Полный текст (6 158 стр.). Показаны 5601–5640 · переход к 5606.
стр. 5601
مدن العراق القديمة
(القني القديمة)
تابع:
وتطلع النظرة إلى صحيفة التاريخ على المرار العديدة التي تحولت إمرة سهل شنعار فيها من دويلة إلى أخرى، حتى انه كانت السلطة ترجع إلى بعض الدول على اختلاف العصور وبين سنين كثيرة.
ويمكن تتبع مجرى القني القديمة إلى هذا اليوم لأنها تظهر على شكل صفي رواب. وترى أحياناً ثلاثة صفوف أو أربعة متوازية - وهذا الأمر يشوش الإنسان في بادئ الأمر -. ولكن لما تكسح القناة من الطمي يصبح جنباها مرتفعين جداً فيتطلب تنظيفها عملا أعظم ويرجح عندئذ حفر عقيق جديد بجانب العقيق القديم.
وأهم القني القديمة نهر ملكا (النهر الملكي) وشط النيل وشط الحي. وكانت تجري القناة الأولى من الفرات في ضواحي (سفر) وتمتد شرقاً إلى دجلة. وكان شط النيل ينقل الماء من النهر (نهر الفرات) فوق بغداد بقليل وينعرج جنوباً شرقاَ. وربما حفر شط النيل حين غير الفرات مجراه واتجه نحو الغرب بحيث أصبحت كيش ونفر ومدن أخر واقعة على عقيقه القديم لا يسد الماء احتياج سكانها وحقولهم. وتسمى هذه القناة في جنوبي نفر بشط الكار. وأما شط الحي - ولا يزال يستعمل حتى هذا الحين - فحفره (انتمنا) صاحب لجش ليجلب الماء من دجلة لان (أما) مدينة كانت تتصل دائماً بالقناة الجارية من الفرات.
بغداد ومتحفة الآثار القديمة
إن بغداد آخر قصبة من السلسلة الطويلة المقامة من العواصم القديمة التي اتخذت كل واحدة في حينها مقراً لمملكة ارض الرافدين. وبغداد حديثة العهد بعض الحداثة وان كان لها تاريخ جليل عريق في القدم. ولم يظهر اسم (بغدادو) إلاَّ مؤخراً في تاريخ بابل بالنسبة إلى عهد هذه المملكة. ولا يظهر
стр. 5602
في تلك المدينة من آثار الجاهلية سوى بعض كتل بناء مبنية بآجر عليه اسم نبو كدر أصر. وهذه الأخربة كل ما بقي من المسنيات لتي شيدها ذلك
الملك على ضفة النهر. وكانت بغداد في أوائل عصرها بلدة صغيرة واقعة على ضفة دجلة الغربية تعتمد على التجارة المنقولة على النهر، ولا شأن لها في السياسة إلا قليلا.
وأخذت بغداد بالرقي بعد احتلال المسلمين تلك البلاد. لأن المنصور، - وكان رجلاً فعالاً وثاني خلفاء العباسيين -، اخذ هذا الموقع عاصمة جديدة له وعمر فيه الكرخ (المدينة المستديرة) الذائعة الصيت سنة ٧٦٢م. ونمت هذه المدينة منذ ذلك الحين نمواً سريعاً حتى عظمت في أيام الخلفاء ونافست بمجدها ما سبقها من المدن أمثال نينوى وبابل وسلوقية وطيسفون، وأصبحت بغداد غنية جداً حتى صارت موئل التجار واقبل إليها الناس على اختلاف أجناسهم من أربعة اطرق الأرض؛ وكان لسمعة دار الخلافة الزاهية. دار هارون الرشيد، أعظم خلفاء العباسيين بعد سمعة، جذبت الناس إلها من جميع أنحاء العالم فأضحت كعبة الأدباء ومحط رحال العلماء ومركز الشعراء ومحج رجال الفن.
أن الفضل في أتشاء دار الآثار القديمة في بغداد عائد إلى المرحومة المس جرترودبل العالية الهمة، إذ كانت من أحب الناس للآثار القديمة، كما كانت من مصف العلماء المستشرقين. فصارت مديرة فخرية للآثار القديمة في الحكومة العراقية. فوق ما كانت تقوم به من واجبات الكتوم للشرقيات في ديوان المندوب السامي. وباشرت بنشاط عظيم إقامة متحفة للآثار القديمة ذلك النشاط الذي كانت تعرف به. وهي لا تملك شيئاً لهذه الغاية إلاَّ بعض دريهمات وغرفة واحدة في دار الإمارة (السراي). وتتجاوز المتحفة الآن اتساع الغرفة الواحدة وقد نقلت إلى محل أوسع في بناء مطبعة الحكومة في شارع الجسر، ويعود فضل نموها إلى ما تتبرع به بعثة كيش وبعثة أور في كل سنة، وكانت المس بل أعانت هتين البعثتين أكبر اعانة، ويتوقع أن هذه المتحفة تنقل بعد ذلك إلى بناء خاص بها، فتقر بها عيون الكثيرين لاسيما إذا رأوا في هذه الدار اسم المس بل تذكاراً لها، ولو تسنى لتلك السيدة أن تشاهد هذه الذكرى لاستحسنتها خير استحسان مكافأة لعملها المفيد العجيب.
стр. 5603
مواقع بابل القديمة
(وهي منظمة بحسب قربها من القطار العراقي وأهميتها إلى الناظر). من بغداد:
دور كوريجلزو (عقرقوف)
هي على مسافة نحو ساعة من بغداد في السيارة على طريق الكاظمية أو على طريق جسر الخر المؤدية إلى الفلوجة. ويمكن لمن كان وقته ضيقاً زيارة المعظم والكاظمية وعقرقوف في رحلة يوم واحد.
توهم أحد الرحالين وكان شاهد عقرقوف من دجلة في القرن السادس عشر إنه برج بابل، ويسميها عرب تلك الأصقاع إلى هذا اليوم برج نمرود، أما الحقيقة فإن عقرقوف احدث بكثير من قصة نمرود. والكتلة البنائية العظيمة التي تشرف على أميال من تلك الأراضي هي بقايا زقورة الهيكل لمدينة كشية لدور كوريجلزو. وترى حوالي أساسات تلك الزقورة أخربة المسجد والمدينة. ولكن لم يحفر حوالي هذا الموضع حفر منظم، ولا يعرف عنه شيء سوى أنه كان آهلاً إلى زمن النصارى، لأنه عثر على عدد وافر من نقود الرومانيين في الروابي.
ومن الممتع أن يعرف الباحث أن تلك الزقورة بنيت كزقورة كيش وزقورة برس نمرود أي أن فيها منافذ مربعة معرضة لدخول الهواء. وتتخلل اللبن من حين إلى آخر طبقات الحصر. (راجع أيضاً ما يخص كيش وبرسبا).
طيسفون (طاق كسرى)
على مسافة ٢٠ ميلاً من بغداد في السيارة على طريق الهنيدي
ومن أدهش أبنية العراق طاق كسرى العظيم (واصله ديوان كسرى) الواقع في طيسفون (سلمان باك)، ذيالك الطاق البالغ ارتفاعه الشامخ ١٢١ قدماً ونصفاً وعرضه الواسع ٨٢ قدماً. والزائر الذي يشاهد هذه الخربة واقيستها الجسيمة يكاد يصدق الخرافات العديدة السارية عن سابق عظمة هذا البناء وإن لم يبق منه شيء إلاَّ نصف ديوان قصر الساسانيين الأوسط ووجه من أوجه أطراف ذلك كالقصر. ومن المأثور أن هناك جدراناً كانت مكسوة كلها بمعادن ثمينة وعمداً
стр. 5604
لا تحصى من الفضة؛ وقيل أيضاً أن قياصرة رومة نفسهم حسدوا ملابس الأكاسرة الفاخرة وحفلاتهم الملكية فقلدوهم.
وأول مرة ظهر في التاريخ اسم طيسفون كانت في الحادثة التي أضحت ميداناً وكان يستحسن الفرثيون حط رحال معسكرهم فيها، وتكاملت شيئاً فشيئاً حتى صارت بلدة كبيرة
تنافس سلوقية الواقعة على ثلاثة أميال منها في الضفة المقابلة من نهر دجلة. وسلب الرومانيون البلدتين واحرقوهما سنة ١٦٢م، فقضت هذه الضربة على سلوقية. ولكن الحظ خدم بعد ذلك طيسفون فاشتهرت. وبعد عدة تقلبات أخذت سابور هذه المدينة داراً لمملكته في الشتاء، وكان سابور بن أردشير مؤسس دولة الفرس الساسانية سنة ٢٢٦ م. ودامت طيسفون أربعة قرون ونيفاً وريثة بابل كما إنها كانت من أعظم بلدان الشرق.
وبلغت طيسفون أوج مجدها في زمن كسرى الثاني، ولكن لما غلب الانبراطور هرقل كسرى المذكور في محاربة نينوى سنة ٦٢٧م، وقعت تلك المدينة في موقع حرج. وبعد مدة غير مديدة من الزمن نشأت قوة جديدة لم يشعر بها أحد إلى ذلك الحين، هي ديانة الإسلام التي أبادت طيسفون وأزالت ديانة زرادشت عن آخرها بهجومها عليها سنة ٦٤١م.
سلوقية (سور)
لما توفي الاسكندر في بابل وسقطت المملكة المكدونية قام سلوقس اعز قواد الاسكندر. واستولى على ارض الفرس وسورية والعراق (سنة ٣١٢ق م) فشيد مدينة سلوقية على ضفة دجلة اليمنى، على عشرين ميلا من بغداد الحديثة، وكانت خطته أن يؤسس مستعمرات يونانية في آسية على أسلوب مدن اليونان. وعظم شأن سلوقية وبقيت مدة سيدة بلدان هذه الأرجاء، حتى احتلها الفرثيون سنة ١٤٠ق. م. ولكنها لم تزل تتألق بمزايا مستعمرة يونانية، بيد أن أمرها ضعف رويداً رويداً حتى دانت لطيسفون الني أخذت بالرقي وطيسفون قائمة على ضفة النهر المقابلة لسوقية. ولم يقم لسلوقية قائم بعد غزوة الرومانيين الفظيعة سنة ١٦٢م حين نهبوها واحرقوها وذبحوا نحو نصف سكانها. ولم يبق من تلك المدينة الغنية العظيمة شيء سوى بعض الروابي الصغيرة
стр. 5605
لا تجدي الزائر إلاَّ نفعاً قليلا.
أكد (تل الدير)
على نحو ١٦ ميلاً من بغداد في السيارة. يمكن مشاهدة (سفر) في الزيارة نفسها.
أثبت الأستاذ (لنغدن) أن أخربة تل الدير الواقعة على ضفة قناة اليوسفية الشمالية وفي جنوب غربي بغداد هي (أكد) المدينة المحصنة التي عمرها سرجون الأول حين أيد مملكة
الساميين لأكد (سنة ٢٧٥٢ ق. م). ويرى (السر ولس بج) الذي حفر في الدير سنة ١٨٩١، أن هذا الموضع بقايا مساكن في ضواحي (سفر) لا غيرها، وقد كشفت أخربة (سفر) على أربعة أميال في جنوب غربي هذا الموقع. ولكن هناك أمرين يؤيدان أن هذه البلدة رسمت وشيدت على خطة لتكون عاصمة وحصناً في وقت واحد. لأن جداريها المنيعين بنيا على شكل ضلعي مثلث، وهناك قناة أو لعلها الفرات نفسه، قام مقام الضلع الثالثة، فضلاً عن أن لهذه المدينة باباً واحدة واقعاً في الزاوية الغربية من الجدارين.
وانتشرت روايات كثيرة حول أصل سرجون الملك العسكري المقدام، وكان رجلاً وضيع النسب. ولكن عظم قدره حتى ساد على غربي آسية الممتدة من الخليج الفارسي إلى الجبال الشمالية؛ ومن عيلام إلى بحر الروم البعيد. ويقال إنه كان ابن والدة حقيرة، ومن والد مجهول، فوضع في قفة صغيرة والقي في النهر مثل موسى. ولكنه حظي في عيني المعبودة أشتر فأنقذته ليكون له حظ مجيد. وهناك أسطورة أخرى تبين إنه كان في صباه بستانياً في مدينة كيش، مدينة الشمريين، وكانت حين ذاك سيدة بلدان سهل شنعار. وتكذب حوادث ذلك العصر القصة الخيالية القائلة أن سرجون خدم خدمة ساق في دار (أور البابا) حفيد (كوج باو) الخمارة لتي اغتصبت إمرة شمر من اكشك.
ويظهر أن سرجون ساد قوماً جليلا سامي العنصر في كيش وفي أماكن أخر في سهل شنعار. ولا جرم أنه يبعد علينا أن نعرف سبب عدم اتخاذ كيش قصبة لمملكته، مع أنه لقب نفسه ومن خلفه من أبنائه بلقب (ملك كيش) ويتضح أنهم هجروا بالمرة تلك المدينة وهي موطنهم. وقد اختار سرجون إله كيش
стр. 5606
للحرب إلهاً له كما إنه أقام هيكلا عظيماً هو هيكل (إي المش) للمعبودة أشتر واضطر (نرام سن) حفيد هذا الملك إلى أن يحتل كيش مرة ثانية عنوة إذ يجوز أن الضغينة مكنت من صدور الشمريين والساميين لما بينهما من الاختلاف القومي.
وكان (نرأم سن) فاتحاً قهاراً كجده كما كان بناء عظيماً. وقد جدد هيكل (إي ببر) من جملة الهياكل التي جددها، و (إي ببر) هيكل إله الشمس المسمى (ببر) (شمش) في (سفر). ومر ذكر ذلك في تاريخ نيونيد ملك بابل العالم بالآثار القديمة (راجع هنا ما يخص بابل وسفر).
وقلد الأكديون الشمريين في خطهم وتثقيفهم وظهر عدد كثير من الصفائح في روابي الدير.
سفر (أبو حبة)
على نحو عشرين ميلا من بغداد في السيارة
ومن المأثور في زمن الشمريين أن (سفر) أحد البلدان الأربعة التي أنشئت قبل الطوفان، ولا ريب في أن (لسفر) تاريخاً قديماً جداً. كانت هذه المدينة واقعة على ضفة الفرات الشرقية قبل أن يبدل مجراه هذا النهر المتغير. وكانت سفر مدينه ذات شأن في عهد شمر كله وكذلك في زمن بابل ولا سيما في أواخر عصر تلك المملكة، على أنها لم تتخذ مقراً للسلالة المتسيطرة.
ويمكن تقفي أثر جدار المدينة إلى هذا اليوم. وكان قائم الزوايا وفيه عدة أبواب؛ وهو يمتد من الشمال إلى الجنوب، وذكر في هذا الخصوص أن نبو كدر أصر الثاني احكم حصن هذه المدينة وهي من مدن بابل الشمالية خشية من غزوات الماذيين لأنهم كانوا ذوي بأس يخشى (راجع ما يخص بابل).
ويمكن في هذا اليوم تعيين موضع الزقورة المتخربة؛ المسماة النانانرجا أي (دار مدخل السماء). وكذلك دار السكنى الواقعة في شرقي منطقة الهيكل. وجدد (نرأم سن) رابع ملوك أكد هيكل (إي ببر) وهو أهم هياكل سفر المرصد لإله الشمس (ببر) (راجع ما يخص أكد وبابل).
وقد كشف عدد كثير من الصفائح في روابي (أبو حبة)، ومن الذين
стр. 5607
عثروا على هذه الصفائح هرمزد رسام الذي حفر هنالك سنة ١٨٧٨ - ١٨٧٩ وسنة ١٨٨٠و١٨٨٢. والحفارون الأهلون والأب شيل الدمنكي مترجم شرائع حمرب. الذي قام بالحفر للمتحفة العثمانية الملكية سنة ١٨٩١. وفي الحقيقة يقدر (السر ولس يج) عدد الصفائح التي استخرجت من ذلك الموضع ب ١٣٠. ٠٠٠ ونقل عن الحفارين الاهلين أن مقداراً عظيماً منها كان في ضمن أحباب (أزيار) كالأحباب المستعملة يومئذ للماء ثم عنونت بلباقة.
والمواقع الباقية التي تمكن زيارتها وأنت تخرج من بغداد هي: الكاظمية والمعظم وقبر زبيدة.
من المسبب:
كوثى (تل إبراهيم) - (هي كوثى المذكورة في التوراة: سفر الملوك الثاني ١٧: ٢٤و٣٠) على نحو ١٨ ميلاً في السيارة أما من المسيب وأما من كيش.
إن كوثى على ما نقل، قديمة جداً وكانت جليلة القدر في عصرها كله لأنها كانت مركز تعليم الدين وكذلك كان شأن نفر واريدو، بيد أن كوثى لم تنل مجداً في السياسة. ونقل عبادة إله تلك البلدة الإله (نرجل) رب العالم الأدنى إلى (سامرية) وذلك على يد رجال كوثى الذين نفاهم سرجون ملك الآشوريين إلى هناك. وكان مركز العبادة في كوثى الذين في الهيكل المعروف باسم (إي مسلم) وزقورة إننر أي (دار الهلال) والذي يثبت أن لهذه العبادة شأناً خاصاً في تلك الأصقاع جميعها، ما قام به الملك دنجي من تجديد الهيكل والزقورة، وكان دنجي ثاني ملوك اور ومن سلالتها الثالثة.
من الحلة:
كيش (تل الاحيمر)
على ١٣ ميلا من الحلة في السيارة:
ترى على مسافة تسعة أميال في شرقي بابل رابية كبيرة مخروطة الشكل، يسميها العرب تل الاحيمر، لأن لونها يكاد يكون احمر. وقد حاول الرحالون
стр. 5608
أن يطلعوا على حقيقة هذا التل منذ أزمنة كثيرة، فثبت الآن ثبوتاً جازماً انه بقايا الزقورة (أنر كدرمه) أي (دار العجب، أو المسكن الشهير) وهي الزقورة الراجعة إلى هيكل (إلبابا) اله الحرب وزوجته اشتر في كيش.
باشرت بعثة (اج ولد) (لأكسفورد) ومتحفة الميدان في شيكاغو كشف هذا الموقع الفسيح في آذار (مارس) سنة ١٩٢٣. فأنعمت النظر بكل دقة في الزقورة والهيكل المسمى (إمت ارسج) القائم على جانبها. وبان تاريخ البناءين سريعاً، ذلك التاريخ الطويل المتغير؛ لان الملوك الأقدمين كانوا إذا جددوا أبنية مقدسة يذكرون من عادتهم أعمال تقواهم على آجر البناء. ولا لوم عليهم بافتخارهم هذا. وعثر المستر (مكي) مدير البعثة (بعثة الميدان) على مثل هذا الرقيم المسماري الذي يبين أن (شمشويلونا) (٢٠٢٤ - ١٩٨٧ق. م) سابع ملوك بابل ومن سلالتها الأولى، رمم الهيكل والزقورة اللذين شيدهما سلفه (شمولا إلو) (٢١٥٦
- ٢١٢٢ق. م) كما نعلم أن (لحمرب) أيضاً. وهو سلف (شمشويلونا) السابق له، يداً في تعظيم الهيكل المذكور، ولكن مسحاة المنقب تدفعه إلى أن يمعن في التاريخ إلى زمن اقدم من هذا الزمن، إذ كشف جدار عظيم بعد عدة أقدام تحت ارض هيكل هؤلاء الملوك البابليين، فيقتضي انه كان قسماً من هيكل شمري سبق عهد بابل بزمن مديد.
ويظهر أن في سائر تاريخ كيش المديد المتلون، كان لعبادات هياكلها خشوع سرى إلى مدن هذه الديار جمعها. وفي التاريخ ما يدل على أن هناك ملوكا من سلالة كيش وسلالة إسن، وكان بعض ملوك آشورية نفسهم يقصدون إلى مدينة كيش وأختها (هرسجكالما) ويذبحون الذبائح في هياكلها. بيد انه نظهر أن الهياكل أضحت في ضيق شديد في أزمنة الحرب وحين غير النهر مجراه. ولما وصلت بابل إلى أوج مجدها في زمن نبو كدر اصر الثاني وأصبحت في أبان عظمتها تجددت هياكل كيش (وهرسجكالما) مرة ثانية، ومن ظريف المصادفة أن الرقيم المسماري المحفور في الآجر يثني على الملك لإعادة (إي سجيلا) هيكل الإله مردوك في بابل مناوئ إله كيش وهو احدث منه ولكن أتى هذا الاستهزاء من غير تعمد.
стр. 5609
أصل اليزيدية وتاريخهم
بمناسبة كتاب نصوص اليزيدية الدينية الذي نوهت به لغة العرب.
الكرد:
هنا حقيقة لا يمتري فيها، هي أن الكرد جيل قائم بنفسه، كان موجوداُ قبل الإسلام قال السمعاني: (طائفة بالعراق ينزلون الصحارى وقد سكن بعضهم القرى خصوصاً في جبال حلوان والنسبة إليهم الكردي). أهـ
أما انهم بدو الفرس وان الفرس القسم المتحضر منهم. أو انهم أمة برأسها ولا تزال في البداوة إلى ظهور الإسلام. . . فهذا موضع الآخذ والرد بين الكتاب والمؤرخين. . . ولا يشتبه في أن الكرد اليوم، هم من نسل أولئك وانهم بقوا محافظين على حالتهم الأولى بزيادة أو نقصان أو حضارة وخدموا الإسلامية خدمات جليلة.
ولا ينكر أيضاً انهم دخلتهم عناصر عربية اثر الفتح الإسلامي، وما يليه من العصور، خصوصاً في عهد الأمويين فانهم تولوا رياستهم أحياناً، أو قاموا بمشيختهم وتربيتهم الدينية، أو سياستهم.
الكرد واليزيدية:
من طالع كتاب الشرفنامة علم ما يؤيد ذلك. وهذا الكتاب عدد شعبهم من كرماج، ولر، وكلهر، وكوران، ثم قال:
(إن جميع طوائف الكرد شافعية المذهب، متابعة لشريعة الرسول (ص) ونهج الصحابة الكرام؛ والخلفاء العظام، وطاعة العلماء، وأداء الفرائض: من صلاة، وصوم، وحج، وزكاة، إلا أن بعض الطوائف التابعة للموصل والشام مثل طاسنى (وورد في موطن آخر بلفظ داسني وهو المشهور اليوم) وخالدي، وبسيان، وقسم من بختي، ومحمودي، ودنبلي، على المذهب اليزيدي.
ثم قال:
стр. 5610
وإن هؤلاء اليزيدية من جملة مريدي الشيخ عدي بن مسافر. وهو من حفدة المروانيين
وينتسب إليهم ومن اتباعهم. ومرقده في جبل لالش (وفي المعجم ليلش) من أعمال الموصل ومن اعتقادهم الباطل فيه انه قد تحمل عنهم صومهم، وصلاتهم، فيصلي عنهم، ويصوم بدلهم، ويقولون لولاه لعاقبنا الله، أو لعاتبنا فهو الذي يوصلنا إلى الجنة، ولهم كره، بل بغض، مستمر لا حد له لعلماء الظاهر.) أهـ
وقد علق الطابع لهذا الكتاب - (الطبعة المصرية) - بما نصه:
(اليزيدية من الوجهة العنصرية طائفة من الأكراد تقطن أنحاء جبل سنجار وجزيرة ابن عمر وحكاري (كذا. ووردت في الكتب العربية بلفظ هكار بفتح الهاء وتشديد الكاف) في الجنوبي من كردستان لا يزيد عددهم الآن عن مائتي ألف وهم مسلمون في الظاهر، إلاَّ أن لهم عقائد خاصة، تخالف عقائد الجمهور من المسلمين. وسموا (يزيدية) نسبة إلى يزيد بن معاوية، لأنهم كانوا من أنصار الأمويين. وعلى ما يفهم من نص الشرفنامة، ومن أقوال العارفين بتلك الجهات، وهؤلاء الناس، أن عدة من قبائل الأكراد المشهورين بالشجاعة والفروسية، هاجرت في عهد الأمويين إلى جهات الشام للالتحاق بخدمة الخلفاء، فاستوطنت هنالك مدة، ثم عادت إلى موطنها الأصلي، عند سقوط دولة الأمويين، واعتصامهم مع اتباعهم بالجبال والبلاد الحصينة. وهكذا المذهب السياسي أدى إلى مذهب ديني مخالف لدين جمهور المسلمين.) أهـ
تمحيص الأقوال عن اليزيدية:
إن هذه الأقوال وحدها لا يعول عليها، ما لم نجد ما يدعمها من النصوص القديمة، في اصل هذه الطائفة التي لا يزال الأوربيون يهتمون بها اهتماماً عظيماً ويحاولون بكتاباتهم أن يعدوها طائفة قائمة برأسها من حيث العقيدة، وان لا اصل لها في الإسلام، لغرض أن يبدوا مهارة في التدقيق، أو لأمر آخر سياسي، أو ديني، مما لا يخفى على المطالع.
نعم اختلفت الظنون في اصل اليزيدية، وتضاربت الآراء في حقيقة نحلتهم، فاستفد بعض الكتاب من هذا التشويش، ووافقهم بعض المسلمين أيضاً،
стр. 5611
فاختار أنهم مجوس، لغرض مخالفة في المعتقد. وكذا فعل صاحب (النصوص الدينية اليزيدية) فانه تابع أهل هذا الرأي، لموافقة اشتراك في بعض حروف اللفظ ليزيد ويزدان على خلاف ما قام به جهابذة الكتاب من المسلمين.
والموضوع دخل بساط البحث، فتناولته الآراء بنزعة أو بساطة، أو بما ماثل إحداهما. وتعداد الأقوال في هذا الباب يطول كما انه لا يجدي نفعاً. وليس القصد الاشتراك مع أحد دون الآخر. تعصباً لرأي تعصباً مجرداً. وإنما الغاية التوصل إلى الحقيقة، ودفع شيوع ما نعتقد خلافه، بالنظر إلى ما وصل إلينا من النصوص التاريخية في وقت لا نجد هناك نصوصاً تهدمها، فتستدعي ترك هذا المعتقد واعتناق غيره.
ونتائج ما تحققته انهم مسلمون. متزهدون. يعتقدون الأمانة في يزيد. وكونه على الحق. وتوارثوا تقاليد قومية، ودينية؛ صوفية. واعتيادات سياسية ممزوجة بتعصب للأمويين، مما أبعد شفة الخلاف بينهم وبين جمهور المسلمين، فادى إلى تقاليد خاصة أفسدت جوهر إسلاميتهم.
نشاهد هذا التفاوت تقريباً بين عقائد الإسلام الخالصة، المأخوذة من أمهات نصوصة الحقة، وما عليه اليوم (عرب البادية) من التقاليد الجاهلية، أو ما عليه غيرهم من أهل المدن الدخلاء في الإسلامية. نرى بعض الاعتيادات الموروثة ولا يسعنا أن نحكم انهم بقوا على تلك العادات بان يقال انهم تستروا بالإسلامية وأبطنوا غيرها.
وأيضاً دخلت هذه النحلة تقاليد جديدة لها أساس في الديانات المجاورة، وفي التصوف. ولا ننس أن العوام لا يعرفون سوى الشكل المادي والمراسم الظاهرة.
فالتشوش وقع لهم ممن دخل ومعه تقاليد جديدة، أو من رؤساء جهال، كما سيتبين، وإلا فالمؤرخون لم ينقلوا عن مجوسيتهم شيئاً، وإنما ذكروا تعصبهم ليزيد، كما تعصب غيرهم للإمام علي (رض) ولم يكونوا بدرجة النصيرية (ويعرفون عندنا بعلي اللهية) مع أن المؤرخين دونوا ديانات
стр. 5612
المجوس وأحوال الفرس، حتى انهم عرفوا بمن شاهدوه في عصرهم من الدعاة، ومنتحلي هذه الديانة.
وعلى كل حال، لا يحتمل انهم عريقون في المجوسية، ولا يعول على التقاليد الموروثة، باعتبارها ديناً قديماً لهم ولكن يصح أن يفسر ما وجد مخالفاً للإسلام، فيقال انه منقول ومأثور عن جاهليتهم الأولى، أما هم فلا يقولون بان ديانتهم مجوسية، كما أن بعض المسلمين، لو قلنا له: إن قسماً من تقاليدك جاهلية، أو وثنية، أو ما شابه ذلك، لأخذه الحنق، ولكذب كل ما يعزى إليه بأي وسيلة كانت.
أصل اليزيديدة في التاريخ:
لا يفوتنا أن اكثر الكتاب، تابعوا فكرة انتشرت، واشتغلوا بتفسيرها دون أن يكلفوا أنفسهم عناء البحث، أو العودة إلى النصوص التاريخية. ولا تحسب أيها القارئ إني سأعتمد على نسخ خطية قديمة. قد انفردت بحيازتها، وإنما غالب ما اذكره مشهور متداول. فأول من ذكر هؤلاء اليزيدية فيما اعلم (السمعاني) (المتوفى سنة ٥٦٢هـ) في كتاب الأنساب، في مادة (يزيدية) فانه بعد أن عدد يزيديين محدثين قال:
(وجماعة كثيرة لقيتهم بالعراق، في جبال حلوان، ونواحيها من اليزيديية وهم يتزهدون في القرى التي في تلك الجبال، ويأكلون الحال (كذا) وقلما يخاطون الناس. ويعتقدون الأمانة في يزيد بن معاوية وكونه على الحق،
стр. 5613
ورأيت جماعة منهم في جامع المرح (كذا) وسمعت أن الأديب الحسن ابن بندار البروجردي، وكان فاضلا مسفاراً ينزل عليهم بسنجار (جاءت الكلمة بلفظ بخارا في الأصل ولعل سبب ذلك جهل الكاتب جبل سنجار واشتهار بخارا بين الأدباء)، ودخل مسجداً لهم، فسأله واحد من اليزيدية: (ما قولك في يزيد)؟ فقال: (أيش أقول فيمن ذكره الله في كتابه، في عدة مواضع، حيث قال: (يزيد في الخلق ما يشاء)، (ويزيد الله الذين اهتدوا هدى). قال: فأكرموني، وقدموا لي الطعام الكثير. . .) أهـ
هذا ما قاله السمعاني عن نفسه، وما نقله عن معاصر له. وانه رآهم في جامع المرج، ورأى محدثه مسجداً لهم، وعرف اعتقادهم؛ وقد نفى السمعاني في نفس هذه المادة، أن ينتسبوا إلى بزيد بن انيسة، وانما عده من الخوارج.
يؤيد فكرة انتسابهم إلى الامويين، أو انهم رؤساؤهم في الدين، وفي الإدارة، ما جاء في مادة (هكاري) من الأنساب أيضاً:
(هذه النسبة إلى هكار، وهي بلدة وناحية عند جبل، وقيل جبال، وقرى فوق الموصل من الجزيرة. والمشهور منها أبو الحسن علي بن أحمد ابن يوسف بن جعفر بن عرفة بن المأمون (لفظه مشوش) بن الديل (كذا) (ولعلها الدئل) بن الوليد بن القسم بن الوليد بن عتبة بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي العبشمي الهكاري الملقب بشيخ الإسلام. تفرد بطاعة الله في الجبال وابتنى له أربع مواضع يأوي إليها
стр. 5614
الفقراء والصالحون، وكان كثير الخير والعبادة (وورد بلفظ عباد في المطبوع) إلى أن
يقول:
(سمع منه القدماء من الحفاظ. روى لنا عنه بمكة أبو زكريا يحيى بن عطاف الموصلي وببغداد عبد الله بن شاكر المقبري، وعبد الرحمن بن الحسن الفارسي، وأبو علي الحسن بن احمد المقبري، وصالح بن إسماعيل بن دوذين (كذا) الجيلي، وباصبهان أبو الخير شعبة ابن عمر الصباغ وأبو محمد الحسن بن محمد بن جعفر المهراني وغيرهم. وكانت ولادته سنة ٤٠٩هـ ومات بالهكارية في أول المحرم سنة ٨٤. وكان ببغداد في زماننا شاب صالح من الهكارية سمع معنا الحديث من أبي بكر محمد بن عبد الباقي الأنصاري وغيره.) أهـ
ومن هذا ترى العلاقة بين الأمويين واليزيدية وان بلاد هؤلاء الناس كانت مسلمة، وانهم يتزهدون فيها، منقطعين عن غيرهم بسبب أمثال هؤلاء الصلحاء، ولا علاقة لهٍم بالمجوسية. إذ لم يعرف فيهم غير المسلم وإذا كان هذا الشاب الصالح الذي درس مع السمعاني، هو غير عدي بن مسافر، كما هو ظاهر من الفرق بين العمرين عمر السمعاني وعمر عدي، فقد أنجبت تلك الأنحاء علماء وصلحاء كثيرين، ومن ثم تولد الزهد في القوم، ويؤسف لعدم تسمية ذاك الشاب.
ومن الغريب أن يورد الباحثون النقول من عدي فما يليه، ولا يتجاوزونه في القدم. وما أوردته يؤيد القدم. والأغرب أن ينتشر كتاب الأنساب ولا يزال (الفاضل الإيطالي) على فكرته مع أن صاحب لغة العرب نبهه على رسالة ابن تيمية حين كان في بغداد. وكان استطلع رأيي أيضاً في أصلهم فبينت لحضرته انهم مسلمون، استولى عليهم الجهل، وابتلوا برؤساء اختلقوا عليهم أشياء كثيرة فقبلوها منهم، وأرادوا إبعاد شقة الخلاف، خصوصاً بعد أن رأوا من إخوانهم المسلمين ما رأوا. وباقي القول أرجئه إلى المقال التالي. والله الموفق.
بغداد: ٥ - ٣ - ١٩٣١:
المحامي عباس العزاوي
стр. 5615
أليلى
أليلى ما لحزنك لا يجارى؟ ... فان لهيب عينيك استطارا
فان كنت امتلأت أسى وحزناً ... فقلبي مفعم مرضاً ونارا
تعالي نحتسب بالصبر حتى ... نزحزح عن مآربنا الستارا
عهدتك جلدة في كل خطب ... فمم أبنت آلاماً جهارا؟
ألا ليت الخطوب تعاف قوماً ... تمنوا: لو يموتون انتحارا
أليلى خففي الأحزان إني ... زميلك صرت انتظر الدمارا
عيون الحق قد نامت طويلا ... ولم توقظ ليال أو نهارا
لئن جحدوا حقوقك فارقبيهم ... فسوف ترين للظلم انهيارا
دعيني كي أحدثك حديثاً ... به طير الحقيقة نحوي طارا
ألم تري البلاد فقد أصيبت ... بقوم إربهم أضحى النصارا
أراهم عند خستهم صحاة ... وعند مرام موطنهم سكارى
لهم وجهان وجه نحو غدر ... ونجه يقنع لقوم الحيارى
فويلي أن أطالبهم بحق ... بذاك اعد متبعاً شرارا
أناس لم أجد فيهم رؤوفاً ... ولا شهماً رحيماً أو غيارى
أراهم اظهروا الإخلاص غشاً ... ويقترفون آثاماً كبارا
فهم ترك إذا حكمتك ترك ... وهم ظلم إذا الغربي جارا
أليلى كفكفي دمعاً سجيماً ... هل انحسرت لك العقبى انحسارا؟
أنحن أولي الحمية والتعالي ... نقاسي ظلم من في الغي سارا؟
فموطننا بموقفنا شهيد ... وقد عرف الألى لزموا الفرارا
فسل عنا (الفرات) بكل فخر ... إذا (استقلالنا) منه استنارا
وسل عنا (ديالى) عن حروب ... لنا من حين أن كنا صغارا
ثبتنا في مواقف محرجات ... ولاقينا مدافع وانفجارا
وذدنا عن حمى وطن ذليل ... ورمنا في معاركنا انتصارا
стр. 5616
وثرنا ثورة المسجون ظلماً ... ولم ترهب طعاناً أو حصارا
وهبنا الموت أرواحاً خفافاً ... إلى عز البلاد لكي ندارى
وشمنا في القنابل خير لهو ... وطقنا في لظى الحرب اصطبارا
وعمنا في المنايا لا نبالي ... نزيل الذل والعار الشنارا
لقد ساقوا أغرتنا حزيقاً ... إلى الموت الزؤام وليس عارا
مواقف تخلب الألباب خوفاً ... وتحتقر الإلى هربوا احتقارا
وقفنا وقفة الجبار نحمي ... عراقاً ود أن يحيا مجارا
سلوا عنا البنادق قاذفات ... تحدثكم لنا خبراً مطارا
بأنا الصابرون على لظاها ... وفي الهيجاء لم نبد اندحارا
لئن نادوا بإخلاص لقول ... أرادوا فيه للغش استتارا
فما الأقوال كالأفعال حاشى ... وما الرعديد مثل من استثارا
وما المفضال مثل فتى دنيء ... قد اتخذ الخداع له شعارا
على شرف البلاد لنا بنود ... وباغي الموت ما رام اشتهارا
أليلى ما لعيني قد أصيبت ... بآلام تزيد القلب نارا؟
رأيت بها مصير الشهم صبحاً ... فليت الصبح كان لها سرارا
رأيت دماءهم هدراً أريقت ... رأيت دماءهم صبراً توارى
شباب اعرسوا بالموت مرداً ... وكان رصاص قاتلهم نثارا
(وزغردت) البنادق في رجاهم ... وكان لهم طريق الناس دارا
وتابعهم كهول العرب زفاً ... فيا حزناً لمن تركوا الديارا؟
وظل نجيعهم ختماً بصك ... من العز الذي نالوا منارا
إذا ما قلت: ممن؟ قيل: عرب ... لذا بالعز تعلمهم جدارا
إذا الأعراب ماتوا أجل عز ... فما لبسوا به ثوباً معارا
مصطفى جواد
стр. 5617
نظمي وذووه
طلب في هذه المجلة (٨: ٥٣٠) صاحبها حضرة الأب أن اكتب ما يزيد في تراجم البيت الذي نمق عنه بعنوان (بيت عراقي قديم) الأستاذ عباس العزاوي بحثاً طويلا نشره في عدة أجزاء من المجلة في السنة الماضية فما لي إلاَّ أن انزل على رغبة حضرته لبيان النزر القليل الذي عثرت عليه بعد إبداء بعض الملاحظات إذ أني لا أرى بأساً في مجاذبة الأستاذ أطراف الحديث بهذا الشأن مع شكري إياه على سعيد المحمود في زيادة وقوفنا على أحوال هؤلاء الأفاضل.
الملاحظات
قال الأستاذ (ص ١١٩): (أول ما عرفت (هذه الأسرة) - نظراً إلى ما وصل إلينا - من سفر ألفه أحد أفرادها وهو عهدي البغدادي ابن شمسي البغدادي. و (صاحب) هذا الكتاب عرفنا أباه وأقاربه ومكانة أسلافه وأزال الغشاوة عن ظنون كانت تحوم حول تحقيق امر، هو أمر اكبر مؤرخ عراقي أي مرتضى أفندي آل نظمي المعروف عند الترك بنظمي زاده فان هذا الكتاب أزال الإبهام عن مرتضى أفندي بتعريف نظمي أفندي واتصاله بهذا المؤلف فصحح كليمان هوار الفرنسي وأقوال الصديق يعقوب نعوم سركيس وغيرهما) أهـ
ثم قال (ص ٢٧٥): (إن المؤرخين - نظراً لما عرف واشتهر من أحوال مرتضى المؤرخ العراقي - حاولوا إيضاح ما خفي من اصل أسرته فتضاربت آراؤهم في البحث عنه وكلها لم تتعد الحدس والتخمين فهي ظنون وأوهام.) أهـ
وقد أورد ترجمة نظمي عن نسخة (كلشن شعرا) التي بيده وأشار إلى أن نظمي متأخر عن عهدي فلا يمكن لكلشن شعرا - وهو لعهدي - أن يترجم نظمي فرأى (ص ١٢٣) أن في الكتاب مغمزاً - وقد صدق وسيجيء البحث عنه - لكنه ارتأى أن ما في كلشن شعرا صحيح وعلل ذلك.
стр. 5618
قلت: والتصحيح الذي قصده العزاوي هو أن اسم والد مرتضى ليس بالسيد علي (ص ٢٧٩) وانه يظن أن مرتضى لم يذهب إلى الأستانة (ص ٤٣٢) لسبب أورده أما ما كنت قد جئت به فأني أرجعته إلى مصدره (راجع ٧: ٥٢٣) وهو (ما وصل إلينا). ولي كلام
على والد مرتضى والسيد علي يأتي:
مما ألاحظه قول الأستاذ (ص ١١٩): (وان كانت (هذه الأسرة) تسمى في الأول بآل شمسي البغدادي ثم بآل نظمي البغدادي. . .) لا يتفق مع الواقع إذ أن نظمي سبط لعهدي كما قال العزاوي (ص ٢٧٥) فهما أسرتان فلا بد أن كلا منهما كانت تدعى باسمها وليس هذا ادعائي زعماً مجرداً فقد أورد الأستاذ خلال كلامه نساً يناقض ما سبق له فانه قال (٣٤٧) نقلا عن تذكرة سالم الذي كان من رجال ذلك العصر: (إنهما - أي حسين أفندي ومرتضى أفندي - من أدباء بغداد. . . اشتهرا بنظمي زادة. . .) اتخذا اسمهما لقباً لهما. أهـ
فإذا كان حسين ومرتضى في زمان حياتهما مشتهرين بنظمي زاده، فلا نرى وجهاً لتلك التسمية أي أن بيتهما كان يدعى يوماً بآل شمسي في حين أن يدنا خالية مما تستند إليه في تأييد قول الأستاذ، وهذا كاف ليجعلنا في حل من الشك في صحة رده (ص ٤٣٩) على عنوان المجد للحيدري من انه وقع في غلط لتمييزه بين (بيت نظمي زاده) و (بيت عبد الله أفندي المفتي بن مرتضى أفندي) إذ عدهما بيتين لا بيتاً واحداً. والظاهر أن دليل العزاوي أن عبد الله أفندي هو ابن مرتضى أفندي ابن نظمي هو القول الذي رآه منقولاً من نزهة المشتاق من أن (عبد الله أفندي هو ابن مرتضى أفندي) فحسب. أو لا يمكن أن يكون مرتضى هذا غير ذلك؟ وليس هناك ترجمة لمرتضى نظمي زاده تعرفنا بأولاده ولا نص يفصح عن أن عبد الله هو ابن مرتضى بن نظمي ليرتفع كل ريب وتزول كل شبه.
ومما قاله الأستاذ (ص ٢٧٨ - ٢٧٩) أن نظمي (لم يذهب إلى بلاد الأناضول) فآخذ هوار على ذلك. قلت: أما كلسن خلفا (الورقة ٧٢)
стр. 5619
فانه يقول في كلامه عن هذه الأيام: (. . . أكثر أصحاب غيرت وأرباب ديانت اختيار هجر روم. .) ثم يقول: (بدر مرحوم دخى أول أيامده برقاج كون اختفا بعده ترك مال ومنال ومفارقت ديار وديار ايدوب. . . حافظ احمد باشا. . استخلاص بغداد ابجون عراقه تكرار عزيمت وامالهء عنان ايتدكده. . . (بدرم) اوردرو لرينه رهياب وملاقات شريفه لرى ايله مستطاب اولوب بو قصيدهء غرا ايله. . . حسب حاللرينى بيان ايتمشلردر.) أهـ. ثم يقول أيضاً (الورقه ٧٣): (بعده باشاى مشار إليه (ايله) روم جنت رسومه هجرت واكرجه كرفتار آلام غربت اولمشلردر لكن نيجه وزرا
ومير ميرانه مقارنت ايله تحصيل سروسامان وتسليهء بخش دل بريشان لو لمشلردر.) أهـ. وملخص كلامه هو: (فاختار أرباب الغيرة والأتقياء الهجرة إلى الروم. (هنا بمعنى الأناضول) واختفى والدي في ذلك الزمن بعض الأيام ثم ترك ماله ومناله وفارق الأصدقاء وغادر الديار فسار إلى جيش حافظ احمد باشا وقد عاد إلى العراق لإنقاذ بغداد فطابت نفس والدي بملاقاته فانشد قصيدة غراء وبعده هاجر إلى الروم مع الباشا. وما اكثر الوزراء والميرميرانية الذين رافقهم. . .) أهـ. فكان أذن على هوار أن يقول أن نظمي سافر إلى آسية الصغرى وقد فعل فأصاب. إن إقامة نظمي في الرها لا تنفي سفره إلى الروم إذ يمكن انه بعد أن ذهب إلى هناك عاد إلى الرها فاستقر فيها. هذا وان كان يجوز - من باب الاحتمال - أن يقال لعل صاحب كلشن خلفا أراد بالروم توسعاً الرها وأنها من بلاد الجزيرة لكن لا تثريب على كل حال من الأحوال فقد قال كلشن خلفا (الروم) وقال هوار (آسية الصغرى) وهي الأناضول والكل واحد وهو اشهر من أن يذكر
стр. 5620
والكتب العربية لا تعرف اصطلاحاً آخر.
ومما قاله الأديب (ص ٢٧٧) ما يلي: (فحمد (نظمي) الله على الرجوع مع أمه ولم يكن معهما أحد وكان هاجر عنه (هاجر من وطنه بغداد) بزي درويش ناسك ومن ثم صار له من الأهل والعيال والأولاد. . .) أهـ، ثم نقد كلام هوا بما قوله (ص ٢٧٨): (وحين عودته (عودة نظمي) إلى بغداد لم يكن معه أولاد أو أحفاد نظراً للصراحة بذلك من انه رجع مع والدته فحسب وبهذا انتفى ما في تاريخ كليمان هوار.) أهـ.
قلت أن الذي عندي أن هوار كان مصيباً وقد قال كلشن خلفا (الورقة ٨٠ وما يليها) في أخبار حسن باشا لولايته الثانية على بغداد (من سنة ١٠٥٢ إلى سنة ١٠٥٤ أي من ١٦٤٢ إلى ١٦٤٤) ما نصه:
(بدر مرحوم دخى تك وتنها ترك يار وديار محروسهء رهاده قرار ايتمش ايكن بو أيام خير انجامده - الحمد لله الملك الجواد - أولاد وأحفاد وفي الجملة برك وبار ونطام معتاد كيرو عودت بغداد ايدوب شاكر أو لمشدر) أهـ وهذا مضمون كلامه: (إذ كان والدي أيضاً قد ترك الأصدقاء وغادر الديار وحيداً منفرداً فأقام في الرها فانه هي هذه الأيام المنتهية بخير عاد راجعاً إلى بغداد ومعه أولاد وحفدة. . .) أهـ. فلم ينتف أذن كلام هوار بشأن
رجوع نظمي مع أولاد وحفدة، وإذ قد أنبأنا العزاوي بان نسخة كلشن شعرا التي عنده
стр. 5621
فيها مغمز فليس علينا أن نعتمد عليها كل الاعتماد ولا سيما أورد المؤدى ولم ينقل النص ولا التعريب الحرفي زيادة (في اطمئنان القلب). ومهما يكن من هذا الأمر علينا أن نرجح على مصدره حكاية كلشن خلفا. كيف لا ومؤلفه بلا ريب ابن نظمي نفسه وهو اعلم بأسرته من غيره من كل الوجوه مع دراية واسعة.
وقال العزاوي (٢٧٥) عن نظمي انه محمد نظمي وقال (ص ٢١٩): (ولم يكن اسمه (اسم والد مرتضى) السيد علي بخلاف ما جاء في سجل عثماني عن مرتضى انه ابن السيد علي. فهذا غير صواب منه.) وأزيد على ذلك انه سيأتي ذكر لأحدهم اسمه نظمي - كان لحفدته وجاهة في بغداد - لم ننبأ بأنه
стр. 5622
سيد وزمنه يتفق مع زمن والد مرتضى فهل هو بذاته ونفسه؟ فان صح ذلك كان برهاناً جديداً على صحة قول العزاوي أن هذا البيت ليس بعلوي إنما لا يسعني أن لا التفت إلى سماع ما مر بنا من كلامي (٧: ٥٢٣) نقلا عن فهرست مخطوطات وعن (سجل عثماني) الذي يقول كان نظمي شاعراً بغدادياً. ثم يقول: (نظمي مرتضى أفندي (هكذا بدون (زاده) بين الاسمين) فهل سقطت الكلمة في الطبع؟ فان لم يكن فهل والد نظمي اسمه السيد علي فضاع الأمر فقيل أن السيد علي هو وال مرتضى؟ وينتج من هذا التردد فالتساؤل وجوب المثابرة على تحري حكماً يفرض بين الجانبين بصحة رأي أحدهما والذي اعتقده أن البت في الأمر لا تقوم به نسخة لكلشن شعراً فيها غميزة وذلك لا يجزم به ذكر نظمي جداً لحفدة قلنا لهم وجاهة في بغداد. ولست وحدي في هذه الشكوك فللأستاذ العزاوي أيضاً مثلها فانه رأى (ص ٥١٤) أن عبد الله أفندي المفتي - الذي قال عنه انه من هذا البيت - ينعث بسيد في (الحديقة) وفي مجموعة الآلوسي عن النزهة فأرجأ البت في أمره إلى (أن ينجلي المبهم) مع إبدائه رأياً.
جامع الخاصكي ونظمي وابنه مرتضى
ومما قاله الأديب أيضاً (ص ٢٧٨) ما يلي: (وقد ذكر له (لنظمي) ابنه مرتضى تاريخاً منظوماً في جامع السلحدار محمد بك). أهـ وهو يريد بذلك جامع السلاحدار محمد باشا الذي شيده مع مئذنة له لكنه لم يتمه. وهذا الجامع هو الذي لا يزال معروفاً بجامع الخاصكي الواقع برأس القرية وقد ذكر كلشن خلفا (الورقة ٨٧) الباشا بهذه الشهرة في مطلع أيام
ولادته.
стр. 5623
وإذ قد ورد في مباحث هذه السنين ذكر السلاحدار محمد باشا والسلاحشور محمد بك فلابد من الوقوف على تعيين من أراده العزاوي من هذين الرجلين ولا سيما أن لنظمي تاريخاً في الجامع المذكور وتاريخاً لابنه مرتضى. وهذا نص ما قاله كلشن خلفا (الورقة ٩٠) في أخبار هذا الوالي: (تكليف آصفى ايله تاريخنه بو مصراع بلاغت نشان بدر مرحومك رقمزدهء كلك بيانلرى أو لمشدر: التاريخ: جامع نور سلحدار محمد باشا سنة ١٠٦٩) أهـ (١٦٥٨). ومعنى ذلك أن والدي قال هذا المصراع في تاريخ الجامع على تكليف الوالي. وقال مؤداه أن كلمة نور تشير إلى (أبي النور) كنية الباشا التي كان يكنى بها حينما والياً في مصر. وأما أبيات صاحب كلشن خلفا في إتمام الجامع حينما أنجزه السلاحشور المار الذكر فمنها ما هو هذا وفيه التاريخ:
стр. 5624
واصل رحمت رحمان محمد باشا ... والىء دار السلام أيكن أو ذات أعلا
سعى وإخلاص ايله بوجامعى قلدى بنا ... لكن اتمامنه جون ايتمدى عمرى ايفا
اوسلحشور شهنشاه محمد بك انك ... يعنى برورده سى خيراتنى قلدى احيا. . .
ومنها:
برادا ايله ديدي بيررفردتاريخن ... جامع النور أبو النور محمد باشا (١٠٩٤ - ١٦٨٢).
وملخص كلامه أن محمد باشا حينما كان والياً في دار السلام سعى فبنى هذا الجامع لكن عمره لم يمتد ليتمه فجاء محمد بك سلاحشور السلطان الذي هو صنيع الباشا فأحيا خيراته. . . وتاريخه (جامع النور أبو النور محمد باشا). أهـ ويظهر صريحاً من نتيجة ذلك أن الرجل الذي قيل فيه ذلك البيت الذي ذكره العزاوي هو السلاحدار محمد باشا ولم يكن إذ ذاك قد تدخل في أمر الجامع السلاحشور محمد بك الذي لم يشتهر الجامع به يوماً من الأيام. أذن ليس بين هذين الرجلين من هو السلاحدار محمد بك إنما هو السلاحدار محمد باشا وهناك صنيعه السلاحشور محمد بك. وقد خلد مرتضى صاحب كلشن خلفا في أبياته المذكورة اسمي المشيد ومحيي خيراته.
ديوان نظمي
وظن العزاوي (ص ٢٧٩) مما نقلته عن هوار انه قال إبقاء الأيام لديوان نظمي وتمنى لو
انه اطلعنا على محل وجود نسخة منه. أما هوار فلم يقل بوقوفه على الديوان إنما قال كما ذكرته (٧: ٥٢٢): وتجد من نظمه (نظم نظمي) ما نقله ابنه مؤلفنا (مؤلف كلشن خلفا) عن ديوانه أو عن مجموعة قصائده. . .) أهـ. فذلك استخراج لهوار كما أن في كلشن خلفا (الورقة ٧٣) قصيدة لنظمي جاء في ما يليها من الكلام بأنها مثبتة في ديوان قائلها وهناك غيرها.
والذي وقفت عليه في الفهرست لدى كردمانش في مخطوطات شيفر أن في الطبعة الإفرنجية لكشف الظنون (٦: ٥٧٤) ذكراً لديوان نظمي زاده مرتضى.
стр. 5625
ويبين لمن يراجع الكشف أن ذكر الديوان ليس في صميمه بل في الملحق المسمى (آثارنو) لحنيف زاده احمد طاهر المتوفى في سنة ١٢١٧ (١٨٠٢) والصراحة لا تجوز لنا الشك في أن الديوان لغير مرتضى هذا ولا سيما انه ذكر سنة وفاته قريبة من التي ذكرها هامر ولكن هل في ذلك غلط صحيحه انه لنظمي كما غلط في أمر كتاب جامع الأنوار الذي سيجيء الكلام عليه. ومما جعلنا في الشك أن حنيف زاده لم ير نسخة من الديوان فانه لم يورد أوله كما جرى عليه اقتفاء بصاحب كشف الظنون في الكتب التي نظر فيها. وكما قلنا هل في نسبته للديوان إلى مرتضى غلط أيضاً وانه لنظمي؟
يعقوب نعوم سركيس
стр. 5626
كتاب نفيس في البلاغة مجهول المؤلف
وقع بيدي كتاب خط في البلاغة دونك وصفه، مبتدئاً بما استهل به المؤلف كتابه:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أطال الله في ظل أفياء السلامة بقاك وحجب عن غير نوائب الدهر نعماك وجعلك لمتوخى البلاغة معقلا ولا مال مؤمل الأفضال موئلا ومتعك بوفاء عهود أودائك وبلغك الغاية من تأويل ذوي المودة من أوليائك قرأت متعك الله بالسلامة وحياك بالزلفة والكرامة ما كتبت تشكوه إلينا من قلة الثقة بأصحابك وما تحمل من معناه تلون الصديق وسرعة ملل الرفيق وأنفة ذلك وشراسة خلق النديم وسألت أن اختار لك نديماً متأدباً كريماً وذلك لتستعين به على طوارق غمومك وتفجر به متكانف همومك وتفزع إليه من سهرك وتدعو به عند ضجرك وتعتمد عليه في أمورك ولتستمده لسرورك فرأيت استفراغ المجهود في طلب ذلك عذراً ووجدان من ارتضى خلائقه منادمتك عسراً وأحببت أن أخبرك بنديم يروقك منظره ويسرك مخبره وتطيب مشاهده وتكثر محامده وتقل ذنوبه وتفتقد عيوبه إذا دعوته أسرع وإذا حدثك أمتع وإذا سألته أجاب وإذا تكلم أصاب وإذا استرفقته رفق وإذا استنطقته نطق لا يرهقك عسراً ولا يحملك أصراً. فصنفت كتاباً في الفصاحة والإيجاز والبلاغة ضمنته موجزات الخطب ومنتخب بلاغات العرب مما حفظ من ملح كلامها ومختصر ألفاظها وموجز خطبها وبراعة أدبها ونادر خطابها ومسرع جوابها ومعجب قرائحها ومعجز بدائهها إلى شيء من بلاغة البلغاء وفصاحة الفصحاء وجواب الأدباء وإيجاز الخطباء ومحاورة الخلفاء وتهادي الظرفاء ومكاتبة الأمراء ونوادر الشعراء بفصاحة ذوي الألباب وثقافة أذهان الكتاب ورصانة عقول النساء وتكامل أدب الأدباء ونظمته بما انتظم من الحكم المحفوظة عن حكماء العجم ووصايا المحتضرين وحكم المجانين وقدمت ذكر براعة العرب على غيرها من الناس لتقدمها في الفضل على سائر الأجناس ولأن الله تعالى قد شرفها برسوله وفضلها بتنزيله وحضها بالخطاب
стр. 5627
المعجز واللفظ الموجز والسؤال الشافي ولا جواب الكافي فهم أمراء الكلام ومعادن العلوم والأحكام منهم ترد البلاغة واليهم ترجع البراعة ومنهم تؤخذ الفصاحة والناس بأئمتهم مقتدون ولآثارهم متبعون وترجمته بكتاب
(الفاضل) لفضله على كل كتاب كامل فأرسلت به إليك لا ممتناً به عليك لتجعله بدلا من الجليس وخلفاً من الأنيس وقد صدرت أمام ما ضمنته منك من ذلك فصلا ضمنته كلاماً جزلا في وصفه أمد البلاغة وفضل الفصاحة والبراعة فقف على ما فيه من فضله وانتفع من تبله لتعلم إذا أنعمت الاختيار أن شاء الله تعالى.
فهرست أبواب الكتاب
باب في صفة البلاغة وفضل الفصاحة والبراعة ١
باب البلاغة في الخطابة من أهل الفصاحة والدراية ٢
باب من أدركه الحصر في خطبته فاحسن العبارة في حجته٣
باب بلاغات الوفود في حسن البديهة والتسديد ٤
باب البلاغة في احتجاج الأسارى وحسن قول الموثقين والحيارى ٥
باب البلاغة من ذوي الرجاحة في حسن البيان والفصاحة ٦
باب البلاغة من ذوي الألباب في حسن المعارضات في الجواب٧
باب البلاغة من الأدباء يفي مخاطبة الخلفاء ومحاورة الأمراء ٨
باب البلاغة في حسن الاعتذار وتجاوز ذوي المقدرة من الأحرار ٩
باب البلاغة من البلغاء اللسن وطعنهم على النوكى اللكن ١٠
باب البلاغة في مكاتبات ذوي الألباب١٠
باب البلاغة من الحكماء والصفح من أهل المقدرة عن السفهاء١٢
باب البلاغة من خلفاء بني هاشم والمأثور عنهم من الآداب والمكارم١٣
باب البلاغة من ذوي المآرب في حسن التعزية عن المصائب ١٤
باب البلاغة ممن جمع بين تهنئة بعطية وبين تعزية١٥
باب البلاغة في من تعزى عن مصيبته وحسن صبره في رزيته١٦
باب البلاغة من وصايا المحتضرين ذوي الآراء والعقل الرزين ١٧
стр. 5628
باب البلاغة من العلماء في وصايا الأمراء ١٨
الجزء الثاني
باب البلاغة من ذوي الرشاد
باب البلاغة من الأمراء ذوي السداد وصايا الوكلاء والأجناد
باب البلاغة من الحكماء
باب البلاغة من الأعراب في شكوى الفقر وصفة الجدب
باب البلاغة من الأعراب في صفة القفار وصفة السحاب والأمطار
باب البلاغة من الأعراب في حسن السؤال وطلب المعروف والنوال
باب البلاغة من الأعراب في مدح الرجال ووصف ذوي المروءة والأفضال
باب البلاغة من الأعراب في ذم الرجال وذكر ذوي الجهالة والضلال
باب البلاغة من الأعراب في مدح قبائلهم ووصف بطونهم وعشائرهم
باب البلاغة من الأعراب في من اخلصوا له الدعاء وطلبوا له طول العمر والبقاء
باب البلاغة في ما سئلوا عنه من اللذات وتخيل طيب العيش والشهوات
باب البلاغة من الأعراب في صفة الأحباب
باب البلاغة من الأعراب في صفة رد الجواب
باب البلاغة من الأعراب في الحكمة أو سائر الأبواب
باب البلاغة من الأعراب في مواعظ الأخوان والأصحاب
باب البلاغة من الأعراب في الأتقياء في حسن الابتهال والدعاء
باب البلاغة من النساء ذوات الدراية والفصاحة
باب البلاغة من النساء المتأدبات في وصايا البنات
باب البلاغة من النساء في وفاتهن
باب البلاغة من الإماء المستظرفات في الخلوات
باب البلاغة من الغلمان ونادر براعة الصبيان
стр. 5629
باب البلاغة من الأكاسرة وحكماء الفرس والأساورة
باب البلاغة من العجم وما يؤثر عنهم من سائر آرائهم
باب البلاغة من المجانين ومأثور حكم المأثورين
كلامه في آخر الكتاب
وقد ذكرنا في كتابنا هذا من البلاغة والبراعة ما فيه لذوي الألباب افضل القناعة وما استوعبنا كل ما جاء في كل باب مخافة تطويل الكتاب ولأن مذهبنا في الاختصار والإيجاز والاقتصار ولو أردنا أن نسهب في الكلام ونزيد في الأبواب والنظام لهان ذلك علينا وإنما ذكرنا بعض ما نمي إلينا رغبة في الإيجاز والتخفيف والاختصار من التأليف أهـ.
أسماء بعض من يروي عنهم في تضاعيف الكتاب
اخبرني محمد بن إبراهيم الهمداني
اخبرني أبو جعفر القارئ
اخبرني أبو العيناء قال اخبرني منصور بن المهدي.
اخبرني محمد ابن إبراهيم القارئ عن الطائي.
اخبرني الحسن بن عليك الكوفي.
سمعت أبي يقول بإسناد ذكره.
اخبرني واخبرنا احمد بن عبيد عن الأصمعي.
حدثني أبو الفضل الربعي قال حدثني أبو بكر بن أبي مريم
حدثنا أبو محمد عبد الله بن أبي سعيد الوراق
اخبرني المعري عن الرياشي عن الأصمعي
حدثني أبو سعيد الشارحي
وأشار في آخر بعض الأبواب إلى أسماء كتب من مصنفاته تذكرها ذيلا لما كتبناه:
قال في آخر باب:
وهذا باب قد ذكرته في كتاب المرتضى في حسن عفو الأوداء عن هفوات الإجلاء.
وقال في آخر باب بلاغة خلفاء الهاشميين:
стр. 5630
ولما كانت أخبار بلغائهم كثيرة ذكرت منها يسيراً وتركت كثيراً وأفردت له كتاباً.
وفي آخر باب ١٦:
وهذه أخبار يطول أمدها ويكثر عددها وقد ذكرتها في غير هذا الكتاب في عدة أبواب من كتاب الابتهاج في الصبر المؤدي إلى جميل الراحة الانفراج الخ.
وفي آخر باب ١٨:
وهذا باب قد أفردت لمعناه كتاباً جليل القدر فأغنى ذلك عن التطويل.
وفي آخر باب بلاغة الإماء المستظرفات:
ولهذا الباب نظائر وقد ذكرنا في كتاب القلائد في أخبار متظرفات الولائد فأغنى ما في ذلك الكتاب عن التطويل هذا الباب
أبو عبد الله الزنجاني
(لغة العرب) هل من مطلع بصير يفيدنا عن اسم مؤلف هذا الكتاب الجليل؟
توضيحات
ذكر في ٥: ٢٣٣ من لغة العرب وصف صورة في معبد الإمام الرضا في مشهد. وأؤكد لكم أن لا وجود لتلك الصورة أو مثلها فيه، وهذا من قبيل ما ذكره خير الدين الزركلي في كتابه الأعلام (٢: ٦٧٤) قائلا: (وقد أقيم له تمثال (للإمام علي بن أبي طالب ﵇ في مدينة همذان سنة ١٣٤٣هـ). وليس لهذا النصب اثر ما في بلد من بلاد الله والواسعة.
وجاء في لغة العرب (٩: ١٢١) اسم حبة الشرق في إيران وهو سالك. فأحببت أن اذكر أسماء هذه البثرة عند الإيرانيين فالمقيمون منهم في العراق يسمونها (زخم خرما) (أي قرحة التمر)، والسبزواريون يسمونها (لكة سال) (أي حبة السنة) والطهرانيون وغيرهم: (سالك) وهو في نظرنا منحوت من (سال لكة) بمعنى حبة السنة. ولعلي واهم.
محمد مهدي العلوي
(ل. ع) رأيكم اصح من رأينا. ونشكركم عليه.
стр. 5631
فوائد لغوية
نقد تاريخ الأدب العربي للأستاذ الزيات
(تلو)
ونقل في ص ١٤٥ قول بعضهم في الصاحب بن عباد (لو رأى سجعة تنحل بموقعها عروة الملك ويضطرب بها حبل الدولة لما هان عليه أن يتخلى عنها) وقال في ص ١٥٩ (ولنظرة عجلى في فهرس اليتيمة للثعالبي تكفيك لتعلم أثر ذلك التشعب السياسي في نهضة الشعراء) فكيف أنكر أولا من هذا الكتاب وغيره ما يدركه الآن بنظرة عجلى في فهرست اليتيمة؟ ونقل في ص ١٧٧ قول الأصمعي (إن شعر أبي العتاهية كساحة الملوك يقع فيها الجوهر والذهب والتراب والنوى) أفلا يدل هذا على تتبع منهم للشعر؟ ونقل في ص ١٧٤ قول الجاحظ في بشار بن برد (كان بشار خطيباً صاحب منظوم ومنثور ومزدوج وسجع ورسائل وهو من المطبوعين أصحاب الإبداع والاختراع المتفننين في الشعر القائلين في اكثر أجناسه وضروبه) وفي ص ١٨١ قوله في أبي نواس (ما رأيت أحداً كان اعلم باللغة من أبي نواس ولا أفصح لهجة منه مع حلاوة ومجانبة استكراه، ولج أبواب الشعر كلها إلاَّ انه امتاز من كل الشعراء بفحش مجونه وصراحة قوله وصدقه في تصوير خليقته وبيئته ووصفه الخمر وصفاً لو سمعه الحسنان
стр. 5632
لهاجرا إليها وعكفا عليها) ونقل في ص ٢١٠، ٢١١ قول الثعالبي في الشريف الرضي (وهو اشعر الطالبيين من مضى منهم ومن غبر على كثرة شعرائهم المفلقين ولو قلت انه اشعر قريش لم أبعد عن الصدق. . . ولست ادري في شعراء العصر أحسن تصرفاً في المراثي منه) فهذه المقتطفات التي وضعها الأستاذ الزيات غيض من فيض مما ذكره علماء العرب على تطور الثر والنظم ومراتب الكتاب والشعراء فيه، فلا يقال انهم لم يبينوا ما بين الشعراء والكتاب من علاقة في الصناعة والغرض والأسلوب ولم يذكرا ماغرا النظم والنثر من تحويل وتقليب، ولكن يقال: ذكروه مفرقاً مشتتاً.
٥ - عصر انحطاط الأدب العربي
وقال الأستاذ في ص ٣ مقسماً الأدب بحسب اعصره (٣ - العصر العباسي ومبدأه قيام دولتهم ومنتهاه سقوط بغداد في يد التتار سنة (٦٥٦) وأيد هذا القول في ص ١٢٣ بأن قال (ولكن العربة بقيت في حمى القرآن تدافع سيل الفارسية والتركية الجارف وقد عز النصير من أهلها حتى غلب التتار على بغداد فغلبت على أمرها وخضعت لقانون الطبيعة القاهر بعدما خلفت في تلك البلاد شرائع وعلوماً وآداباً لم تقو على محوها الأيام) ثم نقض رأيه هذا في ص ١٦٠ فقال: (حتى تجرم القرن الخامس للهجرة فذهب معه جمال الشعر العربي من الشرق وفقد تأثيره في النفوس لذهاب المعضدين له من بني بويه وقلة الراغبين فيه من آل سلجوق واستشعار النفوس لذل الغلبة القهر بتوالي الفتن والإحن) فأين بقي العصر الذي أشار إليه إذا كان جمال الشعر العربي قد انصرم بانصرام القرن الخامس؟ ولماذا جعل هذا القسم موافقاً للعصر السياسي مع أن له عصراً أدبياً أولى به من ذلك؟.
وما أدري كيف قال هذا وفي هذا العصر من الشعراء (الغزي الكلبي) و (شميم الحلي) و (مهذب الدين) و (ابن الآمدي) و (ابن السوادي) و (هبة الله بن الفضل) و (الطغرائي) (الذي قال هو فيه بصفحة (٢٢١) ما مثاله (شعر الطغرائي عامر الأبيات، متين القافية، مختار اللفظ) وفيه (ابن خياط الدمشقي) و (القاضي ابن الذروي) و (الابيوردي) و (ابن
стр. 5633
الهبارية) و (حيص بيص) و (ابن الدهان الموصلي) و (ابن القيسراني) و (الأبله البغدادي) و (ابن التعاويذي) و (ابن المعلم) و (موفق الدين الاربلي) و (المؤيد الآلوسي) و (نضر النميري) و (أبو الفتوح بن قلاقس) و (البديع الاسطرلابي) و (ابن سعيد المنبجي) و (الخطيب الحصفكي) و (أبو الجوائز الواسطي) و (دلال الكتب الحظيري) و (ابن حمديس الصقلي) و (الرصافي الأندلسي) و (ابن أبي الصلت الأندلسي) و (ابن الصائغ) و (أبو العرب الصقلي) و (أبو بكر القرطبي) و (جمال الدين) و (مهذب الدين) و (ابن الساعات) و (عمارة اليمني) و (ابن الحداد) و (القاضي الارجاني) و (الرشيد ابن الزبير الغساني) و (ابن سناء الملك) و (أبو بكر بن طفيل) و (علي بن حزمون) و (أيو بكر يحيى المرسي) و (شبل الدولة) وغيرهم من فحول الشعراء؟
فقد كان الشعر محبوباً إلى أهله حتى إلى النساء، قال أبو محمد الحسن ابن عسكر الصوفي الواسطي: كنت ببغداد في سنة إحدى وعشرين وخمسمائة جالساً على دكة بباب ابرز
للفرجة، إذ جاء ثلاث نسوة فجلسن إلى جانبي فأنشدت متمثلا:
هواء ولكنه جامد ... وماء ولكنه غير جار
وسكت، فقالت لي إحداهن: هل تحفظ لهذا البيت تماماً؟ فقلت: ما احفظ سواه، فقالت: إن أنشدك تمامه وما قبله فماذا تعطيه؟ فقلت: ليس لي شيء أعطيه ولكني أقبل فاه، فأنشدتني الأبيات المذكورة، وزادت بعد البيت الأول:
إذا ما تأملتها فهي في ... هـ تأملت نوراً محيطاً بنار
فهذا النهاية في الابيا ... ض وهذا النهاية في الاحمرار
يتبع
مصطفى جواد
стр. 5634
باب المكاتبة والمذاكرة
١ - رد تصحيحات
اعترض صديقنا النقاد، مصطفى جواد، (٩: ٢٩٧) على قول ابن فارس في مقالته في أسماء أعضاء الإنسان: (وفي البطن الصفاق وهي جلدة البطن التي تحت الجلدة الظاهرة) فقال: (فقد تنوعت الجلدات. . .) أقول لم يقصد ابن فارس كثرة أنواع الجلدات، وإنما عرف الصفاق هذا التعريف لان الصفاق - وهو الذي تسميه الأطباء البريطون أيضاً - غشاء رقيق مصلي يستبطن جدار البطن ويغشي الأحشاء ويمسكها وهو في رقته كالجلد بل ارق منه ولكنه في طبيعته واتساجه بعيد عن الجلد. فليس ثم من تنوع.
وقال في ص ٢١٨ انه لا يرى وجها لزيادة (وأوصهم) بعد كلمة أولادك في كلام الجاحظ في رسالة ذم القواد حين يقول: (فحذر يا أمير المؤمنين أولادك بان يتعلموا) ولكني أرى هذه الزيادة ضرورية لان فعل حذر لا يتعدى بالبناء.
وصحح (ص ٢١٩) (اكف (؟) عذارى الألباب) ب (اكتنف. . .) ولكني لا أجد معنى يرتاح إليه في (اكتنف عذارى الألباب). ولعل حاشية الأب بصاحب المجلة اقرب للصواب عند إصلاحها بكلمة (اكفأ)
وصحح كلمة (برود) الواردة في (واجل رمص الغفلة ببرود اليقظة) بكلمة (مرود). وهذا غير الصواب. لأن المرود لا يجلو الرمص إنما الذي يجلوه هو الدواء. وهناك ما جاء في بحر الجواهر: (البرود كل دواء مبرد. واكثر ما يستعمل في أدوية العين، إذا كان أكثرها من أشياء باردة، يقال: بردت عيني مخففاً كحلها بالبرود. . . ج برودات.
الدكتور: داود الجلبي
стр. 5635
٢ - كتاب السموم لجنك
كلمت هنا في برلين الأستاذ (رسكا) بخصوص كتاب السموم فقال: إن آنسة اسمها الآنسة ستروس تهيئ نشر كتاب السموم لجنك، وتعتمد على نسختين خطيتين إحداهما من برلين والآخرة من الأستانة وغايتها الحصول على شهادة علامية (دكتوراه) من جامعة برلين،
وأظن أنها في مطالعاتها للبحث عن مطلبها وجدت تفاصيل في الآداب السنسكريتية عن النسخة الهندية الأصلية من هذا الكتاب.
ف. كرنكو
٣ - كتاب الجماهر في معرفة الجواهر لأبي الريحاني
البيروني
أعني بنشر هذا الكتاب النفيس على نفقة المعهد لتاريخ العلوم الطبيعية في برلين. وكان لي تصاوير من النسخة التي في الأسكوريال (في أسبانية) ثم حصلت على نسخة مصورة من نسخة الأستانة. وقد سررت بحصولي على هذه النسخة لأن جميع ما تصورته من الروايات الصحيحة وجدتها في هذه النسخة الإستانبولية، إلاَّ أن النسختين رديئتان. وكان ناسخ الكتاب الذي في الأسكوريال يجهل اللغة العربية، وكلا المخطوطين طافح بالأوهام الغريبة المضحكة. واغلب هذا الضرر واقع في الإعلام العائدة إلى المدن غير المعروفة. والكتاب من اجل التصانيف لأن المؤلف نظم الحجارة الكريمة والمعادن بحسب ثقلها الخاص بها وهو أمر يجهله مؤلفو العرب بنوع عام. وحين يطبع الكتاب تكون معه ترجمته الإنكليزية ليعم نفعه أبناء العرب والغرب واللغة الإنكليزية معروفة في الشرق اكثر من الألمانية.
برلين:
ف. كرنكو
٤ - الجزء الثامن من كتاب الإكليل
بلغنا إلى الصفحة المائة الثالثة من طبع الجزء الثاني من الإكليل. وبعد أن طبعنا اكثر من نصفه، قرأنا في معلمة الإسلام أن الأستاذ د. هـ. ملر سبقنا إلى طبعه. فتأسفنا لكوننا أضعنا وقتنا في أمر كنا في مندوحة عنه. فكتبنا إلى صديقنا الكريم الوفي الأستاذ الدكتور ف. كرنكو أن يفيدنا عما يعلم بخصوص
стр. 5636
طبعة الكتاب المذكور فكتب إلينا ما هذا بحروفه:
(لا يهولنكم أن يذهب تعبكم سدى، لكون غيركم سبقكم إلى نشر هذا الكتاب (أي الإكليل) قبل عدة سنوات، لأن ما نشر منه يبلغ زهاء عشرين صفحة تولى بثه بالطبع د. هـ. ملر
المرحوم وعنونه بالألمانية ما معناه: (محافد ومساند في ديار العرب الجنوبية) وقد كتبت إلى مكتبة آتو هراسوفتش في لايبسيك ليرى أمن الممكن الحصول على جزءي (أعمال محفى فينة) اللذين ظهر فيهما المقال المذكور. والذي يبدو لي أن الأمر بعيد المنال. أما نسختي فأنها لا تزال في الهند مع سائر كتبي. وليس في ما نشره الأستاذ ملر القصائد التي ترى في الإكليل. وان كان حفظي صادقاً فانه لم يدرج الطائية التي نشرتها لغة العرب (٩: ١٨ إلى ٣٠) وقد ضم إلى ما نشره من الإكليل ترجمته إلى الألمانية وتعاليق وفيها سلالات من الرقم السبإية التي تذكر بعض المواطن التي يدور عليها الجدال. وقد احدث هذا النشر في وقته نقداً حديداً بقلم المرحوم الكونت دي لندبرج. ويرى بعض هذا النقد في (النقديات العربية) التي نشرها الكونت المشار إليه في ليدن (هولندة) وقد اعتمد الأستاذ ملر على نسخة لندن واستشار أيضاً الجزء العاشر من الإكليل الباحث عن (حاشد وبكيل) المحفوظ في لندن أيضاً. ولم يكن ملر في نظري من كبار علماء العربية. فلما نشر ما نشره الكونت دي لندبرج ترك ما شرع فيه من طبع الإكليل). أهـ
ف. كرنكو
٤ - نصيب العراق من المعلمة والمعجم الحديث
بينما كنت أطالع العدد ٣٨٠ من جريدة (السياسة) البغدادية، عثرت على مقال للأستاذ رفائيل أفندي بطي عنوانه (مشروعات مصرية في سبيل وحدة البلاد العربية، المجمع والمعجم ودائرة المعارف، اقتراحات ونظرات)، فذكرني ذلك المقال ما كنت قد قرأته في المقتطف وفي غيره من المجلات العلمية، والصحف الإخبارية، عن ذلك المشروع العظيم.
قال صاحب المقال، في مطاوي بحثه: (ومن مهام المجمع أو اللجنة التي ستقوم بوضع المعجم الحديث، أن تدرس لهجات العوام الحالية في كل قطر من الأقطار العربية، لا لكي تهذبها، ليكتب بها أهلها - كما كان رأي الأستاذ
стр. 5637
لطفي بك السيد سابقاً، وهو رأي الأستاذ سلامه موسى اليوم - إنما ليستحيي من هذه اللهجات العامية ما يصلح للحياة في عالم الفصاحة وان توحد بينها ما أمكن إلى ذلك سبيلا. لكي تعين هذه الوحدة على الوحدة الفكرية، واللسانية العامة. وعلى هذا النمط لا يمضي وقت طويل حتى تتوحد لهجات الأقطار العربية كلها بلغة فصيحة نقية لا غبار عليها) أهـ.
ولما كنت أحد العراقيين الذين ارصد أوقاته للدرس والتدريس منذ عشرين سنة؛ رأيت من واجبي أن أقوم ببعض تلك الخدمة الأدبية؟ وانشر معجماً لمفردات العوام في العراق، وقد وضعته منذ نحو خمسة عشر عاماً؛ وكنت قد أدرجت طرقاً منه على صفحات هذه المجلة في سنيها الأول ليكون معواناً للقائمين بوضع القاموس العربي العصري.
وعسى أن تخصص حكومتنا العراقية شيئاً من الهبات تقدمه إلى فريق من أدباء هذه الديار، ليتمكنوا من مواصلة أبحاثهم التي تفيد المعلمة والمعجم، وجل أولئك الكتاب من الذي خدموا القضية العربية وجوا بغيابات السجون، ونفوا إلى ديار بعيدة، لا لذنب اقترفوه أو جناية ارتكبوها، بل بكونهم من محبي العرب والعربية. والشيء الغريب: إن فريقاً من المتصدرين أو الجالسين على أريكة المعارف، كانوا من المقاومين للنهضة العربية، فغدقت عليهم الحكومة أموالها فاخروا الثقافة في البلاد ونشروا أساليب تهذيب بالية وكتب بعضهم الفصول الطوال في الجرائد والمجلات منددين بذلك المنهج القديم؛ بيد أن رجال حكومتنا غضوا النظر عنهم، بحجة أن الكتاب يتحاملون عليهم، ويحطون من منزلتهم لأغراض في نفوسهم وحزازات في قلوبهم. وقد تحقق اليوم ما دونه أصحاب تلك المقالات بشهادة تقرير عصبة الأمم. أي أن أساليب الثقافة والتعليم في العراق قديمة بالية لا تلائم حاجة العصر، وعليه يجب إصلاحها.
فان تقاعست حكومتنا - الساهرة على مصلحة العراق - عن مهمتها، وسدت أذنيها عن سماع كلامنا هذا، ولم تساعد أدباء الرافدين بالمال، فسوف يكون نصيبنا ضئيلا جداً في تأليف المعلمة وتنسيقها وزيادة المعجم ويكون إذ ذاك اسم
стр. 5638
العراق في مؤخر البلاد العربية الناهضة، لان الأدباء ليسوا بأغنياء، ولا يقوون على القيام بنصيب وافر في نشر علمهم وادبهم، ما لم تساعدهم حكومتهم مساعدة تكفيهم مؤونة النصب في كسب معاشهم، وما يقوم بلوازم أسرهم.
ولا يتوهمن البعض بقولهم أن الحكومة المصرية - وعلى رأسها جلالة الملك فؤاد - غنية بالمال وبالرجال. نعم، قد تكون غنية بالمال وبالرجال أيضاً، ولكن المشروع الذي تريد معالجته لا يتسنى لها وحدها للقيام به. ويعجبني بل يروقني جداً ما جاء في مقال الأستاذ متي أفندي عقراوي مدير دار المعلمين بعنوان (توحيد الثقافة العربية) قوله: بيد أنني لا
أستطيع أن أتصور انه في طاقة أي قطر من الأقطار العربية أن يقوم بثقافة كاملة تبلغ منزلة رفيعة في الرقي والحضارة. كلا أنني لا أتصور انه في استطاعة العراق القيام بذلك وحده. ولا ربوع الشام منفردة، ولا مصر منفصلة، ولا الحجاز ونجد مبتعدتين؛ بل يجب أن تشترك جميع الأقطار العربية، وتتحد معاً فتتعاون وتتضافر، حتى تكون ثقافتها واحدة، قويمة الدعائم ثابتة الأركان) أهـ
إن واجبي المحتوم علي كعراقي مخلص لوطنه، يقوم بنشر المعجم العامي، ودرج مقالات في تاريخ العراق القديم والحديث، وتاريخ مدنه وعادات أهله، إلى غير ذلك من المباحث العصرية.
وعلى ذكر المعلمة العربية والمعجم العصري العربي، عثرت في العدد ٢٧٦ من (كل شيء) على بحث ظريف بعنوان (نهضة العلم والتعليم ببلاد العراق) موضوعه حديث مع الدكتور قدري بك قنصل العراق بالقاهرة. وقد استهل الكاتب مقاله بقوله: أعرب جلالة ملك العراق في الأيام الأخيرة عن رغبته في إيجاد موسوعة عربية تكون مرجعاً عاماً لأبناء اللغة العربية، وقاموساً شاملا لكل ما يحتاج إليه المتكلمون بالضاد من اصطلاحات قديمة وحديثة حتى تتوحد الثقافة اللغوية بين الشعوب العربية، ويسهل التفاهم بينهم وتزداد هذه اللغة قوة وانتشاراً.
(وقد رأينا بهذه المناسبة أن نتحدث مع سعادة القنصل العراق بالقاهرة عن
стр. 5639
اهتمام جلالة الملك فيصل بإيجاد هذه الموسوعة، وعن سعيه المتواصل في سبيل نشر العلم والتعليم ببلاده فتفضل علينا بالحديث الآتي،) وهذا الحديث مدرج في الصفحة الخامسة من (كل شيء).
فيظهر من هذا التصريح أن جلالة ملكنا المحبوب قد صمم على أن يبذل النفس النفيس لتحقيق هذه الأمنية التي يجنى منها فوائد علمية، وفنية، وأدبية. وقد بات أرباب التحقيق التدقيق من أبناء لغة الضاد يتوقعون نشورها في أمد قريب.
رزوق عيسى
٥ - كلام في مسجد قمرية
نقل الصديق الفاضل الأستاذ يعقوب نعوم سركيس في (٩: ١١٧) من لغة العرب (وكانوا
قد نصبوا من الجانب الذي من دجلة على مسناة دار العميد وبقرب القمرية منجنيقين عظيمين وهموا بنصب منجنيق آخر على الخان الذي بناه سرخك مقابل التاج) وذلك من حوادث سنة (٥٥١) وأستدل بهذا على اشتهار (قمرية) في منتصف القرن الخامس للهجرة على اقل تقدير.
ونحن نرى هذا الدليل ضعيفاً جداً لان الظاهر من (القمرية) أنها محرفة عن (القرية) المحلة المشهورة وهي على دجلة وقد قلنا في (٨: ٥٨٣) من لغة العرب (والقرية هذه يظهر لنا أنها تمتد على دجلة من غربي بغداد من فوق الجسر (كذا والأصوب من تحت) العتيق اليوم إلى ما فرق دار الندوة العراقية (وقد بدلت الآن)) أي فوق جامع قمرية الآن وقبالة النادي العسكري بالشرق ومما يؤيد ورود اسم القرية في هذا التاريخ قول ابن الأثير في حوادث السنة نفسها (وخرب الخليفة قصر عيسى والمربعة والقرية والمستجدة والتجمي) وقال ابن جبير الكناني في رحلته ص ٢٠٤ طبعة مطبعة السعادة (فأما الجانب الغربي فقد عمه الخراب واستولى عليه وكان المعمور أولا. . . لكنه مع استيلاء الخراب عليه يحتوي على سبع عشرة محلة كل محلة منها مدينة مستقلة وفي كل واحدة منها الحمامان والثلاثة، والثماني منها
стр. 5640
بجوامع يصلي فيها الجمعة فأكبرها القرية وهي التي نزلنا فيها بربض منها يعرف بالمربعة على شاطئ دجلة بمقربة من الجسر (لنا مقالة في أجسر بغداد) فالأمر يحتاج إلى دليل غير هذا.
أما العميد المذكور فلم نعرفه بعد على التحقيق ففي (٢: ١٨٤) من الوفيات ترجمة (محمد بن منصور عميد الملك) وزير البارسلان السلجوقي، وجاء في حوادث سنة (٦٣١) من الحوادث الجامعة وفاة أبي حفص عمر بن محمد الفرغاني وانه أقام برباط العميد مدة. فلعله عميد الدولة أبو منصور بن جهم (كذا) الوزير (كما جاء في ص ١٧) من مناقب بغداد و (ابن جهير) على رواية مختصر الدول ص ٣٢٤ ورواية الوفيات (٢: ١٧٩) وقال: بفتح الجيم وكسر الهاء وسكون الياء. . . وبعد راء كما في ص ١٨٣ وغلط السمعاني في ضم الجيم.
أما دخول (أل) على القمرية فتحقيقه كما ذكر الأب انستاس وقد ورد في ص ١٩٨ من عمدة الطالب: (وكان موسى بن عبد الله بنصيبين وله ولد لها وبغيرها فمن ولده جعفر
الأسود الملقب زنقاحاً ابن محمد بن موسى المذكور، من ولده معمر الضرير بن عبد الله بن زنقاح المذكور يعرف بابن القمرية وبهذا يعرف عقبه) بإدخال (أل) على (قمرية).
وفي ص ٤٢ من مختصر الدول أن اللذين قتلا أبا الكرم صاعد بن توما الحكيم
следующие страницы →