← Джавами‘

Джавами‘ · id 36540

مجلة لغة العرب العراقية

أنستاس الكرملي

Полный текст (6 158 стр.). Показаны 4306–4345 · переход к 4311.

стр. 4306

قلت ولكن انظروا إلى ص ٦ من الجزء الثالث تجدوا قيس بن الخطيم يقول: ومثلك قد أصيبت ليست بكنة ... ولا جارة أفضت إلي خباءها وقال علي ﵇ (ألا وإني مفضيه إلى الخاصة ممن يؤمن ذلك (شرح النهج لابن أبي الحديد ٢ ص ٥٠٧، طبعة مصر) وفي رواية (حياءها) وقيس بن الخطيم أقوى من المجنون وفي مثل هذا تستبين الفائدة من (فهرس الشوارد) الذي مضى ذكره. ١٦ - وفي ص ٤٨ (تجاذبه وقد علق الجناح) وفي الكامل هذه الرواية ج ٣ ص ٦ بالمطبعة الأزهرية ولكنه أتبع ذلك قوله (ويروي تجاذبه) ومن دأبهم أن يقابلوا بالكامل وغيره فلم اغفلوا ذلك؟ ١٧ - وفي ص ٥٠ رقم (٢) من التعاليق (الهجائن: الإبل البيضاء) والصواب (البيض) وفاقا لكل أساليب العرب ولنا في لغة العرب (٧: ٥٧٣) وص ٥٨٦ منها فضل شرح لذلك. ١٨ - وفي ص ٨٨ (فجعل يعض لسانه وشفتيه حتى خفنا عليه أن يقطعها) وعلقوا به كذا في أغلب الأصول وفي ت: يقطعهما) فنقول إن الصواب (شفته) ولا يكاد الإنسان يتصور عاضا على شفتيه ويؤيدنا ما في ص ١٦ ونصه (فيعض لسانه وشفته) وما في ص ٢٥ وهو (وعض على شفته فقطعها) ١٩ - وقالوا في ص ٩٣ بالهامش (التقاؤه بقيس بن ذريح وطلبه منه إبلاغ سلامه لليلى) والصواب (التقاؤه لقيس) من (التقاه) على ما في القاموس و (طلبه إليه) لأنه موافق لمقتضى الحال والمرجح في الأول (التقاؤه هو وقيس) من (التقيا) ٢٠ - وورد في ص ٩٩ (ثم إن الأعرابي اغتفل زيد بن أيوب) فعلقوا به (كذا في أغلب الأصول ولم نجد في معاجم اللغة التي بين أيدينا (اغتفل فلانا) بمعنى تغفله وأستغفله) فنقول ورد في الكامل في جزء ٢: ٢١٨ من طبعة التقدم في مصر. ٢١ - وفي ص ١١١ بالهامش (والعسيب: جريد النخل إذا نحي عنه خوصه) والشرط ههنا لا محل له خلافا لشك صاحب القاموس، فقد جاء في مختار الصحاح

стр. 4307

(الجريد الذي يجرد عنه الخوص الواحدة جريدة ولا يسمى جريدا ما دام عليه الخوص وإنما يسمى سعفا). ٢٢ - (لغة العرب) وقال في حاشية ص ١٢٩ في التعليق على قول أبي الفرج: في خميس الفصح ما نصه: كذا في الأصول: والمعروف في أعياد النصارى (خميس العهد) اهـ قلنا: إن خميس الفصح من اصطلاح نصارى العرب في العراق إلى عهدنا هذا. وهند كانت عراقية. أما (خميس العهد) فمن اصطلاح نصارى القبط في مصر. ثم زادوا في الحاشية قولهم (المشهور الشعانين بالشين المعجمة) قلنا: نحن العراقيين لا نعرف إلا السعانين بالسين المهملة. (لغة العرب) ٢٣ - وفي ص ١٣٢ (الاكتحال بالأثد) والصواب (بالأثمد) ومثل هذا كثير جدا ففي ص ١٤٨ (خك) والصواب (ضحك). ٢٤ وفي ص ١٣٤ ورد (كما أنتم كنا) فعلقوا به (ومن المحتمل أن يكون معطوفا بالواو على بيت قبله سقط حتى يصح الوزن) قلنا: ولا كل هذا التكلف الطويل فارجعوا إلى ص ٩٦ من الكتاب تجدوا (فكما أنتم كنا) فالساقط الفاء لا بيت مع واو. ٢٥ - ومن أرقام التعاليق في ص ١٣٩ بالحاشية السفلى (٩) ولا متعلق له في المتن. ٢٦ - وفي ص ١٥٧ قول الحطيئة: أطعنا رسول الله إذ كان بيننا ... فيا لعباد الله ما لأبي بكر وفي الكامل للمبرد ج ١ ص ٢٨٢ (فيا لهفتا ما بال دين أبي بكر). ٢٧ - وقالوا في ص ١٧٢ (ونحن وإن كنا لا نخليه من معنى. . . إلا إننا نرى) بتركهم (نحن) من دون خبر واستثنوا بل استدركوا قبل ورود الحكم فالصواب (حذف (إلا إننا) أو وضع (فإننا) أو (لنرى) فالأول مثل قول (طخيم بن أبي الطخماء: (وإني وإن كانوا نصارى أحبهم) والثاني مثل قول المبرد في الكامل ج ٣ ص ٧٥ (والراجز وإن كان لحن فقد أحسن التشبيه) ومثل قول علي ﵇ (والعرب اليوم وإن كانوا قليلا فإنهم كثير عزيز بالإسلام) والثالث مثل قول إبراهيم بن المهدي العباسي (وإني وإن غيبت عني لعالم) وقد بين

стр. 4308

الصبح لذي عينين. ٢٨ - ونقلوا في ص ١٧٧ عن اللسان قوله (تقول للشيء الزائل عن موضعه: قد أضللته، وللشيء الثابت في موضعه إلا إنك لم تهتد إليه (: ضللته) ولم يلتفتوا إلى قول الحطيئة في ص ١٦٠ من هذا الجزء: وأنت امرؤ تبغي أبا قد ضللته ... هبلت ألما تستفيق من ضلالكا ٢٩ - وفي جدول تصاويبهم ذكروا أن في ص ١٨٥ مادة (نكث) فأنا أصلح تصويبهم وأقول (مادة نكس) بالسين. ٣٠ - وورد في ص ١٨٦: (لم يؤثروك بها إذ قدموك لها ... لكن لأنفسهم كانت بك الأثر) وفي الكامل ج ٢ ص ١٥١: ما آثروك بها إذ قدموك لها ... لكن بك استأثروا إذ كانت الأثر ٣١ - وذكروا في جدول التصاويب أن (الأسقف) في ص (١٥) مع إنه في ص (١١٥). مصطفى جواد ٩١ - كتاب عيون الأخبار تأليف أبي محمد عبد الله بن قتيبة الدينوري المتوفى سنة ٢٧٦، المجلد الثاني في ٣٧٦ ص بقطع الثمن الكبير، الطبعة الأولى - مطبعة دار الكتب المصرية بالقاهرة سنة ١٩٢٨. هذا السفر الجليل من درر البحر بحر دار الكتب المصرية التي أدهشت العالم كله بحسن مطبوعاتها وتحري نشر أفيد مصنفات السلف. وهذا المجلد حوى كتاب الطبائع والأخلاق المذمومة، وكتاب العلم والبيان، وكتاب الزهد وكل يعلم منزلة الدينوري من التحقيق والإمعان في علوم العربية ولو لم يكن لصاحبه إلا هذا الكتاب لكفى دليلا على غور بحره ووقوفه على تراث الأقدمين وكنا نود أن يتولى إصلاح المسودات أديب واقف على مطبوعات الأقدمين فقد جاء مثلا في ص ٩١ في الكلام على زق فرخ الحمامة: (ثم زقاه (أي والداه) سورج أصول الحيطان) فجاء في الحاشية. كذا بالأصلين

стр. 4309

ولعله الصاروج وهو الكلس تبنى وتطلى به حيطان البيت. وفي (كتاب الحيوان) للجاحظ (ج ٣ ص ٤٧) (فيأكلان من صروح الحيطان وهي شيء بين الملح والحمض وبين التراب الخالص فيزقان الفرخ. . . الخ، فنقول: السورج كلمة فارسية الأصل أي شوره (وزان كوره) وعربت شورج بالشين المعجمة وسورج بالسين المهملة وصحفت بصورة صورج بالصاد. والمشهور عند العراقيين شورة كما في الفارسية وبالفرنسية وهو ملح يكون في أصول الحيطان. والكلمة معروفة في العراق منذ عهد العباسيين وربما قبل ذلك العهد. وقد ذكره ابن البيطار باسم السورج قال: ديسقوريدس في الخامسة هو شيء يتولد من البحر وهو جنس من الزبد ويتولد في المواضع الصخرية القريبة من البحر وله مثل قوة الملح. جالينوس في ١١ هذا إنما هو شبيه بالزهرة أو بالزبد مرتفع فوق الملح وهو ألطف من الملح بكثير. . .) قلنا: ومن أسمائها في العربية: فقاح الملح، ورغوة الملح، وزبد الملح وملح الدباغين وقد وردت هذه الألفاظ في معجم بربهلول السرياني العربي. ولهذا لم يبق محل للمحشي أن يقول: هو الصاروج إذ هذا شيء آخر. وأما رواية الجاحظ فمن أغلاط طبع الكتاب إذ لا تحصى والصواب صورج الحيطان وأحسن منها سورج الحيطان بالسين المهملة. وقال في ص ٩٢: (ومنه (أي من البيض) شيء يعتري الحجل وما شاكله في الطبيعة، فإن الأنثى منه ربما كانت على سفالة الريح التي تهب من شق الذكر في بعض الزمان فتحتشي من ذلك بيضا والحال إننا نعلم أن هذا لا يجري في الحجل، وإنما الخرافة تروى عن نوع من اليعاسيب إلى يومنا هذا عند أعراب البطائح ولهذا كان صحيح الرواية: الجحل بتقديم الجيم على الحاء. قال في اللسان: الجحل اليعسوب العظيم وهو في خلق الجرادة إذا سقط لم يضم جناحيه اهـ وهو في الفرنسية وفي هذا السفر أيضا حواش تدل على قلة تدقيق في الأمور فقد جاء في الحاشية ٤ من ص ٩٧ (ويتولد (الجعل) غالبا من اخثاء البقر) ولا نظن أن واحدا من الناس في هذا العصر يقول بهذا القول، إنما الصحيح إنه يتولد

стр. 4310

غالبا في اخثاء البقر وذلك أن أنثاه تضع بيضها فيها وهي أحسن بيئة لها فتفقص وتنشأ فيها. وفي حاشية ٦ من ص ٩٩: (ذو فكين (أي السرطان) ومخاليب (كذا بياء بعد اللام) وأظفار مداد) والمعروف أن المخلب لا يجمع إلا على مخالب. بلا ياء بعد اللام ثم أن المخالب والأظفار شيء واحد في مدلولاتها إنما الفرق في أن المخالب لما يصيد من الطير وسباع الحيوان والأظفار لما لا يصيد من الطير. ولو قال: ذو فكين ومقابض ومخالب لكان أوفق لمصطلح العلم الحديث. وجاء في ص ٤٠ قوله: (جلنجبين) وضبطت بفتح الأول والثاني والرابع ثم قيل في الحاشية: (وفي أقرب الموارد إنه معجون يعمل من الورد والعسل فارسي معرب عن (كل) ومعناه ورد و (انكنبين) (كذا) ومعناه عسل. انتهى. قلنا: نتعجب من أن ناشري هذا الكتاب يعتمدون في كلامهم وضبط بعض الألفاظ على أقرب الموارد وهذا المعجم نسخة ممسوخة من محيط المحيط وكذلك قل عن (البستان)، وجميع معاجم اللغة التي وضعت للمدارس وكان أساسها هذه الدواوين اللغوية الثلاثة. أما صاحب البستان فقد ضبط الجلنجبين على نحو ما ضبطها أقرب الموارد ومحيط المحيط إلا إنه زادهما غلطا في ذكر الأصل فقال: (وانثلبين) عسل والخطأ واضح لأن الكلمة الفارسية هي (انكبين) بكاف فارسية. وقول هذه المعاجم أن الجلنجبين معجون قول غير صحيح. وكلام ابن البيطار هو الصحيح أي ورد مربى بالعسل أو السكر. وأما ضبط الكلمة فهو بضم الجيم وفتح اللام وإسكان النون وضم الجيم الثانية كما هي مضبوطة في الفارسية وكما وردت في مفردات ابن البيطار طبع باريس. وجميع الدواوين الفارسية لا تضبطها إلا على الوجه الذي ذكرناه. والآرميون يلفظونها ويكتبونها هكذا: (جولانجبين) (راجع معجم باين سميث العمود ٦٧٩) أما سبب ضبط هذه المعاجم الحديثة بالفتحات فناشئ من الأصل الذي نقل عنه محيط المحيط أي معجم فريتغ فإنه ضبطها بالفتحات فجاء صاحب المحيط ونقل الضبط

стр. 4311

المذكور بلا تدقيق ثم عثر صاحب أقرب الموارد والبستان تلك العثرة نفسها لأن هؤلاء النقلة لم يتعبوا أنفسهم لتحقيق الضبط ومراجعة الأصول والأمهات. أما أن الجلنجبين ليس بمعجون فظاهر من أن المعجون في عرف الأطباء دواء قوامه أمتن من قوام العسل والحال أن الجلنجبين ليس بدواء بل هو من قبيل الحلوى يؤخذ بعد الطعام أو بين طعام وطعام. وكنا نود أن نرى في الحواشي بعض التحقيقات التي تنفي بعض المزاعم القديمة القائلة وتدعم بالآراء العصرية العلمية. مثل ذلك ما جاء في ص ١٠٧ فقد جاء قول المؤلف: إذا أخذ بزر السذاب البري وزرع وطال به ذلك تحول حرملا. والنمام إذا عتق تحول حبقا. . . إلى غير ذلك. فلا جرم أن هذه الأقوال ينكرها علماء البحث في هذا العصر ولا يقولون بها بل ينكرونها إنكارا. وفي الختام نقول عن هذا السفر كما قلنا عن سائر ما يطبع من مصنفات الأقدمين إنها تحتاج إلى معجم يلحق في آخر المجلد تذكر فيه الألفاظ التي وردت فيه ولم تذكر في دواوين اللغة. كتقييد كلمة السورج أو الشورج التي جاءت في ص ٩١. والتحول التي وردت بمعنى في ص ١٠٧ وورد في تلك الصفحة أيضا الترية بمعنى نبت من الحشيش يكون بالسند فهذه الكلمات وغيرها وتعد بالعشرات مما يحتاج إلى تقييده وتدوين صفحاته حتى ينتفع به عند المراجعة. فيرى من هذا البسط الموجز محاسن ما في هذا السفر الجليل وحاجة كل أديب إلى اقتنائه فنحن نشكر القائمين بطبعه على هديتهم هذه ونتمنى لهم المضي إلى الأمام في مهمتهم الجليلة. ٩٢ - دروس علمية في أمراض جهاز البول تأليف الحكيم لوسر كل أستاذ السريريات الجراحية، ترجمها الحكيم مرشد خاطر أستاذ الأمراض الجراحية وسريرياتها، طبعت بالمطبعة البطريركية الأرثوذكسية بدمشق سنة ١٩٢٩ في ١٣٤ ص بقطع الثمن الصغير. أمتاز الدكتور لوسر كل بالتحقيق والتدقيق في الأمور الطبية. وأمتاز الدكتور مرشد خاطر بما امتاز به صديقه ويزاد على ذلك تفهم العبارة الفرنسية تفهما

стр. 4312

صادقا وإفراغها في قالب عربي بحت فيه رونق وحسن ديباجة يعز وجود مثلها في كلام سائر الكتاب من طبقة الأطباء. ويضاف إلى ذلك أن الدكتور مرشد خاطر كثير الاشتغال لا يعرف الراحة ساعة واحدة إذ آلى على نفسه أن يفيد أبناء الوطن ويذهب ضحية في سبيل إفادتهم. وهذا الكتاب هو الثالث الذي أهداه إلينا وطبعه في هذه السنة. وهو كسائر اخوته حسن التبويب والسبك وقد قسمه المؤلف اثني عشر قسما ذكر فيها كل ما يمكن أن يقال في الموضوع الذي عالجه فوفاه من التحقيق والتدقيق. وليسمح لنا حضرة الصديق أن لا نوافقه في نقل بعض الألفاظ فقول الإفرنج (ص ٢٤) هو جوهري لا أساسي. وجاء ذكر الحويضة (ص ٦٤ وما يليها) ونحن لم نجد من صغر حوضا على حويضة بل على حويض وكثيرا ما يصور حرف الإفرنجي بالياء فيقول مثلا برينو ونحن لا نوافقه على ذلك والصواب برونو وقال في ص ٨٧ الملودنة والصواب الملوذنة بالذال المعجمة ويصور الإمالة بالألف على الطريقة السورية فيقول مثلا مازوثوريوم (ص ١٠٤) والأحسن أن يقال ميزوثوريوم كما قالوا هابيل وشيث وروبين ولم يقولوا هابال وشاث وروبان. تلك هي بعض الهنيات التي لا تشين عبارة الكاتب المترجم وهذا ما يشهد له بعلو الكعب نفعنا الله بعلومه. ٩٣ - فن التمريض لمؤلفه الحكيم مرشد خاطر، أستاذ الأمراض الجراحية وسريرياتها في معهد الطب بدمشق، وعضو المجمع العلمي العربي، طبع في دمشق سنة ١٩٢٩ في المطبعة البطريركية الأرثوذكسية في ٤١٦ ص بقطع الثمن. فن التمريض حديث في ديار الشرق وليس لنا كتب تبحث عنه. نعم نشر وينشر في بعض المجلات مقالات في هذا الموضوع، لكنها غير وافية بجميع المواضيع والكلام عليها مقتضب وغير جار على سنن العلم ولهذا أصبح وضع تأليف علمي بعبارة واضحة خالية من التعقيد وفي الوقت عينه فصيحة متوفرة فيها

стр. 4313

شروط القواعد العربية أهم ما نحتاج إليه في شرقنا على اختلاف ديار لهويته وقد ألفينا هذا السفر من أنفع ما يمكن أن يحلم به الممرض والممرضة. ونحن نتمنى أن تجلب منه حكومتنا العراقية مقدارا وافيا لتنشره بين الممرضين الذين في ديارها. ومما نوجه إليه الأنظار إن وضع هذا التصنيف الجليل هو من أهل الخبرة في الفن ومن محسني إجالة اليراعة في ميدان الكتابة. وعندنا هنا كتب ومجلات طبية فإذا ما وقفت على ما تكتبه تسائل: بأي لسان اقرأ هذه الصفحات وما المراد من كلام المؤلف؟ وهكذا يتأسف القارئ على إضاعة وقته في مطالعة كتب عربية الحروف أعجمية الكلام مغلقة المعاني حتى على أذكى الناس وأثبتهم علما في العربية. وهذا كله لا ترى له ظلا في ما ينشئه الطبيب النطاسي والكاتب التحرير صديقنا العزيز (الدكتور) مرشد بك خاطر. على إننا نأخذ عليه أشياء لا دخل لها في فن التمريض بل تتعلق بتخليص العبارة من بعض الهنوات الهينات. وأول تلك الأمور إنه يلقب نفسه بالحكيم في مكان (الدكتور) ونحن لا نوافقه على ذلك والسبب هو أن معنى الحكيم أنصرف إلى من يعالج الحكمة وبالفرنسية أما الدكتور فعلم لقب وضعته جامعات ديار الغرب للدلالة على من حاز الدرجة القصوى في متقن من متاقنها. ومعناه (المعلم) ولما كان للمعلم لفظة أخرى إفرنجية لنتركها لمدلولها. وقد وضع للدكتور بعض الأدباء كلمة (علامة) وكل ذلك لا يفيد المطلوب والأحسن أن يؤخذ اللفظ بصورته لأن الألقاب لا تنقل إلى ما يقابلها في لغتنا بل تؤخذ بصورتها، وافقت أوزاننا أو لم توافقها. وقد جرى السلف على هذا الأسلوب في عهد الجاهلية نفسها فقالوا: القس والسرسور والسفسير والقسطار والأطربون والشاه والشاهنشاه والقان والخان والنجاشي والقيصر والموبذ والأسقف والمطران والبابا إلى غيرها وتعد بالمئات. ويسهل اتخاذ اللفظ الأعجمي إذا كانت مادة الكلمة تشبه المادة العربية وكان وزنها يشبه الوزن العربي (فالدكتور) جمعت فيها الشرطين المذكورين فلا بد من اتخاذها بصيغتها ولفظها. وقد وقع في الكتاب أغلاط طبع لم تصلح في باب التصويبات من ذلك ما في

стр. 4314

أول صفحة من المقدمة في السطر الذي يسبق الأخير: (وإن تكون ذكية ربطة الجنان) وفي الصفحة الثانية من المقدمة المذكورة (بما يستدعيه مرضهم من العناية) وفيها: (أجمع فيه ما يحتاج إليه المريض مهما كان نوع دائه. . .) وقد تكررت (مهما) في هذه الصفحة لغير معنى الشرط - وفي تلك الصفحة عينها قال. (أم مرأة - وفيها أيضا: فعسى أن أكون عند ظني.) والصواب: رابطة الجنان. . . من العناية بهم. . . أيا كان نوع دائه. . . أم امرأة. . . فعسى أن أكون مصيبا في ظني. ومما يسرنا إننا نرى المؤلف يتوخى الصحة في ما يكتب فيقول مثلا: الأشعة الكهربية ولا يقول الكهربائية (الثقيلة على اللفظ والسمع والمخالفة للأصول العربية كل المخالفة) - ويقول الوذمة (ص ٢٥) لا الأيديما أو الأوديما ويقول عراقيل الجروح وهي الكلمة التي استعملها أطباؤنا الأقدمون ولا يقول المضاعفات أو التضاعفات أو الاختلاطات أو التشويشات أو غيرها من الألفاظ التي لا تفيد فائدة الأقدمين ولا مصطلحاتهم ولا تقوم مقامها. والخلاصة إننا نرى فرقا عظيما بين ما يتولى الدكتور مرشد بك خاطر طبعه من الكتب التي ينشرها أو يصححها أو يعربها وبين ما يصدر مثلها في بيروت أو بغداد أو لبنان فإن أصحاب هذه المطبوعات الأخيرة مغلقة العبارة سقيمة التأليف كثيرة الألفاظ الأعجمية الثقيلة على السمع واللسان والذوق، قلقة الوضع لا تكاد تجني منها ما تنتظر منها. ولهذا نوصي بتآليف الدكتور مرشد خاطر كل التوصية ونرغب الأطباء في النسج على منواله ليخلدوا لهم آثارهم ويفيدوا بها من يقرأها. المجمل في تاريخ الأدب العربي - ٤ - ١٦ - وقال في ص ١٤ (المعرب وهو اللفظ العجمي الذي يستعار لما يجد من المسميات والمعاني حينما لا يوجد في أصل اللغة ما يرادفه أو لا يمكن صوغ مثله) وهذا رأي باطل ومزلة حكم مسلوفة وقى الله مجتازها شرها، وقد

стр. 4315

تورط فيه من قبل هذا الشيخ إبراهيم اليازجي بقوله في كتاب (لغة الجرائد) ص ١٠٧ (على أنا لا ندري الموجب لاستعمال اللفظين - أراد الأورطة والكوبري - مع وجود ما يرادفهما في العربية) والقائلون بهذا الرأي كأنهم لم يتدبروا كلام العرب ولم يتأملوا ما استعملته معربا وعندها مرادفه، ولاستجازة ذلك قال الجوهري عن أبي الحسن اللحياني في مادة (سخت) من المختار (السخت بسكون الخاء الشديد وهو معروف في كلام العرب وهم ربما استعملوا بعض كلام العجم باتفاق وقع بين اللغتين كما قالوا للمسح بوزن الملح: بلاس، وللصحراء دشت) اهـ (وراجع هذا الجزء من لغة العرب ص ٥٩٢ إلى آخر البحث). وجاء في الكامل للمبرد ج ٣ ص ٢٢١ (فقال المهلب لأبي علقمة العبدي - وكان شجاعا عاتيا -: أمدد بخيل اليحمد وقل لهم فليعيرونا جماجمهم ساعة فقال لهم: إن جماجم القوم ليست بفخار فتعار وليست أعناقهم كرادي فتنبت، قال أبو الحسن الأخفش تقول العرب لأعذاق النخل: كراد وهو فارسي معرب) وهذا يدل على إنهم كانوا يزينون كلامهم بالمعرب ويتركون مرادفه ولكل جديد لذة. ١٧ - وضرب في ص ١٩ المثل (أريها السها وتريني القمر) وهو مثل تتقزز منه النفوس لأنه عاقبة حكاية فجورية أولها فحش وآخرها زنى وفي ما بينهما سيء من القول فينبغي للعاقل أن يهمل ما هذا أمره وما سواه فما بمعناه كثير ١٨ - ونقل في ص ٢٧ خطبة أبي طالب ومنها (الحمد لله الذي جعلنا من زرع إبراهيم وذرية إسماعيل) وفي الكامل ج ٣ ص ٢٤٢ (جعلنا من ذرية إبراهيم وزرع إسماعيل) ومنها (من لا يوازن به فتى من قريش إلا رجح به برا وفضلا وعدلا ومجدا ونبلا) وفي الكامل (إلا رجح عليه به برا وفضلا وكرما وعقلا ومجدا ونبلا) ومنها (وما أردتم من الصداق فعلى) وفي الكامل

стр. 4316

(وما أحببتم من. . .) ١٩ - وقال لتفسير شماتة (اسم من شمت به يشمت إذا فرح بمصيبة نزلت بعدوه) ولم نعلم سبب قوله (به) قبل قوله (بعدوه) لأنه مخالف لما (يجري عليه الأدباء فهم يذكرون الظاهر ثم يكنون عنه بالضمير فالصواب (من شمت بعدوه إذا فرح بمصيبة نزلت به) ٢٠ - وقال في ص ٢٨ لتفسير مدحاة (مدحوة أي مبسوطة) وذلك تفسير ما لم يقل فتأمل ٢١ - وقال في تلك الصفحة في الفنون الجميلة (والشعر يصورها بالخيال البديع) فجعل الخيال من لوازم الشعر ولكنه في ص ٣٨ يصف الشعر الجاهلي ويستحسنه بقوله: (لا يعدو الحقيقة ولا يتجاوز ظواهر المشاهد). ٢٢ - وقال في ص ٣٣ (وشتان بينها) وفي ص ٢١٨ (وشتان بين هذا الصبر) وليس ذلك صوابا لأن (بين) الظرفية لا تقبل الفاعلية ولأن (شتان) يستوجب الاشتراك فلا يجوز أن يكون فاعله مفردا لفظا ومعنى فالصواب (وشتان هما) أو (شتان ما بين. . .) ٢٣ - وقال في ص ٣٤ (وقد حاول غير واحد من الباحثين أن يبحثوا في أصله - أراد الشعر - ويعينوا زمنه) والصواب (عن أصله) لأن المجهول هو الأصل والبحث في الشيء يستوجب جهله ويؤذن بالتفتيش عنه. ٢٤ وقال في ص ٣٨ في الشعر الجاهلي (وندرت فيه المبالغة وقل استعمال المجاز والكناية) ونحن لا نرى هذا الرأي لأن المجاز والكناية من بدائع الشعر العربي خصوصا الجاهلي ألا ترى قول (زهير بن أبي سلمى (تفانوا ودقوا بينهم عطر منشم) وقول النابغة الذبياني (رقاق النعال طيب حجراتهم) وقول زهير: يمينا لنعم السيدان وجدتما ... على كل حال من سحيل ومبرم نضيف إلى ذلك أن الأثري مدح امرأ القيس في ص ٦٠ بقوله (وحسن الاستعارة) وقال في زهير ص ٧٤ (ويتعمد التفنن في تنويع الصور البيانية). مصطفى جواد

стр. 4317

تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره ١ - صبيح نشأت بك توفي صبيح نشأت بك الوزير المفوض لحكومة العراق لدى الجمهورية التركية في أنقرة. وقد توفاه الله في الآستانة في ١٩ تموز من هذه السنة فخسر الوطن والحكومة بوفاته رجلا من خيرة أبناء البلاد. وكانت وفاته بخنقة الصدر. وكان ﵀ حاضر البديهة ومما يحسن ذكره هنا إنه لما أصلحت الأمور بين حكومتنا وحكومة نجد على الحدود كانت قطعة أرض محايدة بين البلادين. فسأل السر برسي كوكس ما نسميها بعد هذا الصلح والاتفاق. فقال صبيح بك نسميها (بقلاوة) فسأل السر برسي ما معنى هذه الكلمة فشرحت له. ولما كان شكل الأرض قريبا من هيئة قطعة البقلاوة قال السر برسي: هذا أحسن ما يمكن أن تسمى به هذه الأرض. فكتبت على الخرائط (بقلاوة) وهي تعرف إلى اليوم بهذا الاسم الطيب. ٢ - سميعي خان قدم إلى العاصمة صاحب المعالي سميعي خان الوزير المفوض لحكومة إيران في صباح ١٥ تموز (يوليو) وأملنا في حنكته وثاقب نظره أنه يكون رسول خير وصلاح بين دياره وديارنا. ٣ - تبرع معاليه تبرع معاليه بمبلغ ٥٠٠٠ ربية لمنكوبي الفيضان وقد أجابه فخامة رئيس الوزارة ووزير الخارجية بكتاب رقيق ماؤه الشكر والثناء على عواطفه النبيلة. ٤ - سفر عناية الله غادر جلالة الملك عناية الله خان ومن معه مدينة بغداد في مساء السبت ٢٠ تموز ووجهتهم إيران للإقامة فيها. وكانوا قد وصلوا إليها عصر ١٢ تموز (يوليو) محفوفا بالعز والإكرام. ٥ - القس حنا مقصود جاقر فاجأت المنية القس حنا مقصود جاقر مساء ١٨ تموز في بيت أخته في كرادة مريم الشرقية ودفن مساء ١٩ في كنيسة الكلدان في بغداد وحضر الموكب خدمة

стр. 4318

الدين المسيحي على اختلاف طوائفهم وكثير من الناس. وكان عمره في ال ٥٨ ٦ - قلة مياه ديالى هبطت مياه (ديالى) هبوطا غير مألوف في هذا الصيف ولا سيما قسمه الجنوبي وظهر من مقدار المياه التي قيست في الغربي من صدر (الخالص) في اليوم ال ١٥ من شهر تموز أن المياه هبطت إلى أحط ما سجل في مثل هذا التاريخ وإن هذا المقدار يعادل زهاء سبعة أثمان مقدار المياه في مثل هذا التاريخ أثناء سنة ١٩٢٥. ٧ - في أنحاء الكويت لم يرحل فيصل الدويش إلى الكويت بل إلى (القرية) وقد قبضت قبيلة مطير على رسول الملك ابن سعود وكان يحمل كتابا إلى أمير حائل يأمره فيه بأن يجرد حملة قوية لمهاجمة الارطوية حاضرة مطير وبعث فيصل الدويش على أثر ذلك بكتاب إلى أمير الكويت يرجو منه العون والمساعدة في حركاته الجديدة. ٨ - تلاميذ نالوا شهادات نال ١٤ تلميذا الشهادة من متقن الزراعة و٢١ تلميذا الشهادة من متقن الحقوق وسيذهب فريق منهم إلى ألمانية ومنهم إلى فرنسة وآخرون إلى إنكلترة لإكمال دروسهم. ٩ - أول محلجة قطن في العراق جلب صاحب الفخامة يس باشا الهاشمي محلجة القطن الأولى في العراق وباشر نصبها في الصرافية ونظم مجلس إدارة لهذه الشركة وحاز الأعضاء الآنية أسماؤهم أغلب الآراء وهم: يس باشا الهاشمي. رشيد عالي بك الكيلاني. الحاج يس جلبي الخضيري. زكي بك قدري. جعفر جلبي أبو التمن. نوري فتاح. وحصص الشركة ألف وقدر كل حصة عشر ليرات إنكليزية فبيعت جميعها. ١٠ - شقاق في الطائفة الإسرائيلية وقع شقاق بين الطائفة الإسرائيلية في بغداد بخصوص وكيل رئيس الحاخامين فمن الطائفة من يوافقه ويستحسن أعماله وفيها من يسوئ محاسنه نفسها فانقسمت الطائفة ثلاث فرق والفرقة الثالثة هي المحايدة. فقدم الوكيل المذكور عريضة إلى فخامة رئيس الوزراء يطلب منه إجراء محاكمته في مجلس مختلط وتاريخ العريضة ١٧ تموز من هذه السنة. ١١ - مديرية الأوقاف أعلنت الحكومة أن منذ اليوم الثاني من

стр. 4319

تموز تعتبر وزارة الأوقاف (مديرية عامة للأوقاف). وعين مديرا لها جميل بك الوادي ١٢ - توزيع شهادات في المدرسة الزراعية في بغداد وزعت هذه المدرسة التي في الرستمية صباح ٢ تموز الشهادات على مستحقيها فكانوا ١٤ تلميذا. ١٣ - موضع المدارس افتتح جلالة الملك المعظم في صباح ١ تموز معرض أشغال اليد والرسم لمدارس بغداد فأمه بعد ذلك كثير من الناس رجالا ونساء. ١٤ - شمريون يهاجمون كويتيين هجم في الأسبوع الأول من حزيران (يونيو) طائفة من شمر نجد وعدد رجالها زهاء ٦٠ هجانا يقودهم ابن طولة على عشيرة عريبدار الكويتية المخيمة بالقرب من الجهرة فرد الغزاة وخسروا ستة رجال وأسر بعض منهم. ١٥ - المتقن الزراعي العراقي فصل هذا المتقن عن دائرة الزراعة العامة وألحق بوزارة المعارف منذ ١٥ تموز من هذه السنة ١٩٢٩. ١٦ - جريدة الناضرة حظرت نشرها إدارة المطبوعات بأمر أصدرته في ٧ تموز (يونيو) من هذه السنة لمخالفتها خطتها. ١٧ - صحف سورية تمنع من دخول العراق اتصل بنا أن الحكومة قد منعت بعض الصحف السورية من دخول العراق وهي (أبو العلا) و (الدبور) و (الاستقلال) و (الحقيقة) و (العهد الجديد). ١٨ - مدرسة البنات في النجف والضجة التي حولها (عن النهضة) اعتزمت وزارة المعارف فتح مدرسة إناث ذات صفين في النجف هذه السنة المقبلة، وقد اشترطت على الراغبين بفتحها قيامهم بنفقات الدار للسنة الأولى وهؤلاء قبلوا الشرط وهيئوا المال الكافي لأجرة الدار اللائقة بهذه المدرسة الجديدة. ولكن لم يذع خبر إنشاء مدرسة البنات بين الطبقات الأخرى وبينها من المحافظين عدد كبير حتى قامت قيامتهم ضد هذه الفكرة وتوسلوا بتقديم عدة مضابط إلى المراجع المختصة يطلبون صرف النظر عن إنشاء هذه المدرسة!!! وقام الراغبون بهذه المدرسة بدورهم ينظمون المضابط وبالفعل قدموها طالبين فتح المدرسة مع تعهدهم بالدار وبطائفة كبيرة من بناتهم يدخلوهن هذه الدار العلمية، وهكذا نجد النجف اليوم في سلب وإيجاب وقد لا يخطئ من يحبذ فكرة إنشاء

стр. 4320

المدارس الإناثية في سائر أنحاء العراق ومن الطبيعي أن يكون غير المألوف مرتابا فيه لأول وهلة! ولكن سير العلم قد جرف أمامه كل معارض في غرسه وتعميمه ولو التجأ المعارضون في تشكيل مدرسة البنات في النجف إلى حصن منيع يقيهم تهمة المحافظة على القديم وكراهية التجدد حتى في العلوم لانتحلنا لهم عذرا في مقاومتهم العنيفة العتيدة؛ ولكنهم يزعمون أن الراغبين بفتح مدرسة البنات تحوم الشكوك حول بعض أفرادهم وهذه الشكوك التي تنتهي بهم إلى وجوب المحافظة على الأخلاق العامة هي التي تدفعهم إلى خنق مدرسة البنات وهي في مهدها! وهذا منتهى الضعف في التفكير ولا يقرهم عليه أحد ينزع إلى انتشار العلم وتساوي الفتاة بالفتى معلومات وثقافة، ولو إنهم طلبوا المراقبة من قبلهم على هذا المشروع أو إنهم سعوا لفتح أمثاله من ذي قبل لقلنا أنهم محقون في دعواهم، أما أنهم يعارضون كل فكرة جديدة وينقمون على المدارس دون أن يتكلفوا عناء الإصلاح ومشقة التهذيب فذاك نتيجته خسران صفقتهم ومضاعفة النشاط للإقبال على هذه المشاريع العلمية الضرورية لحياة عصر الكهرباء واللاسلكي. نحن نؤيد القائلين بوجوب المحافظة على الأخلاق بصورة عامة - وخاصة أخلاق الفتيات وتعاضد الساعين إلى الضرب على أيدي المفسدين أيا كانت صفاتهم ومنزلتهم - ولكنا في الوقت نفسه نريد من هؤلاء عملا يفيد الصالح العام وماذا يفيد (الصياح) داخل الزوايا والغرف؟؟ وهل كل شيء في الحياة هو المقاومة السلبية لكل مشروع، وهل الأحسن أن تبقى فتاة النجف محرومة من نمير العلوم لأن فلانا وفلانا وغيرهما من الذين يسعون لفتح مدرسة البنات لا يثق بأخلاقهم ولذلك وجب تحريم الدخول إلى قاعة المدرسة؟ ليس هذا كل شيء من المنطق، قولوا نريد هيئة نزيهة ومراقبة شديدة من الأهلين الموثوق بسلامة ضمائرهم للإشراف على هذه المؤسسة الجديدة، ونريد مدرسات فاضلات، ونريد تربية أخلاقية متينة. ونريد وضع برنامج يصون فتياتنا من منازع الأهواء ومن كل عابث يتصدى لهم و. . . الخ فتكون المعارضة وجيهة ومقبولة ونحن أول القائلين بهذا والحاثين عليه ولا نرضى بغيره بديلا أبدا. إن الزمان اليوم (يا أيها السادة) لا يتسع لما كان يتسع له من ذي قبل جمودا على القديم ومناهضة لكل جديد،

стр. 4321

إلى الاستقلال، ولقد أصبح من الواجب على الأفاضل والعلماء تعزيز النهضة العلمية النسائية وبث الدعوة لها في مختلف الطبقات، وإلا فليس من جدوى وراء المقاولة السلبية (على طول الخط:) (عن النهضة العراقية العدد ٤٣٥) ١٩ - لماذا اندلعت الثورة في إيران أسباب الثورة في شهر نيسان الماضي أصدرت الحكومة الإيرانية أمرا بمنع زراعة الأفيون في منطقة شيراز عملا بقرار جمعية الأمم القاضي بتحديد زراعة المخدرات فاستاءت من هذا المنع عشيرة (بابور لو) العربية المقيمة في الأراضي الواقعة شرق شيراز وطلبت من الحكومة إلغاء هذا المنع لأن زراعة الأفيون سبب معيشتها فرفضت الحكومة ذلك وأرسلت قوة من الجند لتأييد المنع بالقوة ولكن رجال العشيرة لم يخضعوا لها بل قاوموا الجند وقتلوا عشرة منهم ونزعوا سلاح الباقين وأطلقوا سبيلهم ليخبروا الحكومة بما وقع لهم. ٢٠ - تدابير الحكومة فلما علمت الحكومة بالأمر اعتزمت أن توطد نفوذها بالقوة فقررت استبدال الحكام الإداريين في مقاطعة شيراز وبو شهر وخوزستان ولو رستان بولاة عسكريين وخولتهم الصلاحية التامة لتأديب كل العصاة والخارجين على إدارة الحكومة وتجريد القبائل من سلاحها. ولكن هذه التدابير الجديدة لم تأت بالفائدة المطلوبة بل دعت الأشقياء واللصوص وقطاعي الطرق إلى الانضمام إلى القبيلة العاصية فتألفت منهم قوة تقدر بثلاثة آلاف رجل ثم ضوعف هذا العدد بانضمام قبيلة (قاشقار) القوية إليهم لأن الحكومة منعتها من ارتياد مراعي الشمال كما هي عادتها في الصيف ثم انضم إلى العصاة ثلاث قبائل صغيرات فألفوا جيشا ثائرا لا يستهان بقوته. في الأخير توفقت الجيوش في مطاردة العصاة الثائرين والانتصار عليهم وسلم علي خان شقيق صولة الدولة رئيس قبيلة القشقار نفسه وكذلك عشيرته إلى السلطة العسكرية الإيرانية بلا قيد ولا شرط وانصرف جهد الحكومة الآن إلى جمع السلاح من العشائر المتمردة وهكذا فاز الشاه بهلوي الكبير على من دس الدسائس وعكر مياه السلم وكل ذلك بفضل حكمته العجيبة وخبرته العسكرية فنتمنى لجارتنا العزيزة التوفيق في جميع أمورها. (عن النهضة)

стр. 4322

العدد ٧٣ - بتاريخ: ٠١ - ٠٩ - ١٩٢٩ الحالة الاجتماعية للعشائر العراقية

стр. 4323

حرف الضاد واللغة المالطية

стр. 4324

ثقيلة. . . كما يلفظها بعض أهل لبنان فيقولون: ذم الحصيد أي (الحصاد) وذم الثور وذم السيرة الخبيثة تقريبا بلفظ واحد. وبعكس هؤلاء ترى معظم السوريين وأخص منهم المعروفين بأهل الساحل يحولون الذال دالا فيقولون: الدهب في الذهب ودرأ في ذرأ. والظاء ضادا (ولعله من قبيل التمسك بالضاد؟) فيقولون: ضهر ولحض وحض وعضم وضاهر في ظهر ولحظ وحظ وعظم وظاهر. قلنا: إن حرف الضاد وقف على لغة العرب أو احتكار للسلف دون سواهم. أما الأمم التي تجد في مفرداتها كلمات فيها حرف الضاد وهي ثماني كلمات دخيلة من اللغة العربية بلا ريب، فإنها تلفظ هذا الحرف كأنه (ظ) خفيفة أو زاي مفخمة فالمتكلم بالتركي يلفظ (فاظل) و (رظا) و (ظابط) ويكتبها فاضل ورضا وضابط ومثله المتكلم باللسان الفارسي. . . ولعل بضاعتنا تعود إلينا مشوهة في بعض الأحيان فنقبل عليها على علاتها. . . فنقول بدورنا (ظابط)

стр. 4325

وعريظة وكلام مظبوط وفي الغالب نكتبها كما نلفظها بحرف الظاء. بل ربما تجاوزنا هذه الحدود إلى ألفاظ أخرى حتى إنك لتسمع بعضا منا يقول: (خزمتشي) تخفيفا لكلمة (خذمتجي) للخادم وحرف (الدال) يقلب (ذالا) في بعض المواقع في اللغة التركية ولكن ما الحيلة وحرف الضاد يبقى على حاله عند المالطيين ويلفظ دالا مشددة أو كما يلفظ الإنكليز حرف الدال أفيجوز أن ندعو المالطيين من الناطقين بالضاد؟ فإنهم يقولون مثلا (مريض) بسكون الميم والراء شأنهم في لفظ الحروف العربية الساكنة الصامتة من وزن فعيل وفعول وفعال ويقولون ضمير وفي بعض الأحيان يقلبون الظاء ضادا فيقولون مثلا: ظهر له ملك السنيور (أي ظهر له ملك الرب) (أو بالأحرى وضلام للظلام وضول (باللام في الآخر) للضوء الخ. . . كما يقولون دنب للذنب. ورأينا في وجود الضاد في أبجدية المالطيين أو بالأحرى وجود هذا الحرف في كلماتهم وانقلاب الظاء ضادا والذال دالا كما تقدم وهو أن اللغة المالطية متأثرة ومشبعة من لغة أهل كسروان في لبنان منذ هاجر بعض الألوف من هؤلاء إلى تلك الجزيرة وليس من عربية أهل الغرب. ولنا شواهد عديدة تجيز هذا الرأي دون الجزم به. ١ - انقلاب الظاء والذال ضادا ودالا كما تقدم وهذا شائع عند المالطيين والسوريين واللبنانيين

стр. 4326

٢ - ترى المالطيين يقولون هون (أي هنا) بفتح الهاء وسكون الواو ولا تستعمل هذه اللفظة بهذا التحريك إلا في لبنان إذ لا تقال في الغرب. والسوريون يلفظون كأنها ألف مفخمة وأهل الجليل يقولون هين بالإمالة والمالطي كاللبناني يقول هك بمعنى هكذا. وكذا شيطان بفتح الحرف الأول بعكس أهل المغرب فإنهم يلفظون الشين بالكسر والياء ساكنة أي بينما نرى لبناني الشمال والمالطي يلفظانها ثم أن أهل كسروان وشمالي لبنان كانوا ولا يزالون يلفظون طائفة من الحروف بإسكان الأول كلما أمكن ذلك وهو ناشئ من السريانية فيقولون طريق ومليح بينما نسمع أهل الجنوب كالمتأولة (الشيعيين) يلفظون هذه الكلمات بتحريك الأول أي نعم، إن أهل المغرب يلفظون أيضا مثل تلك الحروف بإسكان الأول ولكن هذه المشابهة هي الوحيدة بين لهجة المغربي والمالطي وبالرغم عن هذه المشابهة لا يتأثر رأينا في أن اللغة المالطية مدينة بعربيتها كما هي اليوم لأهل لبنان وليس لأهل المغرب في شمالي أفريقية. ٣ - لفظ القاف مقفقف كما يجب أن تلفظ وهذا أيضا مشترك بين لبناني الشمال والمالطي، بينما نسمع القاف تلفظ كالهمزة في سائر اللغات العربية العامية والمالطي إن لم يلفظ القاف مقفقفة حلقية يلفظها ويكتبها كافا مخففة. ٤ - شين الكشكشة للنفي المؤكد فأن المالطي كاللبناني والمصري حريص على استعمالها بصورة دائمة فتسمعه يقول لا (تنظرش)

стр. 4327

ومما هو جدير بالذكر أن الكسرواني لشدة حرصه على النفي المشددة فيه قد يضع حرف الشين في آخر الجملة ولا ينساها فيقول: كل القديسين ﵈: (لكن مش مثل مار أفرام) أو (ما مثل مار أفرامش) و (يا ولد لا ترحش على الكروم) أو (يا ولد لا تروح على الكرومش) أو بالأحرى (أترحش) بدلا من لا ترحش. ٥ - شيوع بعض الكلمات بين الكسرواني والمالطي بمعنى غير معناها الأصلي أو اللغوي وهي عديدة وليس لي في ذاكرتي منها الآن سوى كلمتين: (يانا) بمعنى أنا وتلفظ أو وحزين بمعنى الشيء الرديء فإن المالطي لا يعرف كلمة تجيء بمعنى الرديء أو الخبيث سوى كلمة حزين وقد كنت اسأل نفسي عن غرابة هذا الأمر حتى توفقت لفهمه مصادفة كما يأتي: كنت أتجول في ربوع لبنان الشمالي ولما عييت من تسنم الجبال ألقيت عصا الترحال في ظل كرمة تدلت عناقيدها وقد صفت ماءها الشمس فكانت كحبات البلور النقي، فطلبت من صاحبة الكرمة أن تبيعني عنبا فأبت بقولها: أهلا وسهلا فيك نحنا انبيعش (أي لا نبيع) قد أبدك (ما بدك) (بقدر ما بودك أو ما تود): صحتين! ثم إنها نادت ابنتها وأعطتها سلة وأوصتها بأن تقطف لنا عنبا ناضجا. وإذ كانت تلاحظها رأت أن الابنة تقطع الحصرم مع العنب فقاطعتها: (ولك يا سعدا!) (أي ويلك) (اتقطعيش) (أي لا تقطعي) المليح - مع (الحزين) - ففهمت أن كلمة حزين بمعنى الشيء الخبيث هي أيضا معروفة عندهم. ومن هذا القبيل ما يقوله المالطي واللبناني سواء. و (الكل) بمعنى أيضا. فاللبناني يقول مثلا: راح معهم ابني والكل (أي أيضا) أو كقوله: ويش! (وايش - أي شيء) - (ويش! سخرت حمارتي. . . بدك تسخرني والكل!) (أي أتريد أن تسخرني أنا أيضا) وفي المالطي مثلا

стр. 4328

(يسوع قال له: هو مكتوب وكل: لا تجربش السنيور الله تيعك) بمعنى هو مكتوب أيضا: لا تجرب الله ألهك - ٦ - استعمال حرف الشين بمعنى الشيء بلا معنى النفي. فاللبناني أكثر من السوري يستعمل حرف الشين للدلالة على الشيء فيقول: أيش وليش ويش، بمعنى: أي شيء ولأي شيء وبأي شيء وإن كانت الكلمة مقصورة على التعبير بالشيء وحدها أضاف إليها الواو فيقول (شو) أي: أي شيء هو؟ والمالطي يقول: عليش بمعنى (لأنه) (أي على أن الشيء) بيش (بالشيء) بداعي الشيء (سببية) بمعنى لأجل أيضا كما جاء في إنجيل متى بالمالطي ٢ - ٨: قال هيرودوس: ومتى تكونوا صبتوه (أصبتموه) عرفوني بيش أنا وكل (أيضا) نجي (أجيء) ندوره (كلمة لاتينية معناها نعبده). ٧ - وتأتي (انشطح) بمعنى سجد وانطرح وتمدد. وأهل لبنان يقولون انشطح بمعنى تمدد على الأرض ولعلها تحريف من تسطح أي نام سطحيا أو تمدد سطحيا. (ل. ع) ويستعملها أهل بغداد بهذا المعنى أيضا. ٨ - (عدى) بمعنى دخل وهي بهذا المعنى تستعمل في المالطي والعربي واللبناني الدارج. ٩ - (احدعش) واثنعش وثلاثتعش واربعتعش وخمستعش الخ. بدلا من أحد عشر وإثني عشر الخ مشتركة بينهما. (ل. ع) وكذلك يستعملها بهذا اللفظ وهذا المعنى عوام العراق. ١٠ - (أسأ) بمعنى الآن أو في هذه الساعة. (ل. ع) مستعملة في العراق أيضا. ١١ - (مرتو) بمعنى امرأته. (ل. ع) وكذا نصارى العراق من العوام. ١٢ - ومثلها (بنتو) بمعنى ابنته. (ل. ع) وكذا عوام نصارى العراق. وحذف الألف هذا كثير جدا فالمالطي يقول مثلا: زوج أخوة شمعون

стр. 4329

واندريا خو بدلا من أخوه. ومن هذا القبيل قولهم مثلا: المجوس وصلوا في بيت لحم وأعطوا إلى يسوع ١٣ - (بس) بمعنى فقط أو فحسب. (ل. ع) وكذا يقول العراقيون جميعهم والكلمة فارسية الأصل. ١٤ - (خا) أو خ أو خو بمعنى خذ والمالطي في معظم الأحيان يحذف الذال والألف من أخذ كما تقدم في أخ. واللبناني كثيرا ما يقول خو ويلفظ بدلا من خذ أو خود على وزن عود. ١٥ - أما (الشين) بمعنى الشيء وهو شهير في لبنان في كلمتي ايش (أي شيء) وشو (أي ما هذا الشيء) فإنك ترى آثارها عديدة كقولهم: ايش تريد أي أي شيء تريد. ونحن نسمع هنا في كل يوم كلمة شو تريد بالمعنى المذكور. وكقولهم أيضا شعاد ينقصني ايش بمعنى (أي شيء) عاد ينقصني (ل. ع) وكذلك العراقيون يلفظونها بهذا المعنى. والشين السابقة لفعل الاستفهام تتكرر كثيرا هنا والمصري يستعملها في موضع واحد بقوله شمعني ايش المعنى أي شيء هو المعنى أي لم للاستفهام. (ل. ع) وهذه الكلمة يستعملها العراقيون أيضا. وأخيرا كلمة شي بسكون الياء المشدودة بمعنى (أيا كان) فاللبناني يقول مثلا: عندك شي جواب؟ عندك شي رأي؟ عندك شي غطاء؟ بمعنى أعندك من جواب؟ أعندك رأي من الآراء؟ أعندك غطاء؟ والمالطي يقول مثله: متى تدخلوا ف شي دار سلمولها. أي متى دخلتم (تدخلوا) في أي بيت كان سلموا عليه أي على أهله. هذه ملحوظات جمعتها بين وقت وآخر وهي من قبيل الادلال على الشيء لا الجزم بنتائجه وأسبابه تاركا ذلك لغيري. ولكن قبل ختم هذه العجالة أرى من العدل الإعراب عن ريب يخالجني

стр. 4330

إذا كانت الضاد لم تزل في اللغة المالطية، فلماذا تأتي بعض الأحيان كأنها ذال أو ظاء؟ فلقد سمعت مرة أولادا يلعبون وكان أحدهم يستدرجهم بقوله: طفلة معا (أي معها). أنت تزوما (أي تضمها) وأنا نطمعا (نطمعها مقلوبة عن نطعمها). فإن الضاد هنا تلفظ ظاء أو دالا بلا التباس. لاحظ إن المالطي قد لا يلفظ الضمير المؤنث في آخر الكلام ولا يكتبه فهو كاللبناني الذي يلفظ يضربا أو بدلا من والمالطي يكتب كما يلفظ فقط. لم أعثر على كلمة أخرى مالطية بها حرف الضاد وتلفظ كأنها ظاء بالرغم من بحثي وسؤالي. ولكن وجدت الضاد قد تلفظ تاء كما في أرض فإن لفظها أرت والآن نتساءل كيف دخلت العربية مالطة وتدخلت في لغتها الإيطالية الأصلية ولم تقم بجميع حوائجها حتى في الكلمات السائرة؟ ولماذا المالطي يقول مثلا بدلا من رب مثلا للنبي للتهليل مع إنه يتخذ كلمات بليغة عديدة لا يمكن حصرها ولا يتخذها إلا اللغويون كقولهم: رجل سواء للرجل الطيب وأصاب بمعنى رأى واستقصى بمعنى أمعن في السؤال وأقصى بمعنى أبتعد وترى المالطي ينصح أخاه بقوله: قيص البنيادم الحزبن أي أقص أو أبتعد عن أبن آدم (الإنسان) الشرير. ٢ - لماذا المالطي لا يكتب بالحروف العربية؟ لعله كاللبناني الذي كان يؤثر الكتابة بالحروف السريانية (الكرشوني) على الكتابة بالحرف العربي بعد أن شاعت العربية في تلك الربوع. هذا باب مفتوح على مصراعيه لعل غيرنا يلجه فيوفي الموضوع حقه. (تذييل) بعد كتابة ما تقدم أذكر شيئا يدعم مذهبي في تأثير الجالية

стр. 4331

الكسروانية في أهل مالطة، ما قولكم في (مار مارون) ﵇ وهو مكرم في مالطة من قرون عديدة وفيها كنائس تدعى باسمه وصوره يتداولها القوم بهيئته النسكية؟ إن العارفين بالتاريخ الكنسي الشرقي يؤكدون إن تكريم ما مارون لم يتجاوز جبل لبنان والبلاد المجاورة له في سورية التي نزح إليها اللبنانيون بعباداتهم إلى غاية القرن الثاني عشر تقريبا. فكيف تفسير تكريمه في مالطة - وهي بقعة من أوربة في الأجيال النائية - تكريما خصوصيا كشفيع محلي أو قومي (كما نقول اليوم) إن لم يدخل مار مارون في مالطة مع الجالية الكسروانية! مصر القاهرة: فردينان أبيلا الكتابة التي فوق باب جامع مرجان كنا قد وقفنا القراء على ما فوق باب خان (اورتمة) من الكتابة ووعدناهم في التعليق أن نرقم ما فوق باب جامع مرجان من الكتابة التاريخية لإبانة التشابه بينهما ولكشف التباين بين ما نقلنا وما نقله العلامة الجليل (لويس ماسنيون) في بعثته في العراق التي نوهنا بها في لغة العرب وذلك المنقول في (ج ٢: ص ٢٢) من البعثة، ومما يحسن التنبيه عليه أن وزارة الأوقاف العراقية رأت إن هذا الجامع قد أسترم فرممته في الباب والقباب والمحراب ولكن الكتابة حرمت الإصلاح والجلاء إذ لا مضطلع في البناءين بهذا الأمر ولا متضلع فيهم من فن استثبات الكتابة بعد توسمها وترسمها، بل إن بعض الكتابة قد أنطمس ورمج وكشط مع إنه محتاج إلى الجندرة والإيضاح وقد ظفرنا بأن أول أمر بتعمير هذا المسجد (أم أويس) وسيستبين ذلك. هذا ما أردنا تقدمته وفي ما يلي، الكتابة مقابلة بما نقله العلامة لويس ماسنيون:

стр. 4332

ما نقله ماسنيون ١ - بسم الله الرحمن الرحيم، إنما يخشى الله من عباده العلماء ٢ - إن الله عزيز غفور. هذه مدرسة رصينة البناء مشيدة الأرجاء أنشأها المفتقر إلى الملك المنان مرجان بن عبد الله بن عبد الرحمن ابتدأها ٣ - في أيام دولة المخدوم المكرم والنويان الأعظم السلطان حسن خان أنار الله برهانه ٤ - وكملت في أيام أيالة ولده النويان الأعظم ناشر العدل في العالمين سلطان السلاطين غياث الدنيا والدين ومغيث ٥ - الإسلام والمسلمين شيخ أويس نويان لا زال هذا الملك الأعظم ملجأ للأمم وملاذا للذمم. ٦ - على أن يدرس فيها مذهبي الإمامين الهمامين والمجتهدين الأعظمين الإمام أبو حنيفة النعمان والإمام محمد بن إدريس الشافعي عليهما الرحمة والرضوان وذلك في سنة ثمان وخمسين وسبعمائة والحمد الله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين، بقلم المفتقر إليه تعالى أحمد شاه النقاش التبريزي عفا الله عن تقصيره. ما نقلناه نحن ١ - بسم الله الرحمن الرحيم، إنما يخشى الله من عباده العلماء ٢ - أنشأ هذه المدرسة المباركة والمصلى من صدقات. . . السعيد. . . أنار الله ٣ - برهانها في دولة ولدها النويان الأعظم ال. . . السعيد شيخ حسن. . . الله ٤ - وكملت في أيالة ولده النويان الأعظم ناشر العدل في العالم سلطان السلاطين غياث الدنيا والدين ومغيث ٥ - الإسلام والمسلمين شيخ أويس نويان. . . الله دولته مولاهم الصاحب الأعظم ملجأ وملاذ الأمم ٦ - مربي الملوك وعضد السلاطين وكهف الضعفاء. . . المخصوص بعناية الرحمن أمين الدين مرجان ٧ - أسبغ الله عليه نعمه الجز. . .

стр. 4333

ن هو الكريم المنان ابتدأ عمارة ٨ - هذا المكان في تاسع جمادى (. . .) وصلى الله على سيدنا ومولانا ٩ - نبي الرحمة وشفيع الأمة ومجلي الغمة محمد وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين ١٠ - والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين كتبه العبد الضعيف المحتاج إلى رحمة ١١ - الله تعالى أحمد شاه النقاش المعروف برزين قلم التبريزي غفر الله ذنوبه وستر عيوبه. ولزيادة الفائدة نتم البحث بما نقش على الباب الجنوبي الغربي من مرقد الإمامين موسى بن جعفر وابن ابنه محمد الجواد ﵉ وهو المسمى (باب القبلة) ونصه: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ لما انقضى سبع وتسعون على حكم الأحد ... بعد اثنتي عشر من الثامن من بين العدد من هجرة الرسول خير الرسل لله الصمد ... قد شيد الملك السميدع والقرم السند ذاك البناء وقد سعى طلبا لمرضاة وجد ... يهدي إلى الجنة والغفران باب المعتمد فرهاد من ملك تولى بالأئمة وأعتقد ... كهف الوفا ومجاهد الإسلام مرضي الولد مصطفى جواد

стр. 4334

بسمى أو أدب القديمة ١ - مدخل البحث في عام ١٨٢٠ أي منذ أكثر من قرن شرعت إنكلترة وفرنسة ثم عقبتهما أميركة وألمانية في ارتياد ديار بابل وآشور ونبش مدنها المدفونة وكانت نتيجة إقدام هذه الدول ومجازفتها بأموالها ومخاطرة علمائها بحياتهم ملء دور التحف في أوربة وأميركة بآثار هذه البلاد وعتائقها وركازها فإن الجهود التي بذلها كل من لايرد وسمث في نينوى وبلاص في خرستاباذ (خورسباد) ودي سرزك في تلو ورتش ورولنصن ورسام وكلدواي في بابل وكمبل ووولي في أور ووارد وبترس وهينس وهلبرخت في نفر، وبنكس في بسمى (أدب)، ولفتس في الوركاء وسنكرة وتل سفر، وتيلر في أريدو (أبو شهرين) أثمرت ثمارا لذيذة جناها عارفو قدرها. ٢ - البعثات الأميركية إلى ديار العراق قبل الحرب العظمى سارت البعثات البابلية على نفقة الولايات المتحدة من ربوع العالم الجديد وألقت عصا ترحالها في وادي الفراتين فتكللت مشاريعها بالنجاح وكانت البعثة البابلية على نفقة جامعة شيكاغو الثالثة من نوعها فقد غادرت ربوع أميركة وحلت في القطر العراقي وقامت بتحريات وتنقيبات دقيقة فاقت من تقدمها في هذا المضمار. وأول بعثة نزحت من العالم الجديد ويممت ديار العراق كانت بإيعاز الآنسة كاترينة د. وولف فقد أمدتها بأموالها وجهزتها بكل ما يلزمها من وسائل النجاح وكانت تلك الغادة من بنات نيويرك العاملات في اكتشاف دفائن الكنوز الأثرية والوقوف على محتوياتها. وقد ترأس تلك البعثة وأشرف عليها الدكتور وليم هيس وارد فقضى عام ١٨٨٤ - ١٨٨٥ في تفقد أطلال بابل والبحث عن أنقاضها وقد أتاح له الحظ أن يبتاع مقدارا وافرا من الرقم المسمارية والختوم المحفورة.

стр. 4335

هذا ولو إن بعثة وولف لم تجر تنقيبات ولم تحاول الحفر في بعض المدن القديمة إلا إنها مهدت الطريق لجامعة بنسلفانية الشهيرة في أطلال نفر ودرست أساليب النبش بصورة علمية فنية فأمدتها بأنباء سهلت عليها الشروع في العمل. استمرت البعثتان الأوليان في الحفر والتنقيب مدة ثلاث سنوات أي من سنة ١٨٨٨ إلى ١٨٩١ بإشراف الدكتور جون ب. بيترس وقد وصف هذا النقابة وصفا دقيقا كل ما قام به من الأعمال في كتابه المسمى نفر ثم استؤنف الحفر في البعثة الثالثة ودام نحو ثلاث سنوات أخرى أي من عام ١٨٩٣ إلى ١٨٩٦ برئاسة ومشارفة الدكتور ج. هـ. هينس أما البعثة الرابعة فترأسها بصورة رسمية الدكتور هـ. ف. هلبرخت بيد أن التنقيب ظل في عهدة الدكتور هينس فأسفر عن اكتشاف عظيم من صفائح الآجر، وقد استدل علماء الآثار من تلك الكنوز الأدبية على أحقاب تاريخ بابل تقريبا ومعظم تلك الرقم محفوظة اليوم في متحفة جامعة بنسلفانية. إن البعثة الثالثة كانت فكرة فكرها في بادئ الأمر الدكتور إدجر بنكس الذي غادر مرسيلية في تموز من سنة ١٨٩٨ قاصدا خليج فارس فثغر البصرة وقد دام سفره نحو عشرين يوما عانى في أثنائها من شدة الحر ومشقة التنقل من بلد إلى آخر ما لا يوصف وقضى ما عدا ذلك عشرة أيام في المحجر الصحي في البصرة لأنه كان قد فشا في تلك السنة داء الهيضة في العراق وبعد ذلك تسنى له القدوم إلى مدينتنا التي سماها بغداد المجيدة في فصل عقده في كتابه (بسمايا أو أدب المفقودة) وقبل أن يشرع في عمله الذي قدم من أجله في العراق قام في طريقه عراقيل جمة حالت دون البلوغ إلى أمنيته وقد نشأت تلك العراقيل من القانون الذي نشر في تركية عام ١٨٨٧ وهذا القانون كان قد اقتبس من قانون الآثار العتيقة في بلاد اليونانيين وورد فيه منع استخراج الآثار من بطون الأطلال المنبثة في أطراف البلاد القديمة فذهبت أتعابه أدراج الرياح في محاولته إقناع والي بغداد ليسمح له بالشروع في العمل واضطر أخيرا أن يقفل راجعا في تلك السنة نفسها إلى نيويرك في باخرة كان حملها التمر البصري

стр. 4336

بعد سفر طال مدة ٤٢ يوما. وفي صيف عام ١٨٩٩ تألفت لجنة باسم بعثة أور انتخبت لها رئيسا و. ر هربر من جامعة شيكاغو ومن أعضائها الرئيس هنري مورتن من معهد استيفنس والمطران بوتر وس. ن. بلس وو. أي. دودج وايسيدور ستروس وغيرهم من أساطين علم الآثار من الأميركيين ومنهم الدكتوران بترس ووارد وقد عهدت مشارفة تلك البعثة إلى الدكتور ادجر جمس بنكس وتعين المستر جورج فوستر أمينا للصندوق والدكتور و. هـ. هزرد كتوما لتلك البعثة. وبعد أن تألف أعضاء تلك البعثة قامت جامعة شيكاغو وتبرعت بدفع المبالغ المطلوبة من الهبة التي نالتها من رجل البر والإحسان جون د. روكفلر المثري الأميركي الشهير فقد كان في أحد الأيام جالسا يحادث وليم ر. هربر رئيس جامعة شيكاغو فأفضى بهما الحديث إلى الفوائد العظمى التي تنجم من التنقيبات في مدن الشرق القديمة المطمورة والنور الوحيد الذي يزيل الظلمات التي تغشي أسفار التوراة بل المرشد الأمين في فك معضلات تاريخ العالم القديم وبعد تلك المحاورة أنصرف روكفلر عن داره وأخذ يفكر في هذا الأمر وفي اليوم التالي هزته الأريحية فمنح هبة مقدارها مئة ألف دولار تنفق مدة عشر سنوات على أعمال الحفر في أطلال مدن الممالك الشرقية القديمة وبهذه الوسيلة أصبح بحوزة جامعة شيكاغو مال كاف للشروع في عمل يستغرق بضع بعثات أثرية وقد بات ذلك المال بنظارة رئيس الجامعة المستر هربر وعين أخوه الأستاذ ر. ف. هربر مديرا للبعثات في بابل وآشور وعهد إلى الأستاذ برستد التنقيب في مصر وألقي على عاتق الأستاذ جويت مهمة الحفر في سورية وفلسطين وقد عقد أعضاء هذه اللجنة اجتماعا في ديوان المستر ستروس وذلك في ٣ كانون الأول ١٨٩٩ وبعد التداول قر رأيهم على أن الدكتور بنكس يشارف تلك البعثة ويكون عميدها. وأقام الرئيس مورتن عشاء لأفراد تلك البعثة أطلق عليها اسم

стр. 4337

المأدبة البابلية وكانت فريدة في بابها غريبة في صورتها بديعة في شكلها فإن بطاقات الدعوة كانت مكتوبة بلغة نبوكد نصر الملك الكلداني العظيم وموضوعة في صحون أمام المدعوين والخبز الذي تناولوه كان على هيئة الآجر البابلي وكان لون صحيفة المرطبات الواسعة يشبه لون رمل الصحراء وكانت هناك أبل متخذة من الحلواء قائمة في تلك الصحفة وعليها قطع من المرطبات وأغرب من كل ما تقدم الكعك العالي الضخم الذي يمثل برج بابل بشكله وحوله جماعة من الأعراب بأزيائهم البدوية وبأيديهم المعاول وهم يحاولون الحفر وكان ضمن طبقاته العديدة كنوز جميلة لكل من المدعوين. ثم شرع مدير تلك البعثة وهو الدكتور جمس بنكس ينبش بمعوله أطراف ذلك الكعك العظيم ويستخرج من أنقاضه الركاز أي الكنوز المدفونة والعاديات ويوزعها على الحضور وفي الختام شربوا نخب تلك البعثة وانفض الاجتماع على أمل الشروع في تلك المهمة وأخذ يهيئ كل ما يلزم للسفر قبل مغادرته مسقط رأسه وقصد قبل ذلك إلى المتحفة البريطانية واللوفرية ليتروى في الآثار البابلية قبل الشروع في المهمة الملقاة على عاتقه وقد نجح في ذلك نجاحا باهرا وبعد أن تم له ما أراد يمم الآستانة للحصول على فرمان (إجازة) تخول له التنقيب في المقير (أور الكلدان) ووصل القسطنطينية في الخامس عشر من كانون الثاني عام ١٩٠٠ وقد قامت عراقيل كثيرة في وجه القائمين بهذه البعثة حالت دون سيرها فلم تحصل على طائل مع كل الجهود التي بذلها كبار سياسيي أميركة في الآستانة بحجة إن القبائل النازلة في أطراف أور (المقير) ثائرة على السلطة المحلية في العراق وعليه لا يسمح للأجانب أن يرتادوا تلك البقعة أو يحفروا في أنقاضها لئلا يقع ما لا تحمد عقباه. ولما أخفقت تلك المساعي تحولت الأنظار إلى التنقيب في تل إبراهيم وهو كوثى ربى القديمة غير أن الباب العالي في الآستانة رفض ذلك الطلب أيضا بدعوى أن قائم على تلك الرابية قبور أئمة وفيه مزار إبراهيم الخليل وهو موضع مقدس عند سكان تلك الناحية وأخيرا رأى الدكتور بنكس أن يبلغ المستر ليشمان القائم بأعمال السفارة الأميركية في دار الخلافة في ذلك الحين أن ينقب في أطلال بسمى (بسمايا) وعلى هذه الصورة استؤنفت

стр. 4338

المفاوضات لنيل إجازة الحفر فيها وبعد جهد جهاد دام ثلاث سنوات صدرت الإرادة الملكية بمنح إجازة التنقيب للدكتور ادجر بنكس الأميركي في أنقاض بسمايا (بسمى) الواقعة في لواء الديوانية وقد اشترطت على المنقب بضعة شروط منها إيداع العاديات المكتشفة في المتحفة العثمانية وكان صدور الإجازة في ٤ رجب ١٣٢١ هـ ١٣ أيلول ١٣١٩ مالية و٢٦ أيلول ١٩٠٣ م. غادر الموما إليه الآستانة في الثالث والعشرين من تشرين الأول من تلك السنة قاصدا بيروت وبرفقته حيدر بك وأحمد القواس وبعد رحيل دام أكثر من شهر حط رحاله في الفلوجة ومن ثم يمم مدينة السلام فوصلها في الثلاثين من تشرين الثاني في الساعة الثانية زوالية ونزل في أحد فنادقها فاستراح فيه بعد وعثاء الطريق وبدأ في نبش أطلال بسمى في اليوم الخامس والعشرين من شهر كانون الأول الموافق صباح عيد الميلاد تبركا بذلك اليوم الميمون في فاتحة عمل أستمر بضعة أشهر من سنة ١٩٠٤ ٣ - موقع بسمى إن أنقاض بسمى قائمة في سهل واسع بالقرب من مضارب البدير إحدى قبائل الفرات النازلة في أراضي عفك وتلك الأطلال واقعة في قلب الصحراء الممتدة في أصقاع بابل الجنوبية وهي تبعد عن شرقي الديوانية ٣٥ إلى ٤٠ ميلا. طاف سياح كثيرون في أنحاء بسمى وتفقدوا معالمها وأول رحالة - بل نقابة على ما نعهده - وصف أنقاضها وصفا دقيقا علميا كان الدكتورين وارد وبترس ثم تأثرهما الدكتور بنكس ونبش فيها وألف كتابا نفيسا بحث فيه بحثا وافيا عن ركامها ودون ما اكتشفه فيها من الآثار كما سنصف بعضها في هذا المقال والى المطالع ما كتبه الدكتور وارد في تاريخ ٢٨ ك ٢ عام ١٨٨٥ انبلج الصبح بعد أن هدأت العاصفة فألقت الغزالة لعابها وكان أديم الجو صافيا والريح تهب هبوبا عاليا فانتهزت تلك الفرصة وسرت ونفرا من رجال نوريان فرحان قبل أن أفطر وذلك رغبة في مشاهدة أطلال بسمى على قدر ما تسمح به الأحوال وقد هرول رجالنا مسرعين من مضارب الأعراب وبعد أن سرنا

стр. 4339

قليلا لمحنا طرفا من زاوية السور المحيط بتلك الأنقاض ولم يمض على سيرنا خمس دقائق حتى بلغنا الرابية التي دونت فيها ملاحظاتي وفتشت فيها تفتيشا دقيقا لعلي أعثر على آثار مهمة عفوا بيد إني لم أجد سوى آجر خال من الكتابة وخزف مدهون بعضه بدهان أزرق وقطع من الحجر الأسود الصلد ولعل هذه الأنقاض كانت آثار مدينة عظيمة أو معقل كورة مغمورة بالمياه. ثم عبرنا في نهار الثلاثاء مستنقعا واسع الأطراف قيل لنا عنه قبيل أن بلغناه أن اسمه خور العيلة - وكان منذ خمس أو ست سنوات غائرا بيد أن تلك المياه انصرفت بانحدارها في ثغر سد الهندية ومنهم من أخبرنا إن نحو ثلاثة أرباع بسمى محاط بها بالماء. كانت أسوار بسمى خالية من أثر الجمال وهي تكاد تكون شاذة عن غيرها بهندسة البناء وهيئتها إن نظرنا إليها نظرا عاما. وهي - على ما ترى - مربعة الأضلاع ولكن شكلها هذا وزواياها مائلة إلى الجهات الأصلية الأربع. وكانت من أكبر التلول القائمة هناك ولم يكن لدي وقت فأطوف حولها كما كنت أرغب وكان في الزاوية الغربية مربع جسيم مرتفع ارتفاعا في أصل وضعه ويظهر إنه متقوم من مربعين كبيرين أحدهما واسع جدا ومتصل به طرف من مربع ثالث قائم إلى الجنوب وفي المربع الثاني رابية بهيئة برج (أي زقورة) وقد اتخذت مقبرة). وقد وصف هذه الأنقاض أيضا الدكتور بترس قال: في الساعة الخامسة من اليوم الثاني (بعد وصولنا) ذهبنا إلى أنقاض بسمى ونقبنا فيها بلا كلال حتى الساعة العاشرة، ولم تفارق يداي البندقية لأن تلك المنطقة كانت مكمنا لقطاع الطرق وكان المسمى عبدان مضطرب البال قلقا يحثنا على مغادرة تلك البقعة وقد رأى رأيه المكارون وكانوا من قبيلة عفج (عفك) إذ جزموا أن جماعة من الأعراب القبيحي المنظر أقبلوا من مكان وفي نيتهم نهبنا والإيقاع بنا فمنعهم من تنفيذ مأربهم مشاهدة البندقيتين اللتين كانتا بيدي وبيد نوريان. تصور أن هناك ردما من الطين عديم الهيئة المقبولة والنظام ومحيط أخربته ثلاثة

стр. 4340

أرباع الميل أو ما يزيد وارتفاع أعلى ما فيه يبلغ من ثلاثين إلى أربعين قدما وفيه قطع من الآجر مبعثرة وهناك طرف من سور معقود بالآجر تبرز تضاريسه هنا وهناك بصورة متقطعة وهذا المنظر لا تفرد به بسمى بل يكاد يكون شاملا لعدد كبير من أنقاض المدن القديمة المنبثة على سطح تلك الديار. إن الفحص الذي يستغرق خمس ساعات لا يسفر طبعا عن اكتشافات عظيمة الأهمية وكل ما أمكننا العثور عليه كان بقايا بناء واسع من الآجر واللبن (واللبن هو الطابوق المجفف بالشمس) ووجدنا في مجرى قناة بالقرب من سطح الأرض قطعا عديدة من الصفائح وبينها صفيحة كاملة غير إنها لسوء الطالع لم يكن منقوشا عليها اسم المدينة التي نبحث عنها والظاهر إنها كانت قديمة العهد وذات شأن كبير إذ كانت تصلها ببلدة نفر ترعة تجري فيها السفن فإن نهر النيل كان يجمع بين هاتين المدينتين إذ على طول مجراه تمتد سلسلة رواب صغار هي أطلال بلاد قديمة. وإن صح إن موقع بسمى يمثل مدينة اسين فسوف يتيح الحظ لأحد النقابين أن ينبش بمعوله هذه البقعة ويعثر على آثار ذات قيمة ثمينة ويتوقع إنها تظهر مدافنها. وقد كتب الدكتور بنكس عن هذه الأطلال قائلا: طفت حول بسمى والهواجس تتقاذفني لأني لم أكن أدري أكانت هذه الأنقاض تضم بقايا آثار من عهد العرب القدماء أم من عصر الفرثيين أم الفرس أم من زمن نبوكد نصر. فهذه التخيلات باتت تنتابني ولم أهتد إلى الإجابة عنها حتى لفت نظري قطع من الخزف الملقاة هنا وهناك فعلمت من هيئتها إنها قديمة العهد ثم عثرت على منشار من حجر الصوان وعلى قطعة من إناء جزع (ضرب من الحجارة الكريمة) وعلى مسافة قليلة وجدت قطعة من الآجر ذات هيئة مسنمة - فحينئذ علمت بل تحققت إن أطلال بسمى ضمنها آثار قديمة العهد ترتقي إلى أوائل حضارة بابل. وقد وصف أيضا الدكتور المشار إليه أنقاض بسمى فقال ما معناه: كنت

стр. 4341

أطوف حول الردم بضع ساعات كل يوم فاحصا باحثا فألفيت منظر الروابي غير منتظم ولا جلي حتى يخيل إلى الناظر إنها آخذ بعضها برقاب البعض وتؤلف بصورة غير مستوفية للترتيب ولا محكمة شكلا مربع الأضلاع ويقرب من المستطيل. وأما زواياه فمتجهة نحو الخوافق. لقد قست تلك الآكام ما عدا بعض المنخفضات منها القائمة في ظاهر المدينة فألفيت طولها ١٦٩٥ مترا في عرض ٨٤٠ مترا وبعبارة أخرى يقدر طول أطلال بسمى بميل وعرضها بنصف ميل ومحيطها بثلاثة أميال يخترقها من الجنوب الغربي إلى الشمال الشرقي عقيق ترعة تشطرها شطرين غير مستويين وهذا العقيق يمثل مسيل بدعة (ترعة) من شطر النيل كانت تجري قاطعة (نفر) و (دريهم) حتى (بسمى) ومن ثم تواصل مجراها وتنساب في بعض مدن صغيرة فتخرقها وفي الآخر تتحد مع شط الحي. والكورة المحيطة ببسمى قاحلة اليوم ولا أثر فيها للمياه بيد إنها كانت بعد زوال حضارة البابليين مغمورة بالمياه بفضل الترع التي كانت تحمل مياه الفرات إلى السهول الشاسعة فتحولها مستنقعات. إن الأعراب النازلين في تلك الناحية يذهبون إلى أن المياه كانت غزيرة في أطراف بسمى في أيام آبائهم ويؤيد قولهم ما يشاهده المرء من المستنقعات الواقعة اليوم إلى الشمال والشمال الغربي من ذلك القطر وكان يجري نهر بالقرب من بسمى منذ نحو قرن ولكن بدلا من أن يجري في وسط أنقاضها القائمة على عقيق الترعة القديمة أخذ ينساب إلى الجنوب الغربي متجها نحو (فارة) على بعد أربع ساعات ليقترن بنهر هناك، وقد جفت ترع بسمى وأصبحت خالية من المياه على أثر انكسار سد الهندية الواقعة على الفرات فوق الحلة ٤ - معنى كلمة بسمى كانت بسمى تعرف عند الأقدمين من سكان هذه الديار باسم أدب كما حققت ذلك جماعة من الأثريين والمنقبين وفي مقدمتهم الدكتور ادجر جمس بنكس الأميركي وقد جاءت في تاريخ العرب بعد الإسلام باسم بسمى وباروسما ولا

стр. 4342

يخفى إن هذين الاسمين لمسمى واحد فإن باروسما لفظة آرمية النجار وأراها مصحفة عن بسمى (بسمايا) المقتضبة من بيت شمايا ومعناها دار السماء وسميت بهذا الاسم لكثرة المعابد والمذابح التي كانت منتشرة في أطرافها غير أن عرب العراق صحفوها فقالوا أولا بسمى ثم بسمايا وهي معروفة إلى اليوم بهذا الاسم عند البدو والحضر وقد أطلقوها على مدينتين كما أشرنا إلى ذلك في مقالنا السابق. (لغة العرب) نستبعد كون بسمى وباروسما شيئا واحدا. ٥ - التنقيب في بسمى أسفر البحث والتنقيب في أطلال بسمى عن اكتشافات عظيمة ذات منزلة تاريخية سامية، فقد عثر النقابون على كنوز أثرية ثمينة في أنقاض هذه المدينة المطمورة منذ أجيال عديدة ففي ردمها وخرائبها الدوارس وجدوا جملة صالحة من الآثار وكشفوا عن تمثال كامل من الرخام وتماثيل أخرى مبتورة الأعضاء ومئات من شظايا الأواني الحجرية المحفورة والمرصعة بأحجار كريمة ومنزل فيها العاج والذهب والنحاس ووقفوا على بضعة آلاف من صفائح الآجر المسمارية الخط وعثروا أيضا على مدافن وتوابيت وهياكل وقصور ودور ومنازل واسعة للجنود تشبه الثكنات وسلاح وأوان ودمى وداح وغير ذلك من الأثاث والرياش فكل من هذه الأشياء يمثل ويصور أمام مخيلتنا صورة تامة لحياة البابليين وحضارتهم قبل خمسة آلاف سنة على أقل تقدير. وجدت هذه المدينة المفقودة بعد احتجابها عدة قرون وبعثت من عالم الدثور والنسيان فأبصرت نور الشمس من جديد وتمتعت بمنظر أبناء آدم الذين يحاولون هتك أسرارها ليتسنى لهم الوقوف على ما خفي من أمرهم. إن اكتشاف معالم هذه المدينة المطمورة أعاد مجد الشمريين والبابليين الأولين وكشف النقاب عن أقدم حضارة عرفت في ديار العراق منذ مئات من السنين فأسماء ملوكها الأشداء وحكامها العقلاء وساستها المحنكين وقوادها المدربين دونت في سلسلة تواريخها التي لم تزل ناقصة مع كل الجهود التي بذلها المنقبون في الوقوف على ما طمس من أبناء تلك المدينة العريقة في القدم.

стр. 4343

٦ - تاريخ مدينة أدب وقفنا على تاريخ مدينة أدب من آثارها القديمة المطمورة في أنقاضها منذ قرون عديدة بيد إننا لا نستطيع اليوم أن نلم بتاريخها إلماما وافيا وليس في وسعنا أن نحيط علما بأخبار ملوكها وأمرائها كل الإحاطة لأنه لم يتسن للنقابين الأميركيين نبش كل روابيها. وعليه عزمنا على أن ندون ما تيسر لنا من تاريخها حتى يتيح الحظ لأحد الأثريين استئناف الحفر والتنقيب فحينئذ نستوفي البحث عنها بصورة مستفيضة. لم تكن بابل دولة عظيمة الشأن في أول عهدها أي قبل اتحاد إماراتها بعضها ببعض فقد كانت دويلات مستقلة الواحدة عن الأخرى كل الاستقلال وكان لكل مدينة منها ملك وآلهة خاصة بها وكان سكان كل قطر من أقطارها يقاتلون قتال المستميتين ويضحون بأعز ما يملكون في الذود عن حياض استقلالهم وكانت أدب في ذلك الزمن إحدى تلك المدن التي نازلت من ناوأها وثارت في وجه من هم بالسيطرة عليها وإذلالها وقد ارتقت إلى أعلى منزلة في الحضارة والعمران في صدر تاريخ بابل القديم. وإذا ألقينا نظرة على الأزمنة المتوغلة في القدم أي قبل نحو عشرة آلاف سنة حينما أخذ البابليون الأولون يشقون أسس مدينة أدب ليستوطنوها نجد (نار مراتو) كان يغمر في ذلك العهد معظم أطراف بلاد بابل ولا يبعد أن هذه المدينة كانت واقعة على ضفة خليج فارس أو بالقرب منه. هذا ومعرفتنا لسكانها الأصليين قليل جدا إذ ليس في استطاعة أحد الأثريين أن يجاهر باسمهم جليا ولا بما كانت عليه لغتهم وديانتهم وعنصرهم وجنسهم ولون بشرتهم إلى آخر ما هنالك من المسائل الغامضة بل لا يعرف مؤرخ معرفة صادقة القطر الذي نزحوا منه ولا كم من الزمن مكثوا في هذه الربوع. وكل ما يمكننا قوله إن آثارهم التي خلفوها تدل دلالة ساطعة على إنهم كانوا شعبا متمدنا

стр. 4344

وتشهد شهادة جلية على تسنمهم غارب المعارف والعلوم القديمة ولعل الأمور التي نجهلها اليوم تحل معضلتها التنقيبات المقبلة. وقد ظهر من التحريات الدقيقة إن شعبا غريبا أجتاح قاعدة بلادهم وحل محلهم وهذا الشعب الفاتح لم يستتب له الأمر زمنا طويلا إذ غلب على أمره ودحر كما دحر السكان الأصليون قبله وقد كشفت لنا آثار الأنقاض إن كل أمة احتلت هذه المدينة وقوضت أركان من سبقها من الفاتحين شيدت لها مساكن على أطلال المباني الأولى فأصبحت هذه البقعة طبقات من المنازل موضونة الواحدة فوق الأخرى حتى أن المنقبين عثروا في تنقيباتهم على طبقات رقيقة دقيقة من الرماد أظهرت لهم إن غرف تلك البيوت كانت من الخشب وإن نارا عظيمة التهمتها فلم تبق منها ولم تذر ووقفوا أيضا على مدينة من طين وأخرى من صخر الخ وقد حفر الدكتور بنكس النقابة الأميركي بئرا عمقها نحو خمسين قدما في إحدى الروابي حتى بلغ أرض الردم على حقيقتها فوجد تحت الهيكل القائم على مسطح معقود بالآجر المسنم بناءا قديما جدا ولو تيسر له الأمر لحفر تحت ذلك البناء ولوجد مباني أخرى أقدم من المباني التي كشفها ووقف على عروضها فهذا ما تحققه وأقر به المؤرخون المدققون عن هذه المدينة قبل بضعة آلاف سنة من تاريخها. ظهر الشمريون لأول مرة في العراق قبل المسيح بنحو أربعة آلاف سنة ولا نعرف على التحقيق متى حلوا في هذه الربوع لأن الآثار التي بين أيدينا لا تهدينا إلى بغيتنا بيد أن هذا الشعب كان أرقى الشعوب التي سبقته فاستوطنت بين النهرين وليس لدينا أنباء صحيحة عن الديار التي غادروها قبل أن ألقوا عصا ترحالهم في هذا القطر وكم من الأحقاب قضوا في التنقل من بلاد إلى بلاد أخرى تنقل أمة متحضرة وقد ذهب بعض علماء الآثار إلى إنهم أقبلوا من آسية الوسطى وكانوا أول من اتخذ الكتابة في مراسلاته ولأغراضه السياسية وأول من شوى الآجر وأتخذه مادة للبناء وقد حصنوا مدينة أدب بأبراج لما احتلوها وسوروها بسور عظيم متين من الآجر المسنم وبنوا فيها هيكلا وزينوه بتماثيل ملوكهم. كان الشمريون منتشرين في كل صقع من أصقاع جنوبي العراق وكانت بسمى إحدى حواضرهم فبقايا آثار مدينتهم وجدت في أنقاض مدن كبيرة حتى

стр. 4345

إن كلمة شمر أطلقت على الطرف الجنوبي من بابل فالعروض البديعة والتحف النفيسة التي عثر عليها النقابون في تلو وأور كانت من آثارهم الخالدة ففي بسمى عاشوا قرونا عديدة وأداروا سكان سياستها بحنكة ودراية وطوت جماعة من ملوكهم وأمرائهم بساط أيامهم فيها وأودعت جثثهم مقابر الأسر المالكة حتى ظهر سرجون الأول (٢٧٥٠ ق. م) ذلك الفاتح العظيم فدوخ ديار شمر واحتل أدب. والأمر الذي حير علماء التاريخ القديم ولم يقفوا له على أثر جلي هو جهلهم عدد الملوك الذين تربعوا على دست إمارة هذه المدينة في خلال تلك القرون المديدة بيد إن الآثار المكشوفة دلتهم على أن خمسة عشر ملكا منهم أقاموا في أدب مباني من الآجر مطبوع عليها أسماؤهم أما باقي ملوكها فلم يهتد أحد حتى اليوم إلى ما قاموا به من الأعمال وما شيدوه من الهياكل والدور. وقد عثر المنقبون في بسمى على تمثال لأحد ملوكها واسمه لوجل داودو - وعلى ملك آخر أسمه بركي - كان حاكما على مدينة كيش أيضا ويهظر إن هذا الملك قدم إلى هيكل اسار نذورا وبينها أوان منقوش عليها اسمه وقد تحقق الأثريون إن في هذا الهيكل كان يعبد إلهان إحداهما دنجرماك - أي الإله الأعظم وأسم الآخر نين خرسج ومعناه آلهة الجبل وكان يتخذ في ذلك الهيكل للعبادة أوان بديعة جدا منحوتة من الحجر. كان الشمريون كما أشرنا قبيل هذا قد اجتاحوا مدينة أدب وطردوا سكانها
следующие страницы →