Полный текст (6 158 стр.). Показаны 5321–5360 · переход к 5326.
стр. 5321
الوهمي. ثم هيهات أن تكون البلحية دملة الشرق، إذ وصفها لا يتفق أبداً ووصف حبة بلادنا، فهي ليست بها ونحن نستبعد أن تكون إياها وان لم نكن من أبناء اسكولابيوس ولعل البلخية هي دملة الحلاف المعروفة عند الإفرنج باسم هذا رأينا نعرضه على الأطباء فلعلهم يجلون هذه القرحة البلخية المنسوبة إلى مدينة بلخ لا إلى البلح بمعنى التمر. (ولا يجوز أن يترك المنقول إلى ما ليس بمنقول) (ابن أبي الحديد ٣٨٢: ٣) اهـ.
وقد ورد ذكر البلحية في قانون ابن سينا (طبعة المطبعة العامرة ج ٣ ص ٢٨٨) حيث قيل: (والبلحية من جنس السعفة الرديئة وربما كان سببها لسعاً مثل البعوض الخبيث). حيى (كذا. لعلها حيا) الله ابن سينا وإضرابه. فقد أيد فن الطب الحديث قولهم إذ تحقق أن سب البلحية لسع نوع من البعوض.
(ل. ع) وجود البلخية بالمعجمة لهذه الحبة لو صحت لا ينفي وجود سائر لسمائها وهل يجهل حضرة الدكتور كثرة المرادفات في لساننا؟.
وجاء تعريف البلحية في المعلمة الطبية العربية الموسومة ببحر الجواهر للهروي هكذا: (البلحية هي قروح مع بثور وخشكريشات وسيلان صديد وهي متولدة من عض بق البلح. ولذا سميت به). أن هذا الوصف ينطبق تمام الانطباق على حبة الشرق ولا يدع مجالا للشك (كذا) غير أن بحر الجواهر هذا لم يطبع إلى الآن على ما اعلم سوى في الهند (كذا. لعله يريد في سوى الهند) وفي هذه الطبعة الهندية وردت كلمتا البلحية والبلح بصورة البلخية والبلخ بخاء معجمة. ويظهر أن هذا من جهل النسلخ. فالتبس من هنا البلح أي التمر ببلخ إحدى مدن تركستان وهي ضمن مدن أفغانستان الآن.
يظهر أن هذا الالتباس قديم وقد تمكن في الكتب وفي أدمغة الأطباء القدماء الذين أتوا بعد عصر ابن سينا وأبعدهم عن حقيقة المراد بهذا المرض وجعلهم يخبطون في تعرفه خبط عشواء. ففي شرح الأسباب لنفيس بن عوض ما نصه: (البلخية سميت بها لكثرة حدوثها في بلد بلخ. وهي قروح مع بثور وخشكريشات وسيلان صديد. وهي من جنس السعفة الردية. ولذلك تأكل ما حولها بالفساد ويحدث معها الخفقان والغشي لوصول خبثها وعفونتها بطريق الشرايين إلى القلب. وربما كان سببها لسع دويبة مثل البعوض الخبيث والرتيلاء.
وعلاجها علاج السعفة الرديئة. وينفعها خاصة أن تطلى بالطين والخل دائماً حتى يجففها قشراً
стр. 5322
قشراً وينتهي إلى العظم الصحيح). يرى أن المؤلف اخذ كلام ابن سينا القائل: (البلحية من جنس السعفة الرديئة وربما كان سببها لسعاً مثل البعوض الخبيث) فأضاف عليه (كذا) وحشاه ونسب المرض إلى أن بلخ مسوقاً بنقطة الخاء.
ومنه اخذ داود الانطاكي مع تحوير (كذا). فقد جاء في تذكرته (طبعة مصر ج ٢ ص ٣٨): (وأما البلخية وهي بثور وجدت أولا ببلخ ثم تقلت كالحب الذي وجد بالفرنجة فسمي فسببها حرارة غريبة دفعتها الغريزية عن القلب فقرحت ما حولها من غشاء الأضلاع والصدور ومن ثم يصحبها غشي وخففان وقد يتآكل منها حجاب الصدر فتقتل فمتى اسود الخارج أو احمر فلا علاج) اهـ.
إن هذين التعريفين مضطربان جداً لا يمكن أن يميز الطبيب ما أراد بهما صاحباهما أراد القرح الحلاقية (قروح السفليس) أم تسوس الأضلاع (من عصية كوخ) أم الجمرة الحميدة أم الجمرة الخبيثة.
ولا يمكنني الآن اكثر من مراجعة سائر الكتب الطبية التي تركها لنا السلف لأني في بغداد وكتبي في الموصل. ومن المحتمل إننا إذا أكثرنا المراجعة نجدهم قد كتبوها (بلخية) بالخاء المعجمة. لان الالتباس قد وقع قديماً. ولكن هذا لا يعني أن البلخية هي الصحيحة. وأني ارجح (البلحية) بالتحريك وبحاء مهملة للأسباب الآتية:
أولا - أن حبة الشرق تكون في الغالب في البلاد ذات النخيل فيظهر انهم توهموا مناسبة بين البلح (التمر) وبين هذه القرحة فسموها بالقرحة البلحية أو لأنهم علموا إنها متولدة من عض بق عرفوه باسم (بق البلح) كما جاء في تعريف بحر الجواهر أعلاه إذ قال: (. . . وهي متولدة من عض بق البلح ولذا سميت به).
(ل. ع) راجع ما كتبناه في دفع هذا الوهم إذ هناك بلاد كثيرة النخل وليس فيها هذه الحبة.
стр. 5323
ثانيا - لو أراد صاحب بحر الجواهر بلده بلخ لما قال (بق البلخ) بل قال (بق بلخ) لان بلخ لا تدخلها الألف واللام.
(ل. ع) أن الأعاجم كثيراً ما يدخلون (آل) على الأعلام الخالية منها فليراجع هذه المجلة ٨: ٣٨٢ وعمران بغداد للسيد محمد صادق الحسيني (في ص ٥ و ٩ إلى غيرها)
ثالثا - عرف ابن سينا البلحية بأنها من جنس السعفة الرديئة. ومعلوم انهم يقصدون بالسعفة أمراض جلد الرأس والوجه. وحبة الشرق أو الأخت، كما يسميها العراقيون، تظهر في الوجه على الأغلب.
(ل. ع) السعفة في كتب الطب: قروح في أصول شعر الهدب تجعله محرقاً كأصول سعف النخل تذكرة داود) وفي اللسان: السعفة: قروح في رأس الصبي. وقيل: هي قروح تخرج بالرأس، ولم يخص به رأس صبي ولا غيره. وقال كراع: داء يخرج بالرأس ولم يعنيه. وقد سعف (على المجهول) فهو مسعوف. وقال أبو حاتم: السعفة يقال لها داء الثعلب تورث القرع. والثعالب يصيبها هذا الداء فلذلك نسب إليها) فأين السعفة من حبة الشرق؟.
رابعاً - أن ابن سناتركي عاش في تركستان وتجول فيها وفي إيران كثيراً فهو اعرف الأطباء ببلاده سيما (كذا) ما يخص الأمراض. فلو كانت هذه القرحة منسوبة لبلخ لما تأخر عن ذكر ذلك.
(ل. ع) ونحن نقول: أن حبة الشرق معروفة في العراق منذ اقدم الازمنة، واشتهر في العراق أطباء لا يحصون لكثرتهم ولم نجد من قال إنها معروفة فيه أو سماها باسم اشتهرت به. أفهذا دليل ينقض جودها في سابق الزمن؟ ولم نجد من سماها بحبة حلب سوى الإفرنج. فما يقول حضرته؟ ونحن لا نظن أن كلمة (بلحية) صحيحة ولو كانت كذلك لذكر ابن سينا منسوبة إلى البلح لوجودها في البلاد التي يكثر فيها البلح. وإنما نفضل رأي من يقول أنها بلخية لان جماعة من الأطباء ذكروا أنها منسوبة إلى بلخ المدينة المشهورة بنص صريح. ولم يصرح أحد أنها منسوبة إلى البلخ بمعنى التمر فالنص يقتل الوهم والاستنتاج
стр. 5324
والتخريج وما كان من هذا القبيل.
خامساً - يفهم من تعريف نفيس بن عوض وداود الانطاكي لبلخيتهما انهما أرادا أما الصموغ والقروح الحلاقية (الإفرنجية) أو تسوس الأضلاع أو الجمرة الحميدة أو الجمرة الخبيثة. وهذه كلها أمراض منتشرة في جميع العالم منذ القدم لا يمكن حصرها ونسبتها لبلدة بلخ.
(ل. ع) لكن قد ينسب شيء إلى بلد دون بلد آخر لعله نجهلها فقد ذكر العرب: طواعين الشام، وطحال البحرين، وحمى خيبر، وعرق مكة، ووباء مصر، وبرسام العراق، والنار
الفارسية إلى غيرها. وهي موجودة في بلاد أخرى. اهـ.
سادساً - لم نسمع في زماننا بقرحة خاصة ببلخ ولم نقرأ في كتب الطب الحديث شيئاً من هذا القبيل. مع أن أطباء هذا العصر ذكروا أمراضاً خاصة ببعض بقع من أواسط أفريقيا (كذا) وأقصى الشرق والغرب كالفرمبوازية وقدم مادورا والبري بري وغيرها وغيرها مما لم يذكره الأقدمون.
(ل. ع) ذكر السيوطي في كتابه الكنز المدفون والفلك المشحون المطبوع في المطبعة العثمانية في مصر في سنة ١٣٠٣ ص ١٢٨ في عرض كلامه على ما خص به كل بلد: (قروح بلخ) بعد أن ذكر قبيل ذلك (دمامل الجزيرة) التي هي عندنا ما نسميها بالأخوات والوحص والعد فاشتهار بلخ بقروحها نسف ما بناه الدكتور من أوله إلى آخره من غير أن يبقى منه أثراً.
سابعاً - كثرة تكرار الغلط في النسخ لا يكون دليلا على صحته. فأنك لا تكاد تجد نسخة من كتب الطب القديم إلا وفيها كلمة (قرانيطس) بالقاف و (شقاقلوس) بقافين حين أن الصحيح هو (فرانيطس) بالفاء، وشفاقلوس) بفاء بعد الشين. لأنهما كلمتان يونانيتان
و (ل. ع) وبهذا الدليل ننكر عليه عدم وجود البلخية ولا نسلم له بأنها البلحية. وهذه أن وجدت بهذا اللفظ والضبط ليست أبداً بحبة الشرق في شيء أي أن البلحية غير البلخية وغير دمامل الجزيرة.
стр. 5325
ثامناً - تسمية الترك لحبة الشرق (خرما جيباني) يدل على انهم ترجموا (القرحة البلحية) ترجمة من القديم.
(ل. ع) بينا ضعف هذا القول قبل هذا فليراجع. اهـ.
هذا ما عن لي في هذا الباب. وأني أرجو من المطالعين أن يأيدوني (كذا) في هذا الرأي إذا استحسنوه وجدوه صحيحاً أو يرشدونا للصحيح.
الدكتور داود الجلبي
رد تهمة وقعت من غير قصد
كان الدكتور ف. كرنكو قد كتب في هذه المجلة (٨: ٤٥٠) كلاماً حول ترجمة القوصونيين التي كنت نشرتها في مجلة عينها جاء فيه: (إن القوصوني منسوب إلى الأمير قوصون. .
وهو أحد السلاطين الجراكسة في مصر، وكان من مألوف العادة أن المماليك يتخذون اسامي مواليهم في النسبة).
فأراد الفاضل عبد الله مخلص أن يصحح كلمة جاءت في هذا الكلام فقال: (في ج ٩ ص ٦٩٩ من هذه السنة) ما نصه: (أما هذه النسبة فكمأ قال الدكتور سالم (يريد الدكتور فريتس كرنكو) ترجح أن يكون إلى قوصون الرجل أحد أمراء دولة المماليك لا من سلاطينها كما زل به قلم الدكتور الجلبي. . .) فيظهر أن حضرة الكاتب كتب ما كتب ولم تكن أمامه المجلة وخانته ذا كرته فنسب إلى كلام غيري وبرأ قائله.
أما أنا فكنت نقلت القوصونيين ولم أتصد لتعريف قوصون. فليراجع كلامي.
على أني اشكر الفاضل عبد الله مخلص على تتبعاته وإتحافنا بفقرات من تاريخ ابن اياس تخص الموضوع وتزيده إيضاحاً. بارك الله فيه.
الدكتور داود الجلبي
الأب انستاس ولحن الحديث
جاء في لغة العرب (٨: ٦٣١): (ونحن نرى بين الأدباء السادة من إذا تعرض لمثل هذا التأليف، عثر عثرات هائلة، فلا عجب بعد هذا، إذا زلت السيدات، وهفون هفوات. فذلك مما يستحسن فيهن، فقد قال أسماء
стр. 5326
الفزاري (كذا):
منطق رائع وتلحن أحيا ... ناً وخير الحديث ما كان لحناً)
فيرى الأب صاحب المجلة أن المقصود من هذا البيت اللحن الذي هو الغلط في الكلام، ولكن أساتذة الأدب نبهوا على هذا البيت، واللحن المستحسن من المرأة هو الظرف، والفطنة، والكناية، واللغز، لا اللحن الذي هو خلاف الصواب. وأول من أشار إلى هذا المعنى في تأليفه السيد المرتضى:
قال يحيى بن علي المنجم: قال: حدثني أبي قال: قلت للجاحظ: أني قرأت في فصل من كتابك المسمى بكتاب البيان والتبيين (١: ٨٢ من طبعة المطبعة السلفية) إنما يستحسن من النساء اللحن في الكلام، واستشهد ببيتي مالك بن أسماء الفزاري:
وحديث ألذه هو مما ... ينعت الناعتون يوزن وزنا
منطق صائب وتلحن أحيا ... ناً وأحلى الحديث ما كان لحنا
قال هو كذلك فقلت: أما سمعت بخبر هند ابنة أسماء بن خارجة مع زوجها الحجاج، حين لحنت في كلامها، وهي عنده. فقال تلحنين وأنت شريفة في بيت قيس؟ قالت: أما سمعت قول أخي مالك لامرأته الأنصارية؟ قال: ما هو؟ قالت: قال:
وحديث. . . الخ
قال لها الحجاج: إنما عنى أخوك: أن المرأة فطنة، فهي تلحن بالكلام إلى غير الظاهر بالمعنى، لتستر معناه، وتوري عنه وتفهمه من أرادت بالتعريض كما قال الله : (ولتعرفنهم في لحن القول) ولم يرد أخوك الخطأ من الكلام، والخطأ لا يستحسن من أحد. فوجم الجاحظ ساعة، ثم قال: لو سقط إلي هذا الخبر اولا، قلت ما تقدم. فقلت له: فأصلحه. فقال الآن، وقد سار به الكتاب في الآفاق.
وفي الحديث: (لعل أحدكم يكون ألحن بحجة من بعض) أي افطن لها وأغوص بها، إنما يسمى التعريض لحنا، لأنه ذهاب بالكلام إلى خرف جهته.
فهذا خلاصة هذا الفصل ومن أراد التوسع فعليه بكتب الأدب، فلا عتب
стр. 5327
على الأب بعد هذا فقد سبقه إليه أمام البيان الجاحظ.
الشطرة: ر. ش
(لغة العرب) كنا قرأنا كل ذلك في كتب الأدب. ولكن المقام الذي وجدنا فيه مقام يوجب علينا اتخاذ أحد المعنيين المذكورين في كتب الأدب دون الآخر. وقد ذكر الجاحظ في البيان والتبيين (في ١: ٨٢ من طبعة المطبعة السلفية)
كلاماً طويلاً ترسل فيه ترسلا، بين فيه أن اللحن واللثغة وبعض كتاب الصبيان تستحسن في البنات في بعض الأحوال وتستقبح في أحوال أخرى. إذن فالتمسك بمعنى دون معنى يعد من سقط المتاع وما كان في نيتنا أن ندرج هذا الاعتراض لضعفه، إلا أن وقوع مثله ونظائره في خلد بعضهم أهاب بنا إلى درجة ورده خوفاً من أن يسري هذا الوهم وأشباهه إلى قوم لا يتبصرون في ما يقرءون، ولا يميزون ما يطالعون.
كوت العمارة وليس كوت الإمارة
ليعقوب أفندي نعوم سركيس جلد في تتبع الاخبار، وتمحيص الحوادث، ومن حسنات يراعته انه إذا تناول مبحثاً من المباحث، يوفيه حقه من التهذيب والتحقيق بصورة لا يترك
معها مجالا لمدقق، ولا قولا لباحث، وهذا ما يشكر عليه.
ومن مباحثه الحديثة الشائقة: (العمارة وكوت العمارة)، وقد أصاب كبد الحقيقة بقوله: (كوت العمارة وليس كوت الإمارة). ولما كنت أحد الكتاب الذين تتبعوا هذا البحث، ودونوا عنه نتفاً من وصف ومشاهدات كبار الرحالين والمؤرخين، في القرن الماضي. رأيت أن اذكر ما فات حضرة الكاتب المدق:
جاء في كتاب بين النهرن وآشور لمؤلفه فرازر ص ٢٩ - ٣٠ الطبعة الثانية، في مدينة ادنبرج عام ١٨٤٢ ما تعريبه:
(بعد أن يجري دجلة بين خرائب طيسفون وسلوقية يندفق في ارض غريلية عميقة ويصب في مستنقع أيضاً. ولا تختلف ضفتاه عن ضفتي الفرات. وهناك على طول النهر تلال ورواب تمثل مساكن الأقدمين، ويتخللها مضارب العرب،
стр. 5328
وأكواخهم، وعدة قرى كبيرة، وأعظمها كوت العمارة وقد أطلق اسمها (أب البلدة) على ذلك النهر حتى القرنة حيث يقترن النهران العظيمان ويتألف منهما شط العرب).
بغداد: رزوق عيسى
في الأمالي اللغوية
٣ - قال السيوطي في ٢: ١٩٩ من المزهر: (أردت أن أجدد إملاء اللغة واحييه بعد دثوره فأمليت مجلساً واحداً (في سنة ٨٧٢ كما ظهر لنا) فلم أجد له حملة ولا من يرغب فيه فتركته وآخر من علمته أملي على طريقة اللغويين أبو القاسم الزجاجي له أمال كثيرة في مجلد ضخم وكانت وفاته سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة ولم اقف على آمال لا حد بعده) قلنا: أملي بعد الزجاجي الشريف المرتضى وفي آخر أماليه: (هذا آخر مجلس أملاه الشريف المرتضى علم الهدى ذو المجدين أبو القاسم علي بن الحسين الموسوي ﵁ ثم تشاغل بأمور الحج) وقال ابن خلكان في ١: ٣٦٥) من وفياته عنه. (وله الكتاب الذي سماه الدرر والغرر وهي مجالس أملاها تشتمل على فنون من معاني الأدب تكلم فيها على النحو واللغة وغير ذلك وهو كتاب ممتع يدل على فضل كبير وتوسع في الاطلاع على العلوم) ثم قال: (وكانت ولادته في سنة سنة خمس وخمسين وثلاثمائة وتوفي يوم الأحد الخامس والعشرين من شهر ربيع الاول سنة ست وثلاثين وأربعمائة ببغداد ودفن في داره عشية
ذلك النهار) قلنا: ثم نقل قبره إلى كربلاء.
٤ - وورد في (٥: ٩٥) من لغة العرب قول الرصافي: (وأما آخره كالسالم) والصواب: (فكالسالم) لان جواب (أما) يربط بالفاء كائناً ما كان وورد في ص ٣٤٧ قوله: (الفعل المضارع هو ما دل على حدث مقترن بزمان الحال أو الاستقبال) والصواب أن يقول: (مقترن بزمن الماضي مثل: لم يذهب ولما يذهب أو الحال مثل: ما يذهب وأنني لأذهب. أو الاستقبال نحو: سأذهب ولن يذهب أو كلا الأخيرين نحو: اذهب) فهذا هو الصحيح. وفي ج ١ ص ٢١٧ من المزهر: والمضارع كذلك وهو مشترك بين الحال والاستقبال) ولم يذكر مشاركة الماضي فيه ولكن تعريفه مقارب.
مصطفى جواد
стр. 5329
أسئلة وأجوبة
تفاني
س - مرسيلية - ي. م: أوردتم غير مرة أن لفظ (تفاني) غير عربي فهل تعنون حضرتكم أن أهل العربية قد نهوا عن بناء صيغة (تفاعل) من ذلك من مادة فني فلا يستقيم لنا إلا أن ننتهي بنهيهم؟ أم تريدون انه لم يسمع منهم إفراغ ذلك اللفظ في هذه الصيغة فيلزمنا الوقوف عندما قالوه؟ فان كان مرادكم الوجه الاول فما احرانا بالسؤال: هل لاح لنذركم الغرض الذي أداهم إلى تجريد تلك المادة من رشاقة (تفاعل) ورميها بمثل هذا الهجر والاهمال؟ ام تريدون أن لغتنا إنما اختصتها حكمة الواضع بمزية الاشتقاق وعلى أثره نشط المؤيدون بالبصيرة من ذويها لاستقراء أبنية المشتقات وتحقق أحكامها والتوفر على استبطان صيغ للخروج وما يتعاورها من ضروب المعاني ووجوه الاستعمال قصد تمهيد السبل للخروج باللغة من طور الحكاية والتقليد إلى طور الصناعة والنظر، وذلك باتخاذ أوضاعها المرتجلة أصلا يرجع إليه كل ما دعت الحال إلى الأحداث ويستنبط منه ما يراد من الأغراض والمطالب التي تحتملها معنى ولفظاً، فتعقيم هذه الصيغة في تلك المادة (مادة فني) ألا يعد من موجبات الاستغراب والاستنكار؟ وإلا فلماذا (تضافروا) على صوغ تعاطي، تباهي، تحاشي، تواري، تعافي، إلى غير ذلك مما يتجاوز حد الحصر، و (تناكصوا) عن بناء تفاني؟ وان كان قصدكم الوجه الثاني فما كان يستتب لمنكر أن ينكر عليكم ذلك لو كان أرباب اللغة قد نطقوا بجميع الصيغ والتصاريف التي تحتملها كل لفظة، لكنكم إذ كنتم في مقدمة القائلين بخلاف هذا الأمر لأنه محال، فيكون ما تأولناه من كلامكم غير منطبق على مقصودكم ولذلك نترجى أن تكاشفونا بما تراءى لحضرتكم من هذه المسألة تمحيصاً للحقيقة وإرشاداً للبصيرة.
стр. 5330
ثم قد وردت عنهم أيضاً أشياء آخر ليست بأقل غرابة مما ذكرنا وذلك كتصويرهم لفظ (الهوينا) بالألف القائمة بينما كان حقها أن ترسم بالألف الجالسة على ما هو القياس. فهل استوضحتم علة مخالفة تصوير الهوينا بالياء؟ أو ليس أن ما ظهر ثبوت القياس فيه أن في الوضع وان في الرسم حقيق بان ينزل على حكمه وان لم يطرد في المنقول ولا ينتظم في
نسق ما تناهي إلينا من الرسوم؟ وإلا لم يبق للقياس معنى. بلى أن لبعض القواعد شذوذاً مصرحاً بها ومصطلحات شائعة لم يكن بد من مشايعة سننهم فيها للتميز بين حال وحال فيرتفع به اللبس والأشكال، لكن ما لم يرد تصريح بشذوذه فلا يشذ وكذا القول في حصر قواعد الاصطلاح أو مالا يستقيم تعليله سديداً. إذن أليس من مقتضاه أن يوسم بميسم الخطل والتحريف اللذين هما للنسخ والنقل اظهر أليف وحليف؟.
ج - يحق علي قبل جوابي أن اشكر للأب الجليل صاحب لغة العرب ثقته بي وتوجيهه بالسؤال ألي وأنا في بلد ليس فيه معي من الكتب المسهلة للتحقيق سوى مجلدين من شرح ابن أبي الحديد والمنجد الذي لا ينجد. وهذا لا يمنع من الاستضاءة بالعقل ولا من الاستنجاد بالحق والجواب الذي أجيبه يشتمل على أمور:
١ - أم كان السؤال عن وجود صيغة (تفاني) فما اسهل الإجابة عنه بان (تفاني) من الأفعال الواردة المشهورة فقد قيل: (تفانيا) أي أفنى أحدهما الآخر. و (تفانوا) بمعنى أفنى بعضهم بعضاً واحفظ قول زهير: (تفانوا ودقوا بينهم عطر منشم) ونقل ابن أبي الحديد في (٢: ٢٨٦) من شرحه قول شيخ من حضرموت شهد مع علي (ع) صفين (فتجالدوا بالسيوف وعمد الحديد لا يسمع إلا ضرب الهامات كوقع المطارق على السنادين ومرت الصلوات كلهم فلم يصل أحد إلا تكبيراً عند مواقيت الصلاة حتى تفانوا) أي اهلك بعضهم بعضاً، فهذا جواب وجه اوجه السؤال.
٢ - أن كانت المسألة عن وجود (تفاني) بمعنى (تهالك) كأن يقال: (تفاني فلان في عمله) فالجواب عنها عندي إنكار هذا التعبير لان التفاني يستلزم متضادين فاكثر وقد يصح التفاني في الإنسان الواحد إذا أصابه مرض فالجراثيم
стр. 5331
(فالمكروبات) فيه يفني بعضها بعضاً فيقال (تفاني فلان) أي تفانت الجراثيم (المكاريب) فيه. وهذا خارج عن المراد.
٣ - أن احتجاج السائل بتعاطي وتحاشى وتوارى لا وجه له لان تعاطى مطاوع (عاطاه). وتحاشى مطاوع (حاشاه). وتوارى مطاوع (واراه)، فعلى هذا يكون (تفاني) المزعوم مطاوعاً ل (أفناه) ولا أحسه وارداً لان (فاعله) بمعنى (افعله) أو (فعله تفعيلا) شاذ ولان (فاعله) وجهه أن يكون لأحد المتفاعلين لفظاً أو معنى، ولم يصب اللغويون في عدهم (المفاعلة) كالتفاعل لان التفاعل يقتضي التشارك ولا تقتضيه المفاعلة ويدل على ذلك
قولك: (ظاهرته فلم يظاهرني) وقول الشاعر:
فلأياً قصرت الطرف عنهم بجسرة ... أمون إذا (واكلتها لا تواكل)
وان (تفاني) لو عد مطاوعاً ل (فاناه) المنكر ما جازت عليه المطاوعة لأنه لا يقبل اثر الفعل كما لا يجوز أن يقال (انقتل) مطاعاً ل (قتله).
أجل يجوز (فاناه) بمعنى حمله على التفاني بينهما.
٤ - أن تمثيله ب (تعمي) ليس بالوجه لأنه بمعنى اظهر العمى. وليس به فهذه الصيغة من صيغ الرياء، وتعلقه بها تنبيه على أرادته (تفاني) بمعنى (تماوت) وهو مخالف لتعاطي وأشباهه فاختلاف الأمثال يدل على اضطراب الحال في هذا السؤال.
٥ - أن الحاجة لا تدعونا إلى صوغ (تفاني) بالمعنى الذي يريده السائل على ما استبان لي وشرط الاشتقاق الاحتياج إليه وبهذا يسقط كل ما جاء به السائل من شبهات الحجج ومدخول الأدلة.
٦ - قرأت في خزانة الأدب أن (تفاعل) يأتي للمبالغة كتباعد وإذ علمت انه مطاوع ل (باعده) كتقارب مطاوع (قاربه) وان فاعله) لغير أحد المتشاركين شاذ لم يبق محل لحلول المبالغة في (تفاني) المعلق وجوده بوجود (فاناه) بمعنى (أفناه) لان الفناء لا مبالغة فيه على الحقيقة.
٧ - لا ننكر أن (تفاعل) قد ورد لمعان كثيرة إلا أنها نادرة مثل (تعاظمته وتدارسته) و (تهالك وتطال) و (تطاير وتناثر) ولكن القياس كما قلنا
стр. 5332
سابقاً معلق بالاحتياج وأوقن أن هذا مذهب صاحب المجلة أيضاً. وفقنا الله جميعاً للنجاح والفلاح.
دلتاوة ٢٠ - ٨ - ١٩٣٠
مصطفى جواد
(لغة العرب) كل ما قال حضرة الأستاذ المصطفى هو عين الصواب. أما كتابة الهوينا فمن خطأ محيط ومن نقل عنه. والصواب الهويني بالقصر وبالياء لا بالألف القائمة ولا بالمد.
نشوار المحاضرة في شرح نهج البلاغة
س - بغداد - ب. م. م: هل عرف ابن أبي الحديد صاحب شرح نهج البلاغة: كتاب نشوار المحاضرة للقاضي التوخي وهل ذكره في كتابه؟.
ج - صاحب شرح نهج البلاغة من أكابر العلماء الواقفين على مئات من الأسفار الجليلة ولا جرم انه وقف على نشوار المحاضرة. وقد استشهد به مرارا في شرحه، لكن طبعه مشحون أغلاطاً فظيعة لان متولي نشرة لم يرموا به إلى تعميم الأدب بل الكسب والمتاجرة فجاءت النسخة مشوهة أشنع تشويه وقد خيل إلينا أن اسم نشوار المحاضرة لم يأت على وجه على وجه واحد سوي، بل جاء في كل موطن بصورة مختلفة عن الصورة السابقة. ونحن نتذكر إننا قرأنا في الجزء الثاني من هذا الشرح للنهج في ص ٣٦٠ قوله: (ذكر ذلك التنوخي في شواذ المحاضرة) وليس للقاضي تصنيف بهذا الاسم، هذا فضلا عن أن معنى لقولهم: (شواذ المحاضرة) والقاضي التنوخي اختار لاسم كتابة لفظة أعجمية غير مألوفة عند إنما كانت مألوفة عند فضلاء عصره ثم ماتت ولهذا صحف هذا الاسم بوجوه عديدة منها: نشوان المحاضرة، وشواذ المحاضرة وشوارد المحاضرة. ونشادر المحاضر، ونشادر المحاضرة، وقنوان المحاضرة، إلى مالا يحصى.
سبق لسان وسبق قلم
س - القاهرة - أحد الأدباء: ما يقابل اللفظتين وفان ما وجدته في المعاجم الإفرنجية العربية لم يرضني:
ج - يقابل الأولى (سبق لسان) والثانية (سبق قلم) وهما المشهورتان في كتب السلف الأدبية.
стр. 5333
باب المشارفة والانتقاد
١٤٥ - الفيلسوف الفارسي الكبير صدر الدين الشيرازي
حياته وشخصيته واهم أصول فلسفته
أطروحة بقلم أبي عبد الله الزنجاني عضو المجمع العلمي العربي في دمشق
طبع بمطبعة المفيد في دمشق في ٥٦ ص بقطع الثمن الكبير
صديقنا العلامة الجليل والمجتهد الشهير الشيخ أبو عبد الله الزنجاني من أعلام إيران الذين يشار إليهم بالبنان. وقد عين عضواً في المحفى العربي في دمشق وطلب إليه أن ينشئ أطروحة في ما يختاره من المباحث، فوضع هذا التأليف الذي لا صنو له في لغتنا الضادية. وكان ادرج أولا في مجلة المجمع ثم أراد أن يعمم فوائد بين الناس فطبعه على حدة، فأفاد فائدتين جليلتين في وقت واحد لأنه رفع ذكر أحد علماء الفرس الحديثين ووقف قراء لغتنا على فيلسوف شهير يعرفه أبناء الغرب ولا يعرفه أهل الشرق الأدنى. فنشكر صاحب الفضيلة على هديته هذه ونتمنى لها رواجاً عظيماً بين القراء.
١٤٦ - كتاب صورة الأرض (هدية)
من المدن والجبال والبحار والجزائر والأنهار
استخرجه أبو جعفر محمد بن موسى الخوارزمي من كتاب جغرافيا الذي ألفه بطلميوس القاوذي وقد اعتنى بنسخة وتصحيحه هانس فون مزيك، طبع في مدينة فينا الجليلة بمطبعة آدولف هولز هورن سنة ١٣٤٥هـ وسنة ١٩٢٦م في ١٦٤ ص بقطع الثمن مع خمس خرائط مصورة على الأصل وصورة صفحة واحدة من النسخة الخطية وكلها بالتصوير الشمسي.
كانت نسخة هذا التصنيف الخطية أو نظيرتها عرضت علينا قبل الحرب
стр. 5334
للشراء فدفعنا بها خمسين ذهباً عثمانياً فأبى صاحبها أن يبيعها بهذا الثمن، ثم سمعنا أن أحد الألمان اقتناها بخمسة وسبعين ذهباً. ولم نتأسف لأننا علمنا أن أحد مستشرقيهم يعني بنشرها وتعميم فوائدها فلم يكذب ظننا وها أن هذا السفر الجليل اصبح شرعة لكل وارد وهو من اجل
الأسفار الباحثة عن وصف ما يعلو وجه الأرض من أقسام اليبس والماء فهو من أمهات الكتب التي يعتمد عليها. وقد قدم عليه ناشره مقدمة بالألمانية واصفا فيها النسخة الأصلية. وفي نيته أن ينقله إلى لغته الألمانية فعسى أن تصح العزيمة.
١٤٧ - كتاب عجائب الأقاليم السبعة إلى نهاية العمارة (هدية)
وكيف هيئة المدن وإحاطة البحار بها وتشقق أنهارها ومعرفة جبالها وجميع ما وراء خط الاستواء والطول والعرض بالمسطرة والحساب والعدد والبحث على جميع ما ذكر. تصنيف سهراب وقد اعتنى بنسخة وتصحيحه هانس فون مزيك، طبع في مدينة فينا الجليلة بمطبعة آدولف هولز هوزن سنة ١٣٤٧هـ وهي ١٩٢٩م، في ٢٠٠ ص بقطع الثمن.
هذا كتاب لا غنى عنه لكل عربي يريد الوقوف على ما أبقاه لنا السلف لأنه يحوي وصف ما على حضيض ديارنا من مدن وبحار وأنها إلى غيرها من الفوائد التي لا تحصى. وهو يفيد خاصة العرقيين لأنه فيه وصفاً دقيقاً للرافدين ولدار السلام ولسائر ما في عراقنا العزيز من مدن وديار وذلك في عصر العباسيين، وقد احسن المصحح في إظهار مواطن الوهن من هذه النسخة إلا انه لم يصحح ما ورد فيها من الخطأ في ص ١٠٠ إذ ذكر جبل حمرن والصواب جبل حمرين كما هو مشهور به إلى الآن وكما كان معروفاً في عهد بني العباس. وكذلك اخطأ في ص ٩٨ إذ ذكر (جبل ارما في جزيرة) والصواب: (جبل بارما في الجزيرة) (راجع معجم البلدان لياقوت في مادة (بارما) وتصحيح الأعلام من اشق الأمور على العلماء لمسخ النساخ لها أسوأ المسخ ومع ذلك نرى المصنف قد أجاد في ما صحح في اغلب المواطن. وقد صمم المؤلف على نقله إلى الألمانية
стр. 5335
أيضاً فحسناً يعمل. ولم نجد لهذا الكتاب ولا لأخيه السابق فهارس الأعلام وهذا يفقده شأناً واعتباراً. فعسى أن توضع بعد هذا!
١٤٨ - سكان عربة الأقدمون وصلات ديانتهم بدين موسى
(هدية)
لمؤلفه فرنسيس خبير كرتليتز من رهبانية البريمنتريين
هذا كتاب لاتيني العبارة وقد وضعه صاحبه في ١١٣ ص بقطع الثمن وبحث فيه عن العرب الاول منذ اقدم العهد إلى صدر الإسلام وقد راجع في هذا الموضوع كل ما جاء عنهم في الآثار القديمة مما دون على الآجر والرخام والمهارق وما كتبه الآشوريون والمصريون والحثيون والعبريون واليونانيون والرومانيون والعرب أنفسهم. فكان هذا الكتاب على صغر حجمه وقلة صفحاته من احسن ما صنف في هذا الموضوع لأنه جلي التقسيم والفصول ومنظم احسن تنظيم. على إننا لا نريد أن ننزهه من الأغلاط. وأول مغامزه انه لا يجري على أسلوب واحد في رسم الحروف العربية ومنها انه قال أن الأقدمين كانوا يسمون مكة: بكة. وغير العرب يسمونها مكروبا (ص ١٥) وقال في الحاشية: (ذهب أ. غلاسر أن الاسم الذي يسمي به بطلميوس مكة تصحيف للمحراب (وهو الهيكل) اهـ. ونحن لا نوافق هذين الأديبين على رأيهما إذ أين الثريا من الثرى وأين مكوربا من محراب. والذي عندنا أن مكوربا هي (مكة ربى) أي مكة العظمى. واصل معنى مكة باللغة الآشورية (وكذا في العربية القديمة) الحظيرة. ومثلها قول العرب الحيرة وهي حاضرة العرب في العراق واصل معناها الحظيرة. وهناك غير هذه الأوهام فاكتفينا بما ذكرنا، إلا أن ذلك لا ينزع ما في هذا التصنيف من الفوائد الجليلة التي لا ترى في أمثاله.
стр. 5336
١٤٩ - كتاب الوزراء والكتاب (هدية)
تصنيف أبي عبد الله محمد بن عبدوس الجهشياري
طبع مطابقاً للأصل خطاً وصورة عن نسخته المحفوظة في دار الكتب الوطنية بمدينة فينا وهي وحيدة لا يعرف غيرها في بلد من البلاد وقد أضاف إليه الناشر مقدمة وفهرساً وبين ما يحتوي عليه أبوابه باللغة الألمانية موجزاً طبع في مدينة فينا الجليلة بمطبعتي ماكس يافي وادولف هولزهورن سنة ١٣٤٥هـ وهي سنة ١٩٢٦ م في ٤٧٩ ص عربية بقطع الثمن و ٤٠ ص ألمانية.
يعرف المستشرقون من أين تؤكل الكتف ولهذا تراهم يعنون كل العناية بإخراج احسن كتب السلف إلى عالم المطبوعات. وهذا التأليف جليل جداً للأخبار التي تتعلق بأوائل الإسلام إلى آخر عهد المأمون. والجهشياري لا يتعرض في كل ما ذكره إلا للكتاب والوزراء. وهذا السفر مصور من أوله إلى آخره ومطالعته اصعب من مطالعة الأسفار المطبوعة بالحرف الجلي المتخذ في المطابع ولهذا يفضل كثيرون مطالعة مثل هذه المصنفات على المصنفات المأخوذة عن أصولها المخطوطة سواء أكانت بخط مؤلفيها أم ناسخيها، على أن الاحتفاظ بمثل هذه الأسفار على ما هي أمتع للعلماء لأنهم لا يتمكنون من درس الأصول الأمهات على ما هي، لا على ما أوصلها إلينا ناشروها. وعلى كل حال إننا نشكر للناشر نشر هذه المآثر وبثها بين الجمهور لما يتوقف عليها من معرفة آثار السلف ودروسها وإكتناه ما في بطونها من الدر واللآلئ.
١٥٠ - أخبار عبيد بن شرية الجرهمي في أخبار اليمن
وأشعارها وأنسابها
كنا قد ذكرنا كتاب (التيجان) في مجلتنا (٨: ٤٧٦) وفاتنا أن نذكر أن فيه كتاباً آخر ليس دون الاول فائدة وهو (أخبار عبيد بن شرية الجرهمي) وقد دونت في عهد معاوية بن سفيان، فهي إذن من اقدم الأنباء التي أودعت المهارق في صدر الإسلام وهذا السفر على قطع كتاب التيجان وبحرفه ويقع في ١٨٥ ص وقد تولى نشره الأستاذ الدكتور ف. كرنكو. وفيه قصائد قديمة وبينها طويلة مما يوقع الشك في صدر قارئها بأنها أنشدت في الجاهلية. وعلى كل
стр. 5337
حال فهذه الأخبار مما يجب التهالك عليها لأنها مرآة آداب العصر الأموي على اقل تقدير. ويؤخذ على طبعه أن حروفه غير حسنة ومكسرة في مواطن عديدة وليس في آخره فهارس وهو مما يسقط ثمنه ويقلل نفعه ويزهد الرغبة في اقتنائه. فعسى أن تنشط هذه المطبعة من عقالها البالي وتأتم بأعمال المستشرقين والمصريين وتجاريهم في الطبع ووضع الفهارس وحسن الورق. فإلى متى تبقى على تلك الحالة التي كانت عليها قبل نصف قرن؟.
١٥١ - موجز تاريخ البلدان العراقية
بقلم السيد عبد الرزاق الحسني
مختصر في تاريخ البلدان العراقية في ١٨٤ ص بقطع ١٢ وقد كان صاحبه ادرج اغلب ما فيه في بعض المجلات ولا سيما في (لغة العرب) ولما كان هذا الكتاب مختصراً كان من المناسب أن لا يودعه بعض الخرافات التي هي من خصائص الأسفار المطولة. فالكلام الذي دونه عن تاريخ كركوك (ص ١٦٠ إلى ١٦١) من العوابث بالأخبار الصحيحة، فكان يحسن بحضرة السيد أن يضرب بها عرض الحائط أو أن يلمح إليها عن بعد. ومع ذلك نجد هذا المختصر من احسن ما جاء في موضوعه.
١٥٢ - الإرشادات الروحية في عبادة قلب يسوع الأقدس
العصرية
الجزء الثالث والأخير في ٥٤٢ ص بقطع ١٢، طبع بالمطبعة السريانية الكاثوليكية في بغداد سنة ١٩٣٠.
كتب التقى والزهد والدين كثيرة، وإذا أراد أن يطالع فيها أحد الأدباء الأتقياء ينفر منها وكثيراً ما يلقيها من يده لأنها سقيمة العبارة، جمة السقط. وحجة أصحاب تلك التأليف: (أن الكتابة وسيلة لا غاية) وهو عذر اقبح من ذنب. فهذا يشبه صنع من يضع الأطعمة الفاخرة في آنية وسخة قذرة، بحجة أن الآكل يأكل الطعام لا الوعاء. وجهلوا أن الكلام الخارج على آداب اللغة، وأصولها، وقواعدها، تقذفه النفس العربية الحسنة الذوق، وتستقبحه
стр. 5338
وتكرهها على أن ترمي الكتاب من يدها. فكتاب (الإرشادات) من احسن ما طالعناه (فكرة ومعتقداً وعبارة) على إننا نلوم صاحبه على إهماله اسمه منه واسمه هو (المنسنيور عبد الأحد جرجي) من احسن المروجات لهذا التأليف القيم ولسائر مصنفاته فنهنئه بهذا النتاج الخالد ونوصي جميع المسيحيين بمطالعة فانه درة فريدة بين أمثالها.
١٥٣ - تأثيرات سياحة
وصف عام لما شاهدناه في البرتقال وأسبانية وفرنسة وسورية ولبنان وفلسطين ومصر (بقطع ١٦)، بقلم موسى كريم صاحب مجلة الشرق في سان باولو (البرازيل) صفحاته ٥٩٢ وصورة تقارب المائة والثمانين.
يطالع القارئ هذا الكتاب بلذة وطيبة خاطر لان عبارته خفيفة سلسلة، ووصفه للرجال والديار والأحداث تجسمها لك تجسيماً، حتى كأنها تقع تحت مشاعرك. على إننا رأينا فيه من سقط الطبع شيئاً غير قليل. وكذلك رأينا في عبارته الحلوة ذرواً من المرارة في بعض الأحيان. ولعله فعل ذلك تحقيقاً للقائل: (وبضدها تتميز الأشياء). ومن اغرب التعبير قوله في ص ٥٧٠: (والسيد المصون (كذا) قرينته) ومثلها في ص ٥٧٤: (لتحية والدته المصون) وقد تكرر هذا الوهم ولم نهتد إلى سبيل النطق به وعدوله عن القول: (السيدة المصونة) أما قوله في خاتمة الكتاب: (إن الكتابة وسيلة لا غاية) اعتذاراً لما ورد فيه من الزلل والخلل، فهذا كلام لا يبرر مساقط الوهم التي وردت فيه ومثل هذا القول لا ينطق به أحد من أبناء الغرب، مبلغاً ما بلغ درك انحطاطه.
١٥٤ - تعليم المرأة
كتاب اجتماعي يبحث عن أهمية المرأة ومكانتها في الهيئات الاجتماعية ووجوب تعليم المرأة العراقية في العصر الحاضر، طبع بمطبعة الشعب في بغداد سنة ١٩٣٠ في ١٠٠ ص بقطع ١٢، بقلم جعفر حسين.
كل أمة هذبت ابنتها ارتقت، وكل قوم أهمل تهذيب ابنته انحط إلى
стр. 5339
مهاوي الذل والخمول والتقهقر. وهل من طائر يطير بجناح واحد؟ إذن لا أمة تحلق في سماء الحضارة بلا أنثى. وهذا الكتاب من احسن ما كتب في موضوعه وقد قاسى المؤلف كل صعب في إخراجه بصورة تقنع المعائد، وتساعد العالم على اتباع خطته. فنتمنى لوطنينا الصادق أن يمضي في وجهه سراعاً تحقيقاً لأمنيته التي هي أمنية كل عربي صادق العروبة. على إننا كنا نتمنى أن يورد في تضاعيف كلامه ما نظمه شعراؤنا العراقيون في تهذيب المرأة ليكون احسن ترجمان لآراء أفراد القوم وجماعتهم. ولا جرم انه فاعل أن شاء الله في طبعة الكتاب الثانية إذ نتوقع نفادها عن قرب. وهو ولي التوفيق.
١٥٥ - الروايات الخيالية التاريخية في الأدب العربي الحديث
(بالألمانية)
وضعها بالروسية اغناطيوس كراتشكو فسكر ونقلها إلى الألمانية جرهرد فون مندي هذه
مقالة بل رسالة جمعت فوعت كل ما ألف في هذا الموضوع والأستاذ كراتشكوفسكي حجة ثقة في ما يكتب. وقد طالع لهذه الغاية مئات من الكتب ووقف على جميع الانتقادات التي وضعها الأدباء في هذا السبيل. وقد رأينا في ص ٧٢ أن صاحب هذه المقالة البديعة اشرف على ما كتبناه في لغة العرب (١: ٣٩٢ و ٣٩٧ ثم ٢: ٥٢ إلى ٦٢ و ١٣٩ إلى ١٤٦ و ٢٠٥ إلى ٢٠٩ ثم ٤: ٨٢ إلى ٩٠ من السنة التي أهملناها) فهذا هو العلم الحقيقي لا ما يكتبه بعض المتبجحين الذين لا نرى من بضاعتهم سوى الادعاء الفارغ والطرمذة. وكنا نود أن نرى هذه الرسالة في لغتنا العربية وعسى أن يقوم بهذا الشأن أحد الغير على هذه اللغة الضادية.
مطبوعات شتى يؤخر نقدها
بهذا الجزء العاشر تنتهي سنة مجلتنا في سنتها الثامنة. والجزءان الحادي عشر والثاني عشر يحويان فهارس مفصلة لما جاء في أجزائها المذكورة. وبقي عندنا كتب كثيرة للنقد تبلغ الخمسين، فاضطررنا إلى نقدها إلى أجزاء السنة القادمة التي هي السنة التاسعة للمجلة.
стр. 5340
تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاروه
١ - أقدم معجم لغوي في العالم وجد في سورية
عثر الفرنسيون على صفائح مجهولة الكتابة لا يقل عهدها عن سنة ١٤٠٠ ق. م وفيه ست لغات
اكتشف الدكتور (ف. أ. شفر) من أهل مدينة (استراسبورج) وهو رئيس البعثة الفرنسية للآثار القديمة في جنوبي سورية، معجماً يدل على انه اقدم معجم في الدنيا كلها، وتلا هذا الدكتور أمام محفى الرقم والآداب الفتانة في (باريس) بيان اكتشافاته.
ونقل الدكتور (شفر) قبل سنة خبر اكتشاف مدينة بقرب اللاذقية، الواقعة على ساحل بحر الروم وكانت تزهو بين سنة ٢٠٠٠ و ٣٠٠ ق. م بتجارتها بالنحاس الاحمر، المستخرج من مناجم قبرص. هذا فضلا عن منتوجات آسية التي كان يرسل بها إلى مصر. وبلاد الهلين السابقة لليونان. والى جميع الربوع الواقعة في غربي بحر الروم. واسم تلك المدينة (زفونة) وكانت مسكن تجار أغنياء كل الغنى.
واظهر تنقيب السنة الماضية أن أسرة ملكية، كانت تحكم هذه المدينة أبان مجدها، وأما هذه السنة فوجه البحث إلى الإطلاع على قصر هؤلاء الامراء، ولا سيما خزانتهم، فوقع النقابون على صفائح من الآجر ظهرت فيها كتابة مجهولة، مخطوطة بلغة يقدر عهدها بأربعة عشر قرناً، قبل العصر المسيحي، على اقل تقدير. وقد دونت اللغة منسقة على الحروف الهجائية فأيدت كشوف ربيع هذه السنة. مكشوفات السنة الماضية.
كان القصر مقر النساخ
اتضح أن الخزانة كانت بناء عظيماً، يحتوي على غرف وآزاج عديدة، هي مقر أولئك اللغويين الأقدمين ومقام مساعيهم الجليلة. وعليه دلت الكشوف على أن هناك مدرسة للنساخ، اتخذوا من القصر مقراً لهم.
ولم يكن مسعاهم أمراً يسيراً، لأن من واجب العالم الخبير في (زفونة) أن يتقن ست لغات، بحيث يستطيع
стр. 5341
الترجمة والكتابة فيها. ونعلم أن تلك المدينة كانت تزاحم الدنيا بتجارته قد
عثر على آثار عمل في اللغات الست مما يدل على أن المدينة كان لها منطقة واسعة في التجارة.
وبين الدكتور (شفر) أن (زفونة) كانت تتخذ اللغة البابلية في الأمور السياسية مع الدول المجاورة لها ويظهر أن الوزراء، المختصين بالشؤون الخارجية لفراعنة مصر، اختاروا لهم تلك اللغة ايضاً، ومما يثبت هذه الحقيقة، وجود صورة معاهدة تشبه في زمانها معاهدة (فرسايل) العصرية وتنص على تعديل حدود ثلاث مدن مهمة في فينيقية القديمة.
وكان سكان (زفونة) نفسها والمرابع التي تحيط بها، يتكلمون لغة (سامية) ويكتبونها بحسب الكتابة التي اكتشفتها البعثة. أما العلماء والكهنة، فكانوا آثروا التكلم (بالشمرية) وهي لغة خشنة من اصل عراقي عريق في القديم وكانت هذه اللغة في زمانها، كاللاتينية عند علمائنا في عهدنا هذا.
كان عندهم جدول مرادفات
وأما اللغة الرابعة التي اتخذت في (زفونة) فكانت المصرية وكان ينطق بها الموظفون في زمن سيادة الفراعنة واللغة الخامسة كانت (الميتنية) وهي لغة سكان سورية الشمالية.
واللغة السادسة (الحثية) التي جاء بها التجار من آسية الصغرى، قبل احتلال الجيوش (لزفونة) تلك الجيوش التي أفنت المدينة عن آخرها. وذلك في نحو سنة ١٢٠٠ ق. م فلم يقم لها قائم بعد ذلك.
وكان من وظائف نساخ هذه الخزانة خزانة قصر الأمراء، الترجمة من لغة إلى لغة أخرى في الألسنة الستة المذكورة ووضعوا لهم معاجم متقومة من صفائح كبيرة من الاجر، فيها حقول الكلمات ليتسنى لهم أمر الترجمة، وكانت في الأغلب ترجمة الكلم في حقل ثان من هذه الصفائح. ووجد في صفيحة منها، جدول المرادفات، حتى لا يكرر النقلة الكلمة عينها عدة مرار. وقد عثرت البعثة على بعض صفائح تبين أن هناك طلاباً حديثي السن، كانوا ينقلون الكلمة نفسها مرات عديدة. فكانوا يشبهون تلاميذ عصرنا هذا، يخطون اكثر في الأحيان أما فوق السطر، وأما تحته. وقلما تراهم يكتبون على طول السطر. وكان عملهم هذا دون عمل اللغويين بكثير.
стр. 5342
ورئي قسم من الصفائح، ربما يدل على الأعمال الدينية في ذاك الزمان وقسم آخر يبين
تاريخ أهل (زفونة). وسوف تترجم تلك الصفائح في الخريف والشتاء المقبلين، ويحتمل أن تسفر النتيجة عن أخبار تزيدنا أبناء عن تاريخ الشرق الأدنى القديم، الذي زال بمدة مديدة. قبل نشأة اليونان.
عربها عن الإنكليزية: فنسان م. ماريني
٢ - حل المجلس النيابي
صدرت الإدارة الملكية في ١ تموز (يوليو) بحل مجلس النواب والبدء بانتخاب مجلس جديد. فبدئ به في العقد الاول من شهر أيلول.
٣ - البصرة قاعدة جوية بريطانية
تقوم السلطات العسكرية البريطانية بتوسيع المقر العام لجيش الاحتلال والطيارات البريطانية في (نهر معقل) من ضواحي البصرة على شط العرب، وذلك تواطئه لاتخاذ البصرة قاعدة جوية بريطانية بدلا من بغداد والمفهوم أن الغرض من هذه الأعمال أن تكون المطارات البريطانية في العراق والساحل العربي من خليج فارس متقاربة بعضها من بعض كل التقارب وهذا بعد أن تتخلى بريطانية عن الجزر الصغيرة في خليج فارس في منفعة إيران. وإيران تطالب بتلك الجزر منذ زمن مديد.
٤ - الحكم على ذابح
كنا قد ذكرنا في مجلتنا (٨: ٦٤١) أن الشيخ علي القمي ذبح السيد حسن بن السيد أبي الأصفهاني فسمعت المحكمة الكبرى في النجف أقوال الشهود واعتراف الجاني بجرمه الشنيع فأصدرت قراراً تلي علناً في ١٥ أيلول (سبتمبر) وحكمت عليه بالحبس المؤبد مع الأشغال الشاقة حكماً قابلاً للتمييز.
٥ - إلى (يقظان) الناعس التاعس
سوف نطفف مكيالك في الجزء القادم لان خلطك أو اختلاطك صدر في ٢٤ أيلول عند تهيئة أخبار الشهر، وهذرك ليس من هذا الباب، بل واقع في (الآية الخامسة من سورة الجمعة).
٦ - بيان رسمي (بحروفه)
حادثة السليمانية في ٦ أيلول ١٩٣٠
بناء على انتشار كثير من الإشاعات الكاذبة عن الحادث المؤسف الذي وقع في السليمانية في اليوم السادس من الشهر الحالي، من قبل اشخاص، غايتهم بث الرعب واليأس في القلوب رأت الحكومة نشر البيان التالي عما حدث:
بناء على اطلاع وكيل المتصرف، على
стр. 5343
رغبة عد كبير من الأشراف والتجار في أجراء الانتخاب، أذاع في ٥ أيلول اتخاذ التدابير لأجل انتخاب الهيئة التفتيشية في اليوم التالي ولما كان قد اتصل به أن عدداً صغيراً من الأشراف مال إلى المقاطعة. لعلهم بان الانتخابات حرة، وليس هناك من يجبرهم على الاشتراك: أن لم يرغبوا في ذلك، كما انه لا حق لأحد، أن يمنع الراغبين من الاستعمال حريتهم، سواء كان بالقوة، أو الارهاب، أو التهديد. وإبان وكيل المتصرف، أن فعلا كهذا يعد جرماً خطيرا ومن واجب الحكومة حماية المنتخبين منه.
وفي صبيحة اليوم السادس من شهر أيلول أرسلت بطاقات الدعوة إلى نحو ٣٠ من الأشراف، الذين يمثلون كافة محلات البلدة لأجل حضورهم سراي الحكومة لإجراء الانتخاب، وقد حضروا ليلاً واجتمعوا برئاسة رئيس البلدية.
وبعد ذلك جاءت الأخبار بان ما يقارب ال ٥٠ من تلاميذ المدارس والرعاع اخذوا يجتمعون في السوق ويكرهون أصحاب الحوانيت على غلقها ويجمعون الناس، وتقدموا بعد ذلك نحو سراي الحكومة حيث منعهم من التجمع صف من الشرطة. ونظراً لازدياد المتجمهرين وخروجهم على النظام، اتضحت ضرورة إحضار النجدة، فطلب إلى قائد حامية الجيش العراقي إرسال ١٠٠ جندي، غير مسلح لمساعدة أفراد الشرطة.
إن حراجة الموقف كانت آخذة بالازدياد، وشوهد عدد من المتجمهرين يستعمل كراسي المقاهي كسلاح ضد أفراد الشرطة، الذين جرح بعضهم، وعلى ذلك ظهر لزوم لوجود قوة، فعدل الطلب الاول بان طلبت سرية مسلحة.
وقد اقتحم المتجمهرون إذ ذاك صفوف الشرطة القليلي العدد، وبدءوا يرشقون الشرطة
وسراي الحكومة، بالحجارة فطلب إلى قائد الحامية إرسال فوج لأجل تعزيز السرية التي كانت في طريقها إلى السراي.
وقد اشتد رشق الحجارة وازدادت الهراوات والعصي لدى المتجمهرين، وما فتئ أن وقف سيل الحجارة عند وصول سرية المشاة المسلحة السراي. ومع أن قسماً من المجتمعين اخذوا بالانسحاب، فقد قلت أكثريتهم في
стр. 5344
محلتها فأوعز إلى الجند تشتيتهم، وبدءوا بذلك سائرين في الشارع متفرقين وذلك شوهد المشاغبون متفرقين ولذلك شوهد المشاغبون يهجمون على الجنود بهراواتهم الكبيرة ويرشقونهم بالحجارة المعدة للتبليط، والكراسي، وغيرها كلما تقدم الجنود ببطء.
وفي هذه الآونة دوت رصاصة وخر جندي عراقي قتلا، وتلا ذلك عدة طلقات من المسدسات.، وجرح جنديان فأطلق الجنود الرصاص فوراً، وتفرق المتجمهرون. وفي تلك الساعة، وصل الفوج، وتولى مراقبة البلدة واستتب الأمن.
الإصابات
تكبدت الشرطة قبل وصول الجنود عشر إصابات، وقد جرح ٩ منهم بالحجارة والعصي، والآخر بالخنجر وكذلك كسرت ١٥٣ من نوافذ السراي و ١٧ من مصابيح الشوارع.
الجيش العراقي
جندي واحد قتيل، جنديان جريحان جندي واحد جريح بحجارة.
الاهلون
١٣ قتيلا و ٢٣ جريحاً.
المقبوض عليهم
وقد قبض على الأشخاص التالي بعد الشغب:
الشيخ قادر أخو الشيخ محمود، ميرزا توفيق، رمزي أفندي. حمه آغا، عزمي بك بابان، عزت بك عثمان باشا. عبد الرحمن آغا احمد باشا، محمد صالح بك. مجيد أفندي كاي إسكان، فائق بك بابان. شيخ محمد كلاي.
وقد أخذت الشرطة بالقبض على الأشخاص المسؤولين عن الاضطراب وبلغ عدد الذين
قبض عليهم حتى الآن نحو ال (١٠٠).
ويتضح من هذا التقرير أن السلطات أكرهت على استعمال القوة في تشتيت الرعاع المتمردين، الذين كانت غايتهم تعكير صفو الأمن، كما أن سبب هذا الاضطراب ناشئ عن عزم بعض الأشخاص المخدوعين، على استعمال طرق الإرهاب ضد المواطنين المطيعين للقانون والذين أرادوا الاشتراك في الانتخابات.
ملاحظ مكتب المطبوعات
٧ - تصحيحات
ص ٧٢٤ س ٢٠ دليسنبر: ديسنبر - ص ٧٤١ س ٨ جعفر: جعيفر - ص ٧٥٧ س ١٥ تعطلع: تعطل - ص ٧٨٦ س ٨ أملي: أملى.
стр. 5345
العدد ٨٦ - بتاريخ: ٠١ - ٠١ - ١٩٣١
سنتنا التاسعة
بلغنا - والحمد لله - السنة التاسعة من مجلتنا؛ وكان كثيرون يتجافون عن الاشتراك فيها؛ خوفاً من أن تغير مباحثها فجأة في أثناء الأيام فتبدل خطتها خطة جديدة، غير معهودة في أول أمرها، فلا يبقى فيها تلك المزايا الأول المفيدة. ولما رأوا أن المنهاج بقي على سننه الذي عرفت به مجلتنا هذه، جاءتنا الاشتراكات من كل حدب وصوب. وإن كان الحاصل منها لا يفي بالنفقات إلى الآن. على أن أملنا عظيم في أن أرباب الفضل والكرم يضافروننا بكل ما في مكنتهم من الوسائل، لتبقى هذه الموقوتة سائرة في وجهها المألوف، خدمة لهذه اللغة الكريمة، وأبنائها، والمتكلمين بها، ولكل من ينتمي إليها عن قرب أو بعد. والله من وراء القصد.
تلو أي تل هوارة
كانت العطلة لمدرسة الآباء الكرمليين في بغداد، تبتدئ في نصف أيلول، في زمن تلمذتي فيها وفي ذلك الشهر من سنة ١٨٩١ كنت في الشهر الأول من السنة السادسة عشرة من عمري، فرغبت في زيارة والدي في الشطرة على الغراف من بلاد المنتفق، فأذن لي بذلك فذهبت إليه بطريق الكوت، وبعد إقامتي عنده نحو ثلاثة أسابيع، حان وقت الإياب، فطلبت إليه أن يسمح لي، في عودتي، بأن أحيد بضعة كيلومترات، عن الطريق التي سلكتها، في المجيء لأتفقد (تلو) لما كنت أسمع عن الآثار التي بعثت من مدافنها فيها. وكان لي من والدي ما أردته، فمررت بهذه الخرائب التاريخية فعلوتها اسرح الطرف فيها، وقد استغرب سمعي منذئذ هذا الاسم الغريب: (تلو)! (تلو)!
وبعد ذلك، كثيراً ما سألت إعراب تلك الإنحاء عن اسم التل لعلهم يعرفون أصلا له، فاعترفوا بجهلهم، وبأن علمهم لا يزيد على سماءهم من سلفهم انه (تلو). وهكذا سلفهم ينقل عن الذي قبله إلى أمد لا يعرفون له حداً. فلم ينبثق من علمهم بصيص من النور اهتدي به. أما ما عرفته من معلمة لاروس المسماة (الجديدة المصورة) وغيرها من الكتب أن (تلو) مشتق من (تل لوح) المخفف من (تل اللوح) فلم اقنع بصحته، لعلمي أن أهل الغراف - حضرهم وإعرابهم - لم يلفظوا الكلمة ولا يلفظونها أبداً على هذا المنهج والمنحى. ولا سيما أني لم اسمعهم قالوا: (لوحاً) للصفيحة المكتوبة من الآجر التي تكون في التلول بل يقولون لها: (عنتيك) (بالعين) أي:
стр. 5346
فالظاهر أن الصفائح التي وجدت في (تلو) غرت ذهن الباحث - وهو يفتش عن معنى هذا الاسم وأصله - فقال إن (تلو) منحوتة من (تل اللوح) لما وجده من التوافق بينهما.
وفي هذه الأيام الأخيرة وردت إلي كراسة من معلمة الإسلام وفيها مادة (تلو)
стр. 5347
وقد ذكر فيها أن المستشرق شيفر قال: (هكذا مكتوبة) مشتقة من (تل اللوح) وإذ كانت وفاة هذا المستشرق في سنة ١٨٩٨ يجوز أن يقال انه ذهب إلى هذا الرأي بعد عثور الأعراب على خزانة الصفائح. وكان وجودها بعد انتهاء موسم التنقيب في ربيع سنة ١٨٩٤ فحدا ذلك بشيفر إلى قوله الذي ذكرته كما يجوز انه كان قالها قبل ذلك التأريخ إذ لا اعلم سنة قوله.
وكيفما كان الأمر فان هذا الاشتقاق كما بينته آنفاً لم يجذبني إليه فاسلم بصحته. فالكلمة - على ما اعتقده - ما هي إلاِّ بنت من بنات أفكار المستشرق العارف بالعربية فظن أن له صلتين: صلة لفظية، وصلة معنوية. وهذه الصلة الأخيرة لوجود الألواح (الصفائح) هناك.
كان لرأي شيفر وقع هيج في ما هو كامن في صدري من حب الوقوف على أصل الكلمة فتذكرت إن للأديب الفاضل رزوق عيسى في هذه المجلة الغراء مقالة في المدن القديمة في العراق وأن فيها بحثاً عن (تلو) فرجعت إليها وهي المعنونة بسمي القديمة المدروجة في سنة (١٩٣٠) (٨: ٨١) لأقابل ما فيها بقول شيفر فوقفت على البحث وللكاتب عليه تعليق ومأخذه كتاب (بين النهرين) لبارفت. وبحثه هو هذا:
(حفر أعراب البادية في خرائب (تلو) (أي لجش) وهي شربر لا القديمة فوجدوا صفائح آجر كثيرة جداً بحيث اخذ يبيع الحفارون ملء قارب
стр. 5348
من العاديات بخمسة قروش صحيحة وبهذه المناسبة أطلق على أنقاض الخرائب (تل اللوح) أي تل الصفائح وقد قدر عدد تلك العاديات الأستاذ بارفت بثلاثين ألف آجرة) اهـ.
والذي يظهر من هذا البحث أن اسم (تل اللوح) لم يرد إلاِّ بعد وجود خزانة الصفائح، وكان الثور عليها - كما قلت آنفاً - في ربيع سنة ١٨٩٤ وكنت في الغراف في حزيران من تلك السنة. ولأن اسم (تل اللوح) يروق الذين وقفوا على بعض ما كتب عن تلو وآثارها - دون بعض المتوغلين منهم - فبوسع هؤلاء أن يظنوا أن اسمه هذا اكتشاف قائم على مستندات أركانها قويمة وليس اختراعاً وأن هذا الاسم هو القديم الذي يجب أن يعول عليه وان (تلو) اقتضاب للأعراب. فيفوتهم أنه وضع جديد، صوره الخيال. إن بعد وجود خزانة الصفائح؛ على ما في النبذة؛ وان قبل ذلك. والغالب على الظن انه كان بعد وجود الخزانة. أما أهل الغراف سكان حواضره وإعرابه. على حد سواء؛ فانهم لم يقولوا ولا يقولون إلى الآن إلاِّ (تلو) ولم تصلهم الكلمة المغلوط فيها.
يمكن لغيري أيضاً أن يرد قول من يقول أن (تلو) هو (تل اللوح)، سارداً البراهين. لكن أنى له أن يعرفنا بأصل الكلمة فان ذلك كان من نصيبي، إذ أن المصادفة هي التي أوقعتني علية. وكم من صدفة حلت مشكلا معقداً!
رصافة واسط والآثار القديمة التي بجوارها
لم يمر على وقوفي على ما قالته معلمة الإسلام اكثر من خمس أيام. حتى وقع بيدي الجزء السابع والثامن من مجلة المجمع العلمي العربي الزاهرة من سنة
стр. 5349
١٩٣٠ فكنت أطالع القسم الذي فيه من كتاب نشوار المحاضرة للتنوخي. المتوفى في سنة ٣٨٤هـ (٩٩٤ م) آملا الاستفادة منه عن زمن العصر العباسي، وإذا إمامي النبذة في النص ٤٨٠ وهذا نصها:
(ومن عجائب الدنيا وآياتها أشياء في سواد واسط:
(حدثني جماعة منهم رجل يعرف بابن السراج وغيره ومنهم محمد بن عبد الله. . . الواسطي. . . فاثبت ذلك بخطه محمد بن عبد الله عقيب هذا الكلام شاهدت على نحو من فرسخ وكسر من رصافة الميمون قرية من قرى النبط والاكاسر (كذا) وتعرف بالحراوقلة فيها آثار قديمة من بنايا جير وجص. وفيها قبة - قائمة كالهيكل كانت قديمة - وتمثال رجل من حجر اسود أملس عظيم الخلق يعرف عند أهل ذلك الصقع بأبي اسحق لأنة يتعاطى قوم من أهل القوة شيله فيسحقهم ويكسر عظامهم وقد قتل وازمن خلقاً. فيذكر أهل الموضع انهم سمعوا أشياخهم يدعونه بذلك على قديم الأيام. وهذه القرية خراب لا يذكر فيها عمارة. قد كان احتمل هذا الحجر رجل يعرف بالجلندي كان على حماية المأمون فعمد إليه وشد فيه الحبال وجره بالبقر إلى أن بلغ به موضعاً من الصحراء. . . ثم احتمله بعد ذلك رجل آخر من أهل الرصافة على خلق من الحمالين يتناوبون عليه حتى أدخله الرصافة فحضر أهل ذلك الصقع الذي كان فيه. . . فحملوه ثانية حتى ردوه إلى موضعه. . . وكان على صدره وعلى ظهره وكتفيه كتابة محفورة قديمة لا يدري بأي قلم هي) اهـ.
فذكر واسط والرصافة وحكاية التمثال مما يكون لنا عوناً ما سنرى على معرفة الاسم الذي نحت فصار (تلو) وعلى تعيين موضعها. وتمهيداً للوصول إلى الغاية لا بد من تعيين مواقع بعض ما ذكر من المواضع مع بيان بعد بعضها عن بض فلذلك أقول:
واسط: في جنوب بغداد. واقدر المسافة بينها وبين بغداد بنحو مائتين وعشرة
стр. 5350
كيلومترات. وخرائبها ظاهرة للعيان. ذكرتها عرضاً في هذه المجلة (٦: ٤٢٤ ح) ويسميها الأعراب (المنارة) ولعل سبب هذه التسمية شخوص اثر فيها - لا يزال قائماً - يقال أنه بقايا باب وعلى رأي آخر بقايا منارة. ولم أر هذه الأطلال. وهي - كما كنت قد قلت - واقعة على دجلة المندرسة التي نسميها اليوم (الدجيلة) (بالتصغير). وكانت دجلة هذه تجري في هذا
العقيق في سنة ٩٦١هـ (١٥٥٣م) بدليل أن الرئيس التركي (سيدي علي) ذهب منحدراً راكباً النهر من بغداد إلى البصرة في السنة المذكورة بطريق واسط ثم (زكية) على ما جاء في كتابه (مرآت الممالك) (ص ١٦). ولو لم تكن واسط التي مر بها واسطاً (المنارة) لما كانت تفضي به الطريق إلى (زكية) وهي على دجلة كما نعرف من رحلات عديدة. وقد ذكرها ياقوت وذكر أيضاً كلشن خلفا وغيره زكية ونهرها ولو كان مرور سيدي علي بواسط (القرية) التي على شط الأعمى لأفضت به الطريق إلى الفرات أو مياهه. وموقع المنارة على بعد خمسة وعشرين كيلومتراً من الحي في شرقه. فهي الآن - بين الغراف ودجلة - بعيدة عن كل نهما.
رصافة الميمون: جاء في معجم البلدان: (رصافة واسط هي قرية بالعراق من أعمال واسط بينهما عشرة فراسخ. . .) أهـ. وقد هدتنا مجلة المجمع إلى الميمون في المشترك لياقوت فوجدت فيه: (الميمون نهر من أعمال واسط قصبته الرصافة.) وهي معروفة حتى اليوم بالرصافة بدون نسبة إذ لا رصافة غيرها في أنحائها. وموقعها بين الغراف ودجلة في ما يسمى اليوم (بجزيرة السيد أحمد الرفاعي) وهي في جنوب (المنارة) (واسط) بخط مستقيم نحو
стр. 5351
خمسة وأربعين كيلومتراً بميل نحو ستة كيلومترات إلى جهة الشرق في الجانب الغربي من النهر المندرس المسمى الأخضر (بفتح الخاء والضاد) على بعد نحو سبعة كيلومترات منه ولعل الخضر هو دجلة نفسها وهي في شرق قلعة سكر تبعد عنها نحو تسعة وعشرين كيلومتراً على خط مستقيم بميل نحو سبعة كيلومترات إلى الجنوب.
الحراوقلة. لا اعرف عنها شيئا ولعلها محرفة. وقد جاء في مجلة المجمع في الحاشية قولة: كذا بالأصل: ولعلة بالجير أو قلة) فلم تحل الحاشية غموضا وعسى أن يعود الناشر فينعم النظر في المخطوط لعله يهتدي إلى الرواية الصحيحة فيهدينا.
ومن نفائس ما جاء في تلك الحكاية هذا الكلام: (تمثال رجل من حجر اسود أملس عظيم الخلق. . . كان على صدره وظهره وكتفيه كتابة محفورة قديمة لا يدري بأي قلم هي) أهـ. فهذا الوصف ينطبق على التماثيل التي وجدت في (تلو) لكودئا وبالأخص ما وجده فيه دي سارزيك في أول سني حفرة فنقلة إلى متحفة لوفر في باريس حيث يعرض على الأنظار. فعلى الأثري المنقب أن يرجع إلى التلول الواقعة على قرب بضع كيلومترات من
الرصافة فأنها قد لا تخلو مما يستأهل النفقات والتعب والنصب ألم يكن قد نقل هذا التمثال من تلو فأنة مذخر التماثيل وغيرها من العاديات القيمة.
تل هوارة
كان حد علمنا في ما تقدم تعيين موضع مدينة وقرية هما واسط والرصافة ووجود تمثال على بعد فرسخ وكسر من الرصافة ومع هذا فقد أدنانا ذلك من
стр. 5352
حل العقدة. والحكاية التالية التابعة للأولى في نشوار المحاضرة هي التي تفضها (ص٤٨١) وهاأنا ذا انقلها للقارئ الكريم:
(وفي هذه البلاد (بلاد سواد واسط كما رأينا) قرية تعرف بقصبة نهر الفضل - وهي تلهوار - بنحو فرسخين (من) تل يعرف بتل ريحا من البلاد القديمة فيها آثار. وفيه حجر عظيم مربع له سمك كثير. وهو كالسرير طوله تسعة (كذا) أذرع في أذرع (وفي حاشية مجلة المجمع: كذا في الأصل) وقد غاب في الأرض أكثره وعليه تماثيل ونقش. وكان صاحب تلهوار أحمد بن خاقان أراد اقلاب هذا الحجر لينظر ما تحته فاحتفر حوله واجتهد أن يقدر على قلبه فلم يقدر على ذلك أنهم كانوا كلما احتفروا تحته ليتمكنوا من قلبه هوى إلى الحفرة فاستغرق فيها فلما أعياه ذلك تركه على حاله) أهـ.
ولنعد إلى تعيين المواضع كما فعلنا آنفاً:
نهر الفضل. ذكره ياقوت انه من نواحي واسط كما قالته مجلة المجمع وذكره كتاب تجارب الأمم لمسكويه (٦: ٢٦٨ و ٣٤٧) وأنه في أسافل واسط.
стр. 5353
تل هوارة. ذكرته مجلة المجمع عن ياقوت فراجعته وفيه: (بفتح الهاء من قرى العراق. قال أبو سعد: ما سمعت بهذه المدينة إلاَّ في كتاب النسوي. قال أبو بكر أحمد بن محمد بن عبدوس النسوي حدثنا أبو الحسين علي بن جامع الديباجي الخطيب بتل هوارة: حدثنا إسماعيل بن محمد الوراق) اهـ. وجاء في مراصد الإطلاع (طبعة الإفرنج) أن تل هوازة (بالزاي المنقوطة) من قرى العراق غير معروف ثم أورد الناشر في المجلد بعض الروايات انه تل هوارة فلا اعتبار للرواية التي بالزاي.
تل ريحا. لم أقف عليه ولا أدري أفيه تحريف عن تل ريما مثلا لتشابه الحاء والميم في رسميهما في الوسط أم لا ومع هذا فأني لم اطلع على موضع اسمه تل ريما.
سمعنا شهادة أبي سعد - بل أبي سعيد السمعاني كما قلناه في الحاشية - عن النسوي عن الديباجي الخطيب بتل هوارة وجود قرية اسمها تل هوارة وفي تل ريحا ذلك الحجر الذي عليه تماثيل ونقش فهو أذن من العاديات وإذا كانت الرصافة من بلاد سواد واسط كانت تل هوارة في السواد. والرصافة لا تبعد عن (تلو) إلا بنحو ثلاثين كيلو متراً وهو في شمالها الغربي ولا بد أن تكون تل هوارة هي التي نعرفها اليوم باسم (تلو) بعد تخفيف الاسم لتلهوار - كما جاء في نشوار المحاضرة - أو تل هوارة - كما جاء في ياقوت والسمعاني - ثم (تلهو) مثلا - ولثقل اللفظ - قالوا (تلو). وهل يمكننا بعد هذه القرائن مع
стр. 5354
قرب اللفظ أن لا نقول غير هذا القول؟
والظاهر أن هذا التخفيف قديم جداً بدليل السمعاني المتوفى في سنة ٥٦٢هـ (١١٦٦م) الذي استشهده ياقوت قال أنه لم يسمع بهذه المدينة إلاَّ في كتب النسوي، المتوفى في سنة ٣٤٦هـ، على ما ذكرته في إحدى الحواشي، ومن ثم إن اسم تل هوارة كان قد اندثر في زمن السمعاني وهذا يحملنا على القول أنه لعل شيوع اسم (تلو) كان قد بدأ منذ ذلك الزمن البعيد فضاع الأمر على السمعاني وعلى ياقوت.
ومع أن القرائن تفصح بأن تل هوارة هو (تلو) يحق لمعترض أن يقول أن تلو مدينة عريقة في القدم لم يسكنها المسلمون بدليل أن الآثار التي وجدت هناك لم يعثر فيها على اثر واحد إسلامي مع إننا رأينا الديباجي خطيباً في تل هوارة. فهذه القصبة ليست (بتلو). قلت أن التوفيق هين جداً فالبصرة كانت في غير موضعها الحالي ثم نقلت وبقيت دوارسها وقيل للمنقولة أيضاً البصرة حتى أن المدينة الحالية أخذت تتنقل بالتدريج إلى ربضها المسمى العشار وربما يقال له يوماً البصرة كما أن الذي يريد الآن العشار وهو في بغداد مثلا بغير نية الدخول إلى مدينة البصرة نفسها يقول: أريد البصرة. ومما نعرفه أيضاً عن القصبات المؤسسة. في أواخر القرن الماضي والمنقولة في هذا القرن الصويرة
стр. 5355
والعزيزية الواقعتان على دجلة بين بغداد والكوت إلى موضعين قريبين من محليهما السابقين ونقلت الشطرة من بلاد المنتفق الواقعة إذ ذاك على جدول يسمى (الخليلية) المتشعب من الغراف إلى موقع على عمود الغراف نفسه على ما هي عليه اليوم ومع هذا النقل حافظت على اسمها، وإن أريد في ذلك العهد أن تسمى (الفالحية). وهذه واسط (التي قلنا أن خرائبها الآن
تسمى المنارة) وقد اندرست منذ أجيال كثيرة فقد قامت باسمها قصبة تنقلت إلى بضعة مواضع كما سيجيء وكانت الأخيرة قرية واقعة على شط الأعمى في الغراف وقد اندرست باندراس هذا الفرع الذي كانت عليه قبل ثلاثين عاماً أو أقل. ويعرف موضعها الآن بواسط أو خرائب واسط وكان اسم واسط قد بقي عليها حتى تشتت أهلها. وبعد هذا ألا يحق لنا أن نقول: لم لا يكون أن قصبة إسلامية كانت بجوار (تل هوارة) وكانت تسمى باسمها؟
وإذ لم تكن تل هوارة الإسلامية إلاّ َقصبة شأن قليل لا بنيتها التي لا تلفت إليها الأبصار لم تبق أثراً بارزاً ورسما بيناً يحفظ اسمها، احتفظ الناس باسم (تل هوارة) لخرائب المدينة القديمة غير الإسلامية، كما جرى في واسط، إذ بقيت القديمة معروفة برسومها، والجديدة لم يبق منها إلاَّ رسم غير ذي بال، لا يعرفه إلاَّ القليلون الذين بجوارها من الأعراب وغيرهم كبعض
стр. 5356
سكان قلعة سكر والكرادي لبناء جدرانها بالطين وبيوتها مثل ذلك أو كانت صرائف من البواري أو أشباه هذه البيوت وستكون نسياً منسياً قد لا يذكرها التاريخ، حتى إن المروي أن واسط هذه المندثرة في عهدنا كنت السابعة بعد خراب واسط (المنارة) على ما روى الراوي ومما قاله أن كلا منها كان على شط الأعمى في الغراف وعين مواقعها بأسماء الأرض أو النهر الذي بجوارها وهو يعترف أنه ليس من يقول واسطاً اليوم لأحد هذه المواضع والعهدة عليه في كل ما رواه ولا سيما أني لم أسمع من غيره هذه التفصيلات. والظاهر إن واسطاً الأخيرة ليست بالتي قامت بعد تلك التي تسمى اليوم (المنارة) إذ لا أثر ينبئ عن قدمها فلا بد أنه كانت غيرها قد قامت بين الأولى (أي المنارة) وبين هذه الأخيرة.
ومن المعلوم أن في العراق، ولا سيما في شماله ووسطه، قصبات ومواضع حفظت إلى اليوم أسماءها الآرامية. وقد ورد بعضها في معجم البلدان، نذكر بعضاً مما في وسط العراق، فمن القصبات العامرة: بعقوبا. ومن الآثار: عبرتا على النهروان في الجنوب الشرقي من بغداد - رأيتها في ربيع سنة ١٩٢٧ - ومن القصبات ما حورت أسماؤها فجعلت عربية كأبوصيدة (باصيدا) وأبو جسرة (باجسرا) وبدرة (بادرايا). ومنها من الآثار أبو زوفر (بفتح الأول والثالث) (وأصلها بزوفر) في أنحاء البغيلة التي غدونا نسميها النعمانية
стр. 5357
لقربها من النعمانية المندرسة ومن المعلوم أيضاً أن من الخرائب ما أهملت
أسماؤها القديمة التي كانت في عهد الكلدانيين وغيرهم فوضعت لها في العربية أسماء تناسبها وصفاً لها أو لغير ذلك - ومن أشهر هذه الآثار الأحيمر (بالتصغير) (وهي قديما كيش بكسر الأول) والمقير (بضم الميم وفتح القاف والياء المشددة) (وهي أور). وما أكثر التلول والخرائب - من كلدانية وغيرها - التي تسمى بأسماء عربية لعدم الوقوف على أسمائها القديمة التي كانت تعرف بها زمن عمرانها، ففي الغراف على ضفته اليمنى من الخرائب غير المشهورة لدى الأثريين - إذ لم ينقبوا فيها بعد - بأسمائها العربية أم الطحيم والمدينة وأم العقارب والناصرية إلى غيرها وهي كثيرة فلا بد أن القوم
стр. 5358
الذي وضع الأسماء الآرامية كالتي ذكرتها فويق هذا كان قد نهج منهجنا - نحن الذين أتينا بعده - فوضع لها أسماء بلغته لاندثار أسمائها القديمة أو لتشاؤمه منها أو لغير علة من العلل فتراءى له أن يطلق اسم (تل هوارة) على الخرائب التي نسميها (تلو).
وإذا كانت (هوارة) كلمة ليست بالعربية وإذ لا يزال بعض القصبات والآثار تسمى بأسمائها الآرامية أن على صحة وضعها وان محرفة أو مقربة من العربية كما رأينا جاز لي الظن أن كلمة هوارة آرامية ولاسيما انتهاؤها بتاء مربوطة قلباً للألف كما يقلب كثير منا ألف بعقوبا تاء مربوطة أو هاء فراجعت حضرة الأب صاحب المجلة أستنيره في الأمر فأطلعني على أنّ (هوارا) معناها في الآرامية الصابئية الأبيض والجير والجص والحوارى فكأنّهم سموا الخرائب المحكي عنها (تلو) كما سمينا (كيش) (الاحيمر) (واور) (المقير).
الخلاصة
ونتيجة كل هذا البحث أنّ كلمة (تلو) مخففه من (تل الهوارة) أي (التل الأبيض) أو التل الحواري كما قلنا: أما عن قدمها فأقول: بما أنّ السمعاني المتوفى في سنة ٥٦٢ هـ (١١٦٦م) لم يسمع بتل هوارة إلاَّ عن النسوي فالظاهر أن التخفيف كان قد جرى منذ ذلك العهد البعيد أي قبل زمن السمعاني أما إذا كان هذا قد سمع بتلو فانه لم ينتبه للأمر ولو انتبه له لعرفنا به ولم يسكت في كلامه عن تل هوارة، وإن صح ما قلته تضحي كلمة (تلو) قديمة جدا لا يقل عمرها عن ثمانية قرون. وفوق كل ذي علم عليم.
بغداد في ٢١ تشرن الأول ١٩٣٠:
يعقوب نعوم سركيس
стр. 5359
هيكل أدب
كنت قد نشرت في الجزء الثاني من المجلد الثامن مقالة بعنوان (خزائن بسمى القديمة) واليوم أشفعها بمقالة ثانية تتناول هيكل أدب وآثاره.
شرع الفعلة في اليوم السادس والعشرين من ك١ عام ١٩٠٣ يحفرون في أطراف الهيكل، من أربع جهاته ليزيلوا عنة النفايات، فعثروا على برج ساقط، يحيط به سور مربع مبني بالآجر والملاط. وكان سمكه نحو المتر. ووجد المنقبون في كل آجرة، آجرة واحدة عليها كتابة، لدنجي ملك أور، يرتقي عهدها إلى سنة ٢٣٥٠ ق م. ومما يؤسف له إنه لم يرد في تلك الكتابة، اسم المدينة القديمة، التي كان المنقبون يبحثون عنها. ويظهر إن البنائين البابليين لم يعنوا بذكر اسم المدينة لشهرتها الواسعة في عصرهم. ولذا اكتفوا بتدوين اسم الآلهة المعبودة في ذلك الهيكل والى المطالع ما جاء في تلك الكتابة:
(أن دنجي البطل العظيم ملك أور، وملك شمر وأكد. أرصد هذا البناء الذي يهواه ويجل مقامه إلى إلاهته (نن هرسج) ولهذه الكتابة منزلة رفيعة عند الأثريين، لأنها تدلهم على شعب قطن في هذه المدينة، في العصور الغابرة، وعبد تلك المعبودة التي لم تكن من الآلهة العظيمة؛ بيد إن بعض الأثريين يذهبون إلى أن (بلت) إلهة نبر (نفر) في الأزمنة المنصرمة تحول اسمها فاصبح (نن هرسج) فتكون إذ ذاك زوجة الإله (بل) العظيم عند البابليين الذي زهت عبادته غفي بابل إلى انقراضها. وتطلعنا تلك الكتابة أيضاً على حضارة تلك المدينة في أواخر أيامها، وعلى ما كانت عليه من العادات والتقاليد.
وقد عثر المنقبون على أنقاض قبر فتحه اللصوص سابقاً وسرقوا ما فيه من الكنوز، بيد أنهم تركوا بعض الأثاث التي لم يرق عيونهم. منها أوان خزفية وقطع من حلى مصنوعة من الشبه، وحجر أزرق بهيئة مسن وصفيحة صغيرة
стр. 5360
من الآجر.
وفي التاسع والعشرين من كانون الأول، كشف النقابون الزاوية الغربية من برج الهيكل، فوجدوا في الطرف الشمالي الشرقي من دكته جملة شظايا من تماثيل الخزف، وفي القرب من زاوية البرج الغريبة وقعوا على قطعة متقنة الصنع والشكل متخذة من الرخام الأبيض وكان يظن إن لا وجود البتة لهذا الرخام في ديار بابل، ووجدوا في الطرف الشمالي
الشرقي من البرج قائمة غرفة مربعة صغيرة ليس فيها أثر للباب، وقد فتحها سابقاً أحد اللصوص، فثلم جدرانها ليتسنى له نهب محتوياتها، فوجد الحافرون فيها قبراً مشيداً باللبن، أهليلجي الشكل، مملوءاً رملا لتقادم الزمن عليه. وعلى عمق تسعين سنتيمتراً شاهدوا جثة تحولت طبقة رقيقة سوداء من التراب لطول عهدها، ولم يبق منها سوى نصف سن وقطعة صغيرة من الخشب المنخور فاستدلوا على أن المقبور كان من الأمراء أو من الكهنة.
وقد عثر الأثريون في الجنوب الشرقي من زاوية برج الهيكل على تمثال صغير مقطوع رأسه متخذ من الحجر الأبيض، ويعد هذا الأثر من أبدع الآثار النفيسة لزي لباسه ويرى بيده إناء وكان بالقرب منه قطعة صغيرة من الحجر الأبيض المرن، الشبيه بالرخام، وقد كساها التراب حتى بان في أول الأمر كأن لا هيئة لها ولا شكل؛ ولكن بعد أن أزيل عنها التراب المتلبد عليها ظهر عليها رأسا تمثالين صغيرين، وبعد قليل من الزمن عثروا على ثلاث عشرة قطعة أخرى فركبت هذه القطع فتقوم منها إناء بديع الشكل، طوله عشرون سنتيمتراً. في علو أربعة عشر في عرض ثمانية. وظهر أن هذا الإناء يمثل زورقاً فيه تمثالان، يمثل أحدهما رجلا مجرد الرأس والذراعين وهو يدفع الزورق بمقذافه، وكان في الطرف الواحد من الزورق؛ وأما في الطرف الآخر فكانت امرأة ويحتمل إنها زوجة ذلك المتوفى، وقد رفعت يديها إلى وجهها كأنها تبتهل إلى الآلهة لكي تنقذها من الغرق المحدق بها وهيئتها تدل على العبادة والتقوى وقد ضفرت شعرها وأخفت طرفاً منه بعصابة رأس صغيرة وفي عنقها قلادة عديدة الثنايا.
بغداد:
(لها بقية)
رزوق عيسى
следующие страницы →