Полный текст (6 158 стр.). Показаны 5496–5535 · переход к 5501.
стр. 5496
٣٥ - ملتقى اللغتين: العبرية والعربية (هدية)
تأليف (مراد فرج بك المحامي في القاهرة ومصر الجديدة)، طبع في سنة ١٩٣٠ الجزء الأول يحوي حرف الألف والباء والتاء والثاء والجيم.
وقع هذا الجزء الأول في ٤١٨ صفحة بقطع الثمن. ومن غريب ما في هذا الجزء، أن المؤلف كتب كلمة (تأليف) بالعربية واسمه ولقبه ومحل وجوده بالفرنسية، فالناطق بالضاد الذي يجهل قراءة الحرف الإفرنجي لا يهتدي إلى قراءة اسم المؤلف. فما معنى هذا العمل الذي يدل على شذوذ في الخلق والرأي والمصطلح؟.
ومن غريب عمل المؤلف أيضاً انه ينص بكلام عريض على كيفية لفظ الكلمة العبرية ولو اتخذ رسم الكتابة الخاصة بالعلماء أو اتخذ ضبط الكلمة بعلامات يصطلح عليه هو نفسه أو ضبط الكلمة بالحرف الإفرنجي لما أمل القراء من هذه الطريقة المضجرة ولا زاد في حجم كتابة على غير طائل. وهناك عيب آخر هو إن المؤلف ضعيف النظر في بعض ما ينقل
أو يرتئي فقد قال مثلا في ص ٢٥ ما هذا حرفه: (الالا بالهمز والالا بالقصر: شجر مر. . .) وكان عليه أن يقول هكذا: (الالآء بالمد كسماء والالا كالملا بالقصر. . . وقال بعد ذلك: والبطمة: شجر الحبة الخضراء. وكان حقه أن يجعل التفسير من جنس المفسر فيقول مثلا: والبطمة: شجرة (لا شجر) الحبة الخضراء.
وكثيراً ما يذكر حضرته الترجمة العربية للتوراة، ولا يذكر أياً منها، لا في المقدمة ولا في الحواشي ولا في الآخر، فالترجمات غير متشابهة وهي كثيرة، فكيف جاز له هذا الإطلاق في الكلام. ولو أردنا أن نتعرض لنقد هذه الصفحات بتفصيل لوقع كلامنا في جزء واحد من هذه المجلة، إلا أننا نقول بوجه العموم إن الكتاب لا يخلو من فائدة لمن يريد الإمعان في اللغة العربية واكتناه أسرارها.
стр. 5497
٣٦. تاريخ اللغات السامية (هدية)
تأليف الدكتور إسرائيل ولفنسون (أبو ذؤيب) مدرس اللغات السامية بالجامعة المصرية، مطبعة الاعتماد بشارع حسن الأكبر بمصر سنة ١٣٤٨ - ١٩٢٩.
ليس في لغتنا كتاب يضاهي هذا السفر المفيد لمن يجهل اللغات الإفرنجية. أما الذي يحسنها فله في مصنفات الأجانب ما يغني عنه كل الغناء. لان المؤلف لم يأت في وضعه في لسننا شيئاً جديداً يستفيد منه المستشرقون. إنما وضعه - على ما يظهر لنا - لأبناء عدنان. فهو - من هذه الجهة فقط - مفيد.
والذي يطالع ما يكتبه هذا الدكتور يتحقق أن في يراعته العربية بعض الضعف والركة. فكان يليق به وبأمثاله أن يعرضه على نظر أحد الفضلاء ليزيل عنه هذه الشائبة التي تعثر القارئ عثرات كان يود أن يكون في مندوحة عنها.
من ذلك مثلا ما جاء في ص ٣ فقد قال: (إن التوراة عدت آل عيلم وليديا من الساميين) مع انه نقل في ص ٢ عن التوراة: (عيلام وآشور وارفكشاد ولود وآرام. . . فنقول إن الذي يكتب في العربية يحسن به أن يروي الأعلام على ما يرويها العرب، لاسيما تلك الأعلام المشهورة في مصنفاتهم. فصواب: عيلم: غليم (بغين وبالتصغير) كما في القاموس والتاج في مادة غ ل م وكما في ابن خلدون ٢: ٧ و ١٣ من طبعة مصر. أو أن يقول: عيلام على اللفظ العبري. وأما قوله (ليديا) فبعيد عن (لود) ولود هو (لاوذ) عند العرب فأين ديار لوذ
من بلاد (ليديا)؟ - وكتابته لآشور بالمد مخالف لمصطلح أبناء لغتنا والمشهور أشور بهمزة مفتوحة فشين مشدودة مضمومة أو آثور بمد فثاء مثلثة، وارفكشاد هو ارفخشد أو ارفخشذ أو ارفخشاد عند السلف. على إن ضبط الأعلام ورسمها ليس العيب الفاشي في هذا الكتاب من أوله إلى آخره. إنما الأغلاط المهمة فيه هي: القطع ببعض الآراء التي لا تزال يتردد فيها بين الشك واليقين. تراه مثلا يقول في ص ٣: (قبل خروج بني إسرائيل من الجزيرة العربية التي كانت وطناً مشتركاً لجميع الأمم العبرية والكنعانية. . .) فهذا كلام
стр. 5498
يشعر بان ديار العرب كانت - ولا شك في ذلك - وطناً لجميع الأمم العبرية والكنعانية. والحال إن هذا الرأي حديث العهد وليس جميع العلماء عليه، فسوقه مساق أمر تاريخي لا ريب فيه تعد على التاريخ وصحاح الأخبار. نعم كان يستطيع أن يصرح به، لكن لا من باب الحقائق المقطوع فيها، بل من باب الإمكان أو من قبيل رأي جماعة من البصراء حتى يتصل كلامه هذا بما أورد في ص ٤ عن رأي العلامة غويدي الذي يقول: (إن المهد الأصلي للأمم السامية كان في نواحي جنوب العراق على نهر الفرات، ولاسيما قول المؤلف نفسه إذ يرى: (إن من العسير أن نجزم برأي) في المهد الأصلي للأمم السامية. . . ص ٥ وكان قد قال قبيل ذلك (ص ٤): (وللتوراة نظرية خاصة عن اقدم ناحية عمرها بني نوح، وهي ارض بابل، وقد تكون هذه النظرية اقرب إلى الحقيقة، فقد أثبتت البحوث التاريخية. إن أرض بابل هي المهد الأصلي للحضارة السامية.) فالكاتب على هذا التناقض الذي تراه في كتابه كله.
وكان حضرة الأستاذ الصديق مصطفى جواد بين قبلنا في هذه المجلة (٨: ١٢٣ إلى ١٢٨) المتناقضات التي يقع فيها، إذ كتابه (تاريخ العرب) مضروب على هذا الطراز الغريب، ونحن لا نريد أن نتقفى المؤلف في جميع ما دونه في سفره هذا الثاني، فهو صنو الأول، وصاحبه هو أبو ذؤيب، ولعل في تذؤبه شيئاً من أسمه. فعسى أن لا يكون كذا. والكتاب يبقى نافعاً لمن لا اطلاع له على مصنفات الغربيين الحافلة بالفوائد والعوائد.
٣٧. لمناسبة الأعياد
تخليداً لذكرى فقيد حيفا والشباب والصحافة العربية الشهيد المرحوم جميل البحري
جميل البحري هو مؤسس المكتبة الوطنية وجريدة الزهور ومجلة الزهور ومطبعتها، وقد
وضع له شقيقه حنا البحري رسالة صغيرة بقطع ٢٢ في ١٨ ص كنا نود أن تكون أكبر من هذا الحجم حاوية لكل ما قيل فيه وكتب عنه لتكون أحسن ذكرى للشهيد العزيز فعسى أن تحقق هذه الأمنية عند ذكرى السنة.
стр. 5499
تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره
١. وفاة ثيودور نولدكى
توفي المستشرق الشهير ثيودور نولدكى الألماني في ٢٩ ديسنبر من سنة ١٩٣٠ في ال ٩٤ من عمره في كارلسروه. وهو اكبر علماء المشرقيات في ديار الغرب فقد نشر مؤلفات كثيرة لعلماء العرب الأقدمين وأعاد روايتها إلى نصابها الأول وكان النساخ قد مسخوها شر مسخ. ونحن لم نجد بين حملة العلم من بلغ تحقيقه فقد كان فريد عصره، وكان يتقن اللغات الشرقية كلها كالعربية والآرمية والعبرية والصابئية والفلسطينية والحبشية إلى غيرها. وله تصانيف أو تصحيحات أو تحقيقات في جميع هذه الألسنة فضلا عن لغات الغرب كاليونانية واللاتينية والألمانية والفرنسية والإنكليزية والإيطالية واللاتينية والإسبانية. فهو ودي خويه من أساطين المشرقيات في هذه الحقبة الأخيرة.
٢. في المتقن الطبي العراقي
في ٢٩ من شهر ك١ من سنة ١٩٣٠ أقام رؤساء المتقن الطبي في بغداد حفلة توزيع الجوائز عن السنة الرابعة والمتقن سائر سيره الحثيث في إخراج أبناء لاسكو لابيوس.
٣. وفاة السيد إبراهيم الحيدري
انتقل إلى دار البقاء في ٦ ك٢ (ديسنبر) السيد إبراهيم الحيدري من داء الكليتين، وقد شيعت جثته إلى مسكنها الأخير في المرقد الكيلاني بموكب حافل مشى فيه المندوب من قبل جلالة ملكنا المعظم والمعتد السامي ورئيس الوزراء والوزراء والأعيان والنواب وسراة القوم.
ولد الفقيد في سنة ١٨٦٤ ودرس الحقوق في الأستانة وبعد ذلك عين قاضياً فعضواً في مجلس المعارف الكبير فرئيساً للشؤون الشرعية في دائرة الدفتر الخاقاني: ثم أحرز مقام المشيخة الإسلامية في الحكومة العثمانية. وعاد إلى وطنه بغداد بعد الحرب العظمى فعين وزيراً للأوقاف ثم عضواً في
стр. 5500
مجلس الأعيان. فنعزي أنجاله الكرام ونطلب لذويه الصبر والأجر.
٤. مكشوفات جديدة في أور
وجد المنقبون في أور قبور ملوك الدولة الثلاثة التي يرجع عهدها إلى سنة ٢٣٠٠ قبل الميلاد.
٥. جدول الإفلاسات في بغداد
سجلت المراجع الرسمية إحصاء للإفلاسات في العاصمة فكانت في سنة ١٩٢٧: ١٣ قضية منها قضيتان حسمتا صلحاً.
في ١٩٢٨: ٨ قضايا حسمت كلها في المحاكم.
في سنة ١٩٢٩: ١٧ قضي، دفع في واحدة منها الإفلاس.
في سنة ١٩٣٠: ٤٨ قضية، أربع منها حسمت بالاتفاق.
٦. دار لتعليم الممرضات
أرصدت المبالغ اللازمة في ميزانية ١٩٣١ لفتح دار تعلم فيها الممرضات ما يجب أن يعرفنه ليقمن به في التوليد الفني.
٧. تنازل الإنكليز عن خطوطهم البرقية الإيرانية
تنازلت الحكومة البريطانية لإيران عن جميع الخطوط البرقية ودوائرها وما يتعلق بها، وكذلك عن جميع الدوائر البريدية التي لها في أنحاء إيران المختلة والتي تربط إيران بالهند وأوربة. وما ذلك إلاَّ للحزم الذي أبداه الشاه العظيم بهلوي خان فانه اظهر من مضاء الدهاء والسياسة ما ادهش كل إنكليزي لأن إيران لم تتنازل عن شيء بازاء ما حصلت عليه.
وقد عين هذا الشهر (شهر شباط أو فبراير) موعد التسلم. ولذا ترى الحكومة الإيرانية جادة كل الجد لأخذ تلك الدواوين وجلب الفنيين والموظفين اللائقين لتلك الوظائف والمناصب ليتمكنوا من إدارتها بالطرق المتبعة في هذا العصر. وقد أصدرت منشوراً إلى جميع دواوينها لتخبرهم بإرسال الرجال الذين لا لزوم لهم فيها من أهل الفن للاستعانة بهم في الدوائر الجديدة.
٨. نقل القنصلية البريطانية من بوشهر
عمدت الدولة البريطانية نقل قنصليتها من بوشهر (إيران في خليج فارس) إلى جزيرة البحرين، وسيتم التحويل في نيسان (أفريل) من هذه السنة؛ فتصبح البحرين مركزاً عاماً للقنصلية البريطانية في جنوبي إيران. وهكذا تتخلص دولة البهلوي من كل سيطرة أو يد أو إصبع أجنبية.
стр. 5501
٩. إصلاح ميناء بوشهر
ميناء أبو شهر من انحس الموانئ. وقد أرصدت الدولة البهلوية مبلغاً لإصلاحه وجعله على طراز الثغور الحديثة وسوف تدعو أهل الفن والصناعة لإصلاحه، وقررت الحكومة أيضاً جر الماء العذب إلى بوشهر بالأنابيب أو القساطل الحديدية. وهكذا يرتاح أهلها من شرب المياه الغمقة أو الراكدة التي تنغش فيها أنواع الجراثيم المرضية.
١٠. نقل البريد الجوي
تم الاتفاق بين إيران وفرنسة لنقل البريد الجوي من أوربة وممالك الشرق الأدنى إلى مدينة بوشهر وجنوبي إيران وبالعكس. وبهذه الصورة يتم لإيران الاتصال بالعالم المتمدن والخروج من كل يد أجنبية تضيق على خناقها.
١١. الاضطراب في كردستان
(بلاغ رسمي بحروفه)
جاء في البلاغ الأخير الصادر في ٨ كانون الأول ١٩٣٠ إنه بعد أن طرد رتل صغير من قطعات الجيش العراقي الشيخ محمود وأعوانه الأشقياء من موضع منيع بقرب (حاجي آوا) انجد مخفر الشرطة في سورداش، على مسافة ٣٦ ميلا، شمال غرب السليمانية، وأقام الرتل المذكور في سورداش إلى ١٧ كانون الأول ثم عاد إلى السليمانية.
وبعد هزيمة الشيخ محمود وأعوانه من الأشقياء في (حاجي آوا) ظلوا ساكنين إلى ٣ كانون الثاني، ثم عادوا إلى الظهور بقوة بجوار قرية (سراو) الواقعة على مسافة ٣٧ ميلا إلى جنوب شرقي السليمانية على طريق حلبجة.
وفي ٩ كانون الثاني استولى الأشقياء على مخفر الشرطة غير المحصن في (خورمال) وفي ١٠ منه هجموا على مخفر الشرطة في (شاه نادري) الواقع على مسافة ٥ أميال شمال
شرقي سراو (سراب) على طريق بنجوين، وفي ١١ منه، سار رتل صغير من قطعات الجيش العراقي من السليمانية. لنجدة (شاه نادري) فوصل إلى (سراو) في ١٢ منه، ووجد أن الأشقياء قد انسحبوا من شاه نادري وفي خلال ليلة ١٣ - ١٤ منه، هاجمت جماعة مؤلفة من نحو ٥٠ رجلا من الأشقياء ثلاث ربايا من معسكر الرتل في (سراو) ولكن الربايا طردتهم بسرعة وفي خلال ليلتي ١٥ - ١٦ و ١٦ - ١٧ منه أطلق الأشقياء النار على المعسكر مدداً قصيرة.
стр. 5502
وفي ليلة ١٣ - ١٤ منه استشهد جندي واحد وقتل رجل من الثوار وجرح منهم عدة أشخاص.
١٢. مصل الأمراض السارية يعمل في العرق
قدم العاصمة في أواخر كانون الأول حضرة الدكتور خوري المصري المتخصص باستحضار المصول الواقية والشافية للأمراض السارية. وستصل قريباً آلات وأدوات مختبره من القاهرة إلى بغداد.
والنفقات التي تتكبدها خزينتنا لجلب هذه المصول من أوربة وحكومة الهند تبلغ أكثر من لسكي ربية، بينما في وسع الاختصاصي الموما إليه استحضارها جمعيها في العراق وبنفقات لا تتجاوز ثلث ما تتكبده الخزينة اليوم. فعسى أن تقتصد الحكومة من هذا الباب فتستفيد وتفيد.
١٣. الحكم على مدير واردات الأوقاف السابق
كانت مديرية الأوقاف العامة أقامت الدعوى في محكمة البداءة في بغداد على الحاج حمدي أفندي الأعظمي، مدير وارادت الوقوف سابقاً، لاستيفائه من خزينة الوقوف مبلغاً قدره نحو من خمسة آلاف ربية، حينما أوفد على الأستانة لجلب مستندات الأوقاف.
فقررت محكمة البداءة في جلسة ١٨ كانون الثاني (يناير) تأدية المبلغ إلى الأوقاف، لثبوت أخذها من الخزينة (على وجه يخالف أحكام قانون الميزانية).
١٤. أمراض الحيوانات في العاصمة
أصاب (أبو هدلان) ٥٨٥ رأساً من البقر والجاموس في أيام كانون الأول المنصرم (يناير)
فمات منها ١٤٥ ولقح ما بقي منها حفظاً لها. واتلف كلب واحد، وحصان واحد.
١٥. ارتفاع ماء دجلة
لم يرتفع ماء دجلة في هذه السنة الارتفاع الذي بلغ إليه منذ عدة سنين. وفي ما يلي قدر ارتفاعه في السادس من ك٢ (يناير) عن الخمس السنين الأخيرة:
السنة القدم العقدة
١٩٢٧ ٥ ٨
١٩٢٨ ٣ ٩
١٩٢٩ ٣ ٩
١٩٣٠ ١ ٩
١٩٣١ ١٢ ٦
لم يفض دجلة في ربيع السنة الماضية
стр. 5503
وارتفاعه اليوم يربو على أعظم ارتفاع بلغ إليه في سنة ١٩٣٠ بثلاث أقدام، وبلغ ارتفاع الماء بقرب جسر مود في مساء ٨ ك٢ (يناير) ١٠٥ أقدام فوق وجه البحر؛ وأنت عليم أن بين بغداد وخليج فارس ٦٠٠ ميل يقطعها من غير أن يهبط اكثر من ١٠٠ قدم. وسبب هذا الارتفاع سقوط أمطار غزيرة في شمالي ديارنا وديار الأناضول. فقد فاض الزابان وتدفقت مياههما، ومما يحسن ذكره هنا أن الماء إذا ارتفع في الموصل فانه لا يرتفع في حاضرتنا إلا بعد مرور ثمان وأربعين ساعة. وقد فاض واد قرب قرية (الفاضلية) فجرف بمياهه امرأة مع ابنها حينما كانا يعبرانه.
١٦. عجل في بطن عجل
ولدت بقرة علي أفندي المندلاوي أحد موظفي الإدارة المالية في الرمادي (من لواء الدليم) عجلا وعجلة. وكانت العجلة سليمة من كل علة، أما العجل فكان مريضاً، فلما ذبح وشق بطنه وجد فيه عجل آخر. وهو من اغرب الغرائب. والذي عندنا أن ذلك العجل من الوهم والصحيح انه عقدة أمشاج لا غير، فأين الأعجوبة؟
١٧. عصائب اللصوص تعود إلى البصرة
كان للصوص البصرة شهرة بعيدة في عهد آل عثمان. وما كننا نظن أن ذيالك العهد يعود
في مثل هذه الأيام. فقد قرأنا في جريدة (الأوقات العراقية) انه حدث في ليلة ٢٤ كانون الأول الأخير في الساعة التاسعة العربية نلصص غريب. كان الزورق البخاري، زورق الحاج مهدي الحاج عباس قادماً من العمارة إلى البصرة. وعند وصوله إلى (الماجدية) قرية قريبة من قرمة علي، هجم عليه لصوص عددهم اثنا عشر مدججين بالأسلحة في بلم (زورق) لهم، ونهبوا أمتعة صاحب الزورق البخاري ودراهمه وكلما كان لركابه.
وفي ليلة ٢٦ من الشهر المذكور هجمت عصابة من أولئك الذعار على دار (يوسف بن مفتاح) في قرية الكباسي، ونهبوا ما فيها من حلى ومصوغات (مخشلات). وقد أفضت التحقيقات في هاتين الحادثتين إلى القبض على عدة رجال، ولما عرضوا على صاحب الدار عرفهم صاحب الزورق الحاج عباس، وظهر أن هذه العصابة هي نفس العصابة التي هجمت على الزورق، وإن هؤلاء الذعار من أصحاب السوابق.
стр. 5504
واسم رئيس العصابة في الواقعتين (عبيد الصقر). أما أسماء بقية المتهمين، فهي: تويني بن دفار، عبيد بن طعيم، شاهر بن نصار، طاهر بن نصار، ياسين بن علي، فرهود بن دفار، جبار بن دفار، وزويمل.
ولا يزال التحقيق يجري مجراه لسوق المتهمين إلى القضاء.
١٨. إيران وتركية
وصل السردار (انتصار) رئيس الوفد الإيراني إلى طهران في ٢٨ ك١ (يناير) عائداً من لجنة تحديد التخوم المختلطة بين تركية وإيران، ورفع رفيعتين مسهبتين إلى وزارة الخارجية والحربية، عن النتائج التي أفضت إليها اللجنة، والحديث الجاري في الأندية العسكرية: إن إيران لم تر ما عرضته الحكومة التركية من الأرضيين كافياً لحمل دولة البهلوي على التخلي عن شقتها الواقعة في جبل اراراط، وترى بعض هذه المحافل أن لهذا الجبل شأناً خطيراً من الوجهة الحربية وهو ضروري كل الضرورة لحماية الديار الإيرانية، وتصعب المساومة فيه.
١٩. الباب الوسطاني
زرنا في هذه الأيام الباب المعروف بالوسطاني، فرأيناه في أسوأ حالة لأننا رأينا (النقابين)
ينزعون من جدرانه إلا الآجر النفيس ليبيعوه. وإذا لجوا في أمرهم هذا لا يبقى أثر لهذا البناء الذي يستدل به على عظمة بغداد السابقة. فنطلب إلى أرباب العقد والحل أن يتداركوا أمر التخريب لئلا يسبق السيف العذل. ورحم الله امرأً حافظ على آثار السلف الصالح.
стр. 5505
العدد ٨٨ - بتاريخ: ٠١ - ٠٣ - ١٩٣١
الشمسية في التاريخ
كنا قد نشرنا مقالة طويلة عن هذه الفرقة في مجلتنا في (٧: ١٩٣ إلى ٢٠٣) ثم أخذنا نبحث عنهم في الأخبار والتواريخ لعلنا نهتدي إلى ما يوضح أمرهم في سابق العهد، فلم نوفق؛ فاستعنا بصديقنا القديم الورتبيد نرسيس صائغيان فهدانا إلى بعض الكتب التي نوهت بهم. من ذلك
- ١٦٨٢.
فقد جاء في الصفحة ٥٠٠ ما هذا معناه: (سمي الشمسية بهذا الاسم لأنهم - على ما قيل - يعبدون الشمس. وهذه الفرقة اقل الفرق انتشاراً في الشرق، وعدد أصحابها لا يتجاوز العشرة الآلاف، وهم لا يرون إلاَّ في شمالي العراق وأنحائه. - وليس لهم معابد ولا كنائس يصلون فيها، وهم لا يجتمعون إلاَّ في بعض السراديب بعيدة عن المدن ليتكلموا فيها ويتباحثوا في مواضيع ديانتهم. ويأتون ذلك خفية أية خفية حتى أن الأجانب عن ديانتهم لم يستطيعوا أن يتحققوا شيئاً منها، ولا أن يعرفوا ما يجري في تلك المجتمعات والذين اهتدوا منها إلى النصرانية لم يبوحوا بشيء من أسرار نحلتهم، خوفاً من أن يقتلهم أصحابهم الأقدمون،
стр. 5506
إذا ما ثبت لهم انهم أفشوا أسراراً من تلك النحلة، لأنهم يجددون هذا القصد كلما اجتمعوا.
(وقبل نحو ست سنين ذهب شابان إلى حلب الشهباء فعمدها أسقف الأرمن الكاثوليك، بعد أن أنكرا ضلاتهما، لكنهما لم يشاءا أن يفشيا شيئاً من أسرار فرقتهما، مع أن النصارى ألحوا عليهما أن يذكرا شيء منها، أو أن يكشفا شيئاً مما يجري في محافل الفرقة من الشنائع والأعمال الخبيثة للأسباب التي ذكرناها.
(وفي رحلتي إلى ديار بكر عرفت شمسياً كان تاجراً غنياً وبينما كنا منحدرين إلى بغداد، كان يسمي نفسه يوسف في القافلة. واسم يوسف شائع بين النصارى والمسلمين واليهود، وكان يعتم عمة لا ينكرها أصحاب دين من الأديان؛ وكل ذلك لكي يزيد تنكره، ولهذا كان أبناء كل دين يعتقد انه على دين من الأديان، فلم أتمكن من أن أتبين دينه واحكم عليه من النظر إلى أعماله أو ثيابه أو كلامه؛ إذ ما كنت أرى فيه ما يحملني على انه يدين بدين من
الأديان. لأنه ما كان يظهر عملا دينياً يفشي لي ذلك، فكان يعيش كمن غير مربوط برابط من النحل المعروفة، أو يعيش كمن لا دين له. وكان يتكلم كلاماً لا يدل على شيء من الدين وقد قيل لي انه شمسي. فأردت أن أتثبت من الأمر بنفسي، فسألت شاباً مسلماً كان يخدمه عن دين مولاه، فقال لي: إن صاحبي مسلم حنيف مثلي. - وقد قال الخادم ما قال، أما خجلا من أن يبوح لي بحقيقة دين سيده؛ وأما لأنه كان يجهل حقيقة معتقد ذلك الرجل المحفوف بالغوامض والخفايا. أما أجوبة سائر خدمه فكانت أن دين مخدومهم الشمسية. واتفق لي أني رأيت ذات يوم هذا التاجر فرحاً وكان بجانبي؛ فأخذت أجاذبه أطراف كلام مبهم، وبعد أن مضى على حديثنا زمن، تجاسرت وسألته: أأنت نصراني؟ - فقال لي بصوت خافت: نعم. - ولما ألححت عليه أن يذكر لي اسم المذهب الذي ينتمي إليه، غير الكلام للحال ولم يرد أن يزيدني إيضاحاً. وهذا ما دعاني إلى إثبات ما قيل لي عنه أي انه كان شمسياً. - هذا عدا ما كنت أرى اغلب المسلمين ينعتونه بالكافر في كل مرة أرادوا أن يذكروه. وهذا النعت يلصقونه أيضاً بكل نصراني
стр. 5507
من أي مذهب أو نحلة كان.
(ولما رأى الباشوات أن ليس للشمسية معابد وانهم يعيشون كالبهائم بلا دين معروف بمناسكه وشعائره ليرجعوا به إلى أمة. طلبوا منهم مراراً أن يسلموا فوعدوهم خيراً، أو انهم يتنصرون ويتخذون مذهباً من مذاهب المسيحية التي اعترفت به دولة السلطان أو تساهلت فيه؛ وإلا يقتلونهم ويبيدونهم عن آخرهم من تلك الديار. وهذا ما أجبرهم على أن ينضموا إلى السريان أو إلى اليعاقبة قبل بضع سنين، اجتناب قتل الترك إياهم، حتى أن النصارى اخذوا من ذلك العهد يعمدون أولاد تلك الفرقة ويدفنون موتاهم من غير أن يذعن أهاليهم للشعائر النصرانية. ولا أن يتخلوا عن شعائرهم الأولى التي يحافظون عليها كل المحافظة، ويتمسكون بها في مجتمعاتهم السرية، ولو انضووا إلى المسلمين على إلحاح الباشوات لما استطاعوا أن يبقوا محافظين على تلك الأعمال.) أهـ كلام الرحالة.
وجاء في المجلة الشهرية الأرمنية التي تصدر في فينة للآباء المخيتاريين مقالة لكريكور فانتيان في ص ١٢ و١٣ من سنة ١٨٩٦ ما هذا معناه:
(الشمسية أو أبناء الشمس وبالأرمنية - أول شهادة بلغت إلينا باللغة الأرمنية ترتقي إلى القرن الحادي عشر للميلاد، واسم الكاتب كريكور ما كستروس (المتوفى سنة ١٠٥٨) فقد
ذكر الشمسية في جوابه على رسالة وجهت إلى بطريرك السريان، ومن بعد أن ذكر فرقاً دينية كثيرة قال: (وهناك أناس يعبدون الشمس، والذين خدعهم الفرس التابعون لرأي زرادشت الفارسي ويعرفون باسم الشمسية (وبالأرمنية وهم كثيرون في هذه الربوع (أي بين النهرين) وهم يسمون أنفسهم نصارى. . . ونعرف انك لا تجهل سيرتهم الشريرة المفضوحة).
الشهادة الثانية
ترتقي إلى أوائل القرن الثاني عشر للميلاد لصاحبها داويد ورتابيت فقد قال: البولسيون: هم الشمسية.
الشهادة الثالثة
ترتقي إلى المائة الثانية عشرة وهي للجاثليق نرسيس شنورهالي
стр. 5508
في رسالته إلى الخوري الأسقفي إلى سميساط تلك الرسالة المسماة (لأجل رجوع الشمسيين). . . تعرفون إن ورد إلينا خط منكم للشمسيين الساكنين في مدينتكم وانهم يريدون ويلتمسون أن ندخلهم في قطيع المسيح، بل أن الأرمن جنساً ولغت يريدون أن يتساووا معهم بالإيمان والروح، أتوا إلى ديواننا وكلمونا ملتمسين ذلك منا بإلحاح، ونحن أفهمناهم ما قرأناه عنهم في الكتب. وما سمعناه من العارفين أمورهم، أي الشرور التي يأتونها قولا وعملا. . . وهكذا بقي الشمسيون في طائفتنا جالسين في ظلمات الشيطان، وأبوا أن يستنيروا بالنور الإلهي على يد القديس غريغوريوس المنور، بل فضلوا الظلمة على النور إلى يومنا هذا. والذين أتوا إلينا، كفروا بشيعتهم بإيمان مغلظة ولعنوا بأفواههم كل من يحفظ في قلبه مثل هذا الكفر، وكل ما سننا لهم من السنن، تعهدوا بالقيام به. أما إذا كان اهتداؤهم عن رياء، مثلما يتوهمه عنهم كثيرون، ويرجعون إلى قيئهم، فنحن لا نضر بشيء. والاسم الذي تسموا به من عهد أجدادهم - وهو الشمسية - سيبدل باسم المسيحيين، ذلك الاسم العظيم العجيب. . .)
فيؤخذ من هذا الكلام أن عنصر الشمسية ولسانهم هما من عنصر الأرمن ولسانهم. وإن كان مثل هذه النتيجة لا يستنتج من كلام الشاهدين الأولين، على أن جماعة من الأدباء لا ترضى بما قاله الجاثليق الأرمني، بل ترى انه لم يورد ما أورده إلاَّ لأن هؤلاء الشمسية
كانوا يعبدون الشمس وبعض العناصر والأشجار على حد ما كان يفعله الأرمن في سابق العهد. ولذا استنتج الجاثليق تلك النتيجة ولاسيما انه رآهم يتكلمون الأرمينة، كما فعل بعض النور (الكاولية أو بني سلسان) المبثوثين في تلك الأرجاء. والذين ينطقون بالأرمنية.
الشهادة الرابعة
من المائة الربعة عشرة للجاثليق مخيتار في رسالته إلى البابا اقليمس الخامس الذي كان في أفنيون (فرنسة) (سكن افنيون في سنة ١٣٠٩ ومات فيها في ٣٠ نيسان سنة ١٣١٤) إذ يذكر أن في ذاك العهد كان شمسية في منازكرد (في أرمينية)
стр. 5509
الشهادة الخامسة
من القرن الرابع عشر وهي لمخيتار أبارانتسي إذ يقول: (وعندنا عبدة الشمس (شمسيون) وهم أرمن ويتكلمون الأرمنية واسمهم اريفرتي (كلمة أرمنية معناها عبدة الشمس أو شمسيون) وليس لهم كتابة (خاصة بهم) ولا علوم أدبية. بل يعلم الآباء الأبناء بالتقليد ما تعلمه أجداهم من زرادشت، ويسجدون للشمس حيثما تتجه ويحترمون شجر الحور والسوسن والقطن وغيرها من الأنبتة التي تتجه إلى الشمس ويشبهون أنفسهم بها وإن ذلك الاتجاه يكون بالإيمان والعمل السامي العطر الرائحة. ومن مناسكهم انهم يذبحون الذبائح للموتى ويجودون على الكاهن الأرمني بحسنات. واسم رئيسهم هازربد وهم يجتمعون في السنة مرتين أو أكثر. رجالا ونساء. شيباً وشباناً في مغارة مظلمة جداً. و. . .)
قلنا: إن كان هؤلاء أصلهم من الأرمن. فيجب القول أيضاً انهم يعرفون القراءة والكتابة وإن لهم وقوفاً على الآداب الأرمنية، وإن قيل الخلاف. وكذلك لو قلنا انهم يمتون إلى المجوسية الزرادشتية بنسبهم، والراجح انهم لا أرمن ولا مجوس في النجار. والمظنون أن اسمهم اريفربي (أي عباد الشمس) اسم جنس لا اسم دين ومذهب؛ لأن الأرمن الأقدمين كانوا يعبدون الشمس أيضاً. ومع ذلك لم يلقبوا بذلك اللقب. إن كان من أسماء الأديان. ويشهد على ذلك ما قاله البطريرك اوانيس تلغورانيس من أبناء القرن السادس عشر في بيت شعر له. ودونك معناه:
(لا تشمئز المرأة من الشمسي ولا من التركي ومن الأرمني. إنما إيمانها من تحته من البشر).
فهذا دليل على أن الاسم (اريفرتي) هو اسم جنس (عنصر) لا اسم دين أو نذهب.
الشهادة السادسة
الشهادة السادسة ترتقي إلى المائة الخامسة عشرة. وذلك ظاهر م كلام توما مدزوبتسي حين ذكر تيمورلنك فقال: (وخرب
стр. 5510
تيمور مدينة وأربع قرى للشمسيين الوثنيين ودونك أسماءها: شولن وشيماغاخ وصفاري ومراغة وهناك أسماء مدن آخر ليست بأرمنية وهي من مدن إيران فأتلفها تيمور عن آخرها إلاَّ أن هؤلاء الشمسيين كثروا في ماردين وديار بكر بعناية شيطانية.
الشهادة السابعة
الشهادة السابعة هي لدافيد سلاتصورتصي إذ يقول: (. . . والبابونج والهندباء تنظران الشمسي. إذ يتجه هذا الرجل إلى حيث تدور الشمس).
الشهادة الثامنة
الشهادة الثامنة لنيبهر، فقد قال في رحلته إلى العراق أو بين النهرين في سنة ١٧٦٦: (وينتمي الشمسية إلى أمة اليعاقبة، والظاهر انهم حافظوا على الدين الذي كان سائداً قبل الإسلام وقبل النصرانية في تلك الربوع. ولما أريد قتلهم لأنهم ليسوا من أصحاب الكتب المنزلة انضموا إلى اليعاقبة فراراً من الموت).
خلاصة بحثنا
هذا ما وجدناه مدوناً في أخبار الأرمن. وكان الشمسيون يطوون بساط أيامهم بين ظهرانيهم ولم نجد غيرهم ذكرهم أو تعرض لهم. ولابد أن هناك كتباً نوهت بهم غير ما ذكرناها؛ لكننا لم نقع عليها.
على انه اتضح لنا كل الاتضاح أن ما أفادنا به (هومزد فروش) (راجع لغة العرب ٧: ١٩٦ و١٩٧) كان صحيحاً؛ وإن في ديانة الشمسيين كثيرا من معتقد المجوس (أي اتباع زرادشت) وانهم حافظوا عليها منذ وجود أجداهم في تلك الديار، إذا كانت الزرادشتية سائدة
فيها. وكذلك قل عن الصابئية الحرنانية. وسبب إخفاء ديانتهم عمن حواليهم هو عدم وجود كتب منزلة يعترف بها اليهود والنصارى والمسلمون. وأنت تعلم إن المسلمين لا يعترفون إلاَّ بالتوراة ولزبور والإنجيل، ولا يعتبرون غيرها من الصحف الدينية، وكانوا يقتلون في القرون الوسطى كل من لا يدين بدين أثبته الشرع الإسلامي، وإليك
стр. 5511
ما جاء في كتاب الفهرست لابن النديم (ص ٣٢٠ من طبعة الإفرنج).
سبب إبادة المسلمين لغير أصحاب الكتب المنزلة
قال أبو يوسف إيشع (اليشع) القطيعي النصراني في كتابه في (الكشف عن مذاهب الحرنانيين) المعروفين في عصرنا بالصابة (بالصابئة): إن المأمون اجتاز في آخر أيامه بديار مضر، يريد بلاد الروم للغزو. فتلقاه الناس يدعون له، وفيهم جماعة من الحرنانيين، وكان زيهم إذ ذاك لبس الأقبية، وشعورهم طويلة بوفرات كوفرة قرة. جد سنان بن ثابت. فأنكر المأمون زيهم، وقال لهم: من انتم من الذمة؟ - فقالوا: نحن الحرنانية. فقال: أنصارى أنتم؟ - قالوا: لا. قال: أفيهود أنتم؟ - قالوا: لا. قال: فمجوس انتم؟ - قالوا: لا. - قال لهم: أفلكم كتاب. أم نبي؟ - فمجمجوا في القول. - فقال لهم: فأنتم إذن الزنادقة عبدة الأوثان، وأصحاب الرأس في أيام الرشيد والدي: وانتم حلال دماؤكم لا ذمة لكم. فقالوا: نحن نؤدي الجزية. فقال لهم: إنما تؤخذ الجزية ممن خالف الإسلام من أهل الأديان الذين ذكرهم الله في كتابه ولهم كتاب. وصالحه المسلمون عن (على) ذلك؛ فانتم ليس من هؤلاء ولا هؤلاء. فاختاروا الآن أحد أمرين. أما أن تنتحلوا دين الإسلام. أو ديناً من الأديان التي ذكرها الله في كتابه؛ وإلا قتلتكم عن آخركم فأني قد أنظرتكم إلى أن ارجع من سفرتي هذه. فان انتم دخلتم في الإسلام أو في دين من هذه الأديان التي ذكرها الله في كتابه، وإلا أمرت بقتلكم: واستئصال شأفتكم.
ورحل المأمون يريد بلد الروم فغيروا زيهم وحلقوا شعورهم وتركوا لبس الأقبية، وتنصر كثير منهم ولبسوا زنانير، واسلم منهم طائفة، وبقي منهم شرذمة بحالهم وجعلوا يحتالون ويضطربون حتى انتدب لهم شيخ من أهل حران فقيه. فقال لهم: قد وجدت لكم شيئاً تنجون به وتسلمون من القتل. فحملوا إليه مالاً عظيماً من بيت مالهم، أحدثوه منذ أيام الرشيد إلى هذه الغاية أعدوه للنوائب، وأنا اشرح لك أيدك الله السبب في ذلك.
فقال لهم: إذا رجع المأمون من سفره فقولوا له: نحن الصابئون. فهذا اسم دين قد ذكره الله جل اسمه في القرآن. فانتحلوه، فانتم تنجون به.
стр. 5512
وقضي أن المأمون توفي في سفرته تلك بالبذندون وانتحلوا هذا الاسم منذ ذلك الوقت، لأنه لم يكن بحران ونواحيها قوم يسمون بالصابة (بالصابئة). فلما اتصل بهم وفاة المأمون ارتد اكثر من كان تنصر، ورجع إلى الحرنانية، وطولوا شعورهم حسبما كانوا عليه قبل مرور المأمون بهم على انهم صابئون، ومنعهم المسلمون من لبس الأقبية لأنه من لبس أصحاب السلطان؛ ومن اسلم منهم لم يمكنه الارتداد خوفاً من أن يقتل؛ فأقاموا متسترين بالإسلام، فكانوا يتزوجون بنساء حرنانيات، ويجعلون الولد الذكر مسلماَ والأنثى حرنانية. وهذه كانت سبيل كل أهل ترعوز وسلمسين القريتين المشهورتين العظيمتين بالقرب من حران إلى منذ نحو عشرين سنة، فان الشيخين المعروفين بابي زرارة وأبي عروبة من علماء شيوخ أهل حران بالفقه والأمر بالمعروف وسائر مشايخ أهل حران وفقهائهم احتسبوا عليهم ومنعوهم من أن يتزوجوا بنساء حرنانيات، أعني صابئات. وقالوا: لا يحل للمسلمين نكاحهم لأنهم ليسوا من أهل الكتاب.
وبحران أيضا منازل كثيرة إلى هذه الغاية بعض أهلها حرنانية ممن كان أقام على دينه في أيام المأمون أو بعضهم مسلمون. وبعضهم نصارى ممن كان دخل في الإسلام، وتنصر في ذلك الوقت إلى هذه الغاية مثل قوم يقال لهم: (بنو ابلوط وبنو قيطران، وغيرهم مشهورين بحران) أهـ كلام ابن النديم.
فيرى من هذا جلياً أن سبب بعض الفرق الدينية هو خوفها من اضطهاد مجاوريهم لهم ولا سيما المسلمون. بل كانوا يخافون الموت لعدم وجود كتب بأيديهم تعتبر منزلة في نظر الغير. ولهذا كانت تلتجئ هذه الفرق أما إلى التكتم والتقية، وأما إلى احتلال الجبال وصياصيها. أو الديار البعيدة عن العمران والحضارة، يرى ذلك في الفرق النصرانية التي حينما كانت تضطهد في سورية وفلسطين كانت تلتجئ إلى الجبال المتوحشة أو إلى بعض ديار جزيرة العرب وذلك قبل الإسلام، حينما كانت تلك الجزيرة ميداناً تنزل فيه البدع والنحل وأنواع الشيع المتمزعة.
الخاتمة
هذا ما وصلت إلينا تتبعاتنا وتحققاتنا في هذا البحث. وإذا كان لأحد القراء ما يزيد الموضوع سعة، فليتفضل به علينا ونشكره عليه سلفاً.
стр. 5513
ونحن نكرر هنا شكرنا لحضرة الورتبيد الهمام والمحقق الجليل نرسيس صائغيان الذي لولاه لما وصلنا إلى شيء ولا من هذه التتبعات التاريخية، فهو الذي عربها لنا من المجلة الأرمنية وأملاها علينا.
وفي الختام نتعجب من أن معلمة الإسلام التي ينشرها المستشرقون الإفرنج خالية من هذا الموضوع الطريف. فقد جاء فيها ذكر الشمسية في مظنتها، لكن لا بالمعنى الذي عالجناه في السنة الماضية وفي هذه السنة، بل بمعنى طريقة من طرائق الدراويش اشتهرت باسم شمس الدين أبي الثناء احمد بن أبي البركات محمد السيواسي أو سيواس زاده الذي يعرف أيضاً باسم قره شمس الدين وشمسي وقد توفي في سنة ١٠٠٩هـ أو ١٦٠٠ أو ١٦٠١ م) إلى آخر ما قال، وليس له أدنى اتصال بما تعرضنا له.
فأنت ترى من هذا أن معلمة الإسلام ناقصة في أمور كثيرة معيبة أيضاً من عدة وجوه، وإن كان كتبتها من ابرع كتاب الغرب وأشدهم إمعانا في المباحث الشرقية.
تكملة لعبادة الشمس عند جاهلية العرب
قال نشوان بن سعيد الحميري في كتابه: (شمس العلوم. ودواء كلام العرب من الكلوم): إن عبد شمس من أسماء العرب: وأول من سمي بهذا الاسم سبأ الأكبر بن يشجب بن يعرب بن قحطان بن هود النبي ﵇، لأنه أول من عبد الشمس. وسمي سبأ، لأنه من سبا من العرب. قال فيه بعض أولاده:
ورثنا الملك من جد فجد ... وراثة حمير من عبد شمس
وقيل: الشمس: اسم صنم. . .) أهـ المطلوب من نقله.
وقال السيد مرتضى شارح القاموس: (أضيف (عبد شمس) إلى شمس السماء، لأنهم كانوا يعبدونها. وهو أحد الأقوال فيه. وقيل: إلى الصنم والنسبة عبشمي) أهـ - قلنا: ويسمى عابدها عندهم المشمس. قال في التاج (التشميس: عبادة الشمس. يقال: هو مشمس: إذا كان يعبدها؛ نقله الصاغاني.) أهـ
стр. 5514
وجاء في الأغاني (٣: ١٩١ من طبعة بولاق). (قال الزبير: قال أبو عمرو الشيباني: قال أبو بكر الهذلي: قال: قلت لعكرمة: ما رأيت من يبلغنا عن النبي، ﷺ ، انه قال لامية: آمن شعره، وكفر قلبه، فقال: هو حق. وما الذي أنكرتم من ذلك؟ - فقلت له: أنكرنا قوله:
والشمس تطلع كان آخر ليلة ... حمراء مطلع لونها متورد
تأبى فلا تبدو لنا في رسلها ... إلاَّ معذبة وإلا تجلد
فما شأن الشمس تجلد؟ - قال: والذي نفسي بيده: ما طلعت قط حتى ينخسها سبعون ألف ملك يقولون لها: أطلعي فتقول: أأطلع على قوم يعبدوني من دون الله؟ - قال فيأتيها شيطان حتى يستقبل الضياء، يريد أن يصدها عن الطلوع. فتطلع على قرنيه، فيحرقه الله تحتها.
(وما غربت قط إلاَّ خرت لله ساجدة، فيأتيها شيطان يريد أن يصدها عن السجود، فتغرب على قرنيه، فيحرقه الله تحتها. وذلك قول النبي ﷺ : تطلع بين قرني شيطان، وتغرب بين قرني شيطان.) انتهى.
لسان العصافير
وقع نظري الآن على المقال المنشور في مجلتكم لغة العرب الزاهرة، بعنوان (الزقزقة أو لسان العصافير). إن هذه اللهجة معروفة لا بل مشهورة في بغداد. يتكلم بها كثير من الرجال والسيدات، لا سيما أولئك الذين لا يحسنون إحدى اللغات الأجنبية. وقصدهم من ذلك أن يكتموا من الغريب موضوع خطابهم ويقال لهذه اللهجة لسان العصافير أو لسان الطير.
وتختلف اللهجة حيناً بإقحام الزاي بين كل مقطعين من مقاطع الكلمة. ومنهم من يقحم الفاء عوضاً عن الزاي وربما أقحموا بدلهما غيرهما من الحروف كالراء.
وقد سمعت هذه اللهجة منذ طفولتي من والدتي. ومن غريب المصادفات زرت أمس الغابر إحدى العائلات المحترمة وكانت سيدتان تتكلمان (لسان الطير) على سبيل التفكهة. وكان اللفظ المقحم (الفاء).
بغداد في ٣١ - ١ - ٣١:
يوسف غنيمة
стр. 5515
أيتها الطبيعة !
للأستاذ جميل صدقي الزهاوي
لقد كان منك إليك السبيل ... فما أزعج الراحلين الرحيل
رحيل الشعور إلى اللاشعور ... وذلك لا لام هذا مزيل
وليس أمام الرحيل زماع ... وليس وراء الرحيل قفول
ليس طريق الردى موعرا ... فيتعب صاحبه أو يطول
يزول الفتى وشعور الفتى ... ويبقى هنالك ما لا يزول
لانت الحياة تحول سريعاً ... وأنت البوار الذي لا يحول
وصوتك عذب على كل سمع ... ووجهك في كل عين جميل
стр. 5516
وأنت لنا في البداية أم ... وأنت لنا في النهاية غول
نهار لمن هو يحيا تصير ... وليل لمن هو يردي طويل
ظهور وبعد الظهور خفاء ... طلوع وبعد الطلوع أفول
حارب بعضك للفوز بعضاً ... وأنت الدروع وأنت النصول
وما الحزم في القلب إلاَّ هدى ... ولا العقل في الرأس إلاَّ رسول
وان الحياة إذا أعوزت ... ينازع فيها الشباب الكهول
بأيدي الفريقين منهم سيوف ... (بها من قراع الدروع فلول)
وللحي دون الهلاك بقاء ... ولكن هذا البقاء قليل
وبين العيون على قربها ... ووجه الحقائق ستر يحول
ألا ليت شعري ماذا أرى ... إذا ارتفعت لي عنها السدول
حقائق قد أعجزت كل رأس ... واعجز ما في الرؤوس العقول
أليس هنالك من ومضة ... أكل مقاربة مستحيل
إذا نكل المرء عن ظنه ... فليس يعاب عليه النكول
تؤول حياتي بعد الردى ... ولكن إلى أي شيء تؤول
أسير بليل من الشك داج ... على ضوء عقل وهو ضئيل
وأن الطبيعة في سيرها ... لها سنن ليس عنها حويل
وما الكون اجمع إلاَّ أسير ... وهذي النواميس إلاَّ كبول
إذا ما شكا الشيخ طول سنيه ... فهل هو من طولهن ملول
رأيت ضحى اليوم محلولكا ... فإذا عسى أن يكون الأصيل
وأرسل طرفي إلى ما بقربي ... فيرجع طرفي وهو كليل
ومما تفاوتت الناس فيه ... حظوظ تنال وأخرى تنيل
стр. 5517
هناك منازل في البعض منها ... هتاف وفي البعض منها عويل
وأحقر بفسل يضام فيبقى ... مقراً على الضيم وهو ذليل
وأكرم بحر له مهجة ... على غير حد الظبا لا تسيل
سيبقى على جهله جيلنا ... ومن بعد ذلك جيل وجيل
وقاطعني كل من كان حولي ... فأصبح بالناس رأيي يفيل
ولم يبق بي سائلا غير صحبي ... على أن خطبي بصحبي جليل
وأن الحفير لا خر بيت ... به يجد الراحتين النزيل
وليس ثقيلا على ميت ... تراب على الوجه منه مهيل
وصيرني مبغضاً للحيا ... ة داء بعظم نخاعي وبيل
فيا موت أنت سبيل السلام ... وأنت لمثلي نعم السبيل
سيبقى شقائي بقاء حياتي ... فان هي زالت فهذا يزول
وما من بقاء لمن هو حي ... من الهالكين تباعاً سليل
على أن ظن الفتى جزؤه ... فليس يغير منه الدليل
أقول لمن هم يبغي انتحاراً ... وفي قلبه اليأس نار أكول
تريث فان الذي تبتغيه ... سيأتيك من نفسه يا عجول
وان الزمان بتحقيق ما ... لك اليوم لم يتحقق كفيل
وأني تحملت عبء الحياة ... على أن عبء الحياة ثقيل
كأني إذا حم موتي عان ... على رأسه سل سيف صقيل
وأني لسمح بكل عزيز ... ولكنني بحياتي بخيل
وأني على كبرتي هذه ... أود لو أن بقائي يطول
стр. 5518
من كلام الجاحظ
هذا كلام للجاحظ في كتابه (المعنون بالأخبار) نقله عنه الإمام المهدي لدين الله احمد بن يحيى في كتابه (المنية والأمل) قال:
قال الجاحظ أن الناس يخصون الدين من فاحش الخطأ وقبيح المقال ما لا يخصون به سواه في جميع العلوم والأداء والآداب والصناعات. إن الفلاح والصانع والنجار والمهندس والمصور والكاتب والحاسب من كل أمة وملة لا تجد بينهم من التفاوت في العقل والصناعة ولا من فاحش الخطأ وإفراط النقص كالذي تجده في أديانهم وفي عقولهم عند اختبار الأديان. والدليل على ما وصفت لك أن الأمم التي عليها المعتمد في العقل والبيان والرأي والأدب والاختلاف في الصناعات أربع: العرب والهند والروم والفرس. ومتى نقلتهم من الدنيا إلى علم الدين حسبت عقولهم مختبلة وفطرهم مسترفة كالعرب فأنها مخصوصة بأجود البيان الذي ليس كمثله بيان واللغة التي ليس مثلها في السعة لغة وقيافة الأثر مع قيافة البشر وليس في الأرض قوم غير العرب يرون المتباينين في الصورة المتفاوتين في الطول والقصر المختلفين في الألوان فيعلمون أن هذا الأسود ابن لهذا الأبيض وهذا الطويل ابن لهذا القصير وهذا القبيح عم هذا المليح. وللعرب الشعر الذي لا يشاركهم فيه أحد من العجم. وقد سمعت للعجم كلاماً حسناً وخطباً طوالاً يسمونه أشعاراً فأما أن لهم شعراً له اعاريض معلومة وأوزان معروفة إذا نقص منها أو زاد حرف أو تحرك ساكن أو سكن متحرك كسره وغيره فليس يوجد ذلك إلاَّ للعرب خاصة دون غيرهم وليس في الأرض قوم عني بذم جليل القبيح ودقيقه وبمدح دقيق الحسن وجليله مثل العرب حتى لو جهد أفطن البريئة واعقل الخليقة أن يذكر معنى لم يذكروه لما أصابه.
وللعرب من صدق الحس وصواب الحدس وجودة النظر وصحة الرأي ما لا يعرف لغيرهم ولهم العزم الذي لا يشبههم فيه عزم والصبر الذي لا يشبهه صبر والجود والأنفة والحمية التي لا يدانيهم أحد فيها ولا يتعلق بها رومي ولا
стр. 5519
هندي ولا فارسي بل هذه الأمم كلها يخالف العرب. ثم لهم من بعد الهم والطلب بالطوائل ما ليس لغيرهم مع المعرفة بمساقط النجوم والعلم بالأنواء وحسن المعرفة مما يكون منها للاهتداء ولهم حظ العربية مع الحفظ
لأنسابهم ومحاسن أسلافهم ومساوئ اكفائهم والتعيير بالقبيح والتفاخر بالحسن ليجعلوا ذلك عوناً لهم على اكتساب الجميل واصطناع المعروف ومزجه لهم عن إتيان القبيح وفعل العار ليؤدبوا أولادهم بما أدبهم به آباؤهم ثم الحفظ الذي لا يقدر أحد على مثله وان دونه وخلده في كتبه لا تصاب إلاَّ فيهم وذلك أن العي والبيان في كل قوم منثور متفرق ولست ترى واحداً في البادية غبياً رأسا ً على انهم وان تفاوتوا في البيان فليس بمخرج أخسهم إلى العي. وفيهم أيضاً خصلة لا تصاب إلاَّ فيهم وذلك أن سفلة كل جيل وغفلة كل صنف إذا أشتد تشاجرهم وطالت ملاخاتهم وكثر مزاحهم والدعابة بينهم وجدتهم يخرجون إلى ذكر الحرمات وشتيمة الأمهات واللفظ السيئ والسفه الفاحش ولست بسامع من هذا حرفاً في البادية لا من صغيرهم ولا من كبيرهم ولا جاهلهم ولا عالمهم وكيف يقولون هذا والحيان منهم يتفانيان في دون ذلك. وليس في الأرض صبيان في عقول الرجال غير صبيانهم وكل شيء تقوله العرب فهو سهل عليها أو كطبيعة منها وكل شيء تقوله العجم فهو تكلف واستكراه. وللعرب البديهة في الرأي والقول خاصة ولهم الكنى في الأسماء خاصة وقد زعم قوم من الفرس أن فيهم الكنى واحتجوا بقول عدي بن زيد:
أين كسرى وكسرى الملوك أبو سا ... سان أم أين قبله سابور؟
وليس كذلك إنما كناه عدي بن زيد على عادته حين أراد تعظيمه أن صحت رواية هذا البيت فأما أبو عمرو بن العلاء ويونس النحوي وأبو عبيدة فرووا جميعاً أن عدياً قال:
أين كسرى وكسرى الملوك أنو شر ... وان أم أين قبله سابور؟
فاخطأ الراوي الرواية وقيل ذلك عنه من لا علم له وليس في الأرض عجمي له كنية إلاَّ أن تكنيه العرب.
قال الجاحظ وهم ما حكيت لك من حجة العقل وكرم الطبيعة وحسن البيان
стр. 5520
وسعة المعرفة وجودة الرأي وشدة الأنفة يعبدون الحجارة ويحلفون بها ويتحامون كسرها وينكسون لها ويدعونها آلهة ويخاطبونها ولا يتجبرون عليها وينكرون على من ينقصها ثم مع ذلك ربما رموا بها واتخذوا سواها ثم كانوا يرون أن الرجل منهم إذا مات فلم يأخذ ولية بعيره فيحفر له حفرة ثم يقيده على شفيرها ويطرح برذعته على وجهه ورأسه ثم لا يسقيه ولا يعلفه حتى يموت. إن ذلك الرجل الميت يجيء يوم القيامة حافياً راجلاً فإذا فعل ذلك أتى راكباً
وذلك البعير يسمى البلية. قال ابن مقبل: كالبلايا رؤوسها في اللوايا. وقال آخر:
منازل لا ترى الأنصاب فيها ... ولا حفر البلايا للمنون
ويقولون أيما رجل قتل فلم يطلب وليه بدمه خلق من دماغة طير يسمى هامة فلا يزال يزقو على قبره وينعى إليه حتى يبعد قال شاعرهم:
فان تك هامة بهراة تزقو ... فقد أزقيت بالمروين هاما
ومن ثم كانوا يستسقون للميت وكانوا يقولون أيما شريف قتل فوطئته امرأة مقلات، عاش ولدها. قال بشر بن أبي حازم الأسدي:
تظل مقاليت النساء بطأنه ... قلن ألا يلقى على المرء مئزر
وكانوا يقولون أن الرجل إذا ملك ألفاً من الإبل أن السواف يأتي على ابله فيفقأ عين الفحل فان زادت على ألف فقأ عينيه جميعاً فذلك المفقأ والمعمى قال الشاعر:
فقأت لها عين البعير تفقداً ... وفيهن زعلا المسامع والجرن (كذا)
وكانوا إذا أجدبت بلادهم، فأرادوا الأستمصار، اخذوا بعيراً أورق، فشدوا في أذنيه العشر، والسلع، وصعدوه في الجبل وأشعلوه في أذنيه النار، ودعوا وتضرعوا ويزعمون انهم أن لم يفعلوا ذلك، لم يستجب الله منهم
وكانوا، إذا وقع العرفي الإبل، يأخذون بعيراً سليماً لا عيب فيه فيقطعون مشفره ثم يكوونه ليذهب العر عن سائر الإبل وإلا فشافيها. قال النابغة:
وحملتني ذنب امرئ وتركته ... كذي العر يكوى غيره وهو راتع
وكان الرجل منهم إذا غزا، عقد خيطاً في ساق شجرة، إذا رجع ورآه منحلا
стр. 5521
فقد خانته قعيدته بزعمهم، وان رجع ووجده بحاله، فقد حفظت نفسها له. قال الشاعر:
هل ينفعنك اليوم أن همت بهم ... كثرة ما توصي وتعقاد الرتم
والرتمة: اسم الخيط بعينه.
وكانوا يقولون: إذا احب الرجل المرأة وأحبته، فان لم يشق عليها برقعها وتشق عليه رداءه، فسد حبهما، وان فعلا ذلك دام حبهما. قال عبد بني الحسحاس:
وكم قد شققنا من رداء ومئزر ... ومن برقع عن طفلة غير عانس
إذا شق برد شق بالبرد مثله ... دواليك حتى كلنا غير لابس
هذا مع إيمانهم بالعدوى والجن، وتكون الغيلان، وان الجن هي التي طردت أهل وبار عن ديارهم، وصارت الجن سكانها فليس بها إلا الجن والوحش.
ومع مذهبهم في الحام والبحيرة، والوصيلة، والسائبة، وسيأتي تفسيرها. وأمور كثيرة لا يحتاج إلى ذكرها، وإنما أردنا أن تعرف الناس التفاوت ما بين حال العاقل في دنياه ودينه، فإذا صار إلى التكذيب والتصديق. والإيمان والكفر، صار إلى غير ذلك الذي كان عليه من التمييز.
قال الجاحظ: ثم ملنا إلى الهند، فوجدناهم يقدمون في الحساب والنجوم، ولهم العلم الهندي خاصة، ويقدمون الطب، ولهم أسرار الطب، وعلاج فاحش الأدواء خاصة، ولهم خرط التماثيل، ونحت الصور، مع التصوير في الأصباغ وكوى المحاريب وأشباه ذلك.
ولهم الشطرنج، وهو اشرف لعبة، وأكثرها تدبيراً.
ولهم صنعة السيوف الهندية.
ولهم الكنككة وهي وتر واحد على قرعة، فيقوم مقام العود والضنج.
ولهم ضروب الرقص والخفة.
ولهم الثقافة خاصة.
стр. 5522
ولهم السحر والترصد والخطب الطوال.
ولهم الرأي والنجدة والصبر، وليس لأحد من الصبر ما لهم،
ولهم الأخلاق المحمودة والسواك والخضاب.
وهم مع ما ذكرنا أصحاب بددة وهي جمع بد. والبد الصنم، ينحتونها بأيديهم ثم يعبدونها ويجعلون لهم بيوتاً كمساجد المسلمين، وفيها بنات رؤسائهم موهوبة لتلك البددة على وجه التقرب بها، والنذر، والكفارات، وتلك النساء واقفة للفساد والفجور يأمرها أهلها بذلك. ويرون أن لهم فيه أجراً عظيماً. ولهم عباد ورهبان متجردون عن اللباس يدعون الزهد في الدنيا، لا يمسون الماء ويتبركون بأوساخهم، ويختبرونهم بتلك النساء وملاعبتها، فمن اشتاق من أولئك العباد إلى تلك النساء. وهاج فقد كفر كفراً عظيماً؛ واتى بأعظم منكر، وألحقوه أنواع العذاب والنكال، وقتلوه. هذا في الزهاد خاصة، فأما غيرهم منهم، فلا ينكرون عليه الفجور بتلك النساء، وإذا اشتاق الهنود إلى زيارة موتاهم، أضرموا النيران،
وحملوا معهم الهدايا واللطائف، وتضمخوا بالصندل وتكفنوا، ورموا بأنفسهم في تلك النيران، ويزعمون انهم يرجعون إلى أهليهم إذا قضوا وطراً من زيارة موتاهم. وهذا عجيب في جميع الهنديين، إذ يرى دقة النظر في دنياهم وجهالاتهم في دينهم.
قال الجاحظ: ثم ملنا إلى الروم فوجدناهم أطباء وحكماء ومنجمين ولهم أصول اللحون وصنعة القرسطون.
وهم الغايات في التصوير، يصور مصورهم الإنسان، حتى لا يغادر شيئاً، ثم لا يرضى بذلك حتى يصوره شاباً، وان شاء كهلا، وان شاء شيخاً، ثم لا يرضى بذلك حتى يصوره باكياً، أو ضاحكاً، ثم لا يرضى بذلك حتى يجعله جميلا ناعماً، عتيقاً، ثم لا يرضى بذلك حتى يفصل بين ضحك الشامت، وضحك الخجل، وبين المتبسم والمستعبر، وبين ضحك السرور، وضحك الهازئ وضحك المتهدد، فيركب صورة في صورة، وصورة في صورة، وصورة في صورة.
ثم لهم في البناء ما ليس لغيرهم، ومن الخرط، والنجر، والصناعة، ما ليس
стр. 5523
لسواهم ثم هم مع ذلك أصحاب كتاب وملة، ولهم من التدقيق في المكيدة ما ليس لغيرهم. ثم هم مع ذلك أجمع يرون أن الإلهة ثلاثة: بطن اثنان (كذا) وظهر واحد (كذا)، كما لابد للمصباح من الدهن والفتيلة والوعاء، فكذلك جوهر الآلهة. فزعموا: إن مخلوقاً استحال خالقاً، وان عبداً تحول رباً، وان حديثاً انقلب قديماً، إلا انه قد قتل. وصلب بعد هذا، وفقد (كذا) وجعل على رأسه إكليل الشوك، ثم أحيا نفسه بعد موته. وإنما أمكن عبيده من أخذه وأسره وسلطهم على قتله، وصلبه ليؤاسي أبناءه بنفسه، وليحبب إليهم التشبه به، وليستصغروا جميع ما صنع بهم (كذا)، ولئلا يعجبوا بأعمالهم فيستكثروها لربهم، فكان عذرهم اعظم من جرمهم. فلولا أنا رأينا بأعيننا، وسمعنا بآذاننا لما صدقنا، ولا قبلنا أن قوماً متكلمين، وأطباء، ومنجمين، ودهاة، وحساباً، وحذاق كل صنعة، يقولون في إنسان رأوه يأكل ويشرب، ويبول، وينجو، ويجوع، ويعطش، ويكتسي، ويعرى، ويزيد، وينقص، ثم يقتل بزعمهم ويصلب. إنه رب خالق، وانه قديم غير محدث، يميت الأحياء، ويحيي الموتى، وان شاء. . . في الدنيا، ثم يفتخرون بقتله. . . اليهود. (كذا. وفي هذه العبارات العائدة إلى الروم كلام مغلق غير واضح ولا متسق. وما كان منقطاً هو محذوف في الأصل. ل، ع)
قال الجاحظ: ثم ملنا إلى فارس، فوجدنا هناك العقول التي لا تبلغها عقول، والأحلام التي لا تشبهها احلام، والسياسة العجيبة. والملك المؤيد بتدبير الأمور، والعلم بالعواقب، ثم كانوا مع ذلك يغشون الامهات، ويأكلون الميتة، ويتوضأن بالأبوال، والماء موجود عندهم، ويعظمون النار، وهم أظهروها، وإن شاءوا أطفأنها. ويقولون أن الله كان وحده لا شيء معه،
стр. 5524
فلما طالت وحدته استوحش؛ فلما استوحش فكر فلما فكر تولد من فكرته اهرمن، وهو ابليس، فلما مثل بين يديه أراد قتله، فلما أراد قتله امتنع، فصالحه إلى أجل معلوم، وأودعه إلى مدة مسماة، على أن لا يمتنع عليه إذا استوفى الاجل، وبلغ المدة، ثم أن اهر من نوى الغدر، وذلك لهيمنته فانشأ يخلق أصناف الشر، يستمد بها عليه، فلما عرف بذلك منه، أنشأ أصناف الخير، ليضع بازاء كل جند جنداً، وله بعد ذلك فضل قوته، وانه يسمى القديم دونه.
ثم قالوا في قسمة العوالم عندهم، وفي أسمائها وجواهرها، وهيئاتها، وفي خلق مهنه ومهينه وهو آدم وحواء، وفي لسومن المنتظر عندهم، ما لا يستطيع وصفه أحمق منقوص. ولا عالم تام، ولو جهد كل جهده، واستفرغ كل قوته.
قال الجاحظ: ووجه آخر يستدل به على قلة عناية الناس بأكثر (كذا، ولعلها بأمر) الدين وأن شأنهم تعظيم الرجال، والاستسلام للمنشأ، والذهاب مع العصبية والهوى، والرضا بالسائق إلى القلوب؛ واستثقال التمثيل، وبغض التحصيل، ما نجد من اعتقاد أكثر البصريين، وسوادهم، لتقديم عثمان بن عفان، ومن اعتقاد أكثر الكوفيين لتقديم علي بن أبي طالب (ع) ومن اعتقاد أكثر الشاميين لدين بني امية، وتعظيم عثمان، وحب بني مروان أهـ.
زنجان (إيران) في ٧ ربيع الآخر ١٣٤٨:
أبو عبد الله الزنجاني
(لغة العرب) تأخر نشر هذه المقالة لوقف الجزءين الأخيرين من هذا المجلة على الفهارس ولإتمام ما كان حضرة الدكتور داود بك الجلبي قد بعث به إلينا من رسائل الجاحظ.
فنطلب المعذرة من حضرة صديقنا الجليل الشيخ أبي عبد الله.
стр. 5525
جامع سراج الدين وترجمة الشيخ
-
جاء في ص٤١ من تاريخ مساجد بغداد عن هذا المسجد (وهو من مساجد بغداد القديمة واقع في محلة الصدرية قرب محلة الشيخ عبد القادر الجيلي وهو واسع المصلى فسيح الساحة رصين البناء مشيد الأرجاء على مصلاه قبة عظيمة وحولها مئذنة شامخة وفيه خطيب وأمام ومؤذن وخدام. . .)
(وقد جدد عمارته والي ولاية بغداد حسين باشا عام ١١٣١ وزخرف قبر الشيخ سراج الدين المدفون في هذا الجامع على ما نطق به التاريخ المنقوش في لوح المرمر الذي على القبر وهذا نصه:
(بسم الله الرحمن الرحيم، هذا مرقد الشيخ سراج الدين - ق - العزيز عمره آصف الزمان وخلاصة وزراء آل عثمان والمشار إليه بالبنان والي ولاية بغداد دار السلام الوزير المعظم والمشير المفخم أبو الخيرات حسن باشا أطال الله عمره وأبقاه ويسر له من الخير ما شاءه وارتضاه، ذلك سنة إحدى وثلاثين ومائة وألف للهجرة) وأوصل إلى الجامع ساقية من ماء دجلة وانشأ فيه سقاية يشرب منها المارون. والشيخ سراج الدين هذا من رجال الصوفية وله ذكر في كتاب: (تاريخ أولياء بغداد) وليس في هذا المقدار ما يوضح لمتطلع الأسرار ودونك ما كتبه قلمنا القاصر في ترجمة الشيخ سراج الدين:
ترجمة السيد سراج الدين
هو محمد سراج الدين على ما جاء في صدر كتابه. (صاحب الأخبار في نسب السادة الفاطمية الأخيار) أبن السيد عبد الله الرفاعي الوالد، المخزومي الوالدة.
وقد جاء في ص ١٠٩ من كتابه المذكور (أعقب سيدنا السيد الوالد عبد الله نجم الدين المبارك - رض - جامع هذا المختصر الفقير إلى الله تعالى، محمد سراج الدين من الست سعدية بنت الأمير عبد الرحمن المخزومي صاحب
стр. 5526
نجد) وقال في المقدمة: (والدتي الحسيبة النجيبة سعدية المخزومية بنت الأمير عبد الرحمن المخزومي صاحب أبن خالد الملقب لجوده بالسحاب ابن سليمان أبي المعالي بن محمد المعروف بابن الرئيس ابن الحاج جعفر أبي علي الرئيس المنيعي ابن سعيد بن حسان بن محمد بن محمد بن عبد الله بن محمد بن
منيع بن خالد بن عبد الرحمن بن خالد) وكان - رحمه الله تعالى - طعاناً. فقد جاء في ص ١٩ من هذا الكتاب قوله في كتاب الثبت المصانبذكر سلالة سيد ولد عدنان (لسلامة مؤلفه من ضغائن الرافضة)، وفي ص ٤٩ (وقد عني أهل البيت ﵈ في إفرادهم المكرمين وأئمتهم الطاهرين إمامة معنوية لا كما عناها الرافضة وهي الإمامة التي عناها جحاجحة الصوفية ووسموها بالقطبية الكبرى والغوثية العظمى والإمامة الجامعة وقالوا لصاحب مرتبتها الغوث والقطب وقطب الأقطاب) وسنذكر بعد هذا شيئاً من طعنه فتأمله في خلال الكلام.
وهو يعتقد أن للأئمة تصرفاً في أجزاء الكون كما أعتقد الكشفية من غلاة الشيعة أن للإمام تفويضاً من الله تعالى في بعض الأمور ويدل عقيدته قوله بعد ما تقدم: (أعني القطب الغوث يتصرف في ذرات الأكوان وصاحب خلافة الظاهر ذرة منها. وروي العارفون من سلف أهل البيت أن الإمام الحسين لما أنكشف له في سره تدلي الخلافة الروحية التي هي الغوثية والإمامة الجامعة فيه وفي بنيه على الغالب أستبشر بذلك وباع في الله نفسه على أن الحجة المنتظر الإمام المهدي ﵇ من ذريته الطاهرة) فهو يعتقد ظهور المهدي كالأمامية والمعتزلة. وقوله الأخير في الحسين - ع - ونهضته، ينقض مؤاخذته الرافضة على قولهم أن الإمامة جوهرية معنوية لأن الخلافة الروحية لا تستوجب سل السيوف ولا خوض الحتوف فتأمل ذلك - رعاك الله - وشر القول ما نقض نفسه.
стр. 5527
ويؤكد اعتقاده ظهور المهدي قوله كما جاء في ص ٥٦ (فالحسن العسكري أعقب صاحب السرداب الحجة المنتظر ولي الله الإمام محمد المهدي)
ومن انتقاده ابن عقبة صاحب عمدة الطالب قوله كما في ص ٧٨: (ومن النقول السابقة واللاحقة يتضح لكل ذي عقل قبح فرية النجفي ووسيته (كذا لعلها ودسيسة) وفضيحة ابن عقبة صاحب عمدة الطالب باتباعه له) وفي ص ٧٦ (انتهى ما خلطه النجفي من خرافته وتبعه على ذلك ابن عقبة لحماقته وجهله) وفي ص ٨٣: (والقصد من ذكر هذه المباحث رد أكاذيب الرافضة عليهم وتنبيه من اتبعهم كابن عقبة أخذاً بدسيستهم عن غير (كذا) بغياً واتباعاً لزمرة الغي) قلنا: ولا غرابة في رده من يدعون انه دعي لا علوي فالمرء حريص على مراده. وكان يقول الشعر فمن قريظة يمدح السيد أحمد الرفاعي - رض - قوله كما
في ص ٩١:
برقعتك العناية الأزلية ... يا رفاعي بالبرود السنية
غزلها من وشيج نور كريم ... نسجته الأصابع الصمدية
وتدلت إليك طي تراث ... عن علي والبضعة النبوية
شدت بالمشرقين بيتاً رفيعاً ... حسدته الكواكب الذرية
ملا المغربين عرفاً زكياً ... وكذا نفحة الأصول الزكية
وعلى منبر الكلام خطيباً ... قمت تهدي للأمة الأحمدية
راقبتك القلوب تطلب فيضاً ... من فيوضات قلبك القدسية
واكثر ما في كتابه صحاح الأخبار منقول من عمدة الطالب في انساب آل أبي طالب لابن عقبة أو عنبة أو عتبة لكنه لم يشر إلى ذلك وقد علمنا أن مراده بالكتاب إثبات علوية الرفاعي أحمد - رض - والجيلي عبد القادر - رض - وأعقاب خالد بن الوليد. فأما إثباته الأول فلأنه جده لابيه، وأما الأخير فلأنه جده لامه. قال في أول الكتاب المذكور (فخالد أعقب محمداً وعبد الرحمن وسليمان ولكلهم ذرية. وأما ما رواه العلامة ابن الأثير الموصلي في تاريخه من انقراض عقبة وان النسابين أجمعوا على ذلك فهفوة مؤرخ لا يعبأ بها على إن إجماع النسابين على أن لا عقب له في المدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام
стр. 5528
وهذه الكلمة التي أوهمت ابن الأثير ﵀ وقال بانقراض الذرية الخالدية بلا تؤدة ومثله ما حكاه العدواني ﵀ ولا ريب لدى عامة المحققين من النسابين كابن السمعاني وعبد الغافر وغيرهما في أن عقب سيدنا خالد منتشر في الشام ونجد والعراق ومنهم بمرو الروذ وبلاد الأفغان وهم ألوف مؤلفة وصفوف مصففة وعصائب وافرة بادية وحاضرة) أهـ.
ومما عثرنا في كتابه صحاح الأخبار قوله كما في ص ١٠٢ (السيد مصلح الدين نزيل بنديج المندلي من أعمال بغداد) وفي ص ١٠٣ (فأما السيد ملك سافر (كذا) العراق وسكن بندنيج المندلي من أعمال بغداد وأعقب بها ذرية) فهذا طور من أطوار تحول البندنيجين وفي ص ١٠٦ (باماسية بلدة في الانادول الأقصى) وفي ص ٢١ (إن مولانا أباه السيد شمس الدين محمداً اجتمع بأم عبيدة على السيد الجليل مؤيد الدين أبي النظام عبيد الله لقيب
واسط) فقد استعمل (اجتمع عليه) وكررها ص ١١ وفي ص ١٢٣ قول عبد السلام العباسي: (فقمت مندهشاً) من الاندهاش. وقول أبيه السيد عبد الله كما في ص ١١١: (فاللازم عليه أن يفارقه) وسافر سراج الدين إلى الشام كما ذكر في كتابه والى مصر كما في ص ١١٨ وأعقب أولاداً قال عنهم في خلال كلامه: (وقد رزقني الله فضلا منه وكرماً أولاداً موفقين على الكتاب والسنة راضين باليسير يذكرون الله ولا يعتمدون على غيره، وهم أحمد ومصلح الدين ومحمود وأمهم السيدة الطاهرة مريم بنت السيدة بركات الموسوي الحسيني وكانت قانتة خاشعة، ومحمد ملاذ وعلي تاج الدين ومحمد وبدر الدين وموسى وأمهم الشريفة سعدية بنت الشيخ الصالح محمد بن الشريف العابد علي بن عبد الوهاب الحيالي القادري من آل الشيخ الجليل القطب عبد القادر الجيلي - رض - وكانت قانعة جيدة الخلق دينه صالحة رحمها الله، وشرف الدين صالح وأمه أم النصر علوية بنت السيد شعبان الرفاعي وهي في الحياة ذات دين، وقطب الدين محمد وبديعة التي سبق ذكرها وأمهما الخاشعة الزاهدة العارفة بالله حسيبة بنت الشيخ أبي بكر الأنصاري العارف.
فلأحمد: سليمان وحده، ولمصلح الدين: أحمد الرفاعي وإبراهيم، ولمحمود: سعد الدين وحده. ولمحمد ملاذ: أبو النصر بركات، ولعلي تاج الدين: رجب
стр. 5529
وسلامة وعلي المهذب. ومحمد وبدر الدين اعزبان؛ وموسى كذلك أعزب، ولشرف الدين صالح: عز الدين أحمد وأم الخير وفاطمة وأم كلثوم، ولقطب الدين محمد: يحيى أبو السعود.
وللشيخ سراج الدين غير صحاح الأخبار كتاب (البيان في تفسير القرآن) و (سلاح المؤمن في الحديث) و (النسخة الكبرى في ما خاض أهل العلم الحرف) و (جلاء القلب الحزين) في التصوف وغير ذلك؛ عرفنا هذه الكتب من آخر كتابه صحاح الأخبار ففيه ترجمة مختصرة للطابعين وجاء فيها (وسكن آخر عمره بغداد حتى مات بها - رض - سنة خمس وثمانين وثمانمائة وله من العمر اثني (كذا) وتسعون سنة) وفي وسطها (ولد السيد سراج الدين - رض - سنة ثلاث وتسعين وسبعمائة بواسط العراق) وما جئنا به يصلح أن يكون مختصر ترجمته والله ولي التوفيق.
مصطفى جواد
البسذ والمرجان
البسذ (كسكر) المرجان. معرب. (القاموس) وفي مفردات ابن البيطار: بسذ هو القورل (وفي النسخة المطبوعة العزول وهو غلط)، وهو المرجان أيضاً. أهـ وفي محيط المحيط للبستاني البسد (بفتح الباء والدال المهملة) ويسمى القزول (كذا بهذا التصحيف الشنيع) وهو اسم لأصل المرجان وفرعه. وبعضهم يسمي الجميع بالمرجان. وبعضهم يقول المرجان أصل. والبسد فرع. وقوم يقولون العكس. وهو المشهور - أهـ - قلنا: والصواب أن اليسذ (كسكر وبذال معجمة وفي لغة هي إهمال الدال) هو ما يقابله بالفرنجية ليثودندرون ومعناه الشجرة المتحجرة وهي شجرة المرجان. وأما المرجان فهو فليحفظ للتحقيق والتدقيق.
стр. 5530
العمارة والكوت
عود على بدء
كتب الأديب الفاضل رزوق عيسى في (هذه المجلة ٨: ٧٨٥) سطوراَ عن الكوت مستنداً فيها إلى فريزر في كتابه المطبوع في سنة ١٨٤٣ (١٢٥٨هـ) أراد بذلك أن يؤيدني في أن اسم الكوت هو (كوت العمارة) وقد صور الاسم بالحروف اللاتينية مع علامة ملقاة على حرف ليقرأ عيناً. وإذ لم يشرع الإفرنج - على ما أظن - ولاسيما غير المستشرقين باستعمال هذه العلامة وأمثالها إذا ذاك ولم يكن بيد الكاتب إلاَّ الطبعة الثانية التي كانت في سنة ١٩٢٤ على ما يبين من كلامه فالذي يتبادر البال إليه أن الكلمة في الطبقة الأولى غفل من هذه العلامة الفارقة. وإذا جاءت في الطبعة الثانية فللمعترض أن يقول أنها وضع ادخلها الناشر الأخير ولاسيما أن فريزر نفسه قد ذكر الكوت بغير علامة بصورة في كتاب المسمى رحلة في كردستان وما بين النهرين المطبوع في سنة ١٨٤٠ (٢: ١٢٢) لذلك كان النص الذي أورده الكاتب لا ينتفع به من الوجهة التي قصدها إلاَّ إذا بانت في الطبعة الأولى تلك العلامة على حرف ومع هذا فان النص لا يخلو من فائدة لم يتوخها الكاتب فقد جاء مؤيداً أن دجلة من الكوت فنازلا اسمها العمارة. وأني
وقد ذكرني ذلك بما كتبه ريج المقيم البريطاني في كتاب حاو رحلاته (٢: ١٦٥) في تاريخ ١٤ أيار سنة ١٨٢١ (١٢٣٧هـ) وهاأنذا أضيف ما قاله معرباً إلى ما أوردته سابقاً وهذا قوله:
(فقدمنا إلى في الساعة الثامنة وقد شيدت هناك قلعة
стр. 5531
صغيرة من الطين وقرية جديدة بقربها تحت القديمة بقليل وهي بازاء فوهة الحي (شط الحي - الغراف).
(وهنا خمسة بلوكات من عقيل العرب مرابطة تستوفي ضريبة على كل سفينة.) أهـ
وجاء في آخر كتاب ريج ملحقات له جاء في أحدها (٢: ٣٨٥هـ) وصف سفره من بغداد إلى البصرة في آذار سنة ١٨١١ (١٢٢٦هـ) وفي ذلك قوله:
(وصلنا عند الغروب (٢٤ آذار) إلى وقد علمنا أن السير في الحي (شط الحي) غير ممكن لقلة عمق الماء فيه ولثقل السفن التي تؤلف كاراً فقررنا الانحدار مع دجلة، وهي
حالة لا تجعلني آسفاً فأني كنت قد سافرت بطريق الحي ثلاث مرار لكني لم أر دجلة تحت الكوت.) أهـ
ومما جاء في هذا الصدد ما قاله ميكنن فان فيه (ص ٢٤) ما تعريبه عن تسمية دجلة (العمارة) تحت الكوت وهو هذا:
(في ٢٩ تشرين الأول (١٨٢٧ - ١٢٤٣) قدمت إلى الكوت وهو قرية حقيرة مؤلفة من مجموعة أكواخ مبنية من الطين يحيط بها سور كذلك من الطين. . .) ثم قال (ص ٢٧): (وبازاء القرية (الكوت) جدول اسمه الحي (شط الحي) الذي يصب في شمال سوق الشيوخ. وضفاف الجدول مشهورة بأنها مأوى الأسود وغيرها من السباع الآن مجراه (مجرى شط الحي) خال كل الخلو (من الماء) لكنه يصلح لسير السفن خلال ثمانية اشهر من السنة. ومن هنا إلى فوهة نهر (الحد؟) يسمى هذا النهر أهـ.
وأقوى حجة واسطع برهان على صحة كلمة (العمارة) وليس (الإمارة) ما جاء لعربي قدم على ابن سند مؤلف مطالع السعود بمائة من السنين وهو مصطفى
стр. 5532
الصديقي البكري الذي زار العراق فأم البصرة في سنة ١١٣٩هـ (١٧٢٦م) وأورد ما يلي في رحلته المسماة كشط الصدا وغسل الران في زيارة العراق وما والاها من البلدان:
(ثم سرنا نحو العمارة وبتنا فيها ليلة الجمعة ثم عدلنا عن شط العمارة سالكين شط السابلة لأن العرب في ذلك الشط (شط العمارة) قطعت السابلة. .) أهـ وكان سفري في سفينة من بغداد إلى البصرة.
فهناك منذ تلك الأيام حاضرة اسمها العمارة والشط التي عليه تلك الحاضرة فما تحت يسمى شط العمارة.
يعقوب نقوم سركيس
البغيلة
بحث أحد الأدباء عن البغيلة في هذه المجلة (٨: ٤٣) ثم في كتابه موجز تاريخ البلدان العراقية (ص١١٨). والبغيلة هي التي بدلت الحكومة اسمها بالنعمانية بعد مقاله في المجلة. ومما ذكره الكاتب إن إنشاءها كان في سنة ١٣٠٣هـ (٦ - ١٨٨٥م) وان السلطان عبد الحميد حينما ابتاع أراضيها أمر ببناء محل للحكومة فكانت البغيلة في تلك السنة مركزاً للحكومة.
هذا ما اطلعنا عليه الكاتب أما جريدة الزوراء في عددها المرقم ١٠٦٨ والمؤرخ ١٢ صفر ١٣٠٠ و١١ كانون الأول ١٢٩٨ (١٨٨٢م) - أي قبل التاريخ الذي
стр. 5533
عينه الكاتب بثلاث سنين - فأنها تقول في كلامها عن الجولة التي قام بها الوالي لتفقد شؤون الألوية، ما هذا بحروفه:
(وان موقعي نهري البغيلة وشاذي الواقعين في قضائي العزيزية والجزيرة والمتخذين مركز ناحية، قابلان للمعمورية فحصل التفضل بالتزام وضع كل منهما في حال قصبة فمن هذين: البغيلة أمر (الوالي) بان يخطط فيها عدة دور ودكاكين بمعرفة المهندس أيضاً. وجرى الامتنان باستحصال الأسباب لتكون قصبة مكملة عن قريب. . .) أهـ
وفضلا عن ذلك تجد في سالنامة بغداد لسنة ١٣٠٠هـ (١٨٨٢م) (ص ١٣٣) أن البغيلة ناحية مربوطة بقضاء الجزيرة ومديرها (بصيرت) أفندي كما انه جاء مثل ذلك في سالنامة ١٣٠١هـ (١٨٨٣م) (ص١٣٥) مع ذكر الأسماء لأعضاء مجلس الإدارة وكذلك ذكر مأمور للأراضي السنية. أما اسمها في سالنامة هذه السنة فانه جاء (بقيان) فالظاهر انه غلط طبع فان لم يكن كذلك وكان اسماً جديداً وضعته الحكومة استبدالا إنها لم تحسن الاختيار مما أوجب الرجوع إلى اسمها البغيلة. ولم يرد (بقيان) إلاَّ في سالنامة تلك السنة فقط.
فالبغيلة أذن كانت مركز ناحية في سنة ١٣٠٠ وبقيت كذلك بعد تفوض السلطان بالطابو لأراضيها فكان فيها موظف للحكومة وموظف للأراضي السنية في وقت واحد كما رأينا. وبعد ذلك رقع المدير وهو موظف الحكومة وبقي موظف الأراضي السنية بدليل أن سالنامة سنة ١٣٠٢هـ (١٨٨٤م) (ص ١١٠) لا تذكر موظفاً في هذه الناحية إلاَّ موظف الأراضي
السنية.
والظاهر أن نواة تأليف هذه القصبة اقدم عهداً من القرن الرابع عشر للهجرة بل ابعد مدى من أواخر القرن الذي سبقه. فقد ذكرت البغيلة في الكتاب الحاوي رحلات المستر ريج المقيم البريطاني (٢: ١٦٤) بتاريخ ١٤ أيار سنة ١٨٢١ (١٢٣٧هـ) واليك ما فيه معرباً:
стр. 5534
(وفي الساعة التاسعة ونصف مررنا بالبغيلة هكذا صورها) وهي قلعة من الطين على الضفة اليمنى (لدجلة) تعود إلى شفلح (بفتح الشين والفاء وتشديد اللام مع فتحها أيضاً) شيخ زبيد وبقربها مضرب خيامه الخاصة بشخصه أهـ
وقال كيبل (ص ١١٤) بتاريخ ١٧ آذار سنة ١٨٢٤ (١٢٤٠هـ):
(وفي الساعة الثانية بعد الطهر اجتزنا بشفلح (قلعة شفلح) الواقعة على منعطف فجائي للنهر وهي قلعة مبنية بالآجر يقيم فيها شيخ زبيد الزعيم العربي القوي الذي تمتد ديرته من الضفة اليمنى لشط الحي (الغراف) إلى بغداد. .) أهـ
واخبرني ثقة من كبار الرجال ومن الزعماء من زبيد انه كان في صغره قد رأى بقايا قلعة شفلح مبنية بالآجر في موضع القصبة الحالية.
وليس بين البغيلة والكوت أربعون ميلا كما قاله الفاضل، إذ أن في ذلك سهواً بيناً لعل الأميال تقل عن الثلاثين.
هذا ما أردت تبيانه خدمة للتاريخ والحقيقة.
يعقوب نعوم سركيس
стр. 5535
آل الشاوي
سليمان بك الشاوي
٢ - شعره:
لم نر إلاَّ القليل من شعره القديم - قبل وفاة والده - مثبتاً في مجموعة خطية ولم نعثر على كل شعره، خصوصاً ما كان في الأغراض السياسية لمعاناته لها، واهتمامه بها، بحيث صارت شغله الشاغل وهمه الوحيد.
وجدت له قصيدة في الوزير عمر باشا، أيام نال الوزارة، فروج سياسته وانتصر لخطته، وذلك قبل أن تشتد البغضاء بينه وبينه، منها:
ألبست خصمك حلي الغانيات وما ... أنجاه منك علوم الرمل والزبر
ظن النجاة بغير البيض مكمنها ... وما درى سلفاً ما الصارم الذكر
وخال أن الردى الذل مندفع ... وان ذا المكر لا يصطاده القدر
ثم مضى في مدحه والثناء عليه حتى قال:
عناصر الدين وافتنا مؤرخة ... وقمت بالعدل والإسلام يا عمر
وله قصيدة أخرى، في مدح هذا الوزير وانتصاره عل الخزاعل منها:
شم العرانين نالوا في العلى رتباً ... بالطعن والضرب وسط الهام بالسمر
أسد رأوا طعنة الأعداء منقصة ... ما لم تكن في مبيح الثغر من ضجر
وقد توصل إلى ذم الخزاعل بسبب عصيانهم، وأرخها سنة ١١٧٩هـ. وفي الدوحة أن هذه الوقعة حدثت عام ١١٧٨هـ.
وله قصيدة أخرى في كسرة الخزاعل مطلعها:
لولا ابتسامك لم تبك العيون دماً ... والسحب لم يبد منها الودق والمطر
ومنها قال عن شيخ الخزاعل:
وظن أن أبا الخطاب صولته ... لدى الوغى كعلي باشا الذي قهروا
следующие страницы →