Полный текст (6 158 стр.). Показаны 4796–4835 · переход к 4801.
стр. 4796
ابن (بدر الدين
لؤلؤ) صاحب الموصل ونفران من رماة البندق ومعهم طائر قد صرعه (ركن الدين) وانتسب في ذلك إلى (شرف الدين إقبال الشرابي) فقبله وأمر بتعليقه فعلق تجاه (باب البدرية) وأمر أن ينثر عليه ألفا دينار ثم خلع على الخادم بشر والواصلين في صحبته وأعطاهم ثلاثة آلاف دينار. وفي سنة ٦٣٥ علق (بباب البدرية) أيضاً طائر قيل انه رماه (كيخسرو بن كيقباذ) ملك البلاد الرومية ونثر عله ألف دينار وتولى هذه الإقامة أي الحفلة (عبد الله ابن المختار) العلوي الكوفي المار ذكره وكان مولد عبد الله سنة سبع وسبعين وخمسمائة. وهاتان الاقامتان من مرويات الحوادث الجامعة. إلا أن اسم (عبد الله بن المختار) ورد خلوا من (العلوي الكوفي) واغرب ما ننقله أن الرمي اثر في الشعر زمن العباسيين فاستعمل في الشعر ألفاظ رماة البندق والتشبيه بالطيور المصروعة. وقد روي في حوادث سنة ٦٢٩. من الحوادث الجامعة قصيدة عن ذلك الغرار.
الفتيان والكشافة
يستنبط مما سبق أن الفتوة قديما تماثل الكشف حديثا وان الفتيان في الإسلام يضاهون الكشافة اليوم في الممالك المتمدنة والمتمادنة. ويستحسن استبدال الفتوة والفتيان بالكشف والكشافة وكأن الداعي إلى هاتين الأخيرتين (السر بادن باول) رئيس الكشافة الأعظم وهو رجل حديث العهد فالكشف والكشافة لا تميل إليهما الأذواق العربية. حتى أني قلت متكلفا في قصيدة نشرتها في مجلة الكشاف العراقي:
سميت كشافا وأنى يصلح ... خلل الحياة وناشر إرشادا
ومما تفاوت به فتيان جيلنا الفتيان القدماء: الاقتصاد: فإن أخبار أولئك مكتظة بإسرافهم وتجاوزهم حد الاقتصاد. وكذلك في الشفقة على الحيوان
стр. 4797
لا على الإنسان وحده. والرأفة بالحيوان من جلائل الإسلام ومهماته فمن وصية الإمام علي (ع) قبل وفاته (والله الله في ما ملكت أيمانكم (فانه كانت آخر وصية رسول الله صلى الله عليه وآله إذ قال: (أوصيكم بالضعيفين في ما ملكت أيمانكم) قال ابن أبي الحديد في ٤٥: ٢ من شرحه (يعني به الحيوان الناطق والحيوان الأعجم).
هذا ما تمكنا من استقصائه على قلة علمنا وهو شيء يسير عسى أن يجد فيه القارئ لذة علمية أدبية وما كل حديث يعاب.
بغداد: مصطفى جواد
جعفر باشا العسكري
أطلعتنا أنباء لندن أن كتيبة دورست دعت جعفر باشا إلى وليمة الائتلاف التي أقامتها في ليلة ٢٧ شباط، وكتيبة دورست هي التي أسرت جعفر باشا في موقعة فرقة الفرسان التي حدثت في طرابلس وكان جعفر باشا العسكري ضابطا عراقيا في الجيش التركي في أوائل الحرب الكبرى وكان يقود السنوسيين في الهجوم بهم على مصر. فاسر في تلك الواقعة واعتقل في القلعة بمصر. ولكنه حاول الفرار من معتقله إذ فتل حبلا من البطانية التي أعطيها ليلتحف بها وحاول أن ينزل بهذا الحبل من سور القلعة فانقطع به وسقط في الخندق فأصيب بكسر في ساقه وقد نقل إلى المستشفى وهناك قرأ في الصحف أخبار الثورة العربية وأتلاف الأتراك أصدقاءه العرب فقرر في الحال عدوله عن إخلاصه لحكومة تركية والتحق بمعسكر الأمير فيصل (جلالة ملكنا اليوم) وأسندت إليه القيادة العامة لجيوش الأمير فاظهر كفاية تامة في القيادة. وهو الضابط الوحيد الذي نال وسام الصليب الحديدي من حكومة ألمانية ووسام سي. أم. جي. من بريطانية أثناء الحرب العظمى. وجعفر باشا دخل مؤخرا امتحان مدرسة الحقوق (في لندن) فادى هذا الامتحان بتفوق عظيم.
стр. 4798
(صورة) صاحب الفخامة جعفر باشا العسكري
стр. 4799
لواء البصرة
توطئة
لواء زراعي مشهور بكثرة النخيل وجودة التمور. يحده من الشمال لواء العمارة ومن الجنوب خليج فارس ومن الشرق بلاد إيران ومن الغرب الصحراء الشامية وتقدر نفوس سكانه بنحو ٦٠٠ر١٦٥ نسمة جلهم من المسلمين. هواؤه رطب ثقيل وماؤه عذب لأنه يتكون من نهرين عذبين عظيمين هما دجلة والفرات ومعظم أراضيه تسقى سيحا لان المد والجزر الناشئين من جاذبية الشمس والقمر وسيلانية الماء هما العاملان الأساسيان في صعود الماء وهبوطه والمد هو الذي يروي أراضي هذا اللواء ويجعلها غابة كبيرة من النخل فالماء في شط العرب يعلو في كل ٢٤ ساعة مرتين فيسقي الأراضي الكثيرة بدون استعمال آلات السقي المختلفة فإذا أتم فعله عاد إلى حيث أتى.
ولقد كان هذا اللواء بؤرة أمراض في ما مضى من الأعوام لان الحمى تشتد فيه أشهر الصيف إذ ترتفع الحرارة أحيانا إلى درجة ٥١ مئوية فتخلق أنواع الأمراض أما اليوم فبوسائل التنظيف والتبريد خفت وطأة تلك الأمراض بل تكاد تكون معدومة. على أن اشتداد الحرارة في هذا اللواء من أقوى العوامل الفعالة في نمو الأثمار ونضاجها وتروج التجارة فيه رواجا عظيما فهو مفتاح باب التجارة العراقية ومخزن من مخازنها المهمة.
مركز اللواء
مركز لواء البصرة، مدينة البصرة وهي عظيمة لم تكن في أيام الفرس وإنما مصرها العرب أنفسهم وقد مصرت قبل الكوفة بسنة ونصف على ما قال الشعبي والبصرة في كلام العرب: الأرض الغليظة التي فيها حجارة صلبة تقطع حوافر الدواب وقد أطلقوها على المدينة التي شيدها عتبة بن غزوان عام ١٥ للهجرة بأمر من الخليفة عمر بن الخطاب وخلاصة أمرها أن خالد بن الوليد لما تقدم لفتح العراق عام ١٢هـ سار إليه والبحر ونزل في موضع يسمى (الابلة) وكان بلدا
стр. 4800
عظيما في زاوية الخليج الفارسي يتخذه الفرس مسالح لهم، فلما وصلت الأخبار إلى عمر عن تقدم المسلمين: ولى عتبة بن غزوان تلك الأطراف
وأمره أن يتخذ فيها مصرا للمسلمين فكان أول ما شيده عتبة في هذه البقعة مسجدا من قصب مع دار إمارة ثم صار المسلمون ينشئون المنازل من القصب أيضاً حتى إذا غزوا محلا نزعوا القصب وحزموه حالا فإذا عادوا من الغزو سالمين آمنين أعادوا المنازل إلى ما كانت عليه. ثم صارت البيوت تشيد بعد ذلك بالحجارة الصلبة فكثرت العمارة وتقدمت وصارت البصرة من الحواضر المهمة التي قل أن تماثلها بلدة بحسن عمارتها وعظمة بنائها وبهائها. ولم يلبث الدهر طويلا حتى قلب لها ظهر المجن فجعلها آكاما ترى اليوم على بعد ثمانية أميال من مدينة البصرة الحالية التي انتقلت إليها العمارة بعد خراب الأولى.
ولقد حدثت في هذه البقعة حوادث مهمة عظيمة ففيها التقى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) والسيدة عائشة (رض) وكانت قد خرجت لقتاله وهي على ظهر جمل فعرفت تلك الواقعة بواقعة الجمل. وفيها أسرف الخوارج في الفساد واستباحوا المنكرات حتى هزمهم الأمويين شذر مذر. وفيها وقعت حروب أبكار وعون بين الفرس والعرب حتى دخلت في قبضة آل عثمان عام ٩٥١هـ وكان آخر أمرها في دهرنا أن احتلتها الجيوش البريطانية في غرة المحرم الحرام سنة ١٣٣٣ (٢٢ تشرين الثاني ١٩١٤) ثم انتقلت إلى الحكومة العراقية الحالية بعد ذلك وهي تعلو عن سطح البحر ثماني أقدام وتبعد عن جتوبي بغداد ٣٥٦ ميلا بالسكة الحديد التي أنشأتها الحكومة البريطانية أيام الاحتلال.
وفي هذه المدينة مبان جليلة وبيوت عامرة وجادات واسعة وخانات كثيرة ومساجد جميلة وفنادق أنيقة وحمامات منتظمة ومخازن تجارية مهمة ومدارس وكتاتيب عديدة وبساتين لا تحصى وجنائن لا تستقصي وغير ذلك من لوازم الحواضر الكبرى وهي تبعد عن ساحل شط العرب الأيمن بميل ونصف ميل في جهته الغربية وتقرب منها قصبة العشار الجميلة القاعدة على ضفة شط العرب اليمنى والتي هي اليوم بمثابة سوق للبصرة على رغم جسامة البصرة وكثرة جاداتها وبيوتها ومخازنها ونقاوة الهواء وعذوبة الماء فيها. وبين البصرة والعشار جادة
стр. 4801
مستقيمة معبدة لسير السيارات والاهلين. وعلى بعد بضع أميال من البصرة ميناء فخم ترسى عنده البواخر التجارية والحربية ولهذا الميناء رصيف صناعي بديع ويقدر خشبه وسائر أدواته بنحو ثلاثة ملايين ربية وهو الوحيد من نوعه في العراق.
تنظيمات اللواء الإدارية
يتقوم لواء البصرة من مركزه وثلاثة اقضيه مهمة. أما مركزه فمدينة البصرة التي تقدم البحث فيها. وأما اقضيته الثلاثة فهي - ١ - قضاء السيبة - ٢ - قضاء شط العرب - ٣ - قضاء القرنة. وها نحن أولا نبحث عن كل منها بقدر الإمكان.
١ - قضاء السيبة
هذا قضاء حديث أحدثته الحكومة في الآونة الأخيرة أن وبعد أن تحسنت الأمور بين العراق وجارته إيران ولا توجد فيه أي ناحية بل هو يتقوم من مركزه فقط. ومركزه دار حكم مع مخفر الشرطة واقعين في قرية السيبة الواقعة على ضفة شط العرب اليسرى في محل يقابل بلدة عبادان التابعة لإيران ويبعد عن جنوبي البصرة ٣٥ ميلا.
٢ - قضاء شط العرب
وهذا القضاء حديث أيضاً إلا أن توابعه قديمة في التنظيمات الإدارية وهو يتقوم من أربعة نواح مهمة وهي الزبير والهارثة وأبي الخصيب وشط العرب وتتبع كل هذه النواحي قرى عديدة بعضها كبير. أما مركز القضاء ففي مدينة البصرة نفسها. والبصرة احسن محل رأت الحكومة أن تتخذه مركزا لهذا القضاء الجسيم لتوسطه بين توابعه والنواحي الأربع المذكورة بعضها مهم وكبير وبعضها غير مهم ونبدأ الآن بالبحث في كل منها فنقول:
١ - ناحية الزبير (بالتصغير) مركزها قصبة الزبير وهي قصبة كبيرة جرداء واقعة على طف الجزيرة يحيط بها سور أنشأه الأتراك عام ١٢١٧هـ - ١٨٠٢م لرد عادية الوهابيين لأنها احسن مكان يمكن اتخاذه حصنا للدفاع عن البصرة وما يجاورها. فيها من النفوس نحو ٢٢. ٠٠٠ نسمة معظمهم من النجديين وفيها مشهد الزبير بن العوام مقاما وسط صحن عظيم يدل مشهده على انه تجدد غير
стр. 4802
مرة. وتقع هذه القصبة بجوار طلول البصرة القديمة وتبعد عن الجنوب الغربي لمدينة البصرة الحالية ١٨ ميلا وليس فيها مياه جارية ولهذا يجمع سكانها مياه الأمطار في الحفر والخنادق حتى إذا صار الصيف حفروا الآبار لاستسقاء ما يسد حاجتهم من الماء كما أن مزارعها تروى بمياه الأمطار أيضا. وينمو أجود البطيخ في الزبير بكثرة فائقة وجميع البيوت فيها مبينة بالجص فهي بيض والزبير تعد
المرحلة الأولى في طريق البصرة للكويت ونجد وما يجاورهما.
وعلى بعد ميلين من الزبير قرية الشعيبة التي اكتسبت شهرة عالمية في الحرب الكونية حيث دارت فيها رحى الحرب بسرعة وفظاعة وقد اتخذت الآن مطارا للقوة الجوية البريطانية في العراق.
٢ - ناحية (الهارثة) ناحية جسيمة ذات انهار غزيرة المياه كثيرة النخيل تقع على ضفة شط العرب اليمنى وفيها مساكن للزراع لا بأس بها وعدد النفوس فيها ثلاثة آلاف يشتغل بعضهم بنسج الأعبئة الممتازة.
٣ - ناحية (أبو الخصيب) ناحية جسيمة أيضاً تخترق أراضيها الشاسعة الجداول الكثيرة المتشعبة من شط العرب وهي غابة من النخيل تمتد على شط العرب في ضفته اليمنى إلى مسافة بعيدة. ولما كان معظم البصريين أصحاب مقاطعات ونخيل فيها شيدوا لهم قصورا بديعة سامقة تطل على شط العرب فتخيل للناظر إليها أنها جنة من جنان الدنيا وحديقة من حدائقها الغن. ولقد كانت قبل مدة وجيزة قضاء فأصبحت اليوم ناحية.
وفيها زهاء ٧٨٠٠ نسمة جلهم من الزراع وبالغرب منها قبور لبعض الصحابة منهم عبد الرحمن بن عوف والمقداد بن الأسود الكندي وغيرهما. وحالتها المالية حسنة جدا وأهلها مشهورون بالكرم.
٤ - ناحية (شط العرب) مركزها التنومة (بتشديد النون) وهي قرية حقيرة قائمة على ضفة شط العرب اليسرى في محل يقابل قصبة العشار تماما. فيها بعض الصرائف والأكواخ التي يسكنها الفلاحون الذين يقومون بخدمة البساتين التابعة لها وتعد (التنومة) المرحلة الأولى في طريق البصرة إلى المحمرة وعبادان وما جاورهما.
стр. 4803
٣ - قضاء القرنة
القرنة محل اقتران دجلة بالفرات ولفظها اسم من الاقتران كالفرقة من الافتراق وكان الرومانيون يسمون محل اقتران الفراتين في القرن الأول للميلاد (دقبة أو دجبة) حيث كان يلتقي الفراتان. وفي أواسط القرن الثاني للميلاد كان النهران يجتمعان عند مدينة (افامية) وفي عهد ياقوت كانا يجتمعان في (مطارة) قال ياقوت في معجمه (مطارة من قرى البصرة على ضفة دجلة والفرات في ملتقاهما بين المذار والبصرة) وذكر الحاج خليفة في كتابه
(جهان نما) أن دجلة كانت تلتقي هي والفرات في موضع يسمى (الجوازر) لان المياه كانت تجزر هناك. فالقارئ يرى مما تقدم ذكره أن محل اقتران دجلة والفرات تسمى بأسماء مختلفة كان آخرها (القرنة) وقد كانت قلعة قديمة تصد الهاجمين على البصرة. واتفق أن هذه القلعة تهدمت في أيام آل افراسياب فقام بتجديد بنائها علي باشا جد هذه الأسرة ونسبت إليه أياما حيث سميت (العلية) فلما طوي بساط آل افراسياب استرجعت القلعة اسمها القديم وهو القرنة. ولم يظهر حتى الآن من يرشدنا إلى تاريخ بناء هذه القلعة أو الشخص الذي بناها إلا أن بعض المؤرخين يذكرون أن القرنة كانت أول مركز للشيعة في العراق بعد واقعة الجمل ومما يؤيد هذا القول وجود قبر عمر بن زين العابدين فيها يؤمه الناس.
والقرنة اليوم مركز للقضاء المسمى باسمها وهي قصبة جميلة المنظر تمتد على ساحلي دجلة والفرات فيها ٢٥٠٠ نسمة وحالتها الاقتصادية منحطة وسير العلم فيها مهمل ومبانيها متوسطة وأسواقها متناسبة مع أهميتها التجارية وطرز بنائها. ويشاهد فيها إلى اليوم آثار شجرة قديمة مشهورة عند أهلها باسم (البرهام) ويزعم أهلها أنها من زمن آدم (ع) (كذا) ويقول البعض أنها من زمن المسيح (ع) وقد اعتاد البلة من السكان هناك أن يشدوا الخرق حولها ويطلوا المحيط بها بالحناء تبركا بقدمها وأملا أن تقضي حوائجهم وتبعد هذه القصبة عن الشمال الغربي لمدينة البصرة ٤٦ ميلا ولكون دعاية الشيعة كانت محتدمة أيام عزها وصولتها حدثت في هذه البقعة حرب هائلة بين سكانها والعباسيين ونظرا لوقوعها في وسط البطائح كانت ولا تزال محمية بحكم موقعها الجغرافي وما يحيط بها من
стр. 4804
أهوار.
وتمتد أراضي هذه القضاء على ضفاف الأنهر الثلاثة دجلة والفرات وشط العرب واكثر أراضيه اهوار تكثر في وسطها هضبات تدل على وجود آثار أبنية قديمة ترتقي إلى عهد الفرس ولا يزال أفراد العشائر هناك يستخرجون منها قدرا مهما من الطاباق لتبنى به منازل القصبات والقرى القريبة منها أو المجاورة لها.
لقضاء القرنة ثلاث نواح هي:
١ - ناحية المدينة (كجهينة بالتصغير) وهي ناحية جسيمة تشمل أراضيها قسما من ضفة الفرات اليمنى وقسما من ضفته اليسرى وللحكومة في مركزها بناية فخمة مع مدرسة أميرية عامرة كما أن للآهلين في قيصرية (قيسارية) بديعة ومقاهي كثيرة وسوقا مستقيمة
فبها عدة دكاكين يشتري منها سكان الناحية ما يحتاجون إليه من المأكل والملبس. أما السكان فكلهم زراع وهم يقطنون نحو ٥١ قرية مختلفة الأسماء والمساحات ويبلغ عدد نفوسهم زهاء ٢١. ٠٠٠ وأما مركز الناحية فقرية مسماة باسمها وهي جسيمة قائمة على ضفة الفرات اليمنى بين القرنة وسوق الشيوخ تبعد عن الأولى ١٤ ميلا وعن الثانية ٦٨ ميلا. تكتنفها البطائح المشهورة
стр. 4805
في التاريخ وتحيط بها المياه من جميع جهاتها فهي إذن جزيرة وقد كانت هذه القرية حاضرة الجزائر في العصور الخاوية إلا أنها انحطت بالتدريج انحطاط بقية المدن والقصبات المهمة في العراق.
٢ - ناحية السويب (بالتصغير أيضا) وتمتد أراضيها على ساحل دجلة الأيسر وساحل شط العرب الأيسر وهي محادة لإيران عن طريق الحويزة وعلى الرغم من هذه المجاورة كان أهلها الذين يسكنون نحو ٣٣ قرية ويبلغ عددهم زها ٠٠٠ر١٥ نسمة كلهم من العرب الاقحاح يزاولون الزراعة التي هي معتمد عيشهم ولا يعرفون غير العربية لغة يتفاهمون بها، وللحكومة بناية حقيرة اتخذتها مركزا للناحية وهذه البناية واقعة فوق تل مرتفع يسمونه الجبل في موضع يبعد عن شرقي القرنة (مركز القضاء) أربعة أميال فقط.
٣ - ناحية الشافي، تقع أراضي هذه الناحية على ساحل الفرات الأيمن وساحل شط العرب الأيمن وهي ليست معمورة إذ كل ما فيها من العمران مركز للناحية يسكن فيه المدير مع آخر للشرطة واقعين على متن نهر الشافي الأيمن ويبعدان عن جنوب القرنة ١٥ ميلا ويربط بين جانبي نهر الشافي المتفرع من شط العرب جسر حديدي محكم إحكاما عجيبا يبلغ طوله ٢٠٠ قدما وليست تحته عمد فيعتمد عليها بل هو معلق تعليقا وقد أنشأته السلطات الإحتلالية لعبور القطار الذي كان ممتدا بين البصرة والعمارة، ويبلغ عدد القرى التابعة لهذه الناحية ٣٥ قرية فيها نحو ٠٠٠ر٣٠ نسمة.
ملحوظات
ترتبط بقضاء القرنة ارتباطا إداريا عدة قرى تراجع مركز القضاء في معاملاتها الإدارية والمالية واهم هذه القرى قرية العزير التي فيها مدفن عزير (ع) وعلى ما قيل وما يقال له فيها مزار فخم يحتوي على ما يناهز مائتي غرفة يسكن فيها زوار اليهود في مواقيت الزيارات المسماة. وهي تقع على ضفة دجلة اليمنى في محل يبعد ٢٦ ميلا من الشمال
الغربي لقصبة القرنة بينها وبين قلعة صالح ونفوسها نحو ٤٠٠.
وقد كان قوام مركز (عزير) إلى أواخر أيام الحرب العمومية من عشيرة
стр. 4806
مسلمة يقال لها (كوام) بالإضافة إلى صاحب القبر ولا يزال لهذه العشيرة نحو ٧٥ دارا على ضفتي دجلة بالقرب من هذا المرقد ولكن اليهود اخذوا سدانة المرقد من المسلمين في أيام الاحتلال فبقيت السدانة بأيديهم حتى هذه الأيام.
السيد عبد الرزاق الحسيني
الدن في التاريخ
من غرائب تلاعب الناس بالألفاظ أن (الطن) المشهور في الأوزان هو الدن فنقله الغربيون عنا ببعض تحريف وتصحيف فقالوا ثم عاد المعاصرون منا وأخذوه من الغربيين فقالوا (طن) ويراد به اليوم برميل ضخم وما يسعه من السوائل وقدر وزنها ألف كيلو غرام. وهم يقولون أن كلمتهم الإفرنجية من القلطية. إلا أن العلامة اللغوي الكبير دياز يقول: أن اللفظة دخيلة في اللغات الأوربية ولم يهتد إلى اصلها لأنه يجهل العربية.
أما أن العرب عرفوا الدن قبل الغربيين فهذا مشهور عنهم لأنهم اتخذوا منذ القدم أنواع الآنية من الفخار أو الصلصال ومن الجملة هذا الدن. قال لغويونا الدن: الراقود العظيم هو أطول من الحب مستوي الصنعة في أسفله كهيئة قونس البيضة أو أصغر من الحب له عسعس لا يقعد إلا أن يحفر له. قال ابن دريد: عربي صحيح. وانشد: وصل على دنها وارتسم.
على أن الإفرنج صنعوه من الخشب لان ديارهم رطبة. والخشب توافقه الرطوبة ليبقى على حالته فمادة صنعه لا تغير شيئا من أصل لفظه.
أما قول بعض لغويي الغرب أن الكلمة الفرنسية مأخوذة من اللاتينية أو اليونانية فالمعروف عن هذه الكلمة إنها تعني الإناء الصغير الذي يتخذ للخمر نحو الإبريق قدرا وليس كالحب ولهذا نرى أن القول بعربية اصلها اقرب إلى الحق. ولكل امرئ رأي.
стр. 4807
محمود العنتابي الأمشاطي
وسري الدين بن الصانع
كنت نقلت ترجمة بدر الدين محمد بن شمس الدين محمد القوصوني من مجموعة طبية خطية هي في مكتبة مدرسة يحيى باشا في الموصل ونشرت الترجمة في هذه المجلة (١٦٤: ٨) ولما كانت المجموعة المذكورة تحوي ترجمة طبيبين مؤلفين آخرين أحببت تعريفهما للقراء فأقول:
مما في المجموعة من الكتب (كتاب الأسفار عن حكم الأسفار). قيل تحت عنوانه انه للشيخ الإمام العلامة (مظفر الدين محمود العنتابي المعروف بالامشاطي)، ودون ذلك ترجمة المؤلف مكتوبة بعين الخط الذي كتبت به ترجمة القوصوني وهذا نص الترجمة:
(مؤلفه محمود بن احمد بن حسن بن اسمعيل بن يعقوب بن اسمعيل الشيخ مظفر الدين بن الإمام شهاب الدين الامشاطي العنتابي الحنفي القاهري أخو قاضي القضاة بمصر محمد الامشاطي الحنفي. ولد في حدود سنة اثنتي عشرة وثمانمائة وكان فقيها طبيبا أفاضلا متفننا في جميع العلوم. درس وأفتى وحدث وألف شرحا على النقاية في الفقه وشرحا على الموجز في الطب لابن النفيس حسنا جامعا حافلا في مجلدين كبيرين وشرحاً على اللمحة في الطب أيضاً لابن أمين الدولة وكتب عدة رسائل في الطب منها تأسيس الإتقان، والمتانة في علل الكلي والمثانة ومنها القول السديد في اختيار الإماء والعبيد ومنها رسالة في ما يحتاج إليه المسافر كتبها لابن البارزي. وكان صالحا خيرا حسن الاعتقاد. ذكر انه رأى وهو دون البلوغ رجلا يمشي في الغمام لا يشك في ذلك. وكان على طريقة حسنة وعمر واسن فنزل عن وظائفه واقبل على الله تعالى وعمل عدة من الخيرات والآثار إلى أن توفي سنة اثنتين وتسعمائة بالقاهرة. رحمه الله تعالى نقلت ذلك من الضوء وغيره) اهـ.
جاء في مقدمة كتاب الأسفار المذكور انه كتبه لأبي المعالي محمد الجهني
стр. 4808
البارزي الشافعي ناظر دوواين الإنشاء الشريف بالديار المصرية لما عزم على السفر حاجا. ذكر فيه التدابير اللازمة الاتخاذ من قبل المسافر في المواسم المختلفة من برد وحر والأنواء المختلفة من مطر وثلج وريح وسموم ومعالجة المياه غير الصالحة تماما للشرب وما ينبغي أن يأخذه
المسافر معه من لباس وأدوية إلى غير ذلك مما يعود إلى حفظ صحة المسافرين. أول الكتاب بعد البسملة:
(الحمد لله الذي أمر بالأسفار للتفكر والاعتبار وأداء فرائض الحج والاعتمار. . .) تاريخ النسخة ٩٧٦هـ
وفي آخر المجموعة عينها كتاب (كفاية الأريب في مشاورة الطبيب). قيل دون العنوان انه تأليف الشيخ الهمام الفاضل القمقام مولانا الشيخ (سري الدين ابن الصانع) الحنفي سلمه الله تعالى وكتب دون ذلك بعين الخط السالف الذكر ما نصه:
(وتوفي إلى رحمة الله تعالى بعد أن حج في موسم سنة تسعين وتسعمائة وهو راجع إلى مصر في الطريق في أوائل إحدى وتسعين وتسعمائة بالتاء المثناة الفوقية فيهما) اه.
أما الكتاب فهو من قبيل إرشادات وذكر وصفات للمرضى في الإصابات الخفيفة وفي غياب الطبيب ذكر انه كتبه لشيخ الإسلام قاضي القضاة أبي الثناء حسن وفرغ منه سنة ٩٧٩هـ. أوله بعد البسملة: (يا من حكم سيوف العدم في نحور الموجودات وحكم. . .) وهو في ٥٥ص.
الموصل: الدكتور داود الجلبي
(لغة العرب) إننا نشك في صحة نسبة هذا الكتاب إلى ابن الصانع، لأننا نجد في كشف الظنون (٣٢٣: ٢ من طبع الآستانة) ما هذا حرفه: (كفاية الأريب عن مشاورة الطبيب) للشيخ الإمام سري الدين احمد بن محمد العلفي وفي طبعة الإفرنج العلقي بالقاف قبل الياء) الحنفي. أوله: يا من حكم سيوف العدم، في نحور الموجودات وحكم الخ ذكر فيه انه من بيت العلم وأراد أن يصنف رسالة ضامنة لحفظ الصحة وتعديل المزاج وأهداها إلى المولى برويز فألفها ورتبها على مقدمة وثلاث مقالات وخاتمة اهـ كلام الحاج خليفة.
стр. 4809
القريض في فن التمثيل
نظرة تحليلية انتقادية في (مصرع كليوباترة)
تتمة
أرد المؤلف وأبدع أن يصور في انطوان، حمية الروماني، وقد فقد اعز ما لديه في الوجود إذ أضاع شرف القائد في هزيمته الشائنة، ووجد روما ألهته ومعشوقته تحاربه باسم اكتافيوس، فابى عليه آباؤه الضيم، ذلك الإباء الروماني الشهم وتناوشه خبر انتحار كليوباترا الكاذب (الذي يظهر لنا خدعة من كليوباترا نفسها حين أرادت به تحطيمه كي لا ينازعها وهو المقهور فيما تؤمل نيله من إشراكها للظافر العظيم) وسما إذ تلمس كلوما دامية في فؤاد اليائس وما أهول ما يكون المرء آلاما وشجنا ومصابا حين تدهمه الحقيقة القاسية وجها بوجه وتهتك أستار أحلامه. فيرى نفسه شريدا طريدا منفيا مقصى عن بلاده فتفيق دواميه، وتنهل مدامعه، فهو بائس حزين! وتقفى الشاعر هذا المنوال في إظهار وله القيصر المنكود الطريد، بسالبة لبه ورشاده فغدق عليه أبياتا متموجة وأشاده:
صفحا كليوباترا! فربت زلة ... قد كنت تغتفرين حين أراك!
لما لقيتك في الجمال وعزه ... قهرت قواي الظافرات قواك
فنسيت في واديك ذكر وقائعي ... وسلوت أيامي بيوم لقاك
سجدت لأعلامي الصوارم والقنا ... وابن مهند لحظك الفتاك
قدت الجحافل والبوارج قادرا ... مالي ضعفت؟ فقادني جفناك!
أخرجت أمري واختياري من يدي ... وتركتني نفسا بغير ملاك
خلت السلامة في نواك فذقتها ... فإذا الكوارث كلهن نواك!!
أبدع تنسيقا وتفننا في حين ازدرى انطوان أي ازدراء وإهانة بل أراد نزله، حين الصق به، في هذه الأبيات (خروج أمره واختياره من يده) ثم حاول أن يثبت عصيانه روما، في حين انه لم يعصها، وإنما خلافه لاكتافيس، وأرث يوليوس قيصر هو الذي جر عليه هذه المشاكل، وكفى أن خصمه اكتافيس
стр. 4810
لم يسعه سوى ندبه حين بلغه خبر انتحاره. . . وأبن فيه (حليفه ورفيقه في الإمبراطورية، الذي طالما تحمل معه المشاهد والمعارك) وذلك حين
عرض على جميع القواد رسائل انطوان (المملوءة حماسة وحميا) نعم، انه اتبع كليوباترا في كثير من آمالها وأمانيها، وخضع لإشارتها في محاربة قيصر على اثباج البحر، وهذا لا ينفي حبه لبلاده ووطنه ولو تركنا التاريخ جانبا وبحثنا منطقيا، لما ارتضينا بما اجتراه المؤلف بل لحكمنا - لو صح هذا المدعى - بانفضاض قواده عنه حينئذ ولربما ألحقوه بيدهم وأثابوه مآل يوليوس. ولسنا نخال شوقيا يندفع في تبرئة صفحة كليوباترا من حيلتها في هذا الإرشاد المضل (لأنها فكرت في الهرب، بعد أن بذلت كل شيء من جهتها ليس لتزكية النصر وإنما لتضمن الانهزام السهل، حين تنضب الحيل) وان اخذ علينا أستاذنا لبلوتارك، وادعى ذبذبة المؤرخ واحتكامه للقوة في تأريخه، فهل يدفعنا هذا القدر إلى إقامة التأريخ على أسس الحدس والتخمين، أو على مشيئة الأميال الوطنية كما نراه في ذيل روايته في (النظرات التحليلية)؟
تفنن شوقي وقد وقف كليوباترا على باب اليأس تسعى إلى تبابها حثيثا فأرانا منها صورة امرأة، جميلة فاتنة، عاكسها القدر فاخفق حيلها وحاصرها فكسر قناتها وكأن الزمان أبى إلا استرداد ما غدقه عليها من نعم وأطايب أو لعله طلب الانتقام منها، لأنها استعملت رخاءه عليها، في انتهاج الشر والخطايا. وقد أصاب الشاعر حين وصفها، في حين لم يرد:
. . . أنثى أفنت العمر بالهوى ... بهيمة اللذات والشهوات!
وأجاد في تصوير حاسيات المرأة الفخور بجمالها، وضرب على عود الضعف وانك لتشعر بموجات الغضاضة والألم، تجتاح عواطف كليوباترا وهي تحاول اجتياز مضيق الأبدية، وقد جثت أمام تمثال إيزيس وأفلتت التأوهات:
اليوم اقصر باطلي وضلالي ... وخلت كأحلام الكرى آمالي
وصحوت من لعب الحياة ولهوها ... فوجدت للدنيا خمار زوال!
وتلفتت عيني فلا بمواكبي ... بصرت ولا بكتائبي ورجالي
وطئت بساطي الحادثات وأهرقت ... كأس وفضت سامري ونقالي
стр. 4811
إيزيس! ينوبع الحنان تعطفي ... وتلفتي لضراعتي وسؤالي
أنت التي بكت الأحبة واشتكت ... قبل الأرامل لوعة الارمال
أني وقعت على رحابك فارحمي ... ذل الملوك لجسدك المتعالي
هل تأذنين بان اعجل نقلتي ... وأحث عن دار الشقاء رحالي
وعلاك ما ادع الحياة جبانة ... أو ضيق ذرع أو قطيعة قال
أني انتفعت بعبقري جمالها ... وتمتعت من عبقري جمالي
بنت الحياة أنا وتشهد سيرتي ... ما كنت من أمي سوى تمثال
منها تناولت الرياء وراثة ... وأخذت كل خديعة ومحال
وقسوت قسوتها ولنت كلينها ... وأقتست في صدي لها ووصالي
ولربما رشدت فسرت برشدها ... وغوت فأغوتني وضل ضلالي
ولمس تلك الأوتار الهائجة في قلب المرأة الغاوية، وهي تحول أن تنتزع روحها بيدها باختيارها، فتفقد بها تيهها وجمالها وهي ميزتها على أترابها في مشاركتها للرجال، فأرسل صرخاتها الأليمة للموت، تستعطفه للرفق بروائها وبهائها، وتستدر أعطافه، وأكد لنا بلوتارك، إنها اختبرت فعل جميع أصناف السموم القاتلة، وجربت لدغات الأفاعي السامة، في أناس كثار امامها، كي تعلم أي القواتل ارحم لجمالها الفاتن وأخف إيلاما وارأف لأنوثتها البضة. وبعد عدة تجارب يومية (اكتشفت أن لدغة الصل، هي الوحيدة التي دون تشنج ولا تمزيق، تبعث الخمود والكرى يتلوهما خضل في الملامح، فوهن متتابع في الحواس، يقود إلى ميتة هادئة. وان الملدوغين به يشبهون الغرقى في نوم عميق وقد أزعجوا إذ أريد إفاقتهم ونهوضهم).
يا موت! لا تطفئ بشاشة هيكلي ... واحفظ ظواهر لمحتي وجلالي
يا موت! اطف بالروح واسرقها كما ... سرق الكرى عين الخلي السالي
حتى أموت كما حييت كأنني ... بيت الخيال ودمية المثال
وكأن إغماض الجفون تناعس ... وكأن رقدتي اضطجاع دلال!
سر بي إلى انطونيو في نضرتي ... ورواء جلبابي وزينة حالي!. .
стр. 4812
لقد أرادت أن يكون (إغماض الجفون تناعسا) ولا غرو فبين الردى والنوم نسبة وقربى، ولم ترد أن يمحى اثر جلال جمالها في كل حين حتى حين إمعان روحها في اللانهاية، انتحرت كليوباترا حين رأت أن حيلتها لم تعبر على اكتافيوس، فإنها تخيلت أسره بقواتل لحظها، كما أسرت قبلا قيصر الرومان فرأت من ازدرائها لجمالها ما آلمها وأمضها ثم سنح
لها مكرها ودهاؤها ففضحت تحايله عليها في شروطه، فحذرت أن عقباها قد تكون كعاقبة المدعية سلالتها زنوبيا مع اورليان، فتقاد إلى روما مكرمة ذليلة، وتكون هدفا لزهو انتصار اكتافيوس، وكيف ترضى وهي (بنت الحياة) وقد تعلمت منها المراوغة والرياء أن يلاقيها هذا لشنار، فاهتفها شوقي في مواقع عدة صرخات قد لا تشك في إنها مرت بخاطرها في دقيقتها العسيرة:
يا موت! أنت احب أسرا فاسبني ... لا تعط روما والشيوخ عقالي!
سطت روما على ملكي ولصت ... جواهر أسرتي وحلي آلي
أأدخل في ثياب الذل روما؟ ... واعرض كالسبي على الرجال؟
وأحدج بالشماتة عن يميني ... ويعرض لي التهكم عن شمالي؟
وألقى في الندي شيوخ روما ... مكان التاج من فرقي خالي؟
وأغشى السجن تاركة ورائي ... قصور العز والغرف الخوالي؟
وتحكم في روما وهي خصمي ... وتسرف في العقوبة والنكال؟
يراني في الحبائل مترفوها ... وقد كان القياصر في حبالي!
يحاول قيصر من المحا ... ل ويذهب في غير وجه الطلب
يريد ليعرضني في غد ... على شعب روما كأني سلب
ويفضح روما وسلطانها ... وتاج العصور وعرش الحقب!
ويعيد شوقي مزية الجندي الروماني لانطوان بعد أن حاول إفقاده إياها، في
стр. 4813
هذه الأبيات الرائعة:
اسر؟ وهمت كليوباترا! أتظفر بي ... أيدي الكماة وفي كفي أظفار؟
لو قلت قتل، لكان القتل أشبه بي ... كأس المنايا على الأبطال دوار!
الحرب تعلم والأيام تشهد لي ... أني شديد على الأقران جبار!
لو كنت شاهدتي والحرب جارفة ... والصف تحتي بعد الصف ينهار
قد جن تحتي جوادي فهو عاصفة ... وجن نصلي بكفي فهو إعصار
رأيت حملة صدق غير كاذبة ... لا السيل يحملها يوما ولا النار
لما صدمت جناحيهم وقلبهمو ... عن الخيام وعن أوكارهم طاروا
ولكننا نأخذ عليه ما اعتدنا صدوره في شعره، فقد استقى بعض أفكاره من معدن آخر حين يتناول في البيت الثالث مثلا روح المتنبي في بيته الشهير كما تتسيطر في الأبيات الأخرى روح عنترة، التي تكاد تفصح عن نفسها بأجلى دليل لدى ذكر المواقع ثم انه يذهب في البيت الأول إلى تورية بائرة، وتلميح عقيم ممقوت، فيكنى عن الأسلحة بالاظفار، وفي البيت الأخير بالأوكار عن الملاجئ، وهو شيء غير خليق بروح العصر، بل بروح هذه الفاجعة الفذة في حين انه أبدع في تشبيه جنون جواده بالعاصفة القالعة (وجنون) نصله بالإعصار الذي لا يبقي ولا يذر، وهذا ما يتخيله المرء من باب المجاز، ويكاد يحسبه واقعيا حين يشهده في موقعة وان تفننه وبلاغته في جميع هذه الخواطر متراصة متعانقة بعضها لبعض ليغفر له القصور والزلل فيها، ولكن ها أن روح البدوية تعاوده ولا تزال تنتفض في الأبيات التالية على قدر زهيد في حماسة وافتنان:
ذريني أعبئ للقتال كتائبي ... فلي في غد شأنان في البر والبحر
ذريني أهيئ للأحاديث في غد ... فإن غدا يوم سيبقى على الدهر
ذريني أزد تاجيك غار وقائعي ... واقرن بثعبان جلالهما نسري
ولست أخاف الدارعين وإنما ... أخاف فجاءات الخيانة والغدر
وليس كمين الحرب ما أنا هائب ... ولكن كمين الغدر في ظلمة الصدر!
ويأخذ اليأس انطوان على اثر إيحاء كليوباترا بموتها فيعمد إلى الانتحار فينادي
стр. 4814
خادمه الوفي ايروس (الذي وعده أن يجهز عليه حين يأمره) ولكن هذا العبد الشهم يقتل نفسه فداء سيده ومليكه فيثني عليه انطوان في حرقة وهو ما ينقله الشاعر تقريبا عن بلوتارك:
اوروس عفوا! قد ذهبت ضحية ... وجنى عليك ترددي الممقوت
فعلمت مني كيف يجبن قيصر ... وعلمت منك العبد كيف يموت
وقس على ذلك سائر مجاول هذه الفاجعة الشعرية مما يخفق ظنك أن تراها موسومة بطابع شوقي المعروف لدينا ولا اكتمك إنها أبانت لنا من خلالها شخصية وصفات أخريات له ما كنا نشعر بها لولاها وهاك هذه الأبيات تستطلعها:
انوبيس:
زعمت ابنتي الموت شخصا يحس ... وعظمت من خطبة ما صغر
وما هو إلا انطفاء الحيا ... ة وعصف الردى بسراج العمر
وليس له صورة في العيو ... ن على قبح صورته في الفكر
إذا جاء كان بغيض الوجو ... هـ وان جيء كان حبيب الصور
كليوباترا:
إذن هذا الرقط في ذمتي ... فصنها واحسن عليها السهر
واقسم لتأت ألي بهن ... ولو أن دوني الظبا والسمر
انوبيس:
يمينا بازيس احملهن ... إليك ولو في سلال الخضر!
إذا بات في خطر تاج مص ... ر سبقت إليك بهن الخطر
وإذا أنت تطلب مثالا آخر لتهدئ من ثائرتك وتصدر حكمك فتشاركني أم تناقضني - وأني لأخالك في جانبي تهللها - لا أتباطأ أن أمدك بشيء وأهديك إليه فلست أود الاستئثار بالحكم والانفراد بعواقبه فهاكه من محاورة انطوان:
انطوان:
ردي على هامتي الغار الذي سلبت ... فقبلة منك تعلوها هي الغار
كليوباترا:
стр. 4815
اليوم تعلم روما أن ضرتها ... تقلد الغار من تهوى وتختار
واليوم تعلم روما أن فارسها ... جيش بمفرده في الروع جرار
انطونيو سيدي هل نحن في حلم؟ ... أسالم أنت؟ لا أسر ولا عار؟
وهاك أيضاً أبياتا آخر:
حابي:
لم تأت حتى جاء في آثارها ... للحب أجنحة بهن يطار
ويقال بل أخذته تحت شراعها ... ونجا به فلك لها محضار
تجري الرياح بما تشاء قلوعة ... ويسير في طاعاته التيار
ويقال غضبان عليها عاتب ... ويقال بل حنق الفؤاد مثار
وعلى صفاء العاشقين سحابة ... وعلى سلام الصاحبين غبار
آلي واقسم لا يرى في قصرها ... حتى يقوم مجده المنهار
إن البلاء اجل من ألا يرى ... ديون: عجب أتخفى في الهشيم النار؟
حابي:
انطونيو منا بأقرب ثكنة ... يدعو من الرومان من يختار
ويعد اهبته ليوم حاسم ... في البر يغسل عنه فيه العار
ويكون ميدان الرحى ومدارها ... تلك التلال وهذه الأسوار
فهناك خاتمة الصراع وموقف ... أما الدمار به وأما الغار!
ولا اكتمك أن اظهر شيء في مجال القصة وصف شاعرية الخلود المتدلهة الحسناء إذ تفتكر في قرب المنية العابسة وزوال الترف والنعيم والدلال وتيقنها بملك الأبدية ناشرا جناحيه مرنقا فوقها فجزعها كالوالهة الثكلى على حسنها الرطيب أن تمتد له يد السوء القاسية. . . ويسمو شوقي حين يصرخ كليوباترا في جزعها واضطرابها مستجيرة بالموت أن يرحم غضارة جسدها ويبقى على
. . . نضرتها ... ورداء جلبابها وزينة حالها
بل ذهب إلى ما فوق ذلك حين طلبت أن تكون ... . . . رقدتها اضطجاع دلال!
стр. 4816
فنحن إذن نستشف خلو الأبيات من التصنع والتكلف والتجمل التي تفسد عليه روائع ديوانه وتكشف لنا روحا جديدا له، نود من كل فؤادنا أن تلازمه في أشعاره، فتظل ظاهرة فتانة كما عهدناها هنا، وتنقشع تلك السحابة القاتمة التي عرفناها تعكر جو سمائه وبذا نستطلع قليلا ضياء شمسه. ولا ننكر أن هذه الفاجعة المبتكرة أعجبتنا بما حوت من أفانين وإبداع وسلاسة وقد زادها حسنا ورواء انه لم يتقف فيها قافية واحدة ولا لزم بحرا واحدا بل ذهب إلى إبدال القوافي والبحور على مدار القصة بل ذهب إلى اكثر من ذلك إلى إبدالها أيضاً في معرض ترسل اكثر الأشخاص. فأظلها طلاوة وروعة ودفع بالإملال الذي كان سيراوحها حتما. وهذا المبتغى والطلب في الروايات التمثيلية الفنية البديعة.
والآن لنقف الاسترسال عند هذا الحد من بحثنا في روائع الرواية ولنعرض بالفحص هنيهة بعض مسائل (النظرات التحليلية) أو بالحري لما أراد من صبه من تاريخيات في ذيل القصة. فان الفاجعة أولا من حيث هي قصة تمثيلية شعرية لا يراد بها سوى تدوين حادث،
وإعادة ذكرى ملكة عظيمة توجت على ديار مصر نيفا وعشرين عاما وأسرت ببهائها وروعة جمالها ملوك وأمراء العالم المتمدن، وعاصرت اعظم عظماء الرومان لخليقة بكل مدح وثناء. ثانيا: - من حيث جودة تنسيقها ووقائعها وفصولها لا تقل قيمة في عرفنا عن كثير من الروايات الغربية العصرية، أما من حيث شعرها وتعابيرها فقد أرسلنا سافا قولنا الفصل فيها. . . إنما من حيث هي رواية تاريخية، وهنا نقطة الضعف، يراد بها محض دعم حوادث (تاريخية) وتأييد نظرات وطنية وخواطر تاريخية فمن العبث القول إنها على صواب. وكفانا تأييدا لنظريتنا أن نلقي نظرة عجلى على (النظرات التحليلية) - أو بالأحرى التخيلية - فنجد قضايا توهمية عدة لم يرد بها الحشو لتلطيف الرواية وإذكائها وسد فجوات عسيرة مما يجملا أمام جمهور النظارة والقراء، وإنما ابتغيت لتأييد ظنون تاريخية شيدت على الحدس والتخمين وعصفت بها الحاسة الوطنية المضلة، فأخفقت مسعى وبينة.
стр. 4817
ونكتفي بإيراد وتفنيد أخطرها، إذ ليس من العقل والتبصر أن نقنع ونذعن إزاء تمور تخالف عقيدتنا أو بالأحرى تناحر فن التاريخ ووقائعه الفاصلة فليس من حياء في الدفاع، كما لا حياء في الدين!
إن أول ما ينالك من صدمات عنيفة، لدى اطلاعك على (النظرات التحليلية) ولع شوقي بإثبات (مصرية) كليوباترا وتوطيدها، زعما أن قضاء ثلثة قرون في مصر قد أحال دماءها اليونانية إلى مصرية بحتة، عن طريق التزوج فهذه لا تدعمها وثائق تاريخية. والتباني بعائلتها شهود بحقنا، وعنه ينتج لأمراء حفظ كثير من الدم النقي المقدوني في أقنية العائلة. ولنا بها ذاتها برهان بين. ألم يكن الشرط (أن تبني بأخيها الأكبر وتتولى العرش معه)؟ فهي إذن متمصرة لا مصرية، وإننا لا ننكر قط نقاءها من دم مصري، بل نعترف له به بكل خضوع وتواضع، ولكن ادعاء بحوتته يقضنا ويضحكنا معا فمهما حاول ودافع صاحب المصرع في تأييد فكرته عن طريق البلاغة والفصاحة فلن يفلح فيه. فلا التاريخ لهو لاه، ولا تبع مشيئة كاتب، ولا رهن إرادة شاعر يستهان به تبذيرا وما هو سوى ما أبرمته الحوادث وخلقته الأيام لا ما أريد وقوعه وقد سبرت أجيال. . . وان شوقي ليدعي في هذا المكان كادعاء بعض عجاف العقول من السوريين واللبنانيين، اعتباطا وجهلا، وتشبثهم بالعروبة - وما هم منها على كثير - وهذا فحش وشطط مروع من جهتهم،
فالسوريون بوجه الإجمال، واللبنانيون منهم على وجه أخص - وان يكونوا بأجمعهم حقيقة خليط أمم كثيرة - من أنقى الشعوب التي خالطت العرب، وعاشرتها من دماءها، فالأدلة تؤيدنا والتاريخ يثبتنا، وان نقر باحتمال وجود بعض قطرات تافهة في بعض الأسر من أبناء الأقطار الشامية مما لا يؤبه له في التاريخ وفي الحكم العام فالسوري سيئ بمدنيته ومزاجه واصله. والعربي شيء آخر بمدنيته ومزاجه واصله. وكذلك الروماني أمر والمصري أمر آخر. فشتان ما بين ثقافة كل وشتان ما بين مدنية كل، وشتان ما بيم مزاج كل، وشتان ما بين عادات كل، وشتان ما بين منهل كل!!! فيا شاعرنا لا تحاول بل لا تؤمل أن تخلق كليوباترا جديدة (مصرية) من كليوباترا (المقدونية) الأصل (الإغريقية) تهذيبا ونشأة بان
стр. 4818
عيشها تحت سماء مصر، وحسبك قناعة بتمصرها، مما يقرك عليه كل عاقل أريب فالقناعة رأس الفضائل. . . وما إبداعك وتحليقك الخيالي بعذيرك!
وقد يفجؤك أيضا، فيريد اغرارك بعفة كليوباترا، ولا أخالك تفوتك تلك المتناقضات والتذبذبات في حكمه عليها أثناء وقت الفاجعة ذاتها أو ما كفاه أن أمر على شفتيها إقرارا رهيبا، في ساعة انتحارها:
بنت الحياة أنا وتشهد سيرتي ... ما كنت من أمي سوى تمثال
منها تناولت الرياء وراثة ... وأخذت كل خديعة ومحال
وقسوت قسوتها ولنت كلينها ... وإقتست في صدي لها ووصالي
ولربما رشدت فسرت برشدها ... وغوت فأغوتني وضل ضلالي
ووجدتها حبا يفيض ولذة ... فجعلت لذات الهوى أشغالي
أما في هذه إثبات (منه) لما حاول نكرانه وجحوده؟ أما فيه البرهان الحسي الذي لا يطرد على اضطراره لإبرازه بتمثالها الحقيقي؟ وكيف يسعنا أن نسألك وهذه سيرتها تقابلنا كما درسناها في المدرسة، وكما ألفناها وعرفناها في التاريخ الجدي. . . وهات امرأة تتسكع وتتخبط في كل حين من ذراعي رجل إلى ذراعي آخر. ولم تترك لشهواتها وملذاتها البهيمية منزعا، فنصفها بملك طهر وعفاف!. . . إذن ماذا نقول عن هاته النسوة اللاتي يقضين الحياة في خدمة الله والقريب ويضحين بالغالي والنفيس حبا لمرضاته تعالى ولا يعرفن رجلا طول عمرهن؟ بل ماذا نقول عن امرأة ذات بعل لم تحد قط عن جادة
الصواب قيد شعرة ولم تعرف سواه؟ فهل من سبيل لمضاهاتهن لتلك البغي العاهر وتسويتهن معا في مرتبة الشرف والعفة، ألا والله ماذا نحن فارقون؟ وما الميزة إذن يا صديقي، بين حياة قصف وخلاعة وحياة تقشف وورع واستقامة إذا كان مآل الحكم واحدا والنظرية سواء والاعتبار متجانسا؟ افتنا أيها القارئ أمنطقيا أأدبيا، اإنسانيا قضية تحليل عفتها؟ سيرتها المخجلة واضحة، العفة والوقار لم تعرفهما، بل تنقلت من عناق رجل إلى سواه، والحق نقول أن لو تمكن جمالها أيضاً من أسر اكتافيوس - لتغير وجه التاريخ بكماله - ولعادت تلك الرقطاء بأجمعها تسعى إلى غرورها وزهوها وفتنتها وفجورها وعهرها كبدئها
стр. 4819
وأسدلت ألف ألف ستار على انطوان التعس، كما أسدلتها من قبل على يوليوس قيصر وسواهما. وكما أمر المؤلف على شفة اكتافيوس:
لعبت بانطونيو ويوليوس حقبة ... كما جاء بالمسحور أو راح ساحر
ولكن قيصر ولكن قيصر لم يكن بالغر الأبله، فأرادها شارة لنصره، لا متاعا للشهوات الدنيئة، وأحست اللبوة بنزعته، فحملها كبرياؤها وحبها لعرشها المزلزل على الانتحار. . . فعلى شاعرنا أن حاول تبرئتها من عار فجورها، فالتاريخ لن يخدع نفسه، وقد لفظ صاعقة حكمه، وأثبته وسيثبته على المدى قاسيا مرا، يدعمه بأقوى حجة دامغة هي: سيرتها المتهتكة!
ويذهب شاعرنا إلى تبرير فرارها من المعركة كل مذهب ويحاول جعله بمثابة حياد، مكتتمة مقاصده وذلك زعما بكرها إلى الميدان، وقد نهكت اكتافيوس، فتضربه الضربة القاضية ولكن أين هي؟ ضاعت المعركة وهي ساكنة كأن لم يبلغها خبر؟ أليس في هذا عار وشنار؟. . . ويريد أيضاً الدفاع عنها، في إنها لم ترسل الخبر القاتل الى انطوان بانتحارها. . . ولماذا؟. . . ولماذا لا تستحل كليوباترا هذا المسعى، كما استحلت من قبل مآتيها المخجلة الفظيعة مع سواه؟ وهل لعاهر أي رادع خلق يصدها عن الشائنات؟. . . وان أراد إفحامنا ببكائها وعويلها على ضريح انطوان، فلأنها علمت، كما اشرنا، انها فقهت معنى شروط صلح قيصر، فوازنت بين الكفتين، وعلمت أي هفوة شتيعة ارتكبت فانتحرت.
ثم يذهب إلى اضطرارها انطوان أن يظهر أمام جنوده وقواده الرومانيين بمظهر المتأفف
من روما. ولو كان ذلك - وكما أسلفنا - أما تعتقد وتوافقني لما سكتوا له، ولا ذاقوه كأس منيته صرفا، ولو بين ذراعيها البضتين. فأنت تعلم مثل ما مثل الرومان الشهم ليرضوا بإهانة وطنهم، وخيانته إمامهم ومن قائدهم الأعلى!.
وأراد صاحب المصرع أيضاً أن (يمصر) انطوان، كما مصر كليوباترا، لكنه هنا كان تمصيرا مجازيا، إذ أرسل جواباً على لسانه، متمما إهانته السابقة لبلاده: -
بل وزدت أنني مصري. . .
стр. 4820
ونحن في هذا الموقف نعذره، إذ نرى انه لم يرد (التمصر) الصريح، ولعل إيراده لهذا القول هو من باب حشو الرواية. وهذا جائز.
ونكتفي فتقول أن النظرات التحليلية التي ذيلت بها القصة لهي من شر المضحكات المبكيات، إذ يظهر بها الإقرار العجيب على تشييد عواطف ومشاعر كليوباترا وعفتها ووطنيتها طبقا لمجرى الشعر لا على الحوادث الراهنة، فما أعجبه تاريخا يكون على الشعر، لا شعرا يبنى على التاريخ الصريح! وألف رحمة لك أيها التاريخ فليتك لم تكن كي لا تغدو العوبة أفكار وغايات أهواء وتخرصات!
ويا ليت شاعرنا تدبر ولم يحكم عواطفه الثائرة في حادثات الأجيال. فما العواطف بالتي يستكن إليها في هذه المسائل ولا سيما وهي وطنية، بل يا ليت شاعرنا اكتفى بنسج بردة فاجعة - كما سبقنا أيضاً فأشرنا - من حيث هي قصة لا غير، يراد بها مجرد التاريخ لا تأييد للتاريخ (وللتأريخ التخيلي). وليته لم يعد للأذهان ما حدث في أوربا العام الفائت حين أراد روستان الابن إعادة ذكرى ولد نابليون الثالث، إذ ألقى تبعة مقتله على الملكة فكتوريا والحكومة الإنجليزية وهي ليست على شيء منه. ولعمري أن لولا تناقضاته غير التعقلية، لما كان أيضاً هنالك من اعتراض، ولم يكن لها شيء عدا ما أوردناه في بحثنا في تركيبها وشعرها، وهو ليس بكاسف زهوها وجلالها.
وإننا نأمل أن يتحاشى فيما يؤمل بعثه من قصص تمثيلية أخرى - كما بلغنا - مسلكه في المصرع من فسخ ومسخ ابتغاء تأييد قضية زعمتها مخيلته أو أبطال اعتقاد رفضته عقيدته، ففن القصص ارم والتاريخ أمر آخر. ونحن لا ننكر أن ليس من رواية تمثيلية أو قصة مسلية دخلت بين تضاعيفها تاريخيات، بل نشرت على إنها تاريخية لم تشوه حقيقة
وقائعها أو بعضها ولم يماطل فيها شيئا لا بأس به من حشو ونسخ ولكن لم يكن مؤلفها على الأغلب يريدها هدفا أو أداة لإثبات ادعاء وتخرصات بل نشد فيها مجرد الذكرى والعبرة.
اذا، فمعاندتنا له ليست عن طريق القصة بحد ذاتها بل لصد غاياته وترهاته
стр. 4821
المقصودة فيها فمن الحمق والغباوة الاعتراض على عبر أرسلت قصصا مهما نال التاريخ فيها من تشويه وتجريح - ما لم يقصد فيها دعم الباطل - فالمبدأ إذا نقاتل لا الفاجعة ذاتها، ونحن ما كنا لنقف منه وقفتنا هذه الإعتراضية لو لم يفض شوقي ويقر إلى أحد محرري المجلات بمقصده التحريفي بغية في وطر نظريته ودفاعا عن كليوباترا المضطهدة في عرفه، ثم ما رأيناه أيضاً في النظرات التحليلية التي ترمي بكل ما فيها من قوة وعزم ومضاء في تحليل مذهب المؤلف وأعذار تذبذباته الكثيرة وتلونه العجيب الذي لا يدانيه تلون الحرباء. . . ولكنها صرخة منه جوفاء في وادي الوقف على مجرى التاريخ!
وعليه نختتم الفاجعة التي أخرجتها لنا قريحة شوقي - بغض النظر عن مراميه - لهي دليل ناطق على نهضة جديدة في عالم الأدب العربي، وإنها دون منازع ولا محاباة أروع قصة تمثيلية جادت بها قريحة شاعر توا في العربية في نجاة من وطأة غربية، ولهي تقصارة لألأة في جيد الآداب العربية الناهضة، بل أروع الرموز في نهضته، وإننا نأمل أن تكون فاتحة مباراة بين شعرائنا، ودعوة لهم للجري وراء ارتقاء العربية المطرد، لا وراء السراب الخداع، وزيادتنا مما لا طائل تحته، فتحقق بذلك الآمال الذهبية وحبذا بوادرها في القريب العاجل، وأنا لجهودهم بارتقاب!
فإلى الميدان أيها المتنافسون!. . . إلى الميدان المنصف!. . .
بركات (السودان): ميشيل سليم كميد
الكرباسي
في لغة العرب (٨١١: ٧) الكرباهي، والصواب الكرباسي، نسبة إلى محلة كرباس بهراة.
محمد مهدي العلوي
اعتذار
في حاشية ٢١٣: ٨ سبق قلم بعمق الأستاذ المعروف بهجة أفندي الأثري، وقد تحققنا أن
ليس في كلامه ما يخالف الأمانة والثقة وعزة النفس وكذلك ليس فيه سرق اجتهاد مجتهد ولهذا حسن التنبيه عليه.
стр. 4822
صفحة من تاريخ أسر بغداد
بيت عراقي قديم
محمد نظمي البغدادي والد مرتضى أفندي المشهور بنظمي
زاده
٢ - إن الآداب واللغة لا تقوم لها قائمة ما لم تتكاتف المواهب لترقيتها وان استخدام الأقوام الأخرى لهذا الغرض مما يزيد في نموها وتكاملها كما وقع ذلك فعلا في اللغة العربية إبان نهضتها وفي كثير من لغات اليوم. لذا نرى عصور التدهور والانحطاط ألحقت كل الخسارات بهذا القطر فجعلت أبناءه آلة لغيرهم في خدمة آدابهم ورعاية شؤونهم العلمية والإدارية حتى نفذت في مناهج الأمة كافة فكانت هذه الوجهة شديدة الخطر على الآداب العربية إذ صار أبناؤنا يخدمون لغة الأغيار وعادت مواهبهم تصرف لمنفعتهم.
وقد رأيت أيها القارئ جماعة ممن خدموا آداب غيرهم فضلا عن انتهاج سياستهم فصاروا يعدون من أكابر الأدباء لديهم مثل الشاعر فضولي وروحي البغدادي وأمثالهما كثيرون. ومنهم مترجمنا محمد نظمي أفندي، وهذه صدمة قوية زعزعت من أركان اللغة العربية.
كان العرب يجذبون إليهم الأقوام الأخرى ويستخدمونهم لمصالحهم العلمية والأدبية والصناعية والسياسية. والشواهد على ذلك كثيرة بحيث يعسر إحصاؤها بل يستحيل. ولكن من أمد غير يسير انقلبت الحال وعكست القضية فصارت مواهب العرب مصروفة إلى مماشاة رأي الحاكمين ومراعاة رغباتهم وترويج مطالبهم، فكأنهم خلقوا متاعا لغيرهم.
كاد يقضى على الأدب العربي بزوال حماته والقائمين به فانحط إلى الدرك الأسفل وأوشك أن يمحي أثره لولا البقية الباقية من كتب الأدب، ولولا المدارس الدينية والشعائر الإسلامية وتكرر تلاوة القرآن الكريم ورسوخه في
стр. 4823
الأذهان. . . ومع هذا بقي الأدب عاميا أو أرقى من العامي بقليل، أو محصورا في فئة معينة.
فالمترجم نظمي أفندي كان معروفا لدى الأتراك ويعد من أفاضل أدبائهم، فلا يعرف
مرتضى أفندي إلا به فيقال (نظمي زاده مرتضى) أي مرتضى أفندي آل نظمي فشاعت لفظة زاده عوض آل فاتخذها أبناء العرب في العهد التركي شعارا لعلو المنزلة وشرف الأسرة، فهو أديب. ولكن ماذا يستفيد الأديب من أدبه في ذلك الحين؟ فغاية ما كان حصل عليه (كتابة الديوان) وهي من أكبر الوظائف القلمية آنئذ ولا تسلم لأحد ما لم تكن له مادة غزيرة تؤهله ولم يحصل على اعتماد في أمانته بحيث يكون موطن الأسرار. وقد نال شهرة في آدابه وتبين فعلا إخلاصه وصدق طويته كما يأتي قصص ذلك.
ومهما كان الأمر فالعربية خسرت مقدرة آدابه بتوغله في الآداب التركية. وأضاف هو أيضاً إلى اللغة التركية أدبا جما وتجددا باهرا باطلاعه الواسع على اللغتين العربية والفارسية.
إن المؤرخين - نظرا لما عرف واشتهر من أحوال مرتضى أفندي المؤرخ العراقي - حاولا إيضاح ما خفي من أصل أسرته فتضاربت آراؤهم في البحث عنه. وكلها من تعد الحدس والتخمين، فهي ظنون وأكثرها أوهام. وهذا نص ترجمته منقولة من كلشن شعرا الذي سبقت الإشارة إليه حول هذه الترجمة وهي:
(إن محمد نظمي أفندي هو ابن بنت عهدي البغدادي. توفي في الليلة الرابعة من رمضان المبارك من سنة ١٠٧٤ وقت العشاء، وكان ولد سنة ١٠٠٢. ولما بلغ السن التي تؤهله للتحصيل سلك طريق أجداده الاماجد وبذل مجهوداته لاكتساب العلوم ومجالسة العلماء والظرفاء وبهذا قضى غالب أوقاته ومعظم أزمانه.
وكانت الرغبة ذلك الحين مصروفة إلى الشعر ولعض العلوم المألوفة فمال إلى ذلك حتى تمكن من قرض الشعر ونالت أشعاره مكانتها من الرقة والعذوبة حتى تكون لديه ديوان شعر. ومال بكليته إلى التحرير فامتلك القلوب ببلاغته واخذ بمجامعها في حسن نياته.
وبينما هو في هذه الحالة من رغد العيش وهنائه مع أبناء وطنه وأحبائه في
стр. 4824
راحة وطمأنينة إذ فاجأ عصيان من قبل (بكر صوباشي) أدى إلى استيلاء العجم على بغداد زمن (الشاه عباس الصفوي المتوفي سنة ١٠٣٨هـ) فتبدل هذا النعيم بالشقاء وتلك الراحة بالعناء فلم يطق البقاء على هذه الحالة ولم يرافقه هذا التغير في الحكومة فترك ممتلكاته من أموال ودار فذهبت نهبا واتخذ القول المشهور (الفرار مما لا يطاق من سنن الأخيار) فاختفى
بادئ بدء نحو خمسة أيام أو ستة ثم بدل أثوابه وغير كسوته ولبس لباس الدراويش واخذ أمه معه فتوجه نحو الحلة وكربلاء فكانت هذه له دار الأمن والأمان.
عاش هناك عيشة الدراويش وصار في حيرة من أمره لا يدري ماذا يصنع فارتبكت حالته وساءت، ولم تمض مدة طويلة حتى ورد الوزير الأعظم حافظ احمد باشا لإنقاذ بغداد من أيدي العجم فلما علم بذلك وكانت بينه وبين المشار إليه معارفة قديمة جاءه وامتدحه بقصيدة رنانة بين فيها ما جرى عليه في نكبته وما لقيه من الغربة وما عاناه، ولم نر في نفسنا حاجة إلى سرد مطلع هذه القصيدة وإنما غاية ما يفهم فحواها انه صدرها بغزل وجعله براعة استهلال، ثم وصف في أثناء المدح حالته فبين أن ظاهره ينبئ عن مكنون سره، صار متشردا في الطرقات والبراري، فتارة يقال: مجنون، وطورا تقذفه الصحاري فيلجأ إلى الوهاد، وقد اخضلت الأرض بدموعه التي هي كالسيل المفعم. وانبتت الأعشاب فالديار تتقاذفه ويكاد يحترق بنار أنينه ولهيب اهاته، يحسب مرة أن العدو ظفر به أو انه جاءه ليقضي عليه لما اختلج في فكره من الوهم وصار يرتعد كأغصان أصابتها الريح. . .
حاقت به المصائب من كل جانب فكأنها من هولها عوسج اكتنفه بحسكه من جميع جهاته. . . واخذ يذكرها الواحدة تلو الأخرى ويصورها ببديع أدبه حتى انه أبدى: لا يدري ماذا يصنع من الاضطراب الذي ناله، وان الأدب حبب إليه البيان وعلمته المصائب أن يبوح بما لقي بتعبير جاذب خلاب. وهكذا لازمه كمال البيان إلى أن مضى بها بين غزل ووصف حالة وبين شكر ومدح. . . وهي تقرب من ستين بيتا. . . ثم انه بعد أن لقي الباشا المشار إليه عاد إلى الحلة تارة أخرى ومنها ذهب إلى كربلاء وفي هذا الوقت لم يتيسر للباشا فتح بغداد
стр. 4825
ولا تمكن من الاستيلاء عليها فاضطر إلى الرجوع بخفي حنين، فلما علم المترجم بالخبر تأثر كثيرا، ولذا اختفى أيضاً وتكتم في الذهاب إلى البر فسلك طريق الصحراء خائفا، فوصل إلى الرها بعد أن تجشم الأخطار واجتاز الأهوال فاتخذها مأوى له وجعل سكناه فيها فعدها وطنا ثانيا له وصارت دار هجرته.
وهناك اتخذ له دارا ومحلا معلوما وتعرف بأشراف البلد ومشايخه وعلمائه فصار يجالسهم، وبينا كان مطمئنا وراضيا بحالته إذ سقط يوما من فرسه فكسرت رجله، ولازم داره مدة في خلالها ألف ديوانا سماه (ناز ونياز) وهو بمعنى الفتح والطموح، جعله من بحر المثنوي
مماثلا لما ألفه فضولي من (مجنون ليلى) فأثبته في ديوانه، وهذا غير ناز ونياز الفارسي المذكور في كشف الظنون فانه لمؤلف آخر.
ثم انه بعد ذلك توجه السلطان مراد إلى بغداد لاستخلاصها، ولما وصل الرها استقبله بقصيدة مدحه بها ودعا له فيها بالسفر الميمون.
وأرخها في سنة في سنة ١٠٤٨هـ (١٦٣٨م) قائلا: (مبارك أوله أكان دائما طريق وسفر) وعندما علم أن السلطان مراد قد افتتحها في مدة يسيرة وانه أعاد إليها نظامها وانتظامها وسمع أن المهاجرين صاروا يعودون رويدا رويدا تحرك حينئذ من الرها سنة ١٠٥٣هـ وعاد إلى وطنه القديم بسرور لا مزيد عليه، فحمد الله على الرجوع مع أمه ولم يكن معهما أحد وكان هاجر عنه بزي درويش ناسك ومن ثم صار له من الأهل والعيال والأولاد والمال والجاه ما يغبطه عليه، وتولى بعض المناصب مما يتعلق (بكتابة الديوان) وله آثار حسنة ومناقب جميلة.
وفي سنة ١٠٦٦هـ سافر إلى حج بيت الله الحرام مع والدته وأهله وعياله، وتقدم لزيارة روضة المصطفى (ص).
إن المومى إليه كان فريدا في النظم والنثر وحيدا في عصره باللغة العربية والفارسية، وهو شيخ نوراني جليل، اعتقاده طاهر، ومواظب على الأوراد، قد صاحب شيوخا كثيرين من أرباب العرفان وجالسهم فاقتبس من أنوار حقيقتهم فهو عارف بالسلوك إلى طريق الحق وله اليد الطولى في التصوف وعدا ذلك فخيراته عميمة وحسناته وفيرة يسعى لعمل البر، وفي كل أحواله مراع للشرع
стр. 4826
الشريف وفي أواخر أيامه أي قبل أن يتوفى بنحو خمس سنوات ترك الأشغال ولازم تلاوة القرآن الكريم والأوراد والأذكار.
وفي سنة ١٠٧٤ توفي عن ٧٢ عام، وقد رثاه ابنه وأرخ وفاته (الظاهر انه أخو مرتضى أفندي) بقوله:
كيجدي أول مرحوم حق نظمي أفندي ذو الفنون
دار دنيادن بقادة ايلدي جاي ومكان
عالم أر وأحدن كلدى نداكيم سويلكز
تاريخن (يا رب اجعل بيته دار الجنان) ١٠٧٤
وأرخ أيضاً وفاته سيفي الذي هو من فصحاء الزمان فقال:
جك ايكى ألف سينه يه كيم رسم غرادر
اندن صوره تاريخني (دي نظمى ايجون اه)
وكذا أرخ وفاته غوثي فكان له وقعه: (وفيه تنويه بفضله وبيان لمكانته ومنزلته في النفوس):
اكمل أهل خرد افصح أرباب سخن ... سعدي دور زمان صاحب أخلاق سليم
عارف مبدأ وداناى رموزات معاد ... واصل رحمت ابجار خداوند كريم
إلى أن يقول:
فوتنه سويلدي اخلاصله غوثي تاريخ ... أوله روحي همه جا جنت اعلاده مقيم
ومطلع ديوانه: ١٠٧٤
قد بدا من كأسنا أنوار مشكاة الهدا ... الصلا أي باده نوشان محبت الصلا
جامه مي آتش فروزطوراولور أول عارفه ... كيم ويرر طبعية عسقك انجلا
اهـ.
هذا ما جاء في كلشن شعرا والظاهر أن هذه الترجمة لأحد أبنائه كما أشير إلى ذلك فيما سبق، وقد ذكر له ابنه مرتضى تاريخا منظوما في جامع السلحدار محمد بك فلا نرى في نفسنا حاجة إلى إيرادها هنا بعد ذكر الأبيات الكثيرة له. ومن هذه يتضح أن ولادة المترجم ووفاته معينان وانه لم يذهب إلى بلاد الأناضول في أثناء خروجه من بغداد بسبب تبدل الحكومة. وحين عودته إلى بغداد لم يكن معه أولاد أو أحفاد نظرا للصراحة بذلك من انه رجع
стр. 4827
مع والدته فحسب. . . وبهذا انتفى ما في تاريخ كليمان هوار وزال الخفاء عن هذا الرجل كما انه لم يكن اسمه السيد علي بخلاف ما جاء في سجل نفوس عثماني عن مرتضى انه ابن السيد علي فهذا غير صواب منه، والذي يتبين من ترجمته انه أديب في اللغات الثلاثة وارث لعلوم جديه عهدي وشمسي ومنتهج سلوكهما وانه كان كاتب الديوان. وقد ذكر جملة صالحة من أبياته التركية وكنا نود أن يبين مترجمه بعض أبياته الفارسية والعربية ويا للأسف لم يتعرض لها كما أن المسيو كليمان هوار يقول أبقت الأيام ديوانه ولكنه لم يصفه ولا ذكر محل وجوده لنتمكن من الاطلاع عليه لعلنا نقف على معاصريه
عدا غوثي وسيفي اللذين مر ذكرهما في رثائه. وكان له ولدان وهما:
١ - حسين أفندي. ٢ - مرتضى أفندي المؤرخ العراقي الشهير.
وسيأتي الكلام عليهما في المقال التالي، والله ولي التوفيق.
بغداد: المحامي عباس العزاوي
الاقراباذين وأول من ألف فيه عربي نصراني
الاقراباذين لفظ يوناني معناه: (التركيب أي تركيب الأدوية المفردة وقوانينها) (عن كشف الظنون) وقد ذكرت معلمة الإسلام هذه الكلمة وقالت إنها (من ومعناه التأليف الصغير بعد أن مرت باللغة السريانية (جرافاذين) وقد فسر عيسى بن علي هذه الكلمة بقوله: (رسم الأدوية أو نسق أو مجموع أي ما يسمى عند الإفرنج اه.
قلنا: نحن لا نوافق على هذا الرأي والكلمة اليونانية لم ترد بالمعنى الذي أشير إليه. والذي عندنا أن الكلمة من اليونانية ومعناها التركيب الطبي كما قال في كشف الظنون وقد استعمل هذه اللفظة اليونانية وبهذا المعنى ديسقوريدس في كتابه: (على العقاقير أو على المادة الطبية ٢٠٧: ١) أي بمعنى
وأول عربي ألف في الاقراباذين سابور بن سهل النصراني (عن ابن القفطي ص٢٠٧) وكان طبيب المتوكل ومن جاء بعده من الخلفاء، توفي ابن سهل في ٢١ ذي الحجة سنة ٢٥٥ (٣١ نوفنبر سنة ٨٦٩م).
стр. 4828
الدولة القاجارية وانقراضها
١ - تمهيد
توفي في باريس احمد شاه من ملوك القاجار وأخرهم وذلك في ١ آذار (مارت) فانقرضت به الدولة المنتمي إليها فرأينا من المناسب أن نعقد فصلا لهذه الدولة.
٢ - معنى القاجارية ونسبهم
يرى علماء اللغة الفارسية أن القاجار تصحيف (قجر) بقاف وجيم فارسية مثلثة وراء في الأخر، ومعناها السريع في سيره ويراد بالقجر قبيلة من بادية التركمان كانت كثيرة التنقل في ديار تركستان وكثيرا ما كانت تظعن إلى ربوع إيران المجاورة لها انتجاعا للكلا ثم تعود إلى وطنها فتقيم فيه زمنا. وكنا قد قرأنا في سنة ١٨٩٤ كتابا خطيا لأحد علماء إيران يقول فيه أن القاجار لغة في الكوجر أي المتنقل والراحل بالتركية، وكان الشاه الذي انشأ هذه الدولة من قبيلة تركية متنقلة بادية وكلا اللفظيين يرجع إلى أن أصل الدولة المذكورة من قبيلة بادية راحلة. إلا أن الشائع هو أن القاجار منسوبون إلى القجر القبيلة التركمانية المذكورة التي كان أصل مقامها في أرجاء استراباد.
ويزعم مؤرخو الفرس أن القاجار يمتون بنسبهم إلى قبيلة جلائر الكبرى وهي تلك القبيلة التركية المشهورة في التاريخ وان الملوك القاجارية منسوبون إلى قجر نويان بن سرتاق نويان الذي هذب وأدب غازان خان. وسرتاق هذا هو الذي قتله بايدو زاعما انه كان من حزب غيختو وذلك في سنة ٦٩٤هـ (١٢٩٥م) ويزعم هؤلاء المؤرخون أن القبيلة المذكورة أقامت على تخوم ديار الشام بعد تملك أبو سعيد أو بوسعيد في سنة ٧٣١هـ (١٣٣٥م) ثم أعادها تيمورلنك إلى إيران وفي تركستان أصل منشأها وذلك في سنة ٨٠٣ (١٤٠٠) وكانت إحدى القبائل السبع التركمانية التي أجلست على عرش فارس الدولة الصفوية. والى هذه القبيلة أيضاً ينتمي (شاه قلي قرجي (الحرسي) الذي أوفد مرتين في سنة ٩٦٢ (١٥٥٥) وسنة ٩٧٥ (١٥٦٧) ليتذاكر في أمر الصلح مع العثمانيين
стр. 4829
وقد فوض إليه أمر السفارة.
وفي سنة ٩٩٥ (١٥٨٧م) لاحظ الشاه عباس الأول ازدياد أبناء هذه القبيلة فقسمها إلى ثلاثة أبطن، فأقام البطن الواحد في مرو بازاء الازبك والثاني في كنجة واريوان. والثالث في استراباد في قلعة مبارك آباد التي شيدها فالذين أقاموا في الأعالي سموا يوخار باش والذين توطنوا في أداني البلاد عرفوا باشق باش. وكانت الغاية من إسكانهم تلك الأرجاء حمايتهم ودفع عوائل التركمان الذين كانوا وراء التخوم.
هذا أصل القاجارية على رواية مؤرخي الفرس الذين كتبوا ما كتبوا تزلفا من الدولة المالكة وخوفا من سطوتها وبطشها يوم بلوغها إلى عرش الاكاسرة والذي عندنا أن وصل نسب القاجارية بالجلائرية، مشكوك فيه كل الشك إذ لم نجد له أثرا في المؤرخين الذين دونوا الأخبار قبل تسلم القاجارية غارب المملكة ولهذا لا نوافق على تلك الرواية الضعيفة إلا إذا جاءنا أحدهم بنص قديم صريح يثبت هذا الرأي. وسوف ننتظره سنين عديدة مديدة ولعل عينينا لا تقعان عليه أبدا.
٣ - ملوكهم
كان فتح علي خان ابن شاه قلي خان ابن مهدي خان ابن ولي خان ابن محمد قلي وكان من أمره انه وضع يده على استراباد ليثأر دم أخويه وفي سنة ١١٣٥ (١٧٢٣) حارب الأفغانيين الذين حاصروا اصفهان وهو على رأس ألف فارس فوشي به عند الشاه حسين انه طموح فعاد إلى دياره وترك الشاه الصفوي يتقلى على جمر الغضا الذي أضرمه الأفغان. ثم دعاه أهل الري ليدفع عنهم غائلة العدى من الأفغان الذين كانوا في إبراهيم آباد بقرب وراوين لكنه لم يوفق فعاد إدراجه إلى مازندران ليخدم الشاه طهماسب، وفي زحفه إلى المشهد قتل بأمر نادرشاه في ١٤ صفر ١١٣٩ (١٢ ت١ سنة ١٧٢٦).
وحاول نادرشاه أن يقتل ابنه محمد حسن خان وكان يتأثره ففر هذا إلى التركمان وجمع منهم من تحزب له واسترجع استراباد فانتزعت منهم بعد زمن فأقيم من رؤوس القتلى منارتان عرفتا باسم (كله منار) وقد رآهما الإنكليزي هنوي وصورهما ونقلهما السير مرك سايكس (تاريخ إيران ٣٦٤: ٢)
стр. 4830
فذهب محمد حسن إلى قبيلة داز فأبت ضيافته على إلحاح نادرشاه فقضى أياما عديدة في البادية حتى سمع اتفاقا وعلى غير انتظار منه قتل نادرشاه فعاد إلى استراباد واستحوذ عليها (١١٦٦هـ ١٧٤٧م) فهاجمه بعد ذلك كريم خان زند الذي
حاصره فيها مدة أربعين يوما ثم ترك الحصار تاركا معسكره (١١٦٥هـ ١٧٥٢م).
وفي سن ١١٦٨ (١٧٥٥م) دوخ احمد شاه مدينة مشهد رضا وأرسل شاه بسند خان ليهاجم أملاكه وكان يقود ١٥. ٠٠٠ فارس فكسر هذا الجيش في سبزوار. فلما كان الظفر حليف محمد حسن نشط كل النشاط فدوخ قزوين وكيلان وزحف إلى اصفهان فخسر كريم خان واقعة كلون آباد على أربعة فراسخ من هذه المدينة وفر إلى شيراز وفي سنة ١١٦٩ (١٧٥٦م) استولى على أذربيجان وكان يحكم فيها أزاد خان الأفغاني. فوصل إلى هذه الولاية في سنة ١١٧٠ (١٧٥٧) وعقد لواءها لابنه آغا محمد شاه وكان عمره يومئذ ١٨ سنة وفي السنة التالية زحف إلى شيراز إلا أن جيشه تفرق شذر مذر لقحط وقع في تلك السنة، ثم قمع بعض عصيان رآه في قسم من الجند، ولما تعب عسكره من الزحفات المتداركة غادروه غير آسفين على مفارقته فرجع إلى استراباد بجماعة من (اشق باشية) وحشمه فناهضه الشيخ علي خان في بادية قرق فساخت سنابك جواده في الوحل فقتل وهو في تلك الحالة وكان قاتله كرديا اسمه (سبزعلي) وكان أحد خدمه الذي انحاز إلى عدوه (سنة ١١٧١هـ - ١٧٥٨م).
وفي تلك الأثناء دخل حسين قلي خان - ثاني أولاد الشاه السابق وهو الملقب (بجهان سوز) لجراءته وشجاعته - في خدمة كريم خان الذي خص ببلاطه آغا محمد وكان عمره يومئذ ثلاثين سنة فذهب هذا إلى شيراز وأقامت أسرته في قزوين ثم عين حسين قلي حاكما على دامغان وكان طموحا إلى الأعالي فهجم على استراباد وسير فيها النار والبتار فدوخ مازندران وفاجأ في بادفروش حاكمها مهدي خان الذي كان قد عينه كريم خان عاملا لتلك الكورة، فقتله في خيمته ضربا بالبارودة (تزكمان يوموت) العصاة وكان عمره سبعة وعشرين عاما، وهو أبو فتح علي شاه.
стр. 4831
ودونك الآن أسماء ملوك الدولة القاجارية مع سني مواليدهم وتملكهم ووفياتهم.
٤ - أسماء ممهدي طريق العرش
(فتح علي خان) ولد في ١٠٩٧ (١٦٨٥) أو في ١١٠٤ (١٦٩٣) ورقي العرش في سنة ١١٣٣ (١٧٢١) وتوفي في سنة ١١٢٩ (١٧٢٦ أو ١٧٢٧) ودفن في خواجه ربيع قريبا من المشهد.
(محمد حسن خان) كانت ولادته في سنة ١١٢٧ (١٧١٥) وعلا الأريكة سنة ١١٦٤ (١٧٥١) وودع الدنيا في سنة ١١٧٢ (١٧٥٨ أو ١٧٥٩) ودفن في (شاه عبد العظيم).
(حسين قلي خان) ولقبه جهان شوز (أي محرق الدنيا) ولد في ١١٦٤ (١٧٥١) وامتطى غارب المملكة في ١١٨٤ (١٧٧٠) وانتقل إلى الآخرة في سنة ١١٩١ (١٧٧٧م) ودفن في استراباد.
٥ - أسماء الملوك أرباب المملكة
١. (آغا محمد شاه) ولد في ١١٥٥ (١٧٤٢) وقبض على الصولجان في سنة ١١٩٣ (١٧٧٩) وانضم إلى آبائه في سنة ١٢١١ (١٧٩٦ أو ١٧٩٧) ورمس في النجف (مشهد علي في العراق).
٢. (فتح علي شاه) ولد في ١١٨٥ (١٧٧١) وقبض على زمام المملكة في طهران سنة ١٢١٢ (١٧٩٧ أو ١٧٩٨) وتوفاه الله في ١٢٥٠ (١٨٣٤) وقبر في قم.
(عباس ميرزا) نائب السلطنة ولد في ١٢٠٣ (١٧٨٨ - ١٧٨٩) وقضى نحبه في خراسان قبل والده (١٢٤٩ أي ١٨٣٣ - ١٨٣٤) ودفن في مشهد رضا.
٣. (محمد شاه) ولد في سنة ١٢٢٢ (١٨٠٧) وجلس على كرسي الملك في سنة ١٢٥٠ (١٨٣٤) ووافاه الأجل في سنة ١٢٦٤ (١٨٤٨) ولحد في قم.
٤. (ناصر الدين شاه) جاء إلى هذه الدنيا في سنة ١٢٤٧ (١٨٣١ - ١٨٣٢) وملك في سنة ١٢٦٤ (١٨٤٨) وقتل في سنة ١٨٩٦.
٥. (مظفر الدين) كانت ولادته في ١٢٦٩ (١٨٥٣) وتسلم العرش
стр. 4832
في ٨ حزيران ١٨٩٦ وانتقل إلى دار البقاء في ١٤ يناير ١٩٠٧.
٦. (محمد علي) ولد في سنة ١٢٨٩ (١٨٧٢) وملك في ١٩ يناير سنة ١٩٠٧ واستعفى في ١٦ يوليو ١٩٠٩.
٧. (احمد شاه) ولد في سنة ١٨٩٨ وبلغ سن الرشد في ١٩١٤ وخلع وتوفي في هذا السنة.
(أغلب هذه المقالة معرب عن معلمة الإسلام)
دار شيعان
أو شيشعان
هذا اسم نبات شائك، وهو مركب من كلمتين من (دار) الفارسية أي خشب أو عود، وشيعان (كجوعان) من شوع رأسه (ككرم) أي انتشر شعره وتفرق وصلب حتى كأنه شوك، أو بعبارة أخرى: ثار وشعث. وسمي كذلك لان لهذا النبت شوكا منتشرا متفرقا صلبا كما رأيناه، وقد ذكره بعضهم بصورة شيشعان كأنه منحوت من (شيعان) المكررة فاكتفوا بشين ثانية عن تكرير الكلمة نفسها لان هذه الشين هي الحرف الظاهر المتفشي الصوت والمهم في الكلمة. وقد جاء هذا الاسم مصحفا تصحيفا قبيحا في كثير من كتب النبات واللغة، فقد ورد في محيط المحيط (دار شيشفان بالفاء أو دار شيشفار) (بالفاء والراء) أو دار ششفار (بحذف الياء من بين الشينين) شجرة عظيمة شائكة وتعرف بالقندول، (فارسية) اه. وكرر هذه الأغلاط صاحب البستان وعرف الشجرة بقوله: شجرة شائكة فارسية معروفة عند فريق من العامة بالقندول (وضبط الدال بالفتح) اه.
قلنا ليست شجرة فارسية بل ترى في كثير من البلدان غير الفارسية أيضا. والقندول عند العامة بضم الدال كما سمعناها من كثيرين في فلسطين وسورية لا بفتحها، وذكر البستانيين هذه الكلمة المركبة في مادة (دار) من اغرب الغرائب. وحق ذكرها في شوع لسبب اشتقاقها ومعناها.
стр. 4833
فوائد لغوية
العربة وأصلها
وقفنا على ما كتبه حضرة الخوري جرجس منش في مجلة المجمع العلمي (٦٩٩: ٩) بعنوان: (العربة، هل هي من وضع ابن بطوطة؟) فتعجبنا من هذا العنوان الغريب، لأنه لم يذهب إلى هذا الرأي أحد، إذ كلنا يعلم أن ابن بطوطة ذكر اللفظة سماعا عن أهل البلاد الذين كانوا ينطقون بها فهو راو لا واضع، فكيف نسب حضرته هذا الأمر إلى ابن بطوطة في ذيالك العنوان المغالط به؟ فلو قال مثلا: (العربة، هل هي من عصر ابن بطوطة) لما ناقشناه. أما انه ينسبها إلى الرحالة المذكور، في الوقت الذي يصرح فيه بأنه يروي الكلمة رواية، فهذا مما كنا نحب أن يرفع نفسه عنه.
وهناك نسبة أخرى كنا نود أن لا يذكرها بالوجه الذي ذكره، فقد قال حضرته: (وقد كان. . . الأب انستاس الكرملي ذهب إلى أن العربة تركية الأصل في نقده على الشيخ إبراهيم اليازجي قال في مجلة المشرق (٥١٩: ٥) وكثيرا ما يستعمل كلمة (عربة) بمعنى مركبة وعجلة وهي تركية الأصل!!.) كذا رأينا هذه العبارة مكسوعة بعلامتي تعجب. ونحن لم نفعل ذلك، فهي إذن من حضرة الخوري الفاضل ومن زياداته، وكان يحسن به أن يقول انهما من عنده أو أن يجعلهما بين عضادتين أو هلالين أو غير ذلك من العلامات، ليشعر القارئ بأنهما ليستا لنا إذ لسنا ممن يسخر بمعرفة اليازجي، ومقامه من اللغة أشهر من أن يذكر.
إذن وضع حضرته هتين العلامتين هو من عنده ليدل بهما على تعجبه من جهلنا. قلنا إننا نقر بهذا الجهل وقد صرحنا به مرارا، لكن مع هذا كله لم ننسب إلى نفسنا القول بتركية أصل العربة، وكلامنا صريح فويق هذا وهو: (وهي تركية الأصل.) ولم نقل: (وعندنا إنها تركية الأصل)، إلى غيرها من
стр. 4834
العبارات التي تدل على ادعاءنا بالأمر. إنما أوردنا رأي الغير والذي صرح به قبلنا أنها تركية صاحب مرآة اللغات، ومؤلف الدرر العمانية في لغة العثمانية، وصاحب لهجة اللغات وغيرهم كثيرون. ولما قلنا أنها تركية لم نقل أنها بلفظها الحالي تركية الأصل بل أردنا أن نقول تركية التركيب والوضع. ألا يعلم الناس أن عولس
أو عوليس علم يوناني ومع ذلك نقله بعضهم بالعين كما ترى. أفلكون تبتدئ بعين يزول عنها أصلها اليوناني؟ - فقول حضرة الخوري: (وهذا يؤكد (أي كتابة الكلمة بالعين) ما سبق (كذا) وقلته لا أظن العربة من أصل تركي) قول يقرب من قول الأطفال والرضع.
أنا أن العربة (تركية) فنحن لا نشك فيها. وذلك لأننا نراها مدونة بهذا المعنى في كتاب (ديوان لغات الترك) لمؤلفه محمود بن الحسين بن محمد الكاشغري وقد فرغ من تأليفه سنة ٤٦٦هـ (١٠٧٣م) أي في أواخر المائة الحادية عشرة. وأنت تعلم أن المؤلف تركي صنف كتابه في بغداد ونقل ألفاظه عن الترك، كما تعلم أيضاً أن اللفظة لا تشيع بين الأمة البعيدة الأوطان والأطراف إلا بعد مئات من السنين، بخلاف ما يجري في هذا العهد إذ يعم اتخاذ اللفظة نقلها على أجنحة الصحف والمطبوعات، أما في عهد البداوة فان الكلمة ما كانت تنتشر إلا بعد مئين من السنين. فوجود العربة عند الترك بصورة أربه أو أرابه بمعنى العجلة أو المركبة في لساننا: أقدم من نقل معناها بهذا اللفظ نقلا عن الارميين أن صح هذا النسب الموهوم فيه. أما
стр. 4835
أنها سريانية فهي لم ترد فيها بهذا المعنى وهل يمكن أن يستشهد بوجود كلمة بمعنى من المعاني غير المعنى المطلوب الذي يجري فيه الجدال؟ - ومن الغريب أن حضرة الخوري يلوي النصوص ويقلبها ظهراً لبطن ويسومها عذاب الهون ثم يحاول أن يخرج منها معنى العجلة الذي يولي عنه بعيداً كلما عالج القبض عليه. فالمراد من قول المؤلفين الأرميين: جناح دولاب العربة (العنفة) (كقصبة) وهو ما يضربه الماء فيدير الرحى. فأين هذا من العجلة يا حفظك الله؟ نعم أن العربة هي الرحى التي يكون في السفينة في الماء ليطحن بها القمح أو يعصر بها البزر، أو يستخرج بها الزيت لكن بين أن يكون الزورق عجلة أو مركبة فرق كالفرق الذي يرى بين السمكة السابحة في الماء والحيوان الذاب على الأرض فأن يكون هذا يوافقه فلا يوافق الغير من المنصفين.
وليس حضرته (أول من سار غره قمر) فأن العلامة الكبير والمستشرق الشهير دي خوية الهولندي ذكر في المعجم الذي ذيل فيه تاريخ البلدان للبلاذري أن العربة وردت في هذا السفر الجليل مجموعة على عرب بحذف الهاء. على حد ما نرى في قولهم زهرة وزهر وثمرة وثمر وتمرة وتمر وإليك عبارته: (عرب جمع عربة وهي العجلة. راجع ص٨ على ما في النسخة الأولى. أما في النسخة الثانية فعرب وردت بصورة غرب (بفتح فسكون) إلا
أن رواية النسخة الأولى تفضل رواية النسخة الثانية لأن كلمة (محارثة) المجموعة تتقدمها. . .) اه تعريباً وهذه عبارته بحروفها الإفرنجية حتى لا نتهم بالترجمة التي نتصرف فيها:
٨. عربة عرب. عرب غرب محارثة
وجوابنا عنه أن العلامة الجليل أخطأ في القراءة والتأويل. والعبارة التي يشير إليها في البلاذري وأنها ترى في ص٨ هي هذه: (وإذن لصاحب الناضح في الغضا وما يصلح به محارثه وغربه). ففي النسخة الأولى جاءت غربة بالعين المهملة أي عربه وفي النسخة الثانية بالغين المعجمة أي غربه. وسبب تفضيل المؤلف رواية العين المهملة على الغين المعجمة أن كلمة محارثه تسبق (غربه) ولما
следующие страницы →