Полный текст (6 158 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
في السنة مائة ألف ألف وخمسين ألف ألف درهم مثاقيل. فحسنت أحوال الناس، ودعوا للملك بطول البقاء، لما نالهم من العدل والرفاهية.
وقد وقع اختلاف مفرط بين مساحة قباذ ومساحة عمر بن الخطاب رضه، ذكرته كما وجدته من غير أن أحقق العلة في هذا التفاوت الكبير: أمر عمر بن الخطاب رضه بمسح السواد الذي تقدم حده، لم يختلف صاحب هذه الرواية فيه، فكان بعد أن اخرج عنه الجبال والأدوية والأنهار ومواضع المدن والقرى ستة وثلاثين ألف ألف جريب، فوضع على جريب الحنطة أربعة دراهم، وعلى جريب الشعير درهمين، وعلى جريب النخل ثمانية دراهم، وعلى جريب الكرم والشجر ستة دراهم، وختم الجزية على ستمائة ألف إنسان، وجعلها طبقات: الطبقة العالية ثمانية وأربعون درهماً، والوسطى أربعة وعشرون درهماً، والسفلى اثنا عشر درهماً، فجبى السواد مائة ألف ألف وثمانية وعشرين ألف ألف درهم. . . وجباه زياد مائة ألف الف وخمسة وعشرين ألف ألف درهم وجباه ابنه عبيد الله اكثر منه بعشرة آلاف ألف درهم، ثم جباه الحجاج مع عسفه وظلمه وجبروته، ثمانية وعشرين الف ألف درهم فقط، واسلف الفلاحين للعمارة ألفى الف، فحصل له ستة عشر ألف الف. قال عمر بن عبد العزيز: وهاأنا قد رجع إلي على خرابه فجبته مائة ألف ألف وأربعة وعشرين ألف ألف درهم بالعدل والنصفة، وأن عشت له لأزيدن على جباية عمر بن
الخطاب رضه. وكان أهل السواد قد شكوا الحجاج خراب بلدهم، فمنعهم من ذبح البقر لتكثر العمارة، فقال شاعر:
شكونا إليه خراب السواد ... فحرم جهلاً لحوم البقر،
وقال عبد الرحمن بن جعفر بن سليمان: مال السواد ألف ألف ألف درهم، فما نقص مما في يد السلطان منه فهو في يد الرعية، وما نقص من يد الرعية فهو في بيت مال السلطان.
قيل أراد عمر قسمة السواد بين المسلمين فأمر أن يحصوا، فوجدوا الرجل يصيبه ثلاثة من الفلاحين، فشاور أصحاب رسول الله في ذلك فقال علي رضه: دعهم يكونوا مادة للمسلمين. فبعث عثمان بن حنيف الأنصاري فمسح
стр. 562
الأرض، ووضع الخراج، ووضع على رؤوسهم ما بين ثمانية وأربعين درهماً، وأربعة وعشرين درهماً، وأثنى عشر درهماً، وشرط عليهم ضيافة المسلمين وشيئاً من بر وعسل؛ ووجد السواد ستة وثلاثين ألف ألف جريب، فوضع على كل جريب درهماً وقفيزاً. قال أبو عبيد: بلغني أن ذلك القفيز كان مكوكا لهم يدعى السابرقان. وقال يحيى بن آدم وهو المحتوم الحجاجي: وقال محمد بن عبد الله الثقفي: وضع عمر رضه على كل جريب من السواد، عامراً كان أو غامراً، يبلغه الماء: درهما وقفيزاً، وعلى جريب الرطبة خمسة دراهم وخمسة اقفزة، وعلى جريب الكرم عشرة دراهم وعشرة اقفزة ولم يذكر النخل. وعلى رؤوس الرجال ثمانية وأربعين وأربعة وعشرين وأثنى عشر درهماً. وحتم عثمان بن حنيف على رقاب خمسمائة ألف وخمسين ألف علج لأخذ الجزية، وبلغ الخراج في ولايته مائة ألف ألف درهم. (اه عن ياقوت بتصرف قليل في العبارة) فيؤخذ مما تقدم أنه كان لكل رجل من المسلمين ثلاثة فلاحين من النصارى من باب التعديل المتوسط لا من باب الحقيقة. وعليه كان نصارى العراق الفلاحون في عهد علي ثلاثة أضعاف المسلمين، ماعدا من كان منهم في المدن الكبار كبغداد والموصل والبصرة. وكانت مساحة السواد ٣٦٠. ٠٠٠. ٠٠٠ جريب مزروع، والجريب يساوي اليوم ما يسميه الإفرنج بالهكتار فتكون إذاً مساحة الأراضي المزروعة يومئذ ٣٦٠. ٠٠٠. ٠٠٠ مترٍ مربعٍ فأين أولئك السكان من عدد سكان هذا اليوم؟ وأين تلك الارضين المزروعة وخراجها، وأراضي هذا العهد وخراجه؟ أعاد الله كل شيء إلى سابق مجده، وسامق عزه، بمنه وكرمه!
إبراهيم حلمي
من أسماء ابنة اليوم
ذكرنا أسماء بنات اليوم على اختلاف بعض ربوع العرب والأعراب. وقد ذكر لنا أستاذنا الكبير حضرة الشيخ العلامة والسيد السند محمود شكري أفندي الآلوسي: إن الفرس يسمون هذه الدودة التي تأتي بها السيول من جبال الثلج (زالو) بزاي فارسية. ثم قال: فلعل الكلمة المعهودة (أي
стр. 563
الجليلو) محرفة عنها، ومغيرة منها، فأن كثيراً من كلمات الفرس دخلت لغة بغداد وحرفت عن اصلها.
قلنا نحن: وكلمة (زالو) مختزلة عن (زلال) الفارسية القديمة. فإذا أملت ألفها قلت (زليل)، وهذه لا تبعد كثيراً عن جليلو، التي إذا كتبتها بالإمالة كانت جلالو. وأنت تعلم أن الزاي والجيم على أنواعهما كثيراً ما تتبادلان؛ ولا سيما، مبادلة الجيم والزاي الفارسية، مثل الجدوار واصلها زدوار. والجية، وفارسيتهازي. والازدهاق واصلها ازدهاك، وكلها بالزاي الفارسية، ومثلها كثير في اللغة.
وأما أن الزلال هو الزالو أو الجليلو فهذا واضح من نص اللغويين: قال في التاج: الزلال بالضم: حيوان صغير الجسم أبيضه، إذا مات جعل في الماء فيبرده؛ ومنه سمي الماء البارد زلالاً. قلنا: إن هذا التعليل غريب. والحق هو هذا: إن هذه الدويبة تكثر في أيام الربيع وفي البلاد الكثيرة الثلوج والمياه المتحللة منها. فيتولد فيها. فنسب بعضهم برودة الماء إلى وجوده. وإنما لبرودته سبب آخر وهو سقوط درجة الحرارة إلى ما تحت الصفر لا غير. وليس في الحشرة قوة لإنزال الحرارة إلى هذه الدرجة.
وقال فارس في معجمه الفارسي اللاتيني: زلال كلمة عربية فارسية، يراد بها دودة تنشأ في الثلج ثم تطير منه، وتكثر في الماء الصافي، فيسمى ذلك الماء (آب زلال) أي الماء الزلال. وهي لا تعيش كثيراً، وإذا ماتت ظهر فيها حركة كحركة المذبوح. قلت: وهذا الأمر الأخير هو مطابق للحقيقة لا شبهة فيه. وهذا مما يزيدنا يقيناً في رأينا وتمسكا به. والفضل في ذلك راجع إلى شيخنا الآلوسي.
وقال في (برهان قاطع) الزلال: دودة الثلج وهي تولد كل سنة عند تراكم الثلوج في الجبال الشاهقة؛ وهي دقيقة بيضاء مدورة الرأس وضعت في الماء بردته إلى الغاية وجعلته سائغاً
لذيذاً، ومنه الماء الزلال لذلك الماء.
والماء الزلال بالارمية (زليلا) وكذلك يقال له أيضاً بالعربية أي
стр. 564
وهو كقولك الماء الزلال. فاللغات كلها متفقة على وضع هذه الكلمة، أخذاً من مادة زلل.
ومن أسمائها أيضا على ما ذكره لنا أحد الأصدقاء: (الجلبة) بهاء وهي بلغة أهل الشرقية من أنحاء بغداد. ويسميها العرب القاطنون في غربي بغداد: (سليلبح)، بحركة السين المختلسة، وفتح اللام فتحاً فيه إمالة، وسكون الياء المثناة، وتحريك اللام الثانية بحركة مشتركة، وفتح الباء الموحدة التحتية، وبحآء مهملة في الآخر أي وبعض أهل بغداد من ساكني الأهوار والمجاورين لها، (والأهوار هي البطائح أو المستنقعات)، يسمونه (مغيزل داده) ولعلها تصحيف (مغيزل ذاته) وهي كثيرة في تلك الأهوار. وهذا ضبطها: بسكون الميم، وفتح الغين المعجمة فتحاً فيه إمالة، وسكون الياء التحتية المثناة، وتحريك الزاي بحركة مشتركة، وسكون اللام. وضبط داده كضبط غاية.
وفي الختام نشكر حضرتي الكاتبين الشهيرين، ونسدي آلاء الجميل والإحسان لكل من ينبهنا على كل هفوة أو زلة تقع منا لأن الكمال، لمن تنزه عن المثال، وهو وحده المتعال.
باب المشارفة والانتقاد
١ً. موليير مصر وما يقاسيه
(رواية تمثيلية هزلية، بقلم الشيخ يعقوب صنوع المشهور بأبي نظارة المصري، شاعر الملك، ومؤسس التياترات (المسارح) العربية في وادي النيل. طبعت في بيروت بالمطبعة الأدبية، سنة ١٩١٢، بقطع الثمن الصغير في ٤٠ صفحة حسنة الكاغد والطبع. وقد صدرت بصورة الفيكونت فيليب دى طرازى الذي أهديت إليه هذه الرواية، وختمت بصورة المؤلف.
هذه الرواية حسنة المغزى، وقد ألفها صاحبها بعبارة عامية مصرية، طلباً لإصلاح عوائد العوام، وإفهامهم فحواها بلسانهم. لكننا لا نرى من الصواب
стр. 565
أن تسجع عبارتها؛ وما أقبح السجع في هذا المقام. لا سيما لما ترى الكاتب يجد كل الجد وراء كلمة، ليقيمها بازاء أختها ويقابلها بها. ومما نأخذه على المؤلف أيضاً مزج الفصيح بالعامي. فكان عليه أما أن يجعل كلامه كله فصيحاً، وأما كله عامياً. أو أن يجعل أحد الممثلين مهذب العبارة، والآخر يعكسه، وأن يبقيهما بلهجتهما إلى آخر الرواية.
ومهما يكن من حلة الرواية، فإن حليتها قائمة بمحاسنها الداخلية، وهي حليتها الحقيقية. وكفاها حسناً!
٢ - فصل القضاء، في الفرق بين الضاد والظاء
(أثر أحمد عزت) مميز قلم تحريرات ولاية بغداد. حق الطبع محفوظ لصاحبه. طبعت في مطبعة الشابندر في بغداد سنة ١٣٢٨) في ١٨٦ صفحة من قطع الثمن الصغير.
كل من يطالع كتب العراقيين المطبوعة في بغداد، يتحقق أنهم كثيراً ما يغلطون في رسم الضاد والظاء. وهذه جرائدنا ومجلاتنا من اصدق الشواهد على ما نقول؛ وهذا الغلط قديم في العراق. وسببه أن أهل بغداد لا يميزون بين اللفظين، فهم يلفظون الضاد كما يلفظون الظاء وهو خطأ بين، بعكس أهل الموصل فإنهم يلفظون الظاء كالضاد. ولهذا أراد صاحب هذا الكتاب أن يجمع جميع الألفاظ الواردة في اللغة العربية بهذين الحرفين، وينقل معناها إلى اللغة التركية أو الفارسية، فأجاد في العمل. فالكتاب المذكور إذاً عبارة عن معجم في ثلاث لغات، نافع لجميع أهل العراق، فليحرصوا عليه. أما أغلاطه الطبعية فهي أكثر من
أن تحصى، ولهذا لا نتعرض لذكرها. ويكفيك علماً أن الكتاب طبع بمطبعة الشابندر التي لا تعني كل العناية بتصحيح مسودات الطبع على ما تنقح لها. فعساها أن تجد لها من يقوم بشؤونها أحسن القيام والله الموفق.
٣ - كتاب التوحيد
(للإمام جعفر الصادق عم وهو الذي أملاه على المفضل بن عمرو رحمه الله تعالى.
كمل طبعه في مطبعة النفاسة الكائنة في شارع أبي السعود نومرو ٥٥
стр. 566
بدار السعادة إسلامبول المحمية سنة ١٣٣٠ في ٨٢ صفحة بقطع الثمن الصغير وقيمة النسخة غرشان.
أهدانا حضرة السيد العلامة، أستاذنا الشيخ محمود شكري أفندي الآلوسي، كتابين: أولهما، هذا الذي ذكرنا اسمه والثاني الآتي ذكره. وهذا الكتاب من اجل الكتب الدالة على وحدانيته تعالى، متين العبارة، محكم الآراء، يجدر بأن يكون كتاباً، يصاحب كل امرئ في حله ورحيله. إلا أنه يؤخذ على طبعه أن الطابع جعل الفصول كلها متسقة، الكلمة بعد الكلمة، والسطر بعد السطر، حتى انك لتخال أن الكتاب كله عبارة واحدة، بحيث لا يجد فيه القارئ موطناً يريح فيه نظره أو يتنفس فيه الصعداء. وأما النقط والفواصل فلا اثر لها هناك.
وأما أغلاط الطبع، ففيه شيء غير يسير، من ذلك قوله: ص ٤٧ فوجدت شيئاً من الصنف الذي يسمى الحاذون فأكلته. والأصح: الحلزون. وقوله بعد ثلاثة اسطر: إنشاء الله. والأصح: إن شاء الله. وهذا الغلط فاشٍ أيضاً في مطبوعات بغداد. وقوله بعد سطر: تضاعف سروري بما عرفينه، مبتهجا بما منحينه، حامداً الله على ما أنينه. والأصح في كل ذلك: عرفنيه. . . منحنيه. . . آنانيه. إلى آخر ما هناك، فعسى أن تصلح هذه الأغلاط في طبعه ثانية.
٤ - استدراكات ابن الخشاب على مقامات الحريري وانتصار
علامة المقدس ابن بري لابن الحريري
طبعت في مطبعة (الشركة الطبعية) بالأستانة الكائنة في خان الوزير سنة ١٣٢٨. في ٩٤ ص من قطع الثمن الصغير، وثمنه قرشان.
كتاب جليل من اجل كتب الانتقاد اللغوي، لا يطالعه الكاتب إلا ويرجع مملوء الحقيبة علماً
وتحقيقاً. وقد صدر الكتاب بترجمة ابن الخشاب، ثم بترجمة ابن بري. ودونك مثالاً وجيزاً يطلعك على ما في هذا السفر الصغير من النفع الكبير. قال في ص ٥٦:
(وفيها (أي في المقامة الحادية والعشرين): (فاعتقبته أخطو متقاصراً، واريه لمحا باصراً.)
(قال ابن الخشاب):
هذا استعمال من لا يعلم حقيقة معنى قولهم: أراه لمحاً باصراً، لأن مراده
стр. 567
اتقاصر لئلا يراني في اتباعي إياه، وأتامله مع ذلك تأملا شديداً، كيلا يفوت بصري. وهذا المعنى لا يؤديه قوله: أريه لمحاً باصراً، لأن قولهم: أراه لمحاً باصراً، أي نظراً بتحديق شديد.
(قال ابن بري):
(كلام ابن الحريري صحيح، لأنه أراد أني أخطو خلفه متقاصراً، وأتبعه نظراً بتحديق، لئلا أضل عنه بتقاصر خطوي، فيفوتني. فالمتقاصر على هذا اشد تحديقا من غير المتقاصر.)
هذا شاهد وجيز العبارة أتينا به، ليطلع على هذا الكتيب النفيس، من لم يقع بيده ليقدره حق قدره. ويسعى في الحصول عليه.
باب التقريظ
حفاوة التهليل بعيد اليوبيل
قصيدة عامرة الابيات، وعددها ٥١، نظمها حضرة الأب الفاضل القس باسيل بشوري السرياني البغدادي، بمناسبة عيد صاحب الغبطة الفضي، مار اغناطيوس افرام الثاني بطريرك السريان. وقد أجاد الشاعر في تعديد حسنات صاحب العيد بما هو أهل له. فنحن نهنئ الناظم والمنظوم له: الأول لإجادته في النظم، والثاني لبلوغه المرحلة الأولى من عمره، وهو رائع بحلة الفضل والفضيلة.
فوائد لغوية
سألنا بعضهم: ما احسن لفظة عربية تقابل الكلمة الفرنسوية في معناها المجازي، وما الذي يرادف كلمة
قلنا: معنى المجازي هو: محاكاة الواحد للآخر في حركاته وأقواله محاكاة مبالغاً فيها، حملاً للناظرين أو السامعين على الضحك.
وبعبارةٍ أخرى: هي أن يحكي الواحد فعل الآخر أو قوله على جهة الهزوء. ويقابلها بالعربية (اللمص) قال اللغويون: اللمص هو حكاية فعل الواحد أو قوله على جهة الهزوء.
стр. 568
وأما ومعناها فن التمثيل بالإشارة أو الحركة فيقابلها بالعربية (المحاكاة).
وسألنا آخر: كيف أن لفظ (القداد) يعني (الترامواي)
قلنا: جاء في كتب اللغة: قد الشيء: قطعه مستطيلاً أو شقه طولاً. والعجلة السائرة على خطين من حديد، تجرها الدواب أو الكهربائية أو البخار، تتصور لعيني الرائي كأنها تشق الأرض شقاً مستطيلاً، لاسيما وهي تجري على قدد من حديد. والكلمة على قياس لفظة الجواري بمعنى السفن؛ وأنت تعلم أنها مشتقة من جرت السفينة على الماء بمعنى سارت عليه. ونظائر هذه الحروف كثيرة في العربية. وباب الوضع يعقد لأدنى ملابسة في المعنى بين كلمة وأخرى.
وسألنا آخر قال: جاء في مجلة الكوثر البيروتية (٣٠١: ٣) في مقالة الحليم إبراهيم دموس ما هذا نصه: وقال آخر (وعد كلامه من سقطات الأقلام) في مقالة يصف فيها وصوله إلى أمريكا: (هي أول مرة وطئت أقدامي أرض أميركا)، ونسي حضرة الكاتب أنه إنسان وله
قدمان فقط، وليس هو من ذوات الأربع قوائم!! (ثم ذكر الكاتب أقوال كثير من الكتاب الذين سقطوا في مهواة هذه الهفوات ومنها العيون للعينين)
قلنا: كان يحسن بالمخطئ أن يطلع على أقوال العرب في هذا الباب قبل أن يتعرض لتخطئة جماعة من أئمة الكتاب، من قد برعوا في أصول الإنشاء والبلاغة. وما جوابنا هنا إلا ما ذكره السيوطي في المزهر ١٥٨: ١ قال:
(ومن سنن العرب ذكر الواحد والمراد الجمع. كقولهم للجماعة: ضيف وعدو. قال تعالى: هؤلاء ضيفي. وقال: ثم يخرجكم طفلاً. وذكر الجمع والمراد واحد أو اثنان. قال تعالى: إن يعف عن طائفة. والمراد واحد؛ أن الذين ينادونك من وراء الحجرات. والمنادي واحد؛ بم يرجع المرسلون. وهو واحد، بدليل: ارجع إليهم؛ فقد سغت قلوبكما، وهما قلبان. وصفة الجمع بصفة الواحد، نحو: وإن كنتم جنباً والملائكة بعد ذلك ظهير. وصفة الواحد والاثنين بصفة الجمع، نحو: برمة أعشار، وثوب اهدام،
стр. 569
وحبل احذاف. قال: جاء الشتاء وقميصي أخلاق. وارض سباسب، يسمون كل بقعة منها سبسباً لاتساعها. قال: ومن الجمع يراد به الاثنان قولهم: امرأة ذات أوراك ومآكم. وبهذا النص كفاية للمخطئ.
وسألنا السائل المذكور: وأنكر كاتب الكوثر المذكور كلمة افود إذ قال: (٣٠٢: ٣) وجاء في الجريدة نفسها قول الآخر: (فنكتة أدبية هي عندهم افود من الانتقاد والصواب: أفيد، لأن الفعل يائي، لأنك تقول: (كلامك يفيدني) وليس: (يفودني).
قلنا: المراد بافود في العبارة المذكورة: (اثبت) من فاد المال لفلان: ثبت. والاسم الفائدة. وقد ذكر صاحب التاج في فود أنها واوية ويائية بعد قوله: والاسم الفائدة. وقال: لأن المصنف ذكرها في المادتين. ثم زاد على ما تقدم: وأفاده واستفاده وتفيده: اقتناه، وأفدته أنا: أعطيته إياه. وسيأتي بعض ذلك في قيد، لأن الكلمة يائية وواوية.
ومن احسن الأدلة على أن الافود من الفائدة جاءت بمعنى الافيد استعمال صاحب التاج لها. قال في مادة قصر: (٥٠٦: ٣) (ولو ذكر المصنف الكل في محل واحد كان افود.) وكفى بذلك جواباً، لشهرة صاحب التاج ولا سيما بعد أن قال في مادة ف ود) أن الكلمة يائية وواوية، فجاء استعماله هذا بالواو سنداً لما ذهب إليه.
على أن كاتب مقالة (سقطات الأقلام) قد خطئ اكثر مما خطأ فكان يجدر به أن يتحقق
الأمور قبل أن يستهدف لسهام الأقلام. والسلام.
سؤال يسأله أحد أدباء النجف ويطلب من القراء أن يجيبوه عنه وهو في: (التأنيث في اللغة العربية)
هل هو أمر لفظي أو معنوي؟ ولو كان معنوياً فلماذا نجد اللفظين الموضوعين لمعنى واحد أحدهما مؤنثاً والآخر مذكراً؟ ولو كان أمراً لفظياً فهل له قياس يوقف عنده وقاعدة لا يتعداها؟ - وما هو ذلك الأمر الذي أوجب تأنيث هذا اللفظ دون ذاك.
وللقراء مهلة ثلاثة أشهر للجواب عنه، فأن لم يجب عنه أحد وافيناهم بما نحفظه في هذا الباب. والله المعين.
стр. 570
تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره
١ - ابن الشعلان
غزا نوري بن الشعلان أعراب شمر، من العشائر الراجعة إلى ابن الرشيد في نجد، فغنم منهم ثلاثة آلاف بعير. فتأثره أصحاب الإبل، وهجموا عليه فاستردوها منه. وغنموا هجين ابن شعلان وقتلوا من أعرابهم جماعة، فرجع ابن شعلان بخفي حنين، وقد اخذوا منه رايته، وأرسلوا بها إلى الأمير ابن الرشيد.
٢ - ابن هذال
غزا اذعار بن هذال عشائر الشام (الشرارات)، وغنم منهم مائة بعير، ورجع بها إلى أصحابه سالماً.
(عن الرياض)
٣ - ابن السعود
اشتدت الضغائن بين شريف مكة وابن السعود، وامتنعت قوافل نجد من الذهاب إلى الحجاز، ورجع وفد ابن السعود من عند الشريف، وامتنع عن الحج سكان ديار نجد هذه السنة؛ وقد أفاد بذلك القومان الأستانة وكل منهما يروي الحكايات تبعاً لغاياته، وعليه فإن لم تخمد الحكومة هذه الفتن فالظنون أن ابن السعود يتفق مع بعض الأمراء على الشريف. فيكون من هذا الاتفاق ما يكون وهو ما تطلبه سياسة إحدى الدول وتسعى له منذ حين من الدهر.
(عنها)
٤ - ابن الرشيد
أرسل ابن الرشيد إلى الأستانة وفداً برئاسة ناصر باشا الخشمان لمطالب متعددة، منها: قبول مبعوثين عن بلاد العرب النجدية، وإطلاق الحرية له لتأديب العصاة العائثين في العراق، والمطالبة بحقوق أبناء سعدون. وغيرها.
٥ - الفدعان
أغار ابن مهيد، رئيس الفدعان، على شمر، النازلين بأنحاء الموصل، فغنم منهم ٣٠٠ بعير كلها لفيصل بن فرحان باشا وقفل إلى دياره سالماً.
(عنها)
٦ - الضفير
أغارت الضفير ومعها بعض أعراب ديار نجد على أطراف حمص وحلب
стр. 571
فغنمت اباعر وأموالاً تجارية ورجعتا بها إلى ديارها بدون معارض.
(عنها)
٧ - التمياط
اغار برغش التمياط ومعه حسين بن سعدون رئيس العبيد في مائتي فارس ولم يأت خبر إلى اليوم بما صاروا إليه.
(عنها)
٨ - نزال ابن مهيد وشمر
استنزل ابن مهيد، قائد عشائر الفدعان وعنزة، عشائر شمر بالجزيرة، وقد زحف بعشائره وعبر نهر الفرات واجتاز عانه وراوة متوجهاً إلى شمر في أنحاء الموصل
(عنها)
٩ - شمر
خرج الحميدي، رئيس عشائر شمر، في اطرف الموصل ومعه طائفة من العسكر لتحصيل الضرائب الأميرية
(عنها)
١٠ - الدويش
غزا الدويش، رئيس قبيلة مطير؛ فغنم اباعر فهد الدغيم بن هذال وقبيلته، ولما صار إلى الصحراء أهلكه الظمأ؛ فمات من أصحابه ثلاثون رجلاً، ورجع من بقي منهم إلى ربوعهم صفر اليدين، لأن الإبل التي استاقوها رجعت إلى أصحابها من تلقاء أنفسها إذ بقيت بدون
سائق.
(عنها)
١١ - الضفير وأولاد سعدون
آبى عجيمي بك السعدون أن يصالح الضفير بعد تلك الخيانة الشهيرة. وهو على وشك الرحيل إلى حائل، مقر إمارة ابن الرشيد. وسبب انتكاث حبل الأمن بعد إمراره أن ابن ضويحي، أحد مشايخ الضفير، استاق من عشيرة عجيمي بك ابلاً من موطن يبعد عن الزبير ٨ ساعات. والآن يحاول الضفير المصالحة بإلحاح فأحالهم عجيمي بك على رأي ابن الرشيد وبما يأمر به.
١٢ - تسقيف الأسواق بالتوتياء
جميع أسواق بغداد مسقفة بالحصر والبواري والقصب، ممدودة على المرادي المقاومة بهيئة مسنم، فكانت إذا أصابتها النار تضطرم اضطرام الهشيم، فلا تلبث أن تصير رماداً في قليل من الزمن. ولهذا كان يكثر الحريق في بغداد لاسيما في أيام الصيف. وأما الآن فأن البلدية اهتمت بإبدال الحصر بالتوتياء (الزنك) وقد سقفت كثير منها على هذه الصورة المستحسنة وأمن الناس شر الحريق.
стр. 572
١٣ - احتجاب جرائد الموصل
توارت عن الأنظار جريدة نينوى والنجاح وجكة باز وتلاثتها موصلية.
١٤ - وفاة الشيخ غلام رسول الهندي
توفي هذا الشيخ مبطونا في ١ تموز وله من العمر نحو ستين عاما. وهو هندي الموطن، وقد قدم العراق منذ اكثر من ٢٠ سنة، وكان صادق اللهجة العربية، عارفاً بقواعدها وشواردها. يحسن التكلم بها على الأصول الأعرابية بدون تعمل أو تصنع. وكان أول تدريسه في بغداد في جامع عبد القادر الجيلى، ثم انتقل بعد نحو سنة إلى جامع الست نفيسة، ثم درس في جامع حبيب الأعجمي، ومنه تحول إلى جامع الباجه جي، ومنه ذهب إلى مندلي (البندنيجين)، ولما قدم منها عين مدرساً في جامع الخضار. وكان متفرغا لعلوم الدين، ولا سيما لتعلم الكلام منها. وكان يعلم أيضاً الرياضيات. وقد رحل إلى الأستانة
ثلاث مرات. وكان في منتهى القناعة وقد تخرج عليه جم غفير من أبناء هذه المدينة ومن غيرها من مدن العراق. - وهو لم يؤلف شيئاً سوى بعض التعليقات وهذه أيضاً لم تر عالم المطبوعات. وقد حضر دفنته زرافات من الناس من طلبته ومن معارفه ومن غيرهم. إن الله مع الصابرين.
١٥ - ارتفاع أسعار الأرضين في بغداد
منذ أن سمع الناس بأن الحكومة صممت على مد السكة الحديدية بين بغداد وحلب، ثم بين بغداد والبصرة، جد كثير في مشترى الأراضي في بغداد وما جاورها، ولا سيما ما كان منها واقعاً على إحدى ضفتي دجلة. ولما أعلن الدستور في أنحاء الدولة زادت الرغبة في مشترى الأملاك حتى أن أثمانها ارتفعت أضعاف الأضعاف. واليوم اغلب المشترين هم الاجانب، واليهود الوطنيون، واغلب البائعين هم المسلمون ثم النصارى. ولا بد أن نذكر بعض الشواهد على ارتفاع هذه الأسعار الفاحشة، من ذلك:
ما اشتراه سعادة الكونت جبرائيل أصفر في سنة ١٩٠٦ في محلة السيد سلطان علي، وهو بستان مساحته ٩٠٠٠ ذراع مربعة بقيمة ٢٠٠٠ ليرة مع النفقات. والآن طلب منه الراغبين في مقتنى قطعة منه دافعين في الذراع من
стр. 573
ليرتين إلى ليرتين ونصف؛ والبائع يطلب ٣ ليرات بالذراع. فتكون قيمة تلك الأرض سبعة أضعاف ما كانت عليه قبل ٦ سنوات.
اشترى قيومجيان أفندي في نحو سنة ١٩٠٥ أرضا في محلة الدباغ خانة بقيمة ٥٠٠ ليرة عثمانية. والآن يدفع له بها ٢٣٠٠ ليرة وهو يأبى بيعها بهذه القيمة.
لصديقنا ن. أرض اشتراها سنة ١٩٠٨ بقيمة ٣٠٠ ليرة عثمانية. والآن يدفع له بها ١٢٠٠ ليرة. والأرض واقعة في كرادة البو جمعة أي تحت كرد الباشا حيث تشيد القصور. وصاحب الأرض لا يبيع منها قيد ذراع.
وفي سنة ١٩٠٣ اشترى حضرة القس يوحنا مقصود جاقر بستاناً في محلة الزاوية، بقرب السيد ادريس، طوله ٢٥٠ متراً في عرض ٥٠، بمبلغ قدره ٣٠٠ ليرة. فبيع بهذا الشهر بمبلغ ١٣٠٠ ليرة وقد اقتطع منها قطعة لنفسه بقيمة ٣٠٠ ليرة، فيكون حضرة القس ربح ١٣٠٠ ليرة مع أناء بستانه في مدة السنوات التسع التي مضت.
وأما أثمان الدور في داخل المدينة فقد تضاعفت أيضا، ولا سيما ما كان منها مبنيا على شاطئ دجلة من جانب الرصافة.
والآن اخذ الألمانيون في تعيين موقع محطة السكة الحديدية وهو في جانب الكرخ بازاء دار ريشارتز قنصل ألمانية سابقا، الواقع في جانب الرصافة، ولهذا ارتفعت فجأة أسعار أراضي كرادة مريم بما يفوق التصور. وقد اشترى الألمانيون اغلب تلك الأملاك.
وقالت الرياض: كانت قيمة السيفية ٣٠٠ ليرة فاشتراها الأجانب بمبلغ ٧٢٠٠ ليرة. وكانت قيمة اليوسفية ٦٠٠ ليرة فاشتراها الأعراب بمبلغ قدره ٦٢٠٠ ليرة. وهناك غير هذه الأملاك مما هو في شرقي بغداد وغربيها.
١٦ - الحرائق في بغداد
كثرت الحرائق في بغداد حتى حار أهلها في أمرها وتتاليها، وبأضرارها،
стр. 574
ودونك الآن عددها في هذا الشهر:
١ - حريق ليلة الاثنين الواقع في ٨ من هذا الشهر. وقد شبت النار نحو الساعة ١٢ زوالية في قهوة محمود بن حسين الواقعة في محلة الصدرية. وأطفأت بعد ثلاث ساعات من نشوبها. ولم تتجاوز مشرب القهوة.
٢ - شبت النار يوم الجمعة في ١٢ من هذا الشهر بساعتين بعد الظهر في حجرة الملا حسين صاحب خان الدجاج الواقع في سوق العطارين، وكان سببها بقايا لفيفة تبغ، ألقيت هناك، فسرت نارها إلى ما يقرب منها من الكاغد، فاحترق الخان وما فيه ثم اندلع لسانها إلى ما يجاورها فكلفت طعمتها من ٢٥ إلى ٣٠ ألف ليرة على ما يتناقله الناس. ولعل في المبلغ مبالغة.
٣ - استعرت النار في ضحوة ذلك اليوم في المنضحة (مكينة السقي أو طرمبة الماء كما يقول أهل بغداد) التي تسقي أرض محمود أفندي في ديالى. فأضرت بمتولي أمرها وهما: حسن بن عباس وابنه جاسم، حتى أصبحت اليوم حياتهما في خطر. وقد دبت النار إلى الغابة المجاورة المعروفة بالجادرية فأكلت الحطب المقطوع وأشجار الحرجة، وبقيت تضطرم إلى أن لم تجد ما تفترسه.
٤ - في ذلك النهار دبت النار في دار مختار محلة (فضوة العرب) وهو الحاج ناصر،
فأحرقت الدار برمتها، ولم تبق فيها شيئاً ولم تذر، لكنها لم تتعداها إلى سائر الدور، وسبب نشوبها الحطب الموضوع في المطبخ بجوار النار المتقدة للطعام.
٥ - شبت النار أيضاً في ذلك النهار (وكانت حرارته في الظل ٤٥ درجة مع رياح غربية حارة من نوع السموم) في دار زهرة بنت صالح من أهالي محلة الحاج فتحي، فسرت النار من الموقد إلى ما يجاوره، فأحرقت الدار وحدها ولم تتجاوزها.
٦ - في اليوم الثاني في ١٣ من هذا الشهر شبت النار في موقد حمام الحاج رسول أفندي فأخمدت من فورها بهمة رجال الإطفاء ولم يصب الحمام أو غيره
стр. 575
مما يجاوره بضرر يذكر.
١٧ - تغير حالة الهواء
كانت حرارة حزيران غير مألوفة هذه السنة، لشدتها في غير أوانها، كما ذكرنا في العدد السابق. وفي أوائل شهر تموز حدث تغير فجائي وهبوط غريب في الحرارة حتى كان معظم الحرارة في بعض الأيام ٣٧ درجة مئوية، وهو أمر غريب يكذب المثل العامي البغدادي: حر تموز، يحمي الماء بالكوز. وفي الموصل شعر الناس ببرد شديد في الليل حتى تذكروا برد تشرين الأول، إلا أن الهواء كان طيباً في النهار؛ وسبب هذا البرد وقوع ثلج في الجبال المجاورة للموصل مع مطر في ديار بكر وجوارها. فأصبحت هذه السنة، صيفها وشتاؤها من اغرب السنين.
١٨ - ادمون أفندي بشارة
قدم في أوائل هذا الشهر حضرة المهندس البارع الشهير ادمون أفندي بشارة، وقد عينته الدولة العلية مندوباً عثمانياً لها ومهندساً أكبر لأعمال الري في العراق. ونحن نفخر به لأنه من أبناء الدولة المخلصين لها، والعاملين لنجاح الوطن وترقيه. ونأمل بقدومه تقدم الأشغال وسرعتها.
١٩ - معتمد الأمير ابن الرشيد
وقدم إلى حاضرتنا في الأسبوع الأول من هذا الشهر عبد الله أفندي ابن جاسم، معتمد الأمير سعود باشا الرشيد، لأمور عائدة إلى حضرة الأمير والدولة.
٢٠ - إيران
خمدت نار الفتنة والاضطراب في إيران، لا سيما بعد أن قتل الأمير فرمان فرما داود خان وابنه الكبير، وأقام خلفاً للأب، الابن، سليمان خان رئيساً على عشائر الكلهر. وإقراراً بهذا الفضل أهدى هذا الولد إلى الأمير المذكور هدية تبلغ قيمتها ٥٠ ألف تومان و٣٠ بغلا و٣ رؤوس من جياد الخيل.
٢١ - الابيل الدكتور موسيل والأمير سكتوس البربوني
نهار السبت ٤ أيار قدم إلى حاضرتنا الابيل الدكتور الرحالة لويس موسيل، ومعه البرنس سكستوس من بيت بربون بارما، ومن بعد أخذا راحتهما في المدينة وتجولا فيها مدة ٤ أيام، سافرا نحو شمالي بغداد. وقد أتيا إلى إدارة
стр. 576
هذه المجلة وتجاذبا أطراف الكلام مع صاحبها. ويؤخذ من كلام حضرتيهما، أنهما عثرا على أسماء بلدان وقرى مذكورة في التاريخ، وكان يظن أنها أصبحت في خبر كان، ولم يبق منها اسم يعرف. وقد حققا أيضاً أموراً شتى تخالف ما جاء به الأب لامنس اليسوعي في ما كتبه عن الأخطل وتاريخ بني أمية. لأنه كان كتب ما كتب عن جهل البلاد التي لم يطأها. مما وقعا عليه أيضاً حقائق مقررة عن بلاد العرب كان قد طمسها البرنس الإيطالي كائتاني، في كتابه تاريخ المسلمين أو قلبها ظهراً لبطن، لأنه يجهل تلك الديار. والخلاصة أن هذين السائحين وقعا على أمور كثيرة، من شأنها أن تصلح ما أفسده بعض المستشرقين الذين يضعون أنفسهم فوق ما هم عليه. وسوف ينشرانها خدمة للعلم.
والبرنس الشاب المذكور جاب ديار الإفرنج ومصر والحبشة، ثم رغب في الضرب في ربوع العرب ليتعرف بأهلها، وقبائلها، وعوائدها، وآدابها، فرافق لهذه الغاية، الابيل الدكتور موسيل االنمسوي، وهو من اعظم الناس خبرة بلغة العرب، وتاريخهم، وبلادهم، وأحوالهم، إذ قد تفرغ لها منذ ١٦ سنة، فتوفقا في رحلتهما هذه، وخططا جميع ما رأياه من البلاد، ودونا الحقائق التاريخية، وعثرا على كتابات ورقم كثيرة مفيدة للعلم والتاريخ اعظم فائدة.
وللابيل المذكور كتب كثيرة في بلاد العرب على اختلاف انحائها، وقد شهد له القوم
بمحاسنها، وبما فيها من الأمور المبتكرة التي لم يأت بمثلها من سبقه في تلك الأبحاث.
إلا أنه يسؤنا أن نذكر هنا، أن أعراب شمر غزوها قبل أن يصلا حلب بيومين، واخذوا منهما كل ما كان معهما، ومن جملة ذلك مصور بلاد العرب والديار التي هبطوا فيها، ومجموعة نباتات نادرة لا يعرفها الإفرنج إلى اليوم، يبلغ عددها على ما قيل ٨٠٠ نوع. فذهب الابيل موسيل إلى شيخ شمر واسترجع منه كل ما نهبوه إلا الجمال وبعض الاثاث، وتبلغ قيمتها ١٥٠٠٠ فرنك فقد بقيت بأيديهم. وأما اليوم فأن السائحين قد وصلا محلهما وعن قريب ينشران فوائد رحلتهما. فالحمد لله على سلامتهما وعلى ما عثرا عليه من الآثار العلمية والتاريخية على ضروبها.
стр. 577
العدد ١٥ - بتاريخ: ٠١ - ٠٩ - ١٩١٢
الصحف
صوت الشعوب وصيتها الصحف ... تجري بهم للمجد أن وقفوا
ماذا أقول وكيف اذكرها ... وبأي وصفٍ مثلها اصف
أن قلت داعية العلى فلها ... ولأهلها العلياء والشرف
الناطقات ونطقها حكم ... والحاكمات وحكمها النصف
والعادلات فلا يلم بها ... كلا ولا برجالها الجنف
والمنزلات على الأولى ظلموا ... رجزاً بما ظلموا وما اعتسفوا
فهي اللواتي أينما ثقفت ... تأتي عليهم أينما ثقفوا
عكفت تندد بالذي فعلوا ... وهم على مرضاتها عكفوا
من كل سائرةٍ مغلفةٍ ... كالدر اطلع وجهه الصدف
لا البحر يمنع أن تخب به ... سيراً ولا المتباعد القذف
منهن نور الفضل (مقتبس) ... وبهن نور (العلم) (مقتطف)
المورقات فكل زاهرة ... في مجتلاها روضة انف
بيضاء ما وشيت بأسودها ... إلا تلاقي الصبح والسدف
فإذا ترى لونيهما اختلفا ... فالناس من اجليهما ائتلفوا
стр. 578
عرفوا الحقوق وكل عارفةٍ ... فيها ولولاها لما عرفوا
ولمنكري آياتها كشفت ... عن حجة كالصبح فاعترفوا
كم سددت بالحق أسهمها ... لكن قلب الباطل الهدف
الداعيات لكل سالفة ... غراء أبقاها لنا السلف
أخلاق علامين أن وعدوا ... لم يخلفوا حاشاهم الخلف
قوم إذا ما الضيم أوترهم ... نهضوا له بالعزم فانتصفوا
لا يتلف المعروف بينهم ... هيهات بل يحمي ولو تلفوا
لا يأسفون على فنائهم ... فيه وحق عليهم الأسف
لهم إلى العلياء متجه ... وبهم عن الفحشاء منصرف
لم يتبعوا بالحلف قولهم ... فإذا دعوا فالصدق إن حلفوا
ترفت ضمائرهم فما بطروا ... فيها ولا أغواهم الترف
كم مفخرٍ أبدوه مخترعاً ... لله ما اخترعوا وما اكتشفوا
النجف:
محمد باقر الشبيبي
العشائر القاطنة بين بغداد وسامراء
١ - خطورة البحث
البحث عن العشائر والقبائل الصغيرة المجهولة النسب، من اصعب الأبحاث، وبالأخص العشائر القاطنة في أطراف العراق، من اللائي قد ضاع نسبها بانقسامها إلى افخاذ، وبطون، وعمائر، واختلط حابلها بنابلها، وفشت بينها الأخلاق الغريبة، والعوائد المستهجنة، باختلاطها بسكان المدن الذين هم خليط من أقوام مختلفة، وشعوب متفرقة. ولم يقف الباحثون، الذين يهمهم أمر هذه البلاد وسكانها، إلا وقوفاً طفيفاً على انساب تلك القبائل الحقيقية، وماضيها، وعاداتها، وأخلاقها. ذلك لأن اكثر هذه القبائل قد خيم الجهل في ربوعها، وضرب ستاراً كثيفاً على عقول أفرادها، فحجب أبصارهم عن
стр. 579
إدراك حقيقة ماضيهم، حتى جعلهم لا يعرفون من هذه الحياة أمراً سوى القتل، والنهب، والسلب. ولو سألت واحداً منهم عن تاريخ قبيلته، ونسبها، وتاريخ الأراضي القاطنة فيها، وعن السبب في تسميتها، باسمها الحالي، لما أمكنه أن يجيبك عن سؤالك بشيء، وبقي واجماً لا يعرف ماذا يقول وماذا يفعل؟
ومما يزيد البحث صعوبةً وخطورةً: عدم وجود كتاب أو رسالة بحث عن أحوال هاتيك القبائل، وعن أسباب هذا التشعب الذي بدا فيها، من تفرقهم إلى بطون، وأفخاذ، وعمائر، وجماعات. وهناك أسماء محرفة، مشوهة، تزيدك ارتباكاً وضلالاً. وإذا وجد شيء من ذلك، فهو لا يميط لك النقاب عن تلك المسميات. ولا يهديك إلى ضالتك المنشودة، وغايتك المطلوبة. وزيادة على ذلك، أن الحكومة السابقة، صاحبة البلاد، لم تكن تعرف من أمر هذه
القبائل شيئاً سوى أن منهم الزراع، والغزاة، وقطاع الطرق، وأن منهم من يطيعونها، فتضرب عليهم الرسوم الفادحة والضرائب الثقيلة، فتثقل كاهلهم بالديون، وتجعلهم يئنون من وطأة الفقر عليهم. وإن منهم من يعصون أمرها، فكانت تسوق عليهم الجنود فترجع أما بصفقة الخاسر المغبون، وأما بتشتيت تلك القبائل في أطراف البلاد، فينتشر عقد جامعتها، ويذهب بذلك نسبها، ويمحى تاريخها، بمحو عصبيتها وجامعتها، وتندرس أطلالها، وتعفى رسومها.
وعندي أنه لولا عصبة من دهاقين الغرب المنقبين، وفئة من أساطين الشرق الباحثين، تتبع الحوادث، وتقيد الشارد والوارد منها، وتبحث من غير كلل ولا ملل عن أحوال تلك القبائل، وتاريخها، ونسبها، فتذلل لنا الصعاب وتزيل عنها العقبات؛ بما كشفته من الأسرار الغامضة، لذهب تاريخها، كما ذهب من قبلها تاريخ عاد وثمود، وسائر الأمم البائدة. إلا أن أبحاث أولئك المنقبين، ويا للأسف! محصورة في بعض العشائر التي تراجع الكويت، وتتردد إلى البلدان الساحلية، ولم تتعرض لغيرها.
ومن القبائل التي لم يهتد إليها كبار الباحثين، ولم يعرف تاريخها عظماء الاجتماعيين، القبائل القاطنة في ضفف دجلة، بين بغداد وسامراء (أو سر
стр. 580
من رأى) وهي موضوع بحثنا، ولصعوبة ووعورة طريقه، نستميح القراء عذراً، عما يبدو لنا من الغلطات، والهفوات. ولما كانت هذه القبائل كثيرة الاختلاط بعضها ببعض، والخصال المستحكمة في قبيلة، مستحكمة في أخرى؛ والبحث عن أخلاق وعادات قبيلة، كالبحث عن جميعها، أردنا أن نورد هنا البحث عنها مجملاً، ونأتي بعد ذلك بما نعرفه من مصيفها، ومشتاها، وأقامتها، وترحالها، وزرعها، وحاصلاتها، وعدد رجالها، ورؤسائها مفصلاً وعلى ذلك نقول:
٢ - حالتها الاجتماعية
من طبيعة البلاد التي يقل فيها الرزق، وتشتد الفاقة بسكانها، ويعم الخراب اراضيها، ان يشتغل القاطنون فيها بالتنقل والارتحال، من مكان إلى آخر، طلباً للرزق وللحصول على المعيشة الضرورية، ومن اجل ذلك كان اكثر الأعراب رحلاً، وهم سكان البادية الجرداء الخالية من كل نهر وينبوع، يتنقلون من قطر إلى آخر، للانتجاع، والافتلاء، ومن طبيعة اشتداد الفاقة التنازع، والتنافس، وعلى هذا المبدأ ابن أحوال جميع الأعراب، فانهم لما
كانوا قليلي الاعتناء بالأمور الزراعية التي تزيد رفاهيتهم، اشتدت الفاقة بهم فتولد من ذلك الخصام، والقتال على الأراضي والمياه والمواشي والأنعام. حتى عد ذلك من خصالهم وصفاتهم، ولهذا لم يعدوا القتل والغزو سبة أو أمراً كبيراً لاعتيادهم إياهما. وكلما أتاح الجهل لهذه الحروب فرصة، ثارت نيرانها واندلعت السنة لهيبها، ولو حدث بعضها في بلد آمن قد ضرب العلم فيه اطنابه، وخيمت المدنية في ربوعه، لعد أمراً ذا بال، ينفر النفوس، ويستوقف الأنظار. - وعليه فأن هذه الشجاعة وهذا الأقدام اللذين يبديهما الأعراب في حروبهم وغزواتهم هي نتيجة تمرنهم عليها، إذ أن الإنسان قابل لكل شيء.
وهذه العشائر التي نحن بصددها تقسم قسمين: قسم قد اقتطعوا أرضاً فيزرعونها ويحرثونها، وهؤلاء هم الذين يتخذون دوراً من اللبن، لحماية حيواناتهم ودوابهم من حرارة القيظ. وبرد الشتاء، وبيوتاً للسكنى يصطنعونها في أيام الصيف، من عروق السوس والعاقول (نوع من الشوك
стр. 581
أخضر اللون) فيرشون عليها الماء، فيجد الساكن فيها لذة عجيبة، لأن الهواء يأتيه من منافذ العاقول بارداً نقياً، ولو كانت حرارة الشمس شديدة الوطأة. وفي الشتاء يرحلون من الأراضي الوطيئة إلى الأراضي المرتفعة، التي لاتصل إليها المياه، عند فيضان دجلة، فيكونون في مأمن من الغرق، ومع ذلك يكثر فيها النبات والعشب فتكون مرعى لحيواناتهم. - ويتخذون حينئذٍ لسكانهم بيوتاً من الشعر وزان (سبب) تقام على أعمدة من الخشب لا يتجاوز طولها مترين، تقيهم برد الشتاء. وهؤلاء بطبيعتهم هادئون، قليلو الغزو، لاشتغالهم بالزرع والحرث، وتربية المواشي، مما يغنيهم عن طرق أبواب السلب والنهب. وسمى ابن خلدون مثل هؤلاء البدو (أهل مدر). والقسم الأخر يعنون بتربية الاغنام، والابل، وسائر الأنعام، يتغذون بلبانها، ويتجرون بأصوافها، ويندر بينهم أن يستقروا بأرض واحدةٍ، بل دأبهم التنقل والارتحال ارتياداً للمنتجع. ولما كان الارتزاق من الأنعام ضيقاً، ومن طبيعة ضيق الرزق التنازع فيه رأيت دأب هؤلاء البدو الغارات، ونهب المواشي بعضهم لبعض.
٣ - أسماء القبائل وأخلاقها وعاداتها
العشائر القاطنة في ضفاف دجلة، بين بغداد وسامراء كثيرة، وهي مختلفة في مصيفها، ومشتاها، وانتجاعها، وافتلائها، وزروعها، واراضيها، بقدر ما هي متفقة الكلمة، ومربوطة
بعضها ببعضٍ بجامعة واحدةٍ. وهي الجامعة العربية بالوجه الاخص، والعثمانية بالوجه الأعم. وأما أخلاقهم فهي كأخلاق سائر العرب أي الكرم، والوفاء، وأداء الأمانة، وإكرام الضيف، والإباء، وحسن الجوار، وإعالة الفقير، والمدافعة عن الدخيل. ومن طبيعتهم الشجاعة، والأقدام، والثبات، والصبر على الملمات. ولهم عادات لا تزال مستحكمة فيهم منذ عصور الجاهلية، واطلاع غريب على خفيات الأمور، كالقيافة مثلاُ فانهم يزعمون أن الولد إذا ولدته أمه يجب أن يكون بين هيئته وهيئة أبيه تقارب في الهيكل، والشكل، والطول، والقصر. والقيافة علم يؤخذ بالحدس والتخمين، لا بالاستدلال واليقين، ولهذا يعتبر من شر العلوم،
стр. 582
لما يقوم على الظن من الأمور الكبائر. والقيافة من العلوم التي كانت قبل الإسلام؛ ومختصة ببني مدلج ومضر بن نزار ومنهم تعلمته القبائل العربية. وهي كثيراً ما هتكت الحرائر، وفضحت الطاهرات ظلماً وزوراً. وهؤلاء لا يزالون عاكفين على هذا العلم المستهجن، وكثيراً ما اتهموا زوجاتهم بالمنكرات التي لا حقيقة لها البتة،
وأما ما يتعلق بسحناتهم، فهم سمر الألوان المشربة بحمرة صبيحو الوجوه، سود العيون كبارها، حادو النظر، لؤلؤيو الأسنان، قويو الأبدان، رحبو الصدور، ضخام الجثة مع طول، ويقل بينهم القصار. ولهم حذاقة ومهارة عجيبة بإصابة المرمى؛ كثيرو الصبر على الظما، والجوع، والعري، والحر، والبرد. وهم يضفرون شعورهم (قصائب) أي جدائل، ويرسلونها على اقفيتهم، أو على جانبي رؤوسهم أو على خديهم، ويسرحون لحاهم، ويخففون من شواربهم، ويقتاتون لحوم الابل، والضان؛ ويتغذون بألبانها. ومن أشهر تلك القبائل: بنو تميم، والمجمع، والعيدان، والحباب، والسعود، والبو عتاب، والبو دراج، والبو عباس، والبو عيسى، والبو مليس، والبو نيسان، والبو اسود، والبو باز، والبو صليبي، والغوالبه، والجبور، والخزرج، والبو فراج، والكبيشات، والبو طلحة، والعزة، والمشاهدة. وسيأتي ذكرها مفصلاً.
٤ - المزروعات والحاصلات
تزرع هذه القبائل أرضاً كبيرة ممتدة على جانبي دجلة، من قضاء الكاظمية إلى سامراء من الجهة اليمنى، ومن ناحية الأعظمية إلى سامراء أيضاً من الجهة اليسرى، وتقدر الأراضي المزروعة على الجانبين بما يزيد على ٢٠ ألف فدانٍ. والزرع هناك قسمان: صيفي
وشتوي، فالصيفي يزرع على ضفاف النهر وتسقيه المياه التي تجرها السانية، وهي الناقة، أو البغلة، أو البقرة التي يستقى عليها من البئر بواسطة دلو كبيرةٍ، فيسيحون الماء على المزروعات بالسواقي (بالأنهر الصغيرة) وهو ما يسمونه عندهم (بزرع الكرود). وكان الأقدمون يسمونه (زرع السيح أو زرع السانية). والشتوي هو الذي يزرع
стр. 583
في الأراضي المرتفعة البعيدة عن النهر، الآمنة من الغرق، فتسقيه السماء بما تجود عليه السحب من المياه وهو ما يسمونه (زرع الديم)؛ وكان يسميه الأقدمون (العذي)؛ ولهم نخيل وأشجار لا يصلها سيح ولا مطر، فيشرب بعروقه من غير سقي ولا سماءٍ وهو (البعل). ومن مزروعاتهم الصيفية الذرة، والدخن، والسمسم، واللوبيا، والماش، ويقدر محصولات هذه الأنواع بما يربو على ٨ آلاف تغار. والخضروات، وعنايتهم بها قليلة لقلة أنفاقها أو صرفها وبعد الولاية عنهم. والرقي (البطيخ الأحمر) والبطيخ (البطيخ الأصفر أو القاون) وهذان النوعان مبذولان لكثرتهما هناك، وسهولة إنفاقهما، وفي كل سنة يرسل منهما إلى بغداد قدر جليل، ويبلغ قيمة حاصلاتهما خمسة آلاف ليرة. ومن مزروعاتهم الشتوية القمح، والشعير والهرطمان، والعدس، وغيرها. ومزروعاتهم هذه كلها على الأصول القديمة.
٥ - رسوم الحكومة وضرائبها
كانت الحكومة تأخذ سابقاً من هذه العشائر رسوماً كثيرة؛ وكانت كلها ثقيلة وهي التي حملت الكثيرين من رؤسائها على أن يندمجوا في العشائر الرحل هرباً من تلك الضرائب الفادحة؛ وبقيت اكثر الأراضي خراباً؛ ولو فتشت عن تلك الأراضي العامرة الآهلة بالسكان، لوجدتها اليوم اغلبها غامرة قفرة. ولو فتشت في دفاتر الحكومة لما وجدت فيها زيادة في الواردات بل نقصاناً، وأن كان ثم زيادة فما هي إلا من نماء موارد أخرى، أو من زيادة مكوس وضرائب. ولو أن الحكومة السابقة خففت من ثقلها ولم تستعمل العنف والشدة في تحصيلها، لعمرت اكثر الأراضي، ولعادت على الخزينة بالربح الكثير، والمال والغزير. ولو زادت على ذلك اتخاذ الوسائل الناجعة لوقايتهم من الغرق، فعمرت السدود، وشقت الجداول، وكرت الأنهار المندرسة، لما جاز لنا أن ننتقدها أو نطالبها بشيء. والأمل بهمة رجالنا الدستوريين الحاليين أن يتلافوا هذه الأخطار بأمرين: أما بإصلاح الأنهر وإنشاء السدود وشق الجداول، وأما بتخفيف الضرائب. وعندي أن العمل بالأول، يفيد
стр. 584
الخزينة أضعاف ما كانت تحصله الحكومة السابقة بالعنف، والشدة، ولكفاها مؤونة سوق الجيوش، ومحاربة الرعايا، وإزهاق النفوس، ومن ضرائب تلك الحكومة التي يؤديها الأعراب اليوم، أنها تأخذ عن كل كردٍ من الكرود ٣٠ مجيدياً. والكرد عبارة عن ثلاثة افدنة. ومن حيث أن المزروع ٢٠٠٠٠ فدانٍ أي عبارة عن ٢٠٠٠ كردٍ؛ فإذا ضرب بثلاثين مجيدياً، بلغت واردات الحكومة من الحاصلات الصيفية وحدها ٦٠٠٠٠ مجيدي أو ما يقرب من ١١ ألف ليرة عثمانية. وتأخذ عن المزروعات الشتوية (الديم) الخمس؛ إلا أراضي (عظيم) وزان (زبير)، فإنها تأخذ عن شتويها العشر. وتأخذ عن كل رأس من الغنم أربعة غروش صحيحة؛ وعن كل رأس من الإبل فرنكاً واحداً. وتأخذ رسماً يسمى (البيتية) وهي ثلاثة عشر غرشاً صحيحاً عن كل رجل متأهل.
إبراهيم حلمي
الطيارة في ديار العرب والغرب
-
جاء في المثل العامي العراقي:
(طياره وطايره في السما أو بالسما). (فطياره) خبر مبتدأ محذوف تقديره: هذا أو هذه، بحسب المشبه، والجملة المقرونة بالواو حالية أتى بها لبيان أن التشبيه يكون في هذه الحالة، ولولا إياها لما صح التشبيه، وذاك ظاهر إذا نظر إلى مورد المثل.
والطيارة لعبة شائعة بين صبية العراق، وسائر الآفاق، تتخذ في الأغلب من القرطاس. وتكون على أشكال مختلفة، ولكل منها اسم خاص في العراق، فمنها ما يسمى بالطيارة العربية، وما يسمى بالطيارة العجمية (أي الفارسية أو الإيرانية) ومنها ما يسمى بالطيارة الافرنجية، ومنها يعرف باسم المربعة؛ والمستطيلة، والعقرقة، وغير ذلك.
وكيفية صنعها معروفة لاشتهارها. وهي تسمى بالفرنسية - وبالإنكليزية أو - وبالألمانية - وبالإيطالية وبالأسبانية وباللاتينية
стр. 585
وبالنرمندية وبالتركية (اوجورتمة) وبالفارسية (بادبر، بادير، كاغد باد، باديرك، باد بادك أو باد برك). ووجود هذه الألفاظ في اللغات المحدثة دليل على أن استعمالها غير مختص بصبية العرب.
أما كيفية إرسالها فيكون بأن يركض صاحبها بخلاف مهب الريح، وأن يطلق لها رويداً رويداً الخيط الذي يربطها. وقد لاحظ أصحاب النظر أن الطيارة ترتفع صعوداً، وترسم على الأفق زاوية حادة لا تتجاوز الخمس والأربعين درجة. وإذا أردت أن لا (تضرب طيارتك رأساً) إلى اسفل شد بأسفلها (ذيلاً) تتخذه من الخرق المعقدة، أو من الكاغد الملفوف، على أبعاد متساوية أو تكاد، وتشدها كلها بخيط، وذاك الخيط يمسك التوازن في طيرانها.
وللهنود ولع خاص بها. ولهم مهارة فائقة في تطييرها. وقد يجعلون الفضاء ساحة حرب تشب نارها بين طياراتهم. والمنصور فيها من قطع خيط طيارة صاحبه. وهذا يكلفهم نفقات باهظة كما نشاهد ذلك فيهم ممن يحتل العراق.
وقد يجعل لهذه الطيارات بعض وريقاتٍ خصوصية تدوي في الهواء ونسمع أصواتاً مختلفة يسمونها (السنطور)؛ والطيارة التي فيها السنطور يسمونها (أم السنطور) وبعض الأحيان
يصعدون إلى الطيارة خرقه أو قطعة ورق أو مصباحاً يرسلونها على الخيط الذي باليد، فيسمون هذه القطعة (الساعي) كأنها تسعى بمنزلة الرسول إلى الطيارة.
وقد وجدت للطيارة أصلا عند العرب في سابق الزمن. قال أبو عنان الجاحظ في جملة كلام له فيما اشتق له من البيض اسم من كتاب الحيوان: (١١٩: ٤ وما يليها). . . وأما قول الشاعر الهذلي في مسيلمة الكذاب في احتياله وتمويهه وتشبيه ما يحتال به من أعلام الأنبياء بقوله:
بيضة قارورٍ وراية شادن ... وتوصيل مقصوص من الطير جائف
стр. 586
قال: هذا شعر أنشدناه أبو الزرقاء سهم الخشعمي هذا، اكثر من أربعين سنة. والبيت من قصيدة كان انشدنيها، فلم احفظ منها إلا هذا البيت. فذكر أن مسيلمة طاف قبل التنبؤ في الأسواق التي كانت بين دور العجم والعرب، يلتقون فيها للتسوق والبياعات، كنحو سوق الأبلة، وسوق لقة (كذا في الأصل المطبوع وهو غلط. والأصح بقة بباء موحد تحتية في الأول بدلاً من اللام، وكذا وردت مصحفة في كتاب تاريخ آداب العرب للرافعي ص ٨٥) وسوق الانبار، وسوق الحيرة. وقد كان يلتمس تعلم الحيل والنيرنجيات (وفي الأصل: النيرجان وهو غلط) وإحتيالات أصحاب الرقي والعزائم (وفي الأصل المطبوع: واختيارات النجوم والمتنبئين)، وقد كان احكم حيل السدنة وأصحاب الزجر (وفي الأصل المطبوع: حيل السدنة والحواء وأصحاب الزجر والخط، ومذهب الكاهن والعياف والساحر)، وصاحب الجن الذي كان يزعم ن معه تابعه. قال: فخرج وقد احكم من ذلك أموراً. وذكر الجاحظ كلاماً مسهباً في بيضة القارور وتوصيل المقصوص وكيف احتال بهما مسيلمة وموه على الأعراب إلى أن قال: ثم أنه قال لهم وذلك في ليلة منكرة الرياح مظلمة في بعض أزمان البوارح: إن الملائكة تنزل علي وهي ذوات أجنحة، ولمجيئها زجل، وخشخشة، وقعقعة؛ فمن كان منكم ظاهراً فليدخل منزله، فأن من تأمل اختطف بصره. ثم صنع راية من رايات الصبيان التي تعمل من الورق الصيني ومن الكاغد وتجعل لها الأذناب والأجنحة وتعلق في صدورها الجلاجل وترسل
стр. 587
يوم الريح بالخيوط الطوال الصلاب. (قلنا: هذا وصف الطيارة أم السنطور) قال فبات القوم يتوقعون نزول الملائكة، ويلاحظون السماء، وأبطأ عنهم حتى قام جل أهل اليمامة وقويت الريح فأرسلها.
وهم لا يرون الخيوط. والليل لا يبين عن صورة الرق وعن دقة الكاغد، وقد توهموا قبل ذلك الملائكة. فلما سمعوا ذلك ورأوه تصارخوا. وصاح: من صرف بصره ودخل بيته فهو أمن، فاصبح القوم وقد أطبقوا على نصرته والدفع عنه. انتهى المراد من الاستشهاد بكلامه.
ونقل ابن أبي الحديد، في مقام يذكر فيه الطيرة والفال وما ورد في ذلك من الحكايات التاريخية، هذا الحديث عن الجاحظ باختلاف يسير في التعبير.
أقول: ويظهر من هذا الكلام أن هذه اللعبة كانت تسمى عند العرب (براية الشادن). لأن اسمها عند الأعاجم يعني هذا المعنى تقريباً. فمعنى اللفظة الفرنسوية (الأيل أو الشادن الطائر) ومعنى الإنكليزية (الحدأة الطائرة) ومعنى الألمانية (راية التمساح أو التنين) ومعنى الإيطالية كمعنى الفرنسوية، ومعنى الأسبانية (المذنبة) وهكذا إلى سائر حروف اللغات. فضلا عن أن شاعر العرب أراد أن يصف الشيء باسمه المعهود عندهم كما وصف بيضة القارور وتوصيل المقصوص؛ وإلا لما فهموه، لوضعه ألفاظاً حديثة المعنى. وعليه، تكون (راية الشادن) عند عرب الجاهلية بمعنى (الطيارة) عند المحدثين من أبناء العرب.
ويظهر من ذلك أيضاً أن مسيلمة الكذاب لم يخترع هذه اللعبة، بل كانت معروفة عند العرب الذين لم يكونوا من قبيلة.
أما أول من اخترعها فهو القائد الصيني (هان سين - بمائتي سنة قبل ولادة المسيح، والذي حداه إلى ذلك أنه حوصر هو وجنده في مدينة فاتخذ هذه الوسيلة للمفاوضة مع جيش يأتي لإمداده.
стр. 588
وقد اتخذ فرانكلين الطيارة أو راية الشادن لاختبار في عالم الطبيعيات، في منتهى الإفادة، إلا أنه خطر. وقد توصل إلى أن يستل الكهربائية من السحب بطيارة، اثبت في رأسها مسماراً معدنياً، وربطها بحبل موصل الكهربائية.
ولقد اخترع روماس (العجلة الكهربائية) وهي مما يعين الباحث على التنقيب عن الكهربائية بدون أن يتعرض لخطر كهربائية السحب وذلك بواسطة الطيارة. وما هذه العجلة إلا مرفعة أو خنزيرة (ويسميها بعض عوام العراق بزونة وهي اسطوانة من خشب كالمحالة تدور على محور لترفع بها الأثقال وبالفرنسوية تقوم على قوائم من زجاج ويلف عليها خيط أو حبل الطيارة. وقد يلف ويحل هذا الخيط بمقبض من زجاج، حتى لا تضر
الكهربائية بمن يزاول البحث عن خواص كهربائية الغيوم، ولا تناله الصاعقة بوجه من الوجوه.
وإتماما لرواية المثل العامي نذكر هنا كيفية التلفظ بحروفه فنقول: (طياره) الطاء مكسورة بكسرة خفيفة، وقد تفتح فتحة طفيفة أيضا. والياء مشددة مفتوحة، وفي الأخر هاء ساكنة. (وطايره) الواو ساكنة وكذلك الياء التي تلي الألف. وفي الأخر هاء ساكنة. (بالسما) السين ساكنة والميم مفتوحة فتحة مشبعة، وقد تكسر السين فيكون في الآخر بدل الألف هاء ساكنة. يضرب هذا المثل للشخص الذي لا يستقر على حالة واحدة، وهو ينظر إلى قول الشاعر:
كريشة بمهب الريح طائرة ... لا تستقر على حالٍ من القلق
أو يضرب لمن اتسع له ميدان العمل فيفعل ما يشاء، كما قال الشاعر:
يالك من قبرةٍ بمعرٍ ... خلا لك الجو فبيضي وأصفري
ويضرب أيضاً للأمر الأسد الذي لا ينال، كما قال الأقدمون: اعز من الأبلق العقوق، ومن ألف الأسد، ومن است النمر، ومن أم قرفه، ومن بيض الانوق، ومن حليمة، ومن الزباء، ومن عقاب الجو، ومن الترياق، ومن مخ البعوض، ومن ابن الخصي، ومن الغراب الاعصم، ومن قنوع، ومن
стр. 589
الكبريت الأحمر، ومن كليب وائل، ومن مروان القرظ.
هذا ما أردنا كتابته في هذا الباب، ومن زاد عليه فله الأجر والثواب
النجف:
مرج
السفن في العراق
١ - مقدمة تمهيدية
الإبحار، (أي ركوب البحر على سفينة أو نحوها)، أمر عريق في القدم. والظاهر، أن الذي ساق الإنسان إلى ركوب البحر - (والبحر في العربية ما خالف البر نهراً كان أو يماً) - رؤيته سير الأشجار، أو جذوعها، على ظهر الماء؛ فحاول حينئذٍ صنع شيء يتخذه من الخشب ليركبه، ويسير، به على الماء، تحدياً لما رأى.
ثم أوحى الله إلى نوح (ع) صنع الفلك، فانتقل الإبحار إلى طور النشوء البين؛ ومنذ ذاك ارتقى رويداً رويداً، حتى بلغ هذا المبلغ في أيامنا هذه. ونحن لا نتعرض هنا ألا للسفينة، وانواعها، وما يتعلق بها، على ما يشاهد اليوم في العراق.
٢ - السفينة في العراق
المراد بالسفينة في العراق، مركب مائي يسير بالشراع أو بالمردى، أو بالمجذاف لا غير. وقد اختلفت أنواع تلك السفينة وأشكالها اليوم، كما اختلفت أسماؤها. ولم نعثر حتى اليوم على خبر يبين لنا هيئة السفينة القديمة في العراق، وكيف تدرج التغير في وضعها، حتى صارت إلى ما هي عليه اليوم؛ وذلك لأن وجود السفينة عندنا، وحالتها الأولى، اعني في عصور البابليين، مجهولة. ولم يعرف أسلافنا القدماء من أمر تلك الأمم البائدة شيئاً، إلا ما جاء منقولاً عن السنة الأعراب، من نوع الأقاصيص التافهة، المعروفة بالخرافات.
وعليه لم يعرفوا من سفنهم ما يفيدهم علماً بها، وببنائها، وبتركيبها، وبتسييرها.
стр. 590
ثم أن الذين جاءوا أبعدهم، وهم أهل القرون الوسطى وما بعدها، وجدوا في عصر انحطت فيه المدنية، وتشاغل فيه الناس عن العلوم، ولم يلتفت إليها من كتب منهم، في مثل هذه المواضيع. وبقي أمر السفينة سدىً.
ولذا اخذ العرب هذه الصناعة (اعني صناعة السفن)، عن اليونانيين؛ فكانوا يبنونها على طرز سفن اليونان والرومان ثم عدلوها أيام حضارتهم.
والتعرض لهذا الموضوع، يستلزم تأليف كتاب، قائم برأسه. ولهذا نضرب صفحاً عن
الإيغال فيه. ونجتزئ بذكر ما يفيد بحثنا، وهو وصف السفينة العراقية الحالية، وشرح أسمائها، وآلاتها المتداولة المستعملة عند أهلها اليوم. والإشارة إلى المخالف والمؤالف منها عند الاقدمين، مستندين في وضع ذلك كله، على ما سمعناه من أهلها، ورأيناه بالمشاهدة، وسألناهم اياه، حينما ترددنا إلى نهري دجلة والفرات، غير مرة. ولم يكن لنا وقتئذٍ مركب على الماء سواها.
فلنبدأ الآن بوصف إنشاء السفينة أولا، ولنأت بعد ذلك على أسمائها، وآلاتها، شيئاً بعد شيء. فنقول:
٣ - بناء السفينة العراقية
أول ما يبنى من السفينة صحنها، ويسمونه (طابقاً)، ويلفظون القاف كافاً فارسية أو جيما مصرية. وهو عبارة عن أخشاب سوية ممدودة عرضاً. ثم يؤخذ ببناء جنبيها، ويتخذان من أخشاب منحنيات قليلاً. وتسمى تلك الحنايا عند أهل السفن: (عطوفاً) وأحدها (عطف)، عند الأقدمين (قائفاً)؛ ويسمون ما بين العطوف: (جوابش - كوابش) جمع جابشٍ - كابشٍ) وعند الأقدمين: (طائقاً). ويختلف طول تلك الأخشاب وقصرها، وكذلك يختلف ارتفاع ذلك الجنب. فأطول ما يكون من خشب العطوف نحو ثلاثة أمتار. وأقصرها قراب مترٍ ونصف مترٍ. ويكون صدرها مرتفعاً مستطيلاً ملقوطاً أي ململماً. فهو أشبه شيء بأحد طرفي القوس إذا وضعتها على
стр. 591
كبدها. أو أشبه شيء بعنق اللقلق؛ ومؤخرها غير مرتفع عن جنبها ولا هو مستطيل. ألا أنه ملقوط بدون ارتفاع وتسمر في تلك الأخشاب من الظاهر ألواح صغار تنشر من خشب الغرب، والتوت والصفصاف يبلغ طول كل لوحة منها متراً ونصف مترٍ في عرض ٢٠ سنتيمتراً على الأكثر، ويكون ذلك التسمير بمسامير من حديد ينفذ طرفها إلى باطن السفينة، ثم يلوى المسمار على الخشبة بقدر ما ينفذ منه فيها، ويسمى ذلك اللوح المسمور (طابقاً) أيضاً. وبعد الفراغ من هذا العمل وإكماله تقام السفينة على أحد جنبيها. ثم تطلى بالقار المسمى (دوسة) وأول ما يطلى منها ظهرها. وإذا تم طلاؤها طرحت عليه، كما كانت في أول بنائها، ويبتدأ بتدميمها، اي بطلائها من اسفل جنبها حتى أعلاها. والمدمم (بالكسر) يسمى عندهم (قياراً) بتشديد الياء. وهي فصيحة: وتسمى آلته (سوبجا - سوبكا) وهي تصحيف الشوبك أو الشوبق وكلها من اصل فارسي وفصيحها بالعربية (المسطح)
وهو محور من الخشب، مستدق الطرفين، ضخم الوسط، يبلغ غلظ أكبرها عشرين سنتيمتراً، في طول ٤٠ سنتيمتراً.
وأكبر نوع هذه السفن المبنية في العراق، وهو الذي يطلق عليه اسم السفينة دون سواه، يبلغ طوله ٣٠ ذراعاً في عرض ٦ اذرع من الأسفل
стр. 592
وثماني اذرع ونصف ذراع من الأعلى. وليس على حاشيتها من فوق لوح ممدود يغشيها، بخلاف ما يأتي ذكره منها. ولا يكون سير السفينة إلا في دجلة، لأنك لا تكاد ترى منها واحدة في الفرات بين الألف من سفنه.
ومن السفن نوع آخر اسمه (المهيلة والبلم) وما شاكلهما - فالمهيلة تبنى كالسفينة إلا أن أخشاب جنبيها اكثر انحناء من السفينة، فهي أشبه شيء بإنسان مجردة أضلاعه من اللحم، ملقى على قفاه. أما صدرها فهو أوطأ من صدر السفينة وأطول، وهو كثير الشبه بجؤجؤ طير الماء، ومنه اسمه عند العرب أي الجؤجؤ. وأما مؤخرها فهو في الغالب غير ملقوط كثيراً، وعرض مؤخرها قراب مترين. وإذا كان كذلك يبنى عليه قبة، أو مخدع، أو علية، من الخشب يسمونها (عرشة).
وتغشى أخشاب المهيلة بلوح الساج، وطول كل لوحة منها من ثلاثة إلى خمسة أمتار في عرض ٢٥ سنتيمتراً و٥ سنتيمترات ثخناً على التقريب. ويعد الغشاء تجلفط، أو تقلفت، بالقطن والدهن، ولا تطلى بالقار أو بالزفت أبداً.
وصنع البلم مثل صنع المهيلة ألا أنه ليس فيه (عرشة) وليس في جنبيه انحناء كالمهيلة فهما بين جنبي السفينة والمهيلة وصدره ومؤخره واحد. وهما ملقوطان كمؤخر السفينة ومعقوفان إلى الأعلى. والبلم كلمة هندية وبلسانهم (ولم أو بلم).
ويقولون (وشر) المهيلة أو البلم أي صنعهما أو انفق ما يفي بصنعهما: ولعله مأخوذ من قولهم وشر الخشبة بالميشار إذا نشرها به.
ويقولون أيضاً (دق) السفينة، أي صنعها الصانع أو أمر بصنعها صاحب النفقة. وخصوا (الدق) بالسفينة، والتوشير بالمهيلة والبلم: لأن السفينة تطلى بالقار كما علمت، والمهيلة والبلم لا يطليان بالقار. وكذلك قالوا (وشر المهيلة والبلم، و (دق) السفينة، ويطلق الدق على كل ما يطلى من السفن بالقار. وكذلك
стр. 593
يطلق (التوشير) على كل ما لا يطلى بالقار من
السفن.
ويسمى المجلفط، أو المقلفت، عندهم (جلافاً) بتشديد اللام، وهو تخفيف جلفاط. قال في المخصص ما نصه: (. . . والجلفاط الذي يجلفط السفن وهو أن يدخل بين مسامير الألواح وخروزها مشاقة الكتان ويمسحه بالزفت والقار.)
وسير هذين النوعين من السفن وما يشاكلهما يكون في الفرات، وقد تسير المهيلة في دجلة: أما البلم فلا تراه في دجلة.
هذا وصف السفينة في العراق وسيأتي وصف الأنواع الأخرى استطراداً عند ذكر اسمائها.
٤ - أسماء بقية السفن في العراق
١: (البركش) يجمع عندهم على (براكش) وهو أكبر السفن وسيره من البصرة وما تحت. وفي دجلة بغداد اليوم نوع من السفن يسمى بهذا الاسم أيضاً يبلغ طوله قراب ٥ أمتار في عرض مترين، وارتفاع جنبه عن الماء نحو متر واحد، وصنعه من اللوح المقلفط والمطلي بالقار الرقيق: وله دقل وسكان ولا عرشة فيه وهو ملقوط الطرفين بقصر، إلا أن مؤخره اعرض من صدره: وهو أشبه شيء (بالدوبة) أي جنيب المركب البخاري الذي يسير بين بغداد والبصرة. أو (بالقائق) أي البلم البغدادي.
٢: (البغلة) تجمع عندهم على (بغال) و (وبغلات): من السفن الكبار السيارة في البحار، لاسيما في خليج فارس وبحر الهند
٣: (البلم) يجمع عندهم على (ابلام) (باسكان الهمزة وتخفيف اللام) (وبلامة) (وبلمات) والبلم كلمة هندية من (الولم) وقد تقدم وصفه ولا عرشة فيه، وله دقل وسكان، وحمل أصغره ١٠ طغارات وأكبر ٥٠ طغاراً. والابلام أربعة: بلم عراقي، وبلم بصري، وبلم عشاري، (بتشديد الشين) وبلم بغدادي.
أما العراقي، والبصري فهما واحد في الشكل والصناعة. وأما العشاري: (ويجمع عندهم على عشاريات): فهو كالبصري، والعراقي: إلا أنه صغير
стр. 594
ويصنع من خشب الساج أيضا: يبلغ طوله ٧ أمتار، في عرض متر واحد من الوسط. وهو ملقوط الطرفين مستوِ ومحل ركابه في الوسط، وهو لا يصلح إلا للتنزه والعبور من جانب إلى جانب أخر من النهر. ولا يسع اكثر من خمسة ركاب و (دافوعين): أي ملاحين: ويسير بالدفع والجدف؛ واكثر
سيره في نهر العشار الذي في البصرة، واليه ينسب. وليس له دقل، ولا سكان.
والعشاريات سفن قديمة عند العرب قال في التمدن الإسلامي ١: ١٦١ (. . . والعشاريات مراكب يسار بها في النيل.).
وأما البلم البغدادي: فهو بلم أصغر من العشاري ويخالفه في الهيئة والشكل ولوحه من خشب التوت، ومحل ركابه في مؤخره. وله سكان ولا دقل فيه وغاية ما يسع سبعة ركاب (وبلامين) أي جدافين: لأنهم يسمون صاحبه (بلاما): بتشديد اللام: ويطلى بطلاء ابيض يسميه أهل بغداد (بالبوية) والكلمة تركية. ويسميه أهل بادية العراق (مغراً) بالتحريك. وسيأتي ذكر البلم أيضاً في باب أشباه السفن باسم (القائق).
٤: (البوت) (بضم الباء وإسكان الواو والتاء) يجمع عندهم على (بواتي) والكلمة إنكليزية معناها المركب: وهي مهيلة لها صدر عالٍ وعرشتها أي عليتها وراءها منفصلة عنها وسكانها من الوسط وحملها مقدار ٦٠ طغاراً من الطعام وسيرها في أطراف البصرة.
٥: (الخشبة): بكسر الخاء وسكون الشين وفتح الباء الموحدة التحتية وفي الأخر هاء تجمع عندهم على (خشوب) والأقل على (خشبات) وهو زورق يصنع من خشب الساج يكون جنيباً للمهيلة الكبيرة جداً (وللبلم العراقي وهو الكبير أيضاً يستخف لحوائجهم: ويراد بالبلم العراقي ما كان أصحابه وبناؤه في شط الفرات) ويطلق عليه هذا الاسم أهل شط دجلة والبصرة أما البلم الذي يصنع في البصرة فيسمى عند أهل الفرات البصري وكذلك يقال سفينة بصرية.
٦: (الدائك - الدانق) بالكاف الفارسية وتجمع عندهم على (دوانك - دوانق) ويسميه البعض (عانية) بتشديد الياء يتخذ من لوح الساج وهو
стр. 595
مخصوص بالعبور ويبلغ طوله ٤ أمتار وعرضه من الوسط ٨٠ سنتيمتراً على التقريب يسع من ٦ إلى ١٠ رجال، وله دقل وسكان وطرفاه شبيهان بطرفي السفينة وهو بين السفينة والساجة واكثر ما يوجد في شط دجلة مما يلي العمارة وما فوق إلى الشرق الجنوبي وشط الغراف أيضاً.
٧: (الساجة): وزان الحاجة تجمع عندهم على (سوج) والبعض يسميها الساجية بتخفيف الياء، والأول اصح، لأنها مصنوعة من خشب الساج فسميت به: وأما لفظ الساجية فانهم يزعمون أنها مأخوذة من الساقية (والساقية) الجدول الصغير الجاري وذلك لأنها تجري
جريه في المسير. تسع من ٥ إلى ١٠ رجال، وطولها قراب ٥ أمتار وعرضها من الوسط الأعلى نحو متر واحد ومن الأسفل زهاء ٤٠ سنتيمترا، وطرفاها ملقوطان لقطا مستدقا، ولا فرق بين مؤخرها ومقدمها وقد يطول مقدمها على مؤخرها: وقد يغلف طرف مقدمها أو مؤخرها بالحديد وليس لها دقل ولا سكان وتسييرها على الأغلب يكون بالدفع ولهذا يسمون نوتيها اليوم (دافوعا) - إلا إذا قصر المردي (وهو ما تدفع به السفينة) ولم ينل رأسه الأرض لارتفاع الماء فيكون سيرها بالمجداف ويسمى عندهم (غرافة): بكسر الغين وتشديد الراء وهي مأخوذة من غرف الماء وحينئذٍ تكون بفتح الغين: وعامة بغداد يكسرونها وأهل الفرات يفتحونها وهي خشبة غلظها قبضة الكف وطولها قراب متر ونصف وفي أحد طرفيها لوحة مثلثة الشكل ورأس المثلث متصل بالخشبة ويبلغ طولها ٣٥ سنتيمترا تقريبا في عرض ٢٠ سنتيمترا. وكذلك تسيير (الخشبة) و (الدانك) و (الجلابية) و (المعيبر) و (العسبية) و (المشحوف).
ولعل يقابل هذه السفن السبع سفن أخرى كانت للأقدمين وهي (الزورق) و (البوصي) و (القارب) و (الركوة) و (المعبر). لأن أقدار هذه المراكب كأقدار تلك على ما يؤخذ من كلام ابن سيدة في المخصص.
٨: (السفينة) بكسر السين والفاء تجمع عندهم على (سفن) وهي عربية فصيحة: وفصيحها (بفتح السين) وقد اختلف في اشتقاقها: قال ابن سيدة في المخصص عن ابن دريد: (. . . السفينة: فعيلة بمعنى فاعلة مشتق من السفن - أي
стр. 596
القشر لأنها تسفن الماء كأنها تقشره والجمع سفن وسفائن: وحكى ابن جني: سفون: ونظيره (قطوف)
وقد تقدم وصفها أيضاً ولها دقل وسكان ولا عرشة فيها. واليوم تستعمل لحم التبن والاحطاب: وقد يطلق البعض اسم السفينة في الفرات على المهيلة الكبيرة الخالية من العرشة.
٩: (السمادية): (بتشديد الميم بعدها دال مكسورة ثم ياء مشددة) هي سفينة أكبر من الساجة يحمل فيها السماد وتوجد في أطراف البصرة وليس لها دقل ولا سكان واسمها مشتق من السماد.
١٠: (السماجية - السماكية): (بتشديد الميم بعدها جيم فارسية ثم ياء مشددة) أو (الجبارية
- القيارية) اسمان يطلقهما أهل بغداد على نوع واحد من السفن. والسماكية تصنع كما تصنع السفينة في دجلة وتطلى بالقار أيضاً: يبلغ طولها قراب ٥ أمتار وعرضها من الوسط نحو مترٍ واحد ولا تستعمل إلا لصيد السمك ومنه اسمها.
أما الجيارية فأنها تصحيف القيارية من القير وفيها دقل وسكان وقد يقلع منها الدقل في بعض الأحيان. وسيرها بالمجداف. وطول خشبة مجدافها قراب (٣) أمتار ويبلغ غلظها زهاء ٢٠ سنتيمتراً وفي طرفها لوحة مثل لوحة مجداف الساجة وقد تكبرها بقليل.
١١: (السنبك) أو السنبق (بضم السين وإسكان النون وضم الباء الموحدة التحتية وإسكان القاف أو الكاف الفارسية) ويجمع عندهم على (سنابك وسنابق) والكلمة يونانية الأصل. وهو شبيه بالبوت وسيره في أطراف البصرة.
١٢: (الشختور، أو الشخطور، أو الجخجور) (بفتح الشين وسكون الخاء وضم التاء) أسماء لنوع واحد وتجمع عندهم على (شخاتير، أو شخاطير، أو جخاجير): والشختور مشتق من الكشتور وهو الكشتري من كشتى الفارسية والكشتور تصغير كشتى على الطريقة الآرامية: يطلق
стр. 597
عليه اسم الجخجور (والجخجور) من ألفاظ أهل الفرات الذين بين الكوفة والبصرة يكون صنه من اللوح فقط، وهو ذو أربعة اركان، يبلغ طوله قراب ٣ أمتار، وعرضه نصف طوله. ويبنى في هيت، وعانة، وهو لا يصلح إلا لحمل النورة، والاحطاب، والقير المعروف بالسيال). وليس له سكان، ولا دقل. وإذا انحدر لا يستطاع أن يصعد به، بل تباع الواحه حيث يقف.
١٣: (الطرادة): (بفتح الطاء وتشديد الراء وفتح الدال المهملة بعدها هاء) وتجمع عندهم على (طراريد) والقليل منها على (طرادات) وهي عربية فصيحها طراد. قال في التاج: (طراد) ككتان سفينة صغيرة سريعة السير الجري. وهي اليوم كذلك وهيئتها كالمهيلة، وليس فيها عرشة، ولها دقل وسكان تسع من ٤٠ إلى ٦٠ رجلا وسير أكثرها في الفرات وقليلها في دجلة. وقد يطلق اسمها على غيرها من السفن.
١٤: (العسيبة): (بكسر العين وإسكان السين المهملة وكسر الباء وتشديد الياء بعدها هاء) تجمع عندهم على (عسابى): وهي تنسج نسيجا، ونسيجها من القصب والبردي. ويبلغ طولها ٣ أمتار في عرض متر واحدٍ وعمقها يتفاوت من نصف المتر إلى المتر وتطلى
بالقار واكثر ما يستعملها المعدان أهل الجاموس في الأهوار.
١٥: (الكروفي - القروفي) (بضم الكاف الفارسية والراء): وهو بين السفينة والبلم ويطلى بالقار. يسع ٣٠ رجلا وله دقل وسكان، وسيره في الفرات. ونسبته إلى رجل يسمى الحاج محمد بن كروف - قروف، من أهل الكوت، وهو أول من بناه على هذا الشكل فنسب إليه. وهو اليوم ساكن في الكوفة وصناعته فيها تعمير هذه السفن إلى يومنا هذا.
١٦: (الكار) جمع السفن المنحدرة، أو المغربة؛ كالقوافل، والكراوين في البر. قال في المخصص: (. . . الكار، سفن منحدرة فيها طعام في موضع واحد).
١٧: (الجايه - الكلية): (بتخفيف الياء بعدها هاء) تجمع عندهم على (جوايا - كوايا) وهي سفينة تصحب السفن المحملة من طعام وغيره،
стр. 598
لتخفف من حمل السفينة إذا جنحت في هور وغيره (أي إذا انتهت إلى الماء القليل فلزقت بالأرض) حتى تخف السفينة فتجوز ذلك المحل ويعاد بعد ذلك ما حملها إليها. ويتفاوت كبر الجاية وصغرها، فكبراها ما طوله ١٠ أمتار وصغراها ما طوله ٥ أمتار على التقريب: والجاية بالبصرة المهيلة الكبيرة، إذا قلع منها الدقل. ولا يصح عليها هذا الاسم إلا إذا ينزع منها.
١٨: (الكعد الصغير والكعد الكبير) (بكسر الكاف والعين كسراً غير بين) يجمع عندهم على كعود. وهو من نوع المهيلة) إلا أنه يطلى بالقار؛ وفنته تكون دائما أصغر من فنة المهيلة؛ وأن كان بمقدار المهيلة. يسع من ٢٠ إلى ٤٠ رجلا. وله دقل، وسكان، ولا عرشة فيه؛ وسيره في الفرات.
١٩: (الجلابية - الكلابية): (بفتح الكاف وتشديد اللام بعدها باء موحدة مكسورة يليها ياء مثناة تحتية مشددة بعدها هاء). واسمها عند معدان الهور والمعدان (قبيلة من الأعراب معروفة في العراق) (نجمة) ويسميها بعضهم (زعيمة) بالتصغير وهي تنسج، ونسيجها يكون من القصب. يبلغ طولها ثلاثة أمتار على التقريب، وعرضها من الوسط ٦٠ سنتيمتراً؛ ومن طرفيها قراب (٢٥) سنتيمتراً. وتطلى بالقار، وهي لا تصلح إلا لصيد السمك؛ أو عبور رجل من جانب إلى جانب آخر من النهر. وغاية ما تسع ثلاثة رجال، وليس لها دقل ولا سكان وسيرها في الفرات.
٢٠: (المسح): (بفتح الميم وكسر السين بعدها حاء) سفينة ليس لها عرشة.
٢١: (المشحوف): (بفتح الميم وإسكان الشين وضم الحاء المهملة يليها واو ثم فاء): ويجمع عندهم على (مشاحيف): مشتق من شحف لغة يمانية، وبدوية، في سحف يقال: (سحفت الريح السحابة ذهبت به.) ومنه أيضاً: (السحوف، الناقة التي إذا مشت جرت (بتشديد الراء) فراسنها على الأرض.) وهو الذي يسع من ٥ إلى ١٠ رجال، ويطلق عليه هذا الاسم من العمارة إلى المحمرة؛ وفي شط العرب من المدينة إلى سوق الشيوخ. وغاية
стр. 599
طوله ٧ أمتار، وعرض وسطه ٧٠ سنتيمتراً على التقريب من الأعلى، و٤٠ سنتيمتراً من الأسفل أي (من ساحته) وعرض صدره قراب ٣٠ سنتيمتراً؛ وعرض مؤخره نحو ٤٥ سنتيمتراً. وإذا ركب فيه الركاب لا يبقى من حاشيته المجاورة للماء سوى مقدار خمسة سنتيمترات.
ولا يمكن أن يركب فيه غير أهل تلك الديار، لأنه متى ما تحرك الراكب أدنى حركة غرف ماءً، وقد يتحارب فيه، لأنه سريع الجري؛ وتسييره بالدفع وقد يمشي بعض الأحيان على الردغة: أي (الطين الرقيق) وذلك إذا ضايق ركابه العدو وليس لهم مهرب سوى ذلك الطريق. ويظلل أيام الصيف؛ وذلك خصيص بالرؤساء الكبار. وخشبه من الساج. وليس له دقل، ولا سكان.
٢٢: (المعيبر): (بالتصغير) بلم من ابلام الفرات صغير يتخذ من لوح الساج، ويبلغ طوله ٥ أمتار على التقريب. وعرضه من الوسط ٨٠ سنتيمتراً؛ وهو مخصوص بالعبور يسع من ٦ إلى ١٠ رجال وقد يسمى صاحبه به؛ والاسم قديم. قال في المخصص: (. . . المعبر - المركب الذي يعبر فيه). وليس له دقل ولا سكان. وسيره في الفرات. ويسمى (المعيبر) في البصرة (بلماً) وذلك خصيص بالتنزه فيما بين العشار والبصرة.
٢٣: (المهيلة): (بإسكان الميم وفتح الهاء وسكون الياء بعدها لام مفتوحة يليها هاء): تجمع عندهم على (مهيلات) والأغلب يقولون (مهاييل) وقد سبق وصفها. وصغراها تحمل عشرين ظغاراً من الطعام ولها عرشة (أي علبة) ودقل وسكان وسير أكثرها في الفرات.
هذا ما يوجد اليوم من السفن في نهري دجلة والفرات. وفي دجلة بغداد طائفة أخرى تدخل في ضمن السفن التي تسمى بهذه الأسماء.
كاظم الدجيلي
المنصورية أو المنصوري
المنصورية أو المنصوري: نهر يعرف بهذا الاسم تابع لناحية دلي
стр. 600
عباس التابعة لقضاء بعقوبا؛ وهو أول نهر يخرج من ديالى أو تامرا، ويمتد إلى الغرب منها؛ ومخرجه من سلسلة جبال حمرين، من المحل الذي تنحدر ديالى منه إلى سهول العراق العربي؛ وينتهي إلى هور أبي فراش (بتشديد الراء وزان شداد) بالقرب من نهر المرفوع (أحد سواعد الخالص).
وطوله من مخرجه إلى منتهاه مسافة ثلاث ساعات للراكب، وأربع للراجل وعرضه متران ونصف، وفي بعض الأماكن يكون عرضه أربعة أمتار؛ وفوهته منحوته في الجبل المتكونة بعض طبقاته في ذلك المحل من البورق؛ وعمق النحت ٢٠ متراً وطوله مسافة ثلث ساعة وعرضه ثلاثة أمتار ومقدم النحت من جهة ديالى مبني بالطاباق والكلس، ولفوهته صناع أي باب من خشب وهو هناك من خشب التوت قد ركب في البناء وهو يرفع وينزل في فوهة النهر بحسب الاقتضاء والاحتياج إلى الماء أو لا. وعند نهاية القسم المنحوت في الجبل من هذا النهر رابيتان صغيرتان، علو الأولى القريبة من مجرى النهر أربعة أمتار وتسمى نفاضة الزنبيل، وعلو الثانية ثلاثة أمتار وتبعد عن الأولى خمسين متراً ولهاتين الرابيتين رواية خرافية يرويها أهل تلك الديار وهي: تحت مجرى هذا النهر في الجبل عفريت كانت تأجره صاحبة هذا النهر على عمله ديناراً في اليوم، وعند المساء كان يعيد لها الدينار فتؤاجره عليه فيزنى بها. وبقيا على هذا المنوال أياماً عديدة حتى تم نحت جدول النهر المذكور بدينار واحد. وتانك الرابيتان نفاضة زنبيل ذلك العفريت بعد إتمامه العمل في اليوم الأخير. ولهذا السبب يسمى الآن ذلك القسم من نهر المنصورية نهر الزناء أيضاً.
следующие страницы →