← Джавами‘

Джавами‘ · id 36540

مجلة لغة العرب العراقية

أنستاس الكرملي

Полный текст (6 158 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

فترى من هذا المثال منزلة هذا الكتاب وبذل العناية في تعميم فوائده في طبعه إذا تمت أجزاؤه. ومن الغريب أن من هذا الكتاب نسختين في دار الكتب الخديوية وكل نسخة منهما تحوي الجزء الأول والتي عددها ٧٦٩٧ تامة والتي عددها ٧٦٩٨ ناقصة الأخر لكن فهرست الكتب المذكورة لم تذكر سنة كتابتهما. ولعل ذلك ناجم من إهمال التاريخ فيهما. وبهذا القدر كفاية. التشبيهات العامية أصبحت اللغة العربية تضم بين دفتيها أمماً شتى متبعثرة في كل صقع من أقاصي الهند وماليزيا شرقاً، إلى أقصى بلاد الغرب وبحر الادرياتيك غرباً، لا بل تعدت عباب الاقيانوس، ونثرت بذورها الحية في أميركا، فأصبحت موضوعاً من المواضيع التي تستحق البحث، لا سيما وأن اللغة خزانة تكنز تحت إغلاقها آثار الأمة وأفكارها، ولولا تقيد خواطر الأمم بالأخبار، وتدوينها في الكتب التي هي نسيلة لغتهم لضاعت الأمم كلها بأسرها؛ فهي أوسع عيبة لأخلاق الأمم ومعارفها، واعدل شاهد على الناقص والوافر من الناطقين بها. نرى صفاً من العلماء قد واصلوا الخطى، واجهدوا دقائق الدماغ، تفكراً وسعياً وراء العلوم الطبيعية أم الاختراعات الحديثة، وطلباً لمصادر الثروة، وتقريباً لأسباب المعيشة وتسهيلاً للنقل، وتخفيفاً للأثقال، ونرى أمامهم صفاً آخر ليس بالقليل يفتش أعماق الصخور، وينقب في أجواف الكهوف، عن كلمة من لغة الأمم البائدة، أو عن سطر من أسفارها، طلباً لتوسيع المدارك واختباراً لحالات البائدة. وتصفحاً لأخبارها وآثارها ومن أخلاق وعلوم وعادات. على أن علماء هذا اليوم لم يوجهوا أنظارهم إلى ما تقادم عهده من الأمم الهلكة المنقرضة، ولغاتها، وآدابها، وتاريخها، بل حولتها أيضاً إلى لغات أقوام هذا العهد الحية، وأخذت تعارضها بما سبق مثاله منها. لتعرف أسرار

стр. 527

الغابرين من وقوفها على دخائل المعاصرين. فنهض لهذه الغاية من جميع الأمم قوم من أهل السعي والإقدام، ونثلوا كنانة وسعهم وراء تحقيق هذه الأمنية، ففازوا بالسهم المعلى منها؟ وهانحن أولاء نقتفي آثارهم في وضع حجر في أساس لغتنا الشائعة العامية، تلك التي اختصم في أمرها أقلام ثلة من الكتاب، تختلف آراء أصحابها بعضها عن بعض. فقوم يظن أنها كانت قبل الإسلام أسيرة خدرها قد اشتبكت على حجلتها الإطناب، فعاشت بعيدة عن عوامل النحت والتحريف، نائية عن فواعل القلب والتصحيف؛ بل أصبحت في منحى لا يصل إليه التغيير، ولا يتطرق إليه الفساد. كيف لا وهي لغة نشأت بين قوم لم يألفوا ألا البهائم والقفار؛ ولم يعرفوا سوى المغاور والكهوف من الأمصار، حتى قال قائلهم: (ليس وراء عبادان قرية). ولهذا قال أصحاب هذا الحزب أن اللغة العامية ليست واللغة الفصيحة بتوأم، بل هي أخت صغيرة لها، نشأت بعد أن قطعت أختها البكر نصاباً من العمر أو مئين من السنين. وهناك حزب يرى انهما رضيعتا لبان، نشأتا في مهد واحد، وترعرعتا في حضن واحد، وأن اللغة العامية برأسها قديمة بقدم الفصحى. وربما ينضم إلى الحزبين حزب معارض وهذا صوته: إن اللغة العامية أن أريد بها نتائج التحريف والقلب والتصحيف فهي قديمة لوجودها في لغة الناطقين بالضاد منذ الزمن الأول، ولأنه لا يمكن للغات كلها أن تخضع لقانون عام ترسف بقيوده، وليس غرض الناطق إلا ما يدل على المقصود؛ فيردد ما يخف على الشفاه، ويسهل على اللسان، فيضطر حينئذٍ إلى التصحيف والتحريف؛ وحسبنا شاهداً على ذلك أن اللغة العامية في الأول كانت مقصورة على النادر والشاذ، ثم نمت هذا النمو المدهش؛ ولولا خطة البحث هنا أضيق من سم الخياط، لسردنا عليك أدلة جمة مقنعة. وإن أريد بالعامية ما اشتملت على الدخيل، وما حط بفنائها من النزيل، فهي ليست بقديمة كما هو مذهب الحزب الأول والشواهد هي أدلتهم. ولقد تتبع الباحثون عن لغتنا الفصحى، فكانت نتيجة استقرائهم قوانين

стр. 528

ونواميس قد عمت مفرداتها ومركباتها، فأودعوها مجلدات ضخمة، هي المعاجم وكتب النحو والصرف وأسفار المعاني والبيان والبديع؛ ولو قيض للغتنا العامية نقاب يستقري كلماتها، وينقب عن دقائقها، لعرف أن في الفرع ما في الأصل، بل وزيادة. ولا يلبث أن يرجع ممتلئ الحقائب من تلك النواميس الوضعية. فإن من عرف أن تلك القوانين ليست بالطبيعية ولا العقلية ولا يمكن التملص منها بل هي وضعية ناتجة عن قياس: كبراه الاستقراء، وصغراه الأغلب، آمن بأن لغتنا العامية قابلة للخضوع لتلك القوانين عينها. أما الأعراب فلا يستطاع إدخاله فيها كما هو في أختها لأن السكون سائد عليها فلا تجد حركة في آخر كلمة منها، ولكن النحو مستطاع لمعرفة الفاعل والمفعول وجملة من مسائل النحو بطريقة أخرى؛ عسانا أن نطرق موضوعها بعد البحث والتنقيب. وأما البديع فهو بأغلب أنواعه موجود فيها كالجناس والانسجام والاقتباس والاستعارة والتلميح والتشبيه الذي هو موضوع البحث. فالتشبيه، وبعبارة اضبط: القياس أو المقارنة موجود في لغتنا العامية ووجوده في أختها وسأفرغ الوسع في رسم التشبيهات بنصها ومنطوقها؛ ولا اتعرض للتشبيهات المبذولة فإنها لا تصلح لأن تكون غذاء للفكر، ولا مورداً للأقلام؛ وإنما اذكر الشائعة منها، والجارية مجرى المثل، وأنت تعلم بين التشابيه والمثل. فالمثل توقيفي، وهي ليست بتوقيفية، وربما التقينا على مادة البحث بصاحب الأمثال العامية وافترقنا بسلام وبعد هذا التمهيد أقول: أدوات التشبيه في لغتنا العراقية العامية ثلاث: (مثل) (وجنه) بالجيم المثلثة الفارسية ونون مفتوحة وهاء ساكنة؛ اصلها كأنه وقد اعتاد بعض العراقيين قلب الكاف جيماً كما مر الكلام عنه في هذه المجلة والأداة الثالثة المصدر المدخول عليه أداة تشبيه محذوفة. فإذا علمت ذلك اذكر لك الآن ما يقع في حفظي من التشابيه، فمنها قولهم: (مثل الزيبك لا يطير بعيد، ولا ينلزم بالأيد) الزيبك كثير الاضطراب، منه ما يستقى من معدنه، ومنه ما يستخرج من حجارة معدنية؛ واصل اللفظة زئبق، والعامة تبدل القاف كافاً فارسية مثلثة كما مر الكلام

стр. 529

عنها في غير هذا الموطن؛ وتبدل الهمزة ياء كما في وسائل ومائل فتقول فيهما (سايل ومايل) والزئبق بفتح الباء وكسرها فارسي معرب. (ابعيد) بهمزة مكسورة كسراً غير بين، وسكون الباء وهو بعيد فعيل بمعنى فاعل، زادوا عليه الهمزة هرباً من الابتداء بالساكن. (ينلزم) بفتح الباء وسكون النون وكسر اللام والزاء وسكون الميم وهو مضارع انلزم انفعل من لزم، ولزم في اللغة يأتي بمعنى ثبت ودام وأما العوام فيستعملونه بمعنى مسك وقبض. وزادوا في أوله النون إشارة إلى ما لم يسم فاعله، فانهم إذا أرادوا بناء الفعل للمجهول حملوه على وزن انفعل كما في قولهم أتقتل ينقتل وانضرب ينضرب، وليس عندهم بناء للمجهول في غير انفعل إلا ما ندر. وهذا النادر هو وزن تفعل وافتعل. والأيد. اليد. وعدم بعد الزيبك كناية عن اضطرابه المتواصل وهي وجه الشبه وقد قصد أبو تمام هذا التشبيه في الزئبق، فقال: وتنقل من معشر في معشرٍ ... فكأن أمك أو أباك الزئبق وأورده المتنبي في قوله: أدرن عيوناً حائرات كأنها ... مركبة أحداقها فوق زئبق وهذا التشبيه يذكر لمن يكون قريب المنال وعزيز الحصول عليه وهو من تشبيه المحسوس بالمحسوس وتشبيه حالة بحالة. ومن هذه التشابيه الخاصة بأهل العراق قولهم: (الطول طول النخلة والعقل عقل الصخلة) الطول: بكسر الألف كسراً غير بين، وحذف اللام لفظاً، وواو ولام ساكنتين، معروف. طول، بطاء مضمومة بعدها والساكنة يليها لام متحركة مشتركة هو أيضاً. بالمعنى المشهور. النخلة بالضبط المتعارف واللام المفخمة هي بمعناها المألوف. والعقل بالضبط المشهور ولفظ القاف الصريحة كافاً مثلثة فارسية واللام الساكنة. وعقل الثانية، مثل الأولى مع تحريك اللام بحركة مشتركة والصخلة. وزان النخلة. مع تفخيم اللام في كلا اللفظيين. والصخلة تصحيف السخلة وهي العنزة عند أهل العراق، تأنيث السخل وهو التيس عندهم. والبحث عن أدراك الحيوانات وتعقلها أمر لا حقيقة له ألا عند أصحاب

стр. 530

الخرافات وواضعي الأمثال على السنة العجماوات. فانهم قد فعلوا ذلك بغية إصلاح الإنسان لا غير. ومهما يكن من هذا الأمر وآراء الماديين والروحانيين فيه، فإننا لا ننظر إليه هنا إلا من جهته عند أهل البديع. فإن هذا التشبيه يضم تشبيها آخر على حد طريقة التشبيه المركب في اصطلاح علماء هذا الفن. إما تول المتشبهين فلا يتضمن شيئاً يوجب الالتفات. وإما الثاني ففيه فائدة لأن العامة تقول: عقل صخل، وعقل اصخول (- صخول) وتريد به أحد الوجهين. وهما: أما لأن المعز اشتهرت عند العرب بالغباوة - وهو مما لم يثبته الواقع إثباتاً لا يبق مجالاً للريب - فانهم إذا أرادوا التعريض بجهله وظلمة عقله قالوا: هو تيس. وإذا أرادوا الغاية في الجهل والغباوة قالوا: ما هو ألا تيس في سفينة. فأخذت ذلك العامة وشبهت به البليد. - وأما انهم يطلقون لفظ الصخل ولا يستعملونه في معناه الحقيقي بل هو عارية عندهم للزنجي لما بين لوني هذين المخلوقين من المشابهة في اللون. أو لتوحش الزنوج وهمجيتهم. وهذا التشبيه يساق لمن كبرته المناظر، وصغرته، المخابر، فالرائي يرى المرئي طوله كطول النخلة وعند الاختبار لا يرى فيه من العقل ما يزيد على عقل السخلة. وقد حذفت العامة أداة التشبيه وأقامت المصدر مقامها كما في قولهم: تمر مر السحاب. ومن تشابيههم قولهم: (مثل البعير، يشيل شكر، ويأكل عاكول) (ضبط الألفاظ ومعانيها) البعير، بكسر الباء عندهم دائما ولا يفتحونها البتة. وهي لغة قديمة في العراق وغير هذه الديار. قال عمر بن خلف بن مكي: (كل فعيل وسطه حرف حلق مكسور، يجوز فيه كسر ما قبله، أو كسر فاءه اتباعاً للعين في لغة تميم، كشعير ورحيم ورغيف وما أشبه ذلك، بل زعم الليث: إن قوماً من العرب يقولون ذلك وأن لم تكن عينه حرف حلق ككبير وجليل وكريم.). - والبعير للذكر من الإبل. ويسمون الأنثى ناقة (بلفظ القاف كافا فارسية مثلثة) وبعيرة. (يشيل) مضارع شال ومعناها عندهم رفع وحمل. وهي مأخوذة عندهم

стр. 531

من شالت الناقة بذنبها: رفعته، وشال الذنب نفسه أي ارتفع متعدٍ ولازم - (شكر) سكر. وهي لفظة قديمة في الفارسية من اصل سنسكريتي. والسكر عند الفرس قسمان: قسم طبيعي وهو ماء القصب (وقصب السكر وهو الابلوج وهذه أيضاً من اصل فارسي واللفظة العربية هي المصاب، بضم الميم). وقسم صناعي، وهو يكون أجزاء صغيرة متبلورة ذات أشكال هندسية مختلفة الهيئة من مثلثة ومربعة ومستطيلة. ولم نجد لكلمة سكر مرادفاً عربياً صرفاً في ما وصلت إليه أيدينا من الكتب. ولا جرم أنها دخلت لغتنا باحتكاك أبناء العرب بأبناء الفرس. وشكر (وزان سبب) تخفيف شكر الفارسية (وزان زفر وقبر أي بضم وفتح في الأول. وضم وفتح بتشديد في الثاني) (ويأكل) غير مهموزة وهي لغة فاشية عندهم. (وعاكول) بكاف مثلثة النقط أو قاف هو العاقول، النبات الشائك المشهور الذي تأكله الابال وهو دائم الخضرة ينبت في الأرضيين الرملية وعلى ضفاف الأنهار. وجميع ألفاظ هذا التشبيه ساكنة الأخر ألا كلمة (مثل) فلكون وراءها أل التعريف تحرك بحركة مختلفة مشتركة اللفظ بين الكسر والضم. يساق هذا التشبيه لمن يجلب المال الكثير بأنواع الكسب؛ وعليه فهو (يشيل شكر) ويقنع بالعيش الوبيل فهو (يأكل عاكول). وهذا من باب تشبيه غير المحسوس بالمحسوس وتشبيه حالة بحالة وكأن لغتنا الفصحى لم ترض لأختها الانفراد بهذا التشبيه فشاركتها بقول الشاعر: كالعيس في البيداء يقتلها الظما ... والماء فوق ظهورها محمول النجف: (عش) باب المشارفة والانتقاد ١ - سبل الرشاد (مجلة بغدادية) مجلة دينية علمية اجتماعية فلسفية تاريخية، تصدر في الشهر مرة.

стр. 532

(في ٣٢ صحيفة) لصاحبها ومديرها المسؤول: محمد رشيد الصفار. - يحرر فيها أحد فضلاء الهيئة العلمية. - اشتراكها السنوي ريال مجيدي في الممالك العثمانية. وفي البلاد الأجنبية يضاف عليها أجرة البريد ونصف القيمة لتلاميذ المدارس والعلماء ورؤساء الأديان على اختلافها. - نقلنا هنا بالحرف والرسم ما جاء على غلاف المجلة. واليك فهرس أبحاث هذا العدد: فاتحة الكلام. سبل الرشاد. التفكير والتدبر. كلمات من الحكم. نبذة من الأدب. تاريخ بغداد للعلامة شكري أفندي آل الالوسي. المتولد والمتوالد من الحيوان. منشور من باب مشيخة عموم السادات الصوفية بالديار المصرية. مراتب الكمال. مدرسة الإمام الأعظم رضه. كلية الإمام الأعظم. الفلسفة والفلاسفة. تاريخ صدور المجلة. وقيمة النسخة غرشان. فمن وقف على هذا كله علم ما في هذه المجلة والى أي غرض ترمي ومنزلتها من العلم وكفاها فخراً أن يقال: صاحبها محمد رشيد أفندي الصفار ومن كتابها محمود شكري أفندي الالوسي. وكلاهما من مشاهير بغداد. ونحن نتمنى أن تكون أبحاثها مفيدة للقراء نافعة لأبناء الوطن. بمنه تعالى وكرمه. ٢ - دير القمر (جريدة) جريدة لبنانية عامة، تصدر موقتاً مرة في الأسبوع في دير القمر (لبنان) قيمة اشتراكها في لبنان والولايات العثمانية مجيديان وفي القطر المصري ١٠ فرنكات وفي البلدان الأجنبية نصف ليرة إنكليزية. وصلنا العدد الثالث من هذه الجريدة لصاحبها مسعود سماحة ونعوم افرام البستاني. وهي من الصحف التي تود ترقي جبل لبنان ولذا ترى صاحبيها يبذلان ما في وسعهما للبلوغ إلى أمنيتهما وهي نعم الأمنية. والظاهر من عبارة الجريدة أن كاتبيها يعنيان كل العناية تحبير الصفحة الأولى منها فإذا بلغا الوجه الثاني قل سعيهما في تحسينها؛ وهي كثيرة أغلاط الطبع كمطبوعات بغداد (ما عدا مطبعة الآداب) من ذلك ما جاء في راس الصفحة الثانية: ١٥٠ نفس والأصح ١٥٠ نفساً، ومنها مخابرة أهالي القرى، والأفصح: مفاوضة أهالي القرى. ومنها: وقد بلغت لمنكوبي هذه الحادثة مليون وخمسة وعشرون ألف فرنك. والأفصح: مليوناً

стр. 533

وخمسة وعشرين ألف فرنك. وقس على ذلك سائر المقالات. فالأمل أن يعتني بتخير مواضيعها وتحرير عبارتها. ٣ - التنقيب في سامراء من ديار العراق. قصر إسلامي من القرن التاسع تأليف المسيو م. هو فيوله، رازٍ له شهادة عالية من الحكومة. ذاع خبر سامراء وقصورها السامقة الشهيرة البناء فطبق الخافقين؛ إلا انه كان يظن انه لم يبق من تلك المعاهد الجليلة ألا الموطن لا غير. بيد أن الإفرنج أهل السعي المتواصل والتحقيق الذي ليس وراءه غاية، بذلوا ما في وسعهم ليتأكدوا الأمر بأنفسهم. فلما جاء منهم نفر وبحثوا عن الأمر نعما اثبتوا أن هناك أشياء جمة تميط اللثام عن كثير من الحقائق المنشودة. ومن جملة من تابع البحث بنفسه عن هذا الدوارس المسيو فيوله. فانه احذ رسوم كثير من تلك البقايا العربية منها بالقلم ومنها بالشمس، فجاءت تلك الصور احسن دليل على ما كان عليه رقي فن عهد العباسيين. وفي الكتاب ٣٣ صفحة كبيرة مع رسوم مختلفة و٢٣ لوحة متقنة الرسم. فنحت علماء البحث من عارفي اللغة الفرنسية أن يطالعوا هذا الكتاب بتدبر ليقفوا على آثار السلف ويتقفوهم. تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره ١ - الحر والغيم والمطر في الحاضرة اشتد الحر منذ أوائل هذا الشهر إلى آخره، فبلغ اغلب الأيام الدرجة ٤٥ من المقياس المئوي في الظل الظليل. وتكاثفت السحب نهار الخميس والجمعة ٦ و ٧ حزيران وأبرقت السماء ورعدت ثم أمطرت قطراً ضخماً دام ٥

стр. 534

دقائق. وكل ذلك من الأمور التي لم يسمع بها في حاضرتنا في مثل هذا الشهر. ٢ - حريق في الجزيرة ليلة السبت ٢٣ جمادى الآخرة (- ٨ حزيران) بعد صلاة العشاء ظهرت النار في سوق الجزيرة (قضاء من اقضية بغداد نظم بصورة قضاء في سنة ١٨٨٤ عند فصل ولاية البصرة من ولاية بغداد وهو واقع على ضفة دجلة اليمنى على بعد ٩٥ كيلومتراً من جنوب شرقي بغداد) فنادى المنادي بالويل والثبور فأسرع الناس إلى محل الطامة، وحصروا مأكل النار موطن بأن هدموا ما حواليه من الأبنية المعرضة للخطر وذلك بهمة قيم مقام القضاء ومن معه. وما مضت ثلاث ساعات إلا وقد خمدت تماماً. أما الخسائر فرجل واحد من الأعراب وجد بعد خمود النار محروقاً في إحدى الحوانيت. ونحو نيف وخمسين حانوتاً مع قهوتين وثلاث علاوٍ (جمع علوى وهي محل بيع الحنطة وسائر الحبوب). عوض الله المنكوبين من خسائرهم ما يعيد إليهم حالتهم الأولى. (ملخصة عن الزهور) ٣ - الساعة الزواليةٍ اتخذت الحكومة في دواوينها العسكرية والملكية الساعة الزوالية (الإفرنجية) مع بقاء الساعة الغروبية للصلاة والآذان. وعليه فيكون فتح دواوين الحكومة في الساعة السابعة صباحاً إلى الساعة الثانية عشرة ونصف وحفظاً لمصالح متوظفي الحكومة وحرصاً على أوقاتهم أقيمت ساعتان عند باب دار الحكومة الواحدة لأوقات العبادة والثانية لأوقات الشغل. ٤ - نهر الرشادي تم حفر نهر الرشادي (من انهر الديوانية) وجرى الماء فيه نهار الخميس ٢١ جمادى الآخرة (- ٦ حزيران) ووصل الماء إلى الديوانية نهار الجمعة. ٥ - غزوات الأعراب هجمت عشائر عنزة والرولة (رولة ابن شعلان) والحويطات طائفة من الشرارات وبنو صخر والسرحان على شمر في ديار نجد فأخذت منها ٦٠٠ بعير وقتلت ١٦ رجلاً. فلما رأت شمر ما حل بها من الذل والعسف تجمعت عشائرها

стр. 535

وتأثرت الغزاة، فاستردت منهم ابلها وسلبتها ٧٠٠ هجين وشيئاً كثيراً من الخيل والعدد. (عن الرياض بتصرف في العبارة) ٦ - سالار الدولة في المحمرة لما يئس سالار الدولة من متابعة خطته وتحقيق أمنيته فر في هذه الأيام إلى المحمرة لائذاً بالشيخ خزعل خان. ولا نعلم إذا كان يطيب له المقام هناك، بعد أن اشتهر هذه الشهرة بين الخاصة والعام. (ملخصة عن الزهور) ٧ - إحصاء المارين على جسر بغداد عينت البلدية أناساً لإحصاء عدد المارين ليلاً ونهاراً على الجسر من الجانبين. فكان عدد المارين يوم الأحد ١٦ حزيران من جانب الرصافة إلى جانب الكرخ ١٩ ألف عابر من إنسان وحيوان (كذا. أي بإحصاء الإنسان والحيوان معاً. وهذه هي المرة الأولى التي رأينا فيها هذا النوع من الإحصاء فهل ترى يوجد مثله في غير بلدتنا؟!) وكان عدد العابرين من جانب الكرخ إلى جانب الرصافة ٢٤ ألف عابر (من إنسان وحيوان معاً!). وكان جملة العابرين يوم الاثنين (١٧ حزيران) من الرصافة إلى الكرخ ٢٠ ألفاً (من إنسان وحيوان معاً!) والذين انتقلوا من ضفة الكرخ إلى ضفة الرصافة ٣٠ ألف (من إنسان وحيوان معاً!) والغاية من ذلك معرفة عدد قاطعي دجلة على الجسر (من إنسان وحيوان معاً!) ولا تزد غاية على هذه الغاية. (نقلاً عن الزهور بتصرف قليل.) ٨ - تجديد (سبيل شوكت باشا) شوكت بك دفتردار ولاية بغداد سابقاً (١٢٧١ - ١٨٥٤) وهو شوكت باشا بعد ذلك كان قد شيد سنة ١٢٧٢ (- ١٨٥٥) سبيلاً رفعه على قواعد من المرمر. ثم توالت النكبات على محلة الميدان وهي المحلة التي فيها هذا السبيل، فخرب كما خربت أبنية ذلك الحي. فلما جاء قدرت بك مدير الأمور الأجنبية حالاً إلى ولايتنا وهو ابن عصمت باشا ابن شوكت باشا ورأى ما حل بذلك البناء صمم على تعميره بصورة تناسب دار الخلافة العباسية، فطلب إلى المهندس الفرنسوي المسيو غودار أن يخطط رسمه على هيئة بديعة، فلبى طلبه. وقد تم هذا البناء في منتصف الشهر ووزع الماء الزلال على العطاش

стр. 536

وقد بلغ مصرفه ١٠٨ ليرات. وللبناء صدران، على الصدر الواحد أبيات عربية وعلى الثاني أبيات فارسية وتركية. وكلها مكتوبة على الأجر المطلي بالقاشاني ويطيف بالكتابة أشجار خضراء، وأغصان غضة، ونقوش عربية، وأثمار بألوانها الطبيعية، حتى تخالها حقيقية. أما الأبيات العربية فهي هذه: ناظر أوقاف العراق الفتى ... شريف رب الحسب الطاهر في البلدة الزورا قضى نحبه ... وفاز بالغفران من غافر فسخر الباري له صاحباً ... كان له في الزمن الغابر محمد شوكت أقلامه ... تغني عن الذابل والباتر أنشأ له هذا السبيل الذي ... أبيح للوارد والصادر أصفى من الدمع على فقده ... ما قد جرى زج من الناظر (؟) وقد شوى الآجر وطلي بالطلاء القاشاني البديع وكتب في كربلاء مدينة الصناعة. فنحن نتمنى أن تكون جميع المباني الحديثة على هذا الطراز العربي العباسي البديع، أحياء للصناعة العربية. والله المعين. ٩ - معرض صناعي زراعي في بغداد جمال بك والينا الحالي من احسن الولاة الذين قدموا إلى ولايتنا، ومن أشدهم حرصاً على ترقيتها، وأبعدهم همة في السهر على سعادة أبناء الوطن. ومما انتبه إليه من الأمور المنشطة والدافعة إلى خير هذه البلاد وعمرانها، إقامة معرض صناعي زراعي يعرض فيه كل ما هو من نتاج هذين السببين من أسباب النجاح والفلاح. وقد ألف لهذه الغاية لجنة أصحابها ذوو همة معروفة: ١ - لطفي بك معاون الوالي ٢ - محمد كمال بك المدير الأول للرسومات ٣ - السيد داود أفندي الكيلاني ٤ - المسيو غرابوسكي مدير المصرف العثماني ٥ - مناحيم صالح أفندي من وجهاء الإسرائيليين ٦ - وجيه بك مدير الزراعة في الولاية ٧ - رستم بك مدير مكتب الصنائع ٨ - خسرو بك قيومجيان، من وجهاء الأرمن غير الكاثوليك ٩ - المسيو فيوله، راس مهندسي البلدية. - ونحن نؤمل كل خير من وراء هذا المعرض لما ينشأ منه من ترقي الوطن والسعي وراء إسعاده وسعادته.

стр. 537

العدد ١٤ - بتاريخ: ٠١ - ٠٨ - ١٩١٢ تيتنيك بأبيك أقسم يا ابنة البحر الذي ... واراك كيف رأيت فتك أبيك ما حط ثقلك في حشاه إهانة ... لكنه فرط احتفال فيك أبكيت اهلك لا الجزائر وحدها ... فالعالمون جميعهم أهلوك نبأ على الكرة استوى فأهالها ... فبكت وحسبك إنها تبكيك شكوا يحيلون أنطماسك آية ... هي تلك منشأ حيرة وشكوك عبرت تشق اليم غير مطيعة ... لإشارة التسكين والتحريك والبحر رهو ذو سكون رائعٍ ... والشمس تحت الأفق ذات دلوك أمليكة البحر اسمعي لك أسوة ... في الأرض كم ثلت عروش ملوك أنى ينجيك الحديد وما نجوا ... بأشد من فولاذك المسبوك يا بابل البحر الخضم سحرتنا ... سحراً أرى هاروت في تيتنيك السحر آيتك التي توحينها ... أم أنت آيته التي يوحيك وكأنك القمر الذي ألقي به ... ليضيئنا فلك السماء أبوك زعموا ضللت ولو أردت هدايةً ... كان (المحيط) بنفسه (هاديك)

стр. 538

ولو أن آلهة الجمال تمثلت ... للناس قبلك صورة ظنوك ولألهوك ووحدوك حقيقةً ... إذ أنت واحدة بغير شريك ما كان اقصر منك عمراً لم يطل ... لكن أطال شجا الأولى عمروك ألحقت هلهلة الشعوب بنعيها ... وجمعت تعزية إلى تسبريك أهل الثراء الجم اهلك في الملا ... وذوو النضار المستفيض ذووك ما وفروا سفن النجاة كثيرة ... تكفي الذين حملت أو تكفيك فدهيت من قوم حموك وهدمت ... فيك اليد الطولى التي تبنيك قالوا انزلي فالخطب خلفك صاعد ... وتقدمي فالنائبات تليك قتلوا بقتلتك النفوس فاينهم ... ليدوا النفوس مضاعة ويدوك واجل عاطفة لذكرك خلدت ... إيثار مالكة على مملوك سلمت نساؤك عن بوار رجالها ... ونجت بناتك في فناء بنيك خير النجاة نجاتهن فأنها ... بالدمع كانت لا الدم المسفوك كالدر ينتثر انتثار فرائد ... منها وينتظم انتظام سلوك من كل سافرة النقاب تنقبت ... بسنا ملاك واحتشام مليك جمدت تقلدها الحلي وكأنما ... جمد السبيك على مثال سبيك ولرب منتظرين آخر قبلة ... أدنت ضحوكة مبسم لضحوك يتشاكيان وإنما هي السن ... لولا البلاء لأفصحت تشكوك تدعو المتيم مقلتاك وفوك لي ... أمل فيصدع مقلتاك وفوك أفراق أختك هين فيجيبها ... كلا يهون إذاً فراق أخوك وتقول تسلوني فينطق دمعه ... لو كان لي قلب به أسلوك يا روحي احتملي الشقاء فربما ... يا روح أسعدك الذي يشقيك ما آن أن تتذكري فتذكري ... من لا يميل لخاطر ينسيك أما الرجا فلأزفرن على الرجا ... سلك القنوط له أدق سلوك أأنا أروح شريكة لك في الردى ... أم أنت ترجع في الحياة شريكي يا وجنة احترقي فقد فتك الثرى ... والماء بالماء الذي يرويك

стр. 539

ولعز أن تدميك حمرة ادمعي ... من بعد حمرتك التي تدميك أما جنى الورد فيك فذابل ... إن كان عاش جنى ورد فيك قد كان مقطوفا لأكرم قاطف ... فليغد اقتل شائك لمشوك النجف: محمد رضا الشبيبي نظرة في العادات استفحل شأن العادات فاستحكمت عراها؛ وقويت حلقاتها، بعد أن كانت ضعيفة، ولكن تخالفت مظاهره في الأمم، فاصبح في أمة أقوى منه في أخرى. . . . . لا أقول: إن نفوذها استبحر في (عالمنا الإسلامي)، لا بل استغرق ثلة عوالم وأمم، فاخذ من كل أمةٍ نصيبه، حتى زحف إلى عالمنا هذا متخفياً، فاخذ يبث فيه روحه الخبيثة، إلى أن انتشر انتشاراً طبيعياً، واستوثقت روابطه فيه، فصار له النصيب الأكبر، والحظ الاوفر، فمالت إليه النفوس، وطمحت إليه الأنظار، وملك زمامها، وصارت تحت قبضته، وفي حكم سيطرته، فتمسك الناس بأصوله، وأنطبعوا به على خصال، توارثها الأبناء، عن الاباء؛ ومهما حرفوا، وغيروا، وبدلوا، كانت بقايا ما ورثوه راسخةً في أذهانهم. . . . سرى هذا الداء العضال في محيطنا، حتى صار عقبةً كؤوداً في طريق رقينا المادي، والأدبي، عقبةً في طريق نهضتنا الاجتماعية، عقبة في ترويج الإصلاح، عقبةً في طريق كل شيء تصلح به حالتنا الحاضرة. . . ذاعت نزعات العادات الخبيثة فينا، فهتك الحياء، وفشا الجهل، وغلبت النذالة، واستولى حكم الصفات الرذيلة، على النفوس النبيلة، وفسدت الاخلاق، وانحطت الطبائع عن حالق. . . . لم يستطع أحد نزع هذه الأوهام الفاسدة، والخيالات الواهية، بعد أن تعلقت بالعقول، والتبست بالأفكار، فكانت منشأ الهمجية والتعصب، منشأ الصفات الذميمة، منشأ حصول التعاسة، منشأ ما يمس بشرف الإنسانية، ويخدش عواطفها. . . .

стр. 540

أن قوماً تخلقوا بالعادات والخزعبلات، قوم هجر الحياء نفوسهم، فلا ترى فيهم سوى سوء الطبائع، وقبح الأخلاق، والإخلاد إلى سفاسف الأمور، قوم شوهوا محاسن وجه الحقيقة ببراقع الخرافة والمداجاة، بستائر الأقاويل والتمويهات، وألبسوها حلةً غير حلتها الطبيعية. إن النفوس الميالة بالطبع إلى هذه السفاسف والخرافات، كفى بها شناعةً أنها سقطت إلى حضيض الخسة، وانحطت عن درجات الإنسانية، ومكانة الاعتبار. . . جارت صروف هذه العادات على محيطنا، فثلمت مجده، وسلبته مزية الفضائل، وأورثته فتوراً في حركاته تجاه المعالي، قصوراً في همته نحو الفضائل، ضعفاً في قواه، بلادة في شعوره الفطري. . . . نجمت هذه الخرافات، فكانت صدمةً شديدة على بناء المعارف، صاعقة مجتاحةً لاقتطاف ثمرها الجني، صدعاً متفاقماً في روح الاجتماع، عقبةً في سبيل المدنية والحضارة، أماتت الأذهان الحية، حصرت الأفكار المنورة، ضغطت على الإحساس الحي، نفثت سمها في روح الأخلاق. . . أصبحت هذه الخرافات الاعتيادية، سداً منيعاً حال بيننا وبين الإصلاح، ووقف بيننا وبين المعارف الحقة، وقتل نهضتنا الأدبية، فقضى على أخلاقنا البسيطة، وشعورنا الفطري. . . تدرجت هذه الاعتيادات، فاتسعت لها أذهان الخرافيين، وتدحرجت فدخلت قلوبهم، حتى صيرت أذهانهم عشاً لها واهي الدعائم، بل هو (أوهى من بيت العنكبوت). . . مدهشة أنت أيتها العادة. مدهشة سياستك. سياستك تشبه سياسة (الإنكليز) حيث (تدخل في الأذن بغير إذن). آهٍ آهٍ! أخشى أن نقضي سيطرة الغفلة، فتحل طباعنا، وتقضي على نواميس حقائقنا الخرافات الاعتيادية وعلى لبابها الصافي من القشور!!! النجف: محمد باقر الشبيبي

стр. 541

قصر الاخيضر ورأي العلامة الآلوسي فيه. ١ - ما هو قصر الاخيضر على بعد نيف وخمسين كيلو متراً من غربي كربلاء، أو على بعد ١٠٠ كيلو مترا من غربي الفرات، قصر فخم ضخم، قائم احسن قيام على أسسه المتينة المكينة، يسميه العراقيون: (الاخيضر)، مصغر الأخضر، وهو ذو طبقتين يبلغ طوله ٢٠٠ متر. وأول إفرنجي زار هذا القصر زيارة تذكر هو الرحالة نيبهر ثم زراه بعض سياح الإنكليز إلا انهم لم يكتبوا عنه شيئاً يستحق التنويه به، وفي سنة ١٩٠٨، تعهده الشاب الذكي، والمستشرق اللوذعي، صديقنا لويس ماسنيون، فكتب عنه في عدة مواطن من المجلات، من جملتها في (نشرة مشارفة مجالس ندوة العلماء للرقم وعلوم الأدب، وفي (المذكرات التي ينشرها أعضاء دار العلوم الفرنسوية للآثار الشرقية، المقامة في مصر القاهرة، تحت إدارة المسيو أ. شاسينا؛ ثم زارته، بعد بضعة أشهر من تلك السنة، الآنسة الإنكليزية ج. ل. بل ووصفته وصفا مدققاً في كتابها (مراد إلى مراد) وبالإنكليزية ثم زاره الأديب الفرنسوي فيوله في شهر آب من سنة ١٩١٠، وكتب عنه مقالاً نفيساً قدمه إلى الأديب ديولافوا.

стр. 542

٢ - عصر بناء القصر وبانيه اختلف العلماء كل الاختلاف في اسم هذا القصر، وفي بانيه الأول، وفي القرن الذي بني فيه. فالمهندس الأثري الأديب ديولافوا يذهب إلى أن هذا القصر يرتقي إلى الربع الأخير من القرن السادس للميلاد، أي قبيل العصر الإسلامي. والذي يحدوه إلى هذا الرأي هو قوله: (أن الريازة (فن البناء) وفن تزويق الأبنية كانا قد بلغا أوج الكمال، منذ عصر سامراء، ومن ثم يتضح أن كل بناء عظيم لا ترى فيه الريازة إلا في نيتها أو في نشوئها، فهو على الأرجح سابق للإسلام كقصر الاخيضر في العراق. أما الآنسة (بل) فإنها لا ترى هذا الرأي، بل تذهب إلى أن هذا القصر أقيم في الصدر الأول للإسلام. ووافقها على هذا الفكر الأديب فيوله المذكور، وهو اليوم رأس مهندسي الولاية، قال: (لقد تحققت كل التحقق أن هذا القصر إسلامي كل الإسلام، وهذا ما يظهر من الأساليب والذرائع المتخذة لتشييده. وقد زاد يقيني هذا كل الزيادة، لما نبشت في الأرض نبشاً زهيداً بواسطة المعول؛ وللحال وقعت على محراب في وسط الحائط الجنوبي وهو حائط بهو عظيم، سمته الآنسة (بل) (وقد صدقت تسميتها) بالمسجد. ولو فرضنا أننا لم نعثر على هذا المحراب، فأن استقراءات الأديب ديولافوا، لا تقضي إلى نتيجة تؤيد أن قصر الاخيضر هو غير إسلامي، ولو أنه تفرغ كل التفرغ لإنعام النظر في البحث الذي أنشأنه في هذا الصدد. لأن الريازة وفن تزويق البناء عند المسلمين، لم يبلغا طور الكمال في سامراء؛ بل كانا في حال التكون بامتزاج امشاج اطراز الأبنية المختلفة التي تآصرت فيما بينهما وتآخت. وهذا الأمر من اثبت الأمور، لأن التشابك لم يكن له بعد وجود عندهم. ولو فرضنا أن طرز البناء الإسلامي بلغ قراره في سامراء، فهذا لا يدل على ما يبين لي، أن الأخيضر يسند إلى العصر السابق للإسلام، لأن تزاويقه البنائية هي في غاية النشوء، وهي فيه بعد كالجنين في رحم أمه. نعم قد يحتمل أن غاشية الجص التي كانت تغشى دواخل الحيطان تزيينا لها، قد سقطت عنها على تراخي أستار الأيام على هذا القصر

стр. 543

السيئ البناء، لكن قد يحتمل أيضاً أنها لم تكن، لسبب أن هذا القصر قد بني، على ما يظهر، بناءً حثيثاً ليكون مصيفاً لصاحبه، لأن مواد بنائه رديئة (وهي أحجار وحصى أو جنادل مغرقة في ملاطٍ) فيكون هذا البناء من الجنس المعروف باسم حشو الاشكنج ولا يحتمل أن يكون مقاماً مزيناً بتزاويق البناء، كما هو الأمر في قصور الخلفاء. من قصور سامراء أو بغداد كلام الأديب فيوله. وأما الأديب لويس ماسنيون، فأنه لم يبت أمراً في ما يتعلق ببانيه، وعهد بنائه بل يميل إلى القول بأن هذا القصر إن لم يكن الخورنق أو السدير، فلا يبعد من أن يكون القصر، ذا الشرفات من سنداد، الذي يقول فيه الأسود بن يعفر: ماذا اومل بعد آل محرقٍ ... تركوا منازلهم وبعد أياد أهل الخورنق والسدير وبارقٍ ... والقصر ذي الشرفات من سنداد وأما أستاذنا، حضرة الشيخ العلامة السيد محمود شكري أفندي الآلوسي، فأنه يذهب إلى أن هذا البناء شيد في صدر الإسلام، في عهد عمر بن الخطاب في نحو سنة ٦٣٥ للمسيح، أي في السنة الثانية من خلافة عمر وقد بناه اكيدر الملك السكوني الكندي، فسمي باسمه، ثم صحفه العوام هذه الكلمة بأن جعلوا الكاف، خاء والدال ضادا كما هو معروف في لسانهم فقالوا فيه: (قصر الاخيضر) وإنما هو (قصر الاكيدر). ومما يثبت هذا الرأي ما ذكره ياقوت في معجمه، قال في مادة دومة الجندل:

стр. 544

إن النبي ﷺ صالح اكيدر على دومة، وأمنه، وقرر عليه، وعلى أهله الجزية، وكان نصرانياً، فاسلم أخوه حريث فاقره النبي ﷺ على ما في يده، ونقض اكيدر الصلح بعد النبي ﷺ فأجلاه عمر (رضه) من دومة، في من أجلى من مخالفي دين الإسلام إلى الحيرة، فنزل في موضع منها قرب عين تمر، وبنى به منازل وسماها: (دومة). وقيل (دوماء) باسم حصنه بوادي القرى، فهو قائم يعرف، إلا أنه خراب. فقصر الاكيدر إذاً هو بناء نصراني بناه صاحبه على عجلة بعد أن أجلى عن حصنه بوادي القرى. وهو قريب من عين التمر وليس حصن هناك قريباً من هذه المدينة قرب قصر الاكيدر منها. وأما وجود المحراب في حائط الجنوب، فيعلل بأن المسلمين الذين احتلوا القصر بعد صاحبه، أقاموا فيه محراباً، قياماً بشعائر الدين، كما هي عاداتهم في قصورهم وحصونهم الكبيرة ولا سيما إذا بنيت بعيدةً عم جامع أو مسجد، كما هو الأمر في بادية مثل هذه البادية التي شيد فيها قصر الاخيضر أو الاكيدر. ٣ - سبب تسمية هذا القصر بالاخيضر قد مر بك أن الاخيضر سمي كذلك من تصحيف العوام للفظة الاكيدر ليس إلا. وأما الذين لم يقفوا على هذه الحقيقة المقررة، فقد ذهبوا في هذه اللفظة ومناسبتها لهذا الحصن مذاهب شتى، منها: ١: إنما سمي كذلك، لأن الاخيضر تصغير الأخضر، وقد أتته الخضرة من عين هناك يبض منها الماء بضاً، فينبت حول القصر عشب، يحسن منظر القصر في عين الزائر، أو تنمو في فصل الأمطار خضرة على حيطانه القديمة، فيظهر كأنه البس ثوباً من سندس أو إستبرق. وقيل: لأن أرض الحصن خصبة والخصب ينعت بالأخضر، لأن الخضرة هي من أسباب الخصب. ومنه قول العرب: (هم خضر المناكب) أي في خصب عظيم. ومثله: هم خضر المرابع. ومنه قول الشيخ صفي الدين الحلي: أنا لقوم أبت أخلاقنا شرفاً ... أن نبتدي بالأذى من ليس يؤذينا بيض صنائعنا سود وقائعنا ... خضر مرابعنا حمر مواضينا

стр. 545

وقيل: إنه سمي بالاخيضر لأن هناك ذباباً يعرف بهذا الاسم وهو يكثر فيه في أبان الربيع وهو بقدر الذباب الأسود المتوسط الكبير، وقد يؤذي الدواب والناس. ٢: ذهب بعضهم إلى أن اصل هذه التسمية، (تسمية الاخيضر)، ترتقي إلى سنة ٣١٠. وذلك أن ابن سيرين ذكر في تاريخه قال: وفيها (أي في سنة ٣١٠هـ - ٢٩٢٢م) انتقل أهل قران من اليمامة إلى البصرة لحيف لحقهم من ابن الاخيضر في مقاسماتهم وجدب ارضهم، فلما انتهى أمرهم إلى أهل البصرة سمي أبو الحسن احمد بن الحسين بن المثنى في مال جمعه لهم فقووا به على الشخوص إلى البصرة، فدخلوا على حال سيئة، فأمر لهم سبك، أمير البصرة بكسوة ونزلوا بالمسامعة محلة بها. وقال المسعودي في كتابه التنبيه والأشراف ص ٣٨١ بخصوص الاخيضر ما هذا نصه: . . . ثم مسيرة (مسير أبي طاهر سليمان بن الحسن بن بهرام الجنابي، صاحب البحرين، في سنة ٣١٣هـ - ٩٢٥م) عن الكوفة إلى الاحساء بالذرية والثقلة وتسليمه البلد إلى إسماعيل بن يوسف بن محمد بن يوسف المعروف بالاخيضر، صاحب اليمامة، ابن إبراهيم بن موسى بن عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب ومسير أبي القاسم يوسف بن أبي الساج عن واسط في عساكره للقائه؛ وكان السلطان أشخصه عما كان يليه من الأعمال من بلاد أذربيجان، وأرمينية، واران، والبيلقان، وغيرها، ليستعد من واسط، وينفذ إلى بلاد البحرين؛ وكان مقيماً بواسط مستعداً، إلى أن جاءه الخبر بمسير صاحب البحرين إلى الكوفة، فخرج مبادراً له فسبقه أبو طاهر إليها، ونزل الموضع المعروف بالخورنق وجازها؛ ونزل ابن أبي الساج في اليوم الثاني بالقرب منه في الموضع المعروف ببين النهرين، مما يلي القرية المعروفة (بحر وراء)، واليها أضيفت (الحرورية)، من الخوارج، وأبو طاهر بينه وبين الكوفة: فكانت الواقعة بينهم يوم السبت لتسع خلون من شوال سنة ٣١٥هـ (أي في ٩ ك١ من سنة ٩٢٧م). المقصود من إيراده. وعليه فالمراد بالاخيضر، الخورنق. وسمي الخورنق بالاخيضر لأنه نزل

стр. 546

فيه فأضيف إليه منذ ذاك اليوم، وحمل اسم الخورنق الفارسي الاصل، الثقيل على لسان العربي. ٣: وقال المستشرق الأديب لويس ماسنيون: وهناك رجم آخر وهو غير محتمل لما بين اللفظين من البعد أن الاخيضر مأخوذ من (الاكيدر)، صاحب دومة الجندل الكندي الذي ارتد إلى النصرانية. بعد وفاة النبي، وكان لهذا الملك حصنان: الواحد في دومة الحيرة (وهو في الواقع قريب من عين التمر)، والآخر في دومة الجندل، وقد ذكره ياقوت (في ٢: ٦٢٦) في قوله: (وفي داخل السور حصن منيع يقال له مارد وهو حصن (اكيدر) إلا أن هذا الرأي هو رجم محض، وموقع دومة الجندل على بعد أربع ليال من تيماء بين المدينة والشام؟ يجعل هذا الرأي بعيد التمسك به لا سيما القول بأنه قصر دومة الجندل. كلامه. قلنا: نعم، أن القول بأن حصن الاكيدر هو الذي كان له في دومة الجندل من وادي القرى بعيد الاحتمال؛ لكن القول بأنه الحصن الذي كان له في دومة الحيرة قريب، ولا قرب حبل الوريد. كيف لا وقد قال عنه ياقوت أنه قرب عين التمر وهو قائم يعرف إلا أنه خراب، وهو كلام يصدق على الاخيضر إلى يومنا هذا. ٤: ذهب بعض الأدباء إلى أن الاخيضر هو ترجمة لفظة السدير القديمة لأن هذه الكلمة تعني العشب وكذلك الاخيضر، وربما كان هذان الحرفان متعاورين منذ البدء، ثم قتل الواحد الآخر لسهولة حفظه، وقرب معناه من الافهام، ولا شك أن معنى السدير للقصر النعماني المشهور هو بالفارسية ذو البيوت الثلاثة (سه د ير)، إلا أن العرب تركوا المعنى الأجنبي، وتمسكوا بالمعنى العربي حياً

стр. 547

بلغتهم، ومعانيها وكرهاً للأعاجم. ونحن نرى أن هذا الرأي فطير، بل في منتهى الفطر. وهناك غير هذه الآراء وكلها قائلة؛ وقد اجتزأنا بما ذكرنا، لشهرتها، ولعرضها على القراء الكرام. ٤ - موقع قصر الاكيدر الحربي والسياسي قال صديقنا الفاضل لويس ماسنيون في كتابه: (بعثة في العراق) ص ٢ ما هذا تعريبه: إن موقع الاخيضر من احسن المواقع، واجلها لبناء حصن هناك. وذلك لأنه في وسط نوع من الحلقة عظيمة القطر، يخطها الفرات خطاً بديعاً، على أبعاد متناسبة متساوية، أو تكاد تكون كذلك، من هيت، والانبار، وبابل، والحيرة؛ فموقعه إذاً من اجل المواقع الحربية؛ فهو يحافظ احسن المحافظة على صقع واقع على ثغر البادية، وكان مسقياً احسن السقي، لأن الأقدمين كانوا قد حفروا في أرضه انهراً، تأليها من الفرات، وتخرقها خرقاً كما يشق اليوم نهر الحسينية جوار كربلاء منذ القرن العاشر قريباً من رزازة. وهناك كان أيضاً بطائح تأتي مياهها من الفرات وتدفع فيها وفي البادية بعد أن تسقى الأراضي المزروعة؛ ولهذا كان يطوف بها الأدغال والآجام الكثيرة الطير والصيد (وهذه أيضاً أحدوثة ما يروى عن الخورنق وكان ملتقى الصيادين وموعدهم). (والى اليوم ترى آثار الزراعة وبقايا عقيق النهر القديم الجامع بين هيت والابلة، وهي ظاهرة كل الظهور بين كربلاء والاخيضر. وما عدا ذلك كان يمكن لأصحاب ذلك القصر أو الحصن المنيع أن يقبضوا على الذعار وقطاع الطرق الذين يأتون من ديار نجد أو من أنحاء بلاد الشام، قبل أن يتوغلوا في الارضين المزروعة أو العامرة ويعيثوا فيها. كلام صديقنا. ٥ - موقعه السياسي الحالي. الاخيضر هو منتهى قيم مقامية رزازة، الراجع أمرها إلى فهد بك، من العنزة؛ وآخر حدود مديرية شفاتا (التي يسميها البعض شتاتة والبعض الأخر من الترك أو من المتتركين شفاتية والأصح ما أوردناه كما وردت في ياقوت في مادة

стр. 548

عين التمر ٣: ٧٥٩). ويزعم فهد بك أن هذا القصر له. ومدير شفاتا؛ قد استخص عين الماء المجاورة له، وهي العين الوحيدة الموجودة في تلك الأنحاء والتي يخلو ماؤها من مادة كبريتية. (عن المذكور ص ٢) نقد كتاب تاريخ آداب اللغة العربية لجرجي أفندي زيدان صاحب مجلة الهلال. ٣ - أوهامه في الآراء في تأليف جرجي أفندي زيدان، من المزايا الخاصة به، ما لا تكاد تراه في غيرها. ومن جملة المحاسن أنه يهيئ لك موضوع الفصل التالي للفصل الذي تطالعه؛ حتى انك لتقول في نفسك: هذا لابد منه. وعلى هذا الوجه تتصل الفصول وتأخذ بعضها برقاب بعض حتى نقضي العجب من هذا التداخل العجيب والالتحام البديع. وكثيراً ما اتفق لي أني بدأت بتصفح كتاب من كتبه، فلم اقدر أن القيه من يدي إلى أن أتيت على آخره. كأن الكتاب اصبح شيئاً من ضرائر حياتي في ذلك النهار ولم يمكنني أن استغني عنه. ومهما يكن من إعجابي بالمؤلف وشغفي بمطالعة أسفاره، فأني أرى فيها بعض الأمور التي كنت أود أن تكون منزهة عنها. ومن جملة هذه الشوائب انتقاله من وهم إلى حقيقة، ومن حقيقة إلى وهم، بعد إدماج عبارة يوهم هذا الانتقال أتم الإيهام، مثال ذلك: إنه قال في الصفحة الأولى من مقدمته (وهي ص ٣ من الكتاب) ما هذا نصه بحرفه: (أما العرب فالمشهور انهم لم يؤلفوا في تاريخ آداب لسانهم. والحقيقة انهم اسبق الأمم إلى التأليف في هذا الموضوع مثل سبقهم في غيره من المواضيع (كذا). ثم أراد أن يؤيد هذا الرأي بدليل تاريخي نقلي صريحٍ، فقال: (فأن في تراجم الرجال كثيراً من هذا التاريخ لأنهم يشفعون الترجمة بما خلفه المترجم من الكتب ويبينون مواضيعها وقد يصفونها. . .) اهـ

стр. 549

قلنا. إن المؤلف خرج من الحقيقة إلى ما يشبهها فأن ما أراده بقوله: (تاريخ آداب اللغة العربية) لم يصدق على ما أراد أن يبينه بعد ذلك، بقوله: (أن العرب اسبق الأمم إلى هذا الموضوع) فأين كتابه مثلاً في (آداب اللغة) من كتاب الفهرست لابن النديم فهل يقال أن هذا الكتاب الأخير هو تاريخ الآداب للغة العربية. واحسن تفنيد لهذا الزعم أن ابن النديم سمى كتابه (الفهرست) ولم يسمه باسم آخر يحقق بعض ما أراد أن يطلق عليه حضرة كاتبنا الفاضل ولو انصف لقال: إن العرب ألفوا في تاريخ آداب لسانهم، ما يسهل للباحث أن يؤلف كتاباً يفي بمثل هذا الموضوع. ثم أن كان حضرته قد اقر للعرب بهذا الفضل، فلماذا أنكره على أهل الغرب! وهو يعلم أن لليونان والرومان تأليف تفضل كتاب الفهرست من جهة الموضوع الذي يدور قطب الكلام عليه. ونحن لا نفند قوله من كلام نأخذه من المؤلفين الاغراب، بل يكفينا شاهداً ما قاله هو في كتابه ص ١٥ وهذا نقله: (واقدم الأمم التي دونت تاريخ آدابها وعلومها على نحو ما نحن فاعلون في هذا الكتاب اليونان فقد ألفوا في تاريخ آداب لغتهم غير كتاب وقسموها وبوبوها وانتقدوها.؟ وألف آخرون في آداب اللغة اللاتينية، ثم آداب كل لغة من اللغات الأوربية الحية. . .) إذا لم يكن العرب اسبق الأمم إلى التأليف في هذا الموضوع. على أن جرجي أفندي زيدان ما أبطأ أن أنكر على العرب أنفسهم هذه المزية التي كان قد أثبتها لهم في أول مقدمته. فلقد قال في الصفحة التالية لمقاله الأول (أي في ص ٤) ما هذا حرفه: (على أن هذه الكتب وأمثالها (أي كتب العرب كالفهرست ونحوه) تعد من المآخذ الأساسية لدرس آداب اللغة، ولكنها لا يصح أن تسمى تاريخاً لها بالمعنى المراد بالتاريخ اليوم.) وهذا هو الحق عينه. ومن كان الأجدر به أن لا يقول ما قال في الصفحة السابقة مما يشم منه رائحة التضاد والتناقض. كثيراً ما ينتقل حضرة المؤلف من الترجيح إلى اليقين، ويتفق له ذلك على

стр. 550

هذه الصورة وهي: يبدأ أولاً بعرض فكره أو رأيه في معرض الارتياب أو الترجيح، ثم يكرره مراراً وعلى كل مرة يعيده يقرض شيئاً من الألفاظ، وينحى عنها بعض الأدوات التي تدل على الأرجحية؛ ثم لا يزال يفعل ذلك حتى لا تمر بضع صفحات إلا وقد تحول الأرجح يقيناً لا يشوبه أدنى ريب. وما كنا نود أن نرى هذا الخلل في حضرة كاتبنا الفاضل. إذ هذا لا يجدر بالمؤرخ، وبالأخص في الأمور التي فيها شأن خطير، كما هي مسئلة دولة حمورابي. فانك ترى الكاتب مثلا رجح في كتابه (العرب قبل الإسلام) (١: ٤٩) أنها عربية؛ وقد ذهب فيها إلى ما ذهب إليه جماعة من كبار المؤرخين والأثريين أي أنها كانت عربية الأصل ثم انتقل في كتابه هذا إلى أنها عربية اللسان، بل وعدها أول دولة عربية ظهرت في العصر القديم، لا بل جعلها في صدر دول الجاهلية الأولى. فلا جرم أن في ذلك تسرعاً في الحكم وتهوراً في الرأي. ثم أن طائفة من الباحثين ذهبوا إلى أن حمورابي، عربي النجار، كما أشرنا إليه، وأن دولته عربية المحتد بهذا المعنى: لكن بين أن يكون ملك قوم عربي المنبت؛ وبين أن تكون دولته، ولسان دولته عربية، وجميع رعيته وسوقته من العرب بون ظاهر. كيف لا ونحن نرى في هذا العهد ملوكاً ليسوا من اصل مملوكيهم؛ وهم مع ذلك يسوسون رعيتهم بدون أن تيجنس التابعون بجنسية متبوعهم. ألم نر ملكاً عربياً جلس على عرش رومة؛ ولم نر أيضاً ملوكا أجانب مختلفي العنصر حكموا على بلاد العرب؛ وعليه فلا نرى من المناسب أن تثبت دولة حمورابي بين الدول العربية وتدخل لغة ذلك العهد في تاريخ آداب اللغة العربية وليس هناك ما يمكن أن يبين أنها من هذه اللغة القرشية، التي وضع الكاتب كتابه من اجلها. فالأدلة التي أتى بها في كتاب (العرب قبل الإسلام) لا تقطع هذا الرأي قطعاً لأرد عليه، إذ لا يزال الحكم فيه من باب المجازفة. وأما أنه صرح في الأخير أن تبعة حمورابي هم عرب بدون أن يستريب به، فظاهر من نص عبارته في ص ٤٧ وهذا هو: (ومما يحسن استطراده: إن اللغات السامية القديمة على كثرتها اختص منها بالأعراب لغة بابل (الآشورية) واللغة العربية، ويؤخذ ذلك من الأدلة على وحدة اصل العرب والحمورابيين

стр. 551

وأن الأمتين كانتا أمة واحدة يتكلمون لساناً واحداً معرباً؛ فتحضر الحمورابيون وظل العرب بادية؛ ومنهم العمالقة فلما تمدن الحمورابيون واركنوا إلى الرخاء ذهب الإعراب من لسانهم وبقي في كتاباتهم المنقوشة. كما أصاب العرب بعد قيام دولتهم وتقييد لغتهم؛ فنشأ من بقايا البابليين أمة لغتها غير معربة هم السريان والكلدان؛ كما نشأ من العرب أقوام لا يعربون كلامهم وهم عامة الشام ومصر وغيرهما من بلاد العرب، وكان أجدادهم في البادية يعربونه. فنحن نود للمؤلف أن يسير في ما يكتبه لأن (من سلك الجدد أمن العثار) ومن آرائه التي ننسبها إلى التهور قوله أن اللغة العربية (هي على الأجمال أغنى آداب سائر لغات العالم) فقوله هذا يحملنا على أن نظن في أنه أراد بالآداب غير ما اصطلح عليه في صدر كتابه. لكن تلو كلامه ينفي عن ذهن القارئ معنى آخر؛ لأنه يقول بعد ذلك: (لأن الذين وضعوا آدابها في أثناء التمدن الإسلامي أخلاط من أمم شتى جمعهم الإسلام أو الدولة الإسلامية وفيهم العربي والفارسي والتركي. . . وكلهم تعربوا ونظموا الشعر العربي وألفوا الكتب العربية في الأدب والنحو. . . فاحتوت آداب اللغة العربية بسبب ذلك على احاسن القرائح وشتات الأخلاق والآداب والصنائع؛ وادخلوا فيها كثيراً من أساليب ألسنتهم الأصلية بدون قصد أو تعمل.) والذي نراه انهم ادخلوا بعض الألفاظ وبعض الاصطلاحات التي لا تند كثيراً عن مناحي العرب وأصولهم، ولهذا لا نجسر أن نقول: إن العربية على وجه الأجمال أغنى آداب سائر لغات العالم. فاللغات السنسكريتية واليونانية والرومانية من اللغات التي اتسعت أكنافها، وجمعت في أحضانها من الأبناء ما لا ينكر عددهم واختلاف منشآهم ومنبتهم وعنصرهم. وأبقت من الآثار الأدبية شيء كثار لا يخطر على بال العربية أن تعارض نفسها بهن. ولا افهم كيف خفي هذا الأمر على حضرة الكاتب العلامة. ومن أوهامه أنه جعل الكهانة والعرافة والقيافة والفراسة وتعبير الرؤيا

стр. 552

وزجر الطير وخط الرمل وغيرها (ص ١٨٧ - ١٩٠) من العلوم التي اصطلح عليها العلماء باسم (ما وراء الطبيعة)، وليس الأمر كذلك. لأن هذه العلوم التي عدها، تعرف باسم العلوم الخفية أو السرية وأما علوم ما وراء الطبيعة فأنها تشمل عالم النفس وعلم سنن العالم وضوابطه وعلم اللاهوت أو علم الكلام؛ وعليه فخروجه عن مصطلح القوم ليس مما يمدح عليه. ومن أوهامه أن الأعشى أعشى قيس كان نصرانياً (ص ٣٢). وقد أثبتنا في السنة الأولى (ص ٣٥٤ - ٣٥٦) من هذه المجلة أن الشاعر المذكور لم يكن نصرانياً البتة، وإنما كان في آرائه شيء من النصرانية، أخذه من نصارى الحيرة لتردده اليهم، لكنه لم يتنصر، بل بقي على دين دهماء العرب أي الوثنية، فاخذ بعض آراء دين من الأديان شيء، والتدين بدين شيء آخر. ومما يعد في هذا الباب كلامه عن النساء في الجاهلية، فأنه ذكر بعض من اشتهرن بخصال ومناقب ومحامد. ثم أطلق تلك المحاسن على جميع نساء الجاهلية فلا نرى ذلك من الأنصاف. فكان يحسن بالمؤلف أن يقيد كلامه لا أن يطلقه؛ أي أنه لو كان يقول مثلاً أن كثيراً من نساء الجاهلية كن يخيرن قبيل الزواج. لكان التعبير خالياً من كل غبار. لكن قوله: (على أن الغالب في نساء الجاهلية أن يخيرن قبيل الزواج) من الكلام الذي يخالف حقيقة الحال. ومن غريب ما ذكره قوله (ص ٣٤): وكان في الجاهلية خطيبات اشتهرت منهن هند بنت الخس وهي الزرقاء (كذا) وجمعه بنت حابس. ولا ندري عمن نقل هذا الكلام والأصح أن بنت الخس هي غير الزرقاء قال في تاج العروس في مادة خ س س: (الخس) بالضم (وهو) الخس بن حابس: رجل من أياد معروف وهو أبو هند بنت الخس الايادية التي جاءت عنها الأمثال وكانت معروفة بالفصاحة، نقله ابن دريد. وفي نوادر ابن الأعرابي يقال فيه خسس وخص، بالسين والصاد، وهو خس بن حابس بن قريط الأيادي. وقال أبو محمد الأسود:

стр. 553

لا يجوز فيه الخس بالسين. أو هي (أي ابنة الخس) من العماليق. نقله ابن الأعرابي. والايادية هي جمعة بنت حابس الأيادي، وكلتاهما من الفصاح؛ والصواب أن ابنة الخس المشهورة بالفصاحة واحدة، وهي من بني أياد. واختلف في اسمها. فقيل هند. وقيل: جمعة. ومن قال: أنها بنت حابس، فقد نسبها إلى جدها، كما حققه غير واحد. ونقل شيخنا عن ابن السيد في الفرق: إنه يقال لامرأة من العرب، حكيمة بنت الخص، وابنة الخس. فهذا يدلك على أنها امرأة واحدة. والاختلاف في اسمها. فتأمل وقال عن الزرقاء في مادة زرق: (زرقاء اليمامة: امرأة من جديس، وكانت تبصر الشيء من مسيرة ثلاثة أيام. قاله ابن حبيب. وذكر الجاحظ أنها من بنات لقمان بن عاد وأن اسمها عنز وكانت هي زرقاء، وكانت الزباء زرقاء. ومن أوهامه، ذكره أول من وصل إلينا خبره من الشعراء، فرجح أنه أبو دؤاد الأيادي ولقيط الأيادي. والواقف على تاريخ العرب لا يجسر على ذكر اسم الشاعر الأول الذي وصل إلينا شعره، لما في وضع العرب من الأشعار المفتعلة، المنسوبة إلى رجال من الأقدمين، لا يوافق شعرهم عصرهم. وأني أرى أن التصريح بجهل اسم الشاعر الأول، أولى من التعريض لهذا البحث، الذي لا تحل عقده على الوجه الذي انتهى إلينا من كلامهم. ومما ينطوي على هذا الغر، قوله: (ص ٦٨) وفيها (أي في ديار نجد) جبل عكاد (كذا) الذي لم تثبت العربية الفصيحة بعد تمادي الأجيال إلا بين أهله. قلنا: أول وهم في هذا الكلام أنه جعل جبل عكاد في نجد. والأصح أنه باليمن. وهو أشهر من أن يذكر، وليس في ديار نجد جبل بهذا الاسم. هذا فضلاً عن أن العرب إذا أرادوا ذكر حفظ الفصاحة في بلد من بلادهم، ذكروا جبل عكاد، وقالوا عنه أنه في بلاد اليمن، والوهم الثاني أنه جعل أصحاب هذا الجبل وحدهم ممن بقيت فيهم الفصاحة، بعد زوالها من سائر سكان جزيرة العرب؛ والصواب أن هناك أناساً آخرين، منهم: بنو صاهلة أو الكاهليون. قال صاحب التاج في مادة ك هـ ل: بنو صاهلة بن كاهل بن

стр. 554

الحرث بن تميم بن سعد بن هذيل: قبيلة، ويقال، لهم الكاهليون بكسر الهاء، وقيده الوقشى هكذا: كاهل بفتح الهاء، الهاء، كأنه سمي بالفعل من كاهل يكاهل. كذا في الروض؛ وفي المقدمة لابن الجواني. وهم افصح العرب. قال: وبلغني أن بطناً منهم مقيمون إلى الآن على اللغة البسالمة من اللحن والتغير والفساد. ومن العرب الفصحاء الذين نسيهم قعين نصر أو نصر قعين. قال في التاج في مادة ق ع ن: قعين كزبير: بطن من أسد، وهو قعين بن الحرث بن ثعلبة بن دودان ابن أسد. وسئل بعض العلماء: أي العرب افصح؟ فقال: نصر قعين أو قعين نصر. ثم إن حضرة الكاتب نسب إلى أهل نجد افصح العرب، ودعماً لرأيه ذكر أولاً عكاد. وقد رأيت خطأ هذا الرأي. ثم ذكر أهل السروات كأن السروات (وهي ثلاثة اجبل) من نجد، والحال أنها اجبل مطلَة على تهامة، مما يلي اليمن، فهي اقرب إلى هذه منها إلى ديار نجد. وعليه فقد سقط رأيه في أن أهل نجد افصح العرب في العهد السابق. نعم، أن هذا الرأي صحيح بعض الصحة في هذا العهد، إلا أن ما ينسب في هذا العصر، لا يجوز نسبته إلى ذلك، وبالعكس. واحسن فصل جاء في تقسيم فصاحة اللغة العربية، هو ما ذكره الهمداني في كتابه (صفة جزيرة العرب) ص ١٣٤، فأنه أجاد كل الإجادة في هذا الباب فليراجع. ومن غريب استدلال واستقراء كاتبنا ما كتبه في ص ١٧٨ قال: (ويؤخذ مما حوته اللغة العربية قبل الإسلام من أسماء العلل والأمراض والعقاقير، أن العرب عرفوا كثيراً من الأمراض ومعالجتها، فلو قال (إنهم عرفوا كثيراً من الأمراض) بدون أن يزيد (ومعالجتها) لما كان على كلامه غبار، لكن زاد هذه الكلمة فافسد الاستدلال، إذ نحن جميعنا نعرف اغلب أسماء الأمراض بدون أن نعرف كيف نعالجها. وكذلك نعرف أسماء عدة أشياء أخرى ولا نعرف حقيقتها كما يعرفها الغير.

стр. 555

وفي بعض الأحيان يهمل علل الحقائق الاصلية، ويتمسك بعلل دونها قوة وإقناعاً. من ذلك ما قال في أسباب كثرة المترادفات وهذا كلامه: (وأسباب كثرة المترادفات في العربية عديدة منها: إن كثيراً من أسماء الحيوان اصلها نعوت ثم صارت أسماءً، وبعضها مأخوذ عن لغة أخرى. . . وقد يكون السبب في زيادة المترادفات استعارة أسماء حيوانات أخرى للدلالة على هذا الحيوان يتكنون بها عن بعض طبائعه.) - قلنا: وقد أهمل ذكر السبب الأصلي لهذه المترادفات وهو اختلاف القبائل، فأن الشيء الفلاني إذا عرف باسم عند قوم فهو يعرف باسم آخر عند قبيلة تجاورها. فلما جمع العرب في صدر الإسلام مفردات اللغة اثبتوا تلك الألفاظ على كثرتها بدون أن ينسبوها إلى القبيلة التي تتكلم بها فكثرت المترادفات. وكذلك القول في الأضداد في العربية. فإن هذه الألفاظ لا توجد بالمعاني المتضادة في لغة القبيلة الواحدة وإنما هي بمعنى في لغة جماعة منهم، وبمعنى آخر في لغة طائفة أخرى. أي أن القبيلة التي تستعمل مثلاً حرف (قعد) بمعنى جلس لا تستعمله أيضاً بمعنى قام. وألا امتنع التفاهم. وإنما هي بمعنى دون آخر عند قبيلة أخرى، كما أثبته القوم في كتبهم ودواوينهم. - ونقول مثل ذلك في الألفاظ الكثيرة المعاني، اللهم إلا أن تكون تلك المعاني متجاورة الوضع، أو مجازية، أو فيها بعض المناسبة اللغوية، أو الاشتقاقية؛ فالأمر كما ذكر. ومن الأقوال التي لا نوافقه عليها: زعمه في ص ٥٩ أن: (ليس في الدنيا أمة تضاهي العرب في كثرة الشعر والشعراء.) فنظن أن حضرته لم يقف أتم الوقوف على شعراء اليونان والرومان وعددهم وعدد دواوينهم. فليطالع في هذا الموضوع ما كتبه العلماء في هذا العصر. ومما يدخل تحت هذا الباب قوله (ص ١٩٩): أما الأسلوب الإنشائي فلا يمكننا تعيين مقدار التغيير الذي أصابه، لأن ما وصلنا من إنشاء الجاهليين لا يخلو من صبغة إسلامية إلا سجع الكهان، فالغالب أنه بقي على حاله. والفرق بينه وبين أسلوب القرآن كالفرق بين الثريا والثرى.)

стр. 556

وقبل أن ننتقد رأيه في هذه المسألة نقول: إنه ختم تعبيره بخلاف ما يريد، لأنه أراد أن يبين الفرق بين سجع وسجع، وأراد أن يشبه سجع الكهان بالثرى وسجع القرآن بالثريا، فعكس التشبيه وقال كالفرق بين الثريا والثرى. فكان يجب أن يعكس ويقول (بين الثرى والثريا.) لأن الثريا في كلامه راجعة إلى المشبه الأول وهو سجع الكهان، والثرى راجعة إلى المشبه الأخير وهو القرآن فجاء كلامه بخلاف مرامه. وإذ قد بينا ذلك نقول: إن التغيير وقع في كلام الكهان اكثر مما وقع في غيره لأسباب: ١ - لأن كلام الكهان ليس من الأحاديث ولا من الأقوال الجارية مجرى الأمثال، حتى يحرص عليها وعلى الصورة التي جاءت بها. ٢ - لأن كلامهم غير موزون. فكيف بهذا السجع، سجع الكهان وكيف تظن أنه لم تحل به الغبر، وقد غير الرواة من نظم الشعراء شيئاً لا يقدر. ٣ - لأن سجع الكهان دون في القرن الثالث من الهجرة، بخلاف الأحاديث وأشعار الجاهلية فأنها دونت قبله. ٤ - لأن لرواة العرب وكتابهم في صدر الإسلام غاية في تحقير سجع الكهان، ونسبته إلى الركاكة، وإبرازه بحلة زرية. ٥ - لأن طول بعض هذه المسجعات يحول دون حفظها بحروفها. إلى غير ذلك من العلل والأسباب التي يضيق المقام دون استيعابها. وذكر في (ص ٢١٠ إلى ٢١٣) حالة الشرق العلمية عند الفتح الإسلامي فذكر آداب الروم في مصر والشام، ثم آداب مملكة الفرس ومدارس جميع هذه البلاد، ولم يتعرض لذكر مدارس الرها ونصيبين، وقد زل هنا الكاتب زلة لا تغتفر، إلا بعد أن يتعرض لها في طبعة كتابه الثانية، وقد وضع لهذا البحث رسائل وكتب عديدة، ومن جملتها تأليف السيد أدي شير، رئيس أساقفة سعرد على الكلدان، واسمه: (مدرسة نصيبين الشهيرة) طبع في المطبعة الكاثوليكية للآباء اليسوعيين في بيروت سنة ١٩٠٥ وهو كتاب في ٦٣ صفحة في غاية النفاسة. وقال في صفحة ٢١٣: (ولم يبلغ العرب من العز والسؤدد ما بلغوا إليه في أيام هذه الدولة (الأموية)، ونحن نقضي كل العجب من هذا القول ومن

стр. 557

قائله. فما يريد بهذا العز وهذا السؤدد، وأي عصر يشمل كلامه هذا. فهل ترى يشمل عهد الحميريين، وحضارتهم، وعزهم، وسؤددهم، وإيغالهم في التمدن والحضارة؟ أو يشمل عهد العباسيين؟ فكنا نحب أن نعلم هل كلامه هذا يرجع إلى ما قبل عصر الأمويين، أم إلى بعده. ليجوز الحكم بعد ذلك. ومن آرائه القائلة التي توافق آراء كثيرين من الكتاب قوله ص ٢٢٥ (أن الفتوح دعت إلى الاختلاط بالاعاجم، والاختلاط دعا إلى فساد اللغة؛ فاصبح الناس يهملون الإعراب. وكان العرب عند ظهور الإسلام يعربون كلامهم على نحو ما في القرآن. إلا من خالطهم من الموالي والمتعربين، فأن هؤلاء كانوا حتى في أيام النبي يخطئون الإعراب.) قلنا: ولنا أدلة على أن العرب خالطوا الأعاجم قبل الإسلام بأعصر متطاولة، لمجاورة جزيرتهم بلاد الفرس، والهند، والاشوريين، والكلدانيين، والفنيقيين، والمصريين، وغيرهم. والتاريخ خير شاهد على ذلك. ثم أن إهمال الإعراب كان معروفاً عند بعض قبائل العرب، كما كان معروفا استعماله وفي عهد واحد. ولنا أدلة نقلية وعقلية نأتي بها يوماً وليس هنا محل ذكرها. وذهب في ص ٢٢٧ (إلى أن الحركات عند العبرانيين ١١، وعند السريان الشرقيين ٧، وعند السريان الغربيين ٥، أما في العربية فهي ثلاث فقط.) قلنا: إن أراد بالحركات هنا حركات الإعراب فهي ثلاث كما قال. لكن يؤخذ من سياق الكلام أن المراد بها غير حركات الإعراب. فإذا كان كذلك فهي ٧، بالعربية: ثلاث منها لها صور موضوعة، والأربع الأخرى لا صورة لها، ولا بد أن نتعرض لذكرها يوماً. اللهم إلا أن يريد الكاتب ذكر الحركات المعروفة صورها، فما قاله هو الصواب. ونظن أن الأمر كذلك؛ لأنه يقول في ص ٢٢٨: والحركات العربية لا تقل عدداً عن الحركات السريانية، وربما زادت عليها؛ ولكن الأحرف الصوتية في العربية ثلاث (كذا أي ثلاثة) فقط (الواو والألف والياء) فاستعاروها للدلالة على الضم والفتح والكسر، وهي الحركات الرئيسية، وتركوا سائر الحركات المختلسة كالإشمام والروم والإمالة لفطنة القارئ.

стр. 558

والنفس يطول بنا إذا أردنا أن ننتقد كل ما رأيناه في هذا الكتاب. ولا سيما لأن فيه بعض الأمور التي لا يوافقنا أن نبدي فيها رأياً، وفي موطننا ومقامنا وما يحيط بنا من الأحوال والظروف ما يمنعنا عن إبراز كل ما في خاطرنا. فإن كلامه المذكور مثلا في آخر ص ٢١١ لا يوافق الحق البتة، فهي من مبتدعات العصريين الأخيرين، من أصحاب التهور والإلحاد ومحبي الفجور. على أننا نختم كلامنا بهذا القول: إن كتاب آداب اللغة العربية هو احسن كتاب ابرز للقوم إلى هذا اليوم، ولا يمكن أن يستغني عنه أحد إلا من أعمته الأغراض، وقذفت به إلى مهاوي الجهل والضلال والغض من أصحاب الفضل والأعراض. والسلام. (تنبيه) وصلنا الجزء الثاني من هذا الكتاب النفيس وسوف ننتقده في وقته. العراق: (تابع لما قبله) العراق ١٠ - الأرياح فيه قد سبق القول أن الضغط الجوي في وادي الفراتين ينزل متدرجاً من الشمال إلى الجنوب سحابة السنة. وأرصاد الأرياح الشهرية تتفق على أن تبين أن الريح تهب من الشمال في مدة جميع الأشهر، بميل طفيف إلى الغرب. ماعدا في شهر شباط فأن وجهتها المتوسطة هي الشمال الشرقي، لكن في الدرجة التاسعة من الشمال. والمزية الخاصة بهذه الريح هي ثبات هبوبها، طول المدة الموجودة بين أيار وأيلول فحينئذٍ تهب نادراً في وجهة مخالفة لوجهة الشمال والشمال الغربي. ١١ - الرطوبة الهواء في العراق جاف بوجه العموم، لكنه رطب في جنوبيه، وفي الأنحاء التي تكثر فيها البطائح والمستنقعات. وهو رطب أيضاً بعض الرطوبة على ضفة دجلة وقد لاحظ أصحاب المراقبة الجوية في دار الجرى (القنصل) الإنكليزي

стр. 559

أن ميزان الرطوبة يحوي من بخار الماء في كانون الثاني اقل مما يحويه في سائر الأشهر، (بموجب قياس الضغط الذي يرى فيه) فضغط بخار الماء هذا، هو ٥. ٩ مليمترات في هذا الشهر، وهو أعلى بقليل من ضغط بخار ماء بشاور (وهو هناك ٥ مليمترات) ويعقوب آباد (٥. ٣)، ثم يعظم هذا الضغط متدرجاً، كلما عظمت حالة الهواء، واشتد التبخر؛ وهذا التبخر يتصاعد من انهر الجوار. ولا يقف في صعوده إلا في شهر آب، وهو أحر أشهر السنة في العراق، وحينئذ يبلغ ١٣. ٧ مليمتراً، وهو دون ضغط يعقوب آباد، إذ يبلغ هناك ٢٠. ٨ مليمتراً، وضغط بشاور هو ١٩. ٨ مليمتراً (اغلب هذا الكلام معرب عن السر وليم ولكوكس). ١٢ - خصب أرض العراق وحسن تربته ونظرة عامة في غلاته سابقاً قد جمع الله في أرض العراق ما لم يجمعه في غيرها من مرافق الخيرات، وجلائل البركات. إذ فيها غضارة العيش، وخصب المحل، وطيب المستقر، وسعة المير، من أطعمتها، وأوديتها، وعطرها، ولطيف صناعتها. ولهذا كان ملوك فارس يشبهون العراق بالقلب، وسائر الدنيا بالبدن، ومن أسمائه عندهم: (دل ايرانشهر) أي قلب ايرانشهر، وايرانشهر الإقليم المتوسط لجميع الأقاليم. قالوا وإنما شبهوه بذلك لأن الآراء تشعبت عن أهله بصحة الفكر والروية، كما تتشعب عن القلب بدقائق العلوم ولطائف الآداب والأحكام. فأما من حولها، فأهلها يستعملون أطرافهم بمباشرة العلاج، وخصب بلاد ايرانشهر، بسهولة لا عوائق فيها ولا شواهق تشبيها، ولا مفاوز موحشة، ولا براري منقطعة عن تواصل العمارة، والأنهار المطردة من رساتيقها، وبين قراها مع قلة جبالها وآكامها وتكاتف عمارتها، وكثرة أنواع غلاتها، وثمارها، والتفاف اشجارها، وعذوبة مائها، وصفاء هوائها، وطيب تربتها، مع اعتدال طينتها، وتوسط مزاجها، وكثرة أجناس الطير والصيد في ظلال شجرها: من طائر بجناح، وماش على ظلف، وسابح في بحر. قد أمنت مما تخافه البلدان من غارات الاعداء، وبوائق المخالفين، مع ما خصت به من الرافدين: دجلة والفرات، إذ قد اكتنفاها، لا ينقطعان شتاء ولا صيفاً، على بعد منافعهما في

стр. 560

غيرها، فأنه لا ينتفع منهما بكثر فائدة، حتى يدخلاها فتسبح مياههما في جنباتها، وتتبطح في رساتيقها، فيأخذون صفوه هنيئاً، ويرسلون كدره وأجنه إلى البحر، لأنهما يشتغلان عن جميع الأراضي التي يمران بها، ولا ينتفع بهما في غير السواد، إلا بالدوالي والدواليب بمشقة وعناء. وكانت غلات السواد تجري على المقاسمة في أيام ملوك الفرس والاكاسرة وغيرهم، إلى أن ملك قباذ بن فيروز، فأنه مسحه وجعل على أهله الخراج وكان السبب في ذلك: إنه خرج يوماً متصيداً، فانفرد عن أصحابه بصيد طرده حتى وغل في شجر ملتف، وغاب الصيد الذي اتبعه عن بصره، فقصد رابية يتشوفه، فإذا تحت الرابية قرية كبيرة، ونظر إلى بستان قريب منه فيه نخل ورمان وغير ذلك أصناف الشجر، وإذا امرأة واقفة على تنور تخبز ومعها صبي لها، كلما غفلت عنه، مضى الصبي إلى شجرة رمان مثمرة ليتناول من رمانها، فتعدو خلفه وتمنعه من ذلك ولا تمكنه من اخذ شيء منه، فلم تزل كذلك حتى فرغت من خبزها، والملك يشاهد ذلك كله. فلما لحق به اتباعه، قص عليهم ما شاهده من المرأة والصبي، ووجه إليها من سألها عن السبب الذي من اجله منعت ولدها من أن يتناول شيئاً من الرمان. فقالت للملك فيه حصة ولم يأتنا المأذون بقبضها، وهي أمانة في اعناقنا، ولا يجوز أن نخونها ولا نتناول مما بأيدينا شيئاً حتى يستوفي الملك حقه. فلما سمع قباذ ذلك أدركته الرقة عليها وعلى الرعية، وقال لوزرائه: إن الرعية معنا لفي بلية، وشدةٍ، وسوء حال، بما في أيديهم من غلاتهم، لأنهم ممنوعون من الانتفاع بشيء من ذلك، حتى يرد عليهم من يأخذ حقنا منهم، فهل عندكم حيلة تفرج بها عنهم؟ فقال بعض وزرائه نعم، يأمر الملك بالمساحة عليهم ويأمر أن يلزم كل جريب من كل صنف، بقدر ما يخص الملك من الغلة فيؤدي ذلك اليه، وتطلق أيديهم في غلاتهم، ويكون ذلك على قرب مخارج المير، وبعدها من الممتارين. فأمر قباذ بمساحة السواد وإلزام الرعية الخراج بعد حطيطة النفقة، والمؤونة على العمارة، والنفقة على كري الأنهار وسقاية الماء وإصلاح البرندات، وجعل جميع ذلك على بيت المال فبلغ إخراج السواد

стр. 561

في السنة مائة ألف ألف وخمسين ألف ألف درهم مثاقيل. فحسنت أحوال الناس، ودعوا للملك بطول البقاء، لما نالهم من العدل والرفاهية. وقد وقع اختلاف مفرط بين مساحة قباذ ومساحة عمر بن الخطاب رضه، ذكرته كما وجدته من غير أن أحقق العلة في هذا التفاوت الكبير: أمر عمر بن الخطاب رضه بمسح السواد الذي تقدم حده، لم يختلف صاحب هذه الرواية فيه، فكان بعد أن اخرج عنه الجبال والأدوية والأنهار ومواضع المدن والقرى ستة وثلاثين ألف ألف جريب، فوضع على جريب الحنطة أربعة دراهم، وعلى جريب الشعير درهمين، وعلى جريب النخل ثمانية دراهم، وعلى جريب الكرم والشجر ستة دراهم، وختم الجزية على ستمائة ألف إنسان، وجعلها طبقات: الطبقة العالية ثمانية وأربعون درهماً، والوسطى أربعة وعشرون درهماً، والسفلى اثنا عشر درهماً، فجبى السواد مائة ألف ألف وثمانية وعشرين ألف ألف درهم. . . وجباه زياد مائة ألف الف وخمسة وعشرين ألف ألف درهم وجباه ابنه عبيد الله اكثر منه بعشرة آلاف ألف درهم، ثم جباه الحجاج مع عسفه وظلمه وجبروته، ثمانية وعشرين الف ألف درهم فقط، واسلف الفلاحين للعمارة ألفى الف، فحصل له ستة عشر ألف الف. قال عمر بن عبد العزيز: وهاأنا قد رجع إلي على خرابه فجبته مائة ألف ألف وأربعة وعشرين ألف ألف درهم بالعدل والنصفة، وأن عشت له لأزيدن على جباية عمر بن الخطاب رضه. وكان أهل السواد قد شكوا الحجاج خراب بلدهم، فمنعهم من ذبح البقر لتكثر العمارة، فقال شاعر: شكونا إليه خراب السواد ... فحرم جهلاً لحوم البقر، وقال عبد الرحمن بن جعفر بن سليمان: مال السواد ألف ألف ألف درهم، فما نقص مما في يد السلطان منه فهو في يد الرعية، وما نقص من يد الرعية فهو في بيت مال السلطان. قيل أراد عمر قسمة السواد بين المسلمين فأمر أن يحصوا، فوجدوا الرجل يصيبه ثلاثة من الفلاحين، فشاور أصحاب رسول الله في ذلك فقال علي رضه: دعهم يكونوا مادة للمسلمين. فبعث عثمان بن حنيف الأنصاري فمسح

стр. 562

الأرض، ووضع الخراج، ووضع على رؤوسهم ما بين ثمانية وأربعين درهماً، وأربعة وعشرين درهماً، وأثنى عشر درهماً، وشرط عليهم ضيافة المسلمين وشيئاً من بر وعسل؛ ووجد السواد ستة وثلاثين ألف ألف جريب، فوضع على كل جريب درهماً وقفيزاً. قال أبو عبيد: بلغني أن ذلك القفيز كان مكوكا لهم يدعى السابرقان. وقال يحيى بن آدم وهو المحتوم الحجاجي: وقال محمد بن عبد الله الثقفي: وضع عمر رضه على كل جريب من السواد، عامراً كان أو غامراً، يبلغه الماء: درهما وقفيزاً، وعلى جريب الرطبة خمسة دراهم وخمسة اقفزة، وعلى جريب الكرم عشرة دراهم وعشرة اقفزة ولم يذكر النخل. وعلى رؤوس الرجال ثمانية وأربعين وأربعة وعشرين وأثنى عشر درهماً. وحتم عثمان بن حنيف على رقاب خمسمائة ألف وخمسين ألف علج لأخذ الجزية، وبلغ الخراج في ولايته مائة ألف ألف درهم. (اه عن ياقوت بتصرف قليل في العبارة) فيؤخذ مما تقدم أنه كان لكل رجل من المسلمين ثلاثة فلاحين من النصارى من باب التعديل المتوسط لا من باب الحقيقة. وعليه كان نصارى العراق الفلاحون في عهد علي ثلاثة أضعاف المسلمين، ماعدا من كان منهم في المدن الكبار كبغداد والموصل والبصرة. وكانت مساحة السواد ٣٦٠. ٠٠٠. ٠٠٠ جريب مزروع، والجريب يساوي اليوم ما يسميه الإفرنج بالهكتار فتكون إذاً مساحة الأراضي المزروعة يومئذ ٣٦٠. ٠٠٠. ٠٠٠ مترٍ مربعٍ فأين أولئك السكان من عدد سكان هذا اليوم؟ وأين تلك الارضين المزروعة وخراجها، وأراضي هذا العهد وخراجه؟ أعاد الله كل شيء إلى سابق مجده، وسامق عزه، بمنه وكرمه! إبراهيم حلمي من أسماء ابنة اليوم ذكرنا أسماء بنات اليوم على اختلاف بعض ربوع العرب والأعراب. وقد ذكر لنا أستاذنا الكبير حضرة الشيخ العلامة والسيد السند محمود شكري أفندي الآلوسي: إن الفرس يسمون هذه الدودة التي تأتي بها السيول من جبال الثلج (زالو) بزاي فارسية. ثم قال: فلعل الكلمة المعهودة (أي

стр. 563

الجليلو) محرفة عنها، ومغيرة منها، فأن كثيراً من كلمات الفرس دخلت لغة بغداد وحرفت عن اصلها. قلنا نحن: وكلمة (زالو) مختزلة عن (زلال) الفارسية القديمة. فإذا أملت ألفها قلت (زليل)، وهذه لا تبعد كثيراً عن جليلو، التي إذا كتبتها بالإمالة كانت جلالو. وأنت تعلم أن الزاي والجيم على أنواعهما كثيراً ما تتبادلان؛ ولا سيما، مبادلة الجيم والزاي الفارسية، مثل الجدوار واصلها زدوار. والجية، وفارسيتهازي. والازدهاق واصلها ازدهاك، وكلها بالزاي الفارسية، ومثلها كثير في اللغة. وأما أن الزلال هو الزالو أو الجليلو فهذا واضح من نص اللغويين: قال في التاج: الزلال بالضم: حيوان صغير الجسم أبيضه، إذا مات جعل في الماء فيبرده؛ ومنه سمي الماء البارد زلالاً. قلنا: إن هذا التعليل غريب. والحق هو هذا: إن هذه الدويبة تكثر في أيام الربيع وفي البلاد الكثيرة الثلوج والمياه المتحللة منها. فيتولد فيها. فنسب بعضهم برودة الماء إلى وجوده. وإنما لبرودته سبب آخر وهو سقوط درجة الحرارة إلى ما تحت الصفر لا غير. وليس في الحشرة قوة لإنزال الحرارة إلى هذه الدرجة. وقال فارس في معجمه الفارسي اللاتيني: زلال كلمة عربية فارسية، يراد بها دودة تنشأ في الثلج ثم تطير منه، وتكثر في الماء الصافي، فيسمى ذلك الماء (آب زلال) أي الماء الزلال. وهي لا تعيش كثيراً، وإذا ماتت ظهر فيها حركة كحركة المذبوح. قلت: وهذا الأمر الأخير هو مطابق للحقيقة لا شبهة فيه. وهذا مما يزيدنا يقيناً في رأينا وتمسكا به. والفضل في ذلك راجع إلى شيخنا الآلوسي. وقال في (برهان قاطع) الزلال: دودة الثلج وهي تولد كل سنة عند تراكم الثلوج في الجبال الشاهقة؛ وهي دقيقة بيضاء مدورة الرأس وضعت في الماء بردته إلى الغاية وجعلته سائغاً لذيذاً، ومنه الماء الزلال لذلك الماء. والماء الزلال بالارمية (زليلا) وكذلك يقال له أيضاً بالعربية أي

стр. 564

وهو كقولك الماء الزلال. فاللغات كلها متفقة على وضع هذه الكلمة، أخذاً من مادة زلل. ومن أسمائها أيضا على ما ذكره لنا أحد الأصدقاء: (الجلبة) بهاء وهي بلغة أهل الشرقية من أنحاء بغداد. ويسميها العرب القاطنون في غربي بغداد: (سليلبح)، بحركة السين المختلسة، وفتح اللام فتحاً فيه إمالة، وسكون الياء المثناة، وتحريك اللام الثانية بحركة مشتركة، وفتح الباء الموحدة التحتية، وبحآء مهملة في الآخر أي وبعض أهل بغداد من ساكني الأهوار والمجاورين لها، (والأهوار هي البطائح أو المستنقعات)، يسمونه (مغيزل داده) ولعلها تصحيف (مغيزل ذاته) وهي كثيرة في تلك الأهوار. وهذا ضبطها: بسكون الميم، وفتح الغين المعجمة فتحاً فيه إمالة، وسكون الياء التحتية المثناة، وتحريك الزاي بحركة مشتركة، وسكون اللام. وضبط داده كضبط غاية. وفي الختام نشكر حضرتي الكاتبين الشهيرين، ونسدي آلاء الجميل والإحسان لكل من ينبهنا على كل هفوة أو زلة تقع منا لأن الكمال، لمن تنزه عن المثال، وهو وحده المتعال. باب المشارفة والانتقاد ١ً. موليير مصر وما يقاسيه (رواية تمثيلية هزلية، بقلم الشيخ يعقوب صنوع المشهور بأبي نظارة المصري، شاعر الملك، ومؤسس التياترات (المسارح) العربية في وادي النيل. طبعت في بيروت بالمطبعة الأدبية، سنة ١٩١٢، بقطع الثمن الصغير في ٤٠ صفحة حسنة الكاغد والطبع. وقد صدرت بصورة الفيكونت فيليب دى طرازى الذي أهديت إليه هذه الرواية، وختمت بصورة المؤلف. هذه الرواية حسنة المغزى، وقد ألفها صاحبها بعبارة عامية مصرية، طلباً لإصلاح عوائد العوام، وإفهامهم فحواها بلسانهم. لكننا لا نرى من الصواب

стр. 565

أن تسجع عبارتها؛ وما أقبح السجع في هذا المقام. لا سيما لما ترى الكاتب يجد كل الجد وراء كلمة، ليقيمها بازاء أختها ويقابلها بها. ومما نأخذه على المؤلف أيضاً مزج الفصيح بالعامي. فكان عليه أما أن يجعل كلامه كله فصيحاً، وأما كله عامياً. أو أن يجعل أحد الممثلين مهذب العبارة، والآخر يعكسه، وأن يبقيهما بلهجتهما إلى آخر الرواية. ومهما يكن من حلة الرواية، فإن حليتها قائمة بمحاسنها الداخلية، وهي حليتها الحقيقية. وكفاها حسناً! ٢ - فصل القضاء، في الفرق بين الضاد والظاء (أثر أحمد عزت) مميز قلم تحريرات ولاية بغداد. حق الطبع محفوظ لصاحبه. طبعت في مطبعة الشابندر في بغداد سنة ١٣٢٨) في ١٨٦ صفحة من قطع الثمن الصغير. كل من يطالع كتب العراقيين المطبوعة في بغداد، يتحقق أنهم كثيراً ما يغلطون في رسم الضاد والظاء. وهذه جرائدنا ومجلاتنا من اصدق الشواهد على ما نقول؛ وهذا الغلط قديم في العراق. وسببه أن أهل بغداد لا يميزون بين اللفظين، فهم يلفظون الضاد كما يلفظون الظاء وهو خطأ بين، بعكس أهل الموصل فإنهم يلفظون الظاء كالضاد. ولهذا أراد صاحب هذا الكتاب أن يجمع جميع الألفاظ الواردة في اللغة العربية بهذين الحرفين، وينقل معناها إلى اللغة التركية أو الفارسية، فأجاد في العمل. فالكتاب المذكور إذاً عبارة عن معجم في ثلاث لغات، نافع لجميع أهل العراق، فليحرصوا عليه. أما أغلاطه الطبعية فهي أكثر من أن تحصى، ولهذا لا نتعرض لذكرها. ويكفيك علماً أن الكتاب طبع بمطبعة الشابندر التي لا تعني كل العناية بتصحيح مسودات الطبع على ما تنقح لها. فعساها أن تجد لها من يقوم بشؤونها أحسن القيام والله الموفق. ٣ - كتاب التوحيد (للإمام جعفر الصادق عم وهو الذي أملاه على المفضل بن عمرو رحمه الله تعالى. كمل طبعه في مطبعة النفاسة الكائنة في شارع أبي السعود نومرو ٥٥
следующие страницы →