← Джавами‘

Джавами‘ · id 36540

مجلة لغة العرب العراقية

أنستاس الكرملي

Полный текст (6 158 стр.). Показаны 5356–5395 · переход к 5361.

стр. 5356

سكان قلعة سكر والكرادي لبناء جدرانها بالطين وبيوتها مثل ذلك أو كانت صرائف من البواري أو أشباه هذه البيوت وستكون نسياً منسياً قد لا يذكرها التاريخ، حتى إن المروي أن واسط هذه المندثرة في عهدنا كنت السابعة بعد خراب واسط (المنارة) على ما روى الراوي ومما قاله أن كلا منها كان على شط الأعمى في الغراف وعين مواقعها بأسماء الأرض أو النهر الذي بجوارها وهو يعترف أنه ليس من يقول واسطاً اليوم لأحد هذه المواضع والعهدة عليه في كل ما رواه ولا سيما أني لم أسمع من غيره هذه التفصيلات. والظاهر إن واسطاً الأخيرة ليست بالتي قامت بعد تلك التي تسمى اليوم (المنارة) إذ لا أثر ينبئ عن قدمها فلا بد أنه كانت غيرها قد قامت بين الأولى (أي المنارة) وبين هذه الأخيرة. ومن المعلوم أن في العراق، ولا سيما في شماله ووسطه، قصبات ومواضع حفظت إلى اليوم أسماءها الآرامية. وقد ورد بعضها في معجم البلدان، نذكر بعضاً مما في وسط العراق، فمن القصبات العامرة: بعقوبا. ومن الآثار: عبرتا على النهروان في الجنوب الشرقي من بغداد - رأيتها في ربيع سنة ١٩٢٧ - ومن القصبات ما حورت أسماؤها فجعلت عربية كأبوصيدة (باصيدا) وأبو جسرة (باجسرا) وبدرة (بادرايا). ومنها من الآثار أبو زوفر (بفتح الأول والثالث) (وأصلها بزوفر) في أنحاء البغيلة التي غدونا نسميها النعمانية

стр. 5357

لقربها من النعمانية المندرسة ومن المعلوم أيضاً أن من الخرائب ما أهملت أسماؤها القديمة التي كانت في عهد الكلدانيين وغيرهم فوضعت لها في العربية أسماء تناسبها وصفاً لها أو لغير ذلك - ومن أشهر هذه الآثار الأحيمر (بالتصغير) (وهي قديما كيش بكسر الأول) والمقير (بضم الميم وفتح القاف والياء المشددة) (وهي أور). وما أكثر التلول والخرائب - من كلدانية وغيرها - التي تسمى بأسماء عربية لعدم الوقوف على أسمائها القديمة التي كانت تعرف بها زمن عمرانها، ففي الغراف على ضفته اليمنى من الخرائب غير المشهورة لدى الأثريين - إذ لم ينقبوا فيها بعد - بأسمائها العربية أم الطحيم والمدينة وأم العقارب والناصرية إلى غيرها وهي كثيرة فلا بد أن القوم

стр. 5358

الذي وضع الأسماء الآرامية كالتي ذكرتها فويق هذا كان قد نهج منهجنا - نحن الذين أتينا بعده - فوضع لها أسماء بلغته لاندثار أسمائها القديمة أو لتشاؤمه منها أو لغير علة من العلل فتراءى له أن يطلق اسم (تل هوارة) على الخرائب التي نسميها (تلو). وإذا كانت (هوارة) كلمة ليست بالعربية وإذ لا يزال بعض القصبات والآثار تسمى بأسمائها الآرامية أن على صحة وضعها وان محرفة أو مقربة من العربية كما رأينا جاز لي الظن أن كلمة هوارة آرامية ولاسيما انتهاؤها بتاء مربوطة قلباً للألف كما يقلب كثير منا ألف بعقوبا تاء مربوطة أو هاء فراجعت حضرة الأب صاحب المجلة أستنيره في الأمر فأطلعني على أنّ (هوارا) معناها في الآرامية الصابئية الأبيض والجير والجص والحوارى فكأنّهم سموا الخرائب المحكي عنها (تلو) كما سمينا (كيش) (الاحيمر) (واور) (المقير). الخلاصة ونتيجة كل هذا البحث أنّ كلمة (تلو) مخففه من (تل الهوارة) أي (التل الأبيض) أو التل الحواري كما قلنا: أما عن قدمها فأقول: بما أنّ السمعاني المتوفى في سنة ٥٦٢ هـ (١١٦٦م) لم يسمع بتل هوارة إلاَّ عن النسوي فالظاهر أن التخفيف كان قد جرى منذ ذلك العهد البعيد أي قبل زمن السمعاني أما إذا كان هذا قد سمع بتلو فانه لم ينتبه للأمر ولو انتبه له لعرفنا به ولم يسكت في كلامه عن تل هوارة، وإن صح ما قلته تضحي كلمة (تلو) قديمة جدا لا يقل عمرها عن ثمانية قرون. وفوق كل ذي علم عليم. بغداد في ٢١ تشرن الأول ١٩٣٠: يعقوب نعوم سركيس

стр. 5359

هيكل أدب كنت قد نشرت في الجزء الثاني من المجلد الثامن مقالة بعنوان (خزائن بسمى القديمة) واليوم أشفعها بمقالة ثانية تتناول هيكل أدب وآثاره. شرع الفعلة في اليوم السادس والعشرين من ك١ عام ١٩٠٣ يحفرون في أطراف الهيكل، من أربع جهاته ليزيلوا عنة النفايات، فعثروا على برج ساقط، يحيط به سور مربع مبني بالآجر والملاط. وكان سمكه نحو المتر. ووجد المنقبون في كل آجرة، آجرة واحدة عليها كتابة، لدنجي ملك أور، يرتقي عهدها إلى سنة ٢٣٥٠ ق م. ومما يؤسف له إنه لم يرد في تلك الكتابة، اسم المدينة القديمة، التي كان المنقبون يبحثون عنها. ويظهر إن البنائين البابليين لم يعنوا بذكر اسم المدينة لشهرتها الواسعة في عصرهم. ولذا اكتفوا بتدوين اسم الآلهة المعبودة في ذلك الهيكل والى المطالع ما جاء في تلك الكتابة: (أن دنجي البطل العظيم ملك أور، وملك شمر وأكد. أرصد هذا البناء الذي يهواه ويجل مقامه إلى إلاهته (نن هرسج) ولهذه الكتابة منزلة رفيعة عند الأثريين، لأنها تدلهم على شعب قطن في هذه المدينة، في العصور الغابرة، وعبد تلك المعبودة التي لم تكن من الآلهة العظيمة؛ بيد إن بعض الأثريين يذهبون إلى أن (بلت) إلهة نبر (نفر) في الأزمنة المنصرمة تحول اسمها فاصبح (نن هرسج) فتكون إذ ذاك زوجة الإله (بل) العظيم عند البابليين الذي زهت عبادته غفي بابل إلى انقراضها. وتطلعنا تلك الكتابة أيضاً على حضارة تلك المدينة في أواخر أيامها، وعلى ما كانت عليه من العادات والتقاليد. وقد عثر المنقبون على أنقاض قبر فتحه اللصوص سابقاً وسرقوا ما فيه من الكنوز، بيد أنهم تركوا بعض الأثاث التي لم يرق عيونهم. منها أوان خزفية وقطع من حلى مصنوعة من الشبه، وحجر أزرق بهيئة مسن وصفيحة صغيرة

стр. 5360

من الآجر. وفي التاسع والعشرين من كانون الأول، كشف النقابون الزاوية الغربية من برج الهيكل، فوجدوا في الطرف الشمالي الشرقي من دكته جملة شظايا من تماثيل الخزف، وفي القرب من زاوية البرج الغريبة وقعوا على قطعة متقنة الصنع والشكل متخذة من الرخام الأبيض وكان يظن إن لا وجود البتة لهذا الرخام في ديار بابل، ووجدوا في الطرف الشمالي الشرقي من البرج قائمة غرفة مربعة صغيرة ليس فيها أثر للباب، وقد فتحها سابقاً أحد اللصوص، فثلم جدرانها ليتسنى له نهب محتوياتها، فوجد الحافرون فيها قبراً مشيداً باللبن، أهليلجي الشكل، مملوءاً رملا لتقادم الزمن عليه. وعلى عمق تسعين سنتيمتراً شاهدوا جثة تحولت طبقة رقيقة سوداء من التراب لطول عهدها، ولم يبق منها سوى نصف سن وقطعة صغيرة من الخشب المنخور فاستدلوا على أن المقبور كان من الأمراء أو من الكهنة. وقد عثر الأثريون في الجنوب الشرقي من زاوية برج الهيكل على تمثال صغير مقطوع رأسه متخذ من الحجر الأبيض، ويعد هذا الأثر من أبدع الآثار النفيسة لزي لباسه ويرى بيده إناء وكان بالقرب منه قطعة صغيرة من الحجر الأبيض المرن، الشبيه بالرخام، وقد كساها التراب حتى بان في أول الأمر كأن لا هيئة لها ولا شكل؛ ولكن بعد أن أزيل عنها التراب المتلبد عليها ظهر عليها رأسا تمثالين صغيرين، وبعد قليل من الزمن عثروا على ثلاث عشرة قطعة أخرى فركبت هذه القطع فتقوم منها إناء بديع الشكل، طوله عشرون سنتيمتراً. في علو أربعة عشر في عرض ثمانية. وظهر أن هذا الإناء يمثل زورقاً فيه تمثالان، يمثل أحدهما رجلا مجرد الرأس والذراعين وهو يدفع الزورق بمقذافه، وكان في الطرف الواحد من الزورق؛ وأما في الطرف الآخر فكانت امرأة ويحتمل إنها زوجة ذلك المتوفى، وقد رفعت يديها إلى وجهها كأنها تبتهل إلى الآلهة لكي تنقذها من الغرق المحدق بها وهيئتها تدل على العبادة والتقوى وقد ضفرت شعرها وأخفت طرفاً منه بعصابة رأس صغيرة وفي عنقها قلادة عديدة الثنايا. بغداد: (لها بقية) رزوق عيسى

стр. 5361

طبع كتاب الإكليل إذا كان للعرب كتاب يرفع رؤوسهم إلى عنان السماء فهو كتاب الإكليل لا سواه ذلك الكتاب الذي واسطته الجزء الثامن الذي شرعنا في طبعه قبل أيام معدودة. ففي هذا السفر البديع ذكر قصور حمير وأصحابها ومواطنها مع ذكر بناتها والمدن التي أسست فيها ودواوينها وما حفظ من نظم الأقدمين فيها ولا سيما شعر علقمة والمراثي والمساند. وعبارة المؤلف محكمة رصينة مأسورة أسراً وهو يطلعنا على ألفاظ موضوعة للريازة والبناء لا أثر لها في دواوين اللغة. هذا فضلا عن أعلام اقيال ورجال ومدن لم تذكر في مصنف من المصنفات. ومما يزيد ثمن هذا الكتاب أنه ذكر لنا أسماء محافد (قصور) عديدة لم نكن نعرفها لولا تعداده إياه. واصفاً إياها وصفاً عجيباً، مرة مجملا وأخرى مفصلاً، وتلك التحلية تقفنا على أن السلف كانوا قد بلغوا من العلوم والفنون أبعد شأو ممكن، لأن تشييد مثل تلكم المحافد الجليلة يدل على أن أصحابها كانوا قد قبضوا على أعنة الرياضيات والهندسة وعلم الحيل ونحت التماثيل الدقيقة الحفر وصنع الآلات التي تماثل الحيوان والطير والإنسان التي تتحرك بحركات مختلفة عند هبوب الأرواح فيها. وكل هذه الأمور لم يصل إليها أهل الحضارة العصرية إلاَّ بعد عصور عديدة وانتفاعهم بعلوم وفنون من تقدموهم. وسوف نعقد باباً جليلا لهذا الكتاب نوفيه حقه من الوصف. إلاَّ إننا نكتفي اليوم بتقديم مثال من صفحاته ليحكم القراء على ما فيه من الكنوز والدفائن. وقد اعتمدنا في ذكر المتن على اقدم نسخة وقعت بايدينا، وذكرنا في الحواشي روايات أربع نسخ أخر، واحدة للأستاذ كرنكو مخطوطة على نسخة لندن ورمزنا إليها ب (ك) وثانية من الأستانة (س) وثالثة من خوي (خ) ورابعة من شكري الفضلي (ل).

стр. 5362

على كرف من تحتها ومصانع ... لها بسقوف السطح ليس وفائطا تخال حنين الريح في نزعاتها ... إذا اخترقت بين الزئير برابطا كأن رفعت عنها البناة اكفها ... بأول يوم قيل أَمسك فارطا ترى كل تمثال عليه وصورة ... سباعاً ووحشاً في الصفاح خلائطا بجانب ما تنفك تنظر قابضا ... لإحدى يديه في الحبال وباسطا ومستفعات من عقاب واجدل ... على أرنب وهم وأفراخ وقامطا وسرب ظباء قد نهلن بمخنق ... وغضفِ ضراءٍ قد تطلقن باسطا وذا عقدة بين الجياد مواكبا ... وسامي هادٍ للركاب مواخطا وكان به رقشان تحمي جنابه ... له أرض مصر والفرات فسالطا فلم ينجه من حادث الدهر حصنه ... ولا مقرباتٌ كن فيه ربائطا

стр. 5363

وكان على نائي الذؤابة شاهق ... تحامي عتاق الطير منه اللطائطا وكان إليه الوفد تترى نقيرة ... من الأرض جمعاً ذا ارتعاب وخالطا تخال حباك الفلك في طرقاته ... إذا طببت نحو الشراع البواسطا محافد كانت للملوك محلةً ... ولم تخو هيناً بالعطيف وقاسطا ولم توق ساوياً ورب هجيمة ... ولاذا وطاب يسلوا لشمس آقطا اصبح مسلوب العصارة خاويا ... وأي وساج لا يصادف كاشطا فلا من أجال الطرف ينظر غاديا ... ولا من أصاخ السمع يسمع لاعطا ما زال صرف الدهر في كل ما أرى ... واسمعه للخير والشر سامطا أيّ امرئٍ يرضى عن الدهر يومه ... فاصبح إلاَّ مظهر العيب ساخطا لو أن أسباب الردى هاب معشراً ... لهاب بني الصوّار حضراً وشاحطا

стр. 5364

أولئك كانوا للبرية كلها ... نظاماً وما بين النظيمة واسطا وكانت بنو المنتاب عنها بنجوة ... تفاخر ذا لمسٍ علوماً ولامطا وقال يذكره هو وغيره من قصور اليمن شعراً: أين الذين بنوا غمدان واحتفدوا ... ضهراً وناعطاً السامي الذرى شاس من دون كاهلهِ بيض الأنوق فلم ... يلمَّ ذو حيدٍ منه بقرناس ومن بني إرماً ذات العماد ومن ... راقش ومعين رب قنعاس وتلفماً لو سألناه يخبرنا ... كم قد عفاه من أبواس وأبواس وأين ساكن بينون وعامرها ... أمسوا ودائع صفاح وأرماس لم تغن حمير عنهم وهي عاصية ... خلف الرماح بأرماح وأقواس وأي ذي بطشة في الملك قاهرة ... فات الحمام بخدام وحراس

стр. 5365

أو ما حلٍ ظلت الأيام مسرحة ... ورحن منه بأخفاف وابلاس وقال يذكر ما بين ناعط وتلفم قصر ريدة لئن قرع الناعي قلوباً فصدعه ... وغار عيوناً بالبكاء وأدمعا غداة دعا من رأس تلفم ناعياً ... أَلا يرحم الرحمن سلم بن صعصعا وجاوبه من رأس ناعط هاتفٌ ... فرنَّ له الطودان صوتاً ورجعا وزاد فزادا في الصُدَيّ بريدةٍ ... فأبلغ همدان النسآء واسمعا وقال علقمة بن ذي جدن: ولميس كنت في ذؤابة ناعط ... يجبى إليها الخرج صاحب بربرِ

стр. 5366

والسامح الملك المتوج بعلها ... ذو التاج حمن يلوثه والمنبرِ وقال أيضاً: وناعط أوحشت ونادت ... فهل لذي فروة فلاح وقال أيضاً: عيني فابكي ناعطاً واستعبري ... عثر الدهر عليهم فعثر كان فيها ألف عون ذهبوا ... فما أن تلق فيها من بشر درج الدهر على آثارهم ... فعفا ممن ثوى فيها الأثر فإذا أبصرت أثاراً لهم ... غشيتني زفرةٌ فيها عبر فأبيت الليل منها ساهراً ... بئس زاداً لأخي العيش السهر وقال أبو نواس: ونحن أرباب ناعطٍ ولنا ... صنعآء والمسك في محاربها وقال مرقش: وملوك ناعط قد رأيت مكانهم ... طرقوا بقاصمة الظهور رداح

стр. 5367

وقال علقمة: وكأن رأينا من بهار ومنظر ... ومفتاح قفل للأسير المقتر وفجعن بالحراب فارس قومه ... ولو هاجهم جاؤوا بنصرٍ مؤَزر وأفنى ثبات الدهر أبناء ناعطٍ ... بمستمع دون السماء ومبصر وأعوص بالدومي من رأس حصنه ... وأنزلن بالأسباب رب المشقَّر يريد بالدومي يزيد بن شرحبيل الناعطي، الملك من همدان، وقد يظنه من يجهل ملوك العرب يريد اكيدر دومة، وهو سويد بن شبيب بن مالك بن كعب بن عليم الكلبي وبني ناعظ آية آية لا يلدغ بها حيوان ولا مما شرف عليه مما دار بها، وما لم يشرف عليه ناعط، وجبل ثلين فالحمة به تقتل، إذا لدغ في هذه المواضع أحد لم تضره وقد لدغ في منزل يريده بعض البناة فلم يضره شيء. وقد كانت الضربة ماكنة. وقال البلخي: إذا لدغ إنسان ما قارب ناعط، وصاح: (ناعط)، لم تحسه، وهذا شيء عجيب، ما أعرف له شبيها سوى ما أذكره إذا

стр. 5368

أكل بعير باليمن شجرة العقر فيقربه إنسان فيصيح به: (هو عقر هو عقر) قيل فإن لم يفطن له حتى تعمل عيه حمته، طبخت له شاة حتى تهرأ ثم تضرب اللحم بالمرق حتى ينحل هبره، ثم أنجع ذلك جميعه فربما أَبل إذا أكل منه قليلا. وهذا من أعجب العجب أن لا تضر حمة الأفاعي فيما أشرف عليه ناعط أو كان منه بمنظرٍ. وهذه مشاكلة الحكم الكسوف، فأنه لا يقطع إلا في البلد الذي يرى فيها، وما لا يرى فلا حكومة فيه ولا بان له نفع ويرون ناعط محوياً. وكذلك باب المصراع بصنعاء كان فيه حديدتان مصدوحتان بطلسمين، فظفر القرامطة بواحدة، فطمسوها فكثرت الأفاعي بصنعاء، ولم تضر لبقاء الثانية، ولو ظفر بها لضرت. فهذا قول من يقول إنها محوية. وأما مذهب علماء صنعاء فهم يرون أن قلة مضرتها من طباع البلد كما من طباع رأس حضور ورأس تخلى أنه لا يكون فيهما قشة أصلا.

стр. 5369

يرى من هذا المثال أن هذا الكتاب جليل القدر لا يعادله سفر آخر من مصنفات الأقدمين، لأنه يزيح لنا الستار عن أهم مسألة حامت حولها الأفكار، هي مسألة حضارة الأقدمين من السلف الناطق بالضاد. فان كثيرين من أبناء الغرب، ولا سيما المتعصبون منهم، ينكرون على أبناء عدنان وقحطان أية حضارة كانت. فوجود تلك القصور الشاهقة، ذات الطباق المتعددة، وانيثاثها في ديار مختلفة من ربوع اليمن، تدل دلالة واضحة على أن أجدادنا بلغوا في عهد الجاهلية، مبلغاً بعيداً في التمدن إذ زينوا تلك المحافد بالصور والتماثيل والنقوش وفاخر النجاد والرياش والفراش ما يجاري نظائرها عند أبناء هذا العصر المدعي بمدنية لم تقايسها مدنية سابقة. فهذا الكتاب الزاري بنفائس القلائد وفرائد الدرر واللآلئ يستحق كل تعظيم ويحق إن يفاخر به كل عربي ويذخره عنده ليطالع فيه ويفاخر بمحتوياته ويقف عليه كل شعوبي أو عربي يحتقر العرب أو يهينهم أو يتعدى عليهم. وقد شرعنا في طبعه وهو يقع في نحو ٥٥٠ صفحة من هذا القطع وهذا النموذج. وقد فتحنا باباً للاشتراك فيه وجعلنا قيمته قبل الفراغ من طبعه نصف جنيه مصري أو سبع ربيات (وفي الخارج يضاف إليه أجرة البريد) وبعد الفراغ من طبعه يكون ثمنه ثلاثة أرباع الجنيه المصري أو عشر ربيات ونصفاً. ولا حاجة لنا إلى القول أن هذا السفر البديع يزين بعدة فهارس تضاف إليه مع معجم تحل فيه غوامض الألفاظ الغريبة التي وردت في تضاعيفه، مما تفرد بها هذا الديوان دون غيره ويزيد ثروتنا اللغوية لا سيما المصطلحات الخاصة بالبناء. ومن أعجب هذه المصطلحات ما لا وجه لاشتقاقه في لغتنا العدنانية، فيظهر أن أهل اليمن تناقلوها عن أجدادهم منذ أقدم العهد واحتفظوا بها. إذ لم نجد له مقابلا في اللغة المضرية. وكل ذلك يشهد إن هذا الجزء من الإكليل من أفخر ما جاء في لساننا ولهذا يبقى بيدنا أحسن ذخر من السلف، فعسى أن نقدر قدره ونباهي به الأمم الغربية.

стр. 5370

رسالة ذم القواد هذه رسالة لأبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ في ذم القواد وفي كتاب (كتاب) صناعاتهم وطبائعهم وما نظموه على مقتضى ملذوذات طبائعهم ومناسباتهم لأفعالهم: - بسم الله الرحمن الرحيم - أرشدك الله للصواب. وعرف فضل أولي الألباب. ووهب لك جميل الآداب. وجعلك ممن يعرف عز الأدب، كما يعرف زوايد (زوائل) الغنى. قال أبو عثمان عمر (عمرو) بن بحر الجاحظ: دخلت على أمير المؤمنين المعتصم بالله. فقلت يا أمير المؤمنين. في اللسان عشر خصال. أداة يظهر بها البيان وشاهد يخبر عن الضمير. وحاكم يفصل بين الخطاب. وناطق يرد به الجواب وشافع تدرك به الحاجة. وواصف يعرف (تعرف) به الأشياء. وواعظ يعرف به القبيح. ومعز يرد (ترد) به الأحزان. وخاصة تذهب بالصنيعة وملهي (مله) يونق الأسماع. وقال الحسن البصري أن الله تعالى رفع درجة اللسان. فليس من الأعضاء شيء ينطق بذكره غيره. وقال بعض العلماء أفضل شيء للرجل عقل يولد معه فإن فاته ذلك فمال يعظم به فان فاته ذلك فعلم يعيش (يستعين) به. فان فاته ذلك فموت يجتث أصله. وقال خالد بن صفوان. ما الإنسان لولا اللسان إلا ضالة مهملة، أو بهيمة مرسلة، أو صورة ممثلة، وذكر الصمت والمنطق عند الأحنف. فقال رجل الصمت أفصل وأحمد. فقال صاحب الصمت لا يتعداه نفعة، وصاحب المنطق ينتفع به غيره. والمنطق الصواب أفضل. وروي عن النبي ﵌ (أنه قال) رحم الله امرء (امرأ)

стр. 5371

اصلح من لسانه. قال (قيل) وسمع عمر بن عبد العزيز رض رجلا يتكلم فابلغ في حاجته. فقال عمر: هذا والله السحر الحلال. وقال مسلمة بن عبد الملك أن الرجل ليسلني (ليسألني) الحاجة فتسجيب (فتستجيب) له نفسي بها. فإذا لحن انصرفت نفسي عنها. وتقدم رجل إلى زياد فقال أصلح الله الأمير. إن أبينا هلك: وإن أخونا غصبنا ميراثه. فقال زياد الذي ضيعت من لسانك أكثر مما ضيعت من مالك. وقال بعض الحكماء لأولاده يا بني أصلحوا من ألسنتكم فإن الرجل لتنوبه النائبة فيستعير الدابة والثياب. ولا يقدر أن يستعير اللسان. وقال شبيب بن شبة، ورأى رجلا يتكلم فأساء القول. فقال: يا ابن أخي الأدب الصالح خير من المال المضاعف. وقال الشاعر: وكاين (وكائن) ترى من صامت لك معجب ... زيادته أو نقصه في التكلم لسان الفتى نصف ونصف فؤاده ... فلم يبق إلا صورة اللحم والدم فحذر يا أمير المؤمنين أولادك (وأوصهم) بأن يتعلموا من كل الأدب فإنك أن أفردتهم بشيء واحد ثم سئلوا عن غيره لم يجيبوا. وذلك أني لقيت حزاماً حين قدم أمير المؤمنين من بلاد الروم فسألته عن الحرب كيف كانت هناك فقال لقيناهم في مقدار صحن الأصطبل، فما كان بقدر ما يحس الرجل دابته حتى تركناهم في أضيق من ممرغة (مراغة) وقتلناهم فجعلناهم كأنهم انابير سرجين. فلو طرحت روثة ما سقطت إلا على ذنب دابة. وعمل أبياتاً في الغزل فكانت: أن يهدم الصد من حمي (جسمي) معالفه ... فان قلبي بقت الوجد معمور أني امرأ في وثاق الحب يكبحه ... لجام هجر على الأسقام معذور

стр. 5372

علل بجل نبيل من وصالك أو ... حس الرقاد فان النوم ماسور أصاب حبل شكال الوصل يوم بدا ... ومبضع الصد في كفيه مشهور ليست برقع هجر بعد ذلك في ... اصطبل ود فروث الحب منثور قال وسألت بختيوشع (بختيشوع) عن مثل ذلك فقال لقيناهم في مقدار صحن البيمارستان. فما كان بقدر ما يختلف الرجل مقعدين حتى تركنا (تركناهم) في أضيق من محقنة، فقتلناهم. فلو طرحت مبضعاً ما سقط إلاَّ على اكحل رجل. وعمل أبياتاً في الغزل فكانت: شرب الوصل دستج الهجر فاستط ... لمق بطن الوصال بالإسهال ورماني حبي بقولنج بين ... مذهل عن ملامة العذال ففؤاد الحبيب بنملة (ينحله) السل ... وقلبي معدب (معذب) بالملال وفؤادي مبرسم ذو سقام ... يابن ماسوه (ماسويه) ضل عني احتيالي لو ببقراط كان ما بي وجالينو ... س باتا منه بأكف بال قال وسألت جعفر الخياط عن مثل ذلك فقال لقيناهم في مقدار سوق الخلقان فما كان بقدر ما يخيط الرجل درزاً حتى قتلناهم وتركناهم في أضيق من جربان. فلو طرحت إبرة ما سقطت إلاَّ على رجل. وعمل أبياتاً في الغزل فكانت: فتقت بالهجر دروز الهوى ... إذ وخزتني إبرة الصد

стр. 5373

فالقلب من ضيق سراويله ... يغتر (يعثر) في بايكة (ذائلة) الجهد جشمتني يا طيلسان النوى ... منك على شوزكتي وجد أزرار عيني فيك موصولة ... بعروة لدمع على خدي يا كستبان (كشتبان) القلب يا زيقه ... عذبني التذكار بالوعد قد قص ما يعهد من وصله ... مقراض بين مرهف الحد يا حزة النفس ويا ذيلها ... ما لي من وصلك من بد ويا جربان سروري ويا ... حبيب حياتي حلت عن عهدي قال وسألت اسحق بن إبراهيم عن مثل ذلك وكان زراعاً. فقال لقيناهم في مقدار جريبن (جريب) من الأرض فما كان بقدر ما يسقي الرجل مساره (مشارة) حتى قتلناهم فتركناهم في أضيق من باب وكأنهم أنابير سنبل. فلو طرح فدان ما سقط إلاَّ على ظهر ثور. وعمل أبياتاً في الغزل فكانت: زرعت هواه في كراب من الصفا ... واسقيه (وأسقيته) ماء الدوام على العهد وسرجنته بالوصل لم آل جاهداً ... ليحرزه السرجين من آفة الصد فلما تعالى النبت واخضر يانعاً ... جرى يرقان البين في سنبل الود قال وسألت فرجاً الرحجي (الرخجي) عن مثل ذلك وكان خبازاً. فقال لقيناهم في مقدار بيت التنور. فما كان بقدر ما يخبز الرجل خمسة أرغفة حتى تركناهم في أضيق من حجر (جحر) تنور. فلو سقطت جمرة ما وقعت إلاَّ في جفنة خباز. وعمل أبياتاً في الغزل فكانت: قد عجن الهجر دقيق الهوى ... في جفنة من خشب الصد واختمر البين فنار الهوى ... تذكى بسرجين من البعد واقبل الهجر بمحراكه ... يفحص عن أرغفة الوجد جرادق الموعد مشمومة (مهشومة) ... مثروددة (مثرودة) في قصعة الجهد قال وسألت عبد الله بن عبد الصمد بن أبي داود مثل ذلك وكان مؤدباً.

стр. 5374

فقال لقيناهم في مقدار صحن الكتاب. فما كان بقدر ما يقرأ الصبي أمامه حتى ألجأناهم إلى أضيق من رقم فقتلناهم، فلو سقطت دواة ما وقعت إلاِّ في حجر صبي. وعمل أبياتاً في الغزل فكانت: قد أمات الهجر أن صبيان قلبي ... ففؤادي معذب في خبال كسر البين لوح كبدي فما اط ... مع ممن هويته في وصال رفع الرقم من حياتي وقد أط ... لق مولاي حبله من حبالي مشق الحب في فؤادي لوحي ... ن فأغرى جوانحي بالسلال لاق قلبي بيانه (ببينه؟) فمداد الع ... ين من هجر مالكي في انهمال كرسف البين سود الوجه م ... ن وصلي فقلبي بالبين في اشتعال قال وسألت علي بن الجهم بن يزيد وكان صاحب حمام عن مثل ذلك فقال لقيناهم في مقدار بيت الانبار. فما كان إلاَّ بقدر ما يغسل الرجل رأسه حتى تركناهم في أضيق من باب الأتون. فلو طرحت ليفة ما وقعت إلاَّ على رأس رجل. وعمل أبياتاً في الغزل فكانت: يا نورة الهجر حلقت الصفا ... لما بدت لي ليفة الصد يا مئزر الأسقام حتى متى ... تنقع في حوض من الجهد أوقد أتون الوصل لي مرة ... منك بزنبيل من الود فالبين مذ أوقد حمامه ... قد هاج قلبي سلخ (مشلح) الوجد افد (افسد) خطمي الصفا والهوى ... نخاله (نخالة) الناقص (الناقض) للعهد قال وسألت الحسن بن أبي قماسة عن مثل ذلك وكان كناساً فقال لقيناهم في مقدار سطح الإيوان. فما كان إلاَّ بقدر ما يكنس الرجل زنبيلا حتى تركناهم في أضيق من حجر (جحر) المخرج ثم قتلناهم بقدر ما يشارط الرجل على كنس كنيف. فلو رميت بابنة وردانة ما سقطت إلاَّ على فم فالوعة (بالوعة). وعمل أبياتاً في الغزل فكانت:

стр. 5375

أصبح قلبي بربخاً للهوى ... تسلح فيه فقحة الهجر بنات وردان الهوى للبلى ... أصبر من ذا الوجد في صدري خنافس الهجران أثكلنني ... يوم تولى معرضاً صبري أسقم ديدان الهوى مهجتي ... إذ سلح البين على عمري قال وسألت الشرابي أحمد عن مثل بذلك فقال لقيناهم في مقدار صحن بيت الشراب. فما كان بقدر ما يصفي الرجل دناً حتى تركناهم في أضيق من رطلية فقتلناهم. فلو رميت تفاحة ما وقعت إلاَّ على أنف سكران. وعمل أبياتاً في الغزل فكانت: شربت بكأس للهوى نبذة معا ... ورقرقت خمر الوصل في قدح الهجر فمالت دنان البين يدفعها الصبى ... فكسرن قرابات حزني على صدري وكان مزاج الكأس غله (علة) لوعة ... ودورق هجران وقنينتي عدر (غدر) قال وسألت عبد الله بن طاهر عن مثل ذلك وكان طباخاً، فقال لقيناهم في مقدار صحن المطبخ فما كان بقدر ما يشوي الرجل حملا حتى تركناهم في أضيق من موقد نار فقتلناهم فلو سقطت مغرفة ما وقعت إلاَّ في قدر. وعمل أبياتاً في الغزل فكانت: يا شبيه الفالوذج في حمرة الخدم ... ولوزينج النفوس الظماء أنت جوزينج القلوب وفي اللين ... كلين الخبيصة البيضاء عدت مستهتراً بكسباج (بسكباج) ود ... بعد جوذابة بجنب شواء يا نسيم القدور في يوم عرس ... وشبيهاً بشهدة صفراء أنت أشهى إلى القلوب من الزبد مع الز ... سبان (النرسيان) بعد الغداء أطعم الحاسدون ألوان غم ... في قصاع الأحزان والأدواء قد غلا (غلى) القلب مذ نأت عنك ... داري غليان القدور عند السلاء هام قلبي لما كسرن غضارات ... سروري مغارف الشحناء

стр. 5376

فتفضل على العميد بيوم ... جد بوصل يكبت به أعدائي وتفضل على الكئيب ببزماورد ... م وصل تشفي (يشف) من الأدواء قال وسألت أطال الله بقاك (بقاءك) محمد بن داود الطوسي عن مثل ذلك وكان فراشاً فقال لقيناهم في مقدار صحن بساط. فما كان بقدر ما يفرش الرجل بيتاً حتى تركناهم في أضيق من منصة فقتلناهم. فلو سقطت مخدة، ما وقعت إلاَّ على رأس رجل. ثم عمل أبياتاً في الغزل فكانت: كسر الهجر ساحة الوصل لما ... غير البين في وجوه الصفاء وجرى البين في مرافق ريش ... هي مذخورة ليوم اللقاء فرش الهجر لي بيوت هموم ... تحت رأسي وسادة البرحاء حين هيأت بيت خيش من الوصل ... لأبوابه ستور البهاء فرش الهجر لي بيوت مسوح ... متكآتها من الحصباء رق للصب من براغيث وجد ... يعتري جلده صباح مساء قال فضحك المعتصم حتى استلقى على قفاه. ثم دعا مؤدب ولده فأمره أن يأخذهم بتعليم جميع العلوم. تم كتاب الجاحظ وكلامه مع المعتصم بالله. والحمد لله والصلوة على محمد رسول الله وعلى آله وأصحابه الذين بذلو (بذلوا) نفوسهم في المجاهدة في سبيل الله وسلم. ونقل عن بعض المحدثين أنه قال سألت بعضهم عن مثل سؤال الجاحظ وكان صواغاً فقال لقيناهم في مقدار سطح الكور. فما كان مقدار ما يجلو الرجل خاتماً حتى تركناهم في أضيق من بوطقة. ثم قتلناهم فلو رميت بدفش (برفش) ما سقط إلاَّ على رأس رجل. وعمل أبياتاً في الغزل فكانت:

стр. 5377

أيها الناس هل سمعتم بصب ... مات من حب مبغضيه سوائي دمج الحب كور قلبي بصد ... حشوه من قشور جهد البلاء ترك الحب دفش (رفش) قلبي كئيباً ... ثم ثنى من بعد بالمبشاء (بالميناء) ليس يقوى سندان صبري على ذا ... عظمت يا حبيبتي بلوائي وسألت آخر عن مثل ذلك وكان نجاراً. فقال لقيناهم في مقدار ملبن فما كان إلاَّ بقدر ما يشد الرجل اجين حتى تركناهم في أضيق من جسرية فلو رميت بفاس ما سقط إلاَّ على كتف رجل. وعمل أبياتاً في الغزل فكانت: صد عني الحبيب صد ملال ... فرثا (فرثى) لي العدو من سوء حالي فجساري السقام بين مناشير ... فؤادي كمثل وقع الذبال حاف (حاق) كاتشكن (؟) الصدود بقلبي ... ففؤادي لرندج البين قال إن فاس الصدود ينحر (ينجر) قلبي ... ومناشيره بطول المطال وسألت آخر عن مثل ذلك وكان حائكا. فقال لقيناهم في مقدار ثوب ثماني (يماني) فما كان إلاَّ بقدر ما يسقي الرجل باشيرا (؟) حتى تركناهم في أضيق من بهلق (يلمق؟) ثم قتلناهم. فلو رميت بحار (؟) ما سقط إلاَّ بين إصبعي رجل. وعمل أبياتاً في الغزل فكانت: صد عني الحبيب صد جفاء ... وطواه مشنوث وصل الإخاء ورماني منه باستيح (باستيج) بين ... عجزت عنه نيرجات الغراء (العزاء)

стр. 5378

زادكون (زركون) الفؤاد يشكوا (يشكو) إلي ... الحف الذي يلتقي من البلواء أنت والله ثلح قلبي يا ... نير فؤادي وغاية المنتهاء وسالت آخر عن مثل ذلك وكان طحاناً. فقال لقيناهم في مقدار المسطاح فما كان إلاَّ بقدر ما ينقي الرجل قفيزين حتى تركناهم في أضيق من الدوارة (الدورة). ثم قتلناهم فلو طرحت مكوكاً ما سقط إلاَّ على رأس رخل (رجل). وعمل أبياتاً في الغزل فكانت: طحنت بأحجار الهوى حب مهجتي ... فروحي على قطب الرحاء تدور وألقيتني بالهجر في دلو فكره (فكرة) ... ومنسف أحزان هناك عسير مدار الهوى وقد بقلب مدله ... عليه مكاكيك الصدود تحور وسألت آخر عن مثل ذلك وكان حجاماً. فقال لقيناهم في مثل المدار. فما كان إلاَّ بقدر ما يأخذ واحد شعره (شعرة) حتى الجينا (ألجأناهم) إلى أضيق من محجمة. ثم قتلناهم. فلو رميت بمشراط ما سقط إلاَّ على رأس رجل. وعمل أبياتاً في الغزل فكانت: شرطت قلبي بمشراط الصدود فقد ... حلقت شعر رجائي منك باليأس فالبين يعمل (تعمل) في قلبي حرارته ... كمثل ما تعمل الأجلام في الرأس قد كان تخريق (تمزيق) أيام الوصال بدا ... فرده الهجر كالمحموم (كالمحجوم) في الغاس (الفأس)

стр. 5379

فان تجد بالرضا تشفي (تشف) أخا دنف ... حليف هم وتذكار ووسواس وسألت آخر عن مثل ذلك وكان وراقاً. فقال لقيناهم في مقدار جلد. فما كان إلاَّ بقدر ما يكتب الرجل صفحاً (صفحة) حتى تركناهم في أضيق من محبرة. ثم قتلناهم. فلو رميت بقلم ما سقط إلاَّ على رأس رجل. وعمل أبياتاً في الغزل فكانت: كتبت هواه في سطور من الوفا ... بحبر من الإخلاص في ورق الصدق وصمغته بالحب حتى إذا نمى ... وقلت استقام السطر زاغ عن الحق فكحت سطور الوصل سكين غدره ... ومل إلى الهجر أن بالجهل والحمق فكيف التسلي والهوى يلزم الحشى ... بملزام فكر يترك القلب كالرق وسألت آخر عن مثل ذلك وكان ملاحاً. فقال لقيناهم في مقدار صحن الزورق. فما كان إلاَّ بقدر ما يمد الرجل كهره حتى الجيناهم (ألجأناهم) إلى أضيق من مجلس الكوثل وقتلناهم. فلو رميت بحالس ما سقط إلاَّ على رأس ملاح. وعمل أبياتاً في الغزل فكانت: جنحت زواريق الوصال وأقبلت ... سفن الصدود قلوسها الهجران فالقلب بحنده حواليش الرجا ... ويرده من يأسه سكان إن القمايا شاهد لي بالهوى ... وكذا الكشيا عنده برهان أطلال قلبك عارفات أنني ... صب الفؤاد متيم حيران

стр. 5380

فامنن بمردي من وصالك أنني ... فيما (في ما) أرى ستضمني الأكفان وسألت آخر عن مثل ذلك وكان اسكافاً. فقال لقيناهم في مقدار طاق أديم فما كان إلاَّ بقدر ما يخرز الرجل تشتيكا حتى تركناهم في أضيق من أسوابخ (؟) ثم قتلناهم. فلو رميت باخواهل (؟) ما سقط إلاَّ على رأس رجل. وعمل أبياتاً في الغزل فكانت: يا شفرة البين قد أغريت بي سقماً ... وقالب الحب قد أورثتني ندما ملكت قلبي فأنت الدهر تنشره (تبشره) ... قد صرت في الحب يا مستعبدي علما أيدي الضمانات ما تنفك تعركني ... من حامل لبين عنه مهمى نما (كذا؟) تم ما قد جاء في هذا المعنى والله الموفق للصواب. ذكر ما قال أهل الصنائع في تركيب الكلام على ما يفهموه (يفهمونه) من صنائعهم ومألوفاتهم أجتمع قوم ن أهل الصناعات فتواصفو (فتواصفوا) البلاغة. فقال الصائغ: خير الكلام ما أحميته بكير الفكر وسبكته بمشاعل النظر وحططته (وخلصته) من خبث الإطناب فبرز بروز الأبريز في معنى وجيز. وقال الحداد: أحسن الكلام ما نصبت عليه منفخة الروية وأشعلت فيه نار البصيرة ثم أخرجته من فحم الإفحام ورقعته (ورفعته) بغطيس (بمغناطيس) الإفهام، وقال النجار: الطف الكلام ما كرم نجر معناه فنحته بقدوم التقدير ونشرته بمنشار التدبير فصار باباً لبيت البيان وعارضة لسقف اللسان. وقال النجاد: أحسن الكلام ما لطفت رفارف ألفاظه وحسنت مطارح معانيه فتنزهت في زرابي محاسنه عيون الناظرين وأصاحت (وأصاخت) لنمارق بهجاته آذان السامعين وقال

стр. 5381

العطار: أطيب الكلام نظاماً ما عجن عنبر ألفاظه بمسك معانيه فقاح (ففاح) نسيم نسقه وسطعت رايحة عبقه فتعطرت به الرواه (الرواة) وتعلقت به السراه (السراة). وقال الجوهري: أملح الكلام ما ثقبته الفكرة ونظمته الفطنة ووصل (واتصلت) جواهر معانيه في سموط الفاظه، فاحتملته نحور الرواة. وقال الماتح: آثر الكلام، ما علقت وذم ألفاظه، ثم أرسلته في قليب، الفطن، فأمتحت به شغا (شفى؟) الشبهات، واستنبطت فيه معنى يروي من ظمأ المشكلات. وقال الخياط: البلاغة قميص، فجربانه البيان. وجيبه المعرفة، وكماه الوجازة، وتخارصه (وتخاريصه) الإفهام، ودروزه الحلاوة، ولابسه جسد اللفظ، وروح المعنى، وقال الصباغ: آنق الكلام، ما لم تبض (تنصل) مهجة (بهجة) إيجازه، ولم يكتنف (تنكفئ) صبغة الفاظه، قد صقلته يد الروية من كمود الأشكال، فراع كواعب الآداب واكف (؟) عذارى الألباب. وقال الصيرفي: أجود الكلام ما نقدته يد البصيرة، وجلته عين الروية، ووزنه معيار الفصاحة. فلا نظر يزيفه، ولا سماع بهرجه (يبهرجه). وقال البزاز: أحسن الكلام ما صدق رقم ألفاظه، وحسن نشر معانيه، فلم تستعجم عند نشر، ولم تستبهم عند طي. وقال الحائك: أحسن الكلام ما اتصلت لحمة ألفاظه بسدى معانيه، فخرج مفوفاً منبراً (منمراً) وموشى محبراً. وقال الرائض: خير الكلام ما لم يخرج من

стр. 5382

حد التخليع إلى منزلة التقريب إلاَّ بعد الرياضة، وكان كالمهر الذي أطمع أول رياضته في تمام ثقافته. وقال الجمال: البليغ من أخذ بخطام كلامه، فأناخه في منزل المعنى، ثم جعل الاختصار له عقلا، والإيجاز له مجالا، فلم يند عن الأذهان، ولم يشذ عن الآذان. وقال المخنث: أحسن الكلام ما تكسرت أطرافه، وتثنت أعطافه، وكان لفظه حله (حلة)، ومعناه حلبه (حلية). وقال الخمار: أبلغ الكلام ما طبخته مراجل العلم، وضمنته دنان الحكمة، وصفاه راووق الفهم، فتمشت في المفاصل عذوبته. وفي الأفكار رقته، وفي العقول حدته. وقال الفقاعي: أطيب الكلام ما دوخت (دوحت؟) ألفاظه غباوة الشك، ودفعت دقته فظاظة الجهل، فطاب جشأ نظمه، وعذب مص جرعه. وقال الطبيب خير الكلام (ما) إذا باشر دواء بيانه سقم الشبهة استطلقت طبيعة الغباوة، فشفى من سوء التفهم، وأورث صحة التوهم. وقال الكحال: كما أن الرمد قذى الأبصار، فكذا الشبهة قذى البصائر، فاكحل عين اللكنة بميل البلاغة، واجل رمض (رمص) الغفلة ببرود اليقظة، (قال ثم أجمعوا) (على) أن أبلغ الكلام ما إذا أشرقت شمسه انكسفت (انكشف) لبسه، وإذا صدقت أنواؤه، اخضرت احماؤه. تم كلامهم بعون الله ومنه وتوفيقه، والصلوة على الهادي إلى أقوم طريقة، وعلى آله وأصحابه، سيما فاروقه وصديقه. الدكتور داود الجلبي (لغة العرب) إننا نشكر حضرة الدكتور داود بك لجلبي على نشره رسالة الجاحظ، ولسائر الرسائل التي بعدها فهي من أنفس ما كتب في موضوع المصطلحات الصناعية، إلاَّ أن في بعض الألفاظ صعوبة عظيمة لمعرفتها حق المعرفة فلعل بعض القراء يساعدنا على تصحيحها فنشكر له يده سلفاً.

стр. 5383

آل الشاوي ٢ - عبد الله بك الشاوي المتوفى سنة ١١٨٣هـ ١٧٦٩م فخر هذه الأسرة وباني مجدها الحقيقي ورافع دعائمها هو عبد الله بك وان كان شاوي بك هو المؤسس لهذا البيت الكريم فالأسرة لا تزال تتمتع بأوقافه وتميل إليها عند الضنك والحاجة. . . تكاثرت الوثائق التاريخية والأدبية في زمنه لقرب عهده منا ولذا نجد له أخباراً جمة. وإن كانت مبتورة غير متصل بعضها ببعض ولقد أطراه الأدباء، وبالغ في وصفه المؤرخون فعد من أكابر رجال (السياسة العشائرية). والحق يقال أن سياسة العشائر من أعوص الأمور، وقد بذل العلماء الجهود لمعرفة أحواله، وصرف السياسيون مساعي أكثر للوقوف على طريق إدارتهم إدارة حكيمة ولا يزالون في خبط من الأمر وتشوش منه، ولعلهم إلى الآن في دور التجربة. فكل خطل توحيه الأهواء يحسبونه الحكمة في حسن الإدارة ولكنهم يعززونه بالقوة. فهم والعشائر على حد المثل البدوي: (هذه القنا وأنت تعرف) أو كما يقولون: (الحق بالسيف، والعاجز يريد شهود) فالحق عندهم للقوة. إن هذه الأسرة دبرت أمر العشائر - بالنظر إلى الحكومة وإجابة لرغبتها - ونهجت فيه خير نهج. واحسن تدبير حسب الظروف والأحوال التي اكتنفت الإدارة حين ذاك. ومن المقرر أن خير طريقة للإدارة العشائرية ما وافقت روحية القوم، لا ما تصوره بعضهم من المثل الأعلى. فلا يريدون إلاَّ ما ألفوه ولا يرغبون إلاَّ في ما اعتادوه. كان عبد الله بك يعد من أكابر الرجال في هذه الإدارة. ولذا وصفه صاحب عنوان المجد بقوله: (كان لشاوي بك ولد يسمى عبد الله بك وهو أحنف زمانه، كانت له الرياسة الكبرى، والصولة العظمى، وله من الخيرات والكرم

стр. 5384

ما لا تحصيه الأقلام.) أهـ. هذا كلام مجمل ينبئ عن مقدرة ويشير إلى مهارة كما هو الغالب في أبناء البادية فإذا انضم إلى ذلك مناصرة من الحكومة، وطاعة من القبائل، وكرم نفس، واعتزاز بقبيلة، وحلم عظيم، فهناك الذكر الجميل، والصيت الذائع، والفخر الكامل. ومن ثم ابنتي (بيت العز) وشيد المجد الخالد. فعبد الله بك أمير العرب المسيطر على إدارة الحكومة - في خارج المدن وفي القبائل - وهذا تابع لنفوذ الحكومة وامتداد سلطتها. وآنئذ لم يكن للحكومة جيش مرابط ما هو الأمر في هذه الأيام. وإنما كان لها ما يشبه الإدارة العشائرية العامة الواسعة النطاق. وكان للحكومة بضعة أناس من الينكجرية (الإنكشارية) ومن المماليك والعثمانيين يقومون أودها ومع هذا يستخدمون سياسة الخديعة والحيلة، وسحق البعض بالبعض شأن كل ضعيف، بل شأن كل قوي لا يريد أن يجازف بقوته. قام المترجم فأحرز منزلة علية، ونال ما نال، واحكم أمر العشائر ولسان حاله ينشد: نبني كما كانت أوائلنا ... تبني ونفعل فوق ما فعلوا أن الوقائع التاريخية والعشائرية في ذلك العصر كانت غامضة جداً. ولذا نرى صاحب (الدوحة) لم يذكر للوزير عمر باشا من الحوادث عن سنين متعددة سوى بعض الوقائع التي تداولتها الألسن، واغفل غيرها، وقال: لم تحدث في زمنه سوى وقعة الخزاعل، ووقعة المنتفق، وأشار إلى باقي السنين أنها مضت بسكون وهدوء. هذا عدا حادثة الطاعون. لذا لم يبق لنا أمل في العثور على وقائع المترجم: التابعة لوقائع الوزير المشار إليه. ولا لمن من سبقه. . . فاقتضى الرجوع إلى الدواوين والمجاميع. وهذه كثيرة. وتكاد تكون قد قصرت مدوناتها على مدح المترجم ومدح أولاده والثناء عليهم، مما يدل على علو المكانة. وإليك البيان: ممن أفرد التصنيف لمدحه وإطرائه مع أولاده أبو المحامد الشيخ أحمد ابن أبي البركات الشيخ عبد الله السويدي المتوفى سنة ١٢١٠هـ (١٨٠٧م) في

стр. 5385

ديوانه المسمى (فحام المناوي في فضائل آل الشاوي) ويقول في مقدمته ما هذا بحروفه: (لما من الله سبحانه على الزوراء، وتفضل على من تولاها في عصرنا من الوزراء بمن نصب نفسه النفيسة لمصالح المسلمين، المسلمين أمورهم لرب العالمين، ولقضاء الحوائج، ودفع الجوائح، عن المؤمنين المؤمنين، لدعاء رب العالمين، وألزمها إكرام الملهوف، وإطعام الضيوف، فأفنى بيوت المال، وأقنى ذوي الأقلام، ورفع أعلام العلماء، وأصلح أحوال العلماء، وساء في الناس سيرة يحمدها الموال والمخاصم، ويشكرها المحارب والمسالم، حتى أنه بلغ من الكمال غايته. ومن الإجلال نهايته، ومن المناقب أعلاها، ومن المناصب والمراتب أرفعها وأعلاها، (إلى أن يقول) كيف وقد سما بظاهر فضله، ونما بظاهر أصله، فلم يترك فضلا لمفاضل ومناوي، مولانا الأكرم عبد الله بك ابن المرحوم شاوي. الخ. . .) انتهى. وفيها إشارة إلى أن هنالك من ينكر فضله ويندد به، وكنا نود الاطلاع على ذلك لمعرفة حقيقة الرجل وعظمته. وقد بدأ لديوان بقصيدة طويلة يثني بها على المترجم بمناسبة رجوعه من أسفاره العديدة لإصلاح أحول البصرة وفيها يبين التنكيل بسلمان، والظهر أنه شيخ كعب وهو سلمان العثمان، وكان قد ساق عليه جمعاً الوزير علي باشا في أوائل وزارته سنة (١١٧٥هـ ١٧٦١م) فسالمه وطلب العفو منه فعفا عنه. ولا نرى في صدرنا حاجة إلى إيراد هذه القصيدة بحذافيرها ولكننا اخترنا منها بعض الأبيات وهي: ما للزمان يود قرب فنائي ... فأشن غارة جيشه بفنائي أو ما دراني أنني متحصن ... من كل حادثة وكل بلاء بالشهم عبد الله ذي الفضل الذي ... ما ناله أحد من الأمراء ومنها: (يشير إلى وقعة مع سلمان) ولقد طغى سلمان ثاني عطفه ... يعثو الفساد بساحة الفيحاء فأمال رأيته وأهمز خبثه ... فغدا مثالا أجوف الأحشاء

стр. 5386

معتل قلب غير سلمان من ... الإعلال والتعريف والاسواء ومنها: (يعدد أوصافه) هو قطب دائرة لكمال ومركز ... التقوى وقوس الدولة العلياء ذو محتد ما الشمس عند ضيائه ... إلاَّ كحالك ليلة ليلاء من آل حمير من سلالة تبع ... من آل عمرو صنو ماء سماء آل العبيد به سموا وكذلك ... الأنباء قد تربو على الآباء يرمي الغيوب بفكرة وقادة ... فتلوح أوجهها له بصفاء ومدبر صعب الخطوب كأنما ... يدري صباحاً حادثات مساء. . . ومختار هذه القصيدة يذكر له أوصافاً تعبر عن مقدرة وذكاء وشجاعة وكرم، وقد تركنا الكثير منها، وفيها جمع ناظمها مصطلحات العلوم ن صرف ونحو وكلام وفقه وحكمة بطريق المدح. ثم أثنى على أولاده وعددهم وله قصيدة أخرى في هذا الديوان يهنئه فيها بعيد النحر قال: شهم كأن السحاب الجون راحته ... لكنها هطلت بالبيض والصفر إلى أن يقول: تبارك الله ما هذا الفتى بشراً ... لكنه ملك في صورة البشر لقد سمعنا ندى معن بن زائدة ... لكنه قيل ليس العين كالخبر تورث الفضل من آبائه فغدا ... يسير في نهج التقوى على اثر يدبر الخطب والأفكار قاصرة ... فيرجع الخطب خيراً غير ذي خطر هذا والديوان كله من نظمه. وللشيخ عبد الرحمن أفندي السويدي المتوفى سنة ١٢٠٠هـ (١٧٨٦م) مطلعها: الله أكبر زاد فيك يقيني ... بك اسأل المولى الكريم يقيني ويقول في آخرها: لازلت محروس الجناب موفقاً ... في حفظ دنيانا وحفظ الدين وللسيد محمد (ولم أتمكن ن معرفة هذا الرجل) قصيدة في مدحه يقول فيها: سلكت من العلى نهجاً سوياً ... فما لسواك من نهج سوي. . . ومنها: نشرت لواء فضل دان كل ... لديه من دني أو قصي

стр. 5387

أحاديث الندى طويت لطي ... وأنت نشرتها من بعد طي إلى أن يقول: تغشانا من الأهوال ليل ... فكنت عليه كالصبح السني فدم واهناً بطيب العيش ما قد ... حباك الله (بالصدر العلي) وعش بهجاً على رغم الأعادي ... تتيه بثوب مفخرك البهي ومن أحسن ما مدح به قصيدة لحسين أفندي العشاري المتوفى في حدود سنة ١٢٠٠ محتوية على أوصاف له لم تتضح في شعر غيره، قال: عليك أبا الغر الكرام سلام ... فأنت لكل الخائفين سلام ألم ترهم عن مدح غيرك أمسكوا ... كما أنهم عن زاد غيرك صاموا فأنت لهم غيث إذا شح غيثهم ... وأنت إذا زال الغمام غمام وأنت لهم هاد إذا ضلت النهى ... ولولاك في وادي الضلال لهاموا بك انتظم الملك الرفيع وحكمه ... ولولاك لم يظهر عليه نظام تنور من آرائك البيض خطبه ... كأنك نور والخطوب ظلام وان جمح الأمر الخطير رددته ... لأنك للأمر الخطير لجام فكل إمام أنت عيبة سره ... وأنت له في الحادثات ترام سبقت الأولى فازوا بكل كريمة ... فأنت لكل السابقين إمام عليك الورى أثنت وعن غيرك انثنت ... فان شذ فرد ما عليه ملام تزاحم أقوام لإدراك شأوكم ... فقصر عنه غارب وسنام. . . أبوك الذي قد زين البيت حمير ... وعمك كهلان وجدك سام. . . وأولادك البيض البهاليل فتية ... كرام فمنهم سادة وكرام فهم تحفة المحتاج لله درهم ... ومنهاجهم لا يعتريه ظلام. . . فلا البصرة الفيحاء لولاك بصرة ... ولولاك ما دار السلام سلام قدمت فيا فخر الورى خير مقدم ... بك الحيف يجلى والكتاب يقام إلى أن يقول: فلا خلت الزوراء منك مدى ... فكأنها في بحر جودك عاموا ولا برحت أقمار مجدك ترتقي ... إلى فلك الأفلاك وهي تمام

стр. 5388

وفيها إشارة إلى ذهابه إلى البصرة في سنة ١١٨١، كما يستفاد من قصيدة للسيد درويش الرفاعي البصري كان مدحه بها بمناسبة قدومه مرحباً به وتاريخها في السنة المذكورة، وهو أحد نقباء البصرة على ما يظهر. ومدحه شعراء آخرون مثل خليل بكتاش والشيخ أحمد النحوي، وقد جمع حسين أفندي العشاري مجموعة في فضائل آل الشاوي واختار ما قيل فيهم من شعر شعراء كثيرين وأكثر من مدحه الشيخ عبد الرحمن أفندي السويدي والشيخ أحمد السويدي ولكن فحل الشعراء الشيخ كاظم الأزري فأنه حاز قصب السبق على غيره ومدحه بقصائد رنانة أبدع فيها وأجاد الوصف، وبين شمائل المترجم، فهو في الحقيقة متنبي هذا البيت وقد قصر عنه معاصروه من الشعراء بمراحل شاسعة. ولم نتمكن من بيان وقائع المترجم اليومية. وحوادثه العظمى التي سببت انقياد الرأي العام له وتهافت الشعراء عليه لقلة المصادر إلاَّ إن نظرة سريعة إلى هذه الأشعار المقولة فيه تنبئ عن كفاية أحدثت دوياً. ولا ينكر على المترجم أن كان له مواهب سليمة فخبر البادية، وعرف الحضارة، فسيطر على الوجهتين وتمكن من إدارة شؤون الاثنتين، فحصل على شهرة فائقة بما أبداه من مزايا فطرية مقرونة بالعلم والشجاعة والقوة. ولا يضيره سكوت الترك عن حوادثه، إذ لم يرووا عنه شيئاً مفصلا ولا بينوا عن أعماله ولا عن أعمال أبيه ما يذكر في حين أننا نراهم قصروا في تاريخ وزرائهم وتاريخ إدارتهم في العراق. ولولا شدة الوقائع وتوترها بين الحكومة وبينه وبين ابنه سليمان بك، لما عرفنا ما يستحق الذكر؛ ولكن هذه الأشعار تشير إلى منزلة وتدل على ما وراءها فكأن الشعراء قصروا نظيمهم على مدح هذا البيت. وأني أكتفي - خوف الإطالة - بإيراد مطالع القصائد التي نظمها الأزري في عبد الله بك مع بعض الأبيات مما بعد من قبيل بيت القصيد وأذكر موطنها من الديوان المطبوع في بومبي سنة ١٣٢٠هـ قال من قصيدة ذكرت في الص ٢٩ من ديوانه ومطلعها:

стр. 5389

هي الهجائن والقب السراحيب ... فاطلب بها المجد إن المجد مطلوب. . . واعلم الناس بالعلياء مطلبه ... من حنكته بها منه التجاريب وإن تكن جاهلا في نهج مطلبها ... فذاك نهج بعبد الله ملحوب. . . فقل لمن بالعلى أمسى يطاوله ... لا تستوي الأكم والشم الأخاشيب فليهنه من سماء المجد منزلة ... لها على النسر تأييد وتطييب فساق من ماردين الماردين وقد ... ولى رجوماً عليها ساقها الحوب وحلها بعد ما عاد الخلاف بها ... واليوم يسرح فيها الشاة والذيب يشير إلى وقعة حدثت في ماردين. وكنت أظن لأول وهلة إنها وقعة ماردين المشهورة مع سليمان بك وان الناظم ذكرها في حقه إلاَّ أني رأيت اسمه مذكوراً فيها. والظاهر أنها عشائرية أو أنها تتعلق بالحكومة ولكن صاحب الدوحة أغفلها فلم يعلم عنها شيئاً. ولهذا لا نعرف عن هذه الوقعة تفصيلات مهمة. ولعلها حدثت قبل زمن عمر باشا الوزير وعلى كل لم نر إشارة إليها. وله قصيدة أخرى ذكرت في الصحيفة ١٤٦ من ديوانه وفيها يشير إلى مقارعة وقد انطوت على حكم وآداب جمة، ومطلعها: حي المدام مدام بيض الانصل ... فلكم سكرت بريقهن السلسل. . . نعم المطية للفتى ظهر العلى ... وإذا امتطته اسافل فترجل. . . بالمرهفات أنال إدراك المنى ... وعلى أبي الهيحاء كل معولي ثم أطنب في مدحه وانتصاراته على أعدائه وذكر أولاده وكرامة نسبه الخ وشعره في هذه الأسرة من أطيب الشعر. وصفوة القول انه عمر طويلا وهذا ما يظهر من الإشارة التي ذكرها صاحب الحديقة في سنة ١١٥٢هـ ومن الوقفية المؤرخة في ١٥ جمادى الأولى سنة ١١٧٢ مع تعديلاتها المؤرخات في ٢ شعبان ١١٧٣ و ١٥ منه و٢٤ ربيع الثاني سنة ١١٧٧ الصادرة في زمن القاضي محمد أمين أفندي ابن إبراهيم ونائبه مصطفى أفندي، ومن تاريخ وفاته التي وقعت في سنة ١١٨٣هـ وبقي في إمارة العشائر وإدارتهم من زمن الوالي احمد باشا ومن تلاه من الوزراء إلى أواسط أيام عمر باشا. وقد رثاه الشعراء بقصائد عديدة ومن جملتهم الأزري فإنه رثاه بقصيدتين

стр. 5390

ذكرتا في ديوانه في الص ٧٨ و٩٣ ومطلع إحداهما: لعمري خلت تلك الديار ولم تزل ... مطالع سعد أو مطارح جود وأرخ وفاته بقوله: ولما نزلت الخلد قلتُ مؤرخاً ... مقامك عبد الله دار خلود ١١٨٨ والصحيح إن المترجم ذهب إلى البصرة سنة ١١٨١ ثم عاد وفي أثرها أي في سنة ١١٨٢ حدثت وقعة المنتفق فقتله الوزير عمر باشا سنة ١١٨٣ وذلك موافق لما جاء في الدوحة التي تذكر إنها وقعت سنة ١١٨٢ والظاهر إن التأهبات للسفر جرت في هذا التاريخ، وموافق لما جاء في مجموعة الشاعر الأديب عمر فندي رمضان الذي ذكر انه توفي سنة ١١٨٣ وفي هذه القصيدة للازري غرر الأبيات إذ يصف فيها حالة القبيلة - قبيلة المترجم - ويستنهضها بتحريض. . . وهكذا. وأما القصيدة الأخرى فإنها لا تقل أهمية عن سابقتها. أما القصيدة المذكورة في الص ١٨٦ من الديوان فإنها لا تخص المترجم وإن كان الناشر ذكرها سهواً بعنوان رثاء المرحوم عبد الله بك الشاوي. أسباب قتل المترجم وقبل إنهاء الكلام أود بيان أسباب قتله فأقول: إن الوزير عمر باشا كان قد وزر في أواسط عام ١١٧٧هـ. وفي السنة التالية، قام بحرب الخزاعل ورئيسهم آنئذ الشيخ حمد المحمود، فأنتصر عليه وبذلك أمن غوائل آخر، وهذه طريقة يتوسل بها الوزراء حينما يتسنمون كراسي الحكم بقصد التأثير على العشائر الأخر. وفي تلك الإثناء وقعت نفرة بين متسلم البصرة وهو سليمان آغا وبين الشيخ عبد الله بن محمد المانع زعيم المنتفق فأرسل الوزير عمر باشا عبد الله بك الشاوي لينصحه فيعدل عن خطته، وقد مرت الإشارة إلى ذلك - فوصل البصرة سنة ١١٨١ هـ وجمع الخصمين في قصبة الزبير (رض) فأبدى الشيخ انتصاحه وبهذه الصورة وفق بينهما فرجع وقد مرت

стр. 5391

القصائد المقولة عند رجوعه، إلاّ إن متسلم البصرة - كما وصفه صاحب الدوحة - كان سريع الغضب ونعت الشيخ عبد الله بأنه كان معانداً، (واعتقد أن هذا مبالغة لأنه تقرب للصلح) ولذا لم تدم الألفة بينهما. وهذا ما دعا الوزير إلى إن يقوم بحرب المنتفق. فجهز جيشاً وذهب بنفسه حتى وصل إلى محل يسمى: (أُم الحنطة) من أراضي العرجاء. وحينئذ رأى الشيخ عبد الله المنتفقي أن لا قدرة له في المقاومة فضرب في البادية. أما الوزير فإنه كان يخشى نفوذ عبد الله بك واتساع شهرته إذ رأى الشعراء يلهجون به، وتحقق تزايد نفوذه وقوة أمره حتى ظهرت الحالة جلية. .، ولكنه لم يجد طريقاً إلى الوقيعة به حذراً من حدوث ما لا تحمد عقباه، وأولاده عصبة قوية فكتم ذلك. ثم أتخذ الموافقة على الصلح ونكث حبله من قبل شيخ المنتفق، وما أبلغه أعداء عبد الله بك الشاوي عنه - وهم كثيرون والوزير أكبرهم خطراً وأشدهم نكاية - وسيلة إلى تحقيق أُمنية. فأبدى أن قد تم أمر بين الشاوي وبين الشيخ عبد الله فدبراه ليلاً على الحكومة للقيام عليها، وإن عبد الله بك هو الذي أوعز إلى الشيخ عبد الله المنتفقي بالفرار من وجه الوزير. وجد الوزير كل ذلك من المبررات واظهر القسم الأخير من مدعاة كل الإظهار واعتبر إن هناك خيانة ولا بد من معاقبة الخائن فاعتمد على جيشه ليحافظ على مكانته، ونفوذ حكومته. ولما رأى أن شيخ المنتفق لم يستطع مقارعته قبض على عبد الله بك الشاوي فقتله في (أُم الحنطة). . وقد ذكر صاحب الدوحة هذه الوقعة في حوادث سنة ١١٨٢ وهي - على ما يظهر لنا سنة التعبئة أو أن الخبر يرد لم إلاَّ في سنة ١١٨٣. ولا ينكر من صاحب الدوحة أن ينسب الخيانة إلى عبد الله بك الشاوي تبريراً لعمل الوزير، ومراعاة لسياسة الحكومة، وجرياً على خطتها، وهو أمر معهود في مؤرخي الحكومة آنئذ، إذ لم يروا إدارة حازمة سوى إدارتها

стр. 5392

وهذا مما يجب أن لا يغفل التنبيه عليه. وفي هذه الأثناء ورد إلى بغداد خبر قتل الموما إليه، فنهض من أولاده الحاج سليمان بك، وسلطان بك، وجميع أبناء عشيرة العبيد وقاموا في وجه الحكومة أخذاً بالثار واحتشدوا في دجيل ورتبوا وسائل الاضطراب والاختلال. قال صاحب الدوحة: أنهم قطعوا السوابل، وسلكوا طريق النهب، وأزعجوا راحة العباد. وحينئذ سارع الوزير إلى العودة إلى بغداد فقطع مسافة عشرين مرحلة في سبع أو ثمان للخطر الذي داهمه من جراء هذه الحادثة، فوصل بغداد على حين غرة ونزل (المنطقة) في جانب الكرخ، وفاجأ المتجمهرين ففرقهم وأحمد عائلتهم، ولكن سليمان بك تمكن من الهرب والنجاة. أما سلطان بك فقبض عليه وجيء به إلى الوزير فهجم عليه وسل خنجره فضربه به، ومن ثم قتل. هذا ولا يعول على ما قصه صاحب غاية المرام عن حوادث هذه السنة أي سنة ١١٨٣ فقد ذهب إلى أن عرب كعب الخزاعل عصوا على الحكومة فحاربهما عمر باشا، ولما عاد منصوراً ظهرت له خيانة من عبد الله بك الشاوي فقتله وقتل ولده سلطان بك، وأقام مكان عبد الله بك ولده الحاج سليمان بك الخ. . فهذا غير صحيح وان كانت السنة صحيحة فالواقعة مغلوط فيها لبعد الكاتب عن بغداد، وأما إقامة ابنه سليمان بك مقامه فهذا غير مستبعد ولك الظاهر أن ذلك تم بعد هذه الواقعة بسنين، وبعد انتهاء أمدها والعفو عمن غضب عليهم. قلنا. ومن معاصري عبد الله بك: الشعراء الذين أشرت إلى أسمائهم في صدر هذا المقال وهؤلاء الآتية أسماؤهم ممن كانوا شهود الوقفية: ١ - الحاج محمد ابن الحاج عمر الراوي - ٢ - والملا علي بن حسين الشواف - ٣ - والسيد يونس الآلوسي - ٤ - وعبوس العبد القادر الشاوي - ٥ - والملا أحمد بن تمر الجبوري - ٦ - وحمد سعيد أفندي السويدي - ٧ - وعبد الرحمن أفندي السويدي - ٨ - وعبد الله أفندي السويدي - ٩ - ومصطفى ابن الحاج محمد خليل. وغيرهم كثيرون، وقد ترك المترجم أولاداً نرجئ الكلام عليهم إلى مقال آخر. والله الموفق. المحامي: عباس العزاوي

стр. 5393

فوائد لغويةٌ في مجلة المجمع العلمي العربي آراء في إصلاح نشوار المحاضرة وفي غيره ١ - ورد في ص ٦٠٥ من الجزء العاشر لسنة ١٩٣٠ (ولا يا أبا بكر - أعزك الله - هذا قول من (؟) من المسلمين تقدمكم) قال الأب أنستاس ماري الكرملي (لا حاجة للكاتب أن يضع هذه العلامة هنا، والمعنى ظاهر وهو: قول من من المسلمين، وهو صحيح فصيح) وقد أراد الأب أن (من) الأول: اسم موصول وان (من) الثانية: حرف جر، وذلك هو الوجه الذي جهله المجمعيون وغيرهم، إلاَّ أنه يكثر مجيئه مع الاستفهام. كقوله تعالى في سورة يونس: (قل: هل من شركائكم من يهدي إلى الحق؟) بتقدم الجار على الفعل ومع التقليل والتبعيض، كقوله تعالى: (ومنهم من يؤمن به ومنهم من لا يؤمن به وربك أعلم بالمفسدين) فالأولى في تعبير النشوار: (قول من تقدمكم من المسلمين). ٢ - وجاء في ص ٦٠٥ أيضاً: (وإنه لمن إحدى المناقب إذ كنت أقول فيه) والصواب (أن كنت أقول فيه) لأن (أن) المصدرية والفعل بعدها مؤولان بمصدر مرفوع بالابتداء مبتدأ متأخر، والجار والمجرور خبر متقدم (على أحسن القولين المشهورين). ٣ - وورد في ص ٦٠٧ (لما وقف من كتاب صاحب الخبر (على) أن أم سليمان ماتت ببغداد) فظهر لنا أن العلامة الجليل (مرجليوث) زاد في الجملة (على) وحصرها بين قوسين ولا حاجة بالعبارة إلى هذه الزيادة، لأن حذف الجار قبل (أن) بتشديد النون وفتحها جائز.

стр. 5394

وقد كتبنا تعليل هذا القول في هذه المجلة ٧: ١٦٧ وفي مواطن أخر عديدة من السنة المذكورة والمجلدات السابقة. ٤ - وجاء فيها أيضاً (وسعى لابن عبد الحميد كاتب السيدة بالوزارة). قال الأب انستاس: (لعلها: كانت السدة) قلنا: والأولى (كاتب السلة) وتطلق عند المولدين على مجمع المسودات، قال ابن خلكان في ترجمة طاهر بن احمد بن بابشاذ النحوي من الوفيات: (وجمع في حال انقطاعه سلة كبيرة في النحو، قيل إنها لو بيضت قاربت خمس عشرة مجلدة) وقد ورد تعبير (كاتب السلة) في تاريخ الحوادث الجامعة غير مرة، فليراجع. ٥ - وردت في هذه الصفحة بعينها: (فاغتنم لذلك وبدأ فكتب إليه). فعلق المجمعيون ب (بدا) ما صورته: (لعل الأصل: بدا له) قلنا: والأوفق الأولى (وندم) لان المقام مقام حزن وأسف وندم. ٦ - وورد في ص ٦٠٨ (فتقضي لبانات وتشفي حسائك) والصواب (فتقضي لبانات وتشفى حسائك) على حسب قاعدتهم أي بإهمال تنقيط ياءي فتفضى وتشفى. ٧ - وفيها أيضاً (عزمت عليك يا أبا العباس ما رجعت) وما ادري كيف قرأ المجمعيون والعلامة مرجليوث هذه العبارة؛ فأبقوها على حالها التي ترى. لانّ ذوق العربي يأبى إلا أنْ يقال (لما رجعت)؛ لان الجملة شبه جواب قسم. قال ابن هشام في شرح قطر الندى: (وأما) (الما) فإنها في العربية على ثلاثة أقسام، نافية. . . وإيجابية بمنزلة إلا، نحو قولهم: عزمت عليك لما فعلت كذا أي إلا فعلت كذا أي ما اطلب منك ألا فعل كذا) فهذا برهان ما قدمنا من الإصلاح. ٨ - وجاء في ص ٦١١ (فقالوا. . . ليس بها من يكون هذا عنده إلا العامل)، والصواب: (ليس بنا) لأنهم كانوا يتكلمون على أنفسهم، ولا مرجع للهاء في (بها) حتى يتخرج به وجه لذلك التعبير الذي تقدم. ٩ - وفيها: (وسلم أبو علي من صلاته فقال لنا: لا يهوسكم) فالحق به العلامة مرجليوث: (لعله. لا يهولنكم) وليس الأمر على ما أرتآه لأن الأصل صواب ومعناه: (لا يحملكم على الهوس) أي الحيرة والاضطراب، لأنهم رأوا

стр. 5395

الطعام الموصوف في الحديث صعب المنال، فكيف ناله واحد منهم مثلهم وهم لا ينالونه. ولا يجوز الاستبدال بالأصل إذا تخرج على وجه مقبول. ١٠ - وورد في ص ٦١٢: (فانحدرت إليه وسألته عن منزله، فأرشدت فدخلت إليه وإذا هو جالس). فعلق به المجمعيون (كذا في الأصل، والظاهر: (إليها وسألته) فهم - وفقهم الله - أصلحوا الصواب واستصلحوا الخطأ، ذلك لأن الهاء في (إليه) لا يجب رجوعها إلى البلد فيجوز عودها إلى الإنسان، ولآن الهاء في (سألته) زائدة ظاهرة الزيادة جداً، فالباحث المذكور عن الجاحظ ليراه كيف يسأله عن منزله ثم يرشد فيجد الجاحظ جالساً فيكلمه، ولا يستقيم المعنى أبداً إلاَّ بما ذكرنا. ولولاه لبقي الكلام مضحكا ظاهر التصحيف. ١١ - وفيها: (فقد اشتملت على خصائل أربع). فقال المجمعيون: (كذا في الأصل ولم نجد خصائل بهذا المعنى فالظاهر، خصال كما في ياقوت) قال الأب انستاس: (فعلة على فعائل وارد) قلنا: ومما شابه الخصلة في الجمع هذا (حاجة حوائج)، (وحافة حوائف، ورخصة رخائص) و (شبة شبائب). (وضرة ضرائر) و (كنة كنائن). وغير المفتوح العين كثير منه: المرة والحرة. ١٢ - وجاء في ص ٦١٢: (إن ملوك الهند يغالون في الأفيلة) فقال المجمعيون أيضاً: (جمع الفيل: أفيال وفيول وفيلة، ولا يقال أفيلة). قلنا: إن علمهم علم ساعة كما إن في السموم سم ساعة، وقد اعتمدوا في قولهم هذا على مثل قول المختار: (الفيل معروف والجمع أفيال وفيول وفيلة بوزن عنبة ولا بقل: أفيلة)؛ ولكنه قال في مادة ق ف ا (القفا مقصور: مؤخر العنق يذكر ويؤنث، والجمع قفي بالضم واقفاء وأقفية وهو على غير قياس لأنه جمع الممدود كأكسية) وقال في مادة: ن د ي (والندى: المطر والبلل وجمعه أنداء وقد جمع على أندية وهو شاذ لأنه جمع الممدود كأكسية) فتراه لم يقل): ولا تقل أقفية وأندية). والتحقيق عند أهل العلم أن (فيلا على أفيلة) صوب لأنه مقيس ففي (٢: ٢١٣) من المزهر ما نصه (وقال في الجمهرة: جمع فعل على أفعلة في المعتل أجازه النحويون ولم تتكلم به العرب مثل رحى وأرحية،
следующие страницы →