية وابن عم الحاكم بأمر الله وهذا الحاكم بأمر الله هو الذي أشتهر عصره بالحوادث الغريبة الخطيرة فأمر بقتل ونفي وتعذيب وإرهاق عظماء وعلماء وأدى به الأمر في آخر عهده إلى أن أدعى الألوهية ثم قتل حين كان خارجا يتنزه ويظن أنه سم، وأما عبد الرحيم بن الياس فنصب أولا حاكما على دمشق ثم أتى به إلى مصر بحيلة فمات مسموما في السن. ٥ - الآثار العادية في أور دعا المستر (سندي سميث) مدير دار التحف العراقية المعين حديثا لها جماعة من أصحاب الصحف والمجلات

стр. 4015

إلى مشاهدة العاديات التي كشفت في أور (المقير) والتي ترتقي في قدمها إلى خمسة آلاف سنة. فإذا تلك الآثار نفيسة جدا. ولا بد من أن نصف شيئا منها في فرصة أخرى لاكتظاظ هذا الجزء بموضوعاته. ٦ - القوارب الطيارة في البصرة كذبت حكومتنا تكذيبا رسميا النبأ الذي نقله رويتر عن إنشاء قاعدة بحرية بريطانية في البصرة للقوارب الطيارة الإنكليزية ومما جاء في البلاغ المذكور أن الحكومة البريطانية أعربت في شهر ت٢ (نوفمبر) ١٩٢٨ عن رغبتها في إنفاذ أربعة قوارب طيارة في سنة ١٩٢٩ إلى خليج البصرة اختبارا لفوائدها لمقاصد شتى في الحالات الجوية المرتبكة في خليج فارس، على أن تكون البصرة مركزا لها إلى أجل مسمى وذلك خلال مدة الاختبار التي تمتد إلى ١٨ شهرا أو إلى سنتين وكل ذلك برضا الدولة العراقية وقد وصلت ثلاثة من هذه القوارب إلى بغداد في ١٣ مارت ونزلت في دجلة أمام المستشفى العسكري في الهنيدي. وكان مسير هذه الطيارات من لندن إلى مرسيلية إلى مالطة إلى نابولي إلى أبو قير إلى الإسكندرية ثم طارت صباح الأربعاء ١٣ مارت من هذا الثغر متجهة شطر حلب واستمرت في سيرها فوق الفرات حتى الفلوجة فاتجهت إلى عاصمتنا فمرت فوقها عند الساعة ٣ والدقيقة ١٥ وطالت رحلتها من الإسكندرية إلى حاضرتنا (والمسافة زهاء ٧٥٠ ميلا) يبع ساعات ونصفا. ثم طارت في الساعة العاشرة من صباح ١٤ مارت إلى مقرها في البصرة. ٧ - طلبة الطيران عندنا اختارت وزارة الدفاع ستة شبان لتدريبهم على الطيران واتخاذهم في جملة القوة الجوية العراقية المنوي إنشاؤها في السنة القادمة. وبلغ عدد الذين يدرسون في الآليات في الطيران أربعة وعشرين شابا. ٨ - حديقة الأطفال في باب المعظم همة الحكومة العراقية بعناية صحة الأطفال عظيمة لا تجارى. وقد أنشأت في هذه السنة حديقة بديعة لهم ليلعبوا فيها ويمرحوا ويرضوا فيها أبدانهم الغضة وفتحت أول مرة في ١٢ مارت (آذار) فذهب إليها تلاميذ المدارس من البنين والبنات الذين دون العاشرة من سنهم والدخول فيها مجانا كما هو الأمر في حدائق البلاد الراقية، وفي هذه الحديقة الجديدة من أنواع الألاعيب

стр. 4016

ما يجذب كل طفل وطفلة إلى قضاء الوقت فيها والى الانتفاع بما فيها من أدوات الراحة والترويض وتربية صحة الجسم والمحافظة عليها. بارك الله في سعي المحسنين إلى الوطن. توحيد المصطلحات العلمية في الطب والعلوم المتصلة به منشور (الجمعية الطبية المصرية) للعالم العربي رأت (الجمعية الطبية المصرية) أن المؤلفات والتراجم في الطب والعلوم المتصلة به قد زادت كثيرا في اللغة العربية بما يظهر في مصر وغيرها من البلاد العربية من وقت لآخر، وقد لوحظ بعين القلق تفنن الكاتبين في العلم الواحد في نحت وتعريب المصطلحات العلمية وكثيرا ما يروق لكل كاتب ألفاظ تغاير ما يختاره الآخر ولذلك تعددت المصطلحات لغرض واحد. ولما كان أساس العلم الاتفاق على لفظ واحد ينصرف إلى معنى خاص لا يتعداه إلى غيره ولا ينصرف ذهن قارئه إلى غير ما وضع له اللفظ مما دعا الأمم الأوربية إلى نحت مصطلحاتهم العلمية من اللغات القديمة كاللاتينية واليونانية حتى لا يكون لدى القارئ أي معنى غير ما اتفق عليه وتستعمل هذه المصطلحات في كل اللغات الأوربية الحديثة حتى سهل على المعلمين بكل علم مراجعة الكتب الموضوعة فيه بأي لغة من اللغات. لهذا تناشد (الجمعية الطبية المصرية) جميع الكاتبين باللغة العربية في المواضيع الطبية أن يأخذوا بالمصطلحات التي جمعت في معجم الدكتور محمد شرف، على أن الجمعية ترحب بكل اقتراح أو تصحيح لأي لفظ وارد بالمعجم المذكور أو وضع ألفاظ جديدة لم ترد به وقد شكلت لجنة من حضرات المذكورين بعد وبينهم المؤلف لفحص جميع ما يصل للجمعية من الاقتراحات في هذا الشأن وإقرار الصالح منها وإدخاله بالطبعات التالية للمعجم كتعهد المؤلف بذلك: سعادة أحمد تيمور باشا وحضرات الشيخ أحمد السكندري وخليل بك مطران والدكتور أحمد عيسى بك والدكتور نجيب بك محفوظ والدكتور محمد بك عبد الحميد والأستاذ أحمد أمين والدكتور أحمد زكي بك أبو شادي ومحمد أحمد الغمراوي أفندي وعازر أرمنيوس أفندي والدكتور محمد شرف بك والدكتور محمد خليل عبد الخالق. وترى الجمعية في حضرات من ضمتهم هذه اللجنة من الأعضاء خير

стр. 4017

ضمان لبذل الجهد الصادق في تحقيق أماني المتكلمين بالعربية إزاء هذا الموضوع الخطير كما أنها تأمل معاونة جميع الكتاب وإرسال اقتراحاتهم إلى سكرتيرية (الجمعية الطبية المصرية) رقم ٥ بشارع الصنافيري بالقاهرة. ١٠ - قدوم السر جلبرت كليتن قدم إلينا السر جلبرت كليتن ومعه عقيلته راكبين الطيارة فاستقبلهما في المحطة في صباح السبت الثاني من آذار (مارت) جم غفير من كبار القوم. ١١ - عطاء الخطيب توفي فجأة في ٢٢ ك ٢ (يناير) بالسكتة القلبية حين كان في دار طبيبه وكان قد ذهب إليه ليستشيره في أمر ما شعر به. وكان نائب لواء كوت العمارة وله وقوف على صناعة الترسل ونظم الشعر. ولد في شهرابان في سنة ١٨٨٥ ثم نقله والده إلى بغداد فأدخله المدرسة الإعدادية الملكية ثم تنقل في المدارس حتى رسا فكره في الانقطاع إلى الدرس بملازمة شيوخ مدرسة الفضل ومنها بعد حين تلقى الحقوق في بغداد وفي سنة دراسته الأخيرة لها نشبت نيران الحرب (١٩١٤) فلم يتمكن من الحصول على الشهادة. وكان يتقن التركية والفارسية والكردية وشدا الهندية حين نفاه الإنكليز إلى ديار الهند. ١٢ - الطاعون في بغداد وقعت ثلاث إصابات من الطاعون في جانب الرصافة في بغداد في الأسبوع المنتهي في ٩ آذار ووجدت سبعة جرذان مصابة بالداء المذكور (٥) منها في محلة قهوة شكر وجرذان في صبابيغ الآل والحكومة تبذل وسعها لقطع دابر هذا الوباء. ١٣ - الإخوان في أنحاء الكويت نزل (ابن حميد) رئيس عشيرة عتيبة المخلوع من إمارة (عيينة) بجوار الكويت في موضع اسمه (الطرفية) ومعه جماهير من الخلق ونزل (ابن ربيعان) في موطن آخر اسمه (المستوى) بالقرب من الكويت أيضا ومعه جماعات من الغزاة. وفي ٣ آذار (مارت) هجم هؤلاء الغزاة على العراقيين الذين في تلك الأنحاء فنهضت طيارات العراق قبيل الظهر من (الشعيبة) فحاصرت الغزاة في موطن يبعد عن جنوبي الكويت نحو عشرين ميلا. وكان عدد الغزاة نحو ستمائة مقاتل راكبين ثلثمائة بعير وهم يسوقون قطيعا جرارا من الشاء وحالما لمحوا الطيارات تحوم فوق رؤوسهم ابتدروها

стр. 4018

بإطلاق الرصاص فقابلتهم بوابل من القنابل وأغرقتهم برشاش مدافعهم فولوا الأدبار لا يلوون على شيء ويظن أن الغزاة كانوا من عشيرة (مطير) والمغزوين كانوا عشائر عراقية مختلفة بينها عشائر بني مالك. وقد نالت رصاصة من رصاص الغزاة طيارة فأصابت العامل في اللاسلكي الطيار فقتلته في أثناء عمله وأودع مقره الأخير بعد ظهر ٤ (مارس) آذار. وبعد يومين أي في (٦ منه) هجم أخوان آخرون على القبائل العراقية والشائع أن ابن حميد المذكور أغار عليها ومعه ٣٠٠٠ مقاتل وكان المغزوون من البدو وزياد وشمر ويبلغ عدد خيمها جميعا ألفين فوقع بين الفريقين معركة شديدة لم تتحقق خسائرها. ويقال إن بين العشائر المنكوبة قبيلة العقيلات وأن خسارتها لا تقل عن ثمانمائة بعير وفقدت عشائرنا أكثر مواشيها وغنمها.

стр. 4019

العدد ٦٩ - بتاريخ: ٠١ - ٠٥ - ١٩٢٩ حضارة الإسلام ومفكروه (مفكرو الإسلام) لكرا دى فو الجزء الثالث تتمة حقا إن جزءه الثالث يستحق مركزا لا شك في كونه عظيما، ولا سيما بين قرائه الشرقيين، لما يجمعه الدرس من المسائل التي تهم الكثير منهم فمن بحوث عن بلاد فارس قبيل الإسلام وكذلك عن البلاد العربية، إلى بسط حياة نبي الإسلام، فقيام الدعوة إلى الافتتاح العربي الهائل، إلى أخبار معاوية وقيامه بالحرب ثم بأعباء الخلافة الأموية، إلى غير هذه مما يسد فراغا عظيما، ويؤدي إلى القارئ خدمة واسعة. وقد أحسن البارون العلامة كل الإحسان، أن أتى بطرفة: كافية ولو أنها وجيزة، مناسبة لحالة الكتاب وضخامة موارده الثمينة من تاريخ الفرس قبيل الإسلام وأحسن أيضا، إذ جعلها فاتحة هذا الجزء، ولا سيما أننا في عهد من مستلزماته التفسير الوافي والإيضاح الكافي، الذي لا غنى فيه عن سبق البحث، بنظرة سالفة وجيزة، فالمرء يتنقل هكذا، من الابتداء إلى الانتهاء، فيقف على تطور الحوادث، وتقلبها السريع والبطيء والعوامل التي

стр. 4020

أدت إليها وهلم جرا، وبذا يلم بأطراف الموضوع جميعه، ومن ثم يلج إلى النتيجة المنشودة. . . وقبل أن أصف شيئا، أبدي تألمي، لما خصني به الطابع والناشر، في هذا الجزء، من سوء التجليد، فأن شطره الأول ويا أسفا قد تداخلت صفحاته الأولى في الأخيرة. واستهلت هذه مكان تلك واستبدت وتعدت باغتصاب مركز غيرها. فأكسبتني تعبا، وأضاعت مني وقتا، فيا لسوء الحظ!! والآن فلنهرول ولنتشل من بين اضطراب الصفحات، وتعانق الأوراق المتباينة المواضيع، شيئا عن دولة الأكاسرة في سلطتها، وعنفوان مجدها حتى القليل قبيل انحلالها فسقوطها في قبضة العرب. . . يحدثنا المؤلف عن كسرى انوشروان وحربه ليستنيانس ثم عن اهتمامه بأمور مملكته الواسعة، وترقيتها وتحصينها في كافة الجهات خوف غارة الأعداء المرتقبة دواما من جانب أعدائه الزرق من نواحي قاف (القوقاس) وسورية، وفي أيامه رتعت فارس في بحبوحة العيش إذ بملكه الطويل الأجل الذي قارب نصف قرن تقدمت الزراعة وتحسنت طرق القوافل وأنشئت سبل التواصل، فاستحق لقب (العادل) الذي وصفه به نبي الإسلام (مع أنه كان يكره الأعاجم). وأتى هرمز ولده فعكس سياسة والده الرشيدة، ففي أيامه هوجمت بلاد العجم من نواحيها جمعاء. فخان الأتراك هاجمها في ثلثمائة ألف راجل وفارس، وانبراطور الإغريق في ثمانين ألفا. وكذلك شعوب بحر جرجان والعرب أيضا. فترى أن الإمبراطورية الهائلة أحيط بها من جهاتها الأربع: ولكنه أرسل إلى الأتراك قائدا لبيبا شجاعا يدعى بهرام، الذي بسهم منه أزهق روح خان الأتراك، ومن ثم تفككت عرا هؤلاء، فولوا وتفرقوا جذع مذع ولكن حيث أن هرمز كان طاغية مستبدا بالعظماء والأشراف. وقد أطار من رؤوسهم الشريفة العدد العديد ثاروا عليه بقيادة بهرام هذا فأجبروه على التنازل وبعد مشاحنات بين ولده خسروا أبرويز وبين بهرام الخارج، سافر الأول إلى بوزنطية وحل ضيفا كريما على إنبراطورها، وتزوج أبنته الأميرة مارية، ثم خنق أتباعه أباه الضرير دون أدنى معارضة من لدنه. وأعطاه انبراطور البوزنطيين جيشا مؤلفا من ستين ألف محارب وبه تمكن من الاستيلاء على دياره

стр. 4021

المفقودة؛ وفر بهرام إلى بلاد الأتراك جيرانه. وأجاز ابرويز رجوع الجيش البوزنطي بعد مكافأتهم خير مكافأة، ودخل عاصمته المدائن ظافرا. وقد حاول أن ينتقم من بهرام الخائن فتمكن من رشوة زوج الخان، وهكذا قتل المغتصب. أما زوجته أو بالحقيقة أخته إذ يجوز في شريعة الفرس زواج الاخوة فسافرت إلى بلادها بعيد قتلها أخا الخان الذي رامها حليلة. وهناك شكرها أبرويز على نصحها بهرام ولومه في ثورته. وتزوجها وتزوج أيضا شيرين الجميلة التي كادت تجلب على رأسه من سخط الشعب ثورة نارية رائعة، لأن زوجته الجديدة كانت وضيعة الأصل غير جديرة - على زعمهم - بهذا المركز السامي. . . واتفق أن هاج الشعب البوزنطي على موريق والد زوجة مارية وأتى ولده مستنجدا العجم. فأرسل ابرويز على الفور جيشا لجبا لرد العرش إلى أهله ومعاقبة المغتصب. . . وتمكنت إحدى فرقه من الاستيلاء على أورشليم، وتوصلت إلى الاهتداء إلى الصليب الأقدس في حقه الذهبي. فدفنه في حديقته. ثم تولى بعد ذلك ملك بوزنطية هرقل - الذي تم في أيامه افتتاح العرب سورية - وفي حكم ابرويز تمت واقعة (ذي قار) التي يهللها العرب. وكان في نفسه نزعه شائنة، إلى سفك الدماء، وإزهاق أرواح العباد فكان حكمه قاسيا جدا، حتى قال هو نفسه، إنه منذ السنة السادسة والعشرين من حكمه إلى الثامنة والثلاثين، (لم تكن السماء تتحرك إلا بحسب إرادته) أي لم يكن أمر يحصل إلا بموافقته فأمام هذا الاستبداد الوحشي، ثار الشعب وولى أبنه، من الأميرة مارية، مكانه. ثم أجبر هذا الابن المسكين، الذي كان ألعوبة في أيدي كبار الدولة، على الأمر بقتل والده، فأزهقت روحه بالفأس وقد سر موته البلاد العربية، وعلى الأخص نبي الإسلام، الذي كان وقتئذ في المدينة. فقد علم أن موت هذا الملك الصنديد، يجعل بلاد العجم بأسرها فريسة باردة؛ لأي مهاجم فاتح، واستنتج، ما تحقق بعدئذ على أيدي الصحابة ووطنييه. . . وانتحرت شيرين على قبر خسرو بعد أن ندبته مر الندبة. وبعد أن أكمل ابن خسرو ابرويز عقوقه، بقتله أخوته السبعة عشر، كما طلب إليه الكبراء والأشراف، تملكته السوداء، ومات بعد حكم ثمانية أشهر،

стр. 4022

ملعونة من السماء والأرض، ومنذ ذاك الوقت أسرعت فارس في خطاها الواسعة نحو الهوة والخراب، وفي زهاء ست سنوات، تعاقب على حكمها ستة ملوك، بينهم امرأتان، من بنات ابرويز، فالأولى، كانت ذات مقاصد حسنة، وقد أرجعت إلى انبراطور الإغريق الصليب المقدس. وبعد هذا التدفق الملوكي على العرش الفارسي، ارتقى آخر ملك من بني ساسان، المدعو يزدجرد، وكانت دولته إذ ذاك، في غاية من التضعضع، وسوء الإدارة، والارتباك، فما كانت السنة التالية لحكمه القصير، إلا والفتح الإسلامي يمد يده المسلحة نحو بلاده المرتبكة. فحارب بشدة وبطولة. لكن عبثا. وبعد أن كان لفارس أعز مكان، وأرهب ذكر، سقطت هذا السقوط المنكمش واستولت العرب عليها وأمحقت دولة الساسانيين، بعد أن عاث آخرو ملوكها فسادا وزرعوا الشر فيها فحصدوا ما زرعوا. وننتهي إلى بلاد العرب في الجاهلية، فنرى بعض بحث ونقد عما يشاع عن الجاهلية، ونجد تاريخ اليمن وهذه كما نعلم لها مركزها الحقيقي، في عهد الأعاجم والأحباش، فلا جرم أن تلاسنتها العرب بعد إسلامها، وللمجد آثار، قد تؤدي إلى الخرافيات، كما حدث. وإذا بذي نواس يهاجم نجران المسيحية، فيهدمها ويدعو إلى اليهودية، ويعمل السيف في أهلها. فيمحقهم، وترقص في الهواء رؤوس عشرين ألفا! وترشد المصادفات وسائل الهرب من هذه الجحيم الإنسانية، لأحد أبنائها التاعسين، مستنجدا شهامة قيصر الروم، وهذا يبعثه إلى الأحباش؛ وهاهي ذه الجيوش تخترق العباب لمعاقبة الجاحد الظالم. وها نحن أولاء وقد انتهى كل شيء، واستولى أبرهة على اليمن فيا للإجارة من الرمضاء بالنار! فاستجاروا بالفرس، فأنفذوا إليهم جيشا، أنقذهم من وبال الحبشة، ولم تطل هذه، حتى ظهرت الدعوة الإسلامية، وكان من أمرها المعروف أن انضمت اليمن تحت اللواء الموحد. إن نأخذ على كرا دي فو أمرا في هذا الموضع؛ فنحن نستغرب منه أشد الاستغراب، أن أهمل كل الإهمال، الأب المأسوف عليه لويس شيخو، فهو

стр. 4023

كما نعلمه نحن وكل شرقي، قد كان مختصا بالجاهلية، وتآليفه عنها في غاية الأهمية، ولها مركزها الجدير بعناية المستشرقين، ولا نعلم المقصد من عدم ذكره في قائمة الكتب القيمة الثمينة التي ذكرها؛ في مذكرته عند الاستهلال ولعله يتداركها في طبعة تالية. يحدثنا كرا دي فو عن أديان العرب في الجاهلية غير المسيحية ولا المتأثرة بتعاليمها وبتعاليم اليهودية فيخبرنا مثلا عن الصابئة وما يظن عنها وأنها دين إبراهيم الخليل وحيث أن هذه أقرب إلى الوثنية فلعل العرب عكست اسم إبراهيم عن بهرام الفارسية وبرهما الهندية وقصة النار التي يلصقها العرب بإبراهيم وإلقاء نمرود الطاغية له فيها فنجاته بمعونة العلي تروى عند المزديين أي المجوس وتنسب إلى بهرام الخ. ثم عن تحطيم النبي لأصنام الكعبة الستين والثلاثمائة. ونمر فإذا أخبار قس بن ساعدة وزيد بن عم عمر بن الخطاب فورقة بن نوفل فأمية بن أبي الصلت وقد أطال البحث عن الأخير خاصة إذ ليس من باحث في أخبار الجاهلية لا يعبأ بهذا الشاعر الفرد فلامية شذوذ عن سائر شعراء ذلك العهد إذ طالما أتى بأفكار قلما ذكرت وأقول بل لم تذكر قبلا عن أحد الشعراء في زمنه (وهذا مما يزيد شعره قيمة ويكسبه حلة أنقى ويجعله إلى عواطفنا أقرب دون أكثرية الشعر الجاهلي. . . ونجده أقرب إلى مزاجنا وأوفى إلى طبيعتنا من أشعار الشنفرى والنابغة وغيرهما). أما دي فو فأدار سكان بحثه تجاه فلسفته الدينية واشتقاقها - فإنه يعزى إلى أمية الحنيفية كما يعزى دين الصابئة إلى إبراهيم الخليل وفي ذلك من الخلط الفاحش ما فيه - ويقدم لنا بعض شواهد من شعره، والآن فإذا نحن بحياة صاحب الحركة الهائلة النبي محمد. فيحدثنا عن نشأته وتجارته في سورية والحجاز فزواجه بخديجة فنشره الدعوة إلى الإسلام ومهاجرته إلى المدينة حين أبى المكيون قبولها وناهضوه حيث لقي إذنا صاغية سميعة. . . فحروب بدر وأحد وغيرها إلى تمام تغلبه على الأكثرية وسحقه معارضيه. وانتشار الإسلام دينا قويا في بلاد العرب وموت النبي ومن ثم نشأت من بعده حب

стр. 4024

الاكتساح وتدويخ الأمصار وإذا بالأهبة تتناول محلها في صدور العرب الجائشة فتخرج عن عزلتها. وتتناول من جهة الشمال سورية فواقعة اليرموك الشهيرة واندحار الروم والسوريين. ثم استيلاء العرب على دمشق الشام درة المشرق، فالانتصار الرائع واعتزاز الإسلام بعد وقوع جميع هذه البلاد التي تلاطم منبعه وما كان بينها من الصلات. ثم نرى فإذا أمر ينبثق فجره من سجوف المعارك والملاحم الشعبية وينكشف الستار عن ملك حكيم وملك عظيم. وإذا الخليفة المقدام معاوية الأول ودولته الأموية ففي هذا الخليفة وهذه الخلافة قويت شوكة الإسلام وامتدت سلطته إلى أقاصي البلدان وهو من علم العرب - أو كان العامل الأول في رزقهم - فنون البحرية. وهو كان ينهض فيهم الهمم والاهتمام بجميع الأمور. كما كان يود تقدمهم ورقيهم ويتخذ لذلك أمره وكما يقول العلامة الأب لامنس (يريد تثقيفهم وتدريبهم على احترام السلطة الحاكمة بادئا بعائلته الخاصة. . لأننا نعلم عادة العرب وثورتها إذ كانت في بحر جاهليتها على السلطات الحاكمة ونقضها كل حكم فمعاوية ود من الصميم إرشادهم إلى طرق الحياة المثلى وكان كما يقول عنه البارون (ملكا عاملا) وقد ترك من الذكر الحسن هالة لامعة حول ذكرى بني أمية وكان له من مشاعره الحية ورقة إحساسه وكرمه وحلمه على الغير ما حببه إلى القلوب وجذب إليه العواطف التي هي أشد جموحا وصدودا. وقد تبسط عنه دي فو في هذا الجزء كثيرا وبسط آيات حكمه وحللها من جميع جهاتها وأثنى عليه وعلى اقتداره في القيام بأعباء الملك. والحق يقال أنه لو أرادت سورية أن تعطف على من تناوبوا الحكم على كرسيها منذ عهد حيرام وايتوبعل الزاهر إلى يومنا هذا من ملوك وحكام ذوي صولة وهيبة نظروا إليها بعين البنوة - فلا مشاحة أن معاوية له بينهم مركز سام فالإسلام قد وجد فيه خير خليفة وحاكم عادل إذ هو الرمز المنير والقدوة اللامعة في تاريخه.

стр. 4025

وبلغت دولة بني أمية علاها وذراها في أبهة وعز عبد الملك - وولده يزيد - إنما كانت بلاد العرب وفارس والعراق تلتهب ثورات وانتفاضات، ولا يخفى على القارئ ابن الزبير. فكان والحالة الخطيرة هذه لابد لدعم وتثبيت السلطان من وال صخري الفؤاد فولاذي الإرادة وكان واجبا أن تقذف الصحراء العربية هذا المثال - وكان أن لفظته، وإذا شبح الحجاج المرعب ينكشف عنه الستار فيرسل صاعقة غضب ونقمة. وجال هذا جولاته الدموية ما بين مكة والعراق فأباد الثوار والخوارج ومحقهم محقا وأجرى من الدماء أنهارا وطفحت المحابس والمطابق بما لا يقل عن خمسين ألف رجل وثلاثين ألف امرأة حسبما وجد فيها عقب وفاته. وعليه قويت شوكة هذه الدولة واشتد ساعدها وامتدت أصولها من الشرق إلى الغرب إلى أن ظهر السفاح والمنصور وقد ابتدأ الخمول والانحلال يدبان فيها فلاشياها فتأسست على الأنقاض الدولة الجديدة: دولة بني العباس. ثم نلاعب صفحات فنحن نقرأ عن الحديث الكريم وعن أوائل رواته كابن عباس وعائشة وأبي هريرة وسواهم من أصحاب الإسناد. ثم نجد بعد ذلك جماعة كالبخاري ومسلم كما يتلوه فصل واسع في الفقه وفي المذاهب الأربعة وأئمتها العظام ففصل في تحليل المؤلفات الذائعة الصيت في الشريعة والفقه الإسلاميين ثم يختم الجزء عن مفسري القرآن. الجزء الرابع إن هذا الجزء الرابع لا يقل أهمية وتقديرا عن سالفه فهو بما حواه عن الفلسفة (المدرسية) وعلم اللاهوت والتصوف والموسيقي لغاية في الفوائد ويبتدئ فيحدثنا عن الحكماء؛ ونحن نعلم أن معالم (مدارس) الحكمة العربية منقسمة إلى قسمين أحدهما: المدرسة الشرقية؛ والثاني: المدرسة الغربية. ولهذا بدئ الكلام أولا عن الشرقية وأركانها الفحول: الكندي والفارابي والرئيس ابن سينا، ثم تلتها الغربية وإسنادها: ابن رشد وابن الطفيل. لما كان مرجع الفلسفة العربية - وبكلمة أوضح (الإسلامية) - الفلسفة

стр. 4026

الإغريقية: السند والمأخذ للفلسفات جميعها، كان لا بد من مترجمين لها، فبرز حنين بن اسحق فأبنه اسحق فأبو بشر متى، فأتحفوا العربية بمعربات كتب ارسطوطاليس وأفلاطون وكان لابد لهذه من مفسر عبقري كي لا تتبعثر فوائدها فتضمحل. فأهدته كندة إلى العربية وخرج فيلسوف العرب راس الزاوية في فلسفتهم: الكندي الشهير فتناول وبحث وشرح وألف ما يربو على المائة والخمسين رسالة في سائر العلوم ومختلف المباحث وتلاه الفارابي أي (المعلم الثاني) كما أرادت العرب ولقبته أي الثاني بعد أرسطو ثم الرئيس ابن سينا، وقد بحث دي فو عن أعمالهم وشرح فلسفتهم شرحا وافيا. أما المدرسية الغربية فتستهل بابن طفيل وقصته الفلسفية الشهيرة المسماة (حي بن يقظان) ترجمت مرات عدة إلى الفرنسية والإنجليزية واللاتينية ويظن العلامة كرا دى فو أنها تشبه قصة روبنسن كروسو الإنجليزية المعروفة في الشرق من حيث وجود رجل منذ ولادته في جزيرة نائية عن سطح البسيطة ثم قيامه بحسب إرشاد عقله وتجاربه العملية أن يصل إلى مستوى سائر البشر في إدارة دفة حياته، وترتيبها وتغذيتها بالعلوم والأصول الفلسفية والصوفية. إنما نحن نعرف أن (حي بن يقظان) يخالف قصة روبنسن كروسو من حيث أن الأخير ألجأته الطوارئ وهو شاب إلى تجشم هذه المشاق. ويظن دى فو أن بين هاتين القصتين اتصالا عميقا أي أن قصة ابن طفيل كانت الإلهام الذي أوحى إلى (دانيال ديفو) بتصنيف روايته الخالدة. وهذا قريب الاحتمال سهل الحصول! ثم يحدثنا عن ابن رشد ومؤلفيه الشهيرين تهافت التهافت وكتاب الفلسفة وسواهما ثم نتعرف كيفية دخول الحكمة العربية في المدارس اليهودية والمسيحية ومبلغ تأثيرها السالف، ومن تأثر وتفقه بها من أبناء الغرب في القرون الوسطى، ونرى فإذا أمامنا أيضا تتهادى في تؤدة ورفق الجمعيات السرية من قرامطة وإخوان الصفا والصابئة. مما كان لها وجود فلسفي وذات أثر في تاريخ الإسلام فنتدرج إلى سبب انتشائها وفلسفتها وأعمالها وكيفية اتحاد

стр. 4027

الأعضاء بعضهم ببعض. وقس على ذلك وهو يأتي بمقتطفات من كتبها الشهيرة أو رسائلها أو تعاليمها. ويأخذنا دى فو إلى علم اللاهوت فيأتينا ببحث في علم الكلام - كما يقول العرب - والمتكلمة والمعتزلة في الإسلام، ويستفيض فيها وكذلك عن ابن حنبل والغزالي وكتبه الشهيرة كتهافت الفلاسفة والمقاصد ثم أفكاره الفلسفية وينتقل إلى غيره مما نحيل عليه القراء الكرام. أمامنا الآن أحد ألذ البحوث وأعمقها تأثيرا في الإسلام: الصوفية. ويحسن بنا قبل أن نتعمق فيه أن نقول هنا أن هذه الصوفية هي غير الثيوصوفية الهندية التي تنفث سمها الزعاف المموه بألوان الذهب وعميدتها اليوم المسز بزانت فتسم الأفكار وتذل النفوس الظمأى إلى (العجائب والألغاز)!!! يبتدئ دى فو بالتحدث عن الصوفية وانتشارها إلى أن يوصلنا إلى ابن منصور الحلاج ضحيتها وأحد كبار المتصوفة الإسلاميين وعن التأليف الضخم عن حياته وتصوفه واستشهاده الذي أبرزه المستشرق المعروف ماسنيون منذ عهد غير بعيد. واشتهر الحلاج أينما سار وحيثما توجه في الهند وتركستان وخراسان وخوزستان والبصرة وبغداد. وأهميت عليه الألقاب الحكمية الرنانة ونسب إليه أن اتحاده بالله هو أوثق عرا من أسلافه لما توهم عنه من المعجزات المدهشات؟! قيل أن أحد أعدائه لطمه ذات مرة فناشده الحلاج الله أن يثني لطمته فلما أراد شلت يده! وظلت الشهرة والخصومة تتناوبانه حتى أمر بقتله المقتدر ففاظ عام ٩٢٢ م. ثم نجد محيي الدين بن عربي الصوفي الأندلسي الشهير، فأخباره العجيبة ثم نجد الشاعر المتصوف ابن الفارض ومن لا يعرفه؟ قد شبهه أحد المستشرقين فالرحا (في أشعاره القصيرة) بترارك الشاعر الإيطالي. وإذ ننتهي بكلمة مستفيضة عن تراجم الأولياء في الإسلام نصل إلى فصل يتناول موضوعا ليس دون غيره خطورة ولا أدنى أثرا من صاحبه في الإسلام: الارتياب أي السوفسطائية. . . كيف لا وأكثر نوابغ الشعراء فيه. أصابهم ولو جانب من الداء المريب. فممن ناله بعض التلوث: أبو دلامة وأبو نواس وأبو العتاهية حتى المتنبي نفسه علق

стр. 4028

به بعض الشيء (إنما الشخص الذي يذكر عادة كأبرز ممثل للذهن الشكوك في الآداب الإسلامية القديمة لهو الشاعر الضرير: المعري) صاحب اللزوميات ورسالة الغفران وسقط الزند وما إليها من بدائع الكتب، وقد داخله الشك أولا في دينه ثم عقبه في غيره من المعتقدات والأديان بما ولده في نفسه العكوف على درس الديانات الأخرى وفلسفتها ولا ريب أن المحن والمصائب التي حلت بساحته كان لها اليد الطولى في تحويل دفة ذلك الخيال المتدفق العظيم وسوقه في بحار الشك واليقين المتعاركة المتلاطمة فرجحان الأولى في غالب أعماله. فمن فقدان نعمة البصر فرأفة الوالد فحنو الأم الحنون إلى عبث الأيام وسخر الأنام كل هذه أفاضت عليه من التشاؤم المحزن والشك الرائع حلة فضفاضة خلابة أثرت في أيامها ومن بعدها أثرا عظيما في النفوس الكثيرة. ونعثر بعدئذ على الخيام مرسل الرباعيات الشهيرة وصديق حسن بن الصباح الذي صار فيما بعد شيخ الجبل ورئيس طائفة الحشاشين وصديق نظام الملك أيضا الذي غدا وزيرا لملك شاه - وتتمثل لنا حياته وصوفيته ووجهة نظره في الحياة وشكوكه في الآخرة فوصفه الخمرة. . . ثم نصل إلى حافظ وهذا أيضا من أصحاب الرباعيات؛ فسعدي وأمثالهما من فطاحل الشعراء الفرس الذين لهم في نفوس مواطنيهم وشعوب كثيرة حرمة عظيمة لما يكتنف أشعارهم من الجاذبية والجمال والسحر الحلال. مما لا شك فيه أن عشاق الموسيقى الشرقية يهمهم هذا الفصل الذي يختم به الجزء الرابع ويجري موضوعه في هذا المسلك من الفن غذاء النفوس الساكنة الثائرة، ولا نظن أن لا نجد فيه شيئا طريفا. كلا! بل هو كسائر بدائع هذا الصرح تستنبطه آراء جديدة ونظريات لها ماهيتها عند أربابه مع كلمة عن جميع الكتب التي اختصت بالغناء والآلات الوترية. الجزء الخامس والآن هاهو ذا الجزء الخامس والأخير من العمل العظيم وبه تختم هذه السلسلة الملأى بالآراء والزاخرة بالفوائد التي تتدفق فيه تدفقا ويمتاز عن اخوته بما يتخلله من العصريات، فقد خصص معظمه بالبلاد الشرقية التي تلهبها النهضة

стр. 4029

الحديثة أو تكاد. ونمر في هرولة وتعجل؛ فإذا الطوائف والنحل والشيع تتراءى أمامنا على هذه الصفحات وأخبار منابذتها واضطراباتها تتخيل لنا ما بين حين وآخر فنجد الإمام عليا وتحزب بعض أفراد ونشوء أشياعه تليها أخبار الإسماعيلية والقرامطة فالحشاشين وهي فرع من الإسماعيلية - الطائفة التي كان ديدنها سحق من يخالف مبادئها السياسية - وقصدها فقتلت وأبادت الكثير من الفرنجة والعرب وأجبرت صلاح الدين الأيوبي نفسه مع عظمته وجبروته على فداء حياته بإتاوة وصونها بالمال الوفير. . . ونجد أيضا الدروز الذين يتملكون اليوم حوران وجزءا من لبنان. فنعرف كيف سبب جنون الحاكم ودعواه الإلهية نشوء هذه الشيعة ولما لهذه الطائفة من حوادث ومواقع جمة في لبنان في بطون التاريخ تبسط كرا دى فو عنها وتحدث أيضا عن الموارنة وهما - كما نعرف كلنا - في بعض صفحات التاريخ الأعداء الزرق وفي صفحات أخرى، الأصدقاء الأحباء مراعاة لما تقتضيه السياسة والمصالح. ثم نمر بحياة أكبر أمراء لبنان، وهما اثنان. أولهما: فخر الدين المعني الملقب بالكبير ونرى حبه لتقدم بلاده العزيزة في أثر رجوعه من بلاط آل مديشس بفلورنسة إلى أن سلق له الحظ الوقوع بين أظفار آل عثمان الحادة - ويا لها من أظفار تنزف الموت الزؤام - فقضى ضحية زكية. ونجد الأمير بشيرا فخر لبنان يتلوه. فعن حوادث ملكه العنيفة وصعوده وهبوطه حتى قيض الله له أن تسعى به الأعداء فيسقط من رفعة مجده بعد مجاهدة الأبطال فذهب إلى الآستانة منفيا حيث عاش إلى أن حلت به نائبة الموت فودع نور الحياة وكله حسرات وآلام. نصل بعد ذلك إلى البابية فالبهائية وليدتها وقد أخذت مكانا في الكتاب جليلا لأهميتها وبدئها وانتشارها كان تابعوها مضطهدين يشدد عليهم النكير جميع من في بلاد العجم. وكم من مذابح وكم من لعنات أرسلت عليهم ولكنهم صبروا وقاوموا حتى كان للبهائية من أبناء سورية (ويا أسفا) دعاة في أميركة حيث نالت بعض النجاح عند الشعب الأميركي وكيف لا، وهو ذو الداء العشقي للأديان والشيع الجديدة. هنا نستقبل القسم الثاني من هذا الجزء الأخير، وهو مما يهم كل شرقي من مراكش غربا إلى أنجاد الهند ومغاور بلاد التتار وهضابها دون استثناء إذ هي

стр. 4030

تبحث عن كل من له علاقة بالحالة الحاضرة منذ ابتداء دبيب النهضة في جميع هذه الجهات. إنما تركية ومصر تحتلان الجزء الأكبر منه، ولا غرو فلتركية نهضة بل نهضات أهمها منذ عهد مدحت باشا إلى اليوم. وكذلك مصر فلها مكانها الزاهر في فجر النهضة الشرقية، منذ تلك البرهة السعيدة التي تسلط فيها محمد علي عليها فانبثق من النهضة ينبوعها الأول. فالبارون يحدثنا عن تركية عن أولى علائقها بأوربة عموما وفرنسة خصوصا فعن حوادث التجدد التي كان مصطفى الثالث أول مضرم لها. فسليم الثالث فالسلطان محمود الثاني ثم عن رشيد باشا الذي بذل جهدا في تحديد بلاده وإنهاضها وهو ممن لا بأس به. أما الشخصيات البارزة اليوم في نهضة تركية على العموم فثلاث: مدحت باشا وأحمد رضا ومصطفى كمال. فهؤلاء تعاقبوا بالتتالي واحدا تلو الآخر. فكان مدحت وكان أن جد وأبلى وأسقط عبد العزيز وأجلس مرادا وخلعه وملك عبد الحميد طلبا للحصول على فائدة للبلاد. ولكن الأخير لم يدعه يبحث عما هو أفضل لإنعاش البلاد، فنفاه إلى الطائف حيث قتل على الأرجح. وتلاه أحمد رضا صاحب الأفكار المطلقة وأتى بأعمال عظيمة أهمها إسقاط صولة وجبروت عبد الحميد مع طغمته وإجلاس رشاد. ويأتي بعد ذلك الغازي مصطفى كمال من يعزى إليه الفضل الأكبر في إنهاض تركية من كبوتها بعد أن كادت أيدي التفرقة والخراب والظلم تعمل بها عملها المعلوم. فنعرف حقيقة ما قام به لا كما يتحدث أصحاب الغايات بل كما يدل عليها الدرس والبحث النزيه. ثم يختم كلامه عن تركية بلمحة عن آداب أهلها العصرية والتعليم العالي بها. وعن بعض مؤلفاتهم العصرية الشهيرة الفلسفية وسواها. ونأتي إلى مصر فنهضتها تأخذ شرارتها منذ عهد رأس الأسرة العلوية المالكة محمد علي الكبير فأعمال الإصلاح (والترميم) وإرسال البعثات إلى أوربة وقدوم الأساتذة الأجانب إلى مصر ككلوت بك للطب وسيف (أو سليمان باشا الفرنساوي كما يعرف اليوم) للحربيات وفتح قناة السويس في عهد إسماعيل ثم عن الجامع الأزهر فالشيخ عبده والشيخ الطنطاوي فيقظة الإسلام في مصر وعقد المؤتمر في مكة
следующие страницы →