← Джавами‘

Джавами‘ · id 36540

مجلة لغة العرب العراقية

أنستاس الكرملي

Полный текст (6 158 стр.). Показаны 4971–5010 · переход к 4976.

стр. 4971

وبأخر المقبرة مقلع حجارة منه الناس ما يحتاجون إليه لبناء بيوتهم وقد علمت أن المتر الواحد يكسر في مثله من هذا المقلع قد بيع بجنية واحد مما يدل على وجودة نوعه ونقاء معدنه. مدينة بيت لحم قبر راحيل على ما ذكر في التوراة في طريق أفراثة التي هي بيت لحم وعلى قول الشريف الأدريسي الجغرافي العربي هو وسط الطريق بين بيت المقدس وبيت لحم وهو وهم لأن القبر يبعد عن الأول زهاء خمسة أميال بينا هو لا يبعد عن الثانية نحو ميل واحد. وعلى رواية السائح الهروي في الطريق من القدس إلى مدينة الخليل. وعلى رأي غرس الدين الظاهري بأواخر كروم القدس. أما على قول مجير الدين الحنيلي فهو بيزبيت المقدس وبيت لحم وكل هذه الأقوال صحيحة فأن الطريق من بيت المقدس إلى مدينة الخليل (حبرون) كانت وما زالت تمر بقبة راحيل ثم تتفرع بعد ذلك إلى بيت لحم وبيت جالا ويتصل من الجادة الأصلية إلى خليل الرحمن. أما اليوم فقد أصبح القبر محاطاً به عن أيمانه وشمائله بالدور الفخمة والقصور الشاهقة لأغنياء بيت لحم وأضحى جزءاً من المدينة. وأننا ننقل فيما يلي ما جاء في التوراة عنه ثم نردفه بأقوال جغرافيين العرب ورحالتهم وكذلك أقوال الأب مايسترمان التي نقلها عن رحالة الفرنجة. قبر راحيل في التوراة جاء في سفر التكوين في الإصحاح ٣٥: ١٦ - ٢٠ من طبعة جمعية التوراة البريطانية والأجنبية: (١٦ ثم رحلوا (أي يعقوب ﵇ ومن معه من بيت أيل ولما

стр. 4972

كان مسافة من الأرض بعد حتى يأتوا إلى أفراثه ولدت راحيل وتعسرت ولادتها (١٧) وحدث حين تعسرت ولادتها أن القابلة قالت لها لا تخافي لأن هذا أيضاً ابن لك (١٨) وكان عند خروج نفسها لأنها ماتت أنها دعت أسمه أبن أوني، وأما أبوه فدعاه بنيامين (١٩) فماتت راحيل ودفنت في طريق أفراثه التي هي بيت لحم (٢٠) فنصب يعقوب عموداً على قبرها وهو عمود قبر راحيل إلى اليوم). قبر راحيل عند جغرافيي العرب وهذه أقوال جغرافيي العرب ورحالتهم عن قبر راحيل بحسب سنتي وفاتهم: قال المقدسي المتوفي بعد سنة ٣٧٥هـ ٩٨٥م. (أقليم الشام جليل ديار النبيين ومركز الصالحين ومعدن البدلاء ومطلب الفضلاء به القبلة الأولى إلى أن يقول (وقبر مريم وراحيل). وأورد الشريف الإدريسي بعد سنة ٥٤٨هـ ١١٥٣م. وأما بيت لحم وهو الموضع الذي ولد فيه المسيح بينه وبين القدس ستة أميال وفي وسط الطريق قبر راحيل أم يوسف وأم أبن يامين ولدي يعقوب ﵈. وهو قبر عليه اثنا عشر حجراً وفوقه قبة معقودة بالصخر). وذكر بهاء الدين أبن عساكر المتوفي سنة ٦٠٠هـ ١٢٠٣م بين قبور إبراهيم وأسحق ويعقوب ويوسف قبر راحيل وقال عن تلك القبور أنها جميعاً

стр. 4973

ظاهرة بفلسطين. وقال السائح الهروي المتوفي سنة ٦١١هـ ١٢١٤م الطريق من القدس إلى مدينة الخليل ﵇. قبر راحيل أم يوسف الصديق ﵇ وعن يمين الطريق بيت لحم. وفي نسخة أخرى وهي أصح عبارة من الأولى. (الطريق إلى مدينة إبراهيم الخليل ﵇، قبر راحيل أم يوسف الصديق عن يمين الطريق والله أعلم). وقال أبن فضل الله العمري المتوفي سنة ٧٤٨هـ ١٣٤٧م: (قبر راحيل أم يوسف. عن يمين الطريق السالك من القدس إلى الخليل). وقال سراج الدين أبن الوردي المتوفي نحو سنة ٨٥٠هـ ١٤٤٦م: (وبينه (أي بين الموضع ولد فيه المسيح وبين بيت المقدس) ستة أميال وفي وسط الطريق قبر راحيل أم يوسف الصديق ﵇. وقال غرس الدين الظاهري المتوفي سنة ٧٨٢هـ ١٤٦٧م. وبأواخر كرومها (أي كروم بيت المقدس) قبر السيدة راحيل أم يوسف الصديق ﵇. وأقام والدي المرحوم شاهين الظاهري قبة وصهريجاً ومسقاة للسبيل وبيمين الطريق بيت لحم.). وقال مجير الدين الحنبلي المتوفي سنة ٩٢٧هـ ١٥٢١م: (وبين بيت المقدس وبيت لحم قبة راحيل والده سيدنا يوسف الصديق ﵇ وهي إلى جانب الطريق بين بيت لحم وبيت جالا في قبة موجهة لجهة الصخرة

стр. 4974

وهي مشهورة تزار). وقال القرماني المتوفي سنة ١٠١٩هـ ١٦١٠م: وبيت لحم قرية على فرسخين من بيت المقدس وبقرب هذه القرية قبر راحيل والدة يوسف الصديق ﵇. وقال عبد الغني المتوفي سنة ١١٤٣هـ ١٧١٠م: (فمررنا على قبة راحيل وهي أم يوسف الصديق ﵇. فوقفنا عند ذلك القبر العظيم وقابلناه بالإجلال والتكريم وقرأنا الفاتحة ودعونا الله بما تيسر لنا من الدعاء والله بصير بسعي من سعى). قبر راحيل عند جغرافيي الإفرنجة هذا ما أطلعنا عليه من أقوال العرب وقد نقل الأب مايسترمان في دليله أن المؤرخين الثلاثة أوريجانس واوسابييوس والقديس هيرونمس قالوا بوجود قبر راحيل بجوار بيت لحم. وأن الزائر البرديلي (نسبة إلى مدينة بردو بفرنسة الذي زار هذا القبر سنة ٣٣٣ المسيحية أي قبل الهجرة المحمدية ب ٢٨٩ عاماً يصف ذلك الأثر التذكاري المبني فوق ضريح يقع على مسافة أربعة أميال جنوبي بيت المقدس ونحو ميلين شمالي كنيسة ولادة السيد المسيح ﵇ الكائنة في بيت لحم. وأن ثيودوسيس وجد حجراً تذكارياً فوقه سنة ٥٣٠م أي قبل الهجرة باثنين وتسعين عاماً. وأن أركلف ذكر أن ذلك البناء كان في سنة ٦٧٠م ٤٨هـ على شكل هرم وأن كلا من ثيودوريك والرباني بنيامبن التطيلي والشريف الإدريسي يقول أن ذلك الهرم كان من أثني عشر حجراً يمثل أبناء يعقوب الاثنين عشر أي أسباط بني إسرائيل. وأن المؤرخين ذكروا أن الصليبيين بنوا فوقه مربعاً قائماً على أربعة أعمدة كل منها يتصل بالآخر بقنطرة

стр. 4975

ارتفاعها ٢١ قدماً وعرضها ١٢ قدماً وجعلوا فوق ذلك قبة. وأن الحجارة التي كان يتألف منها الهرم فقدت في القرنين الخامس عشر والسادس عشر للميلاد أي في القرنين التاسع والعاشر للهجرة. وزاد الأب مايسترمان على ذلك بقوله أن ذلك الضريح جدد بناؤه غير مرة قلنا ويتضح من أقوال الأب مايسترمان أن أول قبة على قبر راحيل هي التي بنيت في زمن الصليبيين في حين أن غرس الدين بن شاهين الظاهري يقول أن الذي بناها والده كما تقدمت الإشارة إليه. ويجوز أن تكون القبة التي بناها هؤلاء في زمن استيلائهم على بيت المقدس وما إليه - وكان ذلك من سنة ٤٩٢هـ ١٠٩٩م إلى سنة ٥٨٣هـ ١١٨٧م - قد هدمت فأعاد شاهين الظاهري بناءها. وهنا مجال لأن ننبه إلى دقة وصف الإدريسي فقد كان أول رحالة عربي ذكر أن قبر راحيل يتألف من أثني عشر حجرا كما اعترف له بذلك الأب مايسترمان. حيفا (فلسطين): عبد الله مخلص (لغة العرب: تتمة معربة عن معلمة التوراة لفيغورو ٩: ٩٢٦) لما بلغ يعقوب إلى ديار كنعان توجه إلى ممرا ليلاقي فيها والدة إسحاق ولما غادر بيت أيل كان على مسافة محدودة من أفراثه ولما طلقت راحيل في المخاض سمعتها قابلتها فقالت لها أنها تلد أبناً. إلا أن راحيل كانت تحتضر وسمعت ابنها بن أوني (أي وجعني أو ابن أنيني) ثم صحفها يعقوب وقال: بنيمين (أي أبن اليمين) وقضت راحيل أنفاسها في مثيرها بالقرب من بيت لحم. فشاد يعقوب على قبرها بناية كانت تشاهد إلى العهد الذي كتبت هذه الآية من سفر الخلق. أما اليوم فهو (في سنة ١٩٢٢م) مقام مربع حسن عليه قبة بنين في سنة ١٦٧٩ بذيل طويل ذاهب إلى الشرق بناه السر موزس منتفيوري والقبر في

стр. 4976

داخل المدفن. وهو بناء بهيئة مزدوج كسقف من سقوفنا (أي في ديار الإفرنجة) سمكة من ثلاثة إلى أربعة أمتار وقد غشني وجهه بالنقوش العربية وكلها بالستوق. والبناء حديث إلا أن موقعه يقابل كل المقابلة ما جاء في نص سفر الخلق. فقد ذكر هناك القبر كان موجوداً في عهد موسى الكليم. وبعد سبعة قرون ذكره سموئيل لشاول (١ - سفر الملوك ١٠: ٢) والقديس هيرونمس ذكره مراراً عديدة ووصفه أركلف في المائة السابعة للميلاد وقال: عليه هرم ويذكر نصباً إقامة يعقوب والإدريسي العربي من وصاف البلدان في المائة الثانية عشرة يقول. على هذا القبر اثنا عشر حجراً وكلها وقوف ذكرى للأسباط الإثني عشر. فترى من هذا أن التواتر ثابت بين الناس من يهود ونصارى ومسلمين أن في ذلك الموضوع دفنت امرأة يعقوب الحسناء. بيت عراقي قديم مرتضى أفندي المؤرخ الشهير أبن نظمي البغدادي ٥ - أن العراق من زمن العباسيين وإلى اليوم كتب عنه مؤرخون كثيرون. وحاولوا في كتاباتهم سلسلة حوادثه ووصلها بعضها ببعض بحيث يكمل الواحد ما قام به الآخر. ولكن نظر للطوارئ الكونية والحوادث الحربية والسياسية حصل انقطاع في بعض هذه الحوادث ولم يتيسر إيصالها بعضها ببعض ولا تسلسل حوادثها إلى اليوم. ولم يتيسر أن كتب أحد تاريخا مستقلاً للعراق تصل حوادثه إلى أيامنا سوى مترجمنا مرتضى أفندي آل نظمي. فهو بحق (مؤرخ العراق). قد كتب عن أحوال العراق جماعة من رجال الأمم الأخرى التي استولت عليه أو المجاورة له في عصور تدوره هذه إلا أنها لم تدون من الوقائع إلا ما كان متعلقاً بحروب بين المجاورتين أو ماله مساسا بأمورنا الداخلية وعلاقته بنظامها فلم تذكر غير وقائع الفتح والفتن وحوادث الثورات على الحكومة. . . وأهملت

стр. 4977

أمر الأمة فلم يحرص على هذا المحيط وبيان أحواله الحقيقية والموسعة سوى أبنائه. أن الذين كتبوا صاروا يراعون سياستهم وأغراضهم وقد قيل (الغرض مرض) لذا لم يتح ذلك إلا لمؤرخ عراقي معروف. ولكنه لا يزال باقياً في جهالة عن الكثيرين من أبناء قطرنا في حين أنه مشتهر لدى الترك والعلماء الغربيين. وله مكانته الممتازة عندهم. وللغة العرب الغراء وصديقنا يعقوب أفندي سركيس الفضل في التنويه عنه. ولولا هذا المؤرخ الكبير لبقيت حوادث كثيرة مبهمة بل مجهولة عنا. فلا تجد صلة بيننا وبين ماضينا وقومنا على ما كانوا عليه من بؤس وشقاء أو نعيم وقتي وأن كان لا يستحق الاطراد وهذا المؤرخ سد فراغاً لم يستطيع أحد سده إلى زمنه فحفظ لنا وقائع هذا القطر وأنه شاهد عيان فيما كتبه عن زمنه. فهو ثقة وعارف بالمجرى التاريخي خصوصاً بعد أن نعلم أنه من موظفي الحكومة. أما غيره فيصح أن يطلق على أكثرهم لقب مداحين بل مداجين مرائين. وأن لم يخل هو نفسه من إطراء ومدح لحكومته وبعض ولاتها المعاصرين ولكن على كل حال لم يزاحمه مزاحم ولا عارضة معارض إلى الآن. فله الفضل الكبير على العراق فيما مضى في عمله وسيأتي الكلام على تاريخه (كلشن خلفا) عند مؤلفاته. وهنا أقول أنه أديب شاعر وناثر معاً كتب بعض البيورلديات (الأوامر السامية) للولاة المعاصرين وأدرجها وعهدت إليه كتابة الديوان. والظاهرة أنه خلف أباه في كتابة الديوان فضلاً عن أنه مؤرخ. وأن نفس مؤلفاته تدل على علو كعبة في الآداب واقتداره المكين فيها. أرتضع الأدب من أسرة عريقة فيه متأصلة في العلم. وهو أبن محمد نظمي البغدادي الذي هو أبن بنت عهدي البغدادي ولا يعول على ما جاء في السجل العثماني من أنه أبن السيد علي البغدادي بعد أن ذكر كلشن شعراء أنه أتخذ أسمه لقباله كما أن تذكرة سالم تؤيد أنه أبن نظمي، وكذا نفس أسرته تعتقد أنها لم تكن من نجار هاشمي أو قرشي كما تحققتة منهم. ولا يزالون يحفظون أنهم من أصل تركي. ولعل ما وقع فيه صاحب السجل من الغلط ناشئ من بعض أبيات قالها ابن مرتضى أفندي

стр. 4978

وهو عبد الله أفندي المفتي كما يأتي الكلام عليه. وقد ذكر السجل أنه توفي سنة ١١٣٦ وأنه ولد في بغداد. أما ذهابه إلى الآستانة فلم يذكره سوى صاحب السجل. وأظن أنه ليس بصحيح. وإلا لذكر ذلك معاصره سالم أفندي قاضي العسكر الذي شاهد مؤلفه وهو (كلشن) ومؤلف أخيه (شرح وصاف) المار ذكره. ويظهر من تدقيق النظر في مؤلفاته أنه عاش بعد سنة ١١٣٠ ومن المتيقن أن الالتباس في تاريخ وفاته ناشئ من أن أخاه توفي سنة ١١٣٠ فحصل بسبب ذلك الاشتباه وعلى كل حال أن مرتضى أفندي شاعر وأبياته في مؤلفاته كثيرة وكاتب مجيد فهو من الكتاب القديرين وأن كتبه كلشن وذيل سيرنابي وتذكره الأولياء وتاريخ تيمور تدل على مهارة أدبية وقابلية كبيرة وقدرة على الإنشاء. وغاية ما يقال عنه أنه رجل اختصاصي في التاريخ العراقي والتاريخ الإسلامي الذي له علاقة به فالعراق بحق يفتخر به. وقد أطراه صاحب الدوحة اطراءاً وكذا صاحب مرآة الزوراء ووصفة بما يليق به. مؤلفاته: ١ - تذكره الأولياء المسمى (جامع الأنوار في مناقب الأبرار) أن مرتضى أفندي لم يكشف ببيان تاريخ هذا المحيط من الوجهة السياسية والحربية وتسلط الحكومات عليه بل أنه كتب التاريخ الإسلامي بتمامه تقريباً من نقطة علاقته بالعراق وموضحاً لجراه ولذا نراه قد ذيل سيرنابي وكتب كلشن خلفاء وترجم تيمور. ولكنه توسع من ناحية أخرى فذكر مشاهير رجال العراق المشهورين بالصلاح والتقوى. ويظهر لأول وهلة أنه ألفها بعد التاريخ إلا أن مراجعة نفس الأثر تبين أنه قبل سائر مؤلفاته المعروفة. ذكر مشاهير رجال العراق في الصلاح والتقوى فبعد أن ذكر بعض الأنبياء مثل يوشع وذي الكفل ﵉ تقدم لبيان الأولياء والمشاهير من الفقهاء والمتصوفة والزهاد واعتمد على كتب معروفة كالنفحات للجامي وطبقات الشعراني وابن خلكان والصواعق وروضة الصفا إلى غيرها وعلى حكايات وروايات منقولة مما وصل إليه. وفي هذا الكتاب كشف اللثام عن قسم مبهم لو لم يوضح عنه ولم يكتب لما

стр. 4979

كان تمكن أحد من الوقوف على أحوال الكثيرين ولبقبت أحوالهم في عماء عنا كتبه في بادئ الأمر مختصراً ومجملاً في زمن السلطان محمد خان العثماني للوالي ببغداد آنئذ وهو إبراهيم باشا الطويل (أوزون إبراهيم) سنة ١٠٧٧ هـ. وكان هذا الوالي راغباً كثيراً في تحقيق الأولياء والأبرار فطلب من المؤلف أن يقوم بتأليف يوضح أحوالهم ويبين مناقبهم. ثم أنه بعد ذلك ورد لبغداد وال آخر وهو إبراهيم باشا أيضاً فدخلها في جمادي الثانية سنة ١٠٩٢ فاستطاع هذا أيضاً أخبار الأخبار فطلب من المؤلف إكمال الكتاب المذكور. وحينئذ راجع المؤلف المصادر المذكورة وغيرها فأكمل نقصه ونقح وذيل فأبرزه بشكله الموجود. ومن هذا الأثر نسخة في مكتبة الأوقاف العامة ببغداد تحت رقم ٢٤٤٢ من موقوفات سليمان باشا على مدرسة السليمانية وقفها سنة ١١٩٨ وهي خطية سطور الصفحة منها ١٩ سطراً وطولها ٢١ سنتيمترا وعرضها ١٥ سنتيمترا وصحائفها ١٧٨ كتبت في ١٥ صفر سنة ١١٥٥ وأظن أنها الخطية الوحيدة فلم أعثر على غيرها. وأولها: أي دوست علم وأجب الوجود أو لان اسم جلال سرسورة أسماء جلال وجمال الخ. وقد كتب في أعلى الصفحة الأولى (كتاب تذكرة الأولياء ومراقد الأصفياء في أطراف بغداد دار السلام). أما المؤلف فأنه سماها في صلب مقدمة الكتاب (جامع الأنوار في مناقب الأخيار). وهذه النسخة تنقد من جهة أن الإعلام كان يكتبها ناسخها أحمر ولكنه تركه أخيراً وتهاون في الخط أيضاً. ومع كل هذا فهي مما يعول عليه. لأنها كتبت في وقت قريب من زمن المؤلف فهي ثمينة من هذه الجهة ولم تدخلها أغلاط النساخ العديدة. ونظراً لأهمية هذا الأثر اضطر علماؤنا إلى نقله وتعريبه إلى لغة الضاد فكان ذلك نصيب اثنين لا يدري أحدهما بالآخر على ما يظهر وهما: ١ - السيد أحمد أفندي أبن السيد حامد آل الفخري الموصلي بإشارة من سعد الله بك نجل الوزير الحاج حسين باشا ترجمه عن التركية والأصل لمرتضى

стр. 4980

أفندي الشهير بنظمي زاده لما كان والياً على بغداد سنة ١٠٩٢ وهي بخط المعرب (كذا) قال صاحب مخطوطات الموصل في الصحيفة ١٢٢ تحت عنوان (ترجمة أولياء بغداد) والحال أن المؤلف لم تعهد إليه ولاية بغداد فالقول بذلك غلط تاريخي لا يغتفر من الفخري. ومن هذا التعريب نسخة في المتحفة البريطانية أيضاً. ٢ - عيسى صفاء الدين أفندي البندنيجي المتوفي ليلة الأحد ١٧ رجب سنة ١٢٨٣ والأصل لمرتضى أفندي نظمي زاده أوله: الحمد لله الذي بذاته في منصة الأحدية الخ. وقد شاهدت نسخة منه خطية عند حفيدة صفاء الدين أفندي قبل بضعة أشهر وأخرى في مكتبة الأب انستاس الكرملي وصحائفها ٦٠٦ ولم يبين مؤلفها تاريخ تعريبها إلا أنه يقول كان هذا التعريب إنما تم بالحاج من السيد محمود أفندي النقيب والسيد محمود أفندي الالوسي وكانا معاصرين له سوى أنه لم يذكر أنها لمرتضى أفندي وأظن أن النسخة الموجودة لدى الصديق لدى الصديق صفاء الدين أفندي شيخ التكية البندنيجية هي الأصل. وقد قال عنه المرحوم شكري الالوسي: أجاد فيه غاية الإجادة حتى شهد له بالفضل أهل العلم واستحسنه الأباء. انتهى. نعم أن نقل هذا الكتاب إلى العربية كان نصيب اثنين لا يدري أحدهما بالآخر على أقوى احتمال سوى أن هاتين الترجمتين لم يجر تدقيق النظر فيهما لتحصل المقابلة بينهما فينتقي الأحسن وينبه على مواطن الغلط أو السهو في كل منهما. ومن السهل الحصول على النسختين المذكورتين لمن هو راغب في إذاعة الصحيح واختيار الأصلح بإضافة بعض التعليق لإتقان العمل وإكماله. ويهمنا في هذا المقام بيان مكانة هذا الرجل الذي يكاد يكون قد وقف حياته الطويلة في تدوين تاريخ العراق وإيضاح الكثير من صفحاته وغوامضه المبهمة. ٢ - ذيل (درة التاج في سيرة صاحب المعراج) أن درة التاج في سيرة الرسول (ص) معتبرة لدى الترك القدماء. وهي للمرحوم ويسي أفندي (أويس أفندي أبن محمد) المتوفي سنة ١٠٣٧هـ حينما كان حاكما في أسكوب. وهو شاعر وناثر مشهورة بالهجو وكان أبوه قاضياً. وهو من قصيدة (الأشهر) بخلاف ما جاء في كشف الظنون كما نبه على ذلك في قاموس

стр. 4981

الإعلام. ولما توفي كان عمره ٦٨ عاماً. تولى القضاء في أسكوب سبع مرات ولذا توهم صاحب الكشف أنه من أهليها. وهو أبن أخت (مقالي) الشاعر المتوفي سنة ٩٩٢هـ وقد تحدى الأدباء تحريره مدة طويلة ونثره معتبر أكثر من نظمه إلا أنه لا يروق أهل هذه الأزمان لما فيه من التأنق واستخدام المحسنات اللفظية والتراكيب الصناعية مما أدى إلى تعقيده بحيث يحتاج فيه المرء إلى ترجمان ويقال لسيرته هذه (سيرة ويسي) أيضاً كما يقال لها (مكي ومدني) وله رسالة في الانتصار للجوهري على صاحب القاموس وأخرى في نوادر اللغة العربية. صدر كتابه ببيتين فارسيين وفي أثناء تحريره غزوة بدر الكبرى عاجلته المنية وهذه السيرة مطبوعة في الآستانة وعندي منها نسخة خطية مجموعة مع ذيولها الآتية. وهي: ذيل سير نابي: قد كتب يوسف نابي أفندي ذيلاً على هذه السيرة (درة التاج) المذكورة طبع في مصر في جمادي الثانية سنة ١٢٤٠ وهذا المؤلف يعد من أعاظم الشعراء العثمانيين. وله ديوان مطبوع. وهو من أهل أرفا (أورفه أي الرها) وفي زمن السلطان محمد الرابع ذهب إلى الآستانة فتولى عدة مناصب وتوفي سنة ١١٢٤ ويحكى أنه قال قبيل الوفاة (نابي بحضور أمد) فصار تاريخاً لوفاته، وله هذه السيرة المعروفة (بذيل سيرنابي) أو (سيرحبيب اكرم). (ذيل مرتضى أفندي): وهذا هو الذيل الثاني لسيرة ويسي. فرغ منه مؤلفه سنة ١١٢١ كما صرح به في النسخة الخطية الموجودة عندي المحتوية على الأصل (درة التاج) وذيل سيرنابي (المذكورتين وهذه الثالثة أقدم على إكمالها مرتضى أفندي بعد أن أحجم كثيرون عن الجري وفق نهجها وقد أطرى مرتضى أفندي صاحب الأصل وصاحب الذيل الأول وذكر أنه ألقى دلوه في الدلاء وأن كان لا يدرك شأو من سبقه. ولما كانت بلسان أدبي أحجم عن إكمالها غيره وتمت على يده. وهذا ينم عن مقدرة وتفوق وقال: أن هذا عمل شاق ووضع صعب بالنظر للأدب العصري في زمنه. وأما اليوم فقد تغير الوضع وتوجهت

стр. 4982

الاستقامة الأدبية إلى نهج جديد من مراعاة الترسل واتباع قاعدة التبليغ عن المرام بأسهل طريقة. ولم أجد ضرورة أجد تدعوا إلى وصف هذه النسخة لمبذولية هذا الأثر وشيوعه. وعندي نسخة أخرى مجدولة ومكتوب في صدرها (تأليف مرتضى جلبي نظمي زاده) وهي نسخة نفيسة لولا أنها مخرومة الصفحة الأخيرة وقد أكملت بخط آخر. ٣ - كلشن خلفا أن هذا المؤلف هو واسطة اشتهار مرتضى أفندي: أوله مطلع أنوار كلام قديم ميمنة أفزاي أمور جهان الخ وقد أحله الترك مكانة سامية وطبعوه في مقدمة الكتب التي نشروها في الآستانة في مطبعة إبراهيم متفرقة سنة ١١٤٣ وصحائفه ٢٦٠ واشتهر عندهم وعرف أكثر مما عندنا والذين يقدرون عندنا هذا المؤلف قليلون. وأكبر مشجع للترك في طبعة هو أنه يروج سياستهم في الخارج وفي العراق ويجعل لهم المكانة العليا مما لم يحلم به الترك أنفسهم من بيان الدواعي والأسباب حتى أنه لم يقتصر على ترويجها عند ذكر العثمانيين فحسب بل روجها في جميع صفحات تاريخه حتى عند ذكر هلاكو وانتقال الخلافة إلى مصر، فنراه يندد بالخلفاء المتأخرين ويحط من سياستهم ويعد ظهور العثمانيين نعمة لحماية الخلاقة ويبتدئ تاريخه من أوائل العباسيين وينتهي في سنة ١١٣٠هـ. كتب هذا التاريخ سنة ١١٠٠ هـ زمن الوالي عمر باشا السلحدار وذكر في نفس التاريخ لهذا الوالي أبياتا وعارضها بنظم له لطيف راجع (الورقة ١٠٧) من الكتاب وتسلسلت حوادثه إلى سنة ١١٣٠ وهو على اختصاره لا نجد في غيره من الحوادث ما يجلو عنها أو يكشف الستار عن حقائقها إلا قليلاً. فلولاه لما أمكن للناس الإطلاع التام على الحوادث كما ذكرها هو فأن كتابة يضم في مطاويه مباحث كبيرة عن حالة العراق وجباية أمواله والتبدل الحاصل فيها وذكر وزرائه وعماراته. وبالأخص أن تاريخ العثمانيين غامض من أوائل دخولهم العراق إلى زمن السلطان مراد الرابع وما يليه. فما وجد في غيره مقطوع غير موصل. وقد أثنى صاحب تذكرة سالم على هذا التاريخ إلا أنه

стр. 4983

نقده في أن تركية قديمة لا تأتلف هي واللغة الدارجة (في ذلك الزمن). وهذا التاريخ اعتنى به المؤرخون العراقيون بعدة وإلى اليوم لكني لم أر له نسخة خطية سوى نسخة واحدة مخرومة الأول والآخر والمظنون أنها كتبت في زمان المؤلف. شاهدتها وهي من كتب الصديق الفاضل يعقوب أفندي سركيس ومن أهم الكتب التي ذيلت به (دوحة الوزراء) لرسول حاوي أفندي تتضمن حوادث أكثر من مائة سنة تبتدئ من حيث انتهى وتمتد إلى سنة ١٢٣٧ الهجرية وفي هذا الذيل تفصيل أكثر وسعة في المباحث وسأفرد له مقالاً خاصاً. وعلى هذا الذيل ذيل آخر وهو (مرآة الزوراء) مكمل للدوحة ومعقب لحوادثها. كتب بقلم أكبر العارفين بتاريخ هذا المحيط للمدة الأخيرة وهو (سليمان فائق بك) أبن الحاج طالب كهية ووالد حكمت بك سليمان ومحمود شوكت باشا، وسأفرد لهذا الفاضل أيضاً مقالاً أثر الكلام على صاحب الدوحة ومن الله المعونة. ثم تقف الحوادث ولم توصل بذيل ولا بغير ذيل ولكن أوراق الحوادث (الجرائد) أخذت تنتشر فلم يبق خفاء. وقد بان المبهم ووضع الصبح لذي عينين فتكاثرت المباحث عن أحوال هذا المحيط. ومع هذا فأن مجاهله الكثيرة لا تزال غامضة ولم يتكلم عنها أحد. وعلى أي الأحوال بقيت غوامض وفي الإطلاع عليها شوق وأن النفوس تتطلبها. (لغة العرب: وصف كلشن خلفا والمخطوط الذي في خزانتنا). ذكر حضرة الصديق العزيز الأستاذ عباس أفندي أنه لم يجد من (كلشن خلفا) سوى نسخة واحدة خطية مخرومة الأول والآخر وهي للصديق الفاضل يعقوب أفندي سركيس وعندنا نحن أيضاً نسخة خطية ودونك وصفها: (طول الكتاب ٣٢ سنتيمترا في عرض ١٩. وعدد صفحاته ٢٥٠ ما عدا المقدمة التي في ١١ صفحة وكلها مجولة بالأزرق جدولاً مزدوجاً تبتدئ بالهمزة وتنتهي بالكاف. ورق النسخة كله أزرق مسطر من أصل وضعه. وفي كل صفحة ٢٥ سطراً دقيق الكتابة بخط الرقعة طول المكتوب منها ٢٣ سنتيمترا في عرض ١٤. وتبتدئ المقدمة بقوله: (محامد ذاكيات أول مبدع كائنات وموجود مصنوعات جنابنك إتحاف كرده معلا. . . إلى آخر ما

стр. 4984

هناك. وفي صفحة ك نقش عربي أزرق. وفي ص ١ نقش آخر بالأخضر والأزرق والأبيض والأحمر يمثل جنبذة حمراء وعن يمينها ويسارها غصنان أخضران من أغصان الورد. وعناوين الفصول موضوعه بين خطين مزدوجين أعلى وأسفل مرسومين بالأزرق وتنتهي النسخة بقول الناسخ ما هذه حروفه بنصها: (تم الكتاب بعون الملك الوهاب في عشرين رمضان المباركة سنة ثنين وتسعين بعد المائتين والألف على يد أفقر العباد آمين مصطفى البندتيجي) والسطر الأخير الذي يبتدئ: (بعد المائتين يختلف خطه عن خط سائر الكتاب والظاهر أن أسم الناسخ الصحيح محي بإمرار إصبع مبلولة على السطر الأخير وإبداله بهذا السطر الجديد وبوضع اسم غير الاسم الحقيقي. وهذا ما يجعل النسخة نفيسة في عينينا لأن هذا العمل يدل دلالة صريحة على أن هناك أناساً يريدون أن يبقى أسمهم معروفاً عند الأجيال الجديدة من غير أن يكلفوا نفوسهم عناء النسخ والكتابة اهـ. كلامنا. ٤ - تاريخ تيمورلنك هذا ترجمة مرتضى أفندي إذ نقل من اللغة العربية إلى اللغة التركية كتاب (عجائب المقدور في نوائب تيمور) لأحمد بن محمد بن عربشاه الحنفي المتوفي سنة ٨٥٤هـ. وقد قال صاحب كشف الظنون: ترجمه الفاضل الأديب المرتضى المعروف بنظمي زاده البغدادي. وكان حياً سنة ١١٣٠ وهذا التاريخ كما يظهر من بيانات صاحب الكشف أنه هو المسمى (تيمور نامة) وهو النسخة الأولى التي ترجمها مرتضى أفندي بوضعها الأصلي وتسجيعها وبديع إنشائها أي نسخة طبق الأصل المنقولة عنه. وقد كتبت هذه النسخة وهي النسخة الأولى لوالي بغداد علي باشا سنة ١١١٠هـ وأما هذه النسخة وهي (تاريخ تيمورلنك) فأنها كتبت للوزير الحاج إسماعيل باشا والي بغداد الذي تولى بغداد (سنة ١١١٠: ١١١١) بعد تلك النسخة قال في سنة ١١٣١ والظاهر أن هذا غلط من الناسخ وصحيحها سنة ١١١١ وبناء على طلبه جعلها خالية من السجع وبلسن اعتيادي خلاف النسخة الأولى كما أوضح ذلك في مقدمة هذه النسخة. وفيها زيادات عن أولاد تيمور ولوحق مهمة لا يستغني عنها. وقد ماتت النسخة الأولى فلم نجد لها خبراً وانتشرت الثانية وقد طبعت في الآستانة في مطبعة الجريدة سنة ١٢٧٧ ولهذا التاريخ علاقة بحوادث العراق فلذا أقدم مترجمنا على نقله إلى

стр. 4985

التركية. أما الأصل وهو (عجائب المقدور) فقد طبع في أوربة ومصر مراراً عديدة واعتقد أن الأصل لا يغني عن الترجمة لمقابلة الإعلام بعضها ببعض والتوثق من صحتها زيادة على ما مر بيانه وأول الترجمة لمرتضى أفندي: الحمد لله الذي يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد الخ. والحاصل أن هذه الآثار التاريخية تبدو قيمتها لأول نظرة. ومن دقق النظر فيها قدر أتعاب الرجل وخدماته لهذا المحيط فهو من أكابر أبنائه البررة في العلم والفضل والأدب، وقد قال إبراهيم فصيح أفندي الحيدري في كتابه (عنوان المجد في بيان بغداد والبصرة ونجد): ومنها أي بيوت بغداد بيت نظمي زاده وهو من البيوت القديمة الرفيعة. وكانوا أصحاب قلم) اهـ إلا أنه لم يذكر أحداً من أفراد هذا البيت ومشاهيرهم (راجع: ص ١٢٤ من النسخة الخطية) حتى أنه لم يعلم أن عبد الله أفندي المفتي أبن مرتضى أفندي منهم ولذا ذكره بعنوان بيت مستقل ولم يشر إلى هذا (راجع ص ١١٦) واعتقد أن الذي أوقعه في الغلط عدم معرفته البيوت وحقيقة شهرتها وإنما أخذ أنباءه من أناس مختلفين فدون ما سمعه دون ترو وتحقيق. وبمرتضى أفندي هذا انقطع الانتساب إلى نظمي زاده وغطت شهرة مرتضى أفندي كل من سبقه. ومن معاصريه ومعاصري أخيه من أدباء الترك العراقيين: ١ - يوسف عزيز المؤرخ العراقي وهو من بغداد. ٢ - الفتي. واسمه حسين أفندي كان يستخدم كاتباً لكهيات بغداد. وقد ائتلف مع الكتخدا لمصطفى باشا دال طبان وصحبه إلى الآستانة مغتراً بهذه الصحبة فلم ينل مرغوبه وعاش عيشة منغصة (راجع تذكرة سالم). وأرى في هذا كفاية. والمقال الآتي يتعلق بمن يليه من أولاد مرتضى أفندي الذين هم من هذه الأسرة ومنه تعالى المعونة. المحامي: عباس العزاوي (لغة العرب) هذا البحث المفيد لصديقنا عباس أفندي العزاوي يتصل بالمقال الذي دبجه حضرة الأديب يعقوب أفندي نعوم سركيس في هذه المجلة (٧: ٥١٨ إلى ٥٢٧).

стр. 4986

محلة المأمونية وباب الأزج والمختارة - أن تعيين المحلات والاقرحة والشوارع والعقود والقصور القديمة في بغداد من أصعب تحقيقات التاريخ والجغرافية وأبعدها عن التثبت والإيمان غير أن التقريب والاسترجاح والاستدلال تخفف من هذه الصعوبة وتقرب من الإيقان أو نصف الإيمان، وما قول القارئ ونحن نريد أن نعين محلة المأمونية في الجانب الشرقي من بغداد وذلك بعد أحد عشر قرناً ونصف لتسميتها وإبتناء أولها؟. كنا قد ذكرنا في مقالتنا عن قصر المأمون شيئاً من أخباره (٨: ٣٤٣) نقلاً عن مادة (التاج) من معجم البلدان وتصرفنا فيه رعاية للمراد والآن ننقل بعض النص لتعلقه بمحلة المأمونية قال ياقوت عن القصر: ثم انتقل إلى المأمون فكان من أحب المواضع إليه وأشهاها لديه وأقتطع جملة من البرية عملها ميداناً لركض الخيل واللعب بالصوالجة وحيزاً لجميع الوحوش وفتح له باباً شرقياً إلى جانب البرية وأجرى فيه نهراً ساقية من نهر المعلى وابتنى مثله قريباً منه منازل برسم خاصته وأصحابه سميت (المأمونية) وهي إلى الآن (الشارع الأعظم) في ما بين عقدي (المصطنع) و (الزرادين). فعقد الزرادين آخر المأمونية جنوباً على ما يأتي وقال ياقوت في مادة (المأمونية) من معجمه ما مثاله: (المأمونية منسوبة إلى المأمون أمير المؤمنين عبد الله بن هرون الرشيد وقد ذكرت سبب استحداث هذه المحلة في التاج والقصر الحسني وهي: محلة كبيرة طويلة عريضة ببغداد بين نهر المعلى وباب الأزج عامرة آهلة) قال أبن خلكان في وفياته (٢: ٣٥٥) عن ياقوت (وتوفي يوم الأحد العشرين من شهر رمضان سنة ست وعشرين وستمائة في الخان بظاهر مدينة حلب) فالمأمونية قبل وفاته عامرة وطالما دعا في معجمه لإطالة بقاء الناصر لدين الله. قال ياقوت في مادة (الريان) ما عبارته والريان أيضاً محلة مشهورة ببغداد

стр. 4987

كبيرة عامرة إلى الآن بالجانب الشرقي بين (بابا الأزج) و (باب الحلبة) و (المأمونية) قلنا: وهذا التحديد كأنه يشمل اليوم غربي (الصدرية) ويشمل (العوينة) لأن المأمونية طويلة عريضة فيرجح انتهاؤها إلى (جامع شيخ سراج الدين) اليوم. وقال في مادة (منظرة) ما نصه (منظرة الحلبة موضع مشرف ينظر منه وهي منظرة محكمة البنيان في وسط السوق في آخر محلة المأمونية ببغداد قرب الحلبة كان أول من بناها المأمون وكانت في أيامه تشرف على البرية والآن فهي في وسط البلد ثم أمر المستنجد بالله بنقضها وتجديدها على ما هي اليوم، جعلت لمجلس (كذا أي ليجلس) فيها الخليفة ويستعرض الجيوش في أيام الأعياد) وقال في مادة (الحلبة) ما نقله: (والحلبة محلة كبيرة واسعة في شرقي بغداد عند باب الأزج وفي مواضع آخر) ولا يبعد من ذهن القارئ أنه ذكر أن منظرة الحلبة في وسط بغداد على عهده وعد وسط بغداد آخر محلة المأمونية ووسط بغداد لا يتجاوز محلة العوينة اليوم. ويقرب من محلة (الريان) قطيعة العجم فقد قال ياقوت في مادة (قطيعة) ما صورته (قطيعة العجم ببغداد في طرف المدينة بين باب الحلبة وباب الأزج والريان محلة كبيرة عظيمة فيها أسواق كأنها مدينة برأسها). قلنا: ولكونها في طرف بغداد الشرقي يظهر أنها كانت بين الباب الشرقي الآن وباب الطلسم اليوم وشمال الريان قديماً كانت بموضع محلة الفناهرة اليوم إلى محلة الأرامنة التي استحدثوها في زماننا بين الباب الشرقي وبابا الطلسم مما خندق سور بغداد المهدم. والذي يطالع تحديد ياقوت يصعب عليه المطابقة لأن تعظيمه المحلات مبالغة واقتصاره على حدود بعيدة قليلة يهز العقل هزاً عند التحقيق لأن ذلك الوصف يظهر المحلات متداخلة بعضها في بعض كل التداخل. عقد المصطنع في شمال المأمونية وقال ياقوت في مادة (قرح) ما عبارته (وذلك أنك تخرج من رحبة جامع القصر مشرقاً حتى تتجاوز عقد المصطنع وهو بابا عظيم في وسط

стр. 4988

المدينة، فهناك طريقان أحدهما ذات اليمين إلى ناحية المأمونية وباب الازج والآخر يأخذ ذات الشمال مقدار رمية سهم إلى درب يقال له درب النهر). وكأنه يشير إلى الطريق الذي يتجه اليوم من مركز الشرطة المذكور إلى (سوق حنون) شمال عقد المصطنع ولإثباتنا أن المأمونية جنوب عقد المصطنع وأن هذا العقد هو اليوم قرب عقد القشل من الشمال تكون محلة المأمونية من عقد القشل إلى الريان وبابا الأزج ويبطل قول المؤلف لكتاب عمران بغداد في ص ١٠٤ منه ما عبارته: (محلة المختارة أي عقد القشل الحالي). والعجب أنه ذهب إلى هذا مع قوله في أول الصفحة المذكورة (ومن الأمور التي يجب الإشارة إليها في هذا الباب هي (كذا) اعترفنا بالعجز في تعيين المواضع الحقيقية لمحال بغداد السابقة وتطبيقها على المحلات الحالية) وذكر في ص ٥٦ من الحوادث الجامعة تحارب أهل المأمونية وأهل باب الأزج ومن ذلك قوله (وكان ابتداء المصاف من عقد المصطنع). باب الأزج قال ياقوت في مادة (ازج) ما نصه: (باب الازج: محلة كبيرة ذات أسواق كثيرة ومحال كبار في شرقي بغداد فيها عدة محال كل واحدة منها تشبه أن تكون مدينة) وذكر العلامة (لسترنج) في خارطة ص ٢٦٣ من كتابه تاريخ بغداد محلة (باب الازج) في ما يقابل اليوم مسجد السيد سلطان على ممتدة إلى ما يقابل القنصلية الإنجليزية ولكنه أبعدها عن دجلة. وذكر (المدرسة النظامية) قبر قصر النقيب على شاطئ دخلة بالباب الشرقي وهذا غريب منه لأمرين أولهما أن محلة باب الازج ممتدة إلى دجلة وثانيهما أن هذا الموضع ليس بموضع المدرسة

стр. 4989

النظامية وإنما يترجح أنه محل (مدرسة الأصحاب) فقد نقل أبن خلكان في (١: ٢٤٥) من تاريخه عن علي بن محمد بن يحيى المعروف بثقة الدولة أبن الأنباري ما صورته: (كان من الأماثل والأعيان واختص بالإمام المقتفي لأمر الله وكان فيه أدب ويقول الشعر وبنى مدرسة لأصحاب الشافعي على شاطئ دجلة بباب الازج وإلى جانبها رباطا للصوفية ووقف عليها وقفاً حسناً وسمع الحديث). وقال ابن العبري في ص ٣٦٣ من تاريخه ما اصله: (وفي سنة أربع وخمسينئ (أراد بعد الخمسمائة) ثامن ربيع الآخر كثرت الزيادة في دجلة وخرج القروج فوق بغداد فامتلأت الصحاري وخندق البلد ووقع بعض السور فغرق بعض القطيعة وباب الازج والمأمونية ودب الماء إلى أماكن فوقعت) اهـ. قلنا: وقد وضع العلامة لسترنج (القطيعة) جنوب باب الحلبة الذي سمته العامة في هذا العهد (باب الطلسم) فصارت في شرق المأمونية وجعل في جنوب المأمونية (محلة الريان) وفي غربها دار الخلافة وفي داخل المأمونية قبر الشيخ عبد القادر الجيلي مع أن القبر في محلة باب الازج والمأمونية لا تصل إلى قبر الشيخ المذكور والدليل على ما قلنا ما ورد في ص ٢٧ من نسختنا الخطية للحوادث الجامعة ونصه (وفيها (أراد وفي سنة ٦٣٣) توفي أبو صالح نصر بن أبي بكر بن عبد الرزاق أبن أبي محمد عبد القادر الجيلي الفقيه الحنبلي الواعظ شيخ وقته ومقدم مذهبه. ودرس في مدرسة جدة بباب الازج) وجد دفن في مدرسته. أما محلة الريان فقد حصرها ياقوت بين باب الازج وباب الحلبة ومحلة المأمونية وسيأتي ذكرها. وورد في ص ٩٨ من الحوادث عن الغرق: (وصلى أهل باب الازج في مصلى العيد بعقد الحلبة) وذكر في حوادث سنة ٦٤٠ ما نصه: (في يوم الخميس خامس عشر رجب ركب المستعصم بالله في شبارة ومعه شرف الدين إقبال الشرابي وعز الدين مرشد الهندي المستعصي واصعد في دجلة إلى مشرعة الكرخ وعاد منحدراً إلى باب الازج ثم عاد إلى داره) وفي ص ٥٦ منه (فجاء قوم من رجال المأمونية ليجتازوا في باب الازج فمنعهم أهل باب الازج أن يعبروا عليهم وسيوفهم مشهورة) وذكر في حوادث سنة ٦٢٩هـ ما عبارته

стр. 4990

(وفيها جرت فتنة بين أهل باب الازج وأهل المختار وتراموا بالبندق والمقالع والأجر وتجالدوا بالسيوف فقتل من الفريقين وجرح جماعة فتقدم في عشية اليوم التالي بخروج الجند وكفهم عن ذلك فخرج نائب باب النوبي ومعه جماعة من الجند فكفهم وقبض على جماعة منهم فضربهم وقط أعصابهم وحبسهم فسكنت الفتنة واتصال الأزجيين بالمختاريين يستوجب الإيضاح. المختارة أما المختارة التي مر ذكرها جعلها العلامة لسترنج في خارطته المذكورة غرب باب الظفرية (أي الباب الوسطاني اليوم) ممتدة إلى السور في شرق باب السلطان (أي باب المعظم) فما أبعد المسافة بين باب المعظم وباب الشيخ فهذا يؤكد الغلط المرتكب في كتاب عمران بغداد من أن محلة المختارة هي (عقد القشل اليوم) ونحن لا نشك في أن أهل المحلتين تزاحفوا خارج السور من شرقي بغداد فتحاربوا وقد أوضح ياقوت الطريق من عقد المصطنع إلى المختارة في مادة (قراح) بقوله: (والآخر يأخذ ذات الشمال (أي شمال الماشي من جامع سوق الغزل إلى مركز شرطة قاضي الحاجات في هذا العصر) مقدار رمية سهم. . . ثم يمتد قليلاً ويشرق فحينئذ يقع في قراح (ابن رزين) فإذا صار في وسطه فعن يمينه درب النهر واللوزية وعن يساره المحلة المقتدية التي استحدثها المقتدي بالله ثم يمر في هذه المحلة (أعني قراح أبن رزين) نحو شوط فرس جيد فحينئذ ينتهي إلى عقد هناك وباب فإذا خرج منه وجد طريقين أحدهما يأخذ ذات الشمال يفضي إلى المحلة المعروفة (بالمختارة) اهـ ويظهر لنا مما مضى أيضاً أن الواقف في وسط قراح أبن رزين يكون عن يمينه درب النهر واللوزية وقد تحققنا أن لسترنج وضع محل اللوزية بخريطته شرقي محلة قنبر علي وعباس

стр. 4991

أفندي اليوم. وورد في حوادث سنة ٦٤٠ من الحوادث الجامعة: (ويعقب ذلك وقوع فتنة أخرى بين أهل المختارة وسوق السلطان وقتل بينهما جماعة) وسوق السلطان على ذكره لسترنج هو سوق الثلاثاء ويمتد من باب المعظم إلى الجنوب مخترقاً ما يسمى اليوم (الميدان) فالمختارة في شرق محلة سوق السلطان والتباسها بمحلة القشل من أقابح الأغلاط وأفاظعها. مصطفى جواد أسرة الحاج الميرزا تقي السبزواري الحاج الميرزا تقي هو أحد علماء الشيعة الأتقياء الذين قضوا أعمارهم في خدمة الدين والعلم. وهو أبن الميرزا كاظم أبن الميرزا أبي القاسم أبن الميرزا رضي أبن السيد محمد وينتهي نسبه إلى الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب. الحاج الميرزا تقي من أسرة نبيلة كانت أقامتها في (باشتن) من قرى سبزوار ثم هاجر جده الأدنى الميرزا أبو القاسم إلى (فوشتك) من قرى سبزوار فكانت أسرته فيها إلا أن حفيده الحاج الميرزا تقي بعد أن ترعرع وشب تحول إلى سبزوار وأقام فيها مدة ليستقي العلوم من مدارسها ثم أرتحل إلى النجف في عهد الشيخ مرتضى الأنصاري فتتلمذ له برهة من الزمن. لبث الحاج الميرزا تقي في النجف مدة ثلاثين عاماً ثم أقفل إلى سبزوار وقد أخذ نسيبه من العلوم ولم يزل دأبه خدمة الدين وشعاره التقوى حتى مات وكان بعد رجوعه من العراق إماماً في مسجد الجامع بسبزوار. زار الحاج الميرزا تقي وقام برحلات عدة إلى العراق وفي عودته من رحلته الأخيرة (في سنة ١٣١٠هـ - ١٨٩٣م أو في سنة ١٣١١هـ ١٨٩٤م) توفي بشاهرود ودفن فيها وله مؤلفات في علم أصول الفقه (تحوي محاضرات أستاذه الشيخ مرتضى الأنصاري) لم تزل مخطوطة.

стр. 4992

عميد هذه الأسرة اليوم هو الحاج الميرزا حسين المعروف بالصغير وهو من مشاهير المجتهدين والفقهاء وهو ختن السيد محمد مهدي العلوي (حموة). ولد الحاج الميرزا حسين هذا أبن الحاج الميرزا تقي (المذكور آنفاً) في سبزوار في عام ١٣٩٦هـ - ١٨٧٩م وقرأ مبادئ العلم فيها وفي سنة ١٣٠٨هـ ١٨٩١م سافر إلى العراق فتلقى فيها علمي الفقه والأصول من بعض أعلام النجف وفي سنة ١٣٢٤هـ - ١٩٠٦م آب إلى وطنه سبزوار ولم يزل مثابراً على الإمامة بمسجد الجامع بسبزوار والتدريس وخدمة الدين الحنيف حتى كتابه هذه السطور. حج أم القرى مرتين الأولى في عام ١٣٣٨هـ - ١٩٢٠م والثانية في عام ١٣٤١هـ - ١٩٢٣م وهو الآن على أهبة السفر إليها للمرة الثالثة. السيد خبير المازندراني نسختنا الخطية لدوحة الوزراء في خزانتنا نسخة خطية من هذا الكتاب مفتتحة بهذه العبارة (أشبو كتاب مستطاب ذيل كلشن خلفاء المسمى دوحة الوزراء تاريخ وقائع بغداد الزوراء أثر أديب كامل وتحرير فاضل كركوكلي الشيخ رسول أفندي عليه الرحمة (رحمة) المعيد المبدي. وفي آخرها: قد تم وبالخير عم يوم الاثنين في ١٣ شوال سنة ١٣٣٦ أو في ٢٢ تموز سنة ١٩١٨م. مكتوب بعد ذلك ما هذا بحرفة (قال الأب انستاس ماري الكرملي مستنسخ هذا الكتاب: نقلت هذه النسخة عن السفر الذي خط على نسخة المؤلف. وكانت محفوظة عند حضرة الشيخ الجليل محمود شكري الآلوسي فأعارني إياها على ما عهد فيه من حب العلم ونشر أعمال السلف ومؤلفاتهم وكانت هذه النسخة الآلوسية بحجم هذه ولهذا اخترت لها ورقاً بقدر ورقها وعدد سطورها كعدد هذه. وكذلك قل عن عدد الصفحات. ولله الحمد أولاً وأخراً.

стр. 4993

فوائد لغوية الإنكار وأدواته ومرادفاته وأصلها من أدوات الإنكار عندنا: (لا) وفي لغات الغرب - و (لا) من أدوات النهي أيضاً. وللنفي يستعمل في لغتنا (ما) تقول مثلاً: ما عندنا دراهم وأنت تريد أن تنفي وجودها عنك فما أصل هاتين الأداتين؟. الذي عندنا أنهما من أصل واحد هو (نا) كما في اللغة اللاتينية وما تفرع منها. وكانت (نا) عندنا في قديم العهد تقوم مقام (لا) الناهية و (ما) النافية قم نقلها السلف في واغل القدم إلى صورتين متقاربتين في اللفظ والمعنى هما الأداتان اللتان ذكرناهما. والدليل على رأينا هذا أن الفرس جيراننا اتخذوا (نا) في لغتهم بهذا المعنى. والثاني أننا نحتنا منها أفعالاً تدل على نحن في صدده من ذلك: (نفي) فأنها مركبة عندنا من النون المقطوعة من (نا) النافية والفيء الذي يعني تحول الظل من موطن إلى موطن والوجود في ظل الشمس أو مطلق الوجود كأنك تريد في قولك: نفيت فلاناً من البلد: إزالته عنه ولم يبق في فيئه. و (نهى) منحوتة من النون المذكورة و (هو) التي أصلها (هوة يهوه) أي وجد يوجد. فالنهي أيضاً من هذا القبيل وهو الزجر عن إتيان الشيء والمنع عنه والأمر بما يخطر عمله. فإذا نهيت امرءواً عن كذا فأنك تمنعه عن إتيانه أو عن تحقيقه في حيز الوجود. و (نكر) الشيء داخل في هذا الباب، وهو عندنا منحوت من نون الإزالة و (كر) الدالة على إعادة الشيء مراراً. فإذا أنكرت الدين الذي عليك لصاحبك فكأنك تقول له: نا، نا، نا (أي لا مكررة) أي لا دين لك علي وأنت تكرر عليه هذا الأمر. ومن الغريب أن نكر يشبه اللاتينية معنى ومبنى.

стр. 4994

وعلماؤهم يقولون أن الكلمة الرومانية مركبة من (أي لا أو ما أو (نا)) (أي عمل) فيكون معناها لا عمل أي لا تعمل، وتوجيهنا لها أوضح وأبين أي أن الكلمة مركبة من حرف الإزالة ومادة (كر) الدالة على إعادة أداة الإزالة مراراً عديدة. و (نزع) مركبة من النون ومن مادة الزوع الدالة على الحركة فإذا نزعت حياة الأثيم فقد أزلت عنه حركة حياته. وهناك أفعال عديدة تبتدئ بهذه وكلها تفيد الإزالة أو ما هو من هذا القبيل. ولا يمكن أن تؤول ويعرف معناها على التحقيق إلا من بعد أن نحللها هذا التحليل اللغوي. من ذلك: (نبأ) أرتفع أي من بعد أن أزلته من مكانه الخفي (الباءة كالمباءة) وهي متبوئ الولد في رحم أمه. وهو من أخفى المواضع ثم توسعوا في معناه. ومنه التنبؤ لإخراج الأخبار عن مدافنها أو مخابئها. (نبتت) الأرض: أخرجت ما كان مدفوناً في بطنها من الزرع الذي هو بمنزلة الزاد والجهاز والبتات هو الزاد. أي كأنك تقول: لم يبق في الأرض زادها أو متاعها إذ أخرجته إلى وجهها أو سطحها ولم تبقه مدفوناً في بطنها. و (النيتل) (كجعفر) الصلب الشديد وهو مركب من النون النافية ومن البتل مخفف البتيلة وهي كل عضو مكتنز ولا يكون مكتنزاً إلا ويكون رخصاً فقولك نبتل كقولك (غير رخص). و (نبث) البئر استخراج ترابها ومثلها (نبشها). وأصل الثاء شين، واللفظة مأخوذة من النون ومن البشيشة التي هي ملك اليد، فإذا نبشت البئر فكأنك لم تبق فيها ملكها وهو ترابها. و (نبجت) القبجة خرجت من وكرها أو مكمنها، وهي من النون ومن البجيج الذي هو الزق أو ظرف الشيء فإذا قلت مثلا نبجت القبجة فكأنك قلت: لم تبق في مكمنها. و (نبذ) الشيء إلقاء أو طرحه من يده كأنه يقول في نفسه. (لا بذ (أي لا مثل) له في قبحه يرميه من يده.

стр. 4995

و (نبر) رفعه كأنه في رفعه إياه يشير إلى أنه لم يبق في البر بل وضع على مرتفع حتى يتمكن من رؤيته كل امرئ. ولا نريد أن نضجر القراء بأكثر من هذه الشواهد إذ هي لا تحصى وتطرد كلها على هذا القياس. ومن أغرب ما يمر بخاطر الباحث اللغوي كلمة (نعم) وفيها لغات بالتحريك (وبإسكان الآخر) وبالفتح والكسر وبكسرتين وبالتحريك ومد الحركة الثانية و (نحم) بالحاء وبالتحريك أي يقال فيها: نعم ونعم ونعم ونعام ونحم. وهي عندنا مركبة من النون النافية و (مين) أي كذب. أي لا كذب في ما أقول وبعبارة أخرى: لا جرم. ومن غريب الأمر أن هذه الكلمة يقابلها في اليونانية وفيها أيضاً لغات أخرى والحركة التي ترى بين الميم والنون في تدل على حرف خفيف محذوف أي مين، مما يثبت في نظرنا أن الأقدمين منا كانوا يقولون في أول الأمر (نامين) أي لا كذب ولا غش في ما أقول ثم حذف الحرفان الأخيران من الآخر لاعتبارهم إياهما كاسعتين والكواسع قد تحذف كما قد تزداد فصارت (نام) ثم فخموا الألف وجعلوها عينا على لغة شائعة بين ظهرانيهم فصارت كما ترى أي نعم. ما بسطناه لك في هذا المقال دليل على أن لغتنا من إبداع لغات الدنيا وفيها من دفائن الأسرار وكنوزها ما لو وضعت في كفة ووضعت سائر اللغات في كفة أخرى لرجحت لغتنا وفاقتهن محاسن وعجائب ونفائس وغرائب وعسى أن لا ينالها ما يفسدها، وهو وحده الحافظ الواقي. تصحيح أعلام وردت في مجلة الكلية ذكرت مجلة الكلية في (١٦: ٢٩٣) مدينة أوبس والصواب (هوفية) كما وردت في الرقم المسمارية. وذكرت ص ٢٩٤ سبار (أبو حلبا) وكررت مراراً هذا الوهم والصواب أبو حبة (بفتح فتشديد) وذكرت أكتيزيفون والصواب طيسفون (راجع ياقوت الحموي) ووهمت مراراً لا تحصى في ذكر السومريين (ص ٢٩٥) والصواب الشمريين (بضم الشين المعجمة وفتح الميم غير المشددة) وذكرت ص ٢٩٦ بالينيوس والصواب بلينيوس إلى غيرها مما يطول ذكره.

стр. 4996

باب المكاتبة والمذاكرة نظرة في الحاشوش وقفت على ما جاء في (لغة العرب ٨: ٣٦٧) عن ليلة الحاشوش لجمعة الآلام أو لغيرها من الليالي وما نسبه بعض كتاب العرب في القرون الوسطى إلى النصارى في تلك الليلة من المنكرات، وعندي أن سبب نسبة هذه الأمور إليهم آتية من عادة دينية لأغلب المسيحيين الشرقيين هي أنهم كانوا يحيون تلك الليلة بالتهجد ولا يتخذون من الأنوار إلا شيئاً طفيفاً. وفريق منهم كانوا يطفئون تلك الأضواء الضئيلة ولا يبقون منها سوى شمعة واحدة. بل هذه الشمعة نفسها يخفونها مديدة ذكرى للحزن الذي شمل الطبيعة كلها حداداً على موت المسيح وإشارة إلى هرب تلاميذه والقبض على المسيح نفسه. فهذه العادة الدينية هي التي دفعت بعض الجهلة أو غير المطلعين على حقائق الشعائر الدينية أو يعزوا تلك الفظائع إليهم - كما كان الوثنيون من يونان ورومان - ينسبون إلى المسيحيين أنفسهم أموراً في القرون الأولى أي أنهم كانوا يذبحون طفلاً في اجتماعاتهم ومجالسهم الدينية ويأكلونه. وقد بنوا هذا الوهم على اجتماع النصارى الأولين على كسر الخبر المقدس وتناوله وهو الخبز الذي سماه العرب الأولون الشبر (راجع كتاب أخبار الكنيسة في القرون الأولى). دير نرسيس صائغيان معنى القوصوني أطلعت على ما جاء في لغة العرب (٨: ١٦٤ إلى ١٦٧) عن القوصوني وزدتم في الآخر ص١٦٧ قولهم: (لم نجد معنى لهذه النسبة في أي كتاب كان. وعلى كل حال فهي ليست منسوبة إلى مدينة قوصوة في يوغوسلافية في بلاد السرب القديمة وقد أصبتم في رأيكم هذا والذي عندي أن القوصوني منسوب إلى الأمير

стр. 4997

قوصون ولفظها التركي بواوين فرنسيتين أي والأمير قوصون هو أحد السلاطين الجراكسة في مصر وكان من مألوف العادة أن المماليك يتخذون اسامي مواليهم في النسبة وأظن أن هذا التأويل الوحيد الذي يرضى به العقل. أما قوصون أسم فليس معروفاً. جامعة عليكره (الهند): الدكتور ف كرنكو (لغة العرب) نشكر لحضرة الأستاذ المحقق تأويله هذا بقي علينا أن نعلم معنى التركية لتتم الفائدة والذي يبدو لنا أن الكلمة مصحفة عن قوصغون أو قوزغون التي معناها الغراب وفي أعلام الترك أسماء رجال كثيرين هي في الأصل أسماء حيوانات. جمع مفعول على مفاعيل نقل المحقق الزيات حفظه الله كلام عصبة من حملة العلوم العربية في جمعهم مشهوراً على مشاهير (راجع هذه المجلة ٧: ٧٦٩ وما يليها) وقد وجدت نصوصا عديدة لفطاحل العلماء ولما استكثرتها عدلت عن إيرادها. وهناك كلمات آخر على وزن مفعول مجموعة على مفاعيل من ذلك: أ - مأثور ومآثير ومنه السيف المأثور وهو السيف الذي يقال أنه من عمل الجن، قال أبو تمام الطائي في (نفخ الأزهار ص ٩٩): قد كانت البيض المآثير في الوغى ... بواتر فهي الآن من بعده بتر - مأكول ومأكيل في اصطلاح العامة بالعراق. ج - مجروح ومجاريح (بمعنى الجريح في كلام العامة في العراق، وفي كتاب شريف أفندي العمري الموصلي المغتال سنة ١٣٣٨هـ ١٩٢٠م إلى الملك حسين بن علي ملك الحجاز سابقاً): (فطلبت المذاكرة مع القائد الإنكليزي لأجل أن نرفع المجاريح وندفن القتلى) (راجع تاريخ مقدرات العراق السياسية ١: ٢٢٠). - مجرور ومجارير في اللغة العامية المصرية بمعنى البالوعة. ح - محبوب ومحابيب (كنز اللغة ص ٢٥٥) وهو أسم مفعول من الحب. د - مدلول ومداليل: مدلول اللفظ هو ما يفيده، قال السيد محمد باقر الموسوي

стр. 4998

الخونساري المتوفي سنة ١٣١٣هـ ١٨٩٦م: (وتشخيص مداليك ما كانت هي الخ) (روضات الجنات في أحوال العلماء والسادات ٤: ٥٦٤). ذ - مذبوح ومذابيح في كلام العامة في العراق. ص - مصلوب ومصاليب (أي المقتول صلباً) في عرف العامة بالعراق. ط - مطروح ومطاريح في اصطلاح العامة بالعراق وهو بمعنى الطريح. - مطرود ومطاريد في كلام العامة في العراق وهو بمعنى المبعد. ع - معذول ومعاذيل ذكره السيد محمود شكري الآلوسي في جواب الاستفتاء الوارد إليه (راجع لغة العرب ٤: ١٤ وإعلام العراق ص ١٩١): وهو بمعنى الملوم. - معروف ومعاريف بمعنى المشهور: قال السيد محمد باقر الموسوي الخونساري: (بل أحبط ما أفرطوا فيه من تسمية الكتب المعاريف) (روضات الجنات (١: ١) وهذا الجمع شائع بين بعض فضلاء المستعربين ولا سيما عند عوام العراق. ف - مفهوم ومفاهيم في اصطلاح علم المنطق وعلم أصول الفقه ويراد به ما يستفيده المرء من منطوق اللفظ، قال الشيخ جعفر بن خضر الجنابي النجفي المتوفي سنة ١٢٤٣هـ ١٨٢٧م في كتبه كشف الغطاء عن مبهمات الشريعة الغراء ص ٢٨ (والمفاهيم كثيرة كما يظهر من أحوال المخاطبات في جميع اللغات). ق - مقرود ومقاريد في كلام العامة في العراق إلا أنهم ينطقون بلقاف كافاً فارسية فيقولون مكرود ومكاريد، والمقرود المخدوع والمظلوم والمرزوء. ك - مكبون ومكابين يقال للفرس القصير القوائم الرحيب الجوف الشخت العظام (القاموس في نادة كبن). ن - منصور ومناصير علم رجل. قال الشريف الداودي في كتابه عمدة الطالب (ص ٣٢٩ من طبعة لكنهو): (أما مالك بن الحسين بن المهنا فعقبه من عبد الواحد أبن مالك له عقب يقال لهم الوحاحدة وقد انقسموا على ساقين الحمزات ولد حمزة بن علي بن عبد الواحد المذكور والمناصير ولد منصور بن عبد الله بن عبد الواحد المذكور).

стр. 4999

وموقوت ومواقيت ذكره السيد محمود شكري الالوسي (راجع لغة العرب ٤: ١٤ وأعلام العراق ص ١٩١). ٢ - ما يجمع على مفاعيل أن مفعول (بالفتح) ومفعول (بالضم) ومفعال (بالكسر) ومفعال (بالفتح) ومفعيل (بالكسر) ومفعل ومفعل (بالتخفيف) ومفعل (بضم الميم وكسر العين) ومفعل (بكسر الميم وفتح العين) ومنفعل ومنفعيل ومفعلة (بفتح الميم وكسر العين) ومفعلة (بكسر الميم وفتح العين) وفاعل ومفاعل وفعول وفعال ومفتعل ومفعلل كلها تكسر على مفاعيل كمشهور ومشاهير ومغثور ومغاثير ومصباح ومصابيح وميدان وميادين ومسكين ومساكين ومقيد ومقاييد ومسند ومسانيد ومضجر ومضاجير ومدقيس ومداقيس ومنسحق ومساحيق ومنجنيق ومجانيق ومعذرة ومعاذير وميضنة ومواضين وداعر ومداعير ومجالح ومجاليح ونسوف ومناسيف ومراد ومراريد ومؤتمر ومأمير ومقعس ومقاعيس. وفي هذا المقدار كفاية لمن رزق الفهم والدراية. سبزوار في ١٥ رمضان ١٣٤٨: محمد مهدي العلوي (لغة العرب) هذه القاعدة غير مطردة في جميع الأوزان المذكورة إنما مطردة في بعضها. ومسموعة في أوزان آخر وغير مقيسة في كثير منها، فما كان منها مقيساً يؤخذ به كان مسموعاً يبقى محصوراً في ما سمع منه. وما كان غير مقيس تراعي حقوقه. نهر دجيل ورد في (٨: ٣٢٥) من لغة العرب قول الأثري أرنست هرتسفلد: (لما تحولت دجلة عن مجراها في صدر خلافة المستنصر وغادرت مسيلها في أعيلي (حربي) لتجري في موطن نهر القاطول أبي الجند وهو مجرى دجلة اليوم شرع الخليفة في أعمال الكري ليسقي من جديد دياراً عطشى ومن أعماله نهر دجيل الحالي الذي حفره هو بلا أدنى شك وحفر أيضاً نهر المستنصر في أعلى حربي وبني القنطرة العظمى القريبة من حربي) اهـ. قلنا: أن قوله (دجيل الحالي) يفيد أن (دجيل القديم) غير دجيل الآن وبذلك يصح له أن ينسب حفرة إلى

стр. 5000

المستنصر بالله، غير أنه لم يذكر لنا مصدر هذا الحدث، والذي ذكره (ابن الطقطقي) في فخرية عن هذا الأمر قوله في المستنصر: (وله الآثار الجليلة مها - وهي أعظمها - المستنصرية وهي أعظم من أن توصف وشهرتها تغني عن وصفها ومنها خان حربي وقنطرتها وخان نهر سابس بأعمال واسط. أما دجيل فنهر قديم وقد ورد في مادة (بغداد) من معجم ياقوت: (ومد المنصور قناة من نهر دجيل الأخذ من دجلة وقناة من نهر كرخايا الأخذ من الفرات وجرهما إلى مدينته) وفي ص ١١ من مناقب بغداد فقال (أي المنصور) تتخذ الساعة قني بالساج من باب خراسان حتى تجيء إلى قصري، فمدت قناة من نهر دجيل الأخذ من دجلة وقناة من نهر كرخايا الأخذ من الفرات وجرهما (كذا) إلى المدينة) وفي ص ١٩ منه ما نصه: (وقد كان نهر يأتي من دجيل ويأتي إلى الحربية في قنوات) فهل من مطالع يميز لنا أحد الدجيلين المزعومين عن الآخر؟. مصطفى جواد أعلام (البستان) علم الناس أن (البيتان) معجم الشيخ عبد الله البستاني معجم لغة، لكن ما معنى إدخاله فيه أعلام مدن ورجال ونساء. ثم لو فرضنا أن تدوينها في سفرة هو تنبيه الناس على ما يجب أن يعرفوه فلماذا أتخذ أسامي بعض الأعلام وترك أسامي أخرى؟ والذي نعلمه أن دواوين اللغة يجب أن لا تحوي إلا مفرداتها كما يفعل الغربيون. أما إذا أرادوا اتخاذ الأعلام فيفرزون لها ملحقاً خاصاً بها ويذكرون فيه سني الولادة والوفاة أو لا أقل من ذكر المائة التي طوى فيها الرجل أيامه وإذا ذكرت المدينة ينبه ثم على موقعها فلماذا لم يفعل المؤلف كل ذلك؟. ب. ب. م (لغة العرب) لا نعلم السبب وكان يجب عليكم أن تلقوا هذا السؤال على صاحبة حينما كان حياً لا علينا.

стр. 5001

أسئلة وأجوبة الضامة والضونة س - تبريز (إيران) - السيد. م ح. ك - هل كان العرب يتخذون ألقاب التعظيم للنساء والبنات وما كانت تلك الألقاب؟. ج - كانت آداب العرب في منتهى السماحة وإذا كلموا رجلاً أو امرأة أرفع منهم مقاماً سموه باسمة مثلاً كانوا إذا كلموا ملكا من ملوكهم قالوا: يا نعمان (إذا كان اسمه نعمان) ويا حارث إذا كان أسمه الحرث إلى غير ذلك. وكذلك كانوا يفعلون إذا كلموا النساء والبنات. على أننا وجدنا في معاجم اللغة ألفاظاً تدل على ألقاب للتعظيم للرجال والنساء. أما للرجال فهي أكثر من أن تحصى. وأما للنساء فهي أقل منها. وقد رأينا بين هذه الألقاب ما يوافق مصطلح الإفرنج. فقد جاء في تاج العروس في مادة ض ي م: (ومما يستدرك عليه: الضامة: مخففة، الحاجة زنة ومعنى. ومنه المثل: (تأتي بك الضامة عريس الأسد، فسروها، بالحاجة وبالمرأة. وقالوا: هي من الضيم كما في أمثال الميداني، نقله شيخنا اهـ). والضامة بمعنى المرأة تظر إلى الفرنسية المعدلة عن اللاتينية والفرنسيون لم يستعملوها إلا بعد المائة الثالثة عشرة. أما قبل ذلك فكانوا يقولون والمثل العربي الذي ذكره التاج نقله عن الميداني. والميداني من أبناء المائة الثانية عشرة (إذ توفي ٢٧ ت ١ سنة ١١٢٤م) أفأخذ الفرنسيون هذه اللفظة عن اللاتين (أي الرومان) أم أخذوها عن العرب لأن البروفنسيين (وهم أهالي جنوبي فرنسة) يقولون كالعرب والبزوفنسيون خالطوا العرب في تلك الأرجاء ردحاً من الزمن واقتبسوا منهم ألفاظاً كثيرة وعوائد شرقية فلا يبعد أن تكون هذه الكلمة من جملة تلك الأوضاع المستعارة من السلف.

стр. 5002

أما لقب الابنة فكان للعرب كلمة أخرى هي الضونة فقد جاء في العباب للصاغاني (ومثله في تاج العروس والقاموس وسائر كتب للغة): الضونة بفتح فسكون: الصبية الصغيرة، وهو يقابل الأسبانية أو ومعناها الآنسة أي والصاغاني ولد سنة ٥٧٧هـ وتوفي في سنة ٦٦٠ هـ فيرى من هذا أن استعمال السلف لهذين الحرفين بالمعنيين الشائعين اليوم في أوربة كان قبل استعمال الإفرنج لهما فإذا عاد الناطقون بالضاد إلى اتخاذهما فلا لوم عليهم ولا تثريب إذ سبقوا سواهم في هذا الوضع ومراجعة الأمهات التي ذكرناها أثبت دليل على ما نقول. إذن معنى الضامة ومعنى الضونة على أن الكلمتين العربيتين لا صلة لهما بالمواد العربية ولهذا نرجع أنهما من وضع الغربيين في الأصل ثم خففهما العرب عند تعريبهما ومن يخالف رأينا فليثبته لنا بالدليل البات الجازم ونشكره سلفاً على عمله. ابن ماري أبو العباس س - البصرة. م. ع - هل تعرفون شيئاً عن يحيى أبن المشهور بابن ماري أبي العباس؟. ج - أحسن من ذكره أبن القفطي في كتاب تاريخ الحكماء إذ قال في (ص ٣٦٠ وما يليها من طبعة الإفرنج): أبن ماري أبو العباس الطبيب النصراني المعروف بالمسيحي صاحب المقامات الستين، عالم بالطب والأدب، يطب بمدينة البصرة في زماننا أدركنا من روى عنه. فممن روى عنه في من أدركناه أبو حامد محمد أبن محمد بن حامد بن آلة الأصفهاني العماد ﵀. ورأينا من الرواة عنه البصري المعلم الحضي وكان يروي عنه مقاماته وكان للمسيحي هذا معرفة بالأدب صادقة وربما امتدح بالشعر أجلا الواردين على البصرة وكان أصله من (الطيب) من موضع يقال له (الدوير) وكان فاضلاً في علم الأوائل وعلم العربية والشعر يرتزق بالطب، وأنشأ وصنف المقامات الستين وأحسن فيها. وكان أبوه قد انتقل عن الدوير إلى البصرة وولد ولده هذا بها وتوفي أبو العباس يحيى بن سعيد بالبصرة لعشرة بقين من شهر رمضان سنة تسع وثمانين وخمسمائة

стр. 5003

(١٩ أيلول ١١٩٣م). ومن شعره في الشيب: نفرت هند من طلائع شيبي ... واعترتها سآمة من وجومي هكذا عادة الشياطين ينفر ... ن إذا ما بدت نجوم الرجوم أهـ وذكرت لبن العبري في كتابه مختصر الدول (في ص ٤١٥ من طبعة بيروت) قال: وفي هذه السنة (أي سنة ٥٨٩) توفي يحيى بن سعيد بن ماري الطبيب النصراني صاحب المقامات الستين، صنفها وأحسن فيها وكان فاضلاً في علوم الأوائل وعلم العربية والشعر يرتزق بالطب. ومن شعره في الشيب (البيتان). وذكره ياقوت في كتابه إرشاد الأريب ٧: ٢٦٥ من طبعة مرغليوث فقال: يحيى بن يحيى بن سعيد المعروف بابن ماري المسيحي من أهل البصرة كان كاتباً أديباً شاعراً عارفاً بالطب، عالماً بالنحو واللغة، متفنناً، وكان يتكسب بالكتابة والطب ويمتدح الأكابر والأعيان روى عنه جماعة من الأفاضل: منهم: أبو حامد المعروف بالعماد الكاتب الأصبهاني وغيره وصنف المقامات الستين أحسن فيها وأجاد وكانت وفاته بالبصرة في شهر رمضان سنة ٥٨٩ ومن شعره: نعم المعين على المروءة للفتى ... مال يصون عن التبذل نفسه. . . وإذا رمته يد الزمان بسهمه ... غدت الدراهم دون ذلك ترسه وله أيضاً: لاموا على صب الدموع كأنهم ... لا يعرفون صبابتي وولوعي كفوا فقد وعد الحبيب بزورة ... ولذا غسلت طريقة بدموعي ثم ذكر البيتين اللذين ذكرهما أبن القفطي فكانا خاتمة كلامه عليه. وقال أستاذنا محمود شكري الآلوسي حين أراد نشر هذه المقامات في مقدمة (أما بعد فقد أقدمت على نشر هذه المقامات وشرح الألفاظ الغريبة التي فيها لا قدمها لأخواني تذكاراً وأحياء لهذا الأثر النفيس الذي هو من احسن الكتب الدبية والطف الأسفار الفكرية العربية المسماة بالمقامات المسيحية لناسخ وشيها المفوف الزاهر، على منوال البلاغة وحائك بردها المطرف الباهر، بنير الفصاحة يحيى بن يحيى بن سعيد البصري الطبيب المسيحي أحد رجالات القرن السادس للهجرة ولا جرم فأن أحياء أثر الغابرين من احسن ما يتصدى له لما فيه

стр. 5004

من الفوائد التي ربما لا يجدها المستفيد في غيرها. فضلاً عن أهمية نشر الآداب وحسن تأثيرها على الأخلاق. لأنها قد تغرس حب الفضيلة بالنفوس وتطبع الرجولية في القلوب ولا سيما مثل هذا الأثر الذي طالما بحث عنه العلماء وبذلوا جهدهم وراء الحصول عليه فلم يسمح لهم الزمن برؤيته. وكنا نتمنى لو ظفرنا بنسخة من هذا الكتاب حتى عثرتا على الضالة المنشودة في إحدى خزائن الوقف في بغداد فأحببنا أن نتحف بها إخواننا لأنها من الطرائف النفسية والكنوز الثمينة. . .) اهـ. وذكر أيضاً صاحب كشف الظنون قال: المقامات المسيحية لأبي العباس يحيى بن سعيد بن ماري النصراني البصري الطبيب. مات في رمضان سنة ٥٨٩ نسج فيها من منوال الحريري قال ياقوت: أجاد فيها. وقال الصفدي: ما أجاد ولا قارب الإجادة. أهـ وكل من جاء بعد أبن القفطي نقل عنه عبارته باختصار والظاهر أن أبن القفطي نفسه يقف على المقامات بنفسه وكذلك قل عن أبن العبري وعن غيره ولو رأوها لذكروا منها شيئاً من شعره ونثره ولم يكتفوا بما روي عنه ودونك مقالاً من نثره (المقامة الخامسة والخمسون وتعرف بالسرنديبية أو ريحانة الناشق وسلوة العاشق حكى يحيى بن سلام قال: رحلت عن البصرة عام نحيت، براحلة ونحيت وفرس وجنيت، أقصد سرنديب، لأشيم أديب. فلم تزل تضمني الفلاة في ضميرها، وترضعني بظئرها، حتى علقت بنواصيها. وجريت في ميدان نواصيها، فمذ امتزجت بربربها توخيت دار الحاكم بها. فحين مثلت بحضرته، رشفت ضرب جدله ومناظرته، فبينما القاضي يرأب شعب الخصماء ويسد خلة الغرماء، ورد شيخ يعثر بخطاه قد أحد ودب مطاه وتلوه فتى قوي الشظاظ مشتعل الشواظ فما لبث الشيخ أن قال مقالة من أعال وعال) ودونك مثالاً من نظمه: أفدي التي أسهر في حبها ... وجدا كما أسهرها حبي تنهبها الأعين أني بدت ... فحجبها من خفيفة النهب وسنانة الإلحاظ، معسولة ال ... ألفاظ تبدو نزهة القلب

стр. 5005

ما لاط بي كرب وضاق المدى ... إلا وكانت فرجة الكرب صفحت فأضحى حبها خالصاً ... محض الصفا في البعد والقرب فيرى من هذين المثالين أن ابن ماري كان يجيد الصناعتين وأن الذين قالوا: (ما أجاد ولا قارب الإجادة) لم يطلعوا على شيء مما وشته يراعته بل تكلموا عن سماع. أما سبب (ماري) في نسبة فهو لأنه كان نسطورياً والنساطرة كثيراً ما اتخذوا اسم ماري لأولادهم تفاؤلاً باسم الرسول الذي بشر بالنصرانية في ديار العراق وكان تلميذاً للقديس أدي وأدي كان أحد تلاميذ المسيح الاثنين والسبعين. وتلفظ ماري بفتح الميم يليها ألف فراء وياء مشدودة في الآخر. وصاحب كشف الظنون ذكره باسم هاري بهاء في الأول. وهو خطأ ظاهر. هذا مجمل ما يقال في هذا الرجل. وربما عدنا في فرصة أخرى إلى وصف المقامات المسيحية مرة ثانية. التي عندنا منها نصف نسخة لا غير. ترجمة التوراة إلى العربية نقل اليسوعيين س - طنطا - ي م هل التوراة التي عني بتعريبها الأباء اليسوعيون في بيروت خالية من الغلط؟. ج - ترجمة التوراة للأباء أليس وعيين حسنة الطبع والضبط والورق لكنها لا تخلو من أغلاط متنوعة وأحسن منها التوراة التي طبعها الأباء الدمنكيون في الموصل. ثم تليها في الجودة التوراة المطبوعة في رومة. وأما أسقم ما نشر منها فتوراة الأميركيين في بيروت فأنك لا تجد فيها عبارة صحيحة ولا تكاد تفهم منها شيئاً أن نظرت إلى ما فيها إذ هي خالية من مناحي العرب نعم يقال أن الشيخ يوسف الأسير والشيخ إبراهيم الأحدب والمعلم بطرس البستاني والشيخ ناصيف اليازجي عنوا بتصحيح عبارتها لكن ذلك كله لم يغير شيئاً من سقم البعارة وإغلاقها وفساد تركيبها وتعقيدها، ولا بد من أن نبسط ذلك في مقالة طويلة أن أتسع لنا المجال.

стр. 5006

باب المشارفة والانتقاد كل من يشتري كتبا على نفقته ويهديها إلى مجلتنا طالباً نقدها فإننا نلبي تنبيه طلبة وإن أبى مؤلفوها لأن غاية النقد تفليه المطبوعات وتخليص ما فيها من الشوائب. وقد أهدى إلينا جماعة من الفضلاء تصانيف عديدة ننقدها شيئاً بعد شيء ونرمز إليها بقولنا (هدية) بجانب اسم الكتاب. ٨٨ - كليلة ودمنة (هدية) عني بضط غريبة وتفسير مشكلة وبيان ما فيه من أسماء الحيوان والطير محمد محسن نائل المرصفي طبع في مصر سنة ١٩٢٧ أهدى إلينا أحد الأفاضل هذا التأليف القديم الحديث الطبع وطلب إلينا أن نقول عنه كلمة في مجلتنا. قلنا: الكتاب جليل الفائدة وقد ألبس حلة بهية من الطبع إلا أن الذي يشوهه سوء تفسير بعض الألفاظ المتعلقة بالحيوان أو الطير جارياً فيها على الأسلوب القديم العقيم الذي لا بد من أن يدفن مع من دفن من أصحابه القائلين به فقد ذكر مثلاً ص ٣١ القبرة بقوله: على وزان سكرة: نوع من العصافير، فهذا تعريف لا يفيد فائدة ولا يعرفنا بهذا العصفور فلو قال مثلاً: (طويئر من مخروطات المناقير كثير الوجود في الحقول ولون ريشه أربد) لكان أبين. وقال عن اليراعة (ص ١٤٥): (طائر صغير يكون كسائر الطيور إذا كان النهار إذا جاء الليل رايته كالشهاب الثاقب) يظهر من هذه العبارة أن الشارح لم ير هذا الخلق ولم يعرفه فاليراعة ذبابة تطير اسمها بالفرنسية: وهي من الغمدية الأجنحة (أي العجانس) يضيء مؤخرها في الظلام في فصل الربيع. - وقال عن الشعهر: (لم أعثر لهذا اللفظ على معنى، لا (كذا ويجب حذفها هنا) في معجمات اللغة ولا في معجمات الحيوان التي استطعت البحث فيها، غير أنني رأيت ما يقرب من ذلك ولعله الحقيقة ذلك هو لفظ الشغبر بشين مثلثة وغبن معجمه وباء موحدة بعدها راء ويفسره الثقاب بابن أوى (ص ١٦٦ م) قلنا: أصاب حضرته في تعيين معنى اللفظ. والكلمة هي بالفهلوية أي الفارسية القديمة. ونقلها بصورتها الأرميون. وجاءت مصحفة في بعض الكتب الخطة العربية وبصورة شعهر وشغبر وزغبر وأحسنها الأوليان. وهناك غير هذه الأوهام العلمية فاجتزأنا بما ذكرنا داعياً إلى أن يدفع الشارح هذه الأوضاع إلى من يعرف معانيها، ليكون كتابه خير أداة في أيدي الطلبة. ٨٩ - جني الجنتين في تمييز لمثنيين (هدية) تأليف محمد أمين بن فضل الله المحبي المتوفي في عام ١١١١ هـ، عنيت بنشره مكتبة القدسي والبدير في دمشق. كتاب بقطع الثمن طبع في مطبعة الترقي بدمشق عام ١٣٤٨ في ١٧٢ ص وهذا السفر الجليل مطبوع عن نسخة المرحوم السيد عبد الباقي الحسني الجزائري مقابلة بثلاث نسخ من الخزانة التيمورية ومنها تعليقات مأخوذة من مقال للأستاذ المرحوم المحقق أحمد تيمور باشا في المثنيين (مجلة المجمع العربي ٤: ٤) وتعليقات منقولة من هوامش النسخ التيمورية وتعليقات موجزة زادتها المكتبة ناشرة (الجني) وأكثرها مأخوذ عن ياقوت الحمو يفي معجم البلدان فأنت ترى من هذا البسط أن الكتاب لغوي جليل لا يستغني عنه من يعني يمعرفة محاسن لغته العدنانية.

стр. 5007

٩٠ - التطفيل (هدية) وحكاية الطفيليين وأخبارهم ونوادر كلامهم وأشعارهم للحافظ المؤرخ، أبي بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي، المتوفي سنة ٤٦٣ هـ (طبع ١٢٤٦ في ١٠٨ ص بقطع الثمن الصغير). هذا الكتاب وأمثاله من أنفع الأسفار التي تطلعنا على عيشة الناس الذين قضوا أيامهم في عهد المصنف فهي أصفى مرآة تتجلى فيها حقائق الخلق والكتاب يزداد قيمة كلما كان واضعه من جلة الكتبة كما هو الأمر في (التطفيل) وهذه النسخة مأخوذة عن نسخة كانت للشيخ عبد القادر بدران وعورضت بنسخة أخرى مصورة ترى في الخزانة التيمورية الثمينة بكنوزها الأدبية النادرة. ٩١ - الطب الروحاني (هدية) للعلامة الحافظ جمال الدين الفرج عبد الرحمن بن الجوزي، المتوفي في بغداد سنة ٥٩٧ هـ في ٥٤ ص بقطع الثمن الصغير. سعت بنشرة المكتبة السابقة الذكر وهي رسالة جليلة في تهذيب الأخلاق وسمعة صاحبها تكفي لدفع الناس إلى اقتنائها. ٩٢ - أخبار الحمقى والمغفلين (هدية) للعلامة ابن الجوزي المذكور آنفاً. نشر مكتبة القدسي والبدير، طبع في دمشق في ١٧٢ ص بقطع الثمن. قوبلت هذه الطبعة بنسخة الخزانة الظاهرية وعورضت بنسخة الأمير شكيب أرسلان. وفي مقدمته محاضرة الأستاذ الشيخ عبد القادر المغربي عضو المجتمع العلمي العربي عن هذا الكتاب وهو جزيل المنفعة للسبب الذي ذكرناه عن كتاب التطفيل ومطالعته تشحذ الذهن وتجم النفس التعبة من الأشغال هذا فضلاً عن حسن سبك العبارة وإفراغها في قالب شائق بديع. ٩٣ - أخبار الظراف والمتماجنين (هدية) تأليف أبن الجوزي المذكور آنفاً، في ١٠٦ ص بقطع الثمن الصغير ونشر مكتبة القدسي والبدير في دمشق الشام. هذا من طرز كتاب التطفيل وأخبار الحمقى والمغفلين فالذي يقتني الكتابين الأولين يقتني بحكم الضرورة هذا التصنيف الذي هو صنو ذينك المؤلفين. ٩٤ - الفرات (صحيفة بغدادية) جريدة يومية سياسية عامة لصاحبها ورئيس تحريرها محمد مهدي الجواهري بدل الاشتراك فيها ٢٥ ربية عن سنة كاملة ويضاف إليه أجرة البريد في الخارج ظهر العدد الأول منها نهار الأربعاء ٧ مايس من هذه السنة أي في ٨ ذي الحجة من سنة ١٢٤٨ ولما منشئها من أبناء العراق الغير أملنا فيه أن يعالج معسرات الأمور على أحسن وأقوام طريق وأسد أسلوب. وفي ذيل الصفحة الأخيرة من هذه الجريدة تعريب كتاب كان وضعه الميجر صون عن كردستان إلا أن أغلاط الأعلام وأوهام النقل تشوه محاسن هذه (المذكرات) فعسى أن يعتني بتصحيحها لتكون (أفخر طعام في أنظف صحن). ٩٥ - إتحاف الفاضل بالفعل المبني لغير الفاعل (هدية) لمحمد علي بن علان الصديقي المتوفي عام ١٠٥٧ هـ هذا اسم كتاب لصاحبه الصديقي وقد عنيت بنشره مكتبة القدسي والبدير مع رسالة أخرى اسمها رسالة في الكلام على ألفاظ عشرة بكثر دورانها: فضلاً أيضاً. . . لعبد الرحمن بن أحمد الصناديقي الدمشقي المتوفي عام ١١٤٦ هـ. والكتاب الأول في ٤٣ ص بقطع الثمن الصغير والرسالة في ٧ صفحات بالقطع المذكور. ونحن نشكر للقدسي والبدير صاحبي المكتبة المسماة باسمهما عنايتهما بنشر كتب الأدب والتاريخ واللغة للأئمة الأقدمين.

стр. 5008

على أننا تحققنا ونتحقق أن لا يجوز طبع المؤلفات اللغوية ما لم يتول تصحيحها أناس متفرغون لتلك المباحث وإلا فأن عني بها كل ذي يراعة مرضوضة أو مكسورة فلا ينتظر من ذلك التعميم بالطبع إلا بث المفاسد في هذا اللسان البديع المحاسن. وقد تبينا أيضاً أن صاحب الإتحاف نفسه لم يكن راسخ القدم في ما نفعله عن شيوخ اللغة فأن تصنيفه هذا مجموعة مضرة لما دسه فيها من الأغاليط الظاهرة لكي ذي عينيين. ونحن لا نريد أن نضيع وقتنا في تفليتها صفحة صفحة لما يتطلب هذا العمل من المشقة والعناء إنما نوجه عنايتنا إلى صفحة من صفحاته وهي ص ٢١ ليتضح للقارئ أننا لا نتهم المؤلف بالباطل ولا الناشرين لرسالة بأمر فري. وأول شيء يتبادر الذهن إليه أن الصديقي لم يدون في رسالته من الأفعال المبنية للمجهول إلا ثلاثة أما المزيد عليها فلم يذكر منها إلا شيئاً نزراً لا يكاد يعد شيئاً مذكوراً. مع أن الأفعال المزيد فيها المبنية على ما لم يسم فاعله كثيرة يتقوم من جمعها رسالة. ثانياً: حينما يورد فعلاً بصيغة المجهول لا يذكر معانيه في أغلب الأحيان إلا مؤدي واحداً ويسكت عن سائر مدلولاته. مثال لك أنه نقل في ص ٢١ لردع مجهولاً معنيين وهما تغير لون الرجل ووجع جميع جسده. ونسي أن ينقل لنا معناه لآخر وهو الصرع فكان يحسن به أن يسرده لنا. ثالثاً: لم يضبط لنا المؤلف بعض الكلم التي يحتاج القارئ إلى معرفة لفظها لا ضبط قلم ولا ضبط كلام. فقد قال مثلاً في ص ٢١: وربع الإنسان كعتي إذا كان قده وسطاً فهو ربعة وربع ومربوع ولم يضبط لنا اللفظتين الأوليين فكان يحسن به أن يقول ربعة كقلعة وربع كمجد ويفتح الثاني فيقال فيه كجمل. رابعاً: في بعض عباراته شيء من الإبهام أو العجمة فقد قال في تلك الصفحة: ربعت الأرض والقوم على بناء ما لم سما فاعله. صاروا في الربيع قلنا: فإلى من يرجع ضمير (صاروا) أفلو قال مثلاً: ربعت الأرض مطرت في الربيع والقوم. . . صاروا في الربيع. أما كان أوضح وأجلى؟. خامساً: ذكر لنا الصديقي أفعالاً لا يعرفها أصحاب اللغة، فقد قال مثلاً في تلك الصفحة: (رجف الإنسان بالجيم والفاء كمني: لم يشعر بجنون عرض له: قاله أبن طريف وأبن القوطية) اهـ. ونحن لم نجد أحداً من أرباب المتون يصرح بهذا المعنى. وذكر لنا أيضاً في تلك الصفحة: رعر الرجل بالعين المهملة والراء كعني: غشي عليه اهـ. وهذا الفعل ليس بعربي ولا وجود له في أي لغة كانت. ولا جرم أن في روايته تصحيفاً والأصل رعن بنون في الآخر. سادساً: وقع في الرسالة من التصحيف أنشنيع ما لا يخطر على بال. فقد قال في تلك الصفحة - ونحن لا نريد أن نخرج منها -: الرماع كغراب وهو وجع يعرض في ظهر الساق حتى يمنعه من السعي. فالظاهر من هذا التعبير أن لا غبار عليه ولا على معناه. والصحيح هو هذا: الرماع وهو وجع يعرض في ظهر الساقي حتى يمنعه من السقي. فأين هذا من ذاك. سابعاً: من غرائب صاحبنا المؤلف أنه يفسر شيئاً بفعل من الأفعال وهو لا يتعرض له في موطنه. فقد قال مثلاً رجي بالجيم والمثناة التحتية كعني: أرتج عليه. وهو في حرف الراء هذا لا يذكر لنا ارتج عليه.

стр. 5009

ثامناً: ذكر المؤلف الأفعال المجهولة الصيغة وبوبها تبويباً حسناً وسردها فيها شيئاً بعد شيء. وينتظر من عمله هذا أنه ذكر في الحرف الواحد كل ما ورد من الأفعال المصوغة تلك الصيغة والمبتدئة بالحرف الذي عنون به الفصل أما الواقف على ما في المعاجم يجد قصورا في إيرادها إذ كثيراً ما يتحقق أن المؤلف نسي من تلك الأفعال. ونحن نذكر هنا ما فاته من الأفعال في حرف الراء ليقيس عليه القارئ جميع ما ورد من هذا القبيل في سائر الحروف إذ كلها ناقصة تحتاج إلى إعادة النظر في ما عدد منها وكان يحسن بالناشرين أن يوسدوا العمل إلى لغوي ضليع ليسد الثملة التي تبدو كل مترو، فمن الأفعال المنسية وكلها مبنية للمجهول ما يأتي: (رئيس) الرجل: شكا رأسه. (أرتب) العنب من بابا الأفعال مجهولاً طبخ حتى يكون ربا يوتدم به (ارتج) المتكلم من باب الأفعال و (ارتج) و (استرتج) وكلها مبنية لما لم يسم فاعله: أستغلق عليه الكلام كأنه أطبق عليه و (رتي) في ذرعة: فت في عضده. و (أرتث) من باب الافتعال: حمل من المعركة جريحاً وفيه رمق فهو مرتث. و (رثدت) القصعة بالثريد جمع بعضه إلى بعض وسوى. و (رحض) المحموم أخذته الرحضاء (أي العرق) فهو مرحوض و (أرجفت) الأرض: زلزلت (ورحمت) المرأة جاءت بصيغة المجهول في جميع كتب اللغة وأن لم يذكرها الصديقي، وذكر (ردت) المرأة بتشديد الدال وفسرها بقوله: طلقت قاله أبن القوطية. ولم يبين لنا معنى طلقت إذ لم تضبط بالشكل الكامل ولا بالكلام، والصواب أن معناها طلقت من الطلاق لا من الطلق و (ردم) الشيء مجهولاً لفق بعضه ببعض، (وأردي) الرجل أثقله المرض. و (رصدت الأرض أصابتها الرصدة وهي الدفعة من المطر فهي مرصودة. (ورصفت) أسنانه: تصافت في نبتها وانتظمت وأستوت. و (رضي) عنه: قبل وحصل ثوابه ومعيشته كانت راضية. ورطم) البعير: احتبس. و (ارعد) الرجل: أخذته الرعدة والكثيب أنهال فهو مرعد كمكرم. و (رعن) الرجل إذا غشي عليه فهو مرعون. و (رفع) له الشيء: أبصره من بعد (ورغثت) المرأة اشتكت رغثاءها. ورغت الرجال كثر عليه السؤال حتى نفد ما عنده فهو رغوث. و (رفه) عنه من الترفية: أزيل وازيح عنه الضيق والتعب. و (ارقف) الرجل من الارقاف: أرعد من البرد و (ركب) الرجل: شكا ركبته. و (ركض) الفرس فركض هو أي عدا فهو راكض وركوض و (أركت) الأرض من الاركاك: أصابها الرك وهو المطر القليل الضعيف، وكذلك (رككت) من التركيك. و (رمي) في جنازته: مات لأن الجنازة تصير مرمي فيها. (ورنح) عليه من الترنيح: غشي عليه أو اعتراه وهن في عظامه ورنح به: إذا أدير به كالمغشي عليه. و (ريع) فلان: فزع، و (روق) البيت من باب التفعيل جعل له رواق و (رين) به: مات ووقع في غم وانقطع به ووقع في ما لا يطيق الخروج منه ولا طاقة لهبه.

стр. 5010

فالمؤلف ذكر لنا ستة عشر فعلاً مبنياً للمفعول في حرف الراء. ونحن زدنا عليها واحداً وثلاثين فعلاً ونحن لا ندعي بالإحاطة. فلا شك أن هناك غير هذه الأفعال التي لم تخطر ببالنا فمن هذه العجالة يرى القارئ أن الكتاب معيب من عدة وجوه فلا بد من تدقيق النظر في الدواوين اللغوية قبل أن تدفع إلى الطبع لتكون سالمة من العيب بقدر ما في الطاقة. ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها. ٩٦ - مباحث في فجر النحو (هدية) - أشترى لنا هذا الكتاب أحد الأدباء وطلب إلينا أن نقول كلمتنا فيه وهو يقع في ٤٨١ ص بقطع الثمن ومن الأسفار التي عنيت (شركة علم اللسان الباريسية) بنشرة وهو المجلد الرابع عشر مما أبرزته إلى اليوم وعبارته فرنسية يفيد كل من يريد أن يتفرغ لدرس الألسنة ومقابلتها باللغات الهندية الأوربية (اليافثية) والحامية السامية ومؤلفة مدرس اللغة اللاتينية ومعارض النحو بعضه ببعض في جامعة بردو (في فرنسة) وقد نال صاحب عليه (جائزة فلني) وكلله معهد العلماء في باريس وقد طبع بعناية ناشره في رصيف ملاكي وبالفرنسية ٥. في باريس في سنة ١٩٢٤. ولم نطلع هذا المصحف بأسرة لكنا وقفنا على عدة صفحات منه فوجدنا المؤلف يسايرنا في كثير من آرائنا وأفكارنا بخصوص الوفاق الذي يرى بين العربية واليافثية في ألفاظ كثيرة وقد أشرنا قبل نحو من أربعين سنة إلى هذا الأمر فوجدنا هذا الأستاذ يوافقنا في كثير مما أبديناه وأن لم تكن مواقع آرائه أو مواقفها في الألفاظ والمصطلحات التي أوردناها. فقد عرف شيئاً ودرينا شيئاً آخر. إلا أن البارز في ما صرح به وهو ما جهزنا به مراراً أي أن بين العربية واليافثية (أو الهندية الأوربية) أشباها ونظاهر لا يمكن أن تنكر. وكتابة هذا الجليل يقع في خمسة فصول نذكر هنا عنوان الفصلين الأولين منها: الفصل الأول: أسماء العدد وأسماء القربى في اللغات الهندية الأوربية والحامية السامية. الفصل الثاني: صيغة أسم العدد (أربعة) في المصرية القديمة وفي لغات آخر أفريقية وفي اللغات السامية. فيرى القارئ أن الرجل لا ينكر وجود المجانسة بين أسماء الأعداد في اللغات اليافثية والسامية ولا سيما في العدد الدال على (أربعة) فأين بقي زعم من أنكر علينا هذه المجانسة الواضحة في ألفاظ كثيرة عثرنا عليها في تحقيقاتنا وأين بقيت مزاعم المرحوم جبر ضومط والأستاذ الباكوي ومن لف لفهما وأقاموا القيامة علينا لمحاولتنا إثبات هذه الحقيقة التي ذكر لها شواهد عديدة صاحب (فجر النحو). أننا لا ندعي أن المؤلف أستمد شيئاً مما كتبناه قبل عشرات من السنين لأننا سبقنا فقلنا أن ما تعرض له من الأوضاع غير ما ذكرناه من الألفاظ وأن كانت النتيجة واحدة فهو اشتغل بطائفة منها ونحن عنيناً بفئة منها. فبلغنا كلانا الغرض من غير تواطؤ، إلا أننا سبقناه بعشرات من السنين وهو جاء بعدنا. ولعلنا في ما يأتي من المباحث اللغوية نستشهد أقواله لنثبت بها آراءنا إسكاتا لأولئك الشعوبيين الذين ينكرون على الناطقين بالضاد كل ما يمت بشيء من النسب إلى بعض الكلم في لغتنا. على أننا نأخذ على المؤلف بعض أمور منها: أنه لم يذكر في كتابه ما اصطلحت عليه أفكاره من الحروف التي تصور بعض الأصوات السامية والفارسية والهندية والأوربية والمسألة مهمة لأن الذي يقتني تأليفه ولا يقتني غيره يرى نفسه في عالم غريب لا يعرف منه شيئاً. ثانياً فيه تكرار بعض الآراء وكان يكفيه أن يشير إلها في الحواشي من
следующие страницы →