Полный текст (6 158 стр.). Показаны 5426–5465 · переход к 5431.
стр. 5426
تعمدوا الكذب، والتوليد على القدماء، لحرج ما أصابهم أو شهرة تطلبوها، والكذب والتوليد أن استحل يسيرهما، ارتكب كبيرهما.
وكثيراً ما اقر بعضهم بالكذب الذي كذبه، أو رجع عن الخطأ الذي أصر عليه تورعاً، وتدينا، وندماً، وتوبة، وقد عقد السيوطي باباً في مزهره لمن قال قولا ورجع عنه، قال البغدادي في ١: ٣٦ من خزانته: (روي أن أبا العباس المبرد ورد الدينور زائراً لعيسى بن ماهان، فأول ما دخل عليه وقضى سلامه قال له عيسى: أيها الشيخ، ما الشاة المجثمة التي نهى النبي ﷺ عن أكل لحمها؟ فقال: هي الشاة القليلة اللبن مثل اللجبة، فقال: هل من شاهد؟ قال نعم قول الراجز:
لم يبق من آل الحميد نسمه ... إلا عنيز لجبة مجثمه
فإذا الحاجب يستأذن لأبي حنيفة الدينوري، فلما دخل عليه قال: أيها الشيخ، ما الشاة المجثمة التي نهينا عن أكل لحمها؟ فقال: هي التي جثمت على ركبها وذبحت من خلف
قفاها، فقال: كيف تقول وهذا شيخ أهل العراق يقول: هي مثل اللجبة؟ وانشده الشعر. فقال أبو حنيفة: إيمان البيعة تلزمه إن كان هذا التفسير سمعه هذا الشيخ أو قرأه وان كان الشعر إلا لساعته هذه. فقال أبو العباس: صدق الشيخ، فأنني أنفت أن أرد عليك من العراق، وذكري ما قد شاع، فأول ما تسألني عنه لا اعرفه. فاستحسن منه هذا القرار). أهـ فالمبرد على بسطته في العلم، وتنسكه المشهور، اضطر إلى الكذب والتوليد، فكيف غيره؟ وهو القائل كما في (٢: ٢٠٣) من المزهر برواية أبي الحسن الأخفش عنه: (سمعت أبا العباس المبرد يقول: إن الذي يغلط ثم يرجع لا يعد ذلك خطأ. لأنه قد خرج منه برجوعه عنه، وإنما الخطأ البين الذي يصر على خطأه ولا يرجع عنه فذاك يعد كذاباً معلوناً) كذا والصواب: (ملعوناً) ولولا اعتقاده هذا ما رجع عن كذبته قي الشاة المجثمة.
وان كثرة اضطراب العلماء وتسرعهم في تقدير منازل أنفسهم، ودعواهم التبريز، جعلت بعضهم يؤلفون كتباً ينقض بعضها بعضاً، لغة، أو نحواً أو أخبارا فضلا عن أن بعضهم لم يتقن إلاَّ فن الجمع، والقرش، فجمع الغث والسمين
стр. 5427
وهو
لا يدري وربما درى أنه لا يدري.
والجدال في العربية يدور غالباً على أمور منها أن المجادلة فيه: - ١ - مقيس أو سماعي - ٢ - مسموع أو غير مسموع - ٣ - مروي في شعر العرب القديم أو غير مروي - ٤ - فصيح أو غير فصيح - ٥ - فصيح أو أفصح - ٦ - فصيح أو رديء - ٧ - رديء أو قبيح - ٨ - مستعمل أو متروك ومهجور - ٩ - مجمع عليه أو مختلف فيه - ١٠ - عربي أو معرب، عدا اختلاف اللهجات والتذكير والتأنيث، وهذه الأمور جعلت اللغة مباءة للتخليط، والعبث، والتصادم، والتناقض، فواحد منهم يثبت شيئاً، وآخر ينقضه وينكره، وهذا يستفصح كلمة، وذاك يستقبحها؛ بل تجد إنساناً بعينه يبيح لنفسه القياس في أمر ويحرمه على آخر في وقت آخر، وهو هو، بله أن العلماء لم يجمعوا على تحديد الفصاحة، ولا اتفقوا على حقيقتها، فان كانت فصاحة الكلمة مستندة إلى:
١ - كثرة الاستعمال فأنا نرى العلماء يمنعون من استعمال الكلمات المبتذلة المتداولة كثيراً، قال ابن درستويه كما في ١: ١٢٥ من المزهر: (وليست الفصاحة في كثرة الاستعمال ولا قلته). أو كانت مستندة إلى:
٢ - كثرة استعمال العرب لها فمردود أيضاً بتعدد لهجات العرب. مثلا أهل الحجاز يقولون: (هلم) للواحد، والمثنى، والجمع، والمذكر، والمؤنث. وأهل نجد يصرفونه بحسب المخاطب. فيقولون: هلم، وهلمي، وهلما، وهلموا وهلممن، وقالوا: الأول أفصح لوروده في القرآن الكريم. أو استندت إلى:
٣ - كونها مقيسة فأنا نرى أكثرهم يتركون القياس ويستعملون الشاذ كما جرى في الفعل (أخال) قال المخطيبي في شرح التلخيص كما في ١: ١١٣ من المزهر: (أما إذا كانت مخالفة القياس لدليل فلا يخرج عن كونه فصيحاً) وقال أبن درستويه بعد قوله المذكور آنفاً: (وقد يلهج العرب الفصحاء بالكلمة الشاذة عن القياس، البعيدة من الصواب، حتى لا يتكلموا بغيرها، ويدعوا المنقاس، المطرد المختار) أو إلى:
٤ - سهولتها على اللسان فلا يقر ذلك العقل لوجود كلمات ثقيلة كثيرة مستعملة والخفيف بمعناها مهمل مثل: (الباذنجان، وتجشم وجشم، وتقهقر
стр. 5428
والأوتومبيل والشمندفر والذريعة وليست افرنقع أصعب من تشتت ولا أضطر أخف من الجأ وحمل، ولا جشمه أخف من كلفه، فلكل دهر ناس وألفاظ، أو إلى:
٥ - عربية الكلمة فهذا الباذنجان ولأنب والقسطاس والميزان والسخت والدشت والإستبرق والمارستان والبريد، وقد خصص السيوطي في مزهره باباً بالمعرب وله اسم في لغة العرب، ونقل أن الإبريق: التامورة، والهاون: المنجاز والمهرس. والطادن: المقلى، والأشنان: الحرض، والميزاب: المثعب والمسك: المشموم، والباذنجان: الحدج، والرصاص: الصرفان، والياسمين: السمسق والسجلاط وغير ذلك. أو إلى:
٦ - قلة أحرفها فهذه. أنقذ واستنقذ، وتثبت واستثبت، وأوصى وأستوصى ومر واستمر، وقر واستقر، وتقدم واستقدم، وهزم وأستهزم، وغلظ وأستغلظ، وبان وأستبان، ويئس واستيأس، ويبس واستيبس، ويقظ واستيقظ، وغلق واغلق، وطلق واطلق، ووفى وأوفى، تدل على أن الأمر ذوقي اختياري وقد نقل السيوطي في ١: ١٢١ من المزهر عن عروس الأفراح ما صورته: (وحيث كان للمعنى الواحد كلمتان ثلاثية ورباعية، ولا مرجح لإحداهما على الأخرى، كان العدول إلى الرباعية عدولا عن الأفصح، ولم يوجد هذا في القرآن الكريم) أهـ ونرد عليه بأنه ورد في القرآن المجيد: (أوفى) ولم يرد: (وفى) وجاء
(أوحى) ولم يجيء (وحى)، وورد (تبع واتبع) بمعنى: و (سقى وأسقى) بمعنى؛ فحجته ساقطة. أو استندت الفصاحة إلى:
٧ - المحافظة على الأصل فهذا باب الوهم، والتضمين، والتشبيه، وحمل النظير على نظيره، والنقيض على نقيضه، يمنع ذلك ويدكه، وليست الفصاحة عندنا إلا كثرة الاستعمال، والتداول - وان أنكرها بعض العلماء - لأن المراد تفهيم الغير بأسهل أسلوب.
٢ - دجاجلة إصلاح العربية
يقال: إن الغربيين المتلبسين بالعربية، ينعون عليها كتبها الصفر وتفرعاتها السقيمة المبهمة، وقيودها الناهكة، وشواذها المتوافورة، وعجزها عن متابعة
стр. 5429
هذا الدهر، وفقدانها المرونة والاتساع، بل أن أبناء العرب، والمستعربين الجهلة كثيراً ما تبرموا بالعربية، وقذفوها بالجمود واستحقروها، واستحبوا عليها اللغات الأجنبية لأنها لا تسمنهم اليوم، ولا تغنيهم من جوع؛ فأما الغربيون فالحق في جانب من قولهم لأن التفاريع، والشروح والتمحلات والتعاليل المريضة، جعلت العربية مستحكمة السور كاستحكام دول الحلفاء اليوم.
ورأينا بعض المغفلين يقترح لإصلاح العربية أشياء أقل قباحتها أن تحرم المتعلم الجديد التمتع بما خلفته العرب من العلم، والأدب، والشعر، فهذا اختراع لغة تخليطية، لا اقتراح إصلاح، فمن إصلاحه المزعوم إهمال أعراب المثنى، وما أدري إذا أهمله كيف يعرف الجارح مثلا في قول القائل: (جرح الشرطيين السارقين) فان ترك الأعراب يلجئ إلى استعمال قرينة من اللغة العامية ولعامة كل قطر عربي لغة، فضلا عن أن العامية كثيرة القرائن، فعوامنا يقولون بدلا من (جرح الشرطيين اللصان): البليسية الاثنين جرحهم الحرامية اثنينهم. وفي ذلك من الحشو البارد والإطالة الفاسدة ما يسمى ألمي الأكبر بل اقترح أن يزال استواء المذكر والمؤنث في (فعول) و (فعيل). ولعمري ليس هذا من الإصلاح. فالإصلاح يبنى على ما تقدم من اللغة لا ينقصه كله، والعرب ساوت بين المذكر والمؤنث في (فعول) لفائدة عظيمة لا يدركها الطافون على اليعاليل لأنها إذا قالت للمؤنث (فعولة) انصرف الذهن إلى أنها بمعنى مفعولة مثل: (ركوبة أي مركوبة) و (حلوبة أي محلوبة) و (حمولة أي محمولة) أو إلى أن الهاء للمبالغة لا للتأنيث مثل ترجل ملولة،
فروقة، وامرأة ملولة، فروقة.
أما فعيل فلا يستويان فيه إلا قليلا مثل: (جددت العباءة فهي جديد أي مجدودة، وتقول جديدة) ومثل (عتقت القنطرة فهي عتيقة) بمعنى عاتقة،
стр. 5430
قال الجوهري في (ع ت ق) ما نصه: (وإنما قيل قنطرة عيقة بالهاء وقنطرة جديد، بلا هاء لان العتيقة بمعنى الفاعلة والجديد بمعنى المفعولة ليفرق بين ما له الفعل وبين ما لفعل واقع عليه) فتأمله.
فالإصلاح يجب أن تنظر عواقبه. وتزول معايبه، وما شكا طلاب العربية كشكايتهم من شواذها، والنواد عن مطرداتها، فأول رأي نراه لإصلاحها:
٣ - تعميم القياس في القاعدة
ونريد بهذا التعميم تطبيق القاعدة على الشواذ أيضاً لتكون في حكم المقيس وهذا يقتضي تغيير شيء في شروط المقيسات، وأن استبدالنا كلمة بكلمة اسهل وأخف من حفظ خمسين كلمة فما فوقها، فاسم التفضيل مثلا لا تحصى شواذه إذا عرف بتعريف القدماء، من انه يصاغ من الفعل الثلاثي بشرط أن يكون: ١ - تاماً - ٢ - مثبتاً - ٣ - مبنياً للمعلوم - ٤ - لم يجئ الوصف منه على افعل - ٥ - للفاعل لا للمفعول - ٦ - متصرفاً لا جامداً - ٧ - قابلا للتفاوت. فهذه الشروط يصعب مراعاتها. فضلا عن أن الشذوذ دكها دكاً، والذي رأيناه نشرناه قبل هذا إن:
اسم التفضيل: يصاغ من (المصدر الثلاثي أو الاسم مطلقاً) فالأفهم من الفهم، والآدى من الأداء، والأوفق من الوفق، والأشبه من الشبه، والأشهى من الشهوة، والأخلف من الخلف، والأشغل من الشغل، والاحوط من الحيطة، والأجدى من الجدوى، والأعطى من العطاء، والأشهر من الشهرة، والأتقن من التقن، والأعقد من العقدة، والأبر من البر، والأعذر من العذر، ولولا تعريفنا المذكور لبقيت هذه كلها شاذة أما غيرها الشاذ فاكثر رأينا قبل هذا أن:
اسم الآلة: يشتق من (المصدر أو الاسم مطلقاً أيضاً). فالمروحة من الريح، والمصباح من الصباح، والمهدى من الهدية، والمسيعة من السياع والمئذنة من الأذان، والمذوب من الذوب، ولا يشترط فيه أن يعالج الفعل به كله بل يكفي بعضه أو شيء له اتصال فالمطر لا يمطر به كما إن المفتاح يفتح به، ولكن له اتصال بالمطر، والمنفاض ليس آلة ينفض بها بل متصلا بالنفض، فأدنى ملابسة بين الفعل واسم الآلة تجيز صيغة اسم الآلة.
وإذا نظرت إلى تعريفنا السابق لاسم الآلة بطل عندك اشتراطهم التعدي في
стр. 5431
الفعل الذي يصاغ منه هذه الاسم، ففي العربية: (المثفد والمذوب، والمربأ، والمرقاق، والمروحة، والمئذنة، والمصباح، والمرساة، والمئزر، والمسيعة، والمحراك والمنضاج وغيرها) وهي مخالفة لقياسهم شاذة عنه داخلة في قياسنا.
ذكرنا هذه الأمور ليتبين للقارئ أن التعاريف، وشروط القياس مستوجبة للإصلاح. وإذا ما تطرقنا إلى كل تعريف ننفي عنه الخبث ونحو إليه الشواذ النواد، بطل تتبعها، وتأثرها، وإضاعة الأوقات من أجلها، فان الحياة اليوم ما فيها فسحة لقضاء الوقت بلا طائل، ولا العقول متفرغة للغوص في اللجج، على الحجج، فضلا عن أن العرب اليوم غير العرب بالأمس لضعف القريحة ومرض السليقة العربية، وكثرة التداول للألفاظ الأجنبية، ولهذه الأسباب الضاغطة نرى أن من إصلاح العربية:
٤ - عد كل مقيس فصيحاً وجواز استعماله
نقلنا قبل هذا عن ابن درستويه أن العرب الفصحاء قد تلهج بالكلمة الشاذة المخافة للصواب ولا تستعمل غيرها من المطرد المختار: ثم قال بعد ذلك كما في (١: ١٢٦) من المزهر: (ثم لا يجب لذلك أن يقال: هذا أفصح من المتروك) وقال في (٢: ٣٠) منه: إنما أهمل استعمال ودع ووذر، لأن في أولهما واواً وهو حرف مستثقل، فاستغني عنهما بما خلا منه وهو ترك قال: واستعمال ما أهملوا من هذا جائز صواب وهو الأصل بل هو في القياس الوجه) وفي ١: ٣٧ من المزهر: (قال أبو علي في ما حكاه ابن جني: يجوز لنا أن نقيس منثورنا على منثورهم وشعرنا على شعرهم) وفي ص ٧١ (وروي عن رؤبة وأبيه أنهما كانا يرتجلان ألفاظاً لم يسمعاها ولا سبقا إليها وعلى ذلك قال المازني: ما قيس على كلام العرب فهو من كلامهم وأيضا (فالأصمعي كان منسوباً إلى الخلاعة ومشهوراً بأنه كان يزيد في اللغة ما لم يكن منها). وقال ابن درستويه أيضاً في ص ١٢٦: (وليس كل ما ترك الفصحاء استعماله بخطأ فقد يتركون استعمال الفصيح لاستغنائهم بفصيح آخر أو لعلة غير ذلك) وجاء في ص ١٤٨ (فان الأعرابي إذا قويت فصاحته وسمت طبيعته تصرف وارتجل ما لم يسبق إليه). وقال الجوهري في مادة س ج د: (وسمعنا المسجد والمسجد والمطلع والمطلع والفتح في كله جائز وإن لم نسمعه). وقال ابن الأنباري كما في (ص و
ع) من المصباح: (لأنه وإن كان غير
стр. 5432
مسموع من العرب لكنه قياس ما نقل عنهم). وقال الفيومي في (خ ل ف) من مصباحه: (وخدم السماع يقتضي عدم الاطراد مع وجود القياس).
وقد ألفنا بين هذه الأقوال إثباتاً لأن نعد كل مقيس فصيحاً. فاستعماله جائز لا مطعن فيه ولا مغمز، ولا عيب على غير المتبحرين الراسخين في العربية إذا لم يحفظ الشواذ، وجروا على القياس اللاحب. ومن كثرة إباحة العلماء: التساهل في العربية أنهم لم يخطئوا من تكلم بلغة من لغات العرب، ففي (١: ١٥٣) من المزهر: (قال ابن جني في الخصائص: اللغات على اختلافها كلها حجة ألا ترى أن لغة الحجاز في أعمال (ما) ولغة تميم في تركه كل منهما يقبله القياس فليس لك أن ترد إحدى اللغتين بصاحبتها لأنها ليست أحق بذلك من الأخرى؛ لمن غاية ما لك في ذلك أن تتخير إحداهما فتقويها على أختها وتعتقد أن أقوى القياسين أقبل لها واشد نسباً بها) ثم قال: (فان الناطق على قياس لغة من لغات العرب، مصيب غير مخطئ، لكنه مخطئ لا جود اللغتين). وفي هذه الصفحة: (قال أبو حيان في شرح التسهيل: كل ما كان لغة لقبيلة قيس عليه). وإذا لاحظ الإنسان تصرف العرب في لغتهم، تعجب من تلك الأذواق المتوثبة، والطباع المترقرقة. روى الفيومي في مادة ك ت ب من مصباخه ما عبارته: (قال أبو عمرو: سمعت إعرابياً يمانياً يقول: فلان لغوب، جاءته كتابي فاحتقرها. فقلت: أتقول: جاءته كتابي؟ فقال أليس بصحيفة؟ قلت: ما اللغوب؟ قال: الأحمق) ومثل هذا كثير، وأرى من إصلاح العربية:
٥ - ترك تعليل الإعراب في النحويات
نريد بذلك أن يعلل رفع الفاعل، ونائبه ونصب المفعول، وللتمييز مثلا، فان ذلك لا تعليل له على الحقيقة وكل ما جيء به تكلفات وتفيهقات تدل على أن القوم رغبوا في إضاعة أعمارهم، وجهد أذهانهم، بلا جدوى ولا طائل. فالفاعل مثلا سمع مرفوعاً والمفعول سمع منصوباً فأي علة لشيء حصل قبل العلة وأي سبب لشيء كان قبل السبب؟ قال ابن خلكان في (١: ١٤٣) عن وفياته في ترجمة أبي علي الفارسي: (ويحكى أنه كان يوماً في ميدان شيراز يساو عضد الدولة فقال له: لم انصب المستثنى في قولانا: قم أقوم إلاَّ زيداً؟ فقال الشيخ: بفعل مقدر، فقال: كيف تقديره؟ فقال: نستثني زيداً، فقال له
стр. 5433
عضد الدولة: هلا
رفعته وقدرت الفعل، امتنع زيد! فانقطع الشيخ) فهذه الحكاية تؤيد دعوانا أن تعليلهم الأعراب تكلف محض واختلاق صرف، والاشتغال بمثل هذه الأمور معسر لفهم القواعد العربية زيادة على إفساده القاعدة، ومن ذلك أنهم زعموا أن كل منادى منصوب، وقدروا له فعلا ناصباً هو (أدعو) أو جعلوا أحرف النداء بمكان (أدعو) فيقولون في: (يا الله) مبني على الضم في محل نصب، وفي (يا عليون) مبني على الواو في محل نصب؛ وما ندري كيف تكون علامة الرفع بمكان البناء والنصب، وما فائدة نصبك اسماً بالتقدير والتصور وأنت تراه وتسمعه وتلفظه مرفوعاً؟ فذلك جهل مركب، والحقيقة إن المنادى ورد عن العرب بنوعين نوع منصوب، ونوع مرفوع، كالمستثنى بالا فمنه المرفوع أيضاً، وان جاء منه المنصوب. فالمنادى المنصوب (١) المضاف نحو يا خالق العالم (٢) والتشبيه به مثل يا خالقاً كل البشر (٣) والنكرة غير المقصودة نحو يا حاكما انصف، والمنادى المرفوع (١) العلم غير المركب مثل يا علي ويا عليان ويا عليون (٢) والنكرة المقصودة نحو يا رجل ويا رجلان ويا مؤمنون (٣) وحرف النداء هو أيها أو أيتها أو اسم الإشارة مثل يا أيها النبي، ويا أيتها النفس المطمئنة. ويا هذا الإنسان؛ ويبقى أن العلم غير المركب يبنى لحذف تنوينه أم تكون الضمة علامة رفع؟ والأول أن تكون الضمة علامة رفع ويعد حذف التنوين من هذا المنادى شيئاً مسموعاً ولا فائدة في تغييره أبداً.
بسطنا هذا الإيضاح لبيان أن تعليل الأعراب قد يجر المعلل إلى ما لا تحمد مغبته، ولا تقبل، ولا يصح نتاجه. أضف هذا إلى إن أقل اعتراض على المعلل، يربكه، ويورطه في ورطة كبيرة فلا ينجو منها؛ ونرى أن من إصلاح العربية.
٦ - تمهيد أسلوب تدريسها والتأليف بها
عددنا هذا التمهيد إصلاحاً لأن التدريس في كل علم يجب أن يسير على سنة التدرج في الارتقاء، فإذا تعلم الطالب بطريقة وعرة أو وعثة، مل العلم، واستصعبه، ويئس من إدراكه، وأول ظلام الخسران، اليأس، والمعلم الذي يعلم تلميذه بأسلوب شكس يكون كمن يحمل الطفل الحابي على العدو، والجري، فتنقطع به الأسباب، لأنه طلب المحال،
وإدراك المحال لا ينال.
стр. 5434
قضيت في تدريس العربية ست سنين: وطالما رأيت التلاميذ يتضجرون، ويشتكون من
العربية، ويعدون فهماها والنجاح فيها من المعجزات؛ وما ذلك إلاَّ لعدم وجدانهم كتباً تناسب عقولهم، وتسير في تقديم البحوث على أسلوب قويم ومنهج مستقيم، وإلى الآن ما وجدت كتاباً في القواعد العربية مبنياً على التجربة، وأساليب التعليم الفنية؛ ونقائص هذه الكتب لا تبدو إلاَّ لمجرب مرب متضلع من العربية، فان حرم أحد هذه الثلاثة لم يفطن لها، فمن تلك النقائص:
(١) التخليط في التعاريف كأن يعرف أحد المؤلفين الاسم بقوله: (الاسم: كلمة تذكر لتسمية شخص أو حيوان أو شيء) ولا يعلم أن الشخص والحيوان شيئان، فيعتقد الطلاب هذا الاعتقاد، ولكنه هو نفسه إذا عرف اسم الاستفهام قال: (اسم الاستفهام: هو ما يسأل به عن شيء) فهذا يستوجب عند التلميذ أن لا يسأل به عن إنسان، ولا عن حيوان، لأن الشيء عندهم قد صار لا يتعدى الجماد، فتأمل هذا الاضطراب. ويعد من باب الخطأ في التعريف (التورط في التفهيم) كأن يقول أحدهم للتلميذ: (إذا قلت: نفتح الباب، نفهم أن الحدث يجري الآن) ثم يقول: (أما إذا قلنا: يقرا الولد درسه) فأننا نفهم أنه لا يزال يقرأ في وقت التكلم وسيستمر على القراءة بعد التكلم) وأنت تعلم أن لا فرق بين (نفتح) و (يقرأ) من حيث الزمان، فيشتبه الأمران على التلميذ ولا يكون علمه متحققاً عنده.
(٢) التعابير المغلوط فيها، لأن المؤلف لكتاب في القواعد العربية يجب عليه أن يكون سلس التعبير، طاهر العبارة، متين الجمل، محكم البحث: وإلا ففساد كتابه اكثر نصحه، ومن ذلك قولهم للتلميذ: (على كل إنسان أن يحب وطنه، ويفدي دونه كل نفيس) فالفداء حصل ل (كل نفيس)، لا للوطن، ومصدر هذا الخطأ خاصة قول الرصافي الأستاذ في أحد أناشيده:
نبذل الأرواح نف ... ديها لإحياء الوطن
فالفداء صار للأرواح لا للوطن، فصواب الخطأ الأول (ويفديه بكل نفيس) وصحيح الغلط الثاني ونفدي بها أحياء الوطن).
(٣) فساد السؤال كأن يقول أحدهم لتلميذ لم يتعلم إلاَّ لتعريف الكلام،
стр. 5435
وأنواع الكلمة: (أدخل هذه الأحرف في جمل مفيدة: في. لم. من. إلى. ثم. عن.) فهذا من الأسئلة العقيمة، لأن التلميذ قبل أن يستعمل الحرف يلزمه أن يعرف عمله، ومعناه، وموضع استعماله، وهذا لا
يعرف بالاتفاق والتصادف، فضلا عن أنه مضيعة للأوقات، وأسلوب وعر.
(٤) جهل المؤلفين، وهنا الطامة الكبرى، فو الله لقد تقدم إلى التأليف من لا يميزون بين اسم الإشارة والاسم الموصول كقولهم: (أدخل أسماء الإشارة الآتية في جمل مفيدة: ذا، تان (التي) هذا، (اللتان)، (اللذين) تانك) فالتي، واللتيان، واللذان، أسماء موصولة لا أسماء إشارة، وإذا فهم أحدهم تعريف الفاعل، والمفعول، عرض نفسه لأن يؤلف، ومن ألف فقد استهدف ويكون كتابه مفسدة للعربية من أوله إلى آخره، وبرز للتأليف من لا يعلم أن فعل الأمر لا يصاغ للغائب فيقول للتلميذ: (ما هو مضارع وأمر هذه الأفعال شكر. استحسن. انتقد. . .) وهلم جرا في المواضي المختصة بالغائب: وما ادري كيف يؤمر الغائب بدون لام الأمر؟ فعلي الرواية وعلي العجب.
(٥) التلبيس على المتعلم، وذلك كأن يذكر له أن (سأل) ينصب مفعولين ولا يبين له المراد ب (سأل) الناصب للمفعولين، مع أن سأله عن كذا) شيء، و (سأله كذا) آخر؛ ومن سوء هذا التدريس وجدت بعضهم يكتبون (سألت المدرس قضية) يريدون (عن قضية) وهناك مثل هذا التلبيس ما لا يحصى كثرة، ولا يستقصي عداً.
(٦) عدم مراعاة سنة العلم العامة، كأن يقول أحدهم للدارس: (فرق بين المذكر والمؤنث مما يأتي: فريدة، حمام، أفعى، بطن. . . حرب. . . دكان. . دار.) فالفريدة بها علامة تأنيث، وما بقي لا يعرف تأنيثه، ولا تذكيره، إلا بالسماع، ومعجم العربية، فكيف يسأل عنه طالب لم يراجعه في كتاب ولا سمعه من نفر، فضلا عن أن البطن بطنان بطن ضد الظهر، وهو مذكر، وعن أبي عبيده أن تأنيثه لغة، وبطن دون القبيلة وهي مؤنثة وتذكر إن أريد بها الحي. فتأمل هذا السؤال الذي لا يسأله إلاَّ عقيم التدريس، عظيم التلبيس، متنكب لسنة العلم العامة، والبلية العظمى السؤال عن (الحمام) أمؤنث هو أم
стр. 5436
مذكر؟ ولا شك عندي في أن السائل لا يعرف الجواب عنه.
(٧) والابتسار في التدريس وهو تدريس الشيء قبل أوانه كأن يقول للتلميذ: (إذا كان الكلام تاماً منفياً فيجوز نصب المستثنى بإلا، على الاستثناء. وإتباعه على البدلية) والتلميذ لا يعرف البدل ولا البدلية، ولو ظل هذا المعلم المبتسر ينفخ في الشبور لتفهيم الدرس، لما فهم التلميذ من هذه المعميات شيئاً. ومن الابتسار، تدريس تثنية الاسم قبل تعليم أنواع
إعرابه، لان المثنى يضيف إلى المفرد ألفاً ونوناً عند الرفع، وياءاً ونوناً عند النصب والجر؛ وإذا انعكس الأمر ضاعت الفائدة، وطال الطريق.
ومنه تقديم تعليم المبني على المعرب، لان المتعلم إذا درس المعرب، ورأى تغير آخره، سهل عليه معرفة ضد المتغير الآخر أي المبني، ولان المعلم إذا علم المعرب، أبان حقيقة التغير وكشف عن تطور المعربات، فضلا عن انه إذا ضرب مثلا للمعرب، المرفوع ليقابله بالمبني المرفوع، كأن الطالب عارفاً للرفع والمرفوع، فلا يكل ذهنه، ولا تخمد قريحته، ولا يدرس شيئاً مفاجئاً لذهنه، غريباً عن كل ما في عقله.
ومنه تدريس النداء في خصائص الاسم قبل تعليم النداء والمنادى.
ومنه تعليم الفاعل لشبه الفعل المعلوم ونائب الفاعل لشبه الفعل المجهول، قبل تعليم عمل اسم الفاعل، والصفة المشبهة، واسم التفضيل، واسم المفعول والاسم المنسوب إليه.
ومنه طلب إصلاح شيء قبل أن يدرس قاعدة إصلاحه كأن يقول: (اصلح لمساعدة أبوك خالداً) وهو لم يدرس البدل ولا عطف البيان. فيصلح هذه الجملة، وأمثلة الابتسار كثيرة.
(٨) الأسئلة المكسلة أو الملقنة للجواب؛ فان الكتاب إذا أشتمل على أسئلة لا تعمل أفكار التلامذة، ولا تهيج قرائحهم؛ بل تعلمهم التواكل والكسل أو تحتوي على الجواب، فيكون عديم الفائدة، ميت العائدة، زيادة على ضرره من حيث التربية المهذبة، وكيفية هذه الأسئلة كأن يقول في الكتاب: (ما فاء كلمة (وجل) وهل قلبت إلى حرف آخر في صيغة الأمر؟) فالجزء الأخير من
стр. 5437
السؤال فهم التلاميذ أن الواو تقلب إلى حرف آخر في صيغة الامر، فضلا عن انهم يجيبون ب (لا) أو (نعم) وهو الغالب لان فيه راحة ومكسلة، فلا أعمال فكر فيه، ولا جهد قريحة. ومثله أن يقال للتلاميذ (ألا ترون أن جميع هذه الكلمات التي تدل على الجمع، تزيد عن مفردها لفظاً بالواو والنون؟) فالجواب (نعم). ولا ينجو من هذا العيب التدريسي إلاَّ ذو حظ عظيم.
(٩) وارتباك المؤلفين لاعتمادهم على قلة علمهم، فيضربون مثلا للفعل اللازم: (صبر، واستقل، وجاء) ولا يعلمون انه يقال: (صبره صبراً، واستقله، وجاءه) فشغل أذهان المتعلمين بالأشياء المشتركة وتوريط المؤلف نفسه في ما لم يتحققه مفسدة للعلم والكتاب ومخسرة لأعمار المتعلمين.
(١٠) تفكيك الدروس بعضها عن بعض لان العلم يجب أن يتألف من مفرداته صفوف متصلة بعضها ببعض حتى إذا عرضها صاحبها، مرت كالجنود المجندة وإذا تفرقت وتقطعت كانت كالجيش المتشرد لا قوة له ولا استعداد، فيجب ربط الدروس بعضها ببعض. ومثل عدم الربط تدريس علامات نصب الاسم بعد الاسم المنصوب، يفصل بينهما المرفوع وتدريس الفعل المتعدي بعد المفعول به مثلا.
(١١) الإكثار من الدروس كأن يدرس المتعلم في ستة اشهر (١٢٠) درساً وليس له في الأسبوع إلاَّ درسان وهي تسعة وثلاثون أسبوعاً يستغرقها ثمانية وسبعون درساً جديداً. فمتى يكون الامتحان الشهري وغيره وفي أي فرصة تعاد. وتزاد الدروس التي درسها التلميذ في السنة الماضية عملاً بأن تكون الدروس متوسعة بالتدرج كتوسع حركة الأرجوحة فإنها تتردد إلى مركز الحركة لا تمتد بمرة واحدة. فإتباع الإكثار على هذه الصورة قبيح في تأليف الكتب. ومن جنس هذا النقص تكليف عقل المتعلم فهم معلومات كثيرة في وقت واحد فذاك أسوأ التعليم.
واعلم إني لو تأثرت نقائص المؤلفات والمؤلفين. وأساليب تدريس العربية الوعرة، لجئتك بشيء كثير. هو الذي صعّب العربية على المتعلمين وكرهها إليهم وجعل فهمها من المعجزات.
مصطفى جواد
стр. 5438
هيكل أدب
(تابع لما قبله)
أما لباسها ففي غاية البساطة والحشمة. بخلاف ما ذهب إليه فريق من المؤرخين في تهتك المرأة البابلية في الهياكل وعلى أبواب المعابد. وفي اسفل الإناء خطوط متمعجة تشبه الموج وهي تمثل الماء أو الغمر.
وفي الجهة اليمنى من مقدم الزورق كتابة مؤداها: إن اورين بن اور أهدى هذا الإناء إلى إلهته لكي تحفظ حياته. وبعض تلك الكتابة مسطور بخطوط مستقيمة. وبعضها بصورة مسمارية ترتقي إلى عهد دنجي. وفي طرفي الإناء ثقبان صغيران يسلك فيهما خيط لتعليق ذلك الإناء في الهيكل. ويظهر إن هذا الزورق قدّمه أحد النوتية هدية للهيكل عربون حمد وشكر على نجاته وزوجته من الغرق كما وقع مثل ذلك في أيامنا لجماعة من الملاحين فعلّقوا بعد نجاتهم رسم السفينة الغارقة ووضعوه في كنيسة مرسيلية الكبرى.
وقد ورد في الجزء الثالث من كتاب رويال ريدر ص ١٥٦ - ١٦٠ بعنوان (زورق فرسي) أي مصنوع من الخيش ما وقع لسبعة من النوبية الإنكليز قبل نحو مائتي سنة. فان نفراً من لصوص البحر (القرصان) أسروهم وحملوهم إلى الجزائر من بلاد المغرب في أفريقية فقضى أولئك المنكودو الطالع في الأسر مدة خمس سنوات قاسوا في خلالها من صنوف العذاب والهوان ما حملهم على أن يفضلوا الموت على حياة الذل والمسكنة. وفي الأخير عقدوا النية على مغادرة الجزائر مهما كلفهم ذلك من الأخطار والمشاق، فصنعوا سراً قارباً من الخيش وطلوه بالزفت والقار، ثم أنزلوه في الماء ليلا وهموا بالهرب. وما كان اشد أسفهم لما حققوا انه لا يسع سوى خمسة منهم، فالقوا القرعة وتخلف اثنان منهم بعد وداع تتفطر له الأكباد حزناً، وينقطع نياط القلوب جزعاً، ثم أبحروا
стр. 5439
ووجهتهم بلاد أسبانية. وكان زادهم قليلا من الخبز وقنينتين من الماء العذب وبعد سفر دام بضعة أيام، كابدوا في أثنائها من الأهوال والنكبات ما يعجز القلم عن وصفه. وصلوا جزائر مينرقة وهم إلى آخر رمق من الحياة لشدة ما أصابهم من الجوع والعطش والتعب. فاكرم مثواهم الإسبانيون ورثوا لحالهم وأمدوهم في الحال بطعام وشراب ولباس وزودوهم بكل ما يقوم
بأودهم ثم وضعوهم في إحدى سفن ملكهم ووجهوهم إلى إنكلترا بلادهم وقد حفظ سكان جزيرة مينرقة ذلك الزورق المصنوع من الخيش، ووضعوه في كنيستهم الكبرى ذكرى لنجاة أولئك الملاحين الإنكليز الذين نجوا بأعجوبة من أهوال البحار بذلك القارب الصغير. وقد، حفظت أضلاعه وقاعدته من التلف مدة من الزمن، واخذ الرحالون يؤمون تلك الأصقاع لمشاهدة صقل ذلك الزورق القديم بعد الحادثة بأكثر من مائة سنة، فهذه الواقعة تؤيد بأجلى بيان ما حدث للملاح البابلي وزوجته التقية وإيداع رسم زورقهما أحد هياكل أدب.
وفي الخامس من كانون الثاني سنة ١٩٠٤ استؤنف الحفر بعد أن توقف بضعة أيام من جراء النزاع القائم بين شيوخ تلك المنطقة. فكان كل منهم يدعي أن موقع بسمى ملكه. وقد عثر النقابون في ذلك اليوم في الطرف الشمالي الغربي من قاعدة الهيكل على رأس تمثال صغير منحوت من الحجر الأبيض يماثل التماثيل المكتشفة في تلو ونفر وكان رأس ذلك التمثال اصلع. ووجهه مستديراً أمرد ويرتقي عهده إلى الشمريين، ولا يتخطى عصر جودياء ملك تلو. ووجد المنقبون في اليوم التالي ٦٥ صفيحة من الآجر وبينها قطع وطائفة من الجرار الصحيحة وكل هذه الآثار اكتشفت في ارض الطبقة السفلى من الهيكل.
هذا وفي ذات يوم بينما كان أحد المعمارين يبحث عن آجر للبناء عثر نبهاً على بئرين بالقرب من سفح الرابية الرابعة. وكانت أعضاد إحداهما مطوية بالآجر المربع (الطابوق السلطاني) وعلى كثير منها اسم اور انجور وكتاباته. وكانت البئر الأخرى مطوية بالآجر المسنم، ويحيط بها دكة مبنية بالآجر أيضاً، ووجد الحفارون في الرابية الأولى بناء عظيماً. وفي أنقاضه صفائح من
стр. 5440
الآجر وتماثيل وآنية من الخزف. والذي ابهر أنظارهم وأفاد المؤرخين فائدة تذكر، عثورهم في الهيكل على قطعة صغيرة متجمدة من المعدن الأصفر، وبعد أن نظفت وصقلت عادت إلى رونقها الأول، فظهرت عليها كتابة بديعة طولها أربعة عشر سنتيمتراً في عرض خمسة سنتيمترات، تشتمل على ستة اسطر، وتبدأ بهذه الكلمات: (نرام سن ملك أكد).
كان نرام سن بن سرجون العظيم، أحد الملوك الذين أعادوا بناء هذا الهيكل؛ وقد وجدت تلك الشذرة الذهبية بجوار قبر قائم في غرفة صغيرة مربعة الشكل. ويرتئي فريق من
الأثريين أن نرام سن دفن في الهيكل؛ وذلك الموطن موضع قبره. وقد فتحه لصوص الآثار وسلبوا كل محتوياته، ولم يهتدوا إلى هذه الكتابة المسطورة على تلك الصفيحة الذهبية المقطوعة من صفيحة أكبر منها؛ لأن أطرافها غير المستوية تدل على أنها نزعت بعنف من تمثال كانت معلقة عليه لتدل على اسم صاحبه، أو لعلها كانت بمثابة مئزر أو رداء، يستر ظاهر جسم ذلك التمثال.
وبعد أيام قلائل رأى الفعلة قريباً من ذلك المدفن قطعة أخرى من الذهب أتمت طرفاً آخر من الكتابة. وكان مطبوعاً عليها بضعة أسطر بخطوط متآزية وهي تشير إلى أنها كانت قد اتخذت لغرض التجمل والزينة.
وقد صادف المنقبون كثيراً من الحلي الذهبية والحجارة الكريمة في قبور البابليين، ومدافن ملوكهم ولكن معظمها - إلم أقل كلها - كان غفلا خالياً من الكتابة. أما هذه فتعد فريدة في مادتها، وحيدة في نوعها. نعم وجد الأثريون في خرائب خرستاباذ (خرساباد) قطعاً من الذهب، عليها كتابات ونقوش ولكن ليس في بابل.
ووجد أحد الفعلة من البنائين - حينما كان يحث عن آجر للبناء في السهل الواقع في آسفل الرابية السادسة - خابئتين كبيرتين (راقودين) من الخزف ولكل منهما جوف واسع، وعنق صغيرة جداً بصورة غير مألوفة.
وكانت الخابئتان قائمتين الواحدة بجنب الأخرى؛ ومثبتتين في الأرض وإحداهما اصغر من الأخرى قليلا. وكان من الأمر الهين وقعهما وإفراغ ما فيهما
стр. 5441
ولكن حينما رفعت إحداهما من موضعها تكسرت كسراً عديدة وفي الخابئة الصغيرة كان رماد جثث محرقة، وقطع من العظام الدقيقة واثنا عشر صحناً صغيراً عميقا ذا شكل قديم جداً وقطعة من الآجر.
وقد ظهر بعد التحري والتدقيق، أن هاتين الخابئتين الضخمتين اتخذتا مدفناً لرماد الجثث المحرقة للآسر النبيلة، ووجد أيضاً في تلك الصحون العميقة رماد جثث محرقة لإفراد ممتازين. فمن هنا يتبين أجلى تبين أن عادة إحراق جثث الموتى، كانت مألوفة وشائعة عند سكان العراق في ذلك الزمن البعيد. والمر الذي استرعى الانتباه بنوع خاص وجود جثث محرقة في موضع آخر وقد نسقت الواحدة بجنب الأخرى وذلك تحت سطع الأرض.
وصادف المستر وولي الأثري منذ نحو سنتين مدفن ملك نفي أور، ووجد تسعاً وخمسين
جثة من رجال ونساء، دفنوا أحياء بإرادتهم، ليرافقوا ملكهم في العالم الآخر، ويصبحوا أفراد حاشيته في مملكته الجديدة، كما كانوا على الأرض. (راجع لغة العرب ٨: ٧٨)
وصف الهيكل
كان الهيكل يعد عند الشمريين، والبابليين، والآشوريين، بؤرة حضارتهم وقبلة خاصتهم، وعامتهم. وكان الناس على اختلاف درجاتهم، وتفاوت مشاريعهم، يحجون المعابد، والمساجد، والهياكل، المرصودة لعبادة الآلهة، ويقدمون إليها هداياهم النفيسة، وآثارهم الثمينة، ففي هذه الأماكن المقدسة كانوا ينصبون تماثيل ملوكهم، ويجرون الحفلات الدينية، ويشيدون حولها قصورهم، ودور أغنيائهم، ويقيمون أسواقهم ومخازنهم، وبيوت تجارتهم واهراء غلاتهم، لما لها من الدرجة السامية في نظر الكهنة والأشراف، وسائر المتعبدين من السوقة.
وكان الهيكل كثيراً ما يقام على ضفة نهر، أو مصب ترعة، لان الفروض الدينية، تلزم أحياناً رؤساء الهيكل أن ينقلوا تماثيل الآلهة الضخمة على أكلاك أو أطواف من مدينة إلى أخرى، ويطوفوا بها حينما تنتشر في البلاد
стр. 5442
أمراض شديدة الوطأة، تحصد نفوس السكان، وتفتك بهم فتكاً ذريعاً لا تهاب بطش ملك، ولا تخشى رقية كاهن، ولا ترحم شاباً أو شابة وان غض أهابها.
أنبأتنا الآثار المكتشفة حديثاً بان تخطيط الهياكل وهندسة بنائها يكاد يكون واحداً. فالمنقبون عثروا على طائفة صالحة منها، وكلها مشيدة على طرز متماثل، فإنها تشتمل على برج يتألف من ثلاث أو سبع طبقات أو لفات تشبه مصطبات مربعة تقوم الواحدة فوق الأخرى. وفي قاعدة البرج، أي في طرفه الأسفل يقوم موضع تماثيل الآلهة المقدسة، ومخادع الكهنة وهذا الوصف ينطبق بنوع خاص على هيكل أدب قبل أن عملت في أنقاضه معاول الحفارين.
الهيكل القائم في الرابية الخامسة
ذكرنا في فصول متقدمة، وصف بعض هياكل بسمى؛ عثر عليها الأثريون نبهاً في الروابي التي نقبوا فيها. وأما الآن فنبحث عن بضعة هياكل، نقب فيها المنقبون، فوجدوها قائمة
بعضها على بعض، والواحد على الآخر؛ وقد وضعوا عمارتها وتاريخ تأسيسها، والكنوز المذخورة فيها، وبعضها أنشئ في فجر التاريخ.
اكتشف الأثريون في تنقيباتهم التي قاموا بها عدة هياكل، وكان أولها قائماً على ذروة رابية، ولما أزاحوا ما كان من الإنقاص رأوا برج هيكل، ووجدوا الآجر الذي غشى وجه الجدار منقوشاً عليه اسم دنجي ملك أور (٢٣٥٠ ق. م) ولما أزالوا هذه الآجر عن موضعة، القوا تحته آجراً آخر، مسطوراً عليه اسم اور انجور، وهو والد دنجي (٢٤٠٠ ق. م) ولما أمعنوا في الحفر، عثروا على شذرات ذهبية ترتقي إلى عهد نرام سن (٢٦٠٠ ق. م) وعلى آجر مربع الشكل من عهد (سرجاني سري)، وهو سرجون الأول (٢٦٥٠ ق. م) وعلى هذا المنوال وضح وضوح الشمس في رابعة النهار؛ أن الرابية التي نحن بصددها، كانت تضم طبقات متعاقبة من الأنقاض، لأن المنقبين كانوا كلما أوغلوا في التنقيب، عثروا على أنقاض متناهية في القدم.
حفر النقابون في وسط الرابية التي تعلو نحو خمسين قدماً عن مستوى سطح الصحراء فشاهدوا بئراً قطرها نحو ثماني أقدام مربعة في طبقات عديدة من الأنقاض، ولما توغلوا في الخفر، اكتشفوا الجدران، وشظايا من الخزف
стр. 5443
وغير ذلك من الآثار القديمة التي وقفتهم على تاريخ تلك الرابية، حينما كان يقطن فيها السكان الأولون، حتى عصرها الأخير، حين هجرها أهلها وأصبحت أثراً بعد عين.
أن البئر التي حفرها النقابون، أفصحت كل الإفصاح عن الطبقات المتعددة وتاريخ بنائها، وأسماء طائفة من الذين بذلوا جهد استطاعتهم في تشييد معالمها؛ وإليك البيان:
وجد النقابون تحت آجر دنجي، واور نجور، وذهب نرام سن، وآجر سرجون خمس عشرة آجرة، طويلة مخططة؛ أنبأتهم أن ملوكاً كثيرين عاشوا قبلي عصر سرجون؛ وقد عادوا بناء الهيكل عدة مرات.
وكشق الحفارون تحت تلك الآجرات، هيكلا مشيداً بالآجر الصغير الحجم، المسنم، يرتقي إلى زمن أقدم من بناء الهيكل الأول، وقد تخلل الهياكل أنقاض كثيرة، فان الفعلة - بعد أن نبشوا بضع أقدام - وجدوا أكثر من أربعين قدماً من الردم تحت معاولهم، ولما شرعوا في حفر الهيكل المسنم الحجارة ألفوا طبقة من التراب، وأخرى من الرماد، وبدا لهم أن الرماد
يدل على هيكل كان مبنياً من الخشب، فالتهمته النيران. وعثروا بعد ذلك على جدار مبني بالطين ولما توغلوا في الحفر، وجدوا قطعاً من حجر الكلس، تشبه حجر البناء؛ ويظهر إنها بقايا هيكل كان مشيداً بالحجارة. وشاهدوا بين الأحجار مسماراً كبيراً من النحاس الأحمر طوله ثمانية وأربعون سنتيمتراً، وطرفه الغليظ ينتهي بصورة أسد رابض ورأسه قائم، أي مستقر على يديه، وذيله ممتد على المسمار، إلى جهة طرفه الدقيق، وقد اخضر النحاس ومادته باليه ولا اثر للكتابة فيه. ويحتمل أن الكتابة محيت لطول عهدها. وقد سكب هذا الأسد أحد فناني شمر وكان آية في الإبداع والرونق.
ويذهب النقاب الأميركي بنكس، إلى هذا المسمار البديع يرتقي زمنه إلى ما بعد بناء الهيكل المسنم الآجر؛ وقد دفن اتفاقاً في الأنقاض حينما كان البناءون يرممون الهيكل، أو يعيدون بناءه؛ وذلك بأزمنة قديمة جداً. ولا يعرف على التحقيق الغرض من ذلك الأسد المصنوع بهذه الصورة الغريبة؛
стр. 5444
ويغلب على الظن أن طرفه الرفيع أن يثبت في آجر الجدار، والأسد يظهر بصورة بارزة ويتخذ كدعامة؛ ويحتمل أنه كان يوضع في الهيكل لمجرد الزينة.
وبعد أن توغل النقابون في الحفر عثروا على قارورتين من الخزف واقفة الواحدة بجنب الثانية، وأحدهما أصغر من الأخرى قليلا، وشكلاهما واحد وهما منبسطتان وقطراهما كبيران جداً وعنقاهما صغيرتان بالنسبة إلى ضخامتهما وكان حولهما دكة صغيرة مشيدة بالآجر المسنم؛ وقد دفنتا في الأرض ولا يظهر منهما سوى عنقيهما؛ وكانتا مملوئتين رماداً. والآجر يدل على العصر الذي أحرقت فيه تلك الجثث وأودعت هاتين الخابئتين. وكان كل ذلك في عصر الهيكل المشيد بالآجر المسنم؛ فحفرت حفرة عميقة في هذه البقعة لهذه الغاية وقد ملئت تلك الحفرة تراباً لطول الأمد.
هذه وقد تضاربت آراء المنقبين في من أودع هذين الراقودين، فذهب بعضهم إلى أنه رماد جثث كهنة الهيكل وسدنته، وقال آخرون رفات جثث نبلاء البلاد وعظمائها، وارتأى غيرهم أنه رماد بقايا الملوك والملكات أو الأمراء والأميرات، أو رماد رجال ونساء ضحوا بحياتهم على قبر أحد ملوكهم. وهذه كله حدس وتخمين لأنه لم يقف أحد على صفائح منقوشاً عليها أبناء تينك الخابئتين. ويحتمل أنهما أقيمتا مقام مدفن مقدس للأولياء أو الأنبياء الذين نالوا شهرة واسعة في ذلك العهد القديم، كما اشتهر في العراق بعض مراقد الأئمة.
وبات الناس يدفنون موتاهم بجانبهم للتبرك برفاتهم.
وبعد أن أمعن الحفارون في التنقيب في تلك الحفرة عثروا على إناء مركب من كسر؛ بيد أنه أصغر حجماً من الخابئتين المار ذكرهما؛ وفي عنقه شفتان مثقوبتان وضعتا للتعليق وتحت ذلك الإناء كان وعاء آخر صغير ويشبه الخابئتين المذكورتين، وأخيراً بلغت معاول النقابين إلى رمل الصحراء الخالص من الشوائب والأنقاض على عمق ١٣ متراً و٢٠ سنتيمتراً أي تحت آجر هيكل دنحي بثلاث وأربعين قدماً.
ولما بلغ الحفارون مستوى الصحراء لم يعثروا على شظايا وشقف من آنية مكسورة، لأن يد الإنسان الأول لم تصل هناك لتخلف آثاراً تدل على صاحبها
стр. 5445
في ذلك العهد القديم؛ وعليه آثر النقابون أن يكشفوا هيكلا بعد هيكل، وجداراً بعد جدار، فوجدوا على سطحها وقممها أنقاضاً وعاديات مسطوراً عليها أنباء قديمة، وفي أنقاض هذه الهياكل اقدم الآثار التي خلفها ابن آدم العريق في الحضارة والعمران. فقد كانت الأرض الواقعة تحت الردم مستورة بكسر خزفية واغلبها كبيرة جداً حتى استطاع النقابون أن يعيدوا تركيب بعضها ويظهر أن الصلصال الفاخر وضع باعتناء عظيم في قالب، وألقي في دولاب خزاف، وشوي، فأصبح آية في الإتقان والإبداع، وصفائح تلك الأوعية رقيقة ولونها ضارب إلى الحمرة الغامقة وهو لون الطين الطبيعي.
وقد حاول النقابون عبثاً أن يبحثوا وينقبوا في طبقات أرض الصحراء، للوقوف على عاديات تنبئهم عن شعوب تلك الأزمنة العريقة في القدم، فرجعوا بخفي حنين، غير أنه رسخ في أذهانهم أن صانعي تلك الأواني لم يكونوا أقواماً متوحشين، بل بالعكس كانوا أمة متمدنة استطاعت بسمو مداركها أن تخترع دولابً لصنع الخزف، وأدوات لتنميق الصلصال، ووضعه في أشكال ظريفة، ونقشه وتزويقه، ثم شيه في أتون ليصلب كالحجارة. وفي وسع ابن القرن العشرين أن يحكم حكماً قاطعاً على أن شعباً يتقن صناعته إلى هذه الدرجة قد بلغ إلى أسمى منزلة في علم العمران، واستنبط أموراً كثيرة غير هذه.
إذا رغبنا في أن نقف وقوفاً تاماً على عصر الخزف، ومعرفة الشعوب والأقوام التي سكنت وجه الصحراء، قبل أن مصرت وشيدت فوقها المباني والهياكل، علينا أن نصعد أولا إلى قمة الحفرة وندرس طبقات الأنقاض المختلفة درساً دقيقاً لكي نكشف النقاب عن وجه
الحقيقة، ونتحقق الزمن الذي مرت فيه الأجيال قبل بلوغنا إلى قلب الصحراء.
أن الآجر العائد إلى دنجي، واور أنجور، في الطبقتين المرتفعتين يعين زمن بناء قمة الرابية في نحو ٢٤٥٠ - ٢٣٠٠ ق. م. ثم أن ذهب نرم سن وآجر سرجون القائمين تحت الطبقتين يرجع بنا إلى قبل ذلك التاريخ بمائتي سنة والآجر المحدد المستطيل المنتمي إلى خمسة عشر حاكماً وأكثر، فإنه سابق لعصر سرجون ويتجاوز عصر الهيكل المشيد بالآجر المسنم وتمثال الملك دا أو دو (داود) بعدة قرون.
رزوق عيسى
стр. 5446
الزقزفة أو لسان العصافير
كنت في الشهور الثمانية الأول من سنة ١٩٢٥ في دير المحرقة الواقع في جبل الكرمل، قرب حيفا في فلسين، وفي ٧ أيار (مايو) وكنت أتمشى أمام بناية الدير لفحص بعض الأمور المتعلقة به، فجاء إلي درزنيان من دالية الكرمل، (وهي من قرى جبل الكرمل)، وأخذا يتكلمان بكلام لم أفهم منه كلمة، وبعد ذلك وجه أحدهما خطابه إلي، سائلا بعض الأسئلة عن تاريخ العمر (الدير) إلى أسئلة آخر، فقلت لأحدهما: وبأي لغة كنت تكلم صاحبك قبل هنيهة؟ قال: بلسان لعصافير -. وما هذا اللسان؟ - هو ما تزقزق به تلك الطويئرات. إلى كلام طويل لم أستطع أن أحصل منه شيئاً، أقف به على حقيقة الأمر.
ثم قلت لهما: أو يفهم هذا اللسان غيركما؟ - قالا: نعم، ويفهمه أهل دالية الكرمل، وعسفيا (قرية أخرى من الجبل المذكور)، وأم الزينات (قرية ثالثة) وأهل حيفا إلى غيرهم من الأهالي، وينطقون به عند وجودهم بين يدي غريب عن الوطن ويريدون أن لا يفهم الكلام الأجنبي الذي ينطقون أمامه.
قلت: أو يفهم هذا اللسان غير الدروز وغير الرجال؟ قالا: ينطق به الرجال والنساء، البنون والبنات، الكبار والصغار؛ سكان الكرمل وجميع أهل فلسطين، وربما يحسن هذا اللسان كل ناطق بالعربية.
فأدهشني هذا الجواب وأنا لم أسمع به قبل ذلك اليوم، مع أن عمري كان يومئذ ٥٩ سنة.
فلما غادراني ذهبت إلى عسفيا التي هي على بعد ساعة وربع عني سيراً على القدم، لأسأل أحد النصارى هل يعرف هذه اللغة المسماة (لسان العصافير) أو كما قال الدرزيان: (الزقزقة). فقال لي: هذه لغة يعرفها الجميع ولا تخفى على أحد منا، صغيراً كان أم كبيراً. - فقلت له: ألا تنطق لي بعبارة لأرى أيشبه ما تتكلم به ما سمعته من الدرزيين. فاخذ يتدفق في كلامه كالسيل الجارف. وتأكدت
стр. 5447
ما قاله لي الدرزيان.
وللحال أردت أن أتعلم هذه اللغة، فقلت لصاحبي: أرجو منك أن تنقل لي بهذه اللغة العبارات الآتية: وأنا أذكر هنا كل عبارة بالعربية وبالزقزقة ليطلع عليها القارئ:
١ - أين رائح؟ - ازين ريزايزح؟
٢ - رائح إلى المحرقة. - رزايزح ازي لزا ازل المزح رزا قزا
٣ - كيف حالك؟ - كزيف سزا يزح تزك؟
٤ - صحتي طيبة - صزح حتي طزي بزه.
٥ - أريد أروح إلى حيفا - أزا رزيد أزا رزوح أزي لزا حزيفزا.
٦ - مشان أشتري أكل - مزن سزان أزستزا رزي ازاكزل.
٧ - وبعده أروح إلى الكنيسة. - وزا بزع هزر ازا رزوح ازي لزا ازل كزا كزي سزه.
٨ - ومن هناك أروح إلى المدرسة. - وزا مزن هزو نزا ازي لزا ازل مزدرزا سزه.
٩ - وادرس جميع علوم الفلك. - وزا ازد رزس سزا مزيع ازل عزيل لزوم ازل فزا لزك.
فلما سمعت هذه الكلم علمت أنهم يدرجون في وسط كل هجاء زاياً فتخرج الكلمة غريبة وتشبه زقزقة العصافير، ومنه اسم هذه اللغة، فتحليل قولك: (أين رائح). يكون هكذا: يكون هكذا: أ (ز) ين ر (ز) اي (ز) ح إلى آخر تلك الألفاظ.
وقد قال لي صاحبي: إن بعض المتكلمين بهذه اللغة قد يقحمون أي حرف من حروف الهجاء بدل الزاي.
ولم أجد لهذه اللغة أثراً في كتب العربية، على أني وجدت في تاج العروس في مادة ز ق ق ما هذا إعادة نصه: (الزقزقة: لغة لكلب (قبيلة من العرب) كأنها في سرعة كلامهم واتباع بعضه بعضاً) أهـ، فلعله يشير إلى هذه، وفي لسان العرب: (الزقزقة: حكاية صوت الطائر) ولم يذكر اللغة التي لكلب. فهل من مفيد يزيدنا فائدة على ما ذكرنا؟ ومن هو يا ترى؟. وعلى كل فإننا نشكر له يده سلفاً.
стр. 5448
آل الشاوي
٣ - الحاج سليمان بك الشاوي
المتوفى عام ١٢٠٩هـ (١٧٩٤م)
أولاد عبد الله بك الشاوي:
لعبد الله بك أولاد. قال الحيدري انهم (اثنا عشر ولداً كل منهم أمير، عالم، فاضل، كريم، شجاع، شاعر، أديب كانوا ملجأ الخواص والعوام في بغداد؛ وصدقاتهم وعطاياهم للعلماء، والشعراء، والفقراء، كعطايا البرامكة، وهم أهل الحل والعقد، وإليهم تنتهي الأمور، وأجلهم قدراً، وأعظمهم فخراً، العلامة النحرير، والأسد الغضنفر، الكريم الشهير، الأمير الحاج سليمان بك الشاوي الحميري.) أهـ.
وقد عد الشيخ أحمد السويدي منهم في قصيدته الهمزية الآتية أسماؤهم:
١ - الحاج سليمان بك. ٢ - سلطان بك. ٣ - حبيب بك. ٤ - علي بك ٥ - محمد بك. ٦ - عبد العزيز بك. ٧ - إبراهيم بك. ٨ - عبد الغني بك. ٩ - أحمد بك. وهو غير احمد بك ابن سليمان بك، كما يطهر من قصيدة السويدي. وقد رأيت بعض الأبيات قيلت فيه وفي تضاعيفها أولاد عبد الله بك.
والآن أتكلم على أولهم فأقول:
الحاج سليمان بك.
هذا هو أكبر أنجال عبد الله بك. فاق والده بخصائص علمية وأدبية، والعصر الذي وجد فيه، مفعم بالحوادث العظيمة، والاضطرابات في كل صوب مما يدعو إلى الاعتبار. وفي مثل هذه الأحوال تظهر مواهب المرء وسجاياه الكامنة.
стр. 5449
حياته الأولى.
تنتهي بوفاة والده في سنة ١١٨٣هـ (١٧٦٩م). ولم نتمكن من العثور على تاريخ ولادته. ولكن المقطوع به أنه نشأ في بغداد. وان حياته الحقيقية - حسبما وصلت إلينا - ابتدأت بالظهور من سنة ١١٧٢هـ (١٧٥٨م) على ما في تاريخ الوقفية التي حضر في تسجيلها،
ولعل لحل هذه المشكلة يبين من الاستدلال ببعض الحوادث من باب التقريب. وذلك أن المترجم كان أطلق سراح لحيته في سنة ١١٧٥هـ، كما يستفاد من قصيدة للشيخ احمد السويدي، وفي هذا الحين يحتمل أن يكون عمره بين خمس وثلاثين سنة وبين الأربعين، فلا يبعد أن تكون ولادته في العقد الرابع بعد المائة والألف الهجري (أي بعد ١١٤٠ سنة). وهذا جل ما كان الوقوف عليه. والمشهور عند أفراد أسرته أنه عمر نحو المائة والعشرين سنة. وهذا لا يعول عليه إلاَّ أن يكون قرأ على كبر لأن شيخه ولد سنة ١١٣٤هـ، فلم نجد ما يؤيد هذا القول.
ومعلوم أن أكبر أيام الرجل وأهمها، ما قام به، أو عهد إليه من الأعمال، وما ترتب عليها من الحوادث، والشؤون التي تركت دوياً في المجتمع، وهذه هي الحياء الحقيقية، وهي المحك لمعرفة موطنه بالنظر إلى مجريات العصر.
والمحفوظ عن أفراد أسرته، أنه من صغره أبدى بعض النباهة، وسرعة البديهة مما يدل على انه يؤمل فيه النبوغ.
وغاية ما يعرف عن حياته الأولى في صغره، أنها كادت تكو بدوية، إلاَّ أنني أقول هنا: إننا لم تعتد أن ندون أحوال رجالنا في الغالب؛ ولذا لا غرابة أن لا نسجل أعمالهم اليومية، وغرائب صغرهم، حتى بعد نبوغهم، وظهورهم كأعاظم. فبقيت هذه الأمور مهملة، إلاَّ ما يذكر إجمالا، أو أن نقله وتدوينه في بطون الدفاتر يؤثر في إحساس الغير.
ودرس العلم على أشهر علماء العرب في ذلك الحين، وعلى الأخص تلقى علمه من الشيخ عبد الرحمن أفندي السويدي. وأهم من كل ذلك نباهته، واكبابه على التحصيل، حتى صار يعد من العلماء، وينعت بالعالم العامل، والبحر الخضم.
стр. 5450
الدواوين والمجالس البغدادية.
دعم هذه الحياة المدرسية، بحياة أخرى تخللت الدرس، وخلفته هي (المجالس الأدبية) التي لا تقف عند علوم الجادة. فأدباء ذلك الزمن وفضلاؤه كانوا ينتابون مجلس والده، فهذا يورد المختار من المنظوم والمنثور، وذاك ينشد شيئاً من نظمه، وغيرهما يقص الأخبار، وهكذا تمضي المجالس بين وقائع، ونوادر، وغرائب، فهي (ديوان الأدب الحي) على حد ما كان يجري في قديم الزمن. فتلك المجالس هي المهذب الحقيقي، والمدرب الصحيح، بحيث لا
ترى المجلس يخلو من صاحب نزعة، أو ذي بضاعة يحاول بها إظهار مزية، أو صناعة أدبية بديعة، أو مضحكة، أو رواية، وهكذا إلى ما سواها.
رأينا بقايا هذه المجالس بعيني رأسنا. فكان يؤمها الناس من كل صوب ويطرق فيها كل موضوع، ويبحث فيها عن شؤون جمة، من قضايا علمية، ووقائع تاريخية، ومقطوعات شعرية، ومختارات أدبية، ونكات هزلية، وتدقيقات بيتية، فتنشر وتذيع.
والحاصل أن تلك المجالس كانت موطن اقتباس التجارب، ولا تعوض عنها مدرسة. أو تفوقها مؤسسة علمية ولا أدبية في ذلك الحين. إذ كل امرئ كان يقدم فيها بضاعة، أو يبدي مكنون سره أو حزبه، أو نتائج تتبعه، وسائر أغراضه الاجتماعية والأدبية. وهناك هناك كانت المباراة. ومن ثم لا يقبل غير المفيد، ولا يختار إلا الأصلح. وحينئذ تنتشر (المجاميع) وهي المختار مما يجري في المجلس، المجالس محك الرجال. وموطن اختبار مواهبهم وهي ميدان الامتحان وسوق البضاعة ومسرح السياسة.
فهذه المجالس هي التي قوت الروح الأدبية في المترجم، ومكنت مادته العلمية، ولذا تراها ظاهرة في مؤلفاته مثل شرحه للامية العرب، ونظم القطر، لأنها ترى اظهر في شرحه للامية العرب ومختاراته فيها. وكذا شعره.
وهذه (المجالس) أيضاً كانت البذور النافعة لغرس الأدب الناضج ولتدقيق النظر في المناحي العلمية في مختلف المواضيع: فراجت سوق الأدب، وتزاحم الناس فيها. فظهرت بشائره في أواخر القرن القاني عشر، وأوائل القرن الثالث عشر.
стр. 5451
والشعراء والأدباء المشاهير، مثل الازري، والبيتوشي، والتميمي، وعمر رمضان. لم يظهروا إلاَّ في هذا الوقت، وما يليه، وحينئذ أخذت السياسة تستخدم بعضهم وتنكب عن آخرين، ثم مشى على طريق هؤلاء ثلة من الأدباء.
وهذا الوقت يعد طليعة النهضة العلمية والأدبية في العراق.
وعلى كل أن هذا البيت موطن العلماء، والأدباء، وساسة البلاد. نتج علاقات متينة ومحكمة بين قوم وقوم. وان المترجم كان في الحقيقة خريج هذا الديوان في مباحث علمه، ونهج معرفته، وطريق أدبه، وانه لم يترك مزاولة الآداب حتى في أيام نكبته.
مؤلفاته.
في هذا الدور من حياته وضع بعض المؤلفات، وكان ذلك قبل مزاولته السياسة، وتحمله أعباءها. فمما وصل إلينا منها:
١ - نظم القطر. الأصل (قطر الندى) لابن هشام: وهو متن نحوي مشهور، يقرا في كتب الجادة (أي الكتب المعتادة قراءتها بالترتيب). فالمترجم نظم بصورة أرجوزة على نمط ألفية ابن مالك. وعرفت هذه المنظومة (بالمنظومة السليمانية). وقد شاهدت هذه المنظومة مشروحة وأولها:
قال سليمان بن عبد الله ... الحمد لله بلا تناهي
مصلياً على النبي احمدا ... وآله وصحبه أهل الهدى
وبعد فالشيخ إمام العصر ... أمرني بنظم متن القطر الخ
ولا أرى في صدري حاجة إلى بيان الموضوع، بعد أن يكون متن القطر مطبوعاً ومعروفاً. وقد شرح هذه المنظومة العلامة الشيخ يوسف بن أحمد بن يوسف العبادي البغدادي. هكذا وصف نفسه في عنوان الكتاب، وأول الشرح (الحمد لله الذي انطق لسان حال الوجود بالإقرار بوحدانيته الخ) ونعت المترجم بالكريم ابن الكريم، ملك حمير على الإطلاق، وملجأ الأفاضل إذا ضاق الخناق، إلى أن يقول: ووجدته قد نظم مقدمة ابن هشام في النحو، المسماة بقطر الندى، فأردت أن أعمل لها شرحاً يبين مراده، ويعمم مفاده، واجعله هدية لسدته العلية، وكعبته السنية (إلى أن قال): وسميته (بالجمانة السنية، في شرح
стр. 5452
المنظومة السليمانية).
والمهم في المنظومة، أهما ليست موضوعاً جديداً إلاَّ أن فيها تسهيلا للطلاب وتنوعاً في التفهيم حسب الرغبات، وأنها مبنية على اقتراح أستاذه، وهو الشيخ عبد الرحمن أفندي السويدي. وقد جاء في الشرح بيان ترجمته، وتعداد مؤلفاته ولا محل هنا للإطالة فيها، وقد سماه الناظم: إمام العصر ونعته الشارح بأنه خاتمة المؤلفين المحققين في هذا الزمان. قال: ولم نعثر على أفضل منه فيما رأينا. وقال عن الناظم: إنه من كثرة تواضعه وأدبه حفظه الله كما هو دأب التلميذ مع الشيخ مع علو شأنه وكبر بأسه قال: (أمرني بنظم متن القطر الخ).
وكان تأليف الشرح بتاريخ ١١٩٩هـ والنسخة - كما يظهر - بخط المؤلف. وقد تداولتها أيد
متعددة. وصحائفها ٣٢٨ وكل صحيفة في ١٥ سطراً وطول الصحيفة ٥ - ٢١ سنتيمتراً وعرضها ٥ - ١٥ سنتيمتراً وطول السطر ٥ - ٩ سنتيمترات.
٢ - شرح لامية العرب المسمى (سكب الأدب، على لامية العرب)، ومن هذه نسخة في خزانة الأوقاف العامة برقم ١٩٥٥ من كتب الخزانة الخالدية. أولها: (الحمد لله الذي أدب من اختاره بآدابه الخ). وفي مقدمتها يذكر المؤلف أن لامية العرب للشنفرى خالد ابن ثابت الأزدي، من غرر القصائد على الإطلاق. وأهداها لطريقة الكرماء بالاتفاق، وانه رآها محتاجة إلى شرح يبين مغازيها، ويوضح معانيها، ويبين رموز فوائدها، ويكشف عن وجود خرائدها ويرفع عنها حجب الدقة والإغلاق، وأنه كان يخطر بباله، ويجول في فكره أن يشرحها ثم أحجم عن ذلك، حتى اجتمع بشيخه عبد الرحمن الشهير بالسويدي. فأمره بشرحها، فامتثل، لاسيما وقد وافق ما كان يتردد ين فكره وخياله، فجاء شرحاً لم ينسج على نواله، سماه (سكب الأدب، على لامية العرب).
وراعى في شرحها اللغة فالأعراب فالمعنى وفي خلال ذلك الاستشهاد بمنتخب القصائد، والمقطوعات لأكابر الشعراء، وحسن اختياره وشرحه يدلان على مقدرة، وينمان على موهبة كاملة في النفوذ إلى دقيق المعاني. ومنها
стр. 5453
يعرف أحسن ما كان شائعاً من الدواوين، وما هو متداول ين الأدباء وما تحتويه خزانته من الشعر.
أتم تأليف هذه النسخة في ٢٩ من شهر ربيع الثاني من سنة ١١٧٨هـ. والنسخة الموجودة كتبت على نسخة المصنف الشارح في سنة التصنيف، بقلم حسين بن عبد الكريم، وصحائفها ٣٤٠، وطول الصحيفة ٢١ سنتيمتراً وعرضها ١٢ سنتيمتراً وطول السطر ٥ - ٦ من السنتيمترات، وسطورها ٢١، وتقاريظها ١٦ صحيفة عدا الصحائف الأصلية. وقد شاهدت نسخة أخرى كتبت سنة ١٢٤٢ وممن قرظها:
حسين بن علي العشاري الشافعي، وأبو البركات الأبي محمد الرضي المدرس، وأبو المحامد شهاب الدين أحمد بن عبد الله السويدي.
أما بقية حياته فسنأتي عليها في مقال آخر والله الموفق.
المحامي: عباس العزاوي
معنى تدمر
ذهب علماء العرب في سبب تسمية مدينة تدمر بهذا الاسم انه اسم بانيتها وهي تدمر بنت حسان بن اذبنة وفيها قبرها وذهب بعضهم إلى أن الاسم ارمي أي (تدمرتا) ومعناه الأعجوبة والمعجزة لان بناء هذه المدينة معجزة من المعجزات حتى أن اليهود والعرب ذهبوا إلى أن البناة كانوا من الجن. والذي عندنا أن الاسم مأخوذ من (التمر) ومعناه في القديم النخل. وسميت بذلك لكثرة وجوده في سابق العهد. يشهد على ذلك أن اسمها عند اليونان والرومان الذي معناه النخيل.
هذا وقد ذهب إليه محققو علماء الغرب فضلا عن أن العقل يسلم به لما هناك من صدق الرأي. فليحفظ.
стр. 5454
مقاله في أسماء أعضاء الإنسان
لابن فارس
(لغة العرب) حضرة الزعيم داود بك الجلبي من مشاهير أبناء العراق المعروفين بتتبع آثار الأقدمين منا. وقد نشر في هذه المجلة رسائل للجاحظ، كادت تضمحل لولاه. والآن يعنى بنشر مقالة لابن فارس اللغوي الشهير الذي طوى بساط أيامه في المائة الرابعة للهجرة (من ٣٢٩ إلى ٣٩٠) وقد قال عنه الصاحب بن عباد قولا بقي حياً بين الفضلاء هو: (رزق ابن فارس التصنيف، وأمن من التصحيف).
والرسالة الآتية ترى في مجموعة وصفها الدكتور نفسه في كتابه (مخطوطات الموصل) ص ٣٣ وهي من مخطوطات المدرسة الاحمدية. ونفاسة هذه المقالة ظاهرة من أن ابن فارس ذكر معاني الألفاظ على ما تحققها ونفضها من غبار التوقف والارتياب وأخرجها بصورها الحقيقية على ما عرفها السلف الصالح فهي من أثمن الهدايا اللغوية ويحسن بالأديب أن يطالعها مراراً ليعلم كيف يتقن ألفاظ اللغة ومعانيها.
وقد صحح الدكتور جميع الألفاظ التي أفسدها النساخ، فدونكها:
الحمد لله رب العامين، وصلى الله وسلم على سيد المرسلين.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقالة في أسماء أعضاء الإنسان
قال أبو الحسين احمد بن فارس رحمه الله تعالى: هذا ما يجب على المرء حفظه من خلق الإنسان. فقد نرى من تعمق في غريب الكلام ووحشية، وإذا أراد الإخبار عن عضو من أعضائه، بوجع يعتريه فيه، أومأ إليه باليد، قصوراً عن معرفة اسمه. وهذا قبيح.
ثم اعلم أن الله تعالى خلق آدم ﵇ من الطين أبيضه وأحمره وأسوده فلذلك اختلفت ألوان ولده؛ ومن الماء عذبه ومره وملحه، فلذلك اختلفت الأخلاق.
فأول أعضاء الإنسان من جهة العلو رأسه. وهو مذكر، وأول ما في الرأس الشعر، وهو جمع، واحدة: شعرة كتمر وتمرة. ومن ذلك الفودان: وهما
стр. 5455
شعر ناحيتي الرأس. فإذا ضفرا فهما: الضفيرتان، والغدائر، والذوائب، والواحدة غديرة، وإذا قل شعر الرأس فهو: زعر.
فإذا تم ووفر فهو: أفرع. وشعر سبط ورسل: إذا لم يكن جعداً قططاً. والجعد: هو الاحجن المنعقف. فإذا كان أسود فهو: حالك، وغربيب فان علا الشعر بياض بحمرة فهو: أصبح. فان كان البياض خلقة لا من شيب فهو: املح وجملة عظم الرأس: الجمجمة. والشعب: الذي يجمع بين كل قبيلتين شأن، وجمعه شؤون. والشأن: الذي يخرج منه الدمع. والهامة: وسط الرأس. والقرنان: فرعا الهامة عن يمين وشمال. واليافوخ: ما أهل عنهما مما يلي الوجه، وهو ملتقى القبيلة المتقدمة للمؤخرة. وهي من الصبي المولود رماعته لاضطرابها. والصدغ: ما بين قصاص الشعر والأذن. وهو الذي يتحرك عند مضغ الأكل. والقمحدوة: هي المشرفة على نقرة القفا. والقذالان عن يمين القمحدوة وشمالها. وهما جماع مؤخر الرأس، والفهقة: موصل الرأس في العنق ظاهراً. وباطنه الفائق والعظم الناتئ خلف الأذن: خششاء. وجلدة الرأس هي: الفروة. فظاهرها: البشرة وباطنها: الأدمة. وذلك في الجلد كله. والجلدة التي تجمع الدماغ وتغشاه هي: أم الدماغ. واللغدان: عرقان أسفل الأذنين.
والجبهة: ما استقبلك من مقدم الرأس مما لا شعر عليه. والجبينان: هما عن جانبي الجبهة، من كل جانب جبين. والأسرار: الخطوط في الجبهة. واحدة سر.
والحجاج: هو الذي ينبت عليه شعر الحاجب. والحاجب: هو الشعر الذي ينبت على الحجاج. والحاجب الأبلج: الذي لم يقترن. والاقرن: الذي اقترن. والأزج: كأنه خط بالزجاجة لاستوائه؛ وإذا كان مقوساً فهو مطوق. والأهلب: الرجل الكثير الشعر على الحاجبين. فإذا كان قليل شعر الحاجبين فهو امرط. والمحجر: العظم الذي حول العين. والجفن: الجلدة التي تغطي العين فوق وتحت. والشفر: هو منبت الشعر. والهدب: الشعر الذي على الشفر. وموق العين: الحرف الذي يلي الأنف. والحرف الذي يلي الأذن:
стр. 5456
اللحاظ. وجملة العين سوادها، وبياضها هي المقلة. والسواد منها الحدقة. والنكتة السوداء في الحدقة: إنسان العين وناظرها. وقيل أن الناظرين: عرقان يسقيان إنسان العين. والعين النجلاء: الواسعة الحسنة. والمرأة الحوراء: المليحة سواد العين وقيل المليحة بياض العين. والجاحظة: هي الخارجة الناتئة، وهي قبيحة. والحوصاء: الضيقة كأنها شقت شقاً، والخوصاء: لتغميض صاحبها إياها. والسجراء: الحمراء. والمقهاء: التي تبيض حماليقها واشفارها. والحولاء: المنقلبة الحدقة. والقبلاء: التي تنظر قبل الأنف.
وفي الأنف القصبة: وهي العظم. والمارن: مآلان من اسفل القصبة. والأرنبة: طرف الأنف. والخنابتان حرفا المنخرين عن يمين وشمال. والوترة: الحاجز بين المنخرين. والخيشوم: أعلى الأنف. والعرنين: معظم الأنف، وهو الخطم. والسم: خرق الأنف. والأنف الأشم: المشرف التام. والأقنى: الذي نتأ وسط انفه مشرفاً على طرفيه. والأدلف: القصير غير العريض. والأخنس: أقصر من الأدلف يتأخر عن الشفة. والافطس: المتطامن الوسط. والأكشم المقطوع الأنف. والأخرم: المشنق الوترة. والأسلت المقطوع أنفه كله.
وجمع الشفة شفاه. والإطار: طرف الشفة عند ملتقى الجلد واللحم. الشدقان: ملتقى الشفتين وهما الملغمان. والشفة الحماء: هي التي إلى السواد ما هي. والشفة الظمياء: هي الذبلة اللطيفة. والعلماء: هي المنشقة من أعلاها. والفلحاء: هي المنشقة من أسفلها. والواردة: الطويلة تغطي الأسنان. والأدلة: المسترخي الشفتين. والباثع: الذي تنقلب شفتاه إذا ضحك.
وجمع الفم أفواه. واللهاة: اللحمة المتدلية من الحنك الأعلى. والنطع: النقرة في الحنك الأعلى. وجلدة النطع: الخليقاء واللغانين: ما لصق باللهاة من لحم الحلق. وهي النغانغ. والشدق: سعة الشدقين والضزز: لصوق الحنك الأعلى بالأسفل. والفقم: إن يكون الحنك الأسفل على الأعلى. والذوط: قصر الذقن. والأفوه: الواسع الفم. واللسان هو: المقول. وطرفه العذبة. والأسلة: مستدقة والعكدة اصله. والصردان: عرقان. أخضران في ناحيتيه.
стр. 5457
واللحيان: الفكان واحدة: لحي وهما العظمان اللذان فيهما الأسنان من فوق واسفل فأما الأسنان، فأربع ثنايا، وأربع رباعيات، وأربع أنياب، وأربع ضواحك، واثنتا عشرة رحى ثلاث في كل شق، وأربع نواجذ: وهي في أقصاها. والعظم الناتئ في اصل اللحى هو الرأد. والفنيك طرف للحيين عند العنفقة. ويقال بل هو اصل اللحي المركب في الرأس. والصبي مستدق اللحي. ومجتمع اللحيين هو الذقن. وملتقى الصبيبن الشجر.
ثم الحلق. يقال لما اقبل على الصدر: الجران. والنكفتان: غدتان في اصل اللغد كاللوزتين والحلقوم: متصل بالرئة، وهو مخرج الريح. والمريء: مجرى الطعام من الحلق. وأعلاه متصل بعكدة اللسان. والحنجرة: ما غلظ من أعلى الحلقوم. واسفل للسان الغلصمة.
والعنفقه: الشعر تحت الشفة السفلى. والذي على العليا: الشارب. والتفرة: الهزمة على الشفة العليا. واللحية للرجل، والجمع لحى. والسناط: الذي ليس في عارضيه من الشعر إلاَّ
قليل. فإذا لم يكن في وجهه شعر، فهو: اثط ولحية كثة: إذا كثف اصلها. وسنة الإنسان وجهه. وهي قسمته. والمسنون الوجه القليل اللحم والمكلثم المستدير. والريان كثير الماء الحسن البشرة. والاخيل الذي فيه خيلان.
والانثيان: الأذنان. والفرع من الأذن: أعلاها حيث تنثني غضونها. وما صلب من أعلاها: غضروف. والمحارة: هي الصدفة. والوتد: هو الشاخص في مقدمتها بينها وبين الوجه. والصماخ خرق الأذن الذي فيه السم وهو ثقبها. وما تدلى من أسفلها هي: الشحمة. والخربة. الثقب الذي يعلق فيه القرط. والحتار. حرف أعلاها. والأذن الخذواء: المسترخية. والشرفاء: الضخمة. والصمعاء: الصغيرة اللطيفة. والصكاء؛ أصغر منها.
وعنق الإنسان هو: الهادي. والقصرة: اصل العنق المركب في الكاهل. والصليفان: ناحيتا العنق. واللبب: ما خلف مذبذب القرط. والسالفتان: صفحتا مقدم العنق يميناً وشمالا. والدأيات: فقار العنق. والعلباوان: عصبتان صفراوان تأخذان من اصل الفقر إلى الكاهل، بينهما أخدود. والاخدع:
стр. 5458
عرق في عرض العنق. والوداجان: العرقان الذي يقطعهما الذابح. وحبل العاتق: العصبة الممتدة من العنق إلى المنكب. والعنق مذكر ومؤنث. والاجيد: الطويل العنق. والاوقص: القصير العنق.
والمنكب: رأس الكتف والعضد. والعاتق: موضع الرداء. والعضد: ما بين الكتف إلى الذراع. والعضلة: لحمة العضد. وباطن العضد مما يلي الجنبين وهما: الضبعان. ورأس العضد الذي يلتقي مع رأس الذراع هو: القبيح. ورأس الذراع الذي يلي العضد: الإبرة. والساعد والذراع واحد. والزندان: العظمان اللذان اجتمعا فصارا ذراعاً. ورأس الذي يلي الخنصر يقال له: الكوع. ورأس الزند الذي يلي الإبهام هو: الكرسوع. وقيل بل هو على القلب. والأسلة: مستدق الذراع. والمعصم: موضع السوار. والنواشر: عصب باطن الذراع والكف. والمرفق: مجتمع رأس العضد من الذراع. وطرف الذراع المحدد هو الزج.
ثم الكف وفيها الاشاجع وهو مغرز الأصابع. وفيها الرواجب: وهي عصب ظاهر الكف. والإبهام: اقصر الأصابع وأغلظها. ثم المسبحة، ثم الوسطى ثم البنصر، ثم الخنصر، وفي كل إصبع ثلاث قصبات، غير الإبهام، فان فيها قصبتين ويقال لكل قصبة منها سلامي. والجمع سلاميات. والرواجب: بطون عقد الأصابع. والبراجم: ظهور عقد الأصابع.
والأنامل: أطراف الأصابع، وهي القصبة العليا. والحتار: ما أحاط بالظفر. والفسيط: ما يقلم من الظفر؛ والنمش: البياض في ظهور الأظفار: وما بين الأصابع: خلل. والقلت: النقرة في اصل الإبهام. والضرة: اللحمة التي تحت الخنصر من باطن. والتي تحت الإبهام إلية. والخط الذي بينهما هو: الناق. والأسرار: خطوط في الراحة. والراحة: باطن الكف. والبنان: الأصابع كلها، الواحدة بنانة.
وصدر الإنسان هو: البرك. والبلدة وسط الصدر. والنقرة التي في الصدر هي البهرة. والترقوتان: العظمان اللذان بينهما ثغرة النحر. والحاقنة: نقرة الترقوة، والترائب: عظام الصدر. والثدي: ثدي المرأة التي تسقي منه اللبن. ورأس الثدي: الحلمة. والسعدانة: كالدرهم اشد حمرة من لون الثدي.
стр. 5459
والثندؤة: الحلمة التي حول الثدي. وفي الصدر اثنتا عشرة ضلعاً، وهي الجوانح. والشراسيف: مقاط الأضلاع مما يشرف على البطن، الواحد شرسوف. والمسربة: الشعر النابت وسط الصدر سائلا على البطن. والجنب: مجتمع الضلوع. واسفل الضلوع مما بلي البطن يقال له: الخلف وهي أيضاً القصيرى. والخاصرة عند ذلك.
وفي البطن الصفاق، وهي جلدة البطن التي تحت الجلدة الظاهرة. والحشوة في البطن: مما ضمت عليه الضلوع، وهي الحشا. ومن الحشا الحجاب، وهو جلد له لحم يحجز بين الصدر والبطن. والفؤاد القلب، وغشاؤه: الخلب. والنياط: عرقه الذي يعلق به. وحبته سويداؤه، وهي علقة في جوفه. ويقال للكبد والرئة والفؤاد: سواد البطن وفي البطن: الشاكلتان، وهما الطفطفتان. والثنة: ما بين السرة إلى العانة. والاعفاج والمصارين: الأمعاء. والمعدة: موضع الطعام للإنسان. المثانة: مجتمع البول.
والمطا: الظهر. وفي الظهر الصلب: وهو عظم في وسط الظهر. وهي أربع وعشرون فقرة، والفقرة، والجمع فقار؛ العظام المستديرة ينضم بعضها إلى بعض. والمتنان: اللحمتان اللتان فوقهما العصب، ورؤوس الفقار هي السناسن. والقطن: ما بين الوركين إلى عجب الذنب. وفي جوف الصاب خيط ابيض يقال له النخاع. والشاخص في وسط الكتف هو: العير. والغضروف: طرف الكتف اللين والعجز مؤنثة، يقال هذه عجز، وتسمى العجيزة الكفل. وفي العجز الصلوان وهما مكتنفاً العجز. والعجب اصل الذنب. والورك: الكفل.
والغرابان: رأساً الوركين. والرانفتان: طرفا الآليتين. والمذروان أعلى الآليتين.
ثم الفخذ. والحاذان: لحم ظاهر الفخذين. والربلتان: اللحمتان تقبلان على الركب من باطن الفخذين. والرفغان: ما بين العانة وأصول الفخذين، وهي المغابن. والنسا: عرق الورك. والحالبان: عرقان أبيضان في الرفغ. والساق: ما بين الركبة والقدم. والظنبوب: عظم الساق الظاهر. والشظية: العظم الرقيق بين العظمين. والركبة: ما بين الفخذ والساق. والمأبضان: بطون الركبتين. والداغصة: عظم في أعلى الركبة، وهي الرضفة. وعينا الركبة يقال لهما: القلتان. والحماة: لحمة الساق. واللحمة التي في معظمها هي؛ العضلة
стр. 5460
والايبس من الساق: موضع القيد. والعرقوب: العصبة التي بين المقيد والكعب، والكعبان: هما الناتئان عن يمين وشمال، وفي القدم عقبها، وهي مؤخرها، والبخصة: لحم القدم في أسفلها، وعير القدم الحدبة التي في وسطها، والنعامة: خط اسفل القدم، وانسي القدم: ما اقبل منها، ووحشيها: ما خالف ذلك.
ويقال لعضو الرجل عوفه، وما دونه: الخصيتين والصفن: وعاؤهما، وما يكون للمرأة دون الرجل: الفرج والجهاز.
ويقال لشخص الإنسان: شبحه، وظله وسواده.
ويكون ابن آدم طفلاً رضيعاً ثم فطيماً، ثم يافعاً، ثم حالماً حين يحتلم، ثم طاراً إذا طر شاربه، ثم مجتمعاً، ثم كهلاً، ثم شيخاً، ثم دالفاً، إذا قارب الخطو.
هذا أوجز ما يقال في خلق الإنسان. والله اعلم بالصواب.
الدكتور: داود الجلبي
قمرية أم القمرية
-
عود على بدء
كنت ساءلت في هذه المجلة عن القمرية التي ينسب إليها الجامع المعروف في بغداد، وعدت إلى السؤال فيها (٧: ٦١٤)، والآن أجيب نفسي: إن قمرية هذه، ليست من أهل بيت الناصر لدين الله الخليفة العباسي، المعاصرين له وليست من جواري الناصر؛ وقد قال عنها كتاب المساجد: لعلها من بيت الناصر، أو إحدى حظاياه من الجواري، وسبب نفي كونها امرأة من نساء زمن الناصر، هو: إني وقفت الآن على أن الاسم اقدم من زمن خلافته (٥٧٥ - ٦٢٢ هـ أي ١١٧٩ - ١٢٢٥م)؛ وفضلاً عن ذلك أن وقوفي الجديد يدلني على أن الاسم هو (القمرية) بالتعريف خلافاً لما جاء في كتاب الحوادث الجامعة، الذي صور الكلمة بدون تعريف كلما أوردها؛ وكنت نقلت عنه،
стр. 5461
واعتمدت عليه، والذي وقفت عليه الآن، هو ما في كتاب تواريخ آل سلجوق لعماد الدين الأصفهاني، المتوفى في سنة ٥٩٧هـ (١٢٠٠م)، (اختصار البنداري) فقد جاء فيه اسم (القمرية)، لموضع في الجانب الغربي في أخبار سنة ٥٥١هـ (١١٥٦م)؛ فكان ذكرها قبل بناء الجامع المنسوب إليها (لان الجامع تم بناءه في سنة ٦٢٦هـ)، أي قبل ولادة الناصر، إذ كانت هذه الولادة في سنة ٥٥٣هـ (١١٥٨م) وهذا ما في الكتاب: (ص ٢٤٩ من طبعة الإفرنج - ص ٢٢٨ من طبعة مصر):
(وكانوا قد نصبوا من الجانب الذي من دجلة، على مسناة دار العميد، وبقرب القمرية، منجنيقين عظيمين، وهموا بنصب منجنيق لآخر، على الخان الذي بناه سرخك، مقابل التاج.) أهـ
وفي حاشية طبعة الإفرنج أن قاف (القمرية) مفتوحة في إحدى النسخ. وفي نسخة غيرها: مضمومة مع إسكان الميم في كل من النسختين. فبأي من المؤرخين يؤخذ من جهة التعريف وعدمه؟ وبأي من الروايتين من جهة الضبط يعمل؟.
ومع أن هذا الكتاب أوقعنا في اضطراب، فقد مكنا أن ننتج: إن الاسم ليس لإحدى النساء المعاصرات للخليفة الناصر لدين الله؛ ولعل الاسم هو الذي نسب إليه أبو منصور الحسن
بن نوح القمري، المعاصر لابن سينا الذي ذكرته في هذه المجلة (٧: ٢٣٠) فيكون الاسم قديماً، يرتقي إلى منتصف القرن الخامس للهجرة على اقل تقدير.
يعقوب نعوم سركيس
(لغة العرب) الذي عندنا انه يقال: جامع قمرية والقمرية لأنه منقول عن اسم الطائر المشهور؛ فهو كالحسن والحسين والعباس ونحوها، فقد تقال بال وبلا أل، فتقال بال للمح الصفة وبلا أل لنقلها إلى العلمية؛ وأما فتح القاف فعندنا من الخطأ الظاهر والمعروف الضم كما ضبطها صاحب تاج العروس إذ قال: وعبد الكريم بن منصور القمري بالضم حدث عن أصحاب الارموي وله شعر وكان يقرئ بمسجد قمرية غربي مدينة السلام فنسب إليها، انتهى.
стр. 5462
السعاة
بركة ومعتوق وعلي بن الاربلي
أطلعني الأب صاحب المجلة على كتاب اللمعات البرقية في النكت التاريخية لشمس الدين محمد بن طولون المطبوع حديثاً بدمشق فوقع نظري على خبرين (ص ٢٥) عن بركة الساعي نقلا عن تاريخ الأسدي الذي روى أحد الخبرين عن الذهبي وثانيهما عن ابن البزوري، وفي اللمعات أيضاً خبر آخر مسند إلى الذهبي بشأن الساعي معتوق الموصلي المعروف بالكوز (كذا) فخطر لي فوراً أني كنت قرأت عن الساعيين شيئاً في المخطوط الذي عرفته بالحوادث الجامعة فرجعت إليه وفيه ما يأتي:
(وفيها (أي في سنة ٦٢٨هـ - ١٢٣٠م) توفي بركة بن محمود الساعي المشهور بالسعي والعدو. كان من أهل الحربية سعى من واسط إلى بغداد في يوم وليلة ومن تكريت إلى بغداد في يوم واحد وحصل له بسبب ذلك مال كثير وجاه عريض واتصل بخدمة الخليفة الناصر لدين الله وجعله أخيراً مقدماً لرجال باب الغربة، فكن على ذلك إلى أن توفي). أهـ
(وفيها أي في سنة (٦٤٧هـ - ١٢٤٩م) سعى علي بن الأربلي من دقوق إلى بغداد فوصل بعد العصر وفضل على معتوق الموصلي المعروف بالكوثر نصف ساعة. ودار حول الكشك شوطاً وخرج إلى التفرج عليه الخليفة المستعصم
стр. 5463
بالله وأولاده وجلسوا في الكشك إلى حين وصوله، وكان هذا الذكور مختصاً بخدمة الأمير مبارك ولد الخليفة فأمر له بفرس من مراكبه وخلعة وذهب. ودار من الغد في البلد بالطبول والبوقات فحصل له شيء كثير.) أهـ
وفيها (أي في سنة ٦٥٣هـ - ١٢٥٥م) تملا (؟) معتوق الموصلي المعروف بكوثر الكلام من دقوق (دقوقاء) ساعياً على قدميه فوصل كشك الملكية ودخله. وكان الخليفة هناك ومعه الشرابي وهو أستاذه، ثم خرج من الكشك وعاد إلى الوقف (؟) ثم رجع إلى الكشك وقد تخلف من النهار ساعة ونصف فقبل الأرض بين يدي الخليفة فتقدم له بخمسمائة دينار. وأعطاه الشرابي ثلثمائة دينار وحصل له من أرباب الدولة شيء كثير.) أهـ.
دقوقاء واليوم طاووق
وإذ كان مضمون اللمعات نكتاً تاريخية رأيت إتماماً لذلك أن أسوق كلاماً إلى نكتة عن دقوقاء لمناسبتين أولهما: إن الحكاية نكتة وثانيهما أنها عن هذه المدينة. وكان يقال في أسمها (دقوق) تخفيفاً كما جاء هنا. وذكرها ياقوت بصورة دقوقاء. كما أن سالنامة الموصل لسنة ١٣٢٥هـ (١٩٠٧م) ذكرتها بصورة (دقوق) خلافاً للعامة التي تقول (طاووق) والحكومة العراقية أيضاً قبلت اسمها المحرف هذا في رسمياتها، وذكرتها بصورة طاووق في سجل الحكومة العراقية سنة ١٩٢٧هـ ص ١١٦، والنكتة التي أريد روايتها هنا وردت
стр. 5464
في كتاب الحوادث المار الذكر وهي:
(وفيها (أي في سنة ٦٤٤هـ - ١٢٤٦م) توفي الأمير محمد بن سنقر الطويل صاحب دقوقاء وكان أبوه سنقر من خواص الخليفة الناصر لدين الله صب يوماً على يده ماء فسقطت الصابونة منه فناوله غيرها وقال: دقوق وهي بلغة الترك دجاجة - فاقطعه دقوقاً ظناً منه انه طلبها. فلم تزل في يده إلى أن توفي فتسلمها ابنه محمد. فلما توفي الآن عادت إلى نواب الخليفة.) أهـ.
قلت: لا أرى مناسبة أن تكون الكلمة (طاووق) التي تعني دجاجة. ولعله قال بلهجة مفخمة من لهجات ذلك الزمن (طوتقون) ومعناها مقبوض أو (طوتك) (بقراءة الكاف نوناً) بمعنى اقبضوا أو (طوتدق) بمعنى قبضنا أو غير كلمة تقرب لفظاً من كلمة دقوق وتؤدي ما يوافق الحال. ويبين لي أن صاحب الحوادث كان يجهل التركية، ولولا جهلة إياها لما أورد الحكاية بدون تعليق خالطاً الحابل بالنابل.
وكنت أود أن لا يعتد ذلك الفاض بالقول أنها سميت (طاووق) لكثرة الدجاج فيها. قال ذلك في ما سبق في الص ٤١٧ وقد رده حضرة الأب صاحب المجلة.
بغداد في ١٠ حزيران ١٩٣٠ (وتأخر نشرها لما عندنا من المقالات المتراكمة منذ مدة أربع سنوات. ل. ع)
يعقوب نعوم سركيس
اللشمانية الجلدية
أو حبة الشرق
مرادفاتها في البلاد التي تكون فيها:
حبة الشرق، وحبة بسكرة، والقرحة الاستوائية، وحبة بغداد أو الأخت وقرحة الشرق، ودملة دهلي، وقرحة التخوم (في بلاد الهند)، ودملة حلب أو حبة السنة (حلب)، وكودووك أو الجرسي (في ما وراء أراضي جبال قاف)
стр. 5465
وسالك (إيران) وفرينة أو مرد التمر (نريبان)، وغسوة (في الاريثرة وبلاد الحبش).
تحديدها:
هي حبة جلدية متقرحة أو غير متقرحة متوطنة، وتحصل في مناطق خاصة تنتج من أحد أصناف اللشمانية. وتتميز هذه الحبة في أول نشوئها بحليمة ترى في الأغلب في المعاري (أقسام البدن المكشوفة). ولعلها تصبح بعد ذلك قرحة غير مؤلمة تمتاز بإحساس اعظم في الأعصاب وبحاشية مترشحة، يعقبها عادة خلل فرعي في بعض الأعضاء. وتندمل القرحة بعد اشهر عديدة، ويرى في ماكنها ندب منخفض ذو لون أبيض أو احمر وردي. وهذه الحبة لا يلقح منها الرجل ولا الحيوان وعليه لا يصاب بها الإنسان عادة أكثر من مرة.
تقسيمها في الأرض:
أن هذا المرض قرأة أي داء متوطن، يرى في ديار خاصة في شمالي أفريقية وفي جنوبي آسية وبلاد اليونان وإيطالية وإسبانية.
(أفريقية):
أن هذه الحبة قرأة في ديار تونس ولاسيما في قفصة وفي بلاد الجزائر تكون واحات بسكرة وتكرت مركزها المتوطن فيهما. يسد أن إصابات متفرقة حدثت في جزائر مرغنان وأماكن آخر وترى مراكز قرأة في جنوبي مراكش، وذكرت إصابات في مناطق تشاد وزندر وفي نيامى الواقعة على نهر نيجر، وفي مناطق اغادس تاوة كما انه عثر على
إصابتين في قلعة ارجمبولت وسجلت إصابات من هذا ألداء في القاهرة والسويس في مصر، وحدث بعض وقائع في الخرطوم وشندي وديرة سنار في بلاد السودان. وترى هذه الحبة في طرابلس الغرب والاريثرة وبلاد الحبش.
(آسية):
وترى مناطق قرأة في وادي نهر السند في بلاد الهند وفي كنباية وفي أماكن شتى من الكور الشمالية الغربية (من بلاد الهند) ولاسيما في دهلي ولاهور، وكرنال وشاهاباد وبتيالة وكوشرات (وكجرات) وكويتة ومولتان ودره
следующие страницы →