← Джавами‘

Джавами‘ · id 36540

مجلة لغة العرب العراقية

أنستاس الكرملي

Полный текст (6 158 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

حضرة السيد طالب بك النقيب وقد أعيد انتخابه للمرة الثانية، وعبد الله بك الزهير صاحب جريدة الدستور، وحضرة عبد الوهاب باشا القرطاس، واحمد أفندي رئيس محكمة الجزاء. وانتخب فؤاد أفندي الدفتري البغدادي ونوري أفندي راس كتاب القسم التركي في جريدة الزهور البغدادية نائبين عن كربلاء. وعين إسماعيل حقي بك البابان المبعوث عن بغداد سابقاً نائباً عن لواء الديوانية. وانتخب مبعوثاً عن لواء المنتفق جميل صدقي أفندي الزهاوي. وأما مبعوثو بغداد فهم (مراد بك شقيق ناظر الحربية محمود شوكت باشا، والسيد عبد القادر محيي الدين أفندي الكيلاني، وفؤاد أفندي مدير الأملاك المدورة، وساسون أفندي وقد انتخب عن بغداد للمرة الثانية. والمبعوثان اللذان عينا للعمارة هما عبد الرزاق منبر أفندي ومجيد بك.) ٥ - مصرف إنكليزي قدم في أوائل هذا الشهر رجال إنكليز ليؤسسوا في حاضرتنا مصرفاً (بنكاً)، ولا نعلم إذا كانوا ينجحون في سعيهم في مثل هذا الأوان، وعلى كل حالٍ فقد فتحوه واخذ المتوظفون بالعمل. ٦ - مدرسة الوطن تم في ليلة الأحد ٣١ آذار الماضي احتفال فتح (مدرسة الوطن) التي أسسها يهود بغداد للطلبة الذين يريدون أن يدرسوا العلوم واللغات

стр. 492

بعد غروب الشمس، وقد حضر الحفلة والى ولاية بغداد وقائد الفيلق محمد علي رضا باشا الركابي وجم غفير من وجهاء البلدة من جميع الملل والطوائف. ٧ - مجتهدوا النجف زايل بغداد مجتهدوا النجف وعادوا إلى مقرهم فاستقبلهم الاهلون استقبالاً حافلاً ٨ - الطاعون في أبي شهر (بوشير) يظهر أن الطاعون قد توطن أبا شهر فهو في كل سنة يظهر في نيسان وآذار ويخف في أيار ويزول في حزيران. وعدد الوفيات يختلف بين ٢٥ و٣٠ في اليوم الواحد، وهو مما يدل على انه اثقل وطأة من السنة الماضية وقد هجر المدينة عشرة آلاف نفس واتأد سير التجارة فيها. ٩ - ابن الرشيد وعنزة في أوائل هذا الشهر مثل ابن الرشيد بعشيرة عنزة شر تمثيل فغنم منهم ألوفاً من الخيل والإبل والشاء والأمتعة كانوا غزوها من قبيلة شمر فصادهم في الطريق فسلبهم إياها ورجعوا إلى ربوعهم خاسرين. ١٠ - الحر في بغداد تردد الحر من أوائل نيسان إلى الأسبوع الثالث منه بين ٣٥و٣٦ درجة من المقياس المئوي وهو غريب في مثل هذا الأوان. فكيف يكون حر صيفنا هذه السنة.

стр. 493

١١ - عجيمي بك السعدون مع الضفير والبدور لم ينس عجيمي بك ما فعله أعداء أبيه في السنة المنصرمة. فتوفز للقتال بان ذهب إلى ابن الرشيد وتزوج ابنته فأمده حموه بجيش من شجعان الفرسان المقاتلين. ثم انظم إليهم أيضاً بنو خيقان (أو خيكان) ومن جاورهم من أعراب تلك الربوع وهجموا هجمة واحدة على الضفير والبدور فكانت الواقعة من اشد الوقائع هولا خذل فيها أهل العث والفساد وهم الضفير والبدور وكان الفوز للمؤدبين عجيمي السعدون ومن كان معه. وكانت خسائر النفوس كثيرة ومثلها خسائر الأموال والخيل والإبل ومن بعد هذا سار مزيد باشا السعدون لمساعدة عجيمي بك فعبر الفرات بأهله وعشائره وخيله ورجله وانضم إلى الشيخين أيضاً عبد الله بك ابن فالح باشا السعدون فأصبحوا سدا منيعا في وجه أعدائهم. ولعل الأعداء إذا رأوا هذه القوة العظيمة اخلدوا إلى الطاعة والسلام واهتموا بما فيه خير الأيام. ١٢ - كلية الكويت تم بناء قسم منها ووقف لها الشيخ مبارك الصباح خمسين حانوتاً ما عدا ما جاد به عليها من النعم والآلاء. ١٣ - مفتش العراق عين جلال بك متصرف كربلاء سابقاً ووالي ولاية البصرة مفتشاً عاماً لإصلاح العراق. ١٤ - إصلاح الخالص

стр. 494

قضي على ستة آلاف فدان من أراضي الخالص الغنية التربة القوية الإنبات أن تكون قاعاً صفصقاً كأن لم تكن بالأمس أنباراً للعراق وسائر الأفاق وقد ذهب بفنائها عدة قرى وضيع وبساتين وسببها سدة العويجة. فهل من يفكر في إعادتها إلى حالتها الأولى إرجاع الغنى إلى مجاريه في تلك الربوع؟ ١٥ - خزعل خان أمير المحمرة انتصر سمو معز السلطانة السردار الأرفع خزعل خان على مناوئيه عشائر البختارية وقد طلبت منه الصلح والأمن. فعسى أن يرعرعوا. ١٦ - حريق في خان النفط في بغداد في الساعة الثامنة من ليلة الأحد الواقع في ١٢ أيار شبت النار في خان الزيت الحجري والمواد الملتهبة الزيتية في محلة العوينة فدام الحريق ١٦٠ ساعة إلا انه لم يتجاوز الخان. وخسر التجار أربعة عشر ألف صندوق فيها زيت حجري (كاز أو نفط) وبنزين وثقاب (شخاطات) ولم يصب أحد من الناس بشيء لكن احترق في تلك النار أربعة حمير. وتقدر الخسائر بأكثر من خمسة آلاف ليرة عثمانية. ١٧ - ريح عاصفة في ١٤ أيار هبت ريح صرصر قبيل غروب الشمس بساعتين وذرت من الغبار شيئاً لا يقدر فاستحوذ الفزع على الناس وأضرموا المناوير والمصابيح إلا أن هذه الحالة لم تدم سوى نصف ساعة فسرى عن قلوبهم.

стр. 495

١٨ - حريق في البصرة نمى إلى الرياض أن النار استعرت في المحل الألماني (محل روبرت فان كاوز وشركائه الواقع على سيف البصرة) فكانت المحترقات شيئاً من الصوف والعفص والجلود بما قدره ١٤ ألف ليرة عثمانية وقد التهمت أيضاً منزل الحيدر أبادية الراكب نهر العشائر والخسائر مجهولة. ١٩ - حريق في المعامل العسكرية في الساعة العشرة من صباح الجمعة ٣١ أيار ظهرت النار في الغرفة العليا من المعامل العسكرية فالتهمت مخزن الصوف وآلة النقش وتنظيفه ونسجه ولما درى بنشوبها أسرع الجند إلى إيقاف سير ضررها فأخمدوا أنفاسها وحصروا فتكها في العلية التي ظهرت فيها بعد أن هدموا ما حواليها، ولم يقع ضرر في الأنفس، وتقدر الخسائر بألفي ليرة عثمانية ومنهم من يقول بأكثر من ذلك. مفردات عوام العراق أخوند فارسية، معناها قارئ كبير أو معلم عظيم. وقد أخذت بعض الجرائد المحلية تستعملها. ولا بأس من استعمالها لكثرة شيوعها على السنة العوام والخواص. وهذه اللفظة تختص بنفر من علماء الجعفرية. وهم أولئك الذين يتعاطون الأمور الدينية والمسائل الشرعية ويرادفها في العربية الفقيه والمجتهد.

стр. 496

آذار الشهر الثالث من السنة المسيحية وهو ٣١ يوماً وصوابه أن يكتب اذار أو آذار بالذال المعجمة. إدريس كلمة إفرنجية الأصل وهي بإنكليزية وبالفرنسية وعربيتها العنوان. ادمجيل (تركية) معناها وحشي أو غير أنيس وهي تطلق على من كان غريباً في زيه وحديثه وأطواره لا يحب المخالطة والمعاشرة ولا يميل إلى الصحبة والألفية ويرادفها في العربية الطوراني والطوري وهو الوحشي من الطير والناس ومثلهما الوحشي والمتوحش. ادمي (عربية عبرانية) نسبة إلى آدم وآدم معناها الأحمر أو الترابي والجمع أوادم والعامة تتوسع في استعمالها وان كان معناها الأصلي هو الإنسان وقد استعملها ابن خلدون مراراً عديدة في تاريخه بهذا المعنى وجمعها على آدميين. والعامة تستعمل اللفظة تارة بمقام السخرية والازدراء وطوراً بمقام المدح والإطراء، فإذا قال أحدهم مثلا كأنه ادمي كان المراد من كلامه التهكم والاستهزاء بالرجل لتكبره وتصلفه وادعائه الطويل العريض. وإذا قال أن زيداً صار ادمياً كان المقصود منه انه نال منزلة رفيعة وأصبح غنياً ومشهوراً بعد أن كان ذليلاً فقيراً خاملاً وإذا قال أن عمراً ادمي ابن أوادم أو فيه رائحة أوادم كان المعنى انه نجيب شهم لين العريكة دمث الأخلاق متنور العقل والذهن. (رزوق عيسى)

стр. 497

العدد ١٣ - بتاريخ: ٠١ - ٠٦ - ١٩١٢ سنتنا الثانية قد بلغنا، بحوله تعالى، السنة الثانية من مجلتنا؛ وقد رأينا من حسن التفات العلماء إلينا على اختلاف مذاهبهم وديارهم، ما يدفعنا إلى إتمام ما بدأنا به؛ ومن يطالع أعداد مجلتنا من أولها إلى آخرها، يرى أننا لم نبتعد عن الخطة التي اختططناها لأنفسنا ولو قيد ذرة. وهنا نشكر جميع الذين شجعونا بكتاباتهم الخصوصية والعمومية، أن كانوا من أصحاب المجلات والجرائد، وأن كانوا من أرباب العلم والقلم. كما أننا لا ننسى المستشرقين الذين جادوا علينا بهداياهم وتاَليفهم، وبادلونا بمجلاتهم مع صغر مجلتنا هذه وحداثة نشأتها. وما ذلك إلا لحسن أعراقهم، وطيب عنصرهم، وعظم فضلهم، إذ لا يعرف الفضل إلا ذووه. وكنا قد تهيأنا لترقية هذا الديوان، واتخذنا الوسائل اللازمة للبلوغ إلى غايتنا، منذ نصف السنة الأولى؛ فكتبنا إلى باريس لنجلب منها كاغداً حسنا كبير الحجم وصوراً وغير ذلك، فلم نفز بأمنيتنا. لأن بغداد في أقصى ديار الله. على أننا لا نيأس من التقدم والترقي، ولا سيما إذا ساعدنا الأصدقاء بايدهم، والكتاب ببنات أفكارهم، والقراء بالإقبال على مطالعة ما يقدم لهم. وهانحن ننتظر منه تعالى تحقيق هذه الأماني. (ومن يتوكل على الله فأن الله عزيز حكيم.)

стр. 498

العراق ١ - مقدمة تمهيدية عن العراق كثر الباحثون عن العراق وحالته الاجتماعية والسياسية والأدبية، وعن الحركة الفكرية التي ظهرت في أهاليه، وعن عادات قطانه وأخلاقهم وعاداتهم، وملئوا بكتاباتهم صفحات الصحف الكبيرة والمجلات الراقية؛ إلا أن أبحاثهم لم تكن وافية، ليتمكن القارئ بواسطتها من أن يقف على أحواله تماماً، إذ أن بعض أولئك الكتاب من هم ليسوا من أهل البلاد، فإذا كتبوا ما رأوه بأعينهم، دونوه عن غير بحث وتنقيب وإيغال، لعدم اطلاعهم تمام الاطلاع على ما عليه السكان من العادات والاخلاق، وما جبلوا عليه من الخصال، وما اتصفوا به من الأوصاف الجميلة، والمناقب الحميدة. وبعضهم من أهل البلاد، إلا انهم، ويا للأسف! قليلو البضاعة والتنقيب؛ وبما أني منذ أن مارست الكتابة أخذت أفتش وأنقب عن حالة العراق الاجتماعية وما بلغ إليه هذا الصقع من العمران والتقدم والترقي، أظنني أني وقفت على أشياء لم يعثر عليها غيري؛ وقد كتبت ما شاهدته ورأيته وعلمته وتوصلت إليه في عدة مقالات متسلسلة نشرتها في أكبر جرائد سورية كالمقتبس وغيرها، وبعض جرائد بغداد، بينت فيها بأجلى وضوح، حالة العراق العلمية والزراعية والاجتماعية والإدارية والسياسية، وقد رفعت بها الستار عن سياسة الأجانب في العراق، وما يرمون إليه بسياستهم فيه؛ وقد طلب مني من لا يسعني مخالفته، أن ارصد مقالة تضم شتات تلك الفوائد إلى فوائد أخرى جمعتها في أثناء أبحاثي المختلفة، وأن انشرها في إحدى المجلات البغدادية ليطلع عليها الجمهور، فأجبت طلبه، وقد شمرت عن ساعد الجهد للخوض في بحر هذا الموضوع، فعسانا أن نتوصل به إلى الغاية المطلوبة، وهي إسعاد هذه الأمة ورقيها. إن ربك على كل شيءٍ قدير. ٢ - نظرة في هبة العراق أننا لا نريد أن نذكر هنا عن العراق ما قد أثبتته التواريخ إثبات الشمس في رابعة النهار فعلمه الخاص والعام، بل الكبار والصغار، واجمع عليه علماء

стр. 499

الاجتماع؛ بل الذي أريد أن اعرضه على قراء (لغة العرب) هو ما أشرت إليه في صدر هذه المقالة ولمحت إليه في كلامي عن هيت (راجع لغة العرب ٢٤٩: ١) ٣ - حالة العراق الاجتماعية الحاضرة إن صدري، وربك، ليضيق؛ بل ويقف قلمي عندما أريد أن أخوض في هذا الموضوع، لألم بحالة العراق العلمية والاجتماعية الحاضرة، وما قضى به عليها الدهر الخؤون، والطالع التعس، من التقهقر والتأخر وتبديل الحال بما هو اتعس منها من ذل، وجهل، وفقر، وفقد رجال علم وعمل. فقد اصبح الوطن بين جاذب ودافع وعامل لخرابه وجاهل بإصلاحه وضارٍ له غير نافع إياه. اللهم إلا في هذا العهد الجديد الذي تغيرت فيه الأحوال. ولا ادري ما السبب لهذا التأخر؟ إلا أن النواميس الطبيعية التي وضعها الحكيم، جل وعلا، هي أقوى دليل على إثبات الأسباب؛ فقد قضى ربك أن يكون لكل شيء ناموس طبيعي يجذبه إلى العلو، ويرفعه إلى فوق، وإذا فسد مجراه، عاد إلى الوراء أو هوى إلى تحت. وقد كانت هذه البلاد لما كان القائمون بها رجالاً يسيرون بها على مقتضى القانون والحكمة التي وضعها الله، سبباً لرقي الأمة: منبع الحكمة، وكعبة العلم، وأم المدنية، وعروس الحضارة والتقدم، في العلم والأدب والصناعة والزراعة والتجارة والحكمة والفلسفة والهندسة والطب وغير ذلك. فنبغ في ذلك الأوان أولئك الرجال الكبار الذين كانوا السبب الأعظم في كشف كثير من الأسرار الغامضة في عالم الطبيعة. ذلك ولما كانت العربية تتجلى عصرئذٍ في وطننا بأجلى محاسنها، وأبهى مناظرها، وكان إذ ذاك قائد الأمة واحداً، وهو التعاون على حفظ كيان الدين والوطن والاتحاد، وعلى السعي للحصول على السعادة المقدسة الدائمة، بلغت هذه الديار أقصى غايةٍ من الحضارة والعمران. أما اليوم وقد بدل من على هذه الأرض، وتغيرت تلك الأحوال، وطمست الآثار، وتهدمت صروح العلم، وسلط ربك على هذه البلاد الغرق،

стр. 500

والحرق، والطاعون، والتفرقة، غدت العربية تندب رجالها، وتبكي المنازل أبطالها، والمدارس طلابها، وأمست إلى ما تراه، أي لا تجد من الناس إلا القليل ممن يعرف تاريخ بلاده، وحياة آبائه، أو يحسن النطق بلغته. وهل بعد هذا الهوان العظيم هوان اعظم وادهم؟! وكلما سرحت طرفي في تاريخ هذه البلاد، وأخذت أفتش عن تلك المعاهد والمنتديات، وتلك المدارس والكليات، وتلك المعالم والمستشفيات، لا أجد فيها إلا آثاراً قائمة على جرفٍ هارٍ، كالمستنصرية، وقد اصبح قسم منها داراً للمكس، وآخر مطبخاً للآكلين، وشطراً منه مشرب قهوة للبطالين وأهل الفراغ. فيا لخجل العراق والعراقيين! وكلما أردت أن أرى رجالاً مثل الفارابي، وابن سينا، والبغدادي، لا يقع نظري إلا على أناس أفذاذ شغلتهم الحياة الدنيا عن السعي مثل ما سعى إليه أولئك الرجال، ولا أرى إلا مظاهر جلها البلاء الأكبر على البلاد، والعباد. ٤ - حدود العراق وقسماه اختلفت حدود العراق باختلاف الأعصر والدول. قال ياقوت في معجم البلدان: (قال بعضهم: العراق هو السواد. . . وذهب آخرون في ما ذكر المدائني فقالوا: حده حفر أبي موسى من نجد، وما سفل عن ذلك يقال له العراق. وقال قوم: العراق: الطور والجزيرة والعبر. والطور ما بين ساتيدما (والمراد بساتيدما هنا جبل حمرين) إلى دجلة والفرات. وقال ابن عياش: البحرين من أرض العراق. وقال المدائني: عمل العراق من هيت إلى الصين والسند والهند والري وخراسان وسجستان وطبرستان إلى الديلم والجبال. قال: واصبهان سنة العراق. وإنما قالوا ذلك لأن هذا الكلام كان في أيام بني أمية يليه والى العراق لا أنه منه. والعراق هي بابل فقط كما تقدم.) اهـ ومهما يكن من أرف العراق سابقاً، فحدوده اليوم هي: الجزيرة في الشمال وخليج فارس في الجنوب، وجبال لورستان وبعض خوزستان وشيء من عربستان

стр. 501

ودورقستان في الشرق، وبادية الشام أو الحماد في الغرب. ويقسم العراق اليوم قسمين وكل قسم منهما عبارة عن ولاية قائمة بنفسها وهما: ولاية بغداد، وولاية البصرة. وكلتاهما كبيرة تحتوي على عدة ألوية وكثير من الأقضية، وألوف من القرى والنواحي. ولهاتين الولايتين شان عظيم في التاريخ سنأتي بذكره بحوله تعالى. ٥ - اصل اسم العراق ومعناه وأقوال العلماء فيه. ذهب العلماء مذاهب شتى في حقيقة هذا الاسم وأصله ومعناه. قال ياقوت سميت العراق بذلك من عراق القربة، وهو الخرز المثنى الذي في أسفله، أي إنها اسفل أرض العرب. وقال أبو القاسم الزجاجي: قال ابن الأعرابي: سمي عراقاً لأنه سفل عن نجد ودنا من البحر. اخذ من عراق القربة وهو الخرز الذي في أسفلها. وانشد: (تكشري مثل عراق الشنة) وانشد أيضاً: لما رأينا دردرى وسنى ... وجبهتي مثل عراق الشن متن عليهن ومتن مني قال ولا يكون عراقها إلا أسفلها من قربة أو مزادة. قال: وقال غيره: العراق في كلامهم الطير. قالوا وهو جمع عرقة، والعرقة ضرب من الطير. ويقال أيضاً العراق جمع عرق. وقال قطرب: إنما سمي العراق عراقاً لأنه دنا من البحر. وفيه سباخ وشجر يقال استعرقت ابلهم، إذا أتت ذلك الموضع وقال الخليل: العراق شاطئ البحر وسمي العراق عراقاً لأنه على شاطئ دجلة والفرات مداً، حتى يتصل بالبحر على طوله، قال: وهو مشبه بعراق القربة، وهو الذي يثنى منها فتخرز. وقال الأصمعي: هو معرب عن إيران شهر، وفيه بعد عن لفظه، وأن كانت العرب قد تتغلغل في التعريب بما هو مثل ذلك، ويقال: بل هو مأخوذ من عروق الشجر. والعراق من منابت الشجر فكأنه جمع عرق. وقال شمر: قال أبو عمرو: سميت العراق عراقاً لقربها من البحر قال: وأهل الحجاز يسمون ما كان قريباً من البحر عراقاً. . . وقال حمزة: الساحل بالفارسية اسمه أيراه، ولذلك سموا كورة اردشير خرة، من أرض فارس، ايراهستان لقربها من البحر فعربت العرب لفظ أيراه بإلحاق القاف فقالوا:

стр. 502

أيراق. وقال حمزة في الموازنة: وواسطة مملكة الفرس العراق، والعراق تعريب أيرأف بالفاء. ومعناه مغيض الماء وحدور الماء. وذلك أن دجلة والفرات وتأمرا تنصيب من نواحي أرمينية وبندٍ من بنود الروم إلى أرض العراق وبها يقر قرارها فتسقى بقاعها وكان دار الملك من أرض العراق إحداهما عبر دجلة، والأخرى عبر الفرات، وهما بافيل وطوسفون، فعرب بافيل على بابل وعلى بابلون أيضاً، وطوسفون على طيسفون وطيسفونج. وقيل سميت بذلك لاستواء أرضها حين خلت من جبال تعلو وأودية تنخفض. والعراق: الاستواء كما في كلامهم قال الشاعر: سقتم إلى الحق معاً وساقوا ... سياق من ليس له عراق أي استواء.) إلى هنا كلام ياقوت. وأصدق هذه الأقوال وأوفقها للحقيقة: إن العراق هو تعريب (أيراه) وعليه إجماع العلماء من وطنيين وأجانب. وهو رأينا ايضاً، وصحته ظاهرة من مناسبة الاسم للمسمى كما هو بين لأدنى تأمل. ٦ - أديم العراق وهواؤه وتأثيره على سكانه العراق اعدل أرض الله هواء وأصحها مزاجا وماءً. . . وليس بالعراق مشاتٍ كمشاتي الجبال، ولا مصيف كمصيف عمان، ولا صواعق كصواعق تهامة، ولا دمامل كدمامل الجزيرة، ولا جرب كجرب الزنج، ولا طواعين كطواعين الشام، ولا طحال كطحال البحرين، ولا حمى كحمى خيبر، ولا كزلازل سيراف ولا كحرارات الأهواز، ولا كأفاعي سجستان، وثعابين مصر، وعقارب نصيبين، ولا يتلون هواؤها تلون هواء مصر، وهو الهواء الذي لم يجعل الله فيه في أرزاق أهله نصيباً من الرحمة التي نشرها الله بين عباده وبلاده حتى ضارع في ذلك عدن أبين. (ياقوت) والحر والبرد شديدان في العراق ولكنهما في اغلب الأحايين يابسان. وقد رأينا الشتاء اشتد، حتى نزل ميزان الحرارة إلى ٨ درجات تحت الصفر في المدن. و١٦ درجة في البرية، فقتل مئات من الناس والحيوان والنبات في ليلة واحدة. ويشتد الحر في كل سنة حتى يبلغ ٤٨ درجة في الظل، وكان قبل ٢٥ سنة يبلغ ٥٠

стр. 503

درجة. على أنه يحتمل بعض الاحتمال إذا كان يابساً، والهواء غربياً أو شمالياً؛ أما إذا كان شرقياً فتضيق الأنفس وتحرج الصدور ويشتهى السكان سكنى القبور. وفي جنوبي العراق، يقتل الحر كل سنة عدة أُناس بأمراض تتولد من حماوة القيظ. وقد لاحظ بعضهم أن بين مناخ العراق ومناخ يعقوب آباد وبشاور (من ديار الهند العالية) مشابهة عظيمة. قال السر وليم ولكوكس: (أن حالة الهواء القصوى في نهار أيام الربيع تختلف بين ٢، ٢٣ درجة في ت٢ إلى ٤، ١٥ درجة في كانون الثاني؛ ثم ترتفع رويداً رويدا حتى تبلغ ٧، ٢٨ في نيسان. ومتوسط حالة الهواء. في يعقوب آباد في مثل تلك الأيام وتلك الساعات هو: ١، ٢٣ في كانون الثاني و٥، ١٧ درجة في بشاور في ذلك الشهر. وعليه فتكون حالة الهواء في بغداد أدنى بكثير في قلب الشتاء منها في الأصقاع الواقعة في ديار الهند العليا وعلى ذلك الخط عرضاً. ولعل ذلك ناتج من تراكم الثلوج البعيدة الأكناف التي تكسو الديار في الشمال الشرقي من العراق، أي بلاد كردستان وأرمنية. وحالة الهواء في الليل تنزل في كانون الثاني إلى الدرجة ٢، ٤ في بغداد. وفي الهند العليا تكون الدرجة الدنيا في شهر كانون الأول فإنها تنزل إلى الدرجة ٩، ٣ في بشاور و٦، ٤ في لاهور و٣، ٦ في يعقوب آباد. ومن ثم تكون حالة الهواء في بغداد أوطأ مما هي عليه في سائر مدن الهند العليا إذا كانت على خط ارتفاع بغداد أو أعلى منها بقليل.) ٧ - الضغط الجوي أعلى ضغط جوي في بغداد يقع في شهر كانون الأول فيبلغ متوسطه ٧٦٨ مليمتراً وينزل قليلاً جداً في شهري كانون الثاني وشباط. ثم بعد ذلك يهوى سريعاً إلى شهر تموز فيكون ٧٥٣ مليمتراً تقريباً. ثم يصعد صعوداً متئداً في آب، وبعد ذلك يصعد صعوداً وحياً متواصلاً إلى شهر كانون الأول. ومحيان الدرجة العليا والسفلى يكون في مثل ذينك الشهرين في ديار الهند الشمالية أي في شهري كانون الأول وتموز. وتكون فسحة التراوح السنوي ١٦ مليمتراً وهي

стр. 504

أعلى بقليل في بشاور (١٥ درجة) منها في لاهور (١٤ درجة) وهي أدنى بقليل في يعقوب آباد (٥، ١٦ درجة). وفي أيام الشتاء توجد بغداد (وهي معدودة من المدن المتصدرة شرقي العراق) قريبة من محور خطٍ منحنٍ وهمي عالي الضغط أو مقاوم للرياح الزعازع يمتد من آسيا الوسطى إلى بحر الروم. وعلى طول هذا المحور يزداد الضغط في كانون الأول وكانون الثاني وشباط من نحو ٧٦٢ مليمتراً، في غربي بحر الروم، إلى نحو ٧٦٣ مليمتراً في صقع متوسط قريب من بحيرة بيكال. هذا وفي أبان الحر اليابس تعد بغداد داخلة في الخط المنحني، خط ضغط قارة آسية الجنوبية، وهو الموطن الممتاز كل الامتياز من هذا الصقع في أوان البرشكال (١) الجنوبي الغربي. والصقع المتوسط يمتد من ساحل جزيرة العرب الشمالي الشرقي (أي عمان) إلى الجنوب الغربي من بنجاب، وصورته خط متشابه الامتداد أو يكاد، وهو يكون ٧٤٨ مليمتراً في حزيران، و٧٤٧ في تموز، و٧٤٩ في آب، وهو خط يكاد لا يتغير عن موضعه في هذه الأشهر. وعليه فيكون الضغط الهوائي في وادي الفراتين طول السنة أوطأ مما هو عليه في تلك البلاد الهندية. ومتوسطها لا يتغير تغيراً عظيما في مدة أشهر السنة (معرب عن ويلكوكس) ٨ - السحب في العراق إن مقدار السحب التي تبرقع وجه سماء العراق نزر جداً في مدة السنة. وهي لا تكاد تكون شيئاً، في أوان القيظ ولا تبلغ ألا ٥، ٠ (والسماء إذا تغشت كلها تبلغ ١٠) وفي أبان الرطوبة تبلغ ٨، ١ في كانون الاول، و ٧، ٢ في كانون الثاني وشباط. والغيوم في هذا الفصل هي اقل مما هي عليه في مثل هذا الفصل في ديار الهند العالية، وأن كانت عللها واحدة على ما يظن، أي نشؤ أو تقرب هبوط عظيم، لكنه واطئ، أو بعبارة أخرى، اضطراب الجو في فصل الصيف. وهذه الانقلابات تنشأ في اغلب الأحيان في فارس، وتولد سحباً جمة

стр. 505

في فارس نفسها وفي بلاد البلوص (بلوجستان) وأفغانستان وفي ربوع الهند الشمالية. وتعد بغداد من البلاد الداخلة في الصقع الغربي التي تقل سحبه غاية القلة. (عن وليم ولكوكس) ٩ - المطر ثخن مقدار الماء الممطور في السنة ٢١٢ مليمتراً، منه ٢٠٣ راجع إلى مطر الشتاء. وعدد أيام المطر هو ٧، ١٨ فقط في السنة (ومقدار ماء المطر في اليوم مليمتران ونصف على الأقل). والمطر يسقط سقوطاً منتظماً في فصل البرد من تشرين الثاني إلى آذار. واعظم قدر المطر وقع في العراق هو الذي كان في سنة ١٨٩٤ فأن مقياس المطر بلغ مائتي مليمتر ومليمتراً. سقط منه ١٥٨ مليمتراً في يوم واحد، وهي اعظم كمية سقطت في العراق في مدة ٢٤ ساعة. وعليه فيكون معظم المطر في الشتاء ومزيته مزية مطر فارس وبلاد البلوص والأفغان. إلا أنه دون مطر تلك البلاد لموقع العراق الذي هو دون تلك البلاد ارتفاعاً (عن وليم ولكوكس) بغداد: إبراهيم حلمي ابنة اليوم وحقيقتها وأسماؤها ابنة اليوم، وتجمع على بنات اليوم، هي هذه الدويبة التي وصفها وصفاً دقيقاً صاحب مقالة (أمثال عوام العراق)؛ وهذا الاسم هو من وضعنا وهو تعريب اللفظة الإفرنجية أو الإنكليزية وكلاهما من اليونانية ومعناها: (ذو أو ذات يوم واحدٍ) ونحن نصفها هنا وصفاً علمياً على ما جاء في كتب أهل الفن، فنقول: ابنة اليوم جنس من الدويبات من رتبة العصبية الأجنحة من فصيلة المخصفية القرن راس أو أصل قبيلة بنات اليوم طويلة الجسم، لونها إلى البياض أو إلى الصفرة، (أو كما قال كاتبنا المحقق: إلى الزهرة) وأجنحتها طويلة ومثلثة ومرتفعة إلى فوق في وقت الراحة. وأجنحتها السفلى في غاية الصغر وكأنها فص من فصوص الأجنحة الخارجية. وينتهي مؤخرها بخييطين في الذكور وبثلاثة خيوط في الإناث، وللذكور ماعدا ذلك مقراضان واقعان في الأسفل.

стр. 506

وهي تولد عند أفول شمس الصيف، وتموت عند شروقها، ومنها ما يصبر على بضعة أيام فتكون بمنزلة العجائز المعمرة. على أنها إذا كانت تعيش قليلاً بعد بلوغها الحالة الكاملة فهي تعيش اكثر من سنتين في حالة الدودة أو الدعموصة وهذا الدود طويل وله متنفسات أو خياشيم خارجية لا يفتر عملها. وبعضها يقيم في الأرض في نخاريب حفرت في جروف الأنهر، وهذه النخاريب مزدوجة يفصلها فاصل على هيئة لسان صغير دقيق، ألا أنها لا تكون كذلك في الداخل، بل يكون النخروب وحيد المأوى. وبعضها تتيه على وجهها عائرة، ولا تحفر لنفسها مسكناً ولا مأوى. أما إسراف هذه الدويبات فلا تختلف عن دعاميصها ألا بنبت الأجنحة فإذا حان وقت التطور الأخير، تخرج الإسراف من الماء وتذهب لتقف على موطن يابس فلا تعتم أن تشق كفنها التي كانت مسجاة به، وما ذاك الكفن إلا جلدها. تولد بنات اليوم، كما ألمعنا إليه، نحو الأصيل، فإذا خرجت من سرفها ترتفع فوق سطح المستنقعات والبطائح خشارم لا تعد والغالب فيها الذكور. ولهذا ترى للأنثى الواحدة عدة طلاب يقضون وقتهم، على شدة قصره، في المنازعة سعياً وراء عقد الوصال، وصال لا يدوم إلا هنيهة من الزمان يبتدئ بالمعارك وينتهي بالموت الوحي، وإذا نال الذكر بغيته من اتخاذ عروسه يأخذها إلى محل بعيد عن الجماعات وهناك يعرس بها وما يكاد يقضي وطره إلا ويفاجئه الموت الزؤام. - أما الأنثى فأنها من بعد اللقاح يأخذها نوع من الطلق فتهوى على الماء وترفع مؤخر جسمها وهي مرقرقة فيخرج من نحو موصل الحلقة السادسة انظامان يتركان على الماء. وعدد بيض كل من هاتين الأنظومتين يتردد بين الثلاثمائة والأربعمائة فإذا صار على الماء هبط إلى أسفله وتفرق شذر مذر. وإذا وقفت على ما ذكرناه اتضح لك أمر ازدحام هذه الدويبات في أيام الصيف الرائقة الصاحية في البلاد التي تكثر فيها الغدران والبطائح والمستنقعات والأنهر الهادئة الجري. وعلمت أن تلك الألوف المؤلفة إذا ماتت طفت

стр. 507

جثتها على وجه الماء، ولا يمضي قليل من الزمن إلا وقد اضمحلت تلك الأشلاء البيضاء، لأن الأسماك وطير السماء قد ازدردتها بأسرع من البرق الخاطف، ولهذا سماها البعض (من السمك أو سلوى السمك) وإذا ماتت هذه الدويبات بعيدة عن المياه، ترى الأرضين المجاورة لها مغشاة عند الصباح بشيءٍ ابيض كالثلج أو كالقطن المندوف فيأخذ بك ذاك المنظر كل مأخذ. (وابنة اليوم المشهورة) ترى على شطوط الفرات وطولها من ١٨ إلى ١٩ مليمتراً، وخيبطات ذنبها أطول من جسمها، ويرى دباها على طول جرف الفرات وقد ثقبه ثقوباً كثيرة تعد بألوف الألوف وقد رأيناها رأي العين. أما حياة (ابنة اليوم) فإذ اعتبرناها في حد ذاتها فهي ليست دون حياة اعمر الحيوانات، لأن الخالق قد ضرب لها ساعات معدودة هي ١٢ أو ٢٤ لا غيرها. وهي في هذه المدة تنتقل إلى جميع الأحوال التي ينتقل إليها الحيوان المعمر بدون اختلاف عظيم سوى المدة. فسبحان الباقي الذي لا يموت. أسماء هذه الدويبة اسم هذه الدويبة في العراق هو الجليلو أو الكليلو حسب المتلفظين به. فإن كان الناطق به بدوياً أو مسلماً متحضراً فهو يلفظه بالجيم المثلثة الفارسية، وأن كان نصرانياً وينطق بلغة النصارى واليهود، فهو يلفظه بالكاف العربية الفصيحة. والكلمة مشتقة من الإكليل والعوام تحذف منها الهمزة فتقول كليل بإسكان الأول. ثم زادوا (الواو) في الأخر على طريقة الأتراك للدلالة على النسبة، وهم يفعلون ذلك اذا كان آخر الحرف لاماً، وإلا فانهم يزيدون اللام والواو. فيقولون مثلاً في (كوبري) (الجسر) كوبريلو (الجسري) وفي ديكن (شوك) ديكنلو (شوكي) الخ فمعنى كليلو أو جليلو (الإكليلي أو الإكليلية) أو أيضاً (ذو الإكليل أو ذات الإكليل أو المكللة) لشبه أجنحتها بإكليل ابيض يعلو جسمها الدقيق. وكنت قد تشططت الفرات في رحلتي إلى حلب سنة ١٨٨٦ فسألت عن اسمها بعض الأعراب الذين كانوا هناك فقيل لي (الخيتعور) ولا يبعد من أن يكون فصيحاً. لأن الخيتعور في دواوين اللغة:. . . كل ما لا يدوم

стр. 508

على حالة واحدة ويتلون ويضمحل. . . وشيء كنسيج العنكبوت يظهر في الحر ينزل من السماء كالخيوط البيض في الهواء. . . والخيتعور دويبة سوداء تكون على وجه الماء لا تثبت في موضع إلا ريثما تطرف. . .) اهـ. فيكون هذا الإطلاق على هذه الدويبة سائغ لسرعة زوالها من الحياة. ثم مررت بجرف الفرات سنة ١٩٠٤ ومنه انتقلت إلى جرف الخابور، وكان الفصل فصل صيف كما في سفرتي الأولى فسألت عن اسمها فقيل: (الزخرف) والذي نراه في كتب اللغة عن الزخارف: إنها دويبات تطير على الماء ذوات أربع كالذباب قال أوس بن حجر: تذكر عيناً من غمازة ماؤها. له حدب تستن فيه الزخارف ولا يخفى ما في لونها الأبيض وهي على الماء من الزخرف الذي يبين لكل ذي عينين. ثم مررت بالفرات سنة ١٩٠٨ فسألت عن اسمها فقيل لي هي (البعصوصة) والبعصوصة في معاجم اللغة: دويبة صغيرة كالوزغة بيضاء لها بريق من بياضها. قاله أبو عبيده ونقله الجوهري. وقال ابن دريد: هي البعصوص كقربوس. وعلى كل حال لا ترى كيف أن هذه اللفظة توافق هذه الدويبة؛ إلا أن يقال إنها مشتقة من البعص وهو الاضطراب ونحافة البدن وكلاهما ينطبق عليها أتم الانطباق. ثم عدت إلى بغداد سنة ١٩٠٩ فمررت بشطوط الفرات فسألت عن اسمها فقيل إنها (الجليلو) والبعض سماها: الجليلة فاتضح لي صحة هذه التسمية كما اتضح لي أن أسماء الشيء الواحد قد تختلف باختلاف القبائل والأنحاء والأصقاع والبقاع وهو أمر جليل. وعليه فقد صح أن نسميها بعدة أسماء وهي: (ابنة اليوم) لأنها لا تعيش اكثر من ذلك، وهو معنى اسمها العلمي واليوناني (الخيتعور) لأنها سريعة الزوال والاضمحلال. - (والزخرف) لأنها زينة الماء والغدران - والبعصوصة لكثر اضطرابها ونحافة بدنها - والإكليلية أو ذات الإكليل أو المكللة لما يظهر من هيئتها للناظر إليها من الخارج. هذا ما أردنا أن نبينه

стр. 509

في هذا الباب وأن كان للقارئ شيء يزيد على هذا القدر فليتحفنا به ونحن له من الشاكرين. سرعة عمران عبادان اطلع كثيرون على مقالتنا التي أدرجناها في الجزء الرابع من السنة الأولى من لغة العرب (١: ١٢١ - ١٢٩) فنقلتها بعض الجرائد الشامية والمصرية وترجمتها أيضاً بعض الصحف والمجلات الإفرنجية. ثم طلب إلينا بعض القراء أن نزيدهم علماً فيما حدث بعد تلك المقالة، وأي مبلغ بلغ عمران تلك المدينة الحديثة، وهل نبع الزيت الحجري أم لا، وكم يبلغ مقداره في اليوم. فالقينا هذا السؤال على أحد مخبرينا أبناء العرب النبهاء فكتب إلينا ما يأتي: أن اقتراحكم علي صعب التحقيق، والسبب هو: لأن الإنكليز أصحاب الأمر في عبادان يمنعون منعا باتا كل من يريد دخولها من أجانب ووطنيين من نقلة الأخبار. فقد حاول الدخول خمسة من الإنكليز قبل شهرين فردوا على أعقابهم خائبين لا يلوون على شيء. وحاول آخرون رشو بعض الحرس فلم يفلحوا وعادوا بخفي حنين. ولهذا اصبح الوقوف على ما يجري هناك اعز من جبهة الأسد. على أن الدخول مباح لكل رجل أمي لا يحسن القراءة والكتابة أو بيده رخصة من مدير محل ستريك سكوت وشركائهما في المحمرة وبالإنكليزية وأما الموظفون أو المشتغلون بإشعال المدينة وعمرانها على نفقة الشركة فهؤلاء يدخلون ويخرجون متى يشاءون. ولا يحق لهم أن يكتبوا شيئاً أو يبوحوا بسر من أسرار عمران الحاضرة أن كتابة وأن مشافهة. وإذا كان الموظفون من الإنكليز فهم يبدلون مرة في كل ثلاثة أعوام، وإذا رجعوا إلى أوطانهم وخرجوا من وظائف الشركة لا يجوز لهم نشر شيء مما علموه. وألا تقام عليهم الدعوى ويحاكمون. أما أنا فقد نكرت زيي ودخلت المدينة دخول عامل أمي يطلب رزقه بعرق جبينه فكانت هذه الواسطة سبب نجاحي وفوزي بمرامي.

стр. 510

وبعد هذا التمهيد أقول: إن أدوات المسرة (التلفون) والإبراق (التلغراف) قد تمت اليوم؛ وقد ربطت بها جميع المقامات والمراكز والمدن التي فيها محلات أو أشغال الشركة. وزيادة على ذلك تنور اليوم تلك الحاضرة الجديدة بالكهربائية البديعة الضياء حتى أن الليل فيها يشبه النهار. ولا تظن أن العمران قد بلغ اليوم أقصاه هناك ولم يبق مجال للإيغال فيه؛ بل بالعكس فأن البواخر البحرية لا زالت تتردد إليها وتنقل أنواع الأدوات والعروض والبضائع والأموال؛ منها للبناء، ومنها للبيع، وبعضها للاتجار، وغيرها طلباً لرغد ورفاهية المتوظفين وجميع الإنكليز الموجودين هناك. ومن جملة ما نقلته البواخر البحرية الأخيرة قطع من الحديد تدخل في الأبنية وفي تركيب الآلات الضخمة الراجعة إلى معامل الزيت الحجري وتصفيته وترويقه الخ؛ ومنها مراجل أو خلاقين من حديد هائلة العظم، وزن كل اثنين منها ٣١ طناً وعددها ٣٠ مرجلاً فيكون وزنها جميعاً ٩٣٠ طناً. وقد ادخلوا في عبادان جميع مستحدثات الحضارة حتى المطيرة وأول من ركبها وطار بها المستر ريتشي وبعد أن حلق بها لم يحسن تسيير آلتها المحركة، فهوت به فجأة إلى الأرض واوثى، إلا أن راكبها لم يصب بأذى وقد كتب فجلب مطيرة ثانية بدلاً من الأول فنجح في سعيه. وأما مقدار النفط أو الزيت الحجري الذي ينبع من الارض، ويستخرج من منبعه فلا يعرف على التحقيق، لأن الباخرة (سلطان فأن التي رست في عبادان في شهر أيار شحنت ثلاثة آلاف طن من هذا السائل في يوم واحد، وكان الشحن على هذا الوجه وهو: تركب أنبوبة تجمع بين منبع النفط وداخل الباخرة فكان السائل يجري جرياناً متصلاً إلى أن أخذت الباخرة ما يمكنها حمله فأقلعت في اليوم عينه متجهة نحو جاوة. ثم جاءتها في ذلك الشهر باخرة منهلا وشحنت ألف طن من النفط (وهو الزيت الحجري قبل أن يصفى) ونقلته إلى رانكون في الهند؛ ثم أقبلت بعدها باخرة (جلنار) من سفن شركة لنج التي تسير على دجلة من

стр. 511

البصرة إلى بغداد ونقلت مرتين ١٠٧ براميل ضخمة من هذا النفط ثم جاءت عدة سفن شراعية لتتزود ما يحتاج إليه (جلنار) من هذه المادة. وإذا أردت أن تعلم الآن ما هناك من الأبنية والمعاهد التي أقيمت لاستخراج النفط والزيت الحجري وما جلب له من الأدوات والسفن والآلات وما هيئ له من المعدات، فدونك أسماءها بالعربية والإنكليزية: أنابيب يجري فيها (الدوبة بلسان العراق هي السفينة الجنيب عند الفصحاء)

стр. 512

للمراجل أو الخلاقين الكبيرة ١، ٢، ٣، ١ ٢ ٣محل للمراجل مع ٣ لتصفية زيت لتصفية زيت الاستصباح مع دار فيها متعددة الحمالين. والحي يشمل عدة خطوط وهي عشرة اليوم وفيكل خط عشر حجر ولكل حمال حجرة. فيها منزفة للزيت غير (قاطرة صغيرة) التصوير لتصفية - للأشغال أو صغيرة وسفن - (جنيبة) لجر الزيت مع دار القوى القوى (إسطبل أو آخور) كبار أحواض ١ ٣ ٤خمسة أحواض كبار ٤ ٥ ٦ ٧ مسمرة (تلفون) ماء (وهو بناء موقت) لصناديق الصفيح (التنك) الماء ومحلات ميناء عبادان فقد اصبح من احسن موانئ خليج فارس وأمنها والآن لا يدع الإنكليز أن يرسو فيه ألا البواخر التي تنقل إلى عبادان ما يفيد أشغالها الخاصة بالزيت الحجري وبالعملة الذين يشتغلون به. فقد جاءها في شهر شباط مركب غريكوي وقد نقل حدائد تركب منها دوبة (جنيبة) حملها ألف طن. وقد ركبت قطعها في عبادان. وجاءها في شهر آذار مركب (أداليا وكان قد نقل إليها مائتي ألف صندوق خشب للنفط. وجاءها في ذلك الشهر أيضاً مركب وكان محموله عشرين ألف صندوق صفيح (تنك) وفي كل صندوق عشر قطع من الصفيح.

стр. 513

ورسا فيها في شهر نيسان مركب وكان مشحونه قطع حديد لدوبة كبيرة محمولها خمسمائة طن مع ستمائة صندوق من الحامض الكبريتي (دهن الكبريت وكان مركب منهلا قد حمل إليها أيضاً ١٣٧٢ صندوقاً من هذه المادة. هذا أهم ما يقال في سرعة عمران عبادان، ولا ريب في إنها لا تقف عند هذا الحد بل تسير سيراً حثيثاً فيه، ولا يمضي عليها عشرة أعوام حتى تعد من اعظم مدن العراق وخليج فارس. فسبحان مالك الملك الذي يؤتيه من يشاء وهو الحي الباقي السرمدي. البصرة: عربي متبدٍ الخطر على نخل العراق ذهبنا هذا الشهر والشهر الماضي إلى الكاظمية، فرأينا نخل بساتينها مصاباً بعلة تجعل خوصها يبرق بريقاً غريباً كأنه طلي بطلاء من الصمغ، فسألنا عن اسمها، فقيل لنا: هذا داء المن. فطلبنا إلى حضرة صديقنا الفاضل وجيه بك مدير الزراعة في ولايتنا أن يصف لنا وصفة يدفع بها هذا الداء الفتاك، فوضع لنا هذا البيان الآتي نصه، ليقف عليه أرباب البساتين والزراعة فيدفعوا عنهم شراً هائلاً لا يعرف ما وراءه من الأخطار والأضرار، ألا من عرف هذا الداء وفتكه بالاشجار، في سائر الديار. وهذا كلام حضرة المدير عزه الله: إلى الملاكين وأصحاب البساتين اعلموا يا أهل بغداد أن قد حل بنخيلكم مصيبة عظيمة في هذه الأيام، وهذه الطامة الكبرى هي وقوع مرض فيه يسميه العامة (المن) ويسميه من ليس من هذه البلاد باسم (ندوة العسل) وبالفرنسوية

стр. 514

فهذا الداء يسري بسرعة عجيبة إلى سائر النخيل فيتلفها، وإذا أهملت المعالجة ولم تؤخذ التدابير الواقية أو الشافية تعم البلوى، ولا يبقى اثر لمحصول النخيل، بل ولا يمكنكم أن تجنوا منه شيئاً بالنسبة إلى العام الماضي، أو أنكم تجنون ثلاثين بالمائة فقط، إذا أخذتم الوسائل اللازمة لدفعه قبل أن يعم البلاء. أما الحكومة السنية فإنها تبذل كل ما في طاقتها لتبعد عنكم هذا الداء، وقد أخذت التدابير اللازمة للبلوغ إلى أمنيتها. وهذا لا يمنع الملاكين وأصحاب البساتين وأرباب النخيل من أن يتذرعوا بالذرائع الآتية وهي: ١ يجب قطع جميع السعف المصاب بالداء منعاً لسرايته. ٢ بعد قطع السعف المصاب بالداء يهيأ إناء يوضع فيه ماء ويحل في كل مائة درهم منه درهمان من الليزول (وهي مادة سائلة توجد في الصيدليات أو الاجزائيات)، أو ان يحل في كل مائة درهم من الماء خمسة دراهم من الزنجارة (كبريتات النحاس) وبعد أن تحل إحدى هاتين المادتين بالنسبة المذكورة تغمس مكنسة في ذلك المحلول، ويرش بها السعف السليم حتى يشمل الرش السعفة كلها خوصها وعسيبها. - وهناك طريقة ثانية للرش وهي أن يؤخذ من البلدية المضخات (الطرمبات) التي كانت تستعمل في أيام الهيضة (الكولرة) وتملأ من ذلك المحلول، ثم يرش النخيل بها، فيكون حينئذٍ الرش بها محكماً وهذه الطريقة الأخيرة هي احسن من الأولى. وعلى كل حال فإياكم الإهمال، لأن من ورائه فشو الداء، وعموم البلاء، وقانا الله منه. - هذا وقد أبلغتكم وما على الرسول إلا البلاغ، والسلام على من اتبع الهدى. وجيه مدير الزراعة في ولاية بغداد (ملحق بما سبق) أن هذا الداء الذي عم بلاؤه النخيل في هذه الأيام كان يرى سابقاً على أوراق أشجار القطن وأغصانه في السنين الرطبة الكثيرة الأرياح الشرقية؛ وكان يسبب لأصحاب تلك الأشجار خسائر جمة عظيمة. ثم لما كثرت بزيراته نما نمواً فاحشاً. ومن خصائص انتشاره أن تبقى تلك الحبيبات أو البزيرات تحت التراب بدون أن يتكاثر فإذا تكاثر؛ فإذا صادفه سنة رطبة وهي

стр. 515

الشرقية الأهوية في العراق، ساعدته حينئذٍ البيئة على النمو فيأخذ بالتوالد والتكاثر بسرعة غريبة ويسبب خسائر عظيمة لأصحاب الزراعة. والحييوين الذي يفرز هذه المادة الصمغية يسمى (المن) بالعربية وبالفرنسوية والضرر ينتج من أن هذا الحييوين الذي يفرز هذه المادة الصمغية فيطلى بها مسام الأوراق والأغصان. وكما أن هذه المسام هو لازمة الحياة أعضاء الأشجار لزومها في الإنسان والحيوان فإذا سدت امتنع التنفس وأمتنع أيضاً سير الماء في داخل الأنبتة والأشجار، فينشأ حينئذٍ نوع من الاختناق يودي بها إلى الذبول والموت. فعسى أن ينتبه العقلاء إلى هذا الخطر ويدفعوه عنهم بأقرب وقت وأنجع وسيلة. (لوجيه بك صاحب النبذة المذكورة) خواطر في المنتفق وديارهم وقع بيدي نهار أمس العدد السادس من مجلتكم (لغة العرب) فرأيت في مقالة حسناء مذيلة باسم الشيخ محمد رضا الشبيبي الكاتب النجفي الشهير، وعنوانها (حول المنتفق) فبدا لي في أثناء مطالعتها بعض الخواطر فأحببت أن أبديها للقراء لاعتقادي المكين أن حضرة الكاتب ممن لا يخاف التعقيب على كلامه؛ لاسيما وقد قال في مستهل مقاله انه ممن (يرغب في الوصول إلى الحقيقة التي كثيراً ما توجد في وسط الاختلافات) قال حضرة الشيخ الكاتب: (كانت تتجاذب طرفي الفرات الأدنى منذ عهد غير قريب عميرتان من أكبر عمائر العراق وهما: خزاعة. . .) ونسي ذكر الثانية التي هي عميرة المنتفق. ولعله أغفلها عمداً لاشتهار أقامتها في تلك الربوع، وقد مر عليها في مطاوي البحث في صدره وحشوه وآخره. وقال حضرته: إن الغراف لم يكن في الأزمنة الخالية من ديار المنتفق وقد صدق. وأزيد على ذلك: إن ديار ربيعة تمتد حتى اليوم إلى نحو نصف المسافة الموجودة بين الحي وقلعة سكر على عدوتي الغراف وقد كانت عميرة ربيعة في صدر القرن التاسع عشر للميلاد محتلة الغراف، ثم وقع نزاع بين عميرتي ربيعة والمنتفق أدى إلى انجلاء أمير ربيعة عن تلك الديار إلى موطن اسمه (شادي)

стр. 516

ومن الأقوال العائرة المعروفة عند عمائر تلك الأصقاع (وأظنه من أقوال ضرب من أغاني الموال المسمى في لغتهم أبو دية، بكسر الدال المهملة وتشديد الباء المثناة المفتوحة وهاءٍ في الآخر): (اللي يريد البرص ما ينزل بشادي. وينزل بين العبد والقادرية). فالبرص (بضم الأول والثاني) تل يقرب جداً من مدينة الناصرية. وشادي من ديار ربيعة واقع بين الكوت والبغيلة (مصغرة) على العدوة اليسرى من دجلة العظمى. والعبد (بفتح العين وتحريك الياء بحركة مشتركة) تل يبعد عن شرقي قلعة سكر نحو خمسة عشر كيلو متراً. ويتوسع في معناه فيطلق اللفظ على الأرض المحيطة به. والقادرية (وتلفظ الجادرية) اسم ترعة تسقي هذه الأرض. وذكر حضرة الشيخ: إن ربيعة لا زالت محتلة من الغراف فراسخ تنتهي بأرض يقال لها البسروقية على خمس ساعات من الحي. ولا غرو انه قصد من قوله الحي: شماليه. وقال: إن كثيراً من العشائر النازلة في صميم الغراف هي من ربيعة لا من المنتفق. . . الخ. وأظن إن في هذا الكلام ما يناقض سابق كلامه بعض الناقضة. نعم أن كثيراً من العشائر النازلة في صميم الغراف هي اليوم من ربيعة كما سبقت الإشارة إليه، وصرحنا به نحن أيضاً، لكن فيهم من المنتفق أيضاً لأن ربيعة تقسم إلى ثلاث عشائر وهي: أولاً: العشائر التابعة رأساً لأمير ربيعة ويطلق عليها اسم بني عمير (بإسكان العين وميم مفتوحة بإمالة) وقريش (وتلفظ بالكاف الفارسية المثلثة وإسكان الأول وفتح الثاني فتحاً بإمالة) ثانياً: مياح (وزان شداد) وهي تحت زعامة أحد أبناء بيت ناصر من الشحمان (بتحريك الأول حركة مشتركة والباقي وزان سكران) ثالثاً: السراج (وزان شداد. والبعض يحملون الجسيم ياء فيقولون السراء) وهم تحت زعامة أحد أبناء بيت كليب (وتلفظ جليب بجيم مثلثة فارسية)

стр. 517

وأما عشيرتا عبودة وبني ركاب فبعد ان خاصمتا آل السعدون على الإمارة وخفقتا في سعيهما، انضمتا إلى عشائر المنتفق، وقطعتا كل علاقة مع ربيعة، وأخذتا تؤديان كل الضرائب والرسوم لوالي بغداد، وهي ضرائب ورسوم يؤديها عشائر المنتفق للوالي المذكور. بل أخذت تؤدي حتى الضرائب التي كانت معروفة باسم (الحصان) وهو ما كان مكلفاً بتأديته شيخ المنتفق من الجياد إلى والي بغداد. ويخرج من هاتين العشيرتين فخذا العائد والصالح من بني ركاب، ذلك لقربهما من عشائر ربيعة، ولهذا بقيتا منقادتين لزعامة آل السعدون من باب السياسة وتسهيل المعاملات مع مجاوريهم. وأما عشيرة مياح (وهي التي سبق الكلام عنها) مع جميع افخاذها، وآل غريب (وهي فرقة من هذه العشيرة)، وعقيل (وهي عشيرة من عشائر السراج)، والسراج وجميع افخاذها، وكنانة (تلفظ جنانة)، فكلها من الأحياء المنتسبة رأساً إلى أمير ربيعة. وعليه: فقد رأينا بعضهم لا ينتسبون إلى ربيعة. ولهذا وجب التصريح بهم وأن كانوا قليلي العدد بين الجم الغفير حرصاً على الحقيقة. وأما الناصرية فقد ذكر الكاتب اسم مؤسسها وبانيها، وهو ناصر باشا السعدون ولم يزد على ذلك ولهذا أضيف على ما ذكر ما يأتي: إن الذي خططها هو المهندس البلجيكي المسيو جول تلي ولم يعرف على التحقيق عام تخطيطها؛ ألا أن الحجر الأول الذي وضع لأساس دار الحكومة كان في سنة ١٢٨٥ مالية الموافقة لسنة ١٢٨٦ هجرية و ١٨٦٩ ميلادية أي في عهد ولاية طائر الصيت مدحت باشا وعلى ترغيبه. وكان أول من بنى فيها داراً للسكنى نعمة الله بن آكوبجان بن سركيس بن آكوبجان بن مقصود المعروف بنعوم سركيس الحلبي الأصل، الأرمني العنصر، الكاثوليكي الطائفة. ثم بنى فيها أسواقاً وخانات وقهوات. وقد ولد نعوم سركيس في بغداد سنة ١٨٣٠ مسيحية. وكان والده قد هجر حلب لكثرة الزلازل التي كان وقع فيها في أوائل القرن التاسع عشر. وبعد أن نشأ نعوم وشب اتصل بناصر باشا فقربه منه وأقامه أميناً لخزانته. ومات وهو اعز أصدقاء آل السعدون.

стр. 518

أشار حضرة الشيخ إلى أن سوق الشيوخ هي على ضفة الفرات وحسناً قال إذ ذلك مطابق للواقع. واحسن من هذا أن يقال أنها واقعة على ضفة الفرات اليمنى، وأنها تبعد نحو ست ساعات عن جنوبي الناصرية وليس على بعد ساعتين. وسوق الشيوخ من اقدم مدن المنتفق. وسورها اليوم متهدم. وكان هواؤها سابقاً حسناً جداً، لأن مياه الفرات كانت تجري في عقيق النهر ولم تتجاوزه لتفسد الأرض والبقاع. وقال حضرة الكاتب الفاضل: إن الغراف يصب في موضعين: أعظمهما مصب الحمار (وزان شداد) قرب الناصرية وهو مضمحل ضيق. ولم يبين المصب الثاني. قلت: أما مصب الغراف في هور الحمار فهو مصب شعبة الغراف المسماة (بالبدعة) وسيأتي البحث عنها. وهذا الموقع يبعد عن الناصرية بما يزيد على أربعين كيلومتراً. وأما المصب المضمحل فهو غير الذي ذكره حضرة الكاتب بل هو المصب المعروف (بشط الازيرق) المختلط ماؤه سابقاً بماء جدول (السديناوية المتفرع من الفرات. وقد اضمحل اليوم كل الاضمحلال. وذكر حضرة الكاتب النحرير الشطرة فقال عنها: وعلى هذه الشعبة الغيرة بلدة الشطرة. قلنا: الأمر على خلاف ما ظهر له فأن ما سماه شعبة الغراف هو الغراف الأصلي عينه وقد كان عامراً حين شيدت بلدة الشطرة الحالية وقد كانت الشطرة قبل ذلك العهد على جدول صغير آخذ من الغراف تبعد عن موقعها الحالي نحو كيلومترين من جهة الغرب واسم هذا الجدول الخليلية فلما كانت أوائل متصرفية ناصر باشا تحقق أن هذا الجدول اخذ بالاندراس وأن احسن موطن تنقل إليه الشطرة هو هذا الذي حولت أليه. وكان الذي حسن في عين ناصر باشا هذه البقعة العذبة هو مستشاره وصديقه الوفي الأمين نعوم سركيس المذكور آنفاً. ومن بعد أن تم الاتفاق على هذا الرأي شيد نعوم دوراً عديدة وأسواقاً وخاناً وقهوات ثم مسكناً له ولاتباعه. ثم عمر بيوتاً أخرى وأهداها إلى بعض وجوه

стр. 519

الشطرة القديمة، تشويقاً للانتقال إلى الشطرة الجديدة وقد تم بناؤها بعد إتمام أبنيته في الناصرية. ولم يكن اسمها كذلك بادئ بدء، بل كانت تسمى (بالفالحية) نسبة إلى فالح باشا (وهو فالح بك يومئذ) أكبر أنجال ناصر باشا. غير ان اسم الشطرة غلب عليها وهي تسمى كذلك إلى اليوم. وأما ما سماه حضرة الشيخ بالشعبة الكبرى وقد قصد بها (البدعة) فهي تبتلع اليوم نحو ثلاثة أرباع مياه الغراف أو اكثر. فهذا الجدول على ما وراء الرواة الثقات لم يكن في غرة القرن الميلادي السابق إلا قاعاً صفصفاً أهداها أحد أمراء ربيعة لآل السعدون (والواهب هو خال الموهوب له، وظنه الشيخ عيسى من آل السعدون) فشق لها نهراً اتسع شيئاً فشيئاً لانحدار مياهه في أرض مطمئنة، فأصبحت الآن من احسن مزارع تلك الجهات. وبخصوص قلعة سكر أقول: إن اسمها الأول كان (العلة) (بكسر العين وتشديد اللام المفتوحة) وكان هذا الاسم معروفا قبل نصف قرن. وسبب هذه التسمية هو انه كان في تلك البليدة قلعة مبنية من الطين يحتلها جماعة من الجند صداً لغارات الأعراب فكانت في وجههم كالعلة في البدن؛ وما أولئك الأعراب إلا العشيرة النازلة في العدوة اليمنى من أبي جحيرات واسمها عشيرة الجابر. ولهذا نسمع إلى اليوم من يسميها بالعلة وهو مع ذلك نادر. وأما ما يتعلق بأهل الحي فاغلبهم أهل زراعة؛ وإذا قلت نصفهم فلا أخطئ ومما احب أن أذكره هنا هو بعض الإفادات عن الغراف لكثرة وروده على الألسنة وفي هذه المجلة فأقول: للغراف اسمان (الواحد المسرهد) وقد نوهت به هذه الصحيفة في مقالتها عن المنتفق، وهو الاسم الكثير الورود في سجلات الحكومة المعروفة (بالدفتر الخاقاني)، والمسرهد لغة: المنعم والمغذي، ولا أرى كيف أن هذا المسمى يوافقه هذا الاسم. على أن الذي يتبادر إلى الذهن هو غزارة أناء أرضه وكثرة مياهه الوافرة الغريل الناعمة، فإذا زدت على ذلك قناعة الأعراب اتضح لك سبب هذه التسمية. وهناك وجه آخر مأخوذ من قولهم: رجل مسرهد أي سمين. وسمن مجاري المياه بمعنى غزارة تدفقها من باب المجاز أمر مشهور. وإن لم تقنع بما تقدم شرحه فلك وجه ثالث

стр. 520

وهو أن المسرهد سمى كذلك من قولك: ماء مسرهد أي كثير، وعليه فقولك نهر مسرهد هو من مائتي واحد أو وادٍ واحد. وأما اسم الغراف الثاني فهو الحمر وزان الجبل وهو تخفيف الأحمر وهذا اللفظ يعرفه بعض عشائر لواء الديوانية. وسموه كذلك لحمرة غريل مائه. وأما شط العمى (بفتحتين وهو تخفيف الأعمى) فقد كان قديماً الشعبة الأصلية؛ وعلى عدوته اليمنى قبة مبنية على اسم العقار (وزان شداد) وهو أحد أبناء الإمام موسى الكاظم؛ وكانت السفن تجري في هذه الشعبة من النهر إلى أمد غير بعيد؛ وأظنه لا يتجاوز ربع القرن. وكان محمول كل سفينة من هذه السفن خمسين ألف كيلو غرام. وأما قول حضرة الكاتب البارع أن الغراف ينقسم قرب الحي. فلا جرم انه قصد بكلامه هذا أن الانقسام يحصل على بعد نحو كيلومترين ونصف من الحي جنوباً. وعلمه فوق كل علم وهو الهادي إلى الصواب. الناصرية: منتفقي مؤتمر المستشرقين في سنة ١٩١٢ (١٣٣٠) اجتمع المستشرقون في آثينة في شهر نيسان من هذه السنة وتليت فيه الخطب وجرت فيه المباحث حتى تذكر غير واحد منهم سوق عكاظ. أما المواضيع التي طرق أبوابها أولئك العلماء فكثيرة نذكر منها ما يختص بالإسلام مع ذكر أسامي أصحابها: ١ الأب هنري لامنس اليسوعي: المسجد في أول نشأته ومنزلته في القرآن. ٢ سيكا في صورة صور فيها ذو القرنين. ٣ بكر في الإسلام السوداني (تشاد) حسب بعثات مكلمبرج دخول دعاة العرب (رابح) - مراكز بث الدعوة - عبادة الأئمة. - حج مكة. ٤ مرغليوث - نقد المجلد السادس من معجم الأدباء

стр. 521

لياقوت. وفيه تراجم في غاية القدر والشان كالجاحظ والشافعي والطبري. ٥ دلبدن نقد ترجمته للفصل الثاني من الرسالة القشيرية ٦ أحمد تركي باشا. بحث في نقل الألفاظ الكلامية اليونانية وكتابتها وتعريبها على ما وجدها في كتاب معرب غفل محفوظ في خزانة كتب كوب قبو. والكتاب الأصلي اليوناني تأليف ثمسطس بليطون. ٧ احمد زكي باشا: نقد كتاب كنز الدر، تأليف أبي بكر الدواداري (المتوفى سنة ٧٠٩ للهجرة) في اصل التتر. - عرض ما يريد أن يتولى طبعه من الكتب العربية القديمة ككتاب التاج للجاحظ وكتاب النويري، وكتاب ابن فضل الله العمري وكتاب الأصنام لابن الكلبي. ٨ زكي باشا. في نشوء وتكامل الفنون المستظرفة عند المسلمين. ٩ الشيخ احمد الإسكندراني (من أساتذة مصر القاهرة) نظر في كتابه آداب اللغة الدارجة المصرية. وفيه بحث عن الأغاني وما يتعلق بها. ١٠ دفوراك بحث في طبعه لديوان (باقي) التركي. وبأي قدر اقتبس من أفكار (حافظ). ١١ لويس ماسنيون نقد عبارة المتصوفة (أنا الحق) استناداً على ما كتبه أهل الجدل من المسلمين. ١٢ ج. ج. هس بحث في لغة نجد الحالية. وفي انتقال النبرة والتنوين في كلامهم كما في (هي امرأة لي) فيقولون: (هي مرتا للي). ١٣ ناصف حفني بك. بحث في حقن (من ديار مصر)، مسقط راس مارية القبطية، وبحث آخر في رقيم عربي من بلاد اليمن. ١٤ احمد حكمت بك. (من الأستانة) ميل الآداب التركية العصرية إلى اللغة الطورانية. ١٥ الدكتور اوغسط فيشر (من لبيسيك) فكره في وضع معجم عربي تؤخذ مواده من كتب الفصحاء مواد أو اللفظ لم يذكرها أصحاب المعاجم.

стр. 522

١٦ الدكتور الأستاذ اغناز غولزيهر. بحث في علم كلام فخر الدين الرازي. وجمعه الفلسفة إلى علم الكلام. ومجادلته لأهل الجرجانية (وكانوا معتزلة من خوارزم) التي أقامها على ثلاث دعائم وهي: ضوابط لتأويل القرآن. نقد الحديث نقداً بتدقيق نظرية خلق (الكلام) في محل. فمن نظر إلى هذه المباحث وكثرتها وما فيها من الوعورة والصعوبة حكم أن ذاك المؤتمر كان من اجل المؤتمرات التي عقدت وكان للعرب فيه حظ وافر؛ فعسى أن ينشط الشرق من خموده أو جموده ويعود إلى سابق عزه، وسامق مجده. ل. م المختار في الطب (تصنيف الشيخ الإمام العالم الأوحد مهذب الدين شمس الإسلام أبى الحسن على بن احمد بن هبل المتطبب)، المولود ببغداد في ٢٣ ذي القعدة سنة ٥١٥، والمتوفى في الموصل ليلة الأربعاء ١٣ من المحرم سنة ٦١٠هـ (أي ولد في ٣ شباط ١١٢٢ وتوفي في ٥ شباط سنة ١٢١٣م). قبل أن نصف هذا الكتاب البديع في خطه ومحتوياته نذكر ترجمة المؤلف نقلا عن ابن القفطي قال: على بن احمد أبو الحسن يعرف بابن هبل (لا الهبل كما جاءت في النسخة المطبوعة في ليبسك) الطبيب، ولد في بغداد ونشأ بها، وقرأ فيها الأدب والطب، وسمع وروى عن مشايخ وقته. ثم صار إلى الموصل، وخرج إلى أذربيجان، وأقام بخلاط عند صاحبها شاه أو من يطبه. وقرأ الناس عليه هناك الحكمة والأدب. وفارق تلك الديار لسبب وهو: إن بعض الطشتدارية (الخدام الذين يحملون الطشت للأمير) قال له يوما وقد نظر إلى قارورة الملك في بعض أمراضه: يا حكيم لمَ لا تذوقها؟ فسكت عنه. فلما انفصل عن المجلس قال له في خلوة: قولك هذا اليوم عن اصل أم قول غيرك أو هو شيء خطر لك فقال: إنما خطر لي لأنني سمعت أن ذوق القارورة من شروط اختبارها. فقال له: الأمر كذلك، ولكن لا في كل الأمراض. وقد أسأت ألي بهذا القول لأن الملك إذا سمع

стр. 523

هذا ظن إنني قد أخللت بشرط واجب. من شروط خدمته وقوانين الصناعة فيها. ثم انه عمل على الخروج لأجل هذه الحركة والخوف من عاقبتها بعد أن رشا الطشتدار حتى لا يعود إلى مثلها. وخرج وعاد إلى الموصل وقد تمول فأقام بها إلى حين وفاته وحدث بها وأفاد. وعمر حتى عجز عن الحركة فلزم منزله قبل وفاته بسنين. وكان الناس يترددون إليه ويقرءون عليه وسئل عن مولده فقال: ولدت ببغداد بباب الازج في ٢٣ من ذي القعدة سنة٥١٥، وتوفي بالموصل ليلة الأربعاء ١٣ من المحرم سنة ٦١٠ وله كتاب في الطب سماه المختار رايته في أربعة مجلدات وله غير ذلك. وهذه الترجمة وردت في تاريخ الدول لابن العبري ص ٤٢٠. وقد ذكر صاحب كشف الظنون كتابا آخر لطبيبنا هذا واسمه (مختارات ابن هبل) قال عنه: (في الطب ترتيب الأعضاء). والظاهر أن هذا الطبيب كان عظيم الشهرة في زمانه لأن ابن الحاج الشيرواني لما ألف كتابه (روضة العطر) نقل عن مؤلفات ابن هبل لأنه يقول في مقدمة كتابه: وكنت لما هممت بهذه الصنعة (أي الصيدلية) كتبت لنفسي هذا الكتاب حسب مرادي مجتمعاً من كتب شتى كالقانون والذخيرة ومختارات ابن هبل. . .) والظاهر أن صاحب كشف الظنون لم ير كتاب المختار لأنه لم يصفه. وقد وقع هذا الكتاب بيد أحد أدباء بغداد فأرانا إياه لنصفه للقراء. والموجود هو المجلد الأول وهو كبير الحجم طوله ٢٦ سنتمتراً في ١٠ عرضا. وفيه ٢٠٤ صفحات في كل صفحة ١٦ سطراً. طول كل منها ١٤ سنتمتراً. خطه في منتهى الحسن والجودة. وقد كتبت عناوين الفصول بالحبر الأحمر. ومن خصائص خط هذا الكتاب أن لكل حرف مهمل يقابله حرف معجم علامة تميزه، وهي سكون غير تام الاستدارة أو هلال صغير متجه قرناه إلى فوق. في أول صفحة من الكتاب هذا العنوان بحرف ضخم حسن: المجلد الأول من المختار في الطب. تصنيف. . . وفي أعلاه: طالعه محمد بن نصر الطبيب. وقد تملك الكتاب جماعة من الناس. يشهد على ذلك ما هناك من التعليقات وهذا نص بعضها: انتقل إلى تصرف الأمير حسن بن المرحوم بيري بك عفى عنهما العافي،، - (والآن قد انتقلت بالشراء الشرعي إلى الفقير محمد

стр. 524

بن غريب الموصلي أصلا والحلي مسكناً.) - انتقل بحكم المبايعة الشرعية إلى ملكه العبد الضعيف موسى بن القس مسعود عرف بالجصلوني وذلك في تاريخ رابع عشر نيسان سنة ألف وسبعمائة وثلاثة للإسكندر اليوناني ولله الحمد دائما كما هو أهله ومستحقيه. أمين. (هذه السنة توافق ١٣٩١م أو ٧٩٤ هجرية) - قد انتقل إلى ملكي الحقير المتطبب محمد علي الطهراني مسكناً ومسقطاً الملقب بمؤيد الأطباء البختياري أصلاً. في كربلاء المعلي في سنة مائتين بعد الألف من الهجرة النبوية.) (لكن قد حكت كلمة مائتين وكتب عوضها ستة عشر وثلاثمائة إلا أن نقش الخاتم المطبوع بعد الكتابة وتاريخه ١٢٠٠ يكذب كلام المزور المحتال أو السارق الخبيث) - قد اشتريت هذا الكتاب وصار من ممتلكاتي وأن فقير إليه تعالى محمد الحسيني الطبيب المازندراني في شهر ربيع الأول سنة ٨٨، يلي ذلك نقش الخاتم وهذا نصه: لا اله إلا الله. الملك المحق المبين محمد الحسيني ٨٨ ومن الذين تملكوه اثنان آخران لم نهتد إلى قراءة اسمهما. والظاهر أن هذه النسخة وضعت في مجلدين كبيرين لا في أربعة مجلدات، لأننا نرى في الصفحة الأخيرة ما هذا نصه: ولنختم الآن الكلام في الأصول الكلية في الطب ولنأخذ في ذكر الأدوية المفردة والمركبة ولنبسط الكلام فيها، لأنها هي الآلة المعينة في مقاومة الأمراض. ثم يقول: تم الكتاب الأول من المختار في الطب والحمد لله تعالى. . . المين وصلواته على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلامه وتحيته وإكرامه. ووافق الفراغ منه ثاني عشر شهر رمضان سنة عشر وستمائة. علقه لنفسه محمد بن احمد بن محمد بن يحيى.) وعليه فيكون الكتاب قد كتب في سنة وفاة المؤلف أي بعد ثمانية أشهر من وفاته. والكتاب يبتدئ هكذا: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد الله الواحد القهار، الملك الجبار، مدبر الفلك الدوار، ومرسل الشعاع من الأجرام ذوات الانوار، إلى سطح الأرض بلا قرار، لتصعيد أجزاء البخار، من الأرض والماء ومزجها بالهواء والنار، مزجا بالتفاعل والتضاد ثم بالثبات والقرار. على كيفية وأحكام متشابهة فيما بين الرطب واليابس والبارد

стр. 525

والحار. الخالق من هذه الأركان للإنسان بسائط الأعضاء. فمن الأرض اللحوم والعظام. ومن الماء جواهر الدماء. ومن الهواء الروح ومن النار الحرارة الغريزية الطابخة للغذاء المحسوسة في باطن الفضاء، من الصدر والمعاء، الحافظ لصحته بالإغتذاء وتنشق النسيم البارد من الهواء. منزل الداء ومعلم الدواء. والهادي إلى الشفاء. حمداً بلا انتهاء، وشكراً بلا انقضاء. والصلاة على محمد سيد الأنبياء، وعلى آل محمد الأتقياء الأصفياء. أما بعد. . . . فهذا هو الكتاب الجليل الذي أردنا أن نصفه للقراء وهو حسن الورق ثخينه مجلد بالسختيان الأحمر ومطبوع عليه نقوش عربية بارزة في الوسط والحواشي. أما عبارته فسلسة سهلة وفيه كثير من الألفاظ الإصلاحية الطبية التي تفيد اعظم فائدة للمشتغلين بالطبابة، فضلاً عن أن فيه من الحقائق العلمية ما يوافق العلم الحديث وهانحن نذكر شاهداً وجيز الفصل للدلالة على أسلوبه وطريقته. قال: فصل في تسمين القضيف وتقضيف السمين. السمين العبل مستعد لوقوعه في المرض سريعاً. وطريق تهزيله تقليل غذائه بحيث لا تضعف القوة، ورياضته على الريق رياضة متعبة، متنقلاً إليها بالتدريج. فإن السمين إذا فاجأ الحركة العنيفة اخطر بنفسه. ويجب أن يغذى بالأغذية اليابسة كالقلايا (أي المقليات) والمطجنات. ويجنب الامراق والدسم، ويتناول من الخل حسب الاستطاعة ومما يطبخ بالخل. وكذلك المري، ويستحم على الريق ويستكثر من الدلك، وخاصة الدلك الخشن والأدهان بالأدهان الحارة ومصابرة الجوع. ومن الأدوية المهزلة مداومة اخذ الاطريفل الصغير. وأما المهازيل فهؤلاء. تخصب أبدانهم باستعمال الأغذية المرطبة ويتفسحوا في تناولها، ويدخلوا الحمام عقيب الهضم، وقبل الحركة ويقللوا التعب، ولا يتعرضوا للشمس، ولا للعرق والدخان والغبار ويجلسوا على الفرش الوثيرة، ويهجروا الأغذية الحامضة ألا ما اصلح الشهوة ونبهها من المقدار اليسير. وسيأتي في كتاب الزينة كلام مستوفي في هذا الباب.

стр. 526

فترى من هذا المثال منزلة هذا الكتاب وبذل العناية في تعميم فوائده في طبعه إذا تمت أجزاؤه. ومن الغريب أن من هذا الكتاب نسختين في دار الكتب الخديوية وكل نسخة منهما تحوي الجزء الأول والتي عددها ٧٦٩٧ تامة والتي عددها ٧٦٩٨ ناقصة الأخر لكن فهرست الكتب المذكورة لم تذكر سنة كتابتهما. ولعل ذلك ناجم من إهمال التاريخ فيهما. وبهذا القدر كفاية. التشبيهات العامية أصبحت اللغة العربية تضم بين دفتيها أمماً شتى متبعثرة في كل صقع من أقاصي الهند وماليزيا شرقاً، إلى أقصى بلاد الغرب وبحر الادرياتيك غرباً، لا بل تعدت عباب الاقيانوس، ونثرت بذورها الحية في أميركا، فأصبحت موضوعاً من المواضيع التي تستحق البحث، لا سيما وأن اللغة خزانة تكنز تحت إغلاقها آثار الأمة وأفكارها، ولولا تقيد خواطر الأمم بالأخبار، وتدوينها في الكتب التي هي نسيلة لغتهم لضاعت الأمم كلها بأسرها؛ فهي أوسع عيبة لأخلاق الأمم ومعارفها، واعدل شاهد على الناقص والوافر من الناطقين بها. نرى صفاً من العلماء قد واصلوا الخطى، واجهدوا دقائق الدماغ، تفكراً وسعياً وراء العلوم الطبيعية أم الاختراعات الحديثة، وطلباً لمصادر الثروة، وتقريباً لأسباب المعيشة وتسهيلاً للنقل، وتخفيفاً للأثقال، ونرى أمامهم صفاً آخر ليس بالقليل يفتش أعماق الصخور، وينقب في أجواف الكهوف، عن كلمة من لغة الأمم البائدة، أو عن سطر من أسفارها، طلباً لتوسيع المدارك واختباراً لحالات البائدة. وتصفحاً لأخبارها وآثارها ومن أخلاق وعلوم وعادات. على أن علماء هذا اليوم لم يوجهوا أنظارهم إلى ما تقادم عهده من الأمم الهلكة المنقرضة، ولغاتها، وآدابها، وتاريخها، بل حولتها أيضاً إلى لغات أقوام هذا العهد الحية، وأخذت تعارضها بما سبق مثاله منها. لتعرف أسرار

стр. 527

الغابرين من وقوفها على دخائل المعاصرين. فنهض لهذه الغاية من جميع الأمم قوم من أهل السعي والإقدام، ونثلوا كنانة وسعهم وراء تحقيق هذه الأمنية، ففازوا بالسهم المعلى منها؟ وهانحن أولاء نقتفي آثارهم في وضع حجر في أساس لغتنا الشائعة العامية، تلك التي اختصم في أمرها أقلام ثلة من الكتاب، تختلف آراء أصحابها بعضها عن بعض. فقوم يظن أنها كانت قبل الإسلام أسيرة خدرها قد اشتبكت على حجلتها الإطناب، فعاشت بعيدة عن عوامل النحت والتحريف، نائية عن فواعل القلب والتصحيف؛ بل أصبحت في منحى لا يصل إليه التغيير، ولا يتطرق إليه الفساد. كيف لا وهي لغة نشأت بين قوم لم يألفوا ألا البهائم والقفار؛ ولم يعرفوا سوى المغاور والكهوف من الأمصار، حتى قال قائلهم: (ليس وراء عبادان قرية). ولهذا قال أصحاب هذا الحزب أن اللغة العامية ليست واللغة الفصيحة بتوأم، بل هي أخت صغيرة لها، نشأت بعد أن قطعت أختها البكر نصاباً من العمر أو مئين من السنين. وهناك حزب يرى انهما رضيعتا لبان، نشأتا في مهد واحد، وترعرعتا في حضن واحد، وأن اللغة العامية برأسها قديمة بقدم الفصحى. وربما ينضم إلى الحزبين حزب معارض وهذا صوته: إن اللغة العامية أن أريد بها نتائج التحريف والقلب والتصحيف فهي قديمة لوجودها في لغة الناطقين بالضاد منذ الزمن الأول، ولأنه لا يمكن للغات كلها أن تخضع لقانون عام ترسف بقيوده، وليس غرض الناطق إلا ما يدل على المقصود؛ فيردد ما يخف على الشفاه، ويسهل على اللسان، فيضطر حينئذٍ إلى التصحيف والتحريف؛ وحسبنا شاهداً على ذلك أن اللغة العامية في الأول كانت مقصورة على النادر والشاذ، ثم نمت هذا النمو المدهش؛ ولولا خطة البحث هنا أضيق من سم الخياط، لسردنا عليك أدلة جمة مقنعة. وإن أريد بالعامية ما اشتملت على الدخيل، وما حط بفنائها من النزيل، فهي ليست بقديمة كما هو مذهب الحزب الأول والشواهد هي أدلتهم. ولقد تتبع الباحثون عن لغتنا الفصحى، فكانت نتيجة استقرائهم قوانين

стр. 528

ونواميس قد عمت مفرداتها ومركباتها، فأودعوها مجلدات ضخمة، هي المعاجم وكتب النحو والصرف وأسفار المعاني والبيان والبديع؛ ولو قيض للغتنا العامية نقاب يستقري كلماتها، وينقب عن دقائقها، لعرف أن في الفرع ما في الأصل، بل وزيادة. ولا يلبث أن يرجع ممتلئ الحقائب من تلك النواميس الوضعية. فإن من عرف أن تلك القوانين ليست بالطبيعية ولا العقلية ولا يمكن التملص منها بل هي وضعية ناتجة عن قياس: كبراه الاستقراء، وصغراه الأغلب، آمن بأن لغتنا العامية قابلة للخضوع لتلك القوانين عينها. أما الأعراب فلا يستطاع إدخاله فيها كما هو في أختها لأن السكون سائد عليها فلا تجد حركة في آخر كلمة منها، ولكن النحو مستطاع لمعرفة الفاعل والمفعول وجملة من مسائل النحو بطريقة أخرى؛ عسانا أن نطرق موضوعها بعد البحث والتنقيب. وأما البديع فهو بأغلب أنواعه موجود فيها كالجناس والانسجام والاقتباس والاستعارة والتلميح والتشبيه الذي هو موضوع البحث. فالتشبيه، وبعبارة اضبط: القياس أو المقارنة موجود في لغتنا العامية ووجوده في أختها وسأفرغ الوسع في رسم التشبيهات بنصها ومنطوقها؛ ولا اتعرض للتشبيهات المبذولة فإنها لا تصلح لأن تكون غذاء للفكر، ولا مورداً للأقلام؛ وإنما اذكر الشائعة منها، والجارية مجرى المثل، وأنت تعلم بين التشابيه والمثل. فالمثل توقيفي، وهي ليست بتوقيفية، وربما التقينا على مادة البحث بصاحب الأمثال العامية وافترقنا بسلام وبعد هذا التمهيد أقول: أدوات التشبيه في لغتنا العراقية العامية ثلاث: (مثل) (وجنه) بالجيم المثلثة الفارسية ونون مفتوحة وهاء ساكنة؛ اصلها كأنه وقد اعتاد بعض العراقيين قلب الكاف جيماً كما مر الكلام عنه في هذه المجلة والأداة الثالثة المصدر المدخول عليه أداة تشبيه محذوفة. فإذا علمت ذلك اذكر لك الآن ما يقع في حفظي من التشابيه، فمنها قولهم: (مثل الزيبك لا يطير بعيد، ولا ينلزم بالأيد) الزيبك كثير الاضطراب، منه ما يستقى من معدنه، ومنه ما يستخرج من حجارة معدنية؛ واصل اللفظة زئبق، والعامة تبدل القاف كافاً فارسية مثلثة كما مر الكلام

стр. 529

عنها في غير هذا الموطن؛ وتبدل الهمزة ياء كما في وسائل ومائل فتقول فيهما (سايل ومايل) والزئبق بفتح الباء وكسرها فارسي معرب. (ابعيد) بهمزة مكسورة كسراً غير بين، وسكون الباء وهو بعيد فعيل بمعنى فاعل، زادوا عليه الهمزة هرباً من الابتداء بالساكن. (ينلزم) بفتح الباء وسكون النون وكسر اللام والزاء وسكون الميم وهو مضارع انلزم انفعل من لزم، ولزم في اللغة يأتي بمعنى ثبت ودام وأما العوام فيستعملونه بمعنى مسك وقبض. وزادوا في أوله النون إشارة إلى ما لم يسم فاعله، فانهم إذا أرادوا بناء الفعل للمجهول حملوه على وزن انفعل كما في قولهم أتقتل ينقتل وانضرب ينضرب، وليس عندهم بناء للمجهول في غير انفعل إلا ما ندر. وهذا النادر هو وزن تفعل وافتعل. والأيد. اليد. وعدم بعد الزيبك كناية عن اضطرابه المتواصل وهي وجه الشبه وقد قصد أبو تمام هذا التشبيه في الزئبق، فقال: وتنقل من معشر في معشرٍ ... فكأن أمك أو أباك الزئبق وأورده المتنبي في قوله: أدرن عيوناً حائرات كأنها ... مركبة أحداقها فوق زئبق وهذا التشبيه يذكر لمن يكون قريب المنال وعزيز الحصول عليه وهو من تشبيه المحسوس بالمحسوس وتشبيه حالة بحالة. ومن هذه التشابيه الخاصة بأهل العراق قولهم: (الطول طول النخلة والعقل عقل الصخلة) الطول: بكسر الألف كسراً غير بين، وحذف اللام لفظاً، وواو ولام ساكنتين، معروف. طول، بطاء مضمومة بعدها والساكنة يليها لام متحركة مشتركة هو أيضاً. بالمعنى المشهور. النخلة بالضبط المتعارف واللام المفخمة هي بمعناها المألوف. والعقل بالضبط المشهور ولفظ القاف الصريحة كافاً مثلثة فارسية واللام الساكنة. وعقل الثانية، مثل الأولى مع تحريك اللام بحركة مشتركة والصخلة. وزان النخلة. مع تفخيم اللام في كلا اللفظيين. والصخلة تصحيف السخلة وهي العنزة عند أهل العراق، تأنيث السخل وهو التيس عندهم. والبحث عن أدراك الحيوانات وتعقلها أمر لا حقيقة له ألا عند أصحاب

стр. 530

الخرافات وواضعي الأمثال على السنة العجماوات. فانهم قد فعلوا ذلك بغية إصلاح الإنسان لا غير. ومهما يكن من هذا الأمر وآراء الماديين والروحانيين فيه، فإننا لا ننظر إليه هنا إلا من جهته عند أهل البديع. فإن هذا التشبيه يضم تشبيها آخر على حد طريقة التشبيه المركب في اصطلاح علماء هذا الفن. إما تول المتشبهين فلا يتضمن شيئاً يوجب الالتفات. وإما الثاني ففيه فائدة لأن العامة تقول: عقل صخل، وعقل اصخول (- صخول) وتريد به أحد الوجهين. وهما: أما لأن المعز اشتهرت عند العرب بالغباوة - وهو مما لم يثبته الواقع إثباتاً لا يبق مجالاً للريب - فانهم إذا أرادوا التعريض بجهله وظلمة عقله قالوا: هو تيس. وإذا أرادوا الغاية في الجهل والغباوة قالوا: ما هو ألا تيس في سفينة. فأخذت ذلك العامة وشبهت به البليد. - وأما انهم يطلقون لفظ الصخل ولا يستعملونه في معناه الحقيقي بل هو عارية عندهم للزنجي لما بين لوني هذين المخلوقين من المشابهة في اللون. أو لتوحش الزنوج وهمجيتهم. وهذا التشبيه يساق لمن كبرته المناظر، وصغرته، المخابر، فالرائي يرى المرئي طوله كطول النخلة وعند الاختبار لا يرى فيه من العقل ما يزيد على عقل السخلة. وقد حذفت العامة أداة التشبيه وأقامت المصدر مقامها كما في قولهم: تمر مر السحاب. ومن تشابيههم قولهم: (مثل البعير، يشيل شكر، ويأكل عاكول) (ضبط الألفاظ ومعانيها) البعير، بكسر الباء عندهم دائما ولا يفتحونها البتة. وهي لغة قديمة في العراق وغير هذه الديار. قال عمر بن خلف بن مكي: (كل فعيل وسطه حرف حلق مكسور، يجوز فيه كسر ما قبله، أو كسر فاءه اتباعاً للعين في لغة تميم، كشعير ورحيم ورغيف وما أشبه ذلك، بل زعم الليث: إن قوماً من العرب يقولون ذلك وأن لم تكن عينه حرف حلق ككبير وجليل وكريم.). - والبعير للذكر من الإبل. ويسمون الأنثى ناقة (بلفظ القاف كافا فارسية مثلثة) وبعيرة. (يشيل) مضارع شال ومعناها عندهم رفع وحمل. وهي مأخوذة عندهم
следующие страницы →