Полный текст (6 158 стр.). Показаны 4341–4380 · переход к 4346.
стр. 4341
أطوف حول الردم بضع ساعات كل يوم فاحصا باحثا فألفيت منظر الروابي غير منتظم ولا جلي حتى يخيل إلى الناظر إنها آخذ بعضها برقاب البعض وتؤلف بصورة غير مستوفية للترتيب ولا محكمة شكلا مربع الأضلاع ويقرب من المستطيل. وأما زواياه فمتجهة نحو الخوافق.
لقد قست تلك الآكام ما عدا بعض المنخفضات منها القائمة في ظاهر المدينة فألفيت طولها ١٦٩٥ مترا في عرض ٨٤٠ مترا وبعبارة أخرى يقدر طول أطلال بسمى بميل وعرضها بنصف ميل ومحيطها بثلاثة أميال يخترقها من الجنوب الغربي إلى الشمال الشرقي عقيق ترعة تشطرها شطرين غير مستويين وهذا العقيق يمثل مسيل بدعة (ترعة) من شطر النيل كانت تجري قاطعة (نفر) و (دريهم) حتى (بسمى) ومن ثم تواصل مجراها وتنساب في بعض مدن صغيرة فتخرقها وفي الآخر تتحد مع شط الحي.
والكورة المحيطة ببسمى قاحلة اليوم ولا أثر فيها للمياه بيد إنها كانت بعد زوال حضارة البابليين مغمورة بالمياه بفضل الترع التي كانت تحمل مياه الفرات إلى السهول الشاسعة فتحولها مستنقعات.
إن الأعراب النازلين في تلك الناحية يذهبون إلى أن المياه كانت غزيرة في أطراف بسمى في أيام آبائهم ويؤيد قولهم ما يشاهده المرء من المستنقعات الواقعة اليوم إلى الشمال والشمال الغربي من ذلك القطر وكان يجري نهر بالقرب من بسمى منذ نحو قرن ولكن بدلا من أن يجري في وسط أنقاضها القائمة على عقيق الترعة القديمة أخذ ينساب إلى الجنوب الغربي متجها نحو (فارة) على بعد أربع ساعات ليقترن بنهر هناك، وقد جفت ترع بسمى وأصبحت خالية من المياه على أثر انكسار سد الهندية الواقعة على الفرات فوق الحلة
٤ - معنى كلمة بسمى
كانت بسمى تعرف عند الأقدمين من سكان هذه الديار باسم أدب كما حققت ذلك جماعة من الأثريين والمنقبين وفي مقدمتهم الدكتور ادجر جمس بنكس الأميركي وقد جاءت في تاريخ العرب بعد الإسلام باسم بسمى وباروسما ولا
стр. 4342
يخفى إن هذين الاسمين لمسمى واحد فإن باروسما لفظة آرمية النجار وأراها مصحفة عن بسمى (بسمايا) المقتضبة من بيت شمايا ومعناها دار السماء وسميت بهذا الاسم لكثرة المعابد والمذابح التي كانت منتشرة في أطرافها غير أن عرب العراق صحفوها فقالوا أولا بسمى ثم بسمايا وهي معروفة إلى اليوم بهذا الاسم عند البدو والحضر وقد أطلقوها على مدينتين كما أشرنا إلى ذلك في مقالنا السابق.
(لغة العرب) نستبعد كون بسمى وباروسما شيئا واحدا.
٥ - التنقيب في بسمى
أسفر البحث والتنقيب في أطلال بسمى عن اكتشافات عظيمة ذات منزلة تاريخية سامية، فقد عثر النقابون على كنوز أثرية ثمينة في أنقاض هذه المدينة المطمورة منذ أجيال عديدة ففي ردمها وخرائبها الدوارس وجدوا جملة صالحة من الآثار وكشفوا عن تمثال كامل من الرخام وتماثيل أخرى مبتورة الأعضاء ومئات من شظايا الأواني الحجرية المحفورة والمرصعة بأحجار كريمة ومنزل فيها العاج والذهب والنحاس ووقفوا على بضعة آلاف من صفائح الآجر المسمارية الخط وعثروا أيضا على مدافن وتوابيت وهياكل وقصور ودور ومنازل واسعة للجنود تشبه الثكنات وسلاح وأوان ودمى وداح وغير ذلك من الأثاث والرياش فكل من هذه الأشياء يمثل ويصور أمام مخيلتنا صورة تامة لحياة البابليين وحضارتهم قبل خمسة آلاف سنة على أقل تقدير.
وجدت هذه المدينة المفقودة بعد احتجابها عدة قرون وبعثت من عالم الدثور والنسيان فأبصرت نور الشمس من جديد وتمتعت بمنظر أبناء آدم الذين يحاولون هتك أسرارها ليتسنى لهم الوقوف على ما خفي من أمرهم. إن اكتشاف معالم هذه المدينة المطمورة أعاد مجد الشمريين والبابليين الأولين وكشف النقاب عن أقدم حضارة عرفت في ديار العراق منذ مئات من السنين فأسماء ملوكها الأشداء وحكامها العقلاء وساستها المحنكين وقوادها
المدربين دونت في سلسلة تواريخها التي لم تزل ناقصة مع كل الجهود التي بذلها المنقبون في الوقوف على ما طمس من أبناء تلك المدينة العريقة في القدم.
стр. 4343
٦ - تاريخ مدينة أدب
وقفنا على تاريخ مدينة أدب من آثارها القديمة المطمورة في أنقاضها منذ قرون عديدة بيد إننا لا نستطيع اليوم أن نلم بتاريخها إلماما وافيا وليس في وسعنا أن نحيط علما بأخبار ملوكها وأمرائها كل الإحاطة لأنه لم يتسن للنقابين الأميركيين نبش كل روابيها. وعليه عزمنا على أن ندون ما تيسر لنا من تاريخها حتى يتيح الحظ لأحد الأثريين استئناف الحفر والتنقيب فحينئذ نستوفي البحث عنها بصورة مستفيضة.
لم تكن بابل دولة عظيمة الشأن في أول عهدها أي قبل اتحاد إماراتها بعضها ببعض فقد كانت دويلات مستقلة الواحدة عن الأخرى كل الاستقلال وكان لكل مدينة منها ملك وآلهة خاصة بها وكان سكان كل قطر من أقطارها يقاتلون قتال المستميتين ويضحون بأعز ما يملكون في الذود عن حياض استقلالهم وكانت أدب في ذلك الزمن إحدى تلك المدن التي نازلت من ناوأها وثارت في وجه من هم بالسيطرة عليها وإذلالها وقد ارتقت إلى أعلى منزلة في الحضارة والعمران في صدر تاريخ بابل القديم.
وإذا ألقينا نظرة على الأزمنة المتوغلة في القدم أي قبل نحو عشرة آلاف سنة حينما أخذ البابليون الأولون يشقون أسس مدينة أدب ليستوطنوها نجد (نار مراتو) كان يغمر في ذلك العهد معظم أطراف بلاد بابل ولا يبعد أن هذه المدينة كانت واقعة على ضفة خليج فارس أو بالقرب منه. هذا ومعرفتنا لسكانها الأصليين قليل جدا إذ ليس في استطاعة أحد الأثريين أن يجاهر باسمهم جليا ولا بما كانت عليه لغتهم وديانتهم وعنصرهم وجنسهم ولون بشرتهم إلى آخر ما هنالك من المسائل الغامضة بل لا يعرف مؤرخ معرفة صادقة القطر الذي نزحوا منه ولا كم من الزمن مكثوا في هذه الربوع. وكل ما يمكننا قوله إن آثارهم التي خلفوها تدل دلالة ساطعة على إنهم كانوا شعبا متمدنا
стр. 4344
وتشهد شهادة جلية على تسنمهم غارب المعارف والعلوم القديمة ولعل الأمور التي نجهلها اليوم تحل معضلتها التنقيبات المقبلة.
وقد ظهر من التحريات الدقيقة إن شعبا غريبا أجتاح قاعدة بلادهم وحل محلهم وهذا الشعب
الفاتح لم يستتب له الأمر زمنا طويلا إذ غلب على أمره ودحر كما دحر السكان الأصليون قبله وقد كشفت لنا آثار الأنقاض إن كل أمة احتلت هذه المدينة وقوضت أركان من سبقها من الفاتحين شيدت لها مساكن على أطلال المباني الأولى فأصبحت هذه البقعة طبقات من المنازل موضونة الواحدة فوق الأخرى حتى أن المنقبين عثروا في تنقيباتهم على طبقات رقيقة دقيقة من الرماد أظهرت لهم إن غرف تلك البيوت كانت من الخشب وإن نارا عظيمة التهمتها فلم تبق منها ولم تذر ووقفوا أيضا على مدينة من طين وأخرى من صخر الخ وقد حفر الدكتور بنكس النقابة الأميركي بئرا عمقها نحو خمسين قدما في إحدى الروابي حتى بلغ أرض الردم على حقيقتها فوجد تحت الهيكل القائم على مسطح معقود بالآجر المسنم بناءا قديما جدا ولو تيسر له الأمر لحفر تحت ذلك البناء ولوجد مباني أخرى أقدم من المباني التي كشفها ووقف على عروضها فهذا ما تحققه وأقر به المؤرخون المدققون عن هذه المدينة قبل بضعة آلاف سنة من تاريخها.
ظهر الشمريون لأول مرة في العراق قبل المسيح بنحو أربعة آلاف سنة ولا نعرف على التحقيق متى حلوا في هذه الربوع لأن الآثار التي بين أيدينا لا تهدينا إلى بغيتنا بيد أن هذا الشعب كان أرقى الشعوب التي سبقته فاستوطنت بين النهرين وليس لدينا أنباء صحيحة عن الديار التي غادروها قبل أن ألقوا عصا ترحالهم في هذا القطر وكم من الأحقاب قضوا في التنقل من بلاد إلى بلاد أخرى تنقل أمة متحضرة وقد ذهب بعض علماء الآثار إلى إنهم أقبلوا من آسية الوسطى وكانوا أول من اتخذ الكتابة في مراسلاته ولأغراضه السياسية وأول من شوى الآجر وأتخذه مادة للبناء وقد حصنوا مدينة أدب بأبراج لما احتلوها وسوروها بسور عظيم متين من الآجر المسنم وبنوا فيها هيكلا وزينوه بتماثيل ملوكهم.
كان الشمريون منتشرين في كل صقع من أصقاع جنوبي العراق وكانت بسمى إحدى حواضرهم فبقايا آثار مدينتهم وجدت في أنقاض مدن كبيرة حتى
стр. 4345
إن كلمة شمر أطلقت على الطرف الجنوبي من بابل فالعروض البديعة والتحف النفيسة التي عثر عليها النقابون في تلو وأور كانت من آثارهم الخالدة ففي بسمى عاشوا قرونا عديدة وأداروا سكان سياستها بحنكة ودراية وطوت جماعة من ملوكهم وأمرائهم بساط أيامهم فيها وأودعت جثثهم مقابر الأسر المالكة حتى ظهر سرجون الأول (٢٧٥٠ ق. م) ذلك الفاتح العظيم فدوخ ديار شمر
واحتل أدب. والأمر الذي حير علماء التاريخ القديم ولم يقفوا له على أثر جلي هو جهلهم عدد الملوك الذين تربعوا على دست إمارة هذه المدينة في خلال تلك القرون المديدة بيد إن الآثار المكشوفة دلتهم على أن خمسة عشر ملكا منهم أقاموا في أدب مباني من الآجر مطبوع عليها أسماؤهم أما باقي ملوكها فلم يهتد أحد حتى اليوم إلى ما قاموا به من الأعمال وما شيدوه من الهياكل والدور. وقد عثر المنقبون في بسمى على تمثال لأحد ملوكها واسمه لوجل داودو - وعلى ملك آخر أسمه بركي - كان حاكما على مدينة كيش أيضا ويهظر إن هذا الملك قدم إلى هيكل اسار نذورا وبينها أوان منقوش عليها اسمه وقد تحقق الأثريون إن في هذا الهيكل كان يعبد إلهان إحداهما دنجرماك - أي الإله الأعظم وأسم الآخر نين خرسج ومعناه آلهة الجبل وكان يتخذ في ذلك الهيكل للعبادة أوان بديعة جدا منحوتة من الحجر.
كان الشمريون كما أشرنا قبيل هذا قد اجتاحوا مدينة أدب وطردوا سكانها
стр. 4346
الأولين ثم هاجمهم بعد ذلك بأجيال شعب غريب واستولى على المدينة فأقصاهم عنها صاغرين.
وهذا الشعب المهاجم أقبل من بلاد نائية مجهولة وربما كان قد وافى من أواسط بلاد العرب فباغتهم على حين غرة وأنتزع المدينة من سلطتهم.
نزل الساميون القطر العراقي منذ زمن بعيد واحتلوا الطرف الشمالي منه وقد اشتهرت تلك الربوع بديار (أكد) وكان أول ملوكهم العظام سرجون الأول الذي استولى على مدينة أدب بعد حروب عنيفة سالت على أثرها الدماء كالأنهار لمناعة حصونها فإن جيوشه الجرارة التي بأيديها المقاليع دكت أسوار المدينة واحتلتها وباتت تابعة للملك القاهر وقد أمر جنوده بنهب هياكلها ونزع تماثيل ملوكها من مواطنها ولا يعرف معرفة جلية ما حل بالسكان ولا بد أن الكثيرين منهم قتلوا واسروا ومثل بقوادهم وزعمائهم شر تمثيل والبقية الناجية من بطشهم وفتكهم الذريع خضعت صاغرة للعدو ومنهم من لاذوا بالفرار وانضموا إلى أعداء الفاتحين وقد سمح لجماعات من سكان أدب بالإقامة في محلات معينة بعد أن شطرت المدينة شطرين فكان يقطن في الجهة الواحدة الشمريون وفي الجهة الأخرى الساميون وكانت إحدى محلات الساميين واقعة بالقرب من باب المدينة إلى الطرف الغربي منها حيث كانت تقيم حاشية الملك وكبار رؤسائه وممثليه وأعيانه والمقربين منه وقد عثر
النقابون على أسمي حاكمين من حكام سرجون يمتثلان أمر ملكهم ونواهيه.
إن الحكم ولو أنتزع حينا من يد الشمريين على أثر اندحارهم الرائع فأن حضارتهم استمرت زاهية مدة خضوعهم للفاتحين الأشداء ولم يطل زمن استيلاء الساميين على هذه المدينة إذ انتهى بموت نرأم سين بن سرجون الأول وقد عثر الدكتور بنكس على شذرة من الذهب مكتوب فيها أخباره ومعاركه (٢٧٠٠ ق. م).
عاد الشمريون وقبضوا على صولجان الحكم بعد أن دحر الأكديون وتشتت شملهم من أدب غير إن هذه المدينة أصبحت بعد ذلك تابعة لملوك أور ومنهم أور أنجور ودنجي وجميل سين (٢٤٥٠ ق. م) وقد وسع هؤلاء الملوك الهيكل وأعادوا
стр. 4347
بناء سور المدينة وشقوا الترع وحفروا الآبار وبنوا دورا لممثليهم فنهضت أدب من كبوتها ونالت استقلالها ونصبت عليها ملكا باسم (أي شي أول باأودو) - وقد وجد أسم هذا الملك محفورا على صفائح من الحجر والنحاس غير إنه لم يعمر ويظهر من التحريات إنه ملك قبل احتلال ملوك أور هذه المدينة العظيمة في قطرها والراقية في عصرها. ومن الملوك الذين أعادوا بناء أدب ورمموا هياكلها وزينوا معابدها حمرب (حموربي) ملك بابل (٢٠٠٠ ق. م) إذ وجد المنقبون في أنقاض بسمى صفائح تنبئ عن حكمه فيها وعثروا أيضا على آجر مكتوب فيه اسم كوريجلزو (١٤٠٠ ق. م) وهو أحد ملوك بابل ويظهر إنه آخر من رمم هذه المدينة وشيد المباني فيها.
احتل مدينة أدب بعد ذلك بزمن قوم من سلالة آرمية واستعملوا كتابتهم وسطروها على الآجر الذي اتخذوه في عماراتهم التي أقاموها فوق المباني القديمة واتخذوا كثيرا من العروض المبعثرة في أطراف المدينة وبنوا بها (دورا جديدة) وتدل الآثار المكشوفة على إن أدب أصبحت ردما من الأنقاض واندثرت معالمها حتى محي اسمها من أذهان البابليين منذ مئات من السنين أي قبل الميلاد المسيحي وقبل نفي اليهود وتشتتهم في أطراف بلاد بابل وقبل أن أعاد ملوك آشور من سلالة سرجون بناء مدينة نفر وغيرها من المدن القديمة المندثرة فمن هنا يستدل بأجلى بيان على أن أدب تعد من أقدم مدن المعمور فقد أتخذ ملوك فارس وماذي والبرثيون والساسانيون والروم والعرب والعراق موطنا لهم لكنهم لم يعرفوا هذه المدينة ولم تطأها أقدامهم فلا أثر لهؤلاء الأقوام هناك فهي خالية من توابيتهم المدهونة
بدهان خزفي تلك التوابيت التي كانوا يستعملونها في دفن موتاهم بل لا أثر لنقودهم النحاسية المنخورة لطول عهدها لتنبئ عن وجودهم في تلك البقعة من الأرض غير أن آثارهم وبقايا مدينتهم اكتشفت في مدن مجاورة لها قد احتلوها وأقاموا فيها بعد أن رمموها أو أعادوا بناءها بصورة تخالف طراز البناء القديم
إن العرب الذين عاصروا خلفاء بغداد هجروا موضع أدب ولم يجرؤ أحدهم على التوغل في تلك الصحراء القاحلة لأنهم كانوا يعتقدون إن الجان والعفاريت والمردة احتلت أخربتها ولهذا نراهم قد ابتعدوا عنها ابتعاد السليم عن الأجرب
стр. 4348
ولم يخطر ببالهم إن في قلبها كنوزا لا نظير لها في عالم العلم والتاريخ.
لقد محيت أدب من صحيفة الوجود قبل بضعة آلاف سنة وأصبحت قفرا جرداء فتحولت عنها مجاري الأنهار وسدت الترع فهلك الزرع والضرع وتعطلت فيها أسباب الرخاء والسعادة ولم يسمع في أبنيتها ومنازلها صوت آلات الطرب فتخلى عنها أهلها وهجرها محبوها وباتت تلك الغادة الحسناء كأرملة جالسة على مفارق الطرق تندب حظها وتستعطف المارين بها لإعادة مجدها وإحياء معالم الحضارة في ربوعها ولكن كان ذلك كله عبثا فقد قضى الزمان الخؤون بأن تستأصل شأفة المدنية منها فتصبح مأوى للهوى وبنات آوى ومجثما للبوم تنعق في آكلها وتمسي مكمنا للسفاكين الهاربين من وجه العدل ومرصدا لقطاع الطرق الذين يعيثون في الأرض فسادا.
هذا ولم يقم لها أحد المؤرخين ذكرا حتى وفدت على ديار العراق بعثة جامعة شيكاغو وقامت بأعمال الحفر والتنقيب فكشفت النقاب عما حوته من الآثار النفيسة والتحف المستظرفة وأنبأت عشاق التاريخ بعلو منزلتها في الحضارة منذ بزوغ فجر التاريخ في سماء المدنية والعمران.
بغداد: رزوق عيسى
وزن الفعل الثلاثي بتداخل اللغتين
قال في مختار الصحاح (فضل بالكسر يفضل بالضم وهو شاذ لا نظير له) قلت إن (فضل يفعل) بكسر العين في الماضي وضمها في المضارع هو الوزن السابع المجرد الثلاثي الحاصل من تداخل لغتين هما اللغة الرابعة والخامسة، أما قوله (لا نظير له) فيكذبه هو نفسه فقد قال في مادة (نعم) ما نصه (وفيه لغة ثالثة مركبة منهما وهي نعم ينعم مثل فضل يفضل) فالشاهد على وهمه قوله الذي في كتابه. قلت ذلك فضلا عن إنه نقل في كتابه (حضر يحضر) و (نكل ينكل) على ذلك الوزن. ومن العلماء من جعل ل (مت تموت) و (دمت تدوم) اشتركا في ذلك الوزن.
مصطفى جواد
стр. 4349
تكلم جبر ضومط
كنا قد كتبنا مقالة في المقتطف في جزء شباط (فبراير) من هذه السنة موضوعها (أداة التعريف في التاريخ) فلم يستحسنها حضرة الأستاذ جبر ضومط فكتب رأيه في مقتطف يوليو (تموز) مبينا خطأنا في نظره، ولما وقفنا عليها وجدناها من نسيج ما حاكه في هذه السنين الثلاث من المذاهب اللغوية وبثه في مجلات سورية ومصر، أي إنه حبر مقالات ليقال عنه (تكلم الأستاذ جبر ضومط). أما أن هناك آراء مفتولة وأدلة منطقية معقولة فلا أثر له وما كنا نود أن نجيب عنها لجمودها بل قل لهمودها: إذ إنها واهية الأركان من جهاتها الأربع لولا إن أحد الأعزاء علينا ألح على أن نقول كلامنا الأخير في صدد ما يكتبه حضرة (خصمنا) فنقول:
إن صديقنا لا يكتب ما يكتب توخيا للحقيقة، بل يحبر مقالاته ليقال عنه (تكلم) ولا يهمه أن يكون ذيالك الكلام صحيحا أو خطأ، إذ غايته الكلام لا غير كما قلنا آنفا.
وأول شيء نأخذه عليه إنه لم يهتد حتى الآن إلى كتابة اسمنا الذي هو انستاس لا (انسطاس) لأننا هكذا اخترنا أن يكون لا غيره كما اختاره هو
٢ - لا يرى في كلامنا (بلاغة) ولم نفهم ما يريد بهذه الكلمة والعاقل لا ينطق بكلمة إلا يؤيدها بالدليل. وكلامه هذا بلا دليل.
٣ - من غريب ما كتبه في رده هذا إنه لم يفهم معنى (الخصم) فقد ظن إن معناه (العدو) ولهذا قال:
(ولكننا ننكر عليه أن يحسب من يناقشه آراءه خصما له. نعم إن بعض من يردون علينا أقوالنا يردونها لأنهم أخصامنا ولكن بعضهم قد يكونون من أحب أحبائنا وأخلص أصدقائنا. . .) وهذا كلام واضح على أن حضرته لم يفهم حتى الآن ما يراد بالخصم فالخصم يا سيدي قد يكون (عدوا) وقد يكون (أحب أحبائنا وأخلص أصدقائنا) فما عليك إلا أن تراجع أي كتاب لغوي
стр. 4350
شئت لتتحقق أن (الخصم) هو المجادل لا غير بغض النظر عن صداقته أو عداوته لك. فلو رجعت إلى كتاب صديقنا صاحب (البستان) لثبت لك الأمر، هذا إن لم يكن بين يديك معجم آخر. إذن سقطت جميع أوهامك فينا إذ ليس هناك استخفاف برأي من
يخالفنا ولا اعتداد بعلمنا دون علم غيرنا.
٤ - يعارضنا حضرته في إن (ها) التعريف مقتطعة من فعل الوجود العبري وهو (هوه يهوه) بحجة إن الأقدمين لم يقولوا بقولنا كما لم يذهب إليه أحد من المستشرقين. فيا له من كلام يزري بالجمان! فلو كان لمثل هذه الأدلة قوة لما اشتغل أحد في أمر ولما كان رقي هذا العصر. فيا حضرة الأستاذ إن المسألة مسألة اجتهاد، ولا ينظر فيها أكان الأقدمون قالوا بها أو لم يوافقوا عليها. وعقلاء عهدنا هذا يأخذون بما يقبله العقل من الحجج والبراهين لا ما تحتقره أو لا تقنع به. فقد مضى زمان هذا الرأي الفطير مع أصحابه والنازعين إليه. فكيف تقول به حتى الآن؟
٥ - ذكر لنا حضرته مذهبي اللغويين: مذهب التوقيف ومذهب الاصطلاح أي مذهب النشوء والارتقاء في وضع الألفاظ وهو أمر قد أكل عليه الدهر وشرب والذي لم يحسن إيراده إنه جهل أن هذين المذهبين قد يعودان إلى مذهب واحد أي إلى أن الواضع الأول للألفاظ قد وقف على أسرار الطبيعة فوضع لها الكلم جريا على محاكاة ما فيها لا على ما يعن له من الكلم التي تخالف أوضاع محاكاتها فلا جرم إن الأسماء سابقة للأفعال في المعنى والوجود لكن ليس في هذا السبق مئات أو ألوف من السنين بل (سبق معنوي) لا غير ولهذا أصبح ما بنيته من القصور والعلالي أوهى من خيط العنكبوت.
٦ - رجح حضرته إننا أطلعنا على كتاب محاضرات العلامة جويدي وأنا اقتبسنا منه رأيه في أصل الهمزة. ويعلم الله أنا لم نقتن هذا الكتاب ولم نطالعه والأستاذ كثير الظنون الواهية المعتمد. وكان أيضا قد نسب إلينا أنا طالعنا مقالاته في أصل (الخليفة وقريش والأديب) ردا علينا مع أنا لم نطالعها حتى مذ أن أشار إلى ورودها في المقتطف، ما خلا مقاله الأخير الذي أدرجه في
стр. 4351
الهلال وبينا فساد أدلته ووهنها في مقتطف يوليو (تموز).
٧ - كلما تصفحنا صفحة مما دونه في المقتطف رأينا فيه فسادا جديدا خاصا به دون غيره مما يدل على إن قواه العقلية منهوكة لجهده إياها حين كان معلما في الكلية السورية. فقد قال مثلا في ص ٢٠٥ (وحروف اللغة ثلاثة اللام والميم والنون. ومعنى الوقوف عليها أنا نقلب حرف المد إلى حرف غنة) أفهذا كلام رجل يعي ما يقول أو قد وقف على مصطلح السلف؟ مع إن الكل يعلم إن ليس للام دخل في حروف الغنة التي هي: التنوين والنون
والميم (راجع ص ٢٩٩ من شرح العلامة ابن القاصح على الشاطبية المسمى بسراج القارئ المبتدي وتذكار المقرئ المنتهي) وأغرب من قوله هذا قوله الآخر وهو تحديده لمعنى الوقف إنه (قلب حرف المد إلى حرف غنة) فإذا كانت هذه بضاعته من العلم فكيف يريد أن نجادله وكيف درس في الكلية تلك المدة الطويلة وكيف يجرؤ على أن يكتب ما يكتب قبل أن يتثبت في ما تخطه أنامله؟ ولهذا نطلب منه العذر في إننا لا نعود إلى الرد على ما يوجهه إلينا لأننا نراه يخالف المحققين من الأقدمين والمحدثين في الأمور الثابتة لكي يقال عنه (تكلم الأستاذ جبر ضومط) ونحن نرى أن سكوته أشرف له وأستر لخفاياه ومعايبه. أما إذا كان قد عرف الحقائق سابقا وقد نسيها الآن فهذا أمر آخر.
٨ - ومن قبيل هذا الجهل اعتباره لقول العوام (هل بحر وهل كتاب) بمعنى (ال بحر وال كتاب) وهذا سخف في المدارك ما وراءه سخف لأنه ليس من يجهل اليوم إن معنى قولهم (هل بحر وهل كتاب) (هذا البحر وهذا الكتاب) فكيف يريد أن ينكر أمورا تفقأ في العين حصرما؟ ثم زاد على ذلك سخفا آخر وهو قوله: (فوقف المضريون على اللام ووقفت حمير على الميم. وخفقت الهاء إلى (؟ كذا): الهمزة ولكنها بقيت على الألسنة لحد هذه الساعة عند كثيرين ومن جملتهم فيما أرجح الأب أنسطاس (كذا) وإن لم يفطن لذلك من لم يقل منا (كذا): (أعطني هل كتاب). . . اهـ إلى آخر ما خلط وخبط مع إننا إن كنا نقول كما يقول الغير (أعطني هل كتاب) نريد: (أعطني هذا الكتاب) لا (أعطني الكتاب)، وبين المعنيين فرق كالفرق الذي بين الثرى
стр. 4352
والثريا وقولهم (أعطني هل كتاب) تخفيف واضح للكلام المألوف أعطني هذا الكتاب وهو أشهر من أن يؤول. فكيف خفي عليه وهو حلال المعضلات؟!
٩ - إننا في عجب مما يكتب حضرة الصديق، فبينما نراه يقول عنا في أول مقالة (ص ٢٠٢): (ولو إن الأب المحترم عدل من حدته فيمن (كذا) تصوره يرد عليه بعض ما جاء في مقالته هذه النفيسة في موضوعها لكان أجدر بعلمه وفضله ومكانته الأدبية الرفيعة بل كان أجدر بفضله لو استغنى عن هذه الخاتمة بما جاء به في مقدمة المقالة مما يقع في أسماعنا وقلوبنا موقعا خليقا بعلم الأدب وفضله. . .) نجده يقول في ص ٢٠٦: (واعذرني إذا قلت هذا التخبط الذي توصلت به اكتشافك (؟) الغريب الذي صرحت إنه لم يسبقك إليه
أحد ونحن نسلم لك بحق هذه السابقية ونعتقد إنك ستبقى فيها سابقا ومبتكرا معا. . . ولكن ما هو الرابط بين ما كنت فيه وبين ما وثبت إليه في هذه الترويسة (؟ كذا) اهـ
قلنا: كنا نود أن نجاوبك عن كلامك هذا لكنا لا نفهم كيف تمدح في بدء مقالك شخصا وحين تبلغ إلى وسطه تنسى كلامك فتقول: التخبط والترويسة وغيرهما من الألفاظ. فكان الأحجى بك يا سيدي أن لا تنعته بنعوت العظمة في أول كلامك لكي يتم لك أن تفرغ عليه من هرائك ما أفرغت أو ما شئت ونحن نعلم إن الخصم أو المجادل يتخذ الأدب وسيلة له لا ما ألفه من عبارات الهزء والشتيمة التي هي سلاح كل عاجز عن الإتيان بالدليل المقنع. ولو أجلت طرفك قليلا في ما كتبناه وأزلت السخيمة من صدرك لوجدت الرابط بين ما كنا فيه وبين ما وثبنا إليه من (الترويسة) التي لا نفهم معناها ولم نجدها في كلام بليغ عاقل مما لم نجد كثيرا من مصطلحاتك كتمعن (ص ٢٠٤) وعلماء الفرنساويين (فيها أيضا) ولم تكتفي ص ٢٠٧ (كذا وأنت تخاطب مذكرا) إلى غير ذلك من التعابير المكسرة التي لا ترد على قلم أديب يحترم نفسه أو يضعها في منزلة للكتاب والمؤلفين.
١٠ - أثبتنا بأدلة تاريخية ولغوية إن الهمزة أداة التعريف عندنا نشأت بعد الهاء. وقلنا إنه كان في لساننا أيضا التاء والثاء من أدوات التعريف في سابق العهد وحللنا لذلك ألفاظا مستشهدين كلام الأئمة وكان على (الخصم) أن يفند تلك
стр. 4353
الآراء جزءا فجزءا بدليل بعد دليل ليتبين فضله ويظهر علمه فتتجلى الحقيقة فإذا بصاحبنا يذكر عناوين فصولنا ويحشو عبارته هراء وخرفا ولا تكاد تستخلص منهما شيئا يذكر. فيقول مثلا ص ٢٠٨: (لا أيها الأب العلامة ليس العربية هي التي هتكت أستار هذه الأسرار (قلنا: هذه عبارته ولم نغير منها حرفا فمن أراد أن يفهم فليفهم) بل أنت الذي هتكتها. وهنا أقول (هذا كلام الأستاذ جبر ضومط) إني استغربت منك إنك اكتشفت أن التاءات الزائدة في تمساح وترمس وتنضب وتذرج وترنموت هي أداة التعريف وغفلت عن أن تحسب الياءات الزائدة في يربوع ويعفور ويعبوب ويرقود ويعسوب الخ أداة تعريف مع إن ردها جميعها إلى تلك الأداة (أي إلى الياء) أسهل على الذهن وأقرب إلى القبول من رد تاء تمساح وترمس وثاء ثرملة) انتهى كلام الخصم.
أفهذا كلام رجل متمتع بجميع قوى عقله؟ أفليس الأحسن له أن يكسر قلمه ويلقيه في النار
فيصون بذلك عرضه وسمعته وثمالة عقله وعلمه ولا ينطق بمثل هذه السفاسف التي ليس فيها إلا المهاترة والمعاندة وحب الهزء من الناس والنيل منهم عوضا من أن يأتي بالبرهان السديد لينقض أدلتنا بأدلته فيصدق أن يقال عنه: نقض أدلة بأدلة؟ لكن أعلم يا صاح إن أربعة من العلماء الراسخي القدم في اللغة والنقد كتبوا إلينا يمدحوننا على ما بيناه ويشكروننا على ما حللناه من أدوات التعريف ثم يقول أحدهم وهو من المستشرقين الإثبات (قد سبقكم إلى اعتبار التاء في تمساح ونحوها من الألفاظ أداة تعريف وقد أخذها العرب من المصريين الأقدمين فهي عندهم أداة تعريف للمؤنث كما أن الباء في مثل بامياء وبطيخ وبطارخ وبطلينوس أداة تعريف للمذكر عندهم أيضا وقد نقلها العرب عنهم بلفظها وبأداة تعريفها معا. اهـ فهذا كلام رجل عاقل محقق لا ما يكتبه جبر ضومط عن موجدة وضغينة ملفقا أقوالا تشبه تلفيق (الخنفشار) إذ مقاله كله على هذا القياس من الخبط والخلط والهذر والخرف والهراء حتى إنه لا يمكنك أن تجمع شتاته لترده إلى فكر معقول. فالكلام الموزون بمعيار الفطنة والأسلوب المؤدب الذي يجري عليه أهل النقد. كل هذا وما أشبهه بعيد عنه لأنه متشبع من نفسه ومن آرائه ولا يريد أن يرى
стр. 4354
بجانبه من يعنى بأسرار اللغة. فلله دره من محقق!
١١ - من غريب أعمال (الخصم) إنه إذا رأى مذهبا في لغتنا ينسب إلى غير المستشرقين لم يقبله فيقول: (أسألك هل وجدت أحدا من المشتغلين بمثل بحثك بين علماء الفرنساويين (هكذا ينسب إلى فرنسة أو فرنسا) أو الإنكليز أو الألمان أو الإيطاليان (كذا ينسب إلى إيطالية أو إيطاليا) يقول بقولك هذا؟) (ص ٢٠٤) أما هو، فإذا جاءنا برأي من عنده لا يريد منه أن نذكره بسؤاله هذا فإنك تراه يقول مثلا بعد نقل رقيم امرئ القيس: (لي رأيي الخاص (أنا الرجل العبقري) في قراءة اللفظة التي صورها العلامة جويدي هكذا (فراس) وإليك هو. . .) فيا حضرة الأستاذ النجيب والعبقري الداهية والباقعة الفريد دعنا نسألك (هل وجدت أحدا من المشتغلين. . . إلى آخر ما قلت.
الختام إن الرجل لا يكتب عن نية صافية فهو يبوح بما فيها من السيئات في كل عبارة ينطق بها أو يكتبها فقد نقل مثلا ما كنا أدرجناه في المقتطف مأخوذا عن جرجي زيدان في كتابه (العرب قبل الإسلام) (ص ٢٠٢ و٢٠٣) ولم نزد عليه حرفا. فقال حضرته ما هذا
نقله (يظهر أيها الأب إن قراءة جويدي لا تتفق مع قراءتك في إدخال اللام على (فرس) وتكتبها (فراس) ومن الفعل (وكلهم) أي جعلهم قبلها يظهر إن اللام في (للروم) هي حرف الجر المعروف لا أداة التعريف والذي أراه أنا (العلامة الذي لا يشق له غبار وأنا أنا من عرفاني يفوق كل عرفان بشري) ١ - إن قراءة العلامة جويدي أتم من قراءتك وأخلص من شائبة الغرض الظاهرة اظلاله في قرائتك أو نقلك (كذا بحروفه). . .) اهـ. أفرأيتم أيها القراء كيف أن هذا الرجل يسيء بي الظن وكيف إنه يبوح بما في صدره من السخيمة والحقد وتسويد كل أمر أغر آتي به؟ فلعن الله الغايات وما أسوأ نتائجها إذا داخلت صدور حملة العلم!
إن الرقيم الذي نقلنا صورته مأخوذ بحرفه عن كتاب جرجي زيدان في الموطن الذي ذكرناه آنفا. فما معنى هذه التقولات التي يتقولها علينا وما معنى هذه الافتراءات المتلونة؟ فإنا لله وإنا إليه راجعون. ولنتركه في شأنه يتخبط في وخزات ضميره قائلين: سكت ألفا ونطق خلفا أو خرفا) هداه الله إلى سواء السبيل. وهذا آخر كلامنا لهذا الصديق.
стр. 4355
فوائد لغوية
الأوهام الشائعة
١٥ - قال قائل (فجاء عملهم السريع هذا مكينيا) بريد النسبة إلى (مكينة) وهو مخطئ لأن المكينة على وزن (فعيلة) وهذه يجب حذف الياء منها عند النسبة إليها بشرط أن لا تكون مضعفة مثل دقيقة ولا (واوية العين) مثل طويلة. فالصواب (فجاء عملهم السريع هذا مكنيا) وفيه فائدة أخرى هي عدم التباس هذا المنسوب (بالمكيني) نسبة إلى (مكين) على إن كل هذا لا ينطق به إلا ذوو الهجنة فما ضره لو قال (بلا ترو).
١٦ - وقال أحدهم مدعيا إن الإنشاء يصلح ويروق بأن يهجر المنشئ (الجمل (المغلوطة) التي تخالف قواعد الصرف والنحو) فأقول (قوله مغلوطة) مخالف لقواعد الصرف لأن هذا مصوغ من الفعل اللازم (غلط) ولا يصاغ منه اسم مفعول إلا مع حرف الجر. وإذا أجزنا ذلك قال الناس (مفروح ومخروج ومطروب ومعروج ومجلوس) وبذلك تعم الفوضى وتموت اللغة العربية. وليس من الإنصاف أن نضحي بلغة من أجل (كلمة واحدة) والصواب (المغلوط فيها).
١٧ - وقال مدع (ومنها (المسببية) في قولك: غليت القهوة وأنت لم تغل إلا الماء) وهو مخطئ في موضعين الأول قوله (غليت القهوة) لأن الفعل هذا لازم فالصواب (أغليت القهوة) بجعل الفعل متعديا بالهمزة. والثاني: إرادته بهذا المثل (المجاز المرسل) الذي علاقته (المسببية) وهو لا يصلح لذلك أبدا لأن (أغلا الماء لا يستلزم نشوء القهوة منه) إلا بإضافة البن المدقوق. أما المثل الصحيح لذلك فهو أن يقال (أمطرت السماء نباتا) لأن المطر يستلزم نشوء النبات ولإن الكلام خاص لا عام. وقول هذا القائل يشبه قول أحدهم (سار القطار) ولم يضغط إلا البخار فالمستبعد لا يكون مجازا.
١٨ - وقال ناقل (السببية: من قولك: لك عندي يد بيضاء أي نعمة لأن
стр. 4356
سبب النعمة هي اليد التي تسديها) فقوله (تسديها) غير ظاهر لأن معنى الفعل (تهملها) والفرق الكبير ظاهر ولا ينصرف هذا الفعل إلى معنى (الإحسان) إلا بأن تليه (إلى) والضمير فالصواب (لأن سبب النعمة اليد التي أسدتها إليك) وقد حذفت أنا (هي) لأن اسم أن (مذكر) ولا يصح هذا
الضمير أن يكون مبتدأ ثانيا مفسرا له ولأننا لو وضعنا (هي) لعاد الضمير إلى متأخر عنه لفظا ورتبة عودا ممنوعا لا جائزا.
١٩ - وقال واحد (وكنت فيها (أتردد على) المكتب العربي) والصواب الشهير (أتردد إلى المكتب العربي) لأن التعبير الأول عامي.
٢٠ - وادعى أحد العابثين إن أحسن قول بلاغة وإمتاعا وتنوعا وانطباقا على مقتضى الحال هو قول الشاعر:
الطير تقرأ والغدير صحيفة ... والريح تكتب والسحاب ينقط
ولو كان للشاعر ذوق حساس جميل لما قال هذا البيت ولو كان للكويتب إحساس لطيف لما أستحسن قول الشاعر ذلك لأن الطير تصمت وتختفي عند تهطال المطر وهبوب الريح. حتى إن الغربيين أخذوا يستكشفون أحوال الجو من سكوت الطير وانزوائها.
٢١ - وقال مدع (إنه ليعطي جزءا كبيرا من ثروته التي جمعها بشق الأنفس (إلى الفقراء) والصواب (ليعطي الفقراء جزءا. . .) لأن (يعطي) متعدي إلى مفعولين. والفقراء مفعول ثان.
٢٢ - وقال أحد الغفلة (يحذف المسند إليه. . . لإخفاء الأمر عن المخاطب كقولك: انشأ مقالة (وأنت تريد قيسا مثلا) فأقول لو كان المتكلم يحذف المسند إليه ليخفي الأمر عن المتكلم معه لصار كلامه جنونا وهو معتوها فالصواب الذي لا منتدح عنه (لإخفاء الأمر (عن غير) المخاطب. وهكذا قال العلماء صغيرهم وكبيرهم ودل عليه الواقع.
٢٣ - وقال أحد الذين لم يتعلموا العربية (للاستفهام لفظتان الهمزة وهل) فلذلك يجب أن نعلمه أن في العربية (ألفاظ استفهام) غير هتين هي (من وما ومتى وأيان وأين وكيف وأنى وكم وأي ومهيم) فلينتبه
стр. 4357
٢٤ - وقال (والوجه الصحيح أن تستعمل (إن) الشرطية في الأحوال التي يندر وقوعها ويتلوها المضارع لاحتمال وقوعه) فأقول يا أسفا من هذا ألم ير إلى قوله تعالى (إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله) و (إن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله) وقوله في العاجزين عن محاكاة القرآن (فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار. . .) فهذا وجه غير صحيح؟ إنه كان حرى أن يقول (فالوجه الغالب) تجنبا لذلك الخبط والخلط.
٢٥ - وقال (لو كان فيها آلهة إلا الله لفسدتا) والأصل في القرآن العظيم (لو كان فيهما) وذلك ظاهر أيضا لكل واحد حتى لغلف القلوب من قوله (لفسدتا) بإسناد الفعل إلى (ألف الاثنتين).
٢٦ - وقال (لم لنفي الماضي مطلقا، (ولما) لنفيه ممتدا إلى ما بعد زمن التكلم) فأقول إذا كان نفي (لما) ممتدا إلى الزمن الذي بعد التكلم فهو ممتد إلى الاستقبال إذن. وهذا جهل لا يرتكبه التلامذة الصغار فالصواب (ممتدا إلى زمن التكلم أي الحال) كما قال المطلعون.
٢٧ - وتفيهق فقال (من المضحكات إدخال ضعاف الطلاب (لم) على الماضي فيكتبون (لم فهمت الدرس (لم يأتني) منك كتاب) أقول: إن قول هذا الكويتب سيكون ضحكة للطلاب لأن صاحبه لم يعرف أن (يأتني) فعل مضارع وإن (لم يأتني منك كتاب) من الكلام الفصيح المليح. اللهم لا تجعلنا من هؤلاء المغرورين بجهلهم.
٢٨ - وقال (فلا يصح أن تكتب. . . أنا قوال بل فعال) قلت وهذا جهل مخز لأن (بل) تعطف على النفي والإثبات لا النفي وحده كما غلط الكويتب قال ابن مالك عن (بل):
وأنقل بها للثاني حكم الأول ... في الخبر المثبت والأمر الجلي
فالكلام الذي عده غلطا هو من فصيح الكلام لأن (بل) إذا عطف بها على الجملة الخبرية المثبتة صارت هذه الجملة كأنها مسكوت عنها ومثل ذلك العطف على فعل الأمر بها. تقول: أنا أقول بل فعال. وكن قوالا بل فعالا.
مصطفى جواد
стр. 4358
باب المكاتبة والمذاكرة
تتبعات تاريخية
١ - قبر الإمام أحمد بن حنبل ٢ - قبر الإمام أبي يوسف ٣ - سامراء مدفن الطاهر أبي الشريف الرضي ٤ - الحدباء حدباي حديبة
١ - قال عبد الحميد أفندي عبادة في لغة العرب (٧: ٢٨٨) ما نصه (ثبت لدى كل المؤرخين أن قبر الإمام أحمد بن حنبل (رض) كان في مقبرة باب حرب) وإطلاقه (الكل) دعاني إلى تنبيه حضرته على أن (ابن جبير الرحالة) ذكر قبر الإمام أحمد في الجانب الشرقي وذلك بقوله في رحلته ص ٢٠٥ بمطبعة السعادة وبالرصافة كان باب الطاق المشهور على الشط وفي تلك المحلة مشهد. . . فيه قبر الإمام أبي حنيفة (رض) وبه تعرف المحلة وبالقرب من تلك المحلة قبر الإمام (أحمد بن حنبل) ﵁ اهـ فقول الكاتب الفاضل (كل المؤرخين) فيه نظر قد بدر.
٢ - ونقل الكاتب المذكور في لغة العرب (٦: ٧٥٥) عن المرحوم مصطفى نجيب بك المصري في كلامه على مدفن أبي يوسف ما بعضه (ودفنه في مقبرة أهله بمقابر قريش بكرخ بغداد) واتبعه قوله للتعليق والنقد (ففي قوله هذا خبط وخلط في التاريخ) واحتج بأن بين مقابر قريش اليوم وكرخ بغداد مسافة ساعة ونصف للراجل فلا يجوز أن تكون مقابر قريش من الكرخ واستنتج من ذلك الشك في مدفن الإمام أبي يوسف المتعارف اليوم. وإن شكه قد أزاله كاتبان فاضلان في لغة العرب وبقي علينا أن نثبت له أن مقابر قريش من الكرخ عند المتأخرين ودليلنا أن (الشريف الرضي) (رض) دفن في بيته بالكرخ وليس بينه اليوم وبين مشهد الإمامين موسى ومحمد (ع) إلا مسافة دقيقتين للراجل ولذلك قال ابن أبي الحديد في ترجمة الرضي قبل شرحه نهج البلاغة (توفي
стр. 4359
الرضي ﵁ في المحرم من سنة أربع وأربعمائة وحضر الوزير فخر الملك وجميع الأعيان والأشراف والقضاة جنازته والصلاة عليه. ودفن بمسجد الأنباريين بالكرخ ومضى أخوه المرتضى من جزعه عليه إلى مشهد موسى بن جعفر ﵉ لأنه لم يستطع أن ينظر إلى تابوته) اهـ وقال الطريحي في كتابه (مجمع البحرين ومطلع النيرين) ما نصه (وأما أخوه السيد
الرضي فإنه توفي في المحرم من سنة أربع وأربعمائة وحضر الوزير فخر الملك وجميع الأعيان والأشراف والقضاة جنازته والصلاة عليه، ودفن في داره بمسجد الأنباريين بالكرخ ومضى أخوه المرتضى (رض) من جزعه عليه إلى مشهد موسى بن جعفر لأنه لم يستطع أن ينظر إلى جنازته) وهي عبارات ابن أبي الحديد بنفسها ولم يتعب الطريحي ﵀ إلا بالنقل والتغاضي عن ذكر المصدر.
وقال ابن خلكان في ترجمة الرضي (ودفن في داره بخط مسجد الأنباريين بالكرخ) قلت والظاهر أنها الدار التي نحله إياها أستاذه الطبري الفقيه بقوله (قد نحلتك داري بالكرخ المعروفة بدار البركة.
وقال في (شرح الطرة) ما نصه (ويضارع هذه الحكاية ما حكي عن بعض الأدباء أنه أجتاز بدار الشريف الرضي هذا ببغداد قريبا من مرقد جده الإمام موسى الكاظم ﵁ فرأى دارا ذهبت بهجتها وأخلقت ديباجتها (وهذا دليل مستقل على أن دار الشريف الرضي من بغداد فكيف لا تكون من الكرخ وهو جزء من بغداد؟ فنرجو من الصديق الفاضل أن يعتقد ذلك أو يفنده.
قال ابن خلكان في تاريخه عن ترجمة الرضي (وكانت ولادة والده الطاهر ذي المناقب أبي أحمد الحسين سنة سبع وثلثمائة وتوفي في جمادى الأولى سنة أربعمائة وقيل توفي سنة ثلث وأربعمائة ببغداد ودفن في مقابر قريش بمشهد باب التبن ورثاه ولده الشريف الرضي) قلت والصواب ما ذكر ابن أبي الحديد فقد قال في شرحه (م ١ ص ١٠) ما نصه (ودفن النقيب أبو أحمد أولا في
стр. 4360
داره ثم نقل إلى مشهد الحسين ﵇ ونستخلص من كلا القولين أن داره في مقابر قريش ومقابر قريش من الكرخ لأنه توفي في بغداد على ما ذكره ابن خلكان.
٣ - وقال عبد الرزاق أفندي الحسني في لغة العرب (٦: ٧٥٠) ما نصه (واسم سامراء الحقيقي - على قول بعض المؤرخين - سر من رأى ثم ساء من لما تهدمت وتقوضت فخففها الناس وقالوا فيها سامراء) فقال علامتنا الكرملي في الحاشيه) راجع الجزء ص ٧٢١ فإننا لا نرضى به) أي بقول الحسني وإن الأب قد أطفأ الأوام بما ذكره عن سامراء إلا أننا رأينا تناقضا في قول عبد الرزاق أفندي (واسم سامراء الحقيقي) وأتباعه (على قول
بعض المؤرخين) لأن الحقيقي يظهر بأكثرية المؤرخين ومهما يكن البعض لا يدل على الأكثرية معنى ولا اصطلاحا. أما أنها لما تهدمت وتقوضت (كذا) خففها الناس وقالوا فيها سامراء فليس بصواب فهذا أبو عبادة البحتري شاعر المتوكل قد قال في صلب بابك في زمن المعتصم:
أخليت منه البذ وهي قراره ... ونصبته علما بسامراء
فقد قال (سامراء) في زمن بانيها وعهد أبهتها وجدتها؟ وأما قدم اسمها عند العرب فثابت، قال في (شرح الطرة) ص ٢٨٨ ما نصه (قال ابن بري عن ثعلب وابن الأعرابي وأهل الأثر يقولون كما قال أيضا: اسمها القديم (ساميرا) سميت بسامير بن نوح ﵇ لأنه أقطعه إياها فكره المعتصم ذلك فغيرها والأقرب عليه أن يكون التغير إلى (سامرا). . . ويعلم مما ذكر أن حديث استحداثه إياها غير مجمع عليه) اهـ.
ومن الفوائد التي لم يذكرها الحسني وقد جاءت في شرح الطرة قوله (وكانت عامرة جدا إلى زمن التتر وحادثة بغداد واضمحلال الخليفة إذ ذاك المستعصم بالله، ويحكي أن امتدادها يومئذ يزيد على خمس ساعات واليوم هي بليدة صغيرة وقد سورها في عصرنا بعض ملوك الهند بسور جيد).
стр. 4361
٤ - وقال عبد الرزاق أفندي أيضا في لغة العرب (٧: ١٣٨) ما نصه (والموصل بلدة عربية بحتة شيدها العرب أنفسهم بعد أن افتتحها خالد بن الوليد عام ٢٠ هجرية) ثم قال (وتعرف أيضا بالحدباء وربما كان السبب لهذه التسمية أن أرضها تكاد تكون محدبة) فقال علامتنا الكرملي في الحاشية (عندنا أن الحدباء منقولة عن (حدياب) وهو اسم لناحية كانت هناك فقيل حدباي ثم حدباء) فأقول والحق الصريح مع الأدب العلامة إلا أن تطورها هكذا (حدياب - حديبة - حدباء) فقد روى ابن أبي الحديد في شرح النهج (م ١ ص ٢٨٩) ما نصه (إن عليا ﵇ بعث من (المدائن) معقل بن قيس الرياحي في ثلاثة آلاف وقال خذ على (الموصل) ثم (نصيبين) ثم القني (بالرقة) فإني موافيها وسكن الناس وأمنهم ولا تقاتل إلا من قاتلك وسر البردين وغور بالناس أقم الليل ورفه في السير ولا تسر أول الليل فإن الله جعله سكنا أرح فيه أنت وجندك وظهرك فإذا كان السحر أو حين ينبلج الفجر فسر، فسار حتى أتى (الحديبة) وهي إذ ذاك منزل الناس وإنما بنى مدينة الموصل بعد ذلك محمد
بن مروان. فقول الحسني فيه اقتضاب مخل وطفرة عسيرة. أما صاحب تاريخ (الفخري) وهو في عصر ابن أبى الحديد فقد ذكرها في أول الكتاب بقوله (وذلك إني حين أحلني حكم القضاء بالموصل الحدباء) وقال في آخره (فرغ من تأليفه. . . بالموصل الحدباء وهذا خط يده) فاستبان لنا أن (الحدباء شائع في القرن السابع للهجرة.
مصطفى جواد
حول الشعر المنثور
قرأت بكل شوق وإعجاب مقال فاضل الشطراوي (كذا) المنثور تحت عنوان (الشعر المنثور) في الجزء الخامس من هذه السنة من لغة العرب (٣٧١ ص) فراقني ذلك المقال مما حواه من الرقة والرصافة ومن جزالة وعاطفة شريفة شرقية تكاد تسيل رقة وظرفا، ولما وصلت بمطالعتي إلى (الصفحة التالية) وقبل أن أنهيها مطالعة وأكملها توقفت عن ذلك وأحجمت حيث وجدت في تلك الصفحة أغلاطا واشتباهات من الكاتب فاستغربت وقوعها منه و (لا غرابة) لأن الإنسان
стр. 4362
معرض للخطأ والنسيان فأحببت أن أنبه على ما زاغ به قلمه (دام عزه) بعد ذكر عبارته وإيرادها حرفيا، قال:
(وفي القرن الرابع عشر الميلادي أي وقت جمود الأدب العربي. وجد شيء منه مثل (بند) ابن الخلفة وقد عارض تلك القصيدة النثرية أدباء عصره).
فأقول لم يرو لنا المؤرخون في كتبهم ولا شاع على الأفواه مما اتصل بالخلف عن السلف بطريقة (الرواية) أن (الأدب العربي) قد جمد وجفت قريحته في ذلك (القرن) وصار ساكنا بعد أن كان متحركا، وجمادا بعد أن كان حساسا، ولا في غيره من القرون السابقة له واللاحقة به (نعم) رووا أن للأدب العربي أدوارا وأطوارا في جميع الأقطار والأمصار تارة تراه يعلو فيها، وأخرى تجد يهبط وينحط بها، وطورا تشاهده يرتفع، أوانا تنظره يقع حتى آل أمره إلى عصرنا الحاضر ولا يقولون (جمد) لأن الجمود يوجب قطع سلسلة الحركة للأدب العربي تلك السلسلة التي اتصلت بنا واستمرت إلى هذا القرن العشرين.
وأما (ابن الخلفة) محمد الأديب المعروف الحلي الأصل والمولد والنشأة والتربية مخترع طريقة (البند) في عصره وغيرها من الطرق البديعية والمناهج المبتكرة الرائقة في (الأدب
العربي) صاحب (البند) المشهور الذي مطلعه (أيها اللائم في الحب، دع اللوم عن الصب فلو كنت ترى حاجبي الزج (كذا) فويق الأعين الدعج، أو الخد الشقيقي أو (الريق الرصيق) الخ فلم يوجد في (القرن الرابع عشر الميلادي عصر الجمود) كما قال الكاتب كلا بل وجد متأخرا في عصر حركة الآداب العربية على عهد منشطها وباعث دواعي تطورها وتقدمها (داود باشا) والي العراق أوانئذ من قبل (حكومة آل عثمان) المتوفى سنة ١٢٤١ هـ ذلك الرجل الذي كان إناء أدب وفضل وحزم وعزم وكرم وسخاء اتصل به فريق من شعراء العراق وخطبائه بعصره فأدر عليهم الأموال الجزيلة وتكفل بحاجات كثير منهم وعلى الأخص (الشيخ صالح التميمي الشاعر الحلي المتوفى سنة ١٢٦١هـ) الذي جعله (داود باشا) همزة وصل بينه وبين أدباء العراق وبواسطته كانوا يتصلون به، ويزدلفون إليه، وتحبب كثيرا إليهم
стр. 4363
وصار يغشى نواديهم ويحضر مجتمعاتهم، وهم يختلفون إليه بكرة وعشيا وممن تقرب إليه يومئذ (ابن الخلفة) وله فيه مدائح كثيرة ومنها (الروضة الغناء) التي سار ذكرها بين الشعراء (الأدب العامي) مسير الشمس في كبد السماء وطالما تمثلوا بأبياتها واستشهدوا بها وقد أبدع فيها أيما إبداع ورتبها على (حروف المعجم) وتجد في كل بيت منها أربعة عشر حرفا في أوائل الأشطر وأواخرها قال في مطلعها في حرف همزة.
أحواسي الخمس مع كبدي وآرائي ... أمسن يجلب لهن فكري وآرائي
أقبل بها الشوق وادعى الخلق وآرائي
إليك منحيث مثلك ما أجد مرأه ... أي والجعلي أقلوب أودادنا مرأه
احجيلك الصدق كم بحماك من مرأه ... أمشت عفه ما تقول الزيغ وآرائي
وله شعر بديع غيرها في (الركباني) أما شعره القريض المقيد بالأوزان المعلومة فليس بالجيد وتظهر عليه الركة وسنكتب عنه وعن شعره بجميع أقسامه مفصلا في هذه (المجلة) لدى الفرصة السانحة.
النجف: عبد المولى الطريحي
تصويب
في لغة العرب (٧: ٤٥١): الشيخ بهاء الدين العاملي المتوفى سنة ١٠٣٧ هـ والصواب سنة ١٠٣١ هـ (راجع روضات الجنات للميرزا محمد باقر الخونساري ٥٣٤ - ٥٣٥)
والمصنوع في نقد اكتفاء القنوع للسيد هبة الدين الشهرستاني وسلافة العصر للسيد علي خان والكشكول ص ٣٩٠) وقيل أن وفاته كانت في عام ١٠٣٠ هـ إلا أن الصحيح ما قدمناه.
محمد مهدي العلوي
(لغة العرب) غلط الطبع واضح في ما جاء في مجلتنا. والصواب ما ذكره حضرة الشيخ العلوي وكذا ورد في خلاصة الأثر للمحبي ٣: ٤٥٤ وما جاء في معلمة الإسلام أنه توفي سنة ١٠٣٠ خطأ راجعها في ١: ٣٣١ في مادة العاملي.
стр. 4364
أسئلة وأجوبة
كلمة جبسي وأصلها
(تتمة لما في الجزء السابق)
قال الرهني: القفس جبل من جبال كرمان مما يلي البحر وسكانه من اليمانية ثم من الأزد بن الغوث، ثم من ولد سليمة بن مالك بن فهم وولده، لم يكونوا في جزيرة العرب على دين العرب للاعتراف بالمعاد والإقرار بالبعث، ولا كانوا مع ذلك على دينهم في عبادة طواغيتهم التي كانوا يعبدونها من الأوثان والأصنام ثم انتقلوا إلى عبادة النيران فلم يعبدوها أيضا عندهم وفي قدرتهم. ثم فتحت كرمان على عهد عثمان بن عفان (رض) فلم يظهر لأحد منهم ذلك من ذلك الزمان إلى هذا الزمان ما يوجب لهم اسم نحلة وعقد ولا اسم ذمة وعهد ولم يكن في جبالهم التي هي مأواهم بيت نار ولا فهر يهود ولا بيعة نصارى ولا مصلى مسلم إلا ما عساه بناه في جبالهم الغزاة لهم وأخبرني مخبر أنه أخرج من جبالهم الأصنام الكثيرة ولم أتحققه. قال الرهني: وإني وجدت الرحمة في الإنسان وإن تفاوت أهلها فيها فليس أحد منهم يغار من شي منها فكأنها خارجة من الحدود التي يميز بها الإنسان من جميع الحيوان كالعقل والنطق الذي جعلا سببا للأمر والزجر ولأن الرحمة وإن كانت من نتائج قلب ذي الرحمة (كذا) ولذلك في هذه الخلة التي كأنها في الإنسان صفة لازمة كالضحك فلم أجد في القفس منها قليلا ولا كثيرا فلو أخرجناهم بذلك عن حد من حدود الإنسان لكان جائزا ولو جعلناهم من جنس ما يصاد ويرمى لا من جنس ما يغزى ويدعى ويؤمر وينهى إذن ما كان على ما بان لنا وظهر وانكشف وشهر أنه لم يصلح على سياسة سائس ولا دعوة داع وهداية هاد ولم يعلق بقلوبهم ما يعبق بقلوب من هو مختار للخير والشر والإيمان والكفر كان السبع الذي يقتل في الحرم والحل وفي السرق والأمر ولا يستبقى للاستصلاح والاستحياء للإصلاح أشبه منه بالإنسان الذي يرجى منه الأرعواء
стр. 4365
عن الجهالة والنزوع من البطالة والانتقال من حالة إلى حالة. قال وولد مالك بن فهر ثمانية: (فراهيد، والخمام،) والهناءة، ونوى، والحارث، ومعن، وسليمة بنو مالك بن فهم بن غنم بن دوس بن عدثان بن عبد الله بن زهران بن الكعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله
بن مالك بن نصر بن الأزد قال والتمرد من ولد عمرو أبن عامر بوادي سبا هو جد القفس وذلك أن سليمة بن مالك هو قاتل أبيه مالك بن فهم وهو الفار من اخوته بولده وأهله من ساحل العرب إلى ساحل العجم مما يلي مكران والقاطن بعد في تلك الجبال، قال الرهني وأردنا بذكر هذه الأمور التي بيناها من القفص لندل على أنهم لم يكن لهم قط في جاهلية ولا إسلام ديانة يعتمدونها وليعلم الناس أنهم مع هذه الأحوال يعظمون من بين جميع الناس علي بن أبي طالب (رض) لا لعقد ديانة ولكن لأمر غلب على فطرتهم من تعظيم قدره واستبشارهم عند وصفه، قال البشاري الجبال المذكورة يكرمان جبال القفص والبلوص والقارن ومعدن الفضة وجبال القفص شمالي البحر من خلفها جروم جيرفت والروذبار وشرقيها الأخوس ومفازا بين القفص ومكران وغربيها البلوص ونواحي هرمز ويقال أنها سبعة أجبل وأن بها نخلا كثيرا وخصبا ومزارع وأنها منيعة جدا والغالب عليهم النحافة والسمرة وتمام الخلقة يزعمون أنهم عرب وهم مفسدون في الأرض وبين أقاليم الأعاجم مفازة وجبال ليس بها نهر يجري ولا رستاق ولا مدينة مشهورة يسكنها الذعار صعبة المسلك وفيها طرق تسلك من بعض النواحي إلى بعض فلذلك قد عمل فيها حياض ومصانع أكثرها من خراسان وبعضها من كرمان وفارس والجبال والسد وسجستان والذعار بها كثير لأنهم إذا قطعوا في عمل هربوا إلى الآخر وكمنوا في كركس كوه وسياه كوه لا يقدر عليهم وليس بها من المدن المعروفة إلا سقه وهي من حدود سجستان ويحيط بهذه الجبال والمفاوز الموحشة من المدن المعروفة من كرمان خبيص ونرماسير ومن فارس يزد وزرند ومن أصبهان إلى اردسان والجبال قم وقاشان ومن قوهستان طبس وقاين ومن قومس بيار قال ومثلها مثل البحر كيف ما شئت فسر إذا عرفت السمت لأن طرقها مشتهرة مطروقة بل وقد خرجنا من طبس نريد فارس فمكثنا فيها سبعين يوما نعدل من ناحية إلى
стр. 4366
ناحية نقع مرة في طريق كرمان وتارة نقرب من أصبهان فرأيت من الطرق والمعارج مالا أحصيه وفي هذه الجبال صرود وجروم ونخيل وزروع ورأيت أسهلها وأعمرها طريق الري وأصعبها طريق فارس وأقربها طريق كرمان وكلها مخيفة من قوم يقال لهم القفص يسيرون إليها من جبال لهم بكرمان وهم قوم لا خلاق لهم وجوههم وحشة وقلوبهم قاسية وفيهم بأس وجلادة لا يبقون على أحد ولا يقنعون بأخذ المال حتى يقتلون صاحبه وكل من
ظفروا به قتلوه بالأحجار كما تقتل الحيات يمسكون رأس الرجل ويضعونه على بلاطة ويضربونه بالحجارة حتى يتفدغ وسألتهم لم تفعلون ذلك فقالوا حتى لا تفسد سيوفنا فلا يفلت منهم أحد إلا نادرا ولهم مكامن وجبال يمتنعون بها وقتالهم بالنشاب ومعهم سيوف، وكان البلوص شرا منهم فتتبعهم عضد الدولة حتى أفناهم وصمد لهؤلاء فقتل منهم كثيرا وشردهم ولا يزال أبدا عند المتملك على فارس رهائن منهم كلما ذهب قوم أستعاد قوم وهم أصبر خلق الله على الجوع والعطش وأكثر زادهم شيء يتخذونه من النبق ويجعلونه مثل الجوز يتقوتون به ويدعون الإسلام وهم أشد على المسلمين من الروم والترك ومن رسمهم أنهم إذا أسروا رجلا حملوه على العدو معهم عشرين فرسخا حافي القدم جائع الكبد وهم مع ذلك رجالة لا رغبة لهم في الدواب والركوب وربما ركبوا الجمازات، وحدثني رجل من أهل القرآن وقع في أيديهم قال أخذوا مرة فيما أخذوا من المسلمين كتبا فطلبوا في الأسرى رجلا يقرأ لهم فقلت أنا فحملوني إلى رئيسهم فلما قرأت الكتب قربني وجعل يسألني عن أشياء إلى أن قال لي ما تقول فيما نحن منه من قطع الطرق وقتل النفس فقلت من فعل ذلك استوجب من الله المقت والعذاب الأليم في الآخرة فتنفس نفسا عاليا وأنقلب إلى الأرض وأصفر وجهه ثم أعتقني مع جماعة، وسمعت بعض التجار يقول إنهم يستحلون أخذ ما يأخذونه بتأويل أنها أموال غير مزكاة وإنهم محتاجون إليه فأخذها واجب عليهم وحق لهم. انتهى كلامه.
وقال أيضا في مادة قفص:
القفص بالضم ثم السكون وآخره صاد مهملة جبال القفص لغة في القفس
стр. 4367
المذكور قبل هذا أبو الطيب:
(ساقي كؤوس الموت والجريال) ... لما أصار القفص أمس الخالي
وكان عضد الدولة قد غزا أهل القفص ونكى فيهم نكاية لم ينكها أحد فيهم وأفنى أكثرهم، والقفص أيضا قرية مشهورة بين بغداد وعكبرا قريب من بغداد وكانت من مواطن اللهو ومعاهد النزه ومجالس الفرح ينسب إليها الخمور الجيدة والحانات الكثيرة وقد أكثر الشعراء من ذكرها فقال أبو نواس:
رددتني في الصبى على عقبي ... وسمعت أهل الرجوع في أدبي
لولا هواؤك ما اغتربت ولا ... حطت ركابي بأرض مغرب
ولا تركت المدام بين قرى ... الكرخ فبورى فالجوسق الخرب
وباطرنجى فالقفص ثم إلى ... قطربل مرجعي ومنقلبي
ولا تخطيت في الصلوة إلى ... تبت يدا شيخنا أبي لهب
كان قد هوى غلاما من بني أبي لهب لما حج فقال هذه الأبيات، ونسب إليها أبو سعد أبا العباس أحمد بن الحسن بن أحمد بن سلمان القفصي الشيخ الصالح سكن بغداد وسمع الحسن بن طلحة النعالي وغيره وذكره في شيوخه قال ومولده، سنة ٤٦٦ (ل. ع) ولعل هذه القرية سميت بهذا الاسم لسكنى القفص إياها
الرحلة بمعنى التخت
س - البندنيجين. م. ت. ما أصل كلمة رحلة وجمعها رحلات المستعملة في المدارس العراقية والمراد بها التخت والمقعد الذي يجلس عليه التلاميذ. وهل هذه الكلمة عربية؟ - وإذا كانت كذلك فلماذا لا نراها في (المنجد) بالمعنى المذكور؟
ج - (المنجد) ديوان لغة صغير لا يحوي جميع المصطلحات، واستعمال الرحلة بمعنى مقعد التلاميذ من سوء التصرف في الألفاظ وإخراجها عن مبانيها ومعانيها، والأصل الرحل بفتح الأول. قال في شفاء الغليل: الرحل أيضا كرسى يوضع عليه المصحف كما وقع في حديث وليس مولدا وكأنه على التشبيه وبعض العوام يقول: (رحلة) وأما أهل مصر وغيرهم فيقولون له (كرسي) اهـ بحروفه. قلنا: فالرحل إذن يقابله بالإفرنجية وأما مقعد أبناء
стр. 4368
المدارس فيسمى مقعدا أو تختا وبالفرنسية وأهل سورية اتخذوا الكلمة الأجنبية نفسها فقالوا: (بنك) والأحسن أن نعود إلى اللفظة التي اتخذها السلف وهي الفارسية الأصل أي التخت وقد وردت في أقدم كلامهم. ومنها (صرير التخت) ومنها تخت المملكة لعرشها وكرسيها أو سريرها، ومن الغريب أن أصحاب المعاجم القديمة لم يذكروها إلا بمعنى الوعاء تصان فيه الثياب. ولهذا قال مصحح التاج (التخت وزان بخت سرير أيضا معمول من الخشب ولا اختصاص له في معناه الأصلي بسرير السلطان إنما صار من الأعلام الغالبة فيه لكثرة استعماله فعلى هذا يتعجب من السيد مرتضى كيف حرم تاجه عن (كذا) التخت وبتركه ارتضى) اهـ
اللغة الفرنسية عوض اللغة الإنكليزية
س - سبزوار. م. م ع. عندنا أن اللغة الفرنسية أنفع من سائر لغات الغربيين وقد أصبحت اللغة الرسمية في العالم وربما كانت أسهل تناولا من غيرها. فلهذا نحبذ لوزارة المعارف العراقية الجليلة أن تبدل تدريس اللغة الإنكليزية في مدارسها من اللغة الفرنسية فما رأيكم؟
ج - اللغة الإنكليزية أسهل من الفرنسية وهي أكثر منها انتشارا والصعوبة في لفظها وكتابتها فقط وهذان يسهلان بالممارسة والسماع.
أحسن وزارات العراق
سزوار (إيران) محمد مهدي العلوي: نرى أن أهم الوزارات التي نشأت من يوم تربع جلالة الملك فيصل على دست ملوكية العراق هي الوزارة النقيبية وهي أول وزارة أسست على عهد صاحب الجلالة الهاشمية وقد كان فيها العلامة الكبير السيد هبة الدين وزيرا للمعارف والمغفور له توفيق بك الخالدي وزيرا للداخلية وداود ساسون وزيرا للمالية إلى غيرهم من الوزراء الدهاة الذين قاموا بإصلاحات جليلة تخلد أسماءهم في التاريخ وقد يرى البعض ما لا نراه نحن فما رأيكم؟
ج - رأينان لكل وزارة مزية خاصة بها وكلها سعت لخير العراق أما نتائج المساعي فمرهونة بأوقاتها ولكل واحدة من هذه الوزارات أعمال لا تنكر.
стр. 4369
باب المشارفة والانتقاد
٩٤ - فلسفة اللغة العربية وتطورها
وهي مقالات أنشأها الأستاذ جبر ضومط في تاريخ اللغة العربية ونهضة الأقوام المتكلمين بها وفلسفة نشوئها وتطورها ووسائل ترقيتها - ونشرها في مجلتي المقتطف والهلال (كذا) بين سنة ١٨٨٨ وسنة ١٩٢٨
تأليف جبر ضومط أستاذ اللغة العربية وآدابها سابقا في جامعة بيروت الأميركانية (كذا)، طبع بمطبعة المقتطف والمقطم بمصر سنة ١٩٢٩ في ٢١٥ ص بقطع الثمن.
نقلنا العنوان بطوله وعرضه عن الكتاب الذي أهدي إلينا ولما وقفنا على فصوله المذكورة في الفهرس لم نجد تحقيق ما صدر به تأليفه ولو سماه (مخلوطة أو خليطى) لكان أصدق له إذ وجدنا فيه المباحث الآتية: الأستاذ جبر ضومط - قوة العلم والعلماء - إلى ماذا نحن صائرون وكيف نتلافى أمرنا - انتقاد فتاة مصر (رواية) - مهد الجنس السامي - أصل النبط والبتراء - قيدار وممالك حصور - نحن والدستور - البلدان العربية وأهمية اللغة العربية فيها - خاتم المارد وبساط الريح - الحثيون - الدكتور غراهم - الدكتور صروف معلما - نهضة الشرق العربي - المرأة الشرقية - قرطاجة وقرطاجنة - فهذه كلها موضوعات لا تتصل بفلسفة اللغة العربية إلا كما يتصل صديقنا جبر ضومط بأبينا آدم وأمنا حواء إن كان يسلم بوجودهما.
وأما المباحث التي تتصل بلغتنا فهي هذه: ترتيب الفعل ومتعلقاته - اللغة العربية ما أخذت وما أعطت - أهمية العربية في الممالك العثمانية - مواد كلية في النحو والإعراب - أميركي وأميركاني - عود إلى النسبة - ارتقاء اللغة العربية - اللغة العربية الأوربية - هذه ثمانية مباحث تتعلق باللغة العربية والخمسة عشر مبحثا السابقة لهن متنوعة الغايات والأغراض والمرامي فإن
стр. 4370
بقيت فلسفة اللغة؟ - فكل قارئ يرى أن هذا العنوان لا يناسب محتوى السفر اللهم إلا أن يقال: أن البيت سمي آجرا من باب تسمية الكل باسم الجزء.
وفي الكتاب سقطات ومزالق هائلة لا تكاد تصدق لولا إنها مطبوعة بحرف جلي وعبارة ظاهرة المعنى. فقد قال مثلا في ص ٨٠ ما هذه إعادة نقله:
(ولايتا بغداد والبصرة وهما من أمهات الديار العربية قبل الإسلام وبعده أما قبل الإسلام فلأن الحلة كانت دارا لملوك العرب من أيام جذيمة الأبرش. . وأما في الإسلام فاختطت البصرة والكوفة في أيام عمر بن الخطاب. . وبقيت (بغداد دارا للخلافة العربية إلى أن قدم هلاكو إليها سنة ٦٥٦ هجرية وقتل الخليفة المستعصم بالله واستباح المدينة أربعين يوما. قيل: فبلغ القتلى أكثر من مليون نفس. ولم يسلم إلا من اختفى في بئر أو في قناة.) اهـ.
فكم من غلط في هذه العبارة! وأول شيء كان يجب أن يقال ولاية بغداد وولاية البصرة. أما قوله ولايتا بغداد فضعيف إذ ليس في بغداد إلا ولاية واحدة لا ولايتان وكذلك قل في البصرة.
والغلط الثاني أن الحلة لم تكن في الجاهلية بل أنشئت في القرن الخامس للهجرة وكان أول من عمرها ونزلها سيف الدولة صدقة بن منصور بن دبيس بن علي بن مزيد الأسدي. . . في محرم سنة ٤٩٥ (ياقوت في الحلة) أما منازل المناذرة فكانت الحيرة لا الحلة كما لا يخفى على أحد.
وقوله: وأما في الإسلام فاختطت البصرة. . . كان عليه أن يقول فيه: وأما في الإسلام فلأن البصرة والكوفة اختطتا. . . ليكون تكافؤ وتجانس في العبارتين.
وقوله فاستباح المدينة أربعين يوما، حديث خرافة إنما استباح المدينة سبعة أيام على ما صرح به المحققون كالطوسي وأبن العبري من الأقدمين وكليمان هوار من المحدثين. والخرافة تظهر بغرابتها حينما يقول الأستاذ: (قيل فبلغ القتلى أكثر من مليون نفس، فهل يفهم حضرته قدر هذا المبلغ وهو يتكلم عن مدينة واحدة في القرون الوسطى؟
ومن خرافته قوله في تلك الصفحة، وربما بلغ طول ساق النخلة في بساتين
стр. 4371
بغداد والبصرة نحوا من ثمانين قدما، وطول سعوفها اثنتي عشرة قدما. - قلنا: ونحن لم نجد إلى اليوم نخلة واحدة بهذا الارتفاع الغريب ولا سعفة بطول ١٢ قدما. فلا نفهم كيف يكتب الرجل مثل هذه الرطازات ولا يسأل عنها أحد البغداديين أو البصريين الذين كانوا تلاميذه في عهده ليتثبت في صحة ما يرويه. ثم إن العرب لا تقول ساق النخلة بل جذعها. والسلف أيضا لا تجمع السعفة على سعوف بل على سعفات وسعف كما نص عليه صاحب لسان العرب أما السعوف فجمع سعف وسعوف البيت فرشه وأمتعته والسعوف جهاز العروس.
ولعل الذي أستدرجه إلى هذا الوهم ما قرأه في (البستان) معجم صديقه البستاني، لكنه لم يتدبر أن الذي ذكره الشيخ عبد الله هو أن السعوف جمع للسعف بالتحريك لجهاز العروس، فاختلط عليه الحابل بالنابل وكان يحسن بأستاذ اللغة العربية (؟ أو الهندية) وآدابها (؟) سابقا في جامعة بيروت الأميركانية (؟) أن يعرف هذه الأوائل التي لا تخفى على أصغر الطلبة فكيف خفيت عليه؟
وفي ص ١٨ ذكر (بساتين التمر) وهذا الاصطلاح خاص بالأستاذ أما العرب سلفنا فقالت: الصور والحائش والحائط ولا يضيفون ذلك إلى النخل فكيف إلى التمر كما فعلت يا أستاذ فهذا دليل على إنك نسيت ما علمت خريجيك حين كنت (أستاذ اللغة العربية (؟ أو الهندية) وآدابها (؟) سابقا في جامعة بيروت الأميركانية (؟).
ومن غريب ما نطق به حضرته قوله في تلك الصفحة: (أن لشجرة النخل ألف منفعة. . . ثم سرد لذلك خرافة تضحك الثكلى نقلها عن زويمر (أشهر الناس) تلفيقا للحكايات على ألسنة العرب وكيف جاز للأستاذ أن يكتب شجرة النخل فيا حضرة المعلم غيره إن النخل أشجار وواحدتها نخلة ولا يقال شجرة النخل ولا شجرة النخلة بل (النخلة) فهل يجوز لتلميذك الصغير أن يشرح لك أمورا لا تخطر على بال أمرئ؟
وذكرت في تلك الصفحة أن بلاد العراق بلاد (رب سوس) والناس لا تعرف هذا الرب ولم تسمع باسمه. الرب يتخذ في بلاد الغرب أما العراق ففيه السوس لا ربه، أفهمت يا أستاذي؟
وذكرت في تلك الصفحة (أكتزيفون). والسلف لا تعرف إلا (طيسفون)
стр. 4372
فأين تعيش؟ وفي أي البلاد مقرك يا حضرة الأستاذ النابغة حتى تقول ما تقول؟
وذكرت في تلك الصفحة (أفريقيا) ولو فتحت معجم ياقوت أو معجم الفيروز أبادي أو غيرهما لوجدت أنها أفريقية لا (أفريقيا) كما تصر في قولك معاندا الكبار والصغار. الأقدمين والمحدثين وذلك كله بلا دليل.
وذكرت في تلك الصفحة (ارك) وهي الوركاء. كما وردت في ياقوت. وتكتب داريوس في تلك الصفحة نفسها والعرب لا تعرف غير دارا. وقلت في تلك الصفحة: (وقد فاقت عليها كلها بغداد) والصواب (وقد فاقتها كلها بغداد) لأنك تقول فاق فلان أصحابه لا فاق عليهم.
فأين أنت يا عزيزي؟ وفي أي عالم عربي تعيش؟ وبأي لسان تكلم أصحابك؟ وبأي لغة كنت تدرس تلاميذك - لا، لا، لا يا حضرة الأستاذ: أستاذ اللغة العربية (؟ أو الهندية) وآدابها (؟) سابقا في جامعة بيروت الأميركانية (؟) هذا لم نتوقعه منك بل يتوقعه الناس مني أنا أصغر تلاميذك.
وذكرت لنا في تلك الصفحة (إذ لم نخرج منها إلى الآن) (شوشن القصر وهي عاصمة فارسية في أيام داريوس الكبير) ونحن لا نعرف عاصمة ولم نعرف عاصمة فارسية بهذا الاسم. فمن أين تأتينا بهذه الأسماء المكسرة المشوهة المهشمة؟ وكيف تريد أن نفهم ما تذكره عن بلادنا العربية وأنت تجهل ما تقول وما تنقل؟ فلعلك تريد أن تتكلم عن السوس (بسينين مهملتين) لكن ما الذي دهاك حتى تضيفها إلى القصر؟ وأظن أن كل هذا ناشئ عن أخذك أنباء البلاد عن الإفرنج بلا فكر ولا روية. فالسوس بلدة كانت شهيرة بخوزستان وكانت عاصمة الدولة الفارسية على ما نقلت.
امتد بنا النفس ونحن لم نخرج عن نصف صفحة من صفحات كتابه ولو مضينا في سبيلنا إلى آخر ما جاء فيها لأحرجنا القراء وأخرجناهم عن موقفهم.
فترى من هذه النظرة السريعة أن الكتاب كثير المزالق مشوه الكلام كثير أغلاط التاريخ والمدن. وأرى من اللائق أن أنصح للصديق بأن يحرقه فيجعل مثواه النار وبذلك يحفظ شرف أدبه من كل شائبة!
стр. 4373
٩٥ - خمس مقالات في التهجين (تحسين النسل)
هي مقالات لصديقنا الأميركي بولس بوبنوى تبحث عن الوسائل التي يجب اتخاذها لتحسين النسل وقد نشرها سابقا في مجلات أميركية فاستحسنها أصحابها كما استحسناها نحن فنتمنى لها الرواج والانتشار.
٩٦ - الصبح المنير في شعر أبي بصير
ميمون بن قيس بن جندل الأعشى والأعشين الآخرين مع شرح أبي العباس ثعلب، طبع في مطبعة أدلف هلزهوسن بيانة ١٩٢٧.
مضى أكثر من سنة على إتحاف شركة ذكرى جب إيانا هذا الديوان البديع وكنا نؤخر
الكلام عنه ليتيسر لنا الوقت فنوفي حقه من النقد. وما زالت الهدايا تأتينا من كل حدب وصوب ونحن نمني النفس بما منيناها في الأول حتى حال الحول ونحن لا نزال في أحلام الأماني والآن اضطررنا إلى الكلام عليه حتى إذا أتسع لنا المجال مرة أخرى عدنا إلى الموضوع. واليوم نجتزى. بما يأتي:
هذا السفر الجليل بديع الطع والورق والحرف والشكل وقد بلغت العناية بخدمته أقصى غاية حتى أن ناشره لم يبق في صدر الواقف عليه أدنى أمنية والديوان مع شرحه وقع في ٣٥٩ صفحة بقطع الثمن الكبير العريض والحق به ٣٧٨ صفحة أخر بذاك القطع في اختلاف الروايات التي وردت في الكتب المطبوعة وغير المطبوعة فجاء كنزا حافلا بجميع الفوائد.
وأنت ترى من عنوان الديوان إنك لا تطالع في هذا السفر ما نطق به الأعشى ميمون وحده من الشعر بل ما قاله أيضا أعشى أسد وأعشى باهلة وأعشى بجرة وأعشى تغلب وأعشى تميم وأعشى ثعلب وأعشى جرم وأعشى جلان وأعشى أبي ربيعة وأعشى سليم وأعشى طرود وأعشى عجل وأعشى عكل وأعشى عوف بن همام وأعشى مازن والأعشى المغزلي وأعشى نجوان وأعشى نعامة وأعشى نهشل وأعشى هزان وأعشى همدان ويلي ذلك: (مجموعة ما أنشد للمسيب بن علس وهو خال الأعشى والأعشى راويته).
стр. 4374
ومن الغريب أن ليس لهذا الديوان الواسع إلا فهرس واحد صغير للأعلام في أقل من صفحتين فالنقص فيه عظيم. وليس فيه فهرس القصائد ولا فهرس الأعلام من رجال ونساء وقبائل وأمم ولا فهرس الأماكن ولا فهرس الألفاظ الغريبة التي وردت في مطاوي الصفحات. فالنقص إذن عظيم من هذه الأوجه ولو توفرت فيه هذه الأمور لكانت منافعه لا تعد ولا تحصى. فما على ناشره إلا أن يعود إلى استئناف العمل ليكون الكتاب ديوانا يتصفحه أبناء هذا العصر وإلا فأن الأتعاب التي صرفها في سائر الوجوه ضاعت أو كادت تضيع في إهماله هذه الأمور الجليلة التي هي من مزايا عصرنا هذا.
ومع كل ما بذل من العناية بضبط الكلم وقع غلط غير قليل بل ربما وقعت عدة غلطات في الصفحة الواحدة. فقد جاء مثلا في ص ٣٤٢: فالبندنيجين (بضم الدال والصواب بفتحها) - وثقيف همدان (بتنوين الفاء المكسورة والصواب بلا تنوين) وفيها قد أتى ابن عدنان (بكسر
نون ابن والصواب بفتحها على أنه مفعول به) وقال في تلك الصفحة لا يبعدن (بفتح العين والدال والصواب بضم العين وفتح الدال) وهكذا وجدنا مثل هذه الأغلاط شيئا كثيرا مع أن الواقف على نشره من أثبت المستشرقين قدما في لغتنا الضادية وهو رودلف جير الألماني. وقد راجع لطبع هذا الديوان البديع خمسمائة وثمانية وثمانين كتابا مع رموزها المختزلة إذ كثيرا ما ترد تلك المؤلفات في أثناء الاستشهاد بها. وقد لاحظنا أن العلامة ذكر مجلتنا في مواطن عديدة من طبعته ولم نجد مجلة عربية غيرها. ولعل سبب ذلك تثبته وإيمانه في أن ما يدرج في مجلتنا موسوم بوسم التحقيق والتدقيق فيه.
ومن غريب ما عثرنا عليه سوء نقل أسماء الكتب وأعلامها فقد ذكر مثلا محيط المحيط بقوله: تأليف بطروس البسطاني والصواب بطرس البستاني وذكر مجموعة المعاني (في الصفحة المذكورة) بقوله قسطنطنية والصواب قسطنطينية وقال عن كتاب جمهرة أشعار العرب تأليف أبي زيد القرشي: كتاب جمهرة تأليف أبي زيد وهو عنوان غير واف ومخطأ فيه. ونسب كتاب كفاية المتحفظ للأجدبي والصواب للأجدابي. ونسب إلى الشرتوني معجمه بهذا
стр. 4375
العنوان: (اقراب (كذا) الموارد للحوري (كذا) الشرتوني فيظهر من هذا وأمثاله أن مسودات الطبع لم يعتن بتصحيحها كل الاعتناء وأما ما جاء من هذه مطبوعة بالحرف الإفرنجي فإنه صحيح الطبع.
وكل ما عددناه لا شأن له ولا خطورة بجانب النقص الذي يرى في هذا الديوان وهذا النقص هو خلوه من الفهارس التي ذكرناها في بدء كلامنا. فعسى أن يعود المعتني بطبعه إلى إعادة النظر فيه مرة ثانية كما قلنا ليستخرج من صفحاته جميع ما أشرنا إليه وإلا فالديوان يخسر شيئا كثيرا من قيمته الثمينة.
٩٧ - كتاب عيون الأخبار
تأليف أبي محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري
المجلد الأول
كتاب السلطان - كتاب الحرب - كتاب السودد
مطبعة دار الكتب المصرية بالقاهرة سنة ١٣٤٣ هـ - ١٩٢٥ م في ٣٤٤ ص بقطع الثمن
الكبير.
كانت دار الكتب المصرية أهدت إلينا الجزء الثاني من هذا المصنف الجليل (راجع لغة العرب ٧: ٦٥٩) فتكلمنا عليه ووفينا حقه من المديح الذي هو أهل له، ولما علم صاحب العزة محمد أسعد براده بك أن الدار المذكورة لم تتحفنا المجلد الأول أسرع إلى إهدائه إلينا فوجدناه كسائر الكتب التي نشرت في عهد توليه إدارة الدار المذكورة
وفي غضون مطالعتنا لهذا السفر الجليل بأن لنا بعض الأمور نعرضها على نظره الثاقب لعله يجد فيها بعض الصحة فينبه عليها في الجزء الأخير من هذا الكنز الدفين الذي لا يفنى وإن اغترف منه الأدباء على مدى السنين
وأول شيء نلاحظه أن المستشرقين في هذا العهد لا يتولون طبع كتاب من كتب السلف إلا يصفون النسخة التي اتخذوها سندا لهم في طبعهم إياه. ثم يصفون سائر النسخ التي تداولتها أيديهم في أثناء بحثهم واستشارتهم لها وكثيرا ما نرى ناشري هذا الكتاب يذكرون في الحاشية: (النسخة الفتوغرافية) ونحن لا نعلم من أمرها شيئا. ويشيرون إلى النسخة الألمانية. وهم لم يعرفوها
стр. 4376
في كتابهم هذا.
٢ القراء في حاجة إلى معرفة صاحب الكتاب وزمنه ومكانته من العلم. نعم إننا لا ننكر أن أغلب الفضلاء الذين يطالعون هذا التصنيف الجليل وأمثاله يعرفون من ابن قتيبة الدينوري لكن لا يغني ناشريه عن ذكر ما يهم المطالع الغريب معرفته ليزداد التصنيف ثمنا في عينيه.
٣ - جاء في ص ٢٥ في السطر الأول منها: (فخذ ماء رمانين فدقهما باهليلجة) ونحن نظن أن هناك خطأ في الطبع والصواب (رمانتين) أما الرمانان فمثنى جمع لرمان ورمان من اسم الجمع الذي يعرف واحده بالتاء.
وفي حاشية ص ٦٤ فسروا الجاثليق نقلا عن القاموس بقولهم: الجاثليق بفتح الثاء المثلثة رئيس للنصارى في بلاد الإسلام بمدينة السلام قال صاحب التاج وهو المعروف الآن بالقنثل كقنفذ. اهـ
قلنا: تعريف صاحب القاموس لا يصور لنا حقيقة الجاثليق، لأن رؤساء النصارى طبقات فمن أي الطبقات هو الجاثليق؟ وقوله (في بلاد الإسلام) لا موطن له هنا إذ قد يكون في
غير البلاد المذكورة وفي غير دار السلام. وأما قول صاحب التاج وهو المعروف الآن بالقنثل فغير صحيح والصواب القنصل أو القنسل وبالإفرنجية ثم أن القنصل موكل بأمور النصارى الدنيوية أما الجاثليق فأكبر رؤساء الدين في الشرق وهو بالإفرنجية (راجع لغة العرب ٥: ١٧٣)
وجاء في حاشية ص ٨١ في السطر الأخير: (ولم نجد التضعيف (لفعل سجن) لا في القاموس ولا في اللسان) اهـ. - قلنا: الذي ورد في كتب اللغة سجنه بتضعيف الجيم للنخل قالوا: سجن النخلة جعل لها سلتينا (أو سجينا) وهو الحفرة تحفر في أصولها ليجذب الماء إليها إذا كان الماء لا يصل إليها. اهـ.
ومن هذا يتضح أن سجن بالتضعيف وارد والذي يقال عن النخلة هو من باب المجاز. كأن الفلاح يسجن الماء في الحفرة ليمنعه الخروج عنها. وقول المحشي ولم نجد التضعيف لا في القاموس) صوابه: لم نجد التضعيف في القاموس بحذف (لا) المتقدمة على (في) فقد قال المبرد وثعلب: العرب إذا جاءت بين كلامين
стр. 4377
بجحدين كان الكلام إخبارا اهـ. إذن معنى قول المحشي: (ولم نجد التضعيف لا في القاموس): وجدناه في القاموس كما يظهر لأدنى تأمل.
وجاء في حاشية ص ٨٨: (كل ما بين هذين القوسين المربعين. . . قلنا المشهور في القوس التأنيث وإن جاء تذكيرها أيضا. وقوله قوس مربع لا يمكن أن يكون فالمربع لا يكون قوسا والقوس لا تكون مربعة. ولو قال بين عضادتين أو بين عقافتين لكان الأمر أهون.
وفي حاشية ص ١٠٤ رجح المحشي الغي على العي والمعنى يوجب أن يكون هناك العي بالعين المهملة.
وفي ص ١١٢ جاء ذكر الماذيان في هذه العبارة من كلام المؤلف: (وإن زالتا (أي زالت الميمنة والميسرة) بعض الزوال ما ثبت المادتان فإن زالت المادتان لم ينتفع بثبات الميمنة والميسرة). ثم قال في الحاشية عن (المادتان) كذا بالنسخة الألمانية وفي الفتوغرافية هكذا الماذيان ولم نوفق إلى تصويبها (كذا أي لتصويبها) - قلنا الصواب الكلمة هنا: (الماذيان) ومعناها الحجر أو الرمكة أي الفرس الأنثى. وكان من عادة أهل الفرس أن يضعوا في
قلب الجيش المحارب راكب فرس أنثى. فيسمى القلب (ماذيانا) أي فرسا أو رمكة والكلمة فارسية يقال فيها ماذيان وماذيانه بالها أما (المادتان) فلان معنى لها هنا في العبارة وتثنى ماذيان على ماذيانين وماذيانة على ماذيانتين بحسب المفرد الذي ينظر إليه.
وفي ص ٣١٢ س ٧ وناحية الدبور وناحية المغرب يوصفان بالفضيلة والانخفاض. فقال في الحاشية (وردت هذه الكلمة هكذا بالأصلين ولم يظهر لها معنى) اهـ. والصواب الذي عندنا: بالسفالة والانخفاض وسفالة كل شيء أسفل وسفالة الريح نقيض علاوتها وعلاوتها حيث تهب.
وفي ص ٣١٣ س ١٣ وكواوها وضبطت كاف الكواء بالكسر والمعروف الشائع الكواء بضم الأول كغراب كما صرح بها أصحاب المعاجم وإذا قصرت قيل كوى بضم الكاف أيضا.
وهناك غير هذه الهفوات التي لا يخلو منها كتاب. وقد اجتزأنا بما ذكرنا للدلالة على أن الكمال لله وحده.
стр. 4378
والذي نتمناه لهذا التأليف الجليل الفهارس على اختلاف أنواعها ومعجم تذكر فيه الألفاظ الغريبة التي وردت في تضاعيف المباحث ولا سيما تلك التي لا وجود لها في دواويننا اللغوية مثل ماذيان وماذيانة والأطربون المذكور في ص ١٩٣ في السطر الثاني والثالث وهو المعروف عند الروم (اللاتين) إلى غير ذلك وهو كثير، فعسى أن تخرج هذه الأمنية إلى عالم التحقيق وهو الميسر.
٩٨ - فهرس الكتب العربية الموجودة بالدار لغاية شهر
سبتمبر سنة ١٩٢٥
وملحق بالكتب العربية الواردة لغاية مايو سنة ١٩٢٦ الجزء الثاني في ٢٦٠ ص ويشتمل على علوم اللغة والوضع والصرف والنحو والبلاغة والعروض والقوافي، والجزء الثالث في ٤٣٩ ص ويشتمل على القسم الأول من فهرس آداب اللغة العربية طبع الجزء الثاني في سنة ١٩٢٦ والثالث في سنة ١٩٢٧ وكلاهما برز من مطبعة دار الكتب المصرية بالقاهرة بقطع الثمن الكبير.
منذ أن صارت إدارة دار الكتب بيد صاحب العزة محمد أسعد براده بك نهض بها إلى أعلى ذروة من الإصلاح والتحسين والرقي وتتحقق هذا الأمر من الكتب التي نشرت في عهده فإنها درر ثمينة وكنوز لا تقدر وقد جمعت إلى حسن الطبع الغاية القصوى من الإتقان والتدقيق.
كانت مطبعة بولاق قد طبعت فهارس أصبحت اليوم بلا فائدة لأن النظام غير معروف فيها وإذا أراد المطالع أن يفتش فيها عن ضالته لا يجدها إلا نبها وبعد أن يضيع الساعات الطوال في طلبها. أما اليوم فإن الفهارس التي نشرت في هذا العهد عهد المدير الكبير محمد أسعد برادة بك قد جاءت من أبدع ما يرى من نوعها. وإذا طلبت لها مشابهات في ديار الفرنجة فإنك لا تجدها.
وإذا أردت أن تبحث في هذه الأسفار عن كتاب تريده، فأطلبه في العلم الذي يرجع إليه. ثم ابحث عن اسمه بحسب حروف المعجم تجده بسهولة عظيمة. وعنوان الكتاب مطبوع بحرف يميزه عن الشرح الذي يبين مزاياه وخصائصه. وربما وجدت في هذا الشرح ترجمة صغيرة تذكرك سنة مولد
стр. 4379
المؤلف ووفاته - أن كان قد مات - إلى غير هذه الإشارات المفيدة للمطالع. فغدا هذا الكتاب رفيق الأديب أينما كان وايا كان تخصصه في الأدب، دع عنك حاجة كل كتبي إليه وكل ذي خزانة لأنك ترى في هذا الكنز الدفين أسماء التآليف على أنواعها مطبوعة كانت أو مخطوطة.
ووجدنا في أثناء تصفح هذين السفرين بعض هنات لا تنزع شيئا من محاسنهما من ذلك ما جاء مثلا في ص ٢ من الجزء الثاني فقد ذكر اسم (الاشتقاق والتعريب) باسم الاشتقاق والتعريف وفي ص ٣ ذكر أن اقرب الموارد تأليف القس سعيد والصواب الشيخ سعيد ولم يكن قسا وقال عن ذيل أقرب الموارد أنه يحوي ما وجده من الخطإ الذي نقله من كتب اللغة مع أنه يحوي أيضا مستدركات كثيرة جمعها المؤلف من معاجم عديدة. وقال في ص ١١ أن أحمد فارس الشدياق كان صاحب مجلة الجوائب والجوائب لم تكن مجلة بل جريدة. وفي ص ٤ ذكر الألفاظ الفارسية المعربة وأنها تأليف القس أدي شير رئيس أساقفة سعرد الكلداني. والصواب السيد أدي شير لأنه لا يقال عن رئيس الأساقفة (قس) بل سيد على اصطلاح النصارى. وقد تكرر أسم هذا الكتاب في ص ٤٧ ولم نفهم سبب ذكره في
موضعين مختلفين وكان يمكن أن يستغنى عن هذه الإعادة التي لا فائدة فيها.
وورد في الجزء الثالث في ص ١٨٢ سجع الحمامة أو ديوان بطرس كرامة ولم يذكر عن هذا الشاعر شيئا بخلاف مألوف عادته. فقد كان من حمص وولد فيها في سنة ١٧٧٤ وتوفي سنة ١٨٥١
٩٩ - بيان حاخامي بغداد حول قضية وكيل الحاخامباشي
٢٦ تموز سنة ١٩٢٩ بمطبعة الآداب في ٢٤ ص بقطع ١٦
بيان أصدره المجلس الروحاني الإسرائيلي في بغداد لإطلاع الناس على قضية ساسون خضوري وكيل حاخامباشي بغداد وكنا نود أن لا يكتب شيء في هذا النزاع مما يخدش الأذهان وعسى أن تصلح الأمور على أحسن وجه ولا يعاد حدوث مثله.
стр. 4380
١٠٠ - رد وكيل الحاخامباشي على بيان حاخامي بغداد
مطبعة العراق في بغداد في ٢٤ ص بقطع ١٦
ما كنا نود أن نرى هذا النزاع بين الأخوة في بيت واحد وكلما طال الجدال زادت المساوئ وساسون خضوري يدافع عن نفسه وما نسب إليه فعسى أن يزول بهذا الرد سوء التفاهم بينه وبين خصومه وأن يستعفي من وظيفته فيريح ويستريح وبهذه الصورة يتم الوفاق.
١٠١ - مريم المجدلية (بالفرنسية)
تأليف غي دافلين (عقيلة غزالة بك)، طبع في أفنيون بمطبعة أوبانل أخوان في سنة ١٩٢٧.
غي دافلين هو اسم السيدة جان عقيلة الدكتور سليمان بك غزالة ولها عدة مؤلفات ألفتها بالفرنسية. منها عشرة في الروايات التاريخية وخمسة في الروايات الحديثة وأربعة في روايات المسارح وأربعة في مختلف القصائد واثنان في القصص واثنان يطبعان الآن إذن لها ٢٧ مصنفا وقد راجت كتبها كلها أي رواج. حتى إنها استحقت النوط الذهبي من الجمعية القومية لتشجيع الناس على الخير. وهذا الكتاب كسائر مصنفاتها مطبوع بطابع الخيال البديع والعبارة الفرنسية محكمة رصينة تدفع القارئ إلى توخي الخير في ما يعمل وقد زين أخوها بتسع صور تلك الرواية البديعة فجاءت من أحسن ما يطالع في لغة بسوة
وباسكال.
١٠٢ - الرحيق المختوم في المنظوم والمنثور
من نظم وإنشاء العلامة السيد محسن الأمين الحسيني العاملي.
(القسم الثاني) طبع في دمشق في مطبعة ابن زيدون سنة ١٣٤٨ هـ في ٢٧٢ ص بقطع الثمن وقيمته ١٢ آنة في العراق
لهذا الكتاب أربعة عشر بابا من مديح وغزل ونسيب وتهنئة وتعزية وهجاء إلى أشباهها أي أنه حافل بالأبواب على النمط القديم الذي لا تستسيغ مواضيعه أذواق هذا العصر، وكما نود أن يطرق فضيلته معاني مبتكرة وإلا فأن الأقدمين أجادوا كل الإجادة في المباحث التي عالجها فلا حاجة لنا إلى تكرار ما قذفت به
следующие страницы →