Полный текст (6 158 стр.). Показаны 5111–5150 · переход к 5116.
стр. 5111
الخطوط المستقيمة الخاصة بالآجر. وقد أظهر التحقيق الفني لتلك الأفكار المتولدة في صاحبها شيئاً في منتهى اللطافة والدقة كما يشاهد ذلك في العصور التي قلناها في الأصل وزينا بها مقالنا (وهنا طبع ناشر المقالة سبعة رسوم أخذها عن إيوان القلعة ورسوماً أخرى أخذها عن المدرسة المستنصرية).
ففي الصورة الأولى قسم من عقد الإيوان في قلعة المدفعية وهو إيوان قديم والأثر الوحيد الباقي من قصر بديع لأحد الخلفاء والآن تراه غارقاً في بنية القلعة وله ميزة خاصة به. وهذه القلعة تبين جلياً أسلوب تحقيق فكرة لبناء في ذلك العهد ويوقفنا على مبدأ التزويق في ذيالك الحين. وكل ذرو من عمل البناء هو مكعب من مشوي الصلصال ومفرغ في قالب خاص به. وهو يفارق جارة بنوع عام بأجرة قليلة الثخن موضوعة في جانبها.
وجميع هذه القطع المتجاورة الوضع تذكرك لعبة السرنج إذ تتجه جميعها وجهه مدبرة جارية على خطوط تحقيق فكرة الصانع الأستاذ فإذا تمت بدأ لك رسم بديع في مجملة ويهون عليك حينئذ وجود الخطوط الهندسية فيه. . .).
وإلى اليوم ترى في بغداد (اسطوات) (أساتذة في البناء) يدفع واحدهم إلى الآخر خلفه
نماذج من ألاعيب الآجر لا يصعب عليهم إتمامها. وليس من صاحب منزل يبني شيئاً في (دار الخلفاء) إلا ويزين أعلى وجه الباب بتلك التزاويق تزاويق الآجر بيد أنها غير مصبوبة صباً في قوالب لأنهم أضاعوا طريقة الأقدمين ولذا تراعا منحوتة نحتاً بموجب ما يراد وليس فيها تزاويق.
وهذه التزيينات إذا أحكم وضعها تبدي لرائيتها أقصى الغاية من وضع التزويق وتتخذ لتجميل العقود والسقوف وأعالي الأبواب وما بين الشبابيك أو الكوي وعمد الحيطان فيحنئذ يخيل إلى الرائي أنه يشاهد في تلك المواطن طنافس أو زلالي (زوالي) أو تخاريم عقلت عليها.
وتتخذ أيضاً قطع ناتئة وغائرة جارية على تلك الافانين وقد وضعت وضعاً يعلي لك كعب تلك التعاريج والتلاوي تعارج الخطوط البنائية وتطوف تطاريز حول العقود عند أسافل العمد من جهة وفي أعاليها من جهة أخرى فتظهر متوجة
стр. 5112
أحسن تتويج.
بل ترى أزيد من هذا، ترى عرية الحيطان نفسها مزينة تزييناً بسيطاً وهذه البساطة تفعل في نفسك مفاعيل تبعث فيها السعادة والأنس، ترى مربعات من الآجر مصبوبة فيها النقوش طباً يتخللها طاباق عادي فتظهر لك كأن هناك رقعاً من الدمة (الضامة) أو الشطرنج.
وعلى أعراف هذه الحيطان تطرد اطراد التخاريم رقم تكللها تكليلاً زاهياً وتنطق تلك الحجارة الصامتة لأنها زينتها الزاهرة.
ومنذ صدر الإسلام تجلت الحروف الكوفية تجلياً باهراً، كان لها في الزينة المقام الأعلى وهنا يحق لنا أن نتأسف على أن أساتذتنا في القرون الوسطى تركوا هذه الطريقة. طريقة التزيين والتزويق في الريازة. بعد أن عالجوها معالجة تخوفوا فيها ولو ساروا في طريقهم سيراً حثيثاً لانتفعوا بها انتفاعاً عجيباً.
(وهنا تكلم الكاتب الفرنسي عن المدرسة المستنصرية ثم انتقل إلى الكلام على ما في قلعة الميدان من البناء فقال): والصورة ١١ (وقد أتقن رسمها حتى بانت جميع محاسنها) تمثل عقد الإيوان المشرف على فناء الدار من جهة الشرق فينشئ لك فكرة ما هي عليه من الزينة.
ولكي نبين كل التبيين هذا الجنس من البناء نصور للقارئ بعض تصاوير الأبنية المشيدة
في عهد المستنصرية لتنجلي لك درجة الكمال التي بلغ إليها هذا الفن المكين والدقيق الصنع معاً.
أرأيت شيئاً في الريازة أبهى من ذلك التزويق الذي يرى على العمد داخل البناء وهو المصور في الشكل ١٢؟ فان هذا التزويق الحافل بالغنى والمحصور بين إطارين هندسيين هو ذوسمت لا غبار عليه وإلى موازاة هذا المزدوج عولج الإطار الذي يحول دون التزيين الجليل الذي في الشكل الأول معالجة غير ما يرى في أخيه. وقد عني رأسه عناية عظيمة ليظهر ما هناك من المقابلات والمضادات والمخالفات.؟ أنك ترى بياضاً بقيت فيه خطوط البناء ظاهرة وقد خفف ما فيها
стр. 5113
من اليبوسة بآخر مطبوع وضع بهيئة متعارضة.
وتزيين البناء وخطوطه تتألف تألفاً صميماً هي وهيئة أعالي الباب إذ تتوائم كلها بنوع دقيق وكل ذلك مما يعطف النظر إليه. والجرصونات التي تقوم عليها منظرة (بلكون) (خان أورتمه) في بغداد تبدو ثقيلة قليلاً فهي لم تخفف بهذه الخواص التي ترى في هذا التزيين، خواص تلطف ما في عري الحيطان من الخشونة وتظهر أهم خطوط الدوائر.
لا شك في أن اتخاذ الأجر المطبوعة فيه نقوش كان بدء الأمر لتزين داخل الأبنية ومن يراها أبواب الخشب المنقوشة نقشاً بديعاً في ديار مصر يعجب من المشابهة التي بينها وبين هذه الأبواب.
فهذه النقوش الخشبية تقسم أقسام الأجر الذي نتكلم عنه أي يرى فيها المربع والكثير الزوايا والنجوم والأشكال العديدة الجوانب ويفرق ما بينها حواش مزينة بغصون وورق وتتحد منضمة بعضها إلى بعض بخطوط متقنة الصنع.
وأن لم ينعم الرائي نظرة في المواد التي يشاهدها لا يمكن أن يحكم بين الطريقتين اللتين اتخذتا، إذ الظواهر تبدو واحدة في ما هو خشب وفي ما هو آجر. قابل ذلك بما يرى في صدر إيوان قلعة بغداد تر العجب.
فما أصل هذا الفن الخصوصي الذي انتشر بسرعة البرق في أول ظهوره؟. ويرى من آثاره في بلاد العراق كلها، من ذلك منارة سوق الغزل وخان أورتمة وقبر الست زبيدة وإيوان قلعة الميدان إلى غيرها وهذه كلها في بغداد. وفي الشمال في خان خزنينة وقبر لولو في الموصل وفي الجنوب منارة الكفل وباب جامع الكوفة الأكبر إلى غيرها. . .
والظاهر أن في بدء المائة الثالثة عشرة للميلاد ظهر لأول مرة طرز هذا البناء في العراق. وهو يشبه كثيراً طرز الأبنية الإيرانية في عهد السلاجقة. إلا أن الخاص بالأبنية القائمة على ضفف الرافدين في ذلك العصر لم يكن للون منزلة في التزيين فالمعمارة لم يحاول في ما بناه سوى ألاعيب الظل والنور ليس إلا.
стр. 5114
أن بياضاً عظيماً يطيف بما هو رمادي ناشئ من الزينة المنبسطة وهي كل زينة تلك المباني.
فهناك تتلاعب بكل طيبة خاطر الغصون والأزاهير ثم تتفقق تلك الغصون والأزاهير فينشأ منها منعرجات جديدة تتوالى على الدوام وتتفشى طالما ننظر إليها بنوع لم تنتظره ولا يمكنك أن تميز بعضها إلا بعناية عظيمة وانتباه لا يعرف الملل.
وهذه الآثار تستحق أن تدرس صادقاً وبكل تيقظ. فإذا عرفت عرف معها بعض مزايا ذكرت في التزايين المتخذة من الستوق في القرن العاشر والحادي عشر. وعرف معها أيضاً التزيين العربي الحقيقي مع جميع حدوده المشتهر بخطوطه المتلابسة ذلك التزيين المعروف بالمتشابك انتهى كلام المهندس الفرنسي.
ونقول في الختام: أن أحد الأدباء كتب مقالة عريضة في جريدة (العراق) وقعت في عدة أعداد منها راجع مثلاً العدد ال ٣٠٩٩ الصادر في ١٦ حزيران (يونية من هذه السنة ١٩٣٠) بعنوان: (ليس قصر القلعة قصر الناصر لدين الله ولا قصر المأمون العباسيين، بل قصر أم حبيب العباسية) (؟ كذا) وفي العدد ٣١٠٤ الصادر في ٢١ حزيران، وفي العدد ٣١٠٥ الصادر في ٢٣ حزيران والعدد ٢١٠٩ المنشور في ٢٧ حزيران والعدد ٣١١٠ البارز في ٢٨ منه إلى غيرها. وإذا ما وقف عليها أصغر التلامذة يتحقق للحال أن لا قيمة لها البتة من أي وجه كان. إذ ليس فيها رائحة تاريخ ولا وقوف لصاحبها على محلات بغداد ولا أدرك مواطنها ولا رسومها وهو لا يخالف الغير في كل ما خطته يداه إلا ليقال أن فلاناً كتب كذا وكذا وأنه من المخالفين.
ونزيد على ما تقدم أن الأستاذ مصطفى أفندي جواد متفق كل متفق كل الاتفاق مع المحقق يعقوب أفندي نعوم سركيس على أن هذه البقايا هي إطلال القصر الذي كان يتردد إليه الخليفة الناصر لدين الله فكشف يعقوب أفندي سركيس عن أسمه أي (دار المسناة) فجاءنا
بشيء مبتكر قائم على أدلة راهنة مكينة تاريخية لم يقف عليها من سبقه من محققي أبناء العرب والغرب. ولهذا من خالف رأي هذين المحققين فقد خالف الحق وأنكر الشمس في رائعة النهار.
стр. 5115
رسالة لأبي عثمان
عمرو بن بحر الجاحظ كتب بها إلى أبي الفرج بن نجاح
الكاتب
-
بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين
في الموصل (في مدرسة الحجيات) مجموعة خطية ومن جملة ما احتوت عليه رسائل للجاحظ ذكرها الدكتور داود بك الجلبي في كتاب مخطوطات الموصل (ص ١٠٠) وكان قد أرسل إلينا منها ب (رسالة النابتة) بعد أن صحح فيها ما صحح فدرجناها في لغة العرب (٨: ٣٢) والآن أرسل إلينا بالرسالة الآتية وقد علق عليها وصحح أغلاطها فجاءت درة من درر الجاحظ الكاتب المحقق المدقق الذي لا يباريه أحد (لغة العرب).
جعلت فداك، وأطال الله بقاك، وأعزك وأكرمك. وأتم نعمته عليك وأيدك، قد نسخت لك أعزك الله في صدر هذا الكتاب، قصيدة قيلت في أبي الفرج، أدام (دام) عزه ذكروا أن قائلها رجل يكنى أبا عثمان، ولا أدري أهو أبو عثمن هشام بن المغيرة، أم أبو عثمان بن أبي العاص، ولا أدري أهو أبو عثمان عنبسة بن أبي سفيان، أم أبو عثمان سعيد بن عثمان: ولا أدري أهو عثمان الهندي عبد الرحمن بم مليك، أم أبو عثمن ربيعة الراي أبن أبي عبد الرحمن، ولا أدري أهو أبو عثمان سعيد بن خالد بن أسيد، أم أبو عثمان أسحق بن الأشعث بن قيس، ولا أدري أهو أبو عثمان المنذر بن الزبير بن العوام، أم أبو عثمان عبد الواحد بن سايمان بن عبد الملك، ولا أدري أهو أبو عثمن عبد بن خالد بن أسيد، أم أبو عثمان أبو العاص بن عبد دهمان وهو اسمه، ولا أدري أهو أبو عثمن عبد الله بن عامر بن كريز ولا أدري أهو أبو عثمان سعيد بن أسعد أمام المسجد الجامع الأعظم، أم عثمان عمرو بن
стр. 5116
عبيد بن ماب (مآب)، ولا أدري أهو أبو عثمن فيروز بن حصن الغبري، أم أبو عثمان بن عمرو بن أبي عثمن المري، ولا أدري أهو أبو عثمن عمر بن الحرث الجمحي، أم أبو عثمان البقطري: ولا أدري أهو أبو عثمن خالد بن الحرث بن سليمن الهجيمي أم أبو عثمان أبو العاص بن عبد الوهاب الثقفي، ولا أدري أهو أبو عثمن سعيد
بن وهب الشاعر، أم أبو عثمن عمرو الأعور الخاركي، ولا أدري أهو أبو عثمان الحكم بن صخر الثقفي أم أبو عثمان عمر بن بكر المازني، ولا أدري أهو أبو عثمان الأعور النحوي، أم أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ والذي لا اشك فيه أنه لم يقرظها أبو عثمان بن عمرو بن حرزة ولا أبو عثمان عمرو المخلخل ولا أبو عثمن إبراهيم بن يزيد المتطبب، ولا أبو عثمن سعيد بن حيان البزاز.
وقد بلغني عن أبي عثمان هذا المجهول موضعه المغمور نسبه أنه قال ما راكب الأسد الأسود، والبحر الأخضر، والصبور على السيف الحسام، بأحق بجهد البلاء وشماتة الأعداء. ممن يعرض (تعرض) للمتصفحين، وتحكك بالعيابين، وحكم في عرضه للحسدة المغتابين، فأن سلم فبحس (فبحسن) النية، ولأنه مدح كريماً، ووصف حليماً، والكريم صفوح والحليم متغافل. وأن ابتلى. فبذنب وما عفى (عفو) الله عنه أكبر. وقال: اللهم، أجعل هذا القول حسناً في عينه، خفيفاً على سمعه، وألهمه حسن الظن به وبسط العذر له، أنك سميع الدعاء، رحيم بالضعفاء. والقصيدة هي قوله:
أقام بدر الخفض راض بحظه ... وذو الحرص يسري حين لا أحد يسري
يظن الرضا بالقسم شيئاً مهوناً ... ودون الرضا كاس أمر من الصبر
جزعت فلم أعتب فلو كنت حجي ... لقنعت نفسي بالقليل من الوقر
أظن (نظن) غني القوم أرغد عيشة ... وأجذل في حال اليسارة والعسر
تمر به الأحداث ترعد مرة ... وتبرق أخرى بالخطوب وما ندري
سواء على الأيام صاحب حنكة (حنكة) ... وآخر كاب لا يريش ولا يبري
فلو شاري (شاعربي) لم أكن ذا حفيظة ... طلوباً لغايات المكارم والفخر
خضعت لبعض القوم أرجو نواله ... وقد كنت لا أعطى (أرضى) الآنية بالقسر
стр. 5117
فلما رأيت المرء يعدل (يبذل) بشره ... ويجعل حسن البشر واقعية البتر
ركبت على ضلعي وراجعت منزلي ... فصرت حليفاً للدراسة والفكر
وشاورت أخواني فقال حكيمهم ... عليك الفتى المري ذا الخلق الغمر
فتى لم يقف في الدهر موقف ظنة ... فيحتاج فيه للتنصل والعذر
أعيذك بالرحمن من قول شامت: ... أبو فرج المأمون يزهد في عمرو
ولو كان فيه راغباً لرأيته ... كما كان دهراً في الرخاء وفي الرخاء وفي اليسر
أيرضى (أترضى) فدتك اليوم نفسي وأسرتي ... بتأخير أرزاقي وأنت تلي أمري
إلا يا فتى الكتاب والعسكر الذي ... تأزر بالحسنى وأيد بالنصر
أخاف عليك العين أو نفس وامق ... وذوا (وذو) الود منحوب (منخوب) الفؤاد من الذعر
وعهدي به والله يرشد أمره ... ويحفظه في القاطنين وفي السفر
مطلا على التدبير ما يستفزه (تستفزه) ... مكايد محتال عقاربه تسري
برأي يزيل الطرد عن مستقره ... وأوضح عند الخصم من وضح الفجر
وعزم كغرب المشرفي مصمم ... وقلب ربيط الجأش منثلج الصدر
فيابن نجاح أنجح الله سعيكم ... وأيدكم بالنصر والعد والدثر
قعدت فلم أطلب وجلت فلم أصب ... خليلاً يؤاسيني ويرغب في شكري
وأن أخفقت كفي وقد علقتكم ... فقد قال (فال) رأي (رأيي) واستملت إلى شعري
أعيذك بالرحمن أن تشمت العدى ... فللفقر خير من شماتة ذي العمر (الغمر)
فان ترع ودي بالقبول فأهله ... ولا يعرف الأقدار غير ذوي القدر
وحسبك بي أن شئت وداً وخله ... وحسبك بي يوم النزاهة والصبر
стр. 5118
ألا رب شكر داثر الرسم دارس ... وشكر كنقش الحمرية (الحميرية) في الصخر
(قال) أبو عثمان المجهول: إذا كان الممدوح ظاهر المحاسن، كثير المناقب، فلم (ولم) يجد الشاعر، كان ألوم، ونعوذ بالله أن يكون فيكم ما (لا) يستدعي الألفاظ الشريفة والمعاني النفيسة، ولكون (ولكن) التقصير مني، وكيف ما تصرفت بي الحال، فأني لم أخرج من جهد المجتهدين الراغبين المخلصين، فان وقعت هذه القصيدة، والتي قدمنا قبلها، بالموافقة، فالحمد لله، وأن خالفت، فنستغفر الله، وأن شيعتم (شفعتم) ضعفها بقوة كرمكم، وقومتم أودها بفضل حلمكم، كان في ذلك بلاغ لما أملنا، والله الموفق للصواب، وإليه المرجع والمآب.
تمت الرسالة بعون الله، ومنه وتوفيقه، والحمد لله أولاً وأخراً، وصلاته على سيدنا محمد نبيه، وعلى آله الطيبين، الطاهرين، وسلم تسليماً إلى يوم الدين آمين، آمين، آمين.
قرى السليفانية
قرأت في مجلتكم (٥: ٤٧٤) مقالة أعجبتني كثيراً هي مقالة السلبفانية، ولم أتذكر أني قرأت شيئاً في هذا المعنى في كتاب قديم أو حديث لأبناء العرب أو أبناء الغرب. لكنكم لم تذكروا لنا ما سكنون من القرى فدونكم أسماءها إتماماً للفائدة: كرمافا (أي الماء النابع حاراً) كيفيلاً كانيسبي كريكور كواشا قرقورة بات القوس - آسي (أو عاصي بالعربية)، مالياسنا باطرشي كراش تركيجان كرشين باصطكي مروني تل زيت سيد ظاهر (عليا وسفلى)، بيكبلي واسم شيخهم عبدي غزالة.
ب. م. م
стр. 5119
تحققات تاريخية
٥ - الفردوس قصر لا نهر
ورد في ص ١٣ - ١٤ من كتاب عمران بغداد: (ونهر المعلي وكان يجري في أعظم محلة ببغداد أي محلة الخلفاء ودواوينهم ويستمد مائه (كذا) من نهر الخالص وقد سمي بالفردوس) قلنا: أن الفردوس قصر لا نهر ففي ص ١٩ من مناقب بغداد: (وكان في الجانب الشرقي نهر (موسى) يأخذ من نهر (بين) إلى أن يصل إلى قصر المعتضد المعروف (بالثريا) ثم يخرج فينقسم ثلاثة أنهار فيدخل أحدها إلى بستان الزاهر فيسقيه ويمضي الثاني إلى باب بيبرز فيدخل البلد ويسمى نهر المعلي ويمر بين الدور باب سوق الثلاثاء ثم يدخل قصر الخلافة المسمى بالفردوس فيدور فيه ويصب إلى دجلة) وقال ياقوت: (نهر المعلي وهو اليوم أشهر وأعظم محلة ببغداد وفيها دار الخلافة المعظمة وهو نهر يدخل من باب (بين) (كذا ولعلها بيبرز) وهو باق إلى الآن مستمدة من الخالص فيسير تحت الأرض حتى يدخل دار الخلافة وهو المسمى بالفردوس. . .) وقد أراد ب (هو) دار الخلافة والدار يجوز تذكيرها فظن مؤلف عمران بغداد أنه عني (المعلي) وقال الخطيب في ص ٧٠: (ثم يمر النهر الثاني من المقسم إلى باب بيبرز فيدخل البلد من هناك ويسمى نهر معلي ويمر بين الدور إلى باب سوق الثلاثاء ثم يدخل قصر الخلافة المسمى بالفردوس فيدور فيه ويصب في دجلة).
٦ - نهر المعلي وباب بيبرز والتاجية
لقد تكرر آنفاً أن نهر المعلي يدخل بغداد المسورة الشرقية من باب بيبرز، فلذلك تجب معرفة هذا الباب، قال ياقوت في مادة بيبرز: (بيبرز: بكسر أوله وفتح ثانيه وسكون الباء وفتح الراء وزاي، محلة ببغداد وهي اليوم مقبرة بين عمارات البلد وأبنية من جهة محلة الظفرية والمقتدية بها قبور جماعة من الأئمة منهم أبو أسحق إبراهيم بن علي الفيروزابادي الفقيه الإمام ومنهم من يسميها: باب أبرز) قلنا في غرب مقبرة الوردية (أي مقبرة الشيخ عمر السهروردي اليوم)
стр. 5120
قبر عليه قبة ساذجة البناء على كتف باب أنه مرقد إبراهيم بن
موسى الكاظم (ع) وفي صحن المشهد الكاظمي اليوم قبر إبراهيم بن موسى الكاظم وأهل مكة أدرى بشعبها من غيرهم، وقد قال السيد محمود شكري الآلوسي في ص ١١٨ من كتاب مساجد بغداد.
(وفي صحن الكاظمية حجرة صغيرة فيها قبر إبراهيم وقبر أخيه جعفر أبني موسى الكاظم، وقد عمرها سليم باشا الفريق وشاد القبة التي عليهما وذكر ذلك عبد الباقي الفاروقي بأبيات نذكر منها شطر التاريخ وهو قوله: شاد سليم مرقد الفرقدين) فان كان إبراهيم المدفون في قرب مقبرة الشيخ عمر هو الفيروزابادي فمدفنه من مقبرة باب أبرز.
وجاء في ترجمة شهده من تاريخ أبن خلكان: (وكانت وفاتها يوم الأحد بعد العصر ثالث عشر المحرم سنة أربع وسبعين وخمسمائة ودفنت بباب أبرز وقد نيفت على تسعين سنة من عمرها رحمها الله تعالى) ثم قال: (ومات والدها أبو نصر أحمد في يوم السبت الثالث والعشرين من جمادي الأولى سنة ست وخمسمائة رحمة الله تعالى، وكانت وفاته ببغداد ودفن بباب أبرز) ثم أخذ في تعريف ثقة الدولة علي بن محمد الأنباري قائلاً: (قال السمعاني: كان يخدم أبا نصر أحمد أبن الفرج الإبري وزوجة بنته شهدة الكاتبة ثم علت درجنه إلى أن صار خصيصاً بالمقتفي، مولده سنة خمس وسبعين وأربعمائة وتوفي يوم الثلاثاء سادس عشر شعبان سنة تسع وأربعين وخمسمائة ودفن في داره برحبة الجامع ثم نقل بعد موت زوجته فدفنا بباب أبرز قريباً من المدرسة الناحية (كذا بنسختنا والصواب: التاجية) في محرم سنة أربع وسبعين وخمسمائة) اهـ.
وقال أبن خلكان في ترجمة محمد بن بختيار المعروف بالأبله البغدادي: (وكانت وفاته على ما قاله أبن الجوزي في تاريخه في جمادي الآخرة سنة تسع وسبعين وقال سنة ثمانيين وخمسمائة ببغداد ودفن في باب أبرز محاذي الناحية (كذا) رحمة الله تعالى) اهـ.
وقال ياقوت: (التاجية منسوبة: اسم مدرسة ببغداد ملاصق قبر الشيخ أبي أسحق الفيروزابادي نسبت إليها محلة هناك ومقبرة والمدرسة منسوبة إلى
стр. 5121
تاج الملك أبي الغنائم المرزبان بن خسرو فيروز المتولي دولة ملكشاه بعد الوزير نظام الملك).
وقال ياقوت في مادة (قراح) وقد ذكرناه سابقاً: (وذلك أنك تخرج من رحبة جامع القصر مشرقاً حتى تتجاوز عقد المصطنع وهو باب عظيم في وسط المدينة فهناك طريقان. .
والآخر يأخذ ذات الشمال مقدار رمية سهم إلى درب يقال له درب النهر عن يمين القاصد إلى قراح أبن رزين ثم يمتد قليلاً ويشرق فحينئذ يقع في قراح أبن رزين فإذا صار في وسطه فعن يمينه درب النهر واللوزية وعن يساره محلة المقتدية التي استحدثها المقتدي بالله ثم يمر في هذه المحلة أعني قراح أبن رزين شوط فرس جيد فحينئذ ينتهي إلى عقد هناك وباب فإذا خرج منه وجد طريقين أحدهما يأخذ ذات الشمال يفضي إلى المحلة المعروفة بالمختارة فيتجاوزها إلى مقبرة باب بيرز (كذا في الطبعة المصرية والصواب بيبرز) بطولها طالباً للشمال فإذا انتهت المحلة وقع في محلة تعرف بقراح ظفر) اهـ.
فيعلم من هذا أن مقبرة باب أبرز داخله في عمارة بغداد طويلة ممتدة إلى شمالي بغداد. وقد وضع لسترنج على خارطة ص ٦٣ باب أبرز في غرب مقبرة الشيخ عمر اليوم أي محلة خان الروند اليوم ووضع المدرسة التاجية قرب محلة العزة اليوم أي بين محلة السور وخان الوند، ولكنه لم يذكر قراح ظفر فهو أذن محلة العزة والسور اليوم، غير أن لسترنج ذكر في خارطة ص ١٠٧ باب أبرز شرقي ثكنة الخيالة اليوم وجعل نهر المعلي يمر منذ لك الموضع في شمال بغداد حتى أدخله بغداد من شرقي باب المعظم اليوم ماداً إياه إلى الجنوب حتى يوصله إلى الفردوس قصر الخلافة. وبعض ما حمله على ذلك قول المؤرخين أن نهر المعلي يمر بين الدور إلى باب سوق الثلاثاء فذهب رأيه إلى باب المعظم لأنه نهاية سوق الثلاثاء أي شارع الميدان اليوم ويظهر أن مجراه كان مما يقرب من المستنصرية. ألا ترى عبد الحميد بن أبي الحديد يمدح المستنصرية قائلاً.
مخيمة على نهر المعلي ... فدجلة لا المنيفة فالضمار
стр. 5122
وورد أن هذا البيت كما في ص ٩٣ من تاريخ مساجد بغداد لشارح نهج البلاغة عبد الحميد، فعلق محمد بهجة بالمعلي ما نصه: (محلة اليوم بالرصافة يسمى سبع أبكار) ولكن أين الدليل والاستدلال؟ فالشاعر يقول أن المستنصرية مخيمة على نهر المعلي والمهذب يقول محله كذا فما أبعد ما بين المستنصرية وسبع أبكار. وقال ياقوت عن محلة المأمونية: (بين نهر المعلي وباب الأزج) وعن المخرم: (بين الرصافة ونهر المعلي).
٧ - الرصافة الأصلية
وضع العلامة لسترنج الرصافة الأصلية من شمال قبر حنيفة (رض) إلى كرادة المعظم
الحالية ووضع في شرق قبره تربة الخلفاء العباسيين التي حسب محمود شكري الآلوسي أنها قرب المستنصرية. وجنوب القبر بقليل جامع الرصافة وجنوب هذا بقليل قصر المهدي بالرصافة في جنوبه تكون دجلة مائلة من الشرق إلى الغرب وفي مبدأ ميلها (باب الطاق (ويلائم اليوم محل كرادة المعظم وتحت هذه بستان الزاهر وشرق الزاهر تبدأ محلة المخرم بطرف البلاط الملكي اليوم من الزاهر إذ ذاك.
والمؤرخون إذا أطلقوا لفظ كان المراد هذه المواضع وما جاورها لا بغداد الشرقية اليوم ولذلك يقال تحارب أهل الرصافة وأهل كذا من بغداد لأنها صارت محلة مستقلة أخيراً.
٨ - باب الطاق
ذكرنا سابقاً أن محلة باب الطاق كانت بموضع كراده المعظم اليوم والكرادة هذه متصلة بشمالي حديقة البلاط الملكي والآن نورد ما ذكره بعض المؤرخين في وصفها وتحديدها: ففي ص ٢٥ من مناقب بغداد: (وقال أبو الوفاء أبن عقيل: سألني صدر من صدور طريق خراسان عن بغداد وما أدركت بها، فقلت: لا أذكر لك أمراً تكاد تستبعد فاذكر لك محلتي وهي واحدة من عشر محال، كل محلة كبلد من بلاد الشام وهي المعروفة بباب الطاق، أما شوارعها فشارع مما يلي دجلة من أحد جانبيه قصور على دجلة طراز ممتد من عند الجسر إلى أوائل
стр. 5123
الزاهر وهو بستان للملك محو مأتي جريب، وجانبه الآخر مساجد أرباب القصور ومساكن غلمانهم وفي ذلك اصطلابهم، ثم يليه من يمنته عند الجسر سوق يحيى، الجامعة بين دور الوزراء والأمراء مما يلي الشط كدار شادي والربيب، وأبن الأوحد، وقصر الوافي الذي كان عليق دوابه كل يوم ألف مخلاة، ثم في آخر هذا السوق دار فرج مساكن التقاة والرؤساء. ومن الجانب الغربي - أعني جانب سوق يحيى - الدكاكين العالية، والدروب العامرة من دقاقين وخبازين وحلاويين، ثم نهاية الدور الشاطئية، دار معز الدولة ذات المسناة التي عرضها مائة أجرة وكان لها الروشن البديع فهذا طراز باب الطاق الشاطئي فأما دواخلها فأوائلها العرصة التي هي رحبة الجسر وتنقسم رحبة الجسر إلى شارعين عظيمين: أحدهما للاساكفة ثم سوق الطير وهو سوق يجمع الرياحين وفي حواشيها الصيارف الظراف وأصحاب الطيالس وفاخر الملابس ثم سوق المأكول للخبازين والقصابين وسوق الصاغة لم يشاهد أحسن منه بناء شاهق وأساطين ساج عليها غرفة
مشرفة، ثم الوراقين سوق كبيرة وهي مجالس العلماء والشعراء ثم سوق الرصافة عظيمة جامعة ثم سارع الترب) انتهى.
قلنا: وقد وصل في وصفه إلى الرصافة فقطعنا عليه حديثه اللذيذ ووصفه المنسجم البديع الذي تشاق العيون إلى رؤية موصوفه كل الاشتياق، وأراد بشارع الترب (شارع ترب الخلفاء العباسيين).
ونقل في ص ٢٧ منه عن واصف باب الطاق المار ذكره: (ولقد نزلت كثيراً في سميرية منحدراً فما أزال أسمع هذه الأنغام من شرعة الجسر بباب الطاق إلى باب المراتب). وفي ص٢٨ منه (وكانت أسواق الكرخ وباب
стр. 5124
الطاق لا يختلط العطارون بأرباب الزهائم والروائح المنكرة ولا أرباب الأنماط بأرباب الإسقاط).
قلت: وكانت دار أبي طاهر محمد بن بقية الوزير بباب الطاق. قال عنه أبن خلكان في (٢: ١٧٦) من وفياته: (ولما حضرت الحرب بين عز الدولة وابن عمه عضد الدولة قبض عز الدولة عليه وسمله وحمله إلى عضد الدولة مسمولا فشهره عضد الدولة وعلى رأسه برنس، ثم طرحه للفيلة فقتلته ثم صلبه عند داره بباب الطاق). وقال ياقوت في (باب الطاق) وما نصه: (باب الطاق: محلة كبيرة ببغداد بالجانب الشرقي تعرف بطاق أسماء وقد ذكرت في موضعها، واجتاز عبد الله بن طاهر بها فرأى قمرية تنوح، فأمر بشرائها وإطلاقها فامتنع صاحبها أن يبيعها بأقل من خمسمائة درهم فاشتراها بذلك وأطلقها وأنشد يقول:
ناحت مطوقة بباب الطاق ... فجرت سوابق دمعي المهراق. . .)
قال مؤلف عمران بغداد في ١٠٢ (محلة باب الطاق: كانت محلة كبيرة بالجانب الشرقي وتعرف بطاق أسماء أيضاً) وهنا يصح قول علي (ع) حينما حث العراقيين على الجهاد فقام إليه رجل وأخاه فقط: (وأين تقعان مما أريد؟).
٩ - مشهد عبد الله أي قبر النذور
ذكرنا سابقاً أن جامع الرصافة قريب من قبر أبي حنيفة جداً، من جهة الجنوب، وكأن موضعه مجاور لجامعة آل البيت اليوم، وفي ص ٣٠ من مناقب بغداد ما نصه: (وقريب من جامع الرصافة قبر فيه بعض أولاد بعض علي (ع) يتبرك به يقال: أنه قبر عبيد الله
بن محمد بن عمر بن الحسين) قلنا: ويسمى أيضاً) قبر النذور) ففي مادة (قبر) من معجم البلدان ما عبارته: (قبر النذور: مشهد بظاهر بغداد على نصف ميل من السور (كذا وفي المسافة خطأ تقديري وشك) يزار وينذر له، قال التنوخي: كنت مع عضد الدولة وقد أراد الخروج إلى همدان فوقع نظره على البناء الذي على قبر النذور فقال: يا قاضي ما هذا البناء؟ قلت: أطال الله بقاء مولانا هذا مشهد النذور ولم أقل: قبر، لعلمي بتطيره من دون هذا، فاستحسن اللفظ وقال: قد علمت أنه قبر النذور وإنما أردت شرح أمر، فقلت له: هذا قبر عبيد الله بن محمد بن عمر بن علي بن
стр. 5125
أبي طالب ﵁ وكان بعض الخلفاء أراد قتله فجعل هناك زبية وستر علها وهو لا يعلم فوقع فيها وهيل عليه التراب حياً، وشهر بالنذور لأنه لا يكاد ينذر له شيء إلا ويصح ويبلغ الناذر ما يريد وأنا أحد من نذر له وصح مراراً لا أحصيها، فلم يقبل هذا القول وتكلم. بما دل على أن هذا وقع اتفاقاً فتسوق العوام بأضعاف ذلك ويروون الأحاديث الباطلة، فأمسكت، فلما كان بعد أيام يسيرة ونحن معسكرون في موضعنا استدعاني وذكر أنه جربه لأمر عظيم ونذر له وصح نذره في قصة طويلة) اهـ.
وإذ علمت أن مشهد عبيد الله قرب جامع الرصافة فلا تركن إلى ما نقل مؤلف عمران بغداد في ص ١٨٨ عن المرشد (٣: ٣١٩) لعبد الحميد عبادة ونصه (فلا يبعد أن يكون محل المشهد المذكور قرب ثكنة الخيالة خارج باب المعظم وكان هذا المشهد يشتمل على قبر عبيد الله بن محمد من أحفاد الحسن (كذا) بن علي (ع) الذي يكنى بأبي النذور) لأن بين الثكنة والرصافة القديمة: باب الطاق والزاهر البستان الفسيح وقسماً من محلة المخرم. والعجب أن المؤلف المذكور نقل في ص ١٥٢ من كتابه عن المدرسة العصمية: (وكانت هذه المدرسة تجاور مشهد عبيد الله بن محمد العلوي المعروف بأبي النذور الذي يقع بالقرب من جامع الرصافة في الجانب الشرقي ولا يبعد أن يكون محل المشهد المذكور قرب ثكنة الخيالة الحالية خارج باب المعظم) وكثير من كتابه مكرر بلا فائدة.
١٠ - القرية وقطفتا
قال في ص ١٠٥ من كتاب عمران بغداد: (وأما القرية فهي بضم القاف وفتح الراء وتشديد الياء، محلتان كبيرتان. . . والأخرى كانت محلة كبيرة أيضاً بالجانب الغربي مقابل
مشرعة مدرسة النظامية أي مقاهي المصبغة وما هو عن شرقها اهـ. وقد نقل هذا التعيين عن محمد صالح السهرودي بالمرشد (٣: ٣٤٨). وهذا يحرف التاريخ عن مواضعه ففي معجم البلدان: (والقرية محلة كبيرة جداً كالمدينة من الجانب الغربي من بغداد مقابل مشرعة سوقها، أما أن مشرعة النظامية) إذن، ليست مقابل المدرسة النظامية بل مقابل مشرعة سوقها، أما أن مشرعة النظامية هي مقاهي المصبغة اليوم فيصعب تصديقه لأن اللازم تعيين موضع المدرسة
стр. 5126
ثم معرفة سوقها ثم مشرعته.
والقرية هذه يظهر لنا أنها تمتد على دجلة من غربي بغداد من فوق الجسر العتيق اليوم إلى ما فوق دار الندوة العراقية (المجلس النيابي) لأنها كانت متصلة بمحلة قطفتا وهذه تشمل العمارات التي قرب مقبرة معروف الكرخي (رض) من الشرق والشمال فالفلاحات والفحامة وسوق حمادة والحصانة اليوم كانت من قطفتا. ففي ٢: ٣٩٦ من نسختنا لوفيات أبن خلكان ما صورته عن أبي المظفر عون الدين: (يحكون أن عون الدين قال: كان سبب ولايتي المخزن أنني ضاق ما بيدي حتى فقدت القوت أياماً فأشار علي بعض أهلي أن أمضي إلى قبر معروف الكرخي (رض) فأسأل الله تعالى عنده فأن الدعاء عنده مستجاب، قال: فأتيت قبر معروف فصليت عنده ودعوت ثم خرجت لقصد البلد (يعني بغداد) فاجتزت بعطفاء (كذا) قلت:
- وهي محلة من محال بغداد - قال: فرأيت مسجداً مهجوراً اهـ. قلنا: والصواب أنها (قطفتا) لا عطفاء، ولم يزد أبن خلكان في إيضاحه على قوله: محله من محال بغداد. وقول ياقوت: قطفتا بالفتح ثم الضم والفاء ساكنة وتاء مثناة من فوق والقصر: كلمة أعجمية لا أصل لها في العربية في علمي وهي محلة كبيرة ذات أسواق بالجانب الغربي من بغداد مجاورة لمقبرة الدير التي فيها قبر الشيخ معروف الكرخي (رض) بينها وبين دجلة أقل من ميل وهي مشرفة على نهر عيسى إلا أن العمارة بها متصلة إلى دجلة بينهما القرية محلة معروفة) اهـ.
فمن هذا لا تستبعد ما ذكرناه لك، وأكثر الفتن المذهبية في آخر الدولة العباسية وقعت بين القطفتيين والكرخيين أي أهل الكاظمية قديماً.
مصطفى جواد
(لغة العرب) كل ما يوشيه الأستاذ المحقق مصطفى أفندي جواد مطبوع بطابع التدقيق والعلم الصادق، وهو لا يخطو خطوة في اللغة ولا في التاريخ إلا من بعد أن يتثبت أن يضع قدمه من منبسط الحقيقة: وكل من قرأ مقالاته في هذه المجلة يحكم له بالقدح المعلي. ومن شك في تحقيقاته فليأتنا بيناته.
стр. 5127
الفلحس
أو شيخ المشايخ عند قدماء العرب
كان للرومان في أيام عزهم قطعة من بلاد العرب ضموا إليها ديار حوران واصطلحوا عليها (بالكورة الرومانية العربية) فامتدت في عهد انبساطها من حوران إلى بصيري (تصغير بصري) في عربة. وكان في هذه الكورة، أو هذا الإقليم، جماعات من أمم مختلفة من عرب ويونان ورومان وسريان ونبط إلى غيرهم. إلا أن الجماعة الغالبة كانت للعرب وكانوا ينقسمون إلى قبائل وأفخاذ ويعيشون عيشة أهل البادية. وكثيراً ما كان يندفق سيلهم من أراضيهم فيغزون ربوع الرومان وغيرهم وكان يسميهم اليونان والرومان (أهل الخيم) ومنها الكلمة الفرنسية ولما كان أغلبهم من الشراة أطلقوا عليهم جميعاً اسم الشرويبن أكانوا من الشراة أم لم يكونوا، وباللاتينية
وأقام الرومان على أبناء عدنان وقحطان رؤساء من جنسهم سموا الواحد منهم (فلرخس) أي ومعناها شيخ القبيلة. وكان الشيخ مسؤولاً أمام حكومة الرومان عن كل ما يجري من الغزوات أو من الأضرار في تلك القبيلة. وقد تم هذا النظام في المائة السادسة للميلاد. وأول (شيخ أعظم) أو (شيخ مشايخ العرب) إقامة الرومان كان شيخ قبيلة غسان، وكان هؤلاء الرومان مراراً وضع أساليب مختلفة ليتفقوا مع العرب فلم ينجح معهم إلا الأسلوب المذكور أسلوب (شيخ القبيلة) أو شيخ المشايخ وكانوا
стр. 5128
قبل ذلك اعترفوا بين ظاهر ومقدر بعدة رؤساء عرفوا بلقب (شيخ) حتى قر رأيهم على جعل الأمارة الكبرى في قبيلة غسان. وقد ذكر مؤرخو الرومان واليونان عدة شيوخ لعدة قبائل وفي واحد وكل ذلك قبل إقرار لقب (الأمارة الكبرى لغسان) القبيلة النصرانية العربية المشهورة.
وكثيراً ما كان الرومان يستنهضون العرب وشيوخهم للقيام على أعدائهم - وكانوا الفرس في أغلب الحيان - فكان يثور الشيخ ومعه جيش عظيم وهم في أبلهم في بعض المواقع وعلى جيادهم في مواقع أخرى وهذا إذا كان دفع الخطر مما يجب أن يكون بسرعة عظيمة. أما إذا ذهبوا غازين فكانوا يذهبون راكبين هجانهم.
وكان الشيخ إذا انحطت حالته لضعف ألم به أو لقيام شيخ آخر أدهى منه واشد بأساً كان
الضعيف يبقى في عقر داره ويطلب مطالب جليلة مغتراً بما كان له من العز والأباء حينما كان في سابق العهد آمراً ناهياً ومعترفاً بإمارته. وكذلك كان يفعل أبناؤه.
ولا بد من أن اللقب اليوناني (فلرخس) أتخذه أيضاً الرومان بلفظة في لسانهم. ونظن أن السلف منا جاروا القومين المذكورين وأدخلوه في لسانهم
والذي عندنا أنهم خففوه ليحملوه على وزن عربي فقالوا فيه (فلحس) (كجعفر) بحذف الراء. أما حرف الروم فكثيراً ما نقله الناطقون بالضاد تارة إلى الخاء وطوراً إلى الحاء المهملة. وقد ذكرنا لذلك شواهد فلا حاجة لنا إلى العودة إليها. (راجع لغة العرب ٨: ١٩٠ و ١٩١) أذن نقلوه هنا إلى الحاء المهملة وهذا اللقب كان معروفاً عندهم في زمن الجاهلية.
ومن غريب ما بلغ إلينا من هذا القبيل المثل القديم الشائع عند كثير من الأدباء والمؤرخين واللغويين وهو: (أسأل من فلحس) قال الميداني في مجمع أمثاله (١: ٣٠٥ من طبعه بولاق الأولى): أسأل من فلحس، ويروى أعظم في نفسه من فلحس. وهو رجل من بني شيبان كان سيداً عزيزاً يسأل سهماً في الجيش وهو في بيته فيعطى لغزه. فإذا أعطيه، سأل لامرأته فإذا أعطيه سأل لبعيره. قال الجاحظ: كان لفلحس أبن يقال له زاهر بن فلحس. مر به
стр. 5129
غزي من بني شيبان فاعترضهم، وقال: إلى أين؟ - قالوا: نريد غزو بني فلان قال: فاجعلوا لي سهماً في الجيش. قالوا: قد فعلنا. قال: ولامرأتي. قالوا: لك ذلك. قال: ولناقتي. قالوا: أما ناقتك فلا: قال: فأني جار لكل من طلعت عليه الشمس ومانعة منكم. فرجعوا عن وجههم ذلك خائبين. ولم يغزوا عامهم ذلك. وقال أبو عبيد: معنى قولهم: (أسأل من فلحس) أنه الذي يتحين طعام الناس. يقال: أتانا فلان يتفلحس، كما يقال في المثل الآخر: (جاءنا يتطفل) ففلحس عنده طفيل). انتهى كلام الميدان بمبناه.
قلنا: وهذا ما يؤيد رأينا في أصل كلمة الفلحس ويثبت قدمنا فيه ويقوي رأينا أن الكلمة دخيلة في لغتنا. فتنحصر أذن الأدلة في ما يأتي:
١ - الفلحس ليس في أصله اسم علم إنما كان لقباً.
٢ - ليس في مادة ف ل ح س ما يؤيد معنى هذا العلم لو كان في أصل وضعه علما.
٣ - أن الأعلام كثيراً ما يكون أصلها نكرة ثم يسمي بها أناس أو تغلب على أناس ومن جملتها هذا.
٤ - يظهر من كثرة سؤال فلحس أنه كان في الأصل شيخاً عزيزاً مطالعاً وقد وجد شيخ كثيرة في بني شيبان اعترف بهم الرومان ولعل هذا واحد منه. وشيبان كانت مصافية لبني الأصفر.
٥ - إعطاء بني شيبان اسمها لفلحس لم يكن إلا عملاً بخضوعهم لإمارته عليهم وإلا جاز لهم أن يردوه أو أن لا يغزوا لكي لا يجيبوا طلبه.
٦ - أن عمل زاهر أبنه يشبه عمل أبيه ويثبت ما نقله التاريخ عن تحكم شيوخ القبائل وأبنائهم في من ينتسبون إليهم من الأمراء.
٧ - أن توسع اللغويين في معنى فلحس كتوسعهم في معنى طفيل وتطفل فتصرفوا في الكلام المعرب كما تصرفوا في غيره. ألم يقولوا نيرز من النيروز وتفلسف من الفلسفة إلى غيرهما مما لا يحصى؟.
٨ - ذكر اللغويون الفلحس مرة بأداة التعريف ومرة بدونها وهذا يلمح إلى أن أصل وصفها كالحسن والحسين والفضل ونحوها.
стр. 5130
٩ - أننا في رأينا هذا لا نريد أن نكره أحداً على متابعته، إنما نبوح بما وقع في صدورنا بهذا الخصوص وكنا قد عرضنا هذا الرأي قبل نحو عشر سنين على الأستاذ الدكتور أرنست هر تسفلد فصوبه واستحسنه وكتب إلينا رسالة نحفظها في سجلاتنا.
١٠ - فسر أبن دريد في كتاب الاشتقاق جميع أعلام الرجال والنساء من العرب ولم يتعرض لتفسير الفلحس ونظن أن ذلك لاعتباره أعجمياً.
١١ - أن الفلحس من الألقاب القديمة أو أعلام الجاهلية ولم نره علماً لواحد من الإسلاميين.
١٢ - لا يمكننا أن نتصور عدم وجود لفظة في لغتنا تعني شيخ المشايخ أو رئيس القبيلة أو الأمير الأكبر للقبيلة. ونرى أن هذه الكلمة هي التي كانت تعرف عندنا قبل الإسلام، إلا أنها دثرت مع ما دثر من الألفاظ القديمة التي مات من كان يعرف معانيها، فقد قال أبن فارس: (أن لغة العرب لم تنته إلينا بكلبتها وأن الذي جاءنا عن العرب قليل من كثير وأن كثيراً وأن كثيراً من الكلام ذهب بذهاب أهله. وذهب علماؤنا أو أكثرهم إلى أن الذي انتهى إلينا من كلام العرب هو الأقل. ولو جاءنا جميع ما قالوا لجاءنا شعر كثير وكلام كثير.
وأحر بهذا القول أن يكون صحيحاً، لأنا نرى علماء اللغة يختلفون في كثير مما قالته العرب فلا يكاد واحد منهم يخبر عن حقيقة ما خولف فيه، بل بسلك طريق الاحتمال والإمكان). (راجع فقه اللغة طبع بولاق ١: ٣٤).
١٣ - لو فرضنا أن كل هذا المقال مبني على خيال صرف لوجدنا في نفوسنا حاجة إلى لفظة تعني معنى (شيخ المشايخ أو أمير المشايخ) وأحسن كلمة تقوم بهذا الغرض (الفلحس) لاجتماع القوميين المتمدنين منذ القدم على اتخاذه ولا يمكننا أن نقول (فلرخس) لثقله بل نقول (فلحس) إفراغاً له في قالب عربي خفيف على الذوق وعلى السمع معاً.
النتيجة
فلحس كلمة قديمة أصل معناها (شيخ القبائل) ومنصبة يعرف بالفلحسة أي
стр. 5131
صفحة من مؤرخي العراق
مؤرخ عراقي
يوسف الملقب بعزيز المولوي صاحب تاريخ قويم
قال أبو الطيب:
وإنما الناس بالملوك وما ... تفلح عرب ملوكها عجم
صدق المتنبي، فأن الأجانب أثروا في ثقافتنا فاقتنصوا منا جماعة خدموا آدابهم وراعوا سياستهم فصاروا يعدون منهم. ومترجمنا أحدهم وهو يوسف أفندي المولوي الملقب بعزيز. من شيوخ هذه الطريقة، ومؤرخ عراقي كبير، وأديب يعد من بلغاء الأتراك في لغتهم، استهواه العثمانيون وجذبوه إليهم، فخدم آدابهم وسياستهم، وراعى طرائقهم وصار يعد من كبار رجالهم. . .
له انتساب إلى الوزير حسن باشا فاتح همذان ووالي بغداد المتوفي سنة ١١٣٦هـ (ولا أدري درجة هذا الانتساب وماهيته) ومن زمن والده (ولم يذكر المؤرخ الموما إليه اسم والده) وأيام أخيه أسعد المرحومين (ولم يعرفنا بهذا أيضاً ولا تمكنا من العثور على أحوالهما في التراجم التي بأيدينا) ذكر هذا وقال:
أنني واقف على سيرة هذا الوزير حسن باشا، وعالم بها كما هي حقها.
وهذه الدعوى قد أيدها فعلاً وقام بالبرهنة عليها حقيقة. فأنه يذكر وطنه الأصلي وتقلباته في المناصب إلى أن وجهت إليه وزارة بغداد. . . وما يلي ذلك من حوادث زمنه.
أن مترجمنا تنوسي أمره ولم يعرف مدة في حين أنه جلا صفحة غامضة من تاريخ العراق لمدة تزيد على ربع قرن أي من سنة ١١٠٠ إلى سنة ١١٢٦هـ وفصل القول عنها بإسهاب بحيث لم يفعل عن أشخاص الوقائع ولا عن تصوير الحوادث فكشف مخبآت زمن نحن في ضرورة إلى إظهار ما طوته عنا الأيام من خفاياها.
فالإشارة في مثل هذه المواطن لا تكفي، والكتابة لا تفوق التصريح ولا
стр. 5132
يغنينا الإبهام. فالواقع نتائج ما قبلها وتمهيد لما يؤول إليها الزمن من حوادث بعدها. فهي مرآة أظهرت
صور ذلك العصر. . .
هذا المؤرخ رسم لنا بل وصف حالة العصر قبل زمن هذا الوالي والتبدل الذي أجراه في مدة حكومته. فقد بذر البذرة الأولى لتأسيس حكومة المماليك في العراق وقوى يد الترك ومكنهم في هذا المحيط وأمات الروح الوطنية أو أنه قضى على قدرة الأهلين على اختلاف صنوفهم. ولولاه لنال حظاً من الإدارة الاستقلالية.
ومن الغريب أن يهمل شأن هذا المؤرخ الطويل الباع في تفصيل الحوادث وفي لفتاته القومية، فتاريخه (قويم) بمعنى الكلمة. ومن حسن الصدف العثور على هذا المؤلف الذي بسببه توضحت الوقائع في الرابع الأول من القرن الثاني عشر: وبهذه الصورة صححت صفحة من التاريخ وانجلى عنها المبهم فلم نجد لها مصدراً تاريخياً أعظم من هذا المؤلف الجليل.
ولعل دواعي أهماله، واكتفاء أبناء يعرب بمجمل ذكراه فقط واضحة، أما من غيرهم - أعني الترك - فذنب لا يغتفر مع أننا نراه يروج سياستهم أو بالتعبير الأصح لا يعرف سياسة غيرها، ولذا يعد أكبر داعية لهم وأن كان لا يقصر في الإيضاح والتفصيل عن وقائع هذا القطر والإطناب فيها. وزيادة على ذلك نراه يخذل سياسة العجم ويحبب إدارة الترك.
الوزير والمترجم
أن المؤلف يصف الوالي بأنه جامع لمزايا أخلاقية نبيلة ومشهورة بالعدل والأنصاف والشجاعة والإدارة الحكيمة، ويبدي عن نفسه أنه صادق في كل ما قاله عن هذا الوزير فلم يراع الإحساس ولا الإطراء الفارغ، ولا الغلو في المدح. . . ذلك لأنه مولوي وأنه يبغض الكذب ويجانب مركبه، ويتحاشى الرياء وسلوكه. . . وإنما دون ما رآه ولم يخرج إلى طريق الغلو.
وفي الحقيقة يذكر انتصاراته، ولم يتنكب عن بيان مخذولياته ومغلوبياته فالواقعة يقصها أياً كانت نتائجها ولا يبالي، ولكن بأسلوب جميل وبحكمة من البلاغة لا تخفى. . .
وقد أوضح أنه غني عن أي مخلوق. ولا أمل له في ماله قل أو كثر. . .
стр. 5133
وأنه يرجو من الله تعالى اللطف وأن لا يحوجه إلى سواه. فهو النافع الضار والمعطي المانع. والحي
القيوم المعين. . . إلى أن يقول:
نعم أنني رأيت كرماً وافراً من الوزير ولكنني لم أرتكب الرياء بوقت. فإذا كنت وصفته فالأنصاف يقضي بذلك. ولا غرابة أن يذكر المحسن بإحسان. وعلى كل حال اللسان قاصر عن أداء الشكر خصوصاً ما نالته بغداد في زمنه من الراحة والطمأنينة والعمارة وقضائه على أهل البغي والفساد، ومجاهداته العظمى. . . اهـ
التحريات عن ترجمته في كتب المعاصرين
حاولت الإطلاع عليه في كتب المؤرخين والمعاصرين له فلم أتمكن من زيادة تكشف عن حياة هذا الرجل الكبير. والمؤرخ القدير، إلا نتفه يسيرة في تذكرة سالم أفندي قاضي العسكر، فأنه كان معاصراً له، أو أنه ذاع ديوانه وانتشر فوصل إليه لما نال من شهرة كما يتضح من ترجمته التي قصها. . . قال:
(نشأ في بغداد دار السلام. ثم تجول في بلاد الروم لتلقي (طريقة المولوية) ترك وطنه وساح للأخذ بها من أكابر رجالها فدامت تجولاته زمناً طويلاً وصرفت في سبيل قصده عناءاً عظيماً.
ولما أكمل طريقته وأتمها على أشهر رجالها في الزهد والتقوى، وأنهى مجاهداته فبلغت حدها وغايتها عكف قافلاً إلى وطنه الذي ألفه بغداد دار السلام فرجع إليها وكانت نتيجة هذه المجاهدات أن عهدت إليه مشيخة المولوية في بغداد. فبقي ملازماً تكيتها يتولى الإرشاد. وهو رئيس الحلقة المولوية. فصارت تؤخذ منه وتتلقى عنه، باعتباره شيخها والجالس على سجادتها. . .
وله قدرة تامة على قرض الشعر في الفارسية والتركية ويعد من أعاظم الشعراء الناطقين بالصدق والصادعين بالحق. وأن المقطوعة التالية من أشعاره تدل على قوة نظمه ودرجته:
يأبه قدر كي درك ايتمكه عارج أوله مز ... قيلسه سلم اكر انديشه بونه إيواني
نعمت ياك شه كونينه نه ممكنكة عزيز ...
стр. 5134
ويره سن خامه ادركك أيله باياني) اهـ.
ولا تزال التكية أو الخانقاه المسماة للآن (بالمولى خانه) التي كان إتباعه يقصدونها ويلازمون فيها السلوك معروفة بهذا الاسم. وهي جامع رأس الجسر العتيق من جانب بغداد الشرقية. ويقال له (جامع الآصفية) أيضاً. والعوام لا يعرفونه إلا بجامع المولى خانه كما
أنهم يسمون السوق المتصل به (سوق المولى خانه) لحد اليوم.
وهذه الطريقة - وأن كانت بأصنافها الثلاثة من جلبية. وددوية، وقلندرية موجودة ببغداد - لم تستطع أن تتغلب على الطريقة القادرية، ولا على النقشبندية حتى لم تتغلب على الرفاعية. ومع هذا فأن الطرائق المذكورة - ما عدا القادرية - أخذ ظلهن يتقلص بفقدان الرجال القائمين بهن. فلم نر مثل الشيخ خالد ولا مثل الشيخ داود. . . ولا محل للإطناب في هذا الموضوع الآن.
ومن الغريب أن لا نجد للمترجم - بصفته التاريخية ولا من نقطة طريقته ولا غيرهما - بياناً من العراقيين عنه حتى أن صاحب التذكرة اكتفى ببيانه المذكور أعلاه يتعرض لمؤلفه الجليل في التاريخ.
وعلى كل حال أن مؤلف المرء يكشف عن مكنون صاحبه ويبين حسن اختياره ومقدرته. فالكتاب الذي دون وهو (قويم) في تاريخ حسن باشا ينطق بنفسية الرجل وزيادة. وهناك أيها القارئ وصفه:
وصف الكتاب
أن هذا الكتاب يتضمن سيرة الوزير حسن باشا والي بغداد كما تقدم وهو منظوم. وعدد أبياته ٢٨١٧ ولم يترك شاردة ولا واردة من حسناته إلا قصها كما أنه اشتمل على حروبه للعشائر وغيرهم من مناوئيه حتى استقرت له الأمور واكتسبت نظاماً. وتمكن من السيطرة على العراق وتقوية سلطة الترك عليه وبحث فيه عن شمائل هذا الوزير وزاد في إطرائه وأول هذه المنقبة:
حمد بي حد وشكر لا يحصى ... بيعدد منت وسباس وثنا. الخ
أما النسخة الخطية التي بأيدينا فكل صفحة منها تحتوي على خمسة عشر سطراً أو بيتاً طولها عشرون سنتيمتراً في عرض أحد عشر ومعها في هذه المجموعة مقامة
стр. 5135
في مدح الوزير حسن باشا لصاحبها عبد الله أفندي المفتي وقد مر الكلام عليها في مقال سبق وأبيات عربية وقائع أحمد باشا أبن الوزير المذكور وأخرى في مدح وزراء آخرين تالين لهما.
اسم الكتاب وسبب نظمه وتعريف مؤلفه
أن المترجم عقد فصلا أبدى فيه سبب النظم وعرف نفسه وتسمية كتابه فقال: (ذلك العبد الذي هو من تراب أقدام زمرة الفقراء. المعتق من دار مولانا (يعني بهاء الدين النقشبندي الذي تنسب إليه الفرقة البهائية من النقشية، وهي غير فرقة البهائية المعروفة في هذه الأيام فأنها محدثة وتلك قديمة) المستجير في جميع أموره بالحق سبحانه، المولوي يوسف الشهير بعزيز. يقول: لما كانت هذه الديار (بغداد وأنحاؤها من أرض العراق) برج الأولياء، وذات الآثار المخلدة، والمدينة التي لا عديل لها ولامثيل ودار الفيوض أعني دار السلام وهي أشبه بالجنان تجري من تحتها الأنهار، وهي مدفن رابع الخلفاء (ع)، ومشهد سيد الشهداء (ع)، وفيها مقام الفارسي وحذيفة بن اليمان العبسي (رض) ورأس المجتهدين حضرة النعمان الكوفي، وفيها الجيلي، والجنيد والشبلي، والشيخ الطائي، والشيخ العاقولي، ومعروف الكرخي، والسهروردي، وشيخ الشيوخ أبو الحارث الوارث الأول لعلوم الحقائق، وفيها من كمل رجال الدين المبين وأكثر الأئمة. . . فهذه الديار محط رحال هؤلاء الأولياء الكرام والبررة الفخام.
(وفي الأيام الأخيرة قبل الألف والمائة اختلت أمورها واضطربت أحوالها فصارت مستقر أهل الزيغ والفساد، وموطن الأشرار والفساق فتولاها الخلط والخبط وتناولتها أيدي السفهاء. ولم تكن حالة بغداد بأرفة أو أرغد من حالة خارجها. مطرها متساوي (؟) والمصيبة عامة فضجت الناس اعتراها وصرخت لمولاها خصوصاً مما انتابها من خيول الأعراب الذين نشروا العطب والشر. . . وبهمة هذا الوزير حييت، وأعاد لها النظام وقهر أهل البغي والعتو. فمآثره هذه تستحق التدوين. وأقتضي تتبع مناقبه بصحة نقل حتى أخلاقه ومنشأه وسبب تسنمه منصب الوزارة فنظمت (ألف بيت) وسميتها: (قويم الفرج بعد الشدة لبغداد)، ولم أنقل أي خبر إلا على وجه الصحة من حسن بين وجميل
стр. 5136
صنع، ورفع بدع، وإزالة جور، وببان شجاعة فيه. . . فذكرته ليقرأ كل يوم فيكرر ذكره ويكون باعث الخير ومذكراً به، ولينطق بالدعاء له من قرأه. .) اهـ.
والظاهر من مطالعة هذا الكتاب وعدد أبياته أنه كان ختمه في ما يزيد على الألف بقليل ثم أضاف إليه مقداراً وافراً حتى بلغت أبياته ما ذكر في أول البحث.
مقابلات مجملة بتواريخ عراقية
أن هذا الكتاب يمتاز بكثرة المادة والتوسع في الوقائع مع إيضاح الماضي والنظرات العامة وتنوع الفصول والتشريعات الوافية عن حالة العشائر وتدوين سجاياها وإيراد أسماء شيوخها بإسهاب فالفرق بينه وبين كلشن خلفاء أنه يفصل وكلشن يجمل وأن كان يرمي كل منهما إلى عين الغرض في التعليل وفي ترويج السياسة فكلاهما مشى على خطة واحدة كأن لا يوجد غيرها. وكانت السياسة محدودة طبعاً وكتوبة في الغالب لا يبوح بها عارفها إلا لمن أوتمن منه أو نال مركزاً رفيعاً فينجلي له الأمر بوضوح. . . وهكذا مشى على هذه السياسة صاحب الدوحة وصاحب مرآة الزوراء. .
أما حديقة الزوراء فكأنها مأخوذة منه عيناً وباختصار كبير لولا أنها تزيد أكثر فيما يولد شقة الخلاف بين الحكومة والعجم ويروج ذلك بين الأهلين بمقتضى حالة ذلك الزمن إلا أنها لم تشر إلى أنها أخذت منه. وعلى كل حال يصلح هذا التاريخ لتصحيح أعلام الحديقة وتثبيتها وذكر ما أهملته ويفيد لإصلاح السهو والغلط فيها وهو أوسع منها بكثير. وكل ما يقال الآن أنها قصرت عنه باعاً وإطلاعاً. . .
ومن العجب أن لا يطلع صاحب الدوحة على هذا التاريخ فلم يتعرض لذكره وأن كان أشار إلى أنه كتبت في مناقب بعض الوزراء كتباً ورسائل كثيرة والظاهر أن صاحب كلشن أيضاً لم يطلع عليه ولو كان ذاك لناقشه في مواضعه أو أنه أجمل ما بسطه بمقتضى أسلوبه والخطة التي مشى عليها وأنه شاهد حوادث ذلك أساساً فلم يجد معارضة منه ليقارعه ولا رأى ضرورة للنقل عنه وأن كان بدأ بتاريخه قبل صاحب قويم. . .
ولا يعاب إلا من جهة أنه كتب في اللغة التركية وأنه منظوم، وهذا يدل
стр. 5137
على مقدرة أدبية ومهارة وتسلط على الموضوع وله نظاهر في كتب المناقب إلا أن دائرة الشعر ضيقة ومركبة صعب. . . وعلى الرغم من ذلك كله لا نستغني عن مثل هذا التاريخ لتوضيح أحوال المحيط فهو درة ثمينة بل جوهرة مصونة سمح الزمان بها فظهرت للوجود بعد الإهمال والنسيان. . . فهي أحب إلينا من حمر النعم.،!
مواضيعه
إن هذا التاريخ مواضيعه متعددة وكثيرة جداً وبعضها متكرر العنوان نظراً لتكرار الوقائع.
قدم عليه مقدمات متوالية ثم ذكر له المواضيع التالية:
(وقائع بغداد، سبب اختلال دار السلام، أحوال خطة بغداد، عشائر العربان، آل غرير وغزوهم، سفر بني لام ووقائع أخرى معهم، الخزاعل، شمر، غزية (حوادث عنهم)، بنو حمد وشيخهم، جموع زبيد وغزوات لهم، مانع المنتفقي، ضبطه البصرة، خان الحويزة، مغامس وحروب أخرى له، حروب البلباس، وغير ذلك من فصول عديدة) اهـ.
إهداء الكتاب
بعد أن أتمه مؤلفه ودعا بالخير للوزير وابنه أحمد بك (لم يكن آنئذ باشا) قدمه للوزير وأهداه له بهذين للبيتين:
أهداي حضور أصفي أولمق ايجون ... نظم أو لدى بو آثار حقيقت أنشا
بوبنده كبي قصوري جوقدر كرجه ... عفو أيله قبو لين أيلوم أستدعا
هذا ولا أطيل القول بذكر بعض فصول الكتاب خشية الإملال فاكتفي بهذا والله أعلم.
(لغة العرب) صديقنا الوفي الأستاذ المحامي عباس أفندي العزاوي هو أول من نشر ترجمة ليوسف عزيز المولوي، بيد أنه لم يتمكن من أن يعرف بوجه أكيد يوم ولادته ولا يوم وفاته فأن كان أحد من القراء يستطيع أن يذكر لنا هذين اليومين الأول والآخر من حياة المؤرخ العراقي فأنه يكسب شكر جميع الناطقين بالضاد ولا سيما العراقيون منهم ولعل بين الأدباء غير العراقيين من له وقوف تام على مشاهير هذه الديار وتراجم أصحابها فيأتينا بالخبر اليقين.
стр. 5138
القرب في اللغة
قربة (بالكسر) - وقرب منه وإليه - قرباً (بالضم) وقرباناً، دنا. وكذلك أرن (بالفتح) زيد أرونا إذا دنا للحج، وأزف الترحل (بكسر ففتح) - أزفاً (بالتحريك) وأزوفاً يقال ساءني أزوف رحيلهم، وتأزف القوم: تداني بعضهم من بعض - والرجل: تقارب خطوة، وأزيت الشمس تأزي (بكسرتين) أزياً: دنت للمغيب وتآزى القوم: تدانوا في الجلوس خاصة، وأفد يافد (بكسر ففتح) الترحل: أزف ومثله استأفد وأني الشيء يأني آنياً (بكسر ففتح) وأني (بكسر) فهو أني. حان وأدرك وخص بعضهم به النبات وفي حديث الهجرة: (هل أني الرحيل) (أي حان وقته)، وآن يئين أينك أو أنك أي حان حينك ومثله آن أونك، وبلغ المكان: قرب منه، وأجحف به، قاربه ودنا منه ولم يخالطه، وجم الأمر (بفتح وكسر أو ضم جماً: دنا وجم قدوم فلان: حان وكذا أجمت الحاجة وجم الفراق: أزف وحضر، وجهن (بفتح وضم) جهوناً وحبج (بفتح وكسر) حبجاً واحبج الشيء وحبا يحبو حبواً، فهو حاب يقال: حبا الخمسين ولها أي دنا منها، وحرقص في الخطى أو الكلام: قارب: وحافزه: داناه، وحلق الإناء من الشراب: قارب الملء أي امتلاء إلا قليلاً كأن ما فيه من الماء انتهى إلى حلقة، وأحم قدوم المسافر: دنا - والحاجة: قربت وأهمت - والأمر: حان وقته قالت الكلابية: أحم رحيلنا فنحن سائرون غداً، وحام (بتشديد الميم) الشيء محامة: قاربه. قال لبيد بن ربيعة.
لتذودهن وأيقنت أن لم تذد ... أن قد أحم من الحتوم حمامها
стр. 5139
وحان حينه يحبن حبناً وحينونة: قرب وقته قالت بثينة صاحبة جميل:
وأن سلوى عن جميل لساعة ... من الدهر ما حانت ولا حان حينها
وحان أن يفعل كذا: آن أن يفعله - والسنبل: يبس فآن حصاده - والصلاة: دنت، وأحينت الإبل: حان لها أن تحلب - وحان لها أن يعكم عليها - والقوم حان لهم أن يبلغوا ما أملوه، وحياً (بتشديد الياء) الشيخ الثمانين من عمره: دنا منها، وخنق زيد الأربعين تخنيقاً: كاد يبلغها، ودنف الأمر (بكسر ففتح) دنفاً: دنا - والشمس دنت من الغروب - والمريض: ثقل وأشفى على الموت. ومثله أدنفت الشمس، ودنا منه وإليه وله يدنو دناوة دونواً: قرب فهو
دان (ج) دناة وهي دانية (ج) دوان قال المهلهل:
ولقد مضى عنها أبن حية مدبراً ... تحت العجاجة والحتوف دوان
وقال الحريري:
فدنت فديت وحنت وحيت ... مغضباً مغضباً يود يود
وداني الأمر: قاربه، وتداني القوم: دنا بعضهم من بعض، وأدنى (من باب الافتعال) أدناه: اقترب قال المتنبئ:
وكأنه غرته عينة فأدنى ... لا يبصر الخطب الجليل جليلاً
وقال عنترة:
وما دانيت شخص الموت إَّلا ... كما يدنو الشجاع من الجبان
وأرب منه: دنا ومثله رزف الأمر (بفتح وكسر) رزيفاً، وأركب المهر: حان له أن يركب، وأرمأ إليه أرماء: دناء وكذا رهق شخوص فلان رهقاً (بكسر ففتح) - وفلاناً دنا منه سواء أخذه أم لم يأخذه وراهاة مراهاة: قاربه واجتمع معه، ورايف للظنة مرايفة: قارفها وطنف لها، وزحب إليه (بفتحتين) - زحباً: دنا، وزحك منه (بفتحتين) زحكا، وزاحم الستين، وزرف إليه (بفتح وضم) زروفاً وزريفاً، وزاكنه يقال هذا جيش يزاكن ألفاً أي يقاربه. وبنو فلان يزاكنون أولئك القوم أي يدانونهم ويجالسونهم، وزنأ الظل: دنا بعضه من بعض - وغليه يزنأ زنأ وزنوءاً: لجأ ودنا، وزاهمة في البيع والشراء وفي السير وغير ذلك: قاربه، وانزوى القوم بعضهم إلى بعض: تدانوا وتضاموا
стр. 5140
وأسعف الشيء: دنا - والحاجة: حانت و - بالرجل: دنا منه - والدار بفلان: أصبت، وأسف الأمر إسفافاً: قاربه - والسحابة: دنت من الأرض - والطائر دنا من الأرض في طيرانه حتى كادت رجلاه تصيبانها يقال الطائر يسف: إذا طار على وجه الأرض، وسقبت الدار سقوباً (بكسر ففتح) واسقبت أي قربت وتساقبت الأبيات: تقاربت: وسند الرجل للخمسين (كنصر) قاربها، وساف السائفة سوفاً: دنا منها، وشرع زيد علينا (كفتح) دنا وأشرف، وشارف الشيء واشرف عليه: دنا منه، وشفر الرجل على الأمر تشفيراً، أشفى - والشمس كادت تغيب، وشافه البلد: داناه، وأشفى عليه: اشرف ومنه أشفى المريض على الموت، واشمت الريح النقا إشماماً: دنت منه، وأشاف عليه مثل أشفى عليه أو هو مقلوبة، وصقبت الدار تصقب
- صقباً (بكسر ففتح) مثل سقبت، واصقب فلاناً الصيد: دنا منه وأمكنه رمية، واصقبت الدار: قربت، وصاقبة: قاربة، واصهر الجيش للجيش: دنا بعضه من بعض، ويقولون فلان على صير من الأمر: إذا كان على أشراف من قضائه تقول للرجل: ما صنعت في حاجتك؟. فيقول أنا على صير من قضائها أي على أشراف منه واضب على المطلوب أضباباً: اشرف أن يظفر به وكذا أضبى عليه أضباء، وضارح فلاناً: قاربه وقابله، واضر السحاب من الأرض أضراراً: دنا ويقال أضرني إذا دنا مني دنواً شديداً وفي الأساس: اضربه: دنا منه دنواً شديداً ولصق به وضرع السبع من الشيء ضروعاً (بفتح فضم): دنا منه - والشمس دنت للمغيب ومثله ضرعت الشمس تضريعاً وضارعت مضارعة، وأضاف عليه: اشرف وطف منه طفاً (بفتح فكسر): دنا. تقول: خذ ما طف لك أي ما ارتفع لك وأمكن ودناً منك، وطففت الشمس تطفيفاً: دنت للغروب، وأطف عليه أطفافاً: طف. ومثله استطف. وأطلع على الشيء إطلاعاً واستطل عليه استطلالاً وأطل عليه أطلالاً، تطنفت إليه تطنفاً تقول ما تطنفت نفسي إلى هذا أي ما أشفت، وطنف للأمر تطنيفاً قارفه. وطار به يطور طوراً وطورناً: قربة يقال: أبا لا أطور بفلان أي لا أحوم حوله ولا أدنو منه قال أبو الحسن علي بن محمد:
ما بال قبرك لا يثني به أحد ... ولا يطور به من بينهم رجل
стр. 5141
واعترس السير: دنا - وفلان السير: دنا مسيرة وغارقه كذا: داناه وشارفة تقول غارقتني المنية، وغازل فلان الأربعين: دنا منها، وفاتك الأمر: داناة، وأفصل المولود: حان له أن يفعل أي يفطم ومثله أفطم وقحم إليه: دنا، وقدعت لي الخمسون (بكسر ففتح): دنت مني، وكذا أقرأ أمره إقراء. واقرب المهر والفصيل: دنا للإثناء وتقارب الزرع: دنا أدراكه، واقترب الوعد: قرب، وقرف فلان المرض قرفاً (بكسر ففتح): داناه يقال أخشى عليك القرف (بالتحريك) وكذا قارفه مقارفة - والجرب البعير: داناه شيء منه. وأقرف له: داناه وخالطه - والرجل وغيره: دانى الهجنة تقول أقرف الهجنة إذا قاربها، وقارب يقول قوباً: (كنصر) قرب، وكثب الصيد فلاناً (بفتح: فضم): قرب منه وأمكنه من كاثبته يقال كشبك الصيد فارمه: ومكاثبهم مكاثبة: دنا منهم ومثله أكثب الرجل والأمر وغليه وله ومنه إكثاباً تقول أكثب إلى الجبل، وأكثبك الصيد فارمه، وكذا اكثف منه، وأكثم الصيد فلاناً، وكاثمه
مكاثمة: قاربه وخالطه، وكرب الشيء كروباً: دنا - والشمس دنت للغروب - وحياة النار: قرب انطفاؤها، وكاربه مكاربة وكراباً: قاربه، وأكرب المر: أشتد قربه وكاد يقع - والإناء: قارب ملأه، وكنع الأمر كمنع: قرب ومثله أكنع أو الاكناع دنو ذلة، وقد امتنع فلان مني أي دنا مني، ولحم رجل من العدو: قرب منه حتى لصق به، ولطف الشيء (بفتح فضم): دنا وألم الغلام إلماماً: قارب البلوغ - والنخلة قاربت الأرطاب - والشيء: قرب وربما استعملت منه أفعال المقاربة بمعنى كاد يقال ألم يفعل كذا أي كاد، ومنح الخميس: قاربها وكذا متخ الخميس وأنجد زيد: قرب من أهله، وتناصى الطلح والسيال: تقرباً وتقابلاً حتى يعلق هذا بهذا عند هبوب الريح، وناظر الجيش ألفاً:
стр. 5142
قاربه وكذا ناغاه مناغاة هذا الجبل يناغي السماء أي يدانيها لطوله، ونكظ الرحيل (بكسر ففتح): أفد، ونهدت القرية (بفتحين أو بفتح فضم): قربت من الامتلاء، ونهز الشيء (بفتحين): قرب - والطفل للفطام -: قرب وناهزه ومناهزة: داناه يقال ناهز الصبي البلوغ، وناهز الرجل الخمسين، وناهز المولود للفطام، وأنهضت القربة: دنت من ملئها، ويقال نال له أن يفعل كذا أي حان، وهدف للخمسين: قاربها وكذا أهدف لها - ومنه: دنا. ويقال أهدف لك الصيد فارمه، مثل قولهم: أكثب لك وأغرض لك. ووحف منه يحف وحفاً وودق إلى الشيء يدق ودقاً وودوقاً. ومنه (مارسنا بني فلان) فما ودقوا لنا بشيء أي ما قربوا لنا شيئاً من مأكول ولا مشروب، وتوازف القوم: دنا بعضهم من بعض، وأوفد عليه: أشرف. وكذا أوفى عليه. وواقع الأمور: داناها، ووهف فلان بهف وهفاً ووهيفاً: دنا - والشيء إلى كذا: طف ومثل أوهف الشيء إلى كذا وولاه يليه ولياً: دنا منه تقول: جلست مما يليه أي يقاربه.
قرب الولادة
أقربت الحامل: دنا دنا ولادها فهي مقرب: وكذلك أونت الأتان تأويناً وأتمت المرأة إتماماً فهي متم هو كذلك الناقة، وأجحت السبعة والكلبة: إذا حملت فأقربت وعظم بطنها، وأدنت الفرس: دنا نتاجها فهي مدن، وربت الشاه قرب (بالضم) رباباً (بالكسر): قرب عهد ولادتها. وكذا أرجأت الحامل وأرجت المرأة فهي مرج ومرجية. وزهيت الشاة إذا اضرعت ودنا ولادها، وأشهرت المرأة دخلت شهر وصليت الناقة تصلي صلى: وقع ولدها في صلاها - واسترخى صلاها لقرب نتاجها. وأفكت وتفككت: أقربت فاسترخى صلواها
وعظم ضرعها. ومحمحت المرأة: دنا وضعها. وكلك أمنحت الناقة فهي ممنح وانتجت الفرس وذات الحافر: استبان حملها وحان نتاجها فهي نتوج على خلاف القياس، وشككت الأنثى كعلمت: أقربت فاسترخى صلواها وعظم ضرعها مثل تفككت. وتهجهجت الناقة، واوكفت المرأة وأولدت.
والمقرب ج مقارب ومقارب وعشار ملابئ دنا: نتاجها وقد ذانبت الفرس
стр. 5143
مذابنة إذا وقع ولدها القحقح ودنا خروج السقي. وراخت المرأة: أقربت وأصلت الفرس استرخي صلواها لقرب نتاجها.
قرب النسب
اشتبكت بينهم الأرحام: توشجت ولحت القرابة - لحاً: لصقت. تقول هو أبن عمي لحاً (بالفتح) أي لاصق النسب. وهو أبن عم لح وكذلك المؤنث والاثنان والجمع فأن لم يكن لحاً وكان رجلاً من العشيرة قلت هو أبن عم الكلالة ومست بك رحم فلان: إذا كانت بينكما قرابة قريبة، ووشجت بك قرابته تشج وشجاً: اشتبكت، ووشج الله قرابته بكم توشيجاً: شبكها. والواشجة الرحم المشتبكة المتصلة. والشيج اشتباك القرابة، ورحم وشيجة: مشتبكة متصلة، وتقول هو ابن عم دنيا أي هو أبن عم لحاً. والأدنون: أقرب العشرية نسباً. يقال هم أدانيه وعشيرته الإدنون وهو أبن عمي، قصرة وقصرة (بالفتح وبالضم) أي دنية ورجل قعيد النسب أي قريب الآباء من الجد الأكبر ومثله الأقعد النسب. تقول أنت أقعد منه نسباً أي أقرب إلى الأب الأكبر، وكذلك القعدد والقعدود وهو كبرتهم (بالكسر) أي أقعدهم في النسب وأقربهم. وكذلك هو كبرهم (كعتل) وكبرتهم (كعفرة) وأكبرتهم (بكسر الهمزة والباء وفتح المشدودة - يستوي فيه الواحد والجمع والمؤنث)، وآلة فلان (كعدة): الذين يأل إليهم وهم أهلة دنيا هؤلاء التك، وعبارة الأزهري: آلة الرجل أهل بيته الذين يأل إليهم وهم أهله دنيا يقال هؤلاء التك، وعبارة الأزهري: آلة الرجل أهل بيته الذين يأل إليهم واصله وئلة.
قرب السفر
طيسل الرجل: سافر قريباً فكثر ماله.
والزحفة: الراحل إلى قرب ولا يسيح في البلاد، والسرية، السفر القريب والضافط المسافر لا يبعد السفر، وسفر قاصد: سهل قريب.
تقريب
تبلصق الرجل: تقرب من الناس، وتدنى تدنياً: دنا قليلاً يقال بعيد
стр. 5144
يتدنى خير من قريب يتبعد، وزلف (كنصر) زلفاً (بالفتح) وزليفاً وزلفاً. (بالتحريك) تقرب وتقدم. ومثله تزلف وأزدلف، وتضرع منه: تقرب في ورغان، وأكرب: تقرب. ووسل إلى الله يسل وسيلة: رغب وتقرب فهو واسل ومثله وسل إلى الله بوسيلة وتوسل أي عمل عملاً تقرب به إليه تعالى ويقال توسل إلى فلان بكذا أي قرب تقرب إليه بحرمة أصره تعطفه عليه.
التقريب
قربه تقريباً أدناه، ومثله قاربه مقاربة، يقال قارب الفرس الخطو أي أدناه وأقرب المستقي الإناء: قربه للامتلاء ودرج فلاناً تدريجاً إلى كذا: أدناه منه على التدرج. واستدرج الشيء إلى الشيء: أدناه منه، وأدنف الشيء: أدناه ودانى بين الأمرين: قارب) ودناه تدنية: قربه. وكذا أدنى الشيء إليه. ورفأ السفينة: أدناها من الجد أي الشط. ومثله أرفاها - والشيء إليه: قربه، وكذا أزلف الشيء. وازدلف فرناً: أدناه إلى هلكة، وأزهف إليه الطعنة أزهافاً: أدناهاً واسقبه أسقاباً: قربه، ومشافهة فلاناً مشافهة: أدنى شفته إلى شفته - والبلد: داناه واصقبه أصقاباً: قربه، وطوى الله البعد لنا: قربه يقال كان الأرض تطوى له، وقتر المتاع وغيره تقتيراً: أدنى بعضه إلى بعض - وبين الأشياء: قارب وقدمه إلى الحائط تقديماً: قربه وقطر الإبل (كنصر) قطراً: قرب بعضها إلى بعض على نسق، يقال قطر البعير إلى البعير، وقفص الشيء (ككسر) - قرب بعضه من بعض، وقمط الإبل (كنصر): قطرها وأكنع الإبل اكناعاً: أدناها ولاهاه ملاهاة: قاربه - والشيء: داناه، وورى الأمر يدي ودياً: فربه ووطوط فلان: قارب كلامه.
(لها بقية)
النبك (سورية): سالم خليل رزق
(لغة العرب) أحسن حضرة الأستاذ اللغوي في تخليه عن الاستشهاد بالمعاجم اللغوية
الحديثة وبأبيات الشعراء المعاصرين لأن هذا كله لا يفيد إثبات كلام الناطقين بالضاد من الأقدمين. على أن هناك أمراً هو أنه لم يجمع كل ما جاء في الأبواب التي تعرض لذكرها، إنما اكتفى بما هو مستفيض منها في الكلام. فوجب التنبيه عليه.
стр. 5145
لواء أربل
نظرة عامة
تقع أراضي هذا اللواء في سهل واسع منحصر بين وادي الزابين (الزاب الكبير والزاب الصغير) ويحده من الشمال: تركية ومن الجنوب لواء السليمانية وكركوك ومن الشرق بلاد إيران. وشيء من لواء السليمانية، ومن الغرب لواء الموصل.
وتنمو فيه أفخر الحبوب، واحسن الفواكه، وكثيراً ما يصدر كميات كبيرة من هذه الحبوب، والأثمار، إلى سائر الألوية:
ومعظم أهاليه كرد، بينهم من ينتمي إلى عشيرة (بالك) الراوندوزية الأصل، وبينهم من ينتمي إلى عشيرة الجاف المبثوثة في لواء كركوك ولواء السليمانية، وبينهم من عشائر سورجي، وكردي، وماموندي، وهركي، وده زي، وفيه من العشائر العربية طئ والجبور وغيرها.
وتقدر نفوس اللواء ب (١٠٢. ٤٩٣) نسمة.
نبذة تاريخية عن مركز اللواء
مركزاً لواء أربل، مدينة أربل (بالكسر ثم السكون وباء موحدة مكسورة تليها لأم) الواغلة في القدم، ويكتبها ويلفظها بعضهم خطأ (أربيل أو أرويل) وهي من أمهات المدن العراقية، أن في الماضي وأن في الحاضر، وهي بؤرة التجارة في كردستان العراقية، ومحط رجالها، وتقدر نفوسها ب ١٣. ٤٠٠ نسمة جلهم من الكرد.
وتنقسم من حيث العمران إلى قسمين يقال لأحدهما (القلعة) وهو ما كان منها مبنياً على الهضاب، والثاني (السهل) وهو ما كان بخلاف ذلك على حد ما تنقسم إليه مدينة كركوك.
أما قسم القلعة ففيه بيوت الشرفاء. ومضايف الأغوات ومساكن الموظفين الكبار، وجامع كبير، تقام فيه الصلاة، وبيوت كثيرة لا بأس بعمرانها.
стр. 5146
وأما قسم السهل ففيه أسواق البلد وقيسارياته، ودور الأهلين على الإطلاق وصرح الحكومة الفخم، ومركز الشرطة، وفندق بديع شيد في الآونة الأخيرة. ومستشفى جميل، ومدرسة أميرية بديعة المنظر، ودائرة
للبرق والبريد حسنة العمران، وأخرى للبلدية. وقسم القلعة يعلو قسم السهل بنحو ٣٥ متراً وليس له سوى مرتقيين وفي نهاية كل منهما باب، إذا أوصد استقلت القلعة بمن فيها. وفي نهاية أحدهما. برج عظيم، يدل منظره على أنه كان حصناً للقلعة. وفي ربض السهل، مدينة كبيرة طويلة يحاذيها شارع عام فسيح مبلط وتخترقها أسواق متداخلة، وقيساريات لطيفة، ومقاة كثيرة ولغة الأهلين التركية والكردية على الإطلاق، وبعضهم يحسن التكلم باللغة العربية فيتفاهم بها مع الغرباء.
وقد كانت (اربل) في جميع الأدوار التي مرت عليها، ميداناً لحروب عديدة بين مختلف الأمم، وقد دخلها التتر عام ٦٢٨ هـ فنهبوا بيوتها وخربوا قراها، وقتلوا من ظفروا به من أهلها، فبرز لمحاربتهم، (مظفر الدين كوكبري بن زين الدين كوجك علي) فوجدهم قد رحلوا عنها، فأقام فيها زمناً طويلاً، جدد في خلاله عمارتها، وأقام فيها الأسواق الخالدة، والدور الفاخرة والجنان الغن وصارت له هيبة وقاوم الملوك ونابذهم، حتى هابوه فحفظت بذلك المدينة من شرور الطامعين فيها وقصدها الغرباء. وقطنها كثير منهم حتى صارت مصراً كبيراً. والظاهر أن أكبر حرب حدثت فيها كانت الواقعة التي جرت بين الإسكندر الكبير ودارا مالك الفرس عام ٢٣١ ق. م في سهل جوجماليس المعروف اليوم بكرمليس ونواحيها حيث فر ملك الفرس هارباً فاعترضته بسس أحد قواد الإسكندر وقتله فعرفت الحادثة بواقعة أربل وكانت يومئذ من مدن أشور المشهورة.
ومع سعة هذه المدينة، وأهميتها التجارية وعظمة ثروة أشرافها، فبنيانها وطباعها أشبه بالقرى منها بالمدن واكثر أهلها كرد أستعرب بعضهم وبقي الآخر محافظاً على عنصره ولغته. وجميع سكان رساتيقها وفلاحيها، وما يضاف إليهم كرد، وليس حول المدينة بستان، ولا فيها نهر جار على وجه الأرض، واكثر زروعها وأهلها على الكهاريز المستنبطة تحت الأرض. ومياه هذه الكهاريز عذبة طيبة لا فرق بينها وبين ماء دجلة في العذوبة والخفة ويبلغ عدد الكهاريز فيها
стр. 5147
نحو ٣٥٠.
وتجلب إلى أربل الفواكه من الجبال من الجبال والقرى المجاورة لها، ويأتيها العنب الفاخر من قرية شقلاوة التي تبعد عنها ٣٠ ميلاً ومن سائر القرى، والمدينة تبعد عن الجنوب الشرقي لمدينة الموصل ٤٠ ميلاً، والطريق بينها وبين الحدباء اليوم معبدة وصالحة لسير
السيارات فيها.
وينسب إليها جماعة من أهل الفضل والورع والتقى منهم: أبو البركات شرف الدين بن أبي الفتح أحمد الأربلي المعروف بابن المستوفي وعيل بن عيسى الأربلي وأبو أحمد القاسم بن المظفر الشهرزوري الأربلي وغيرهم ممن لا تحضرنا أسماؤهم.
وقلعة اربل شبيهة بقلعة حلب إلا أنها أكبر وأوسع رفعة، وقد مدحها كثيراً ثم هجاها طويلاً نوشروان البغدادي الضرير المعروف بشيطان العراق وليس هنا موضع الاستشهاد بشعره وبالقرب منها منارة قديمة مقطوعة الرأس.
تنظيمات اللواء الإدارية
يتقوم لواء أربل من أربعة اقضية، تتبعها تسع نواح، ومن ناحيتين ملحقتين بمركز اللواء رأساً. أما اقضيته فهي مخمور، وكوي سنجق، ورانية وراوندوز. وأما الناحيتان الملحقتان بمركز اللواء فهما: شقلاوة، وقوش تبه والناحية الأولى من أجمل وإبدع النواحي المشهورة في العراق، ومركزها: قرية شقلاوة الجبلية الجميلة، وهي تبعد عن شمالي اربل ٣٠ ميلاً، وقد عبدت الحكومة الطريق بينها وبين مركز اللواء، والهمة مبذولة اليوم لإنشاء فندق فيها، فإذا تم فستكون أهم مصيف في ديارنا وربما يغني العراقيين عن الاصطياف في ربوع لبنان ومجاهل إيران.
أما الناحية الثانية (أي ناحية قوش تبه) فولقعة في سهل اربل وتبعد عنة جنوبي مركز اللواء ١٤ ميلاً. وتقطن في الناحية الأولى عشيرة (خوشناو) أما الثانية فتقطن فيها عشيرة ديزي (ده زي) وكلتا العشيرتين من أمهات العشائر الكردية القاطنة في شمال العراق.
стр. 5148
١ - قضاء مخمور
تنحصر أراضي هذا القضاء بين الجهة الجنوبية الشرقية لرمز اللواء وسلسلة قره جوق، ومركز قرية مخمور التي تنتهي عندها حدود اللواء بوادي دجلة وتبعد عن الغرب الجنوبي لأربل زهاء ٤٨ ميلاً. وعمارتها متوسطة وفيها بعض البيوت اللطيفة التي شيدت في زمن الترك لإدارة أملاك السنية.
وتتبع القضاء ثلاث نواح، هي: مخمور والكوير (بالتصغير والكاف الفارسية) وكنديناوة.
فالناحية الأولى داخلية، والثانية مركزها قرية الكوير الواقعة على العدوة اليسرى من الزاب الكبير، في موضع يبعد عن مخمور ٢٤ ميلاً وعن أربل ٣٦ ميلاً وهي مجموعة بيوت من لبن وأكواخ للفلاحين مع صرح للحكومة ومركز للشرطة لا بأس بعمارتيهما. أما ناحية كنديناوة، فأراضيها محصورة بين وادي الزاب الصغير ودجلة، وهي مشهورة بخصب التربة وطلاقة الهواء، ويبعد مركز الناحية عن مركز القضاء ١٩ ميلاً.
٢ - قضاء كوي سنجق
كوي سنجق، بلدة قديمة مبنية على سفح جبل السلطان أيوب، (ويقال لهذا الجبل هيبت سلطان) يمر بها نهر صغير غزير الماء، وفيها عمارات فاخرة ومساكن، وبساتين كثيرة، ومياه معدنية، يستفيد منها الأهلون كثيراً وسكانها كرد، بينهم طائفة من النصارى، وأخرى من اليهود ومهنة أهلها الزراعة وغرس الكروم. وأراضي هذا القضاء جبلية بشجر البلوط، والجوز وأهم حاصلاته التبغ، والحبوب. وحدائقه وبساتينه مشهورة بجودة الأثمار ولا سيما العنب لذ ينقل إلى أسواق المدن الأخرى ليباع فيها. وقد أحصت الحكومة نفوس القضاء في عام ١٩٢٩ فكانوا (١٩. ٧٩٨) نسمة عدا العشائر التابعة له. ونبعد قصبة (كوي سنجق) عن شرقي أربل ٥٠ ميلاً، وهي مركز القضاء المذكور، وإذا نظرت إليها عن بعد بانت لك جميلة جداً، ولا سيما في أيام الربيع، حين تكسو الخضرة تلك الأطراف الشاسعة: وتشرق الشمس على جبل السلطان أيوب، فتجعل للثلوج المتراكمة فوق قممه منظراً خلاباً ومشهداً بديعاً يأخذ بمجامع القلوب.
стр. 5149
للقضاء ناحيتان: الأولى داخلية، وتسمى ناحية كوي سنجق، والثانية يقال لها (طاق طاق) وهي واقعة على الساحل اليمن لوادي الزاب الصغير، وتبعد عن جنوبي مركز القضاء ١٧ ميلاً. ونظراً لوقوع مركز الناحية (أي قرية طاق طاق) في طريق كوي سنجق إلى كركوك، وحيث أنها الممر الوحيد لهذا الطريق، فقد أصبحت لها أهمية عظيمة، ولا سيما في نظر الحكومة، ولهذا ترى فيها الآن بناية فخمة للشرطة. والطريق بين كوي سنجق وأربل معبد وصالح للسير وأن كان وعراً في حد نفسه.
٣ - قضاء رانية
تقع قرية رانية، التي هي مركز هذا القضاء في سهل (بتوين) وتبعد عن شرقي مركز اللواء ٦٧ ميلاً، وهواؤها رديء جداً لكثرة ما يحيط بها من المستنقعات ومزارع الأرز. وماؤها كدر غير صالح للشرب ولولا الهمة التي تبذل لجلب الماء إليها من جهات بعيدة لما استطاع الناس أن يسكنوا فيها.
وهذه القرية خطيرة بموقعها الجغرافي فهي على الحدود الإيرانية العراقية. والطريق إليها غير سهل وأن كان بعضه معبداً وقد أحصت الحكومة نفوس القضاء في الآونة الأخيرة فكانوا (٩١٣٧) نسمة. هذا عدا العشائر الساكنة في القرى الكثيرة. المبثوثة في أطراف القضاء.
لقضاء رانية ناحيتان هما جنازان (بالجيم الفارسية المثلثة أي وناودشت ومركز الأولى قرية (جناران) الواقعة في غربي مركز القضاء وعلى بعد زهاء ٢٣ ميلاً عنه، وهي متوسطة العمران كشأن بقية القرى. وأما ناحية ناودشت، فمركزها قرية سنك - الواقعة على وادي الزاب الصغير في مضيق رانية، وتبعد مركز القضاء ما يقارب تسعة أميال.
قضاء رواندوز
أحصت الحكومة نفوس هذا القضاء في عام ١٩٢٩ فكانت - عدا العشائر القاطنة في أطرافه - (١٣. ٤٦٩) نسمة.
والقضاء جبلي، وطرقه وعرة جداً وقد بذلت وزارة الأشغال العراقية جهوداً صادقة لتسهيل السير فيه. فلم تفلح ولهذا لا تصل السيارات في الوقت الحاضر
стр. 5150
إلى مركز القضاء.
مركز قصبة رواندوز وهي لطيفة ومنظرها جميل جداً لأن البيوت فيها مبنية الواحد فوق الآخر، وقد تهدم معظم عمارتها في الحرب الكونية حيث أشغلتها عدة قوى. احتلها الترك والروس والكرد واحتلها الإنكليز في آخر المر ثم انتقلت إلى الحكومة العراقية وهي في حالة يرثى لها. وتعد هذه القصبة مركزاً مهماً لتجارة الجبال، وهي الحد الفاصل بين العراق وتبعد عن شمالي مركز اللواء ٧٢ ميلاً.
فيها نهر يجري في واد عميق ملاصق لرابية مستطيلة وتجاورها بساتين وحدائق كثيرة وهواؤها عذب وشتاؤها قارس. ولغة أهلها الكردية إلا أن أعيانها وأشرافها يتكلمون
بالتركية.
للقضاء ثلاث نواح مهمة وهي دير حرير، وبالك، وبراودشت، ويدير هذه النواحي مديرون يراجعون القضاء في أشغالهم، وتبعد الناحية الأولى عن الجنوب الغربي لمركز القضاء ٥٤ ميلاً، وعن الشمال الغربي لمركز اللواء ٢٢ ميلاً.
أما الناحية الثانية (أي ناحية بالك فجبلية ومركزها قرية (كاتي رش) المتاخمة للحدود التركية والتي تبعد عن شرقي مركز القضاء ٣٢ ميلاً ونظراً لأهمية هذه القرية من وجهة الأمن العام، ولوقوعها على الحدود، شيدت الحكومة فيها صرحاً فخماً. وأما الناحية الثالثة فهي (براودشت) ومركزها قرية (باتاس) التي تبعد عن جنوبي مركز القضاء ٢٢ ميلاً وهي لا تختلف عن بقية القرى من حيث النظافة وطرز البناء.
مياه اللواء
ليس في اللواء أنهار عظيمة غير الزاب الكبير الذي هو الحد الطبيعي الفاصل لواء أربل عن لواء الموصل. إلا أن فيه أنهاراً صغيرة كثيرة تتفجر مياهها في الجبال التي تكثر في اللواء فتنشئ مجاري صغيرة بعضها في الأنهار العامة والبعض الآخر يجري إلى الكهاريز التي يأخذ منها الأهلون مياههم. والكهاريز آبار يتصل إحداها بالأخرى بمجرى تحت الأرض يستوعب عرضها رجلاً. وهذه الآبار محفورة تحت الأرض إلى عمق يتراوح بين الستين والثمانين قدماً
следующие страницы →