Полный текст (6 158 стр.). Показаны 5671–5710 · переход к 5676.
стр. 5671
تاسعاً: قوله: (حجن) هو المسموع في سورية (لا سوريا كما كتبها) لكن اللغة تريد أن توجه الكلمة وجهاً صحيحاً مقبولاً لا تأباه أحكامها، فيجب أن يقال الحجن كحذر لان العوام تكره هذا الوزن ولا تأنس به، بل لا تعرفه.
عاشراً: قوله: (برسوم) (العراق) اليوم هذه الكلمة غير معروفة ولعلها كانت كذلك في الزمن السابق.
حادي عشر: قوله: (بنج (بكسر الباء) ني (فارسية) لا يوافق المطلوب لان معنى (بنج) عقدة و (ني) قصب، فيكون معنى الفارسية قصب العقدة. وعلى كل حال لا دخل للفارسية هنا، فالمعجم علمي عربي لا غير، اللهم إلا أن تكون الكلمة الفارسية عربت فذلك أمر آخر.
ثاني عشر: قوله: فرغميطس هو الاسم اليوناني فذكره هنا وعدم ذكره سيان، نعم، إن أبن البيطار أستعملها، فهل من حاجة في صدرنا إلى استعمالها؟
ثالث عشر: قوله: (ناسطس) ثم اردفها بالحرف الإفرنجي غير موافق للصواب لان ناسطس ضرب آخر من القصب ليس الفرغميطس منه والكلمة الإفرنجية لا تكتب كما كتبها بل هكذا بلا حرف الهاء الإفرنجي، وهناك غلط ثالث هو أن اليونانية هي لا وهذه الأخيرة هي صورة الكلمة العلمية أي اللاتينية لا اليونانية. فوصلنا إذن إلى الغلط الخامس عشر.
أما الغلط السادس عشر: فهو أنه أعتبر القصباء التي هي جماعة القصب داخلة في اللفظة العلمية المذكورة وهي بعيدة عنها كل البعد ولا صلة لها بها.
والغلط السابع عشر أنه ذكر البربرية: (تغنيمة، تاغانتمت. تنيمة) ولا نرى في نفسنا حاجة إلى ذكر ألفاظ اللغات كلها. فتزداد المادة بين يدي الباحث فيحار في انتقاء ما يوافقه وفي كل ذلك من إضاعة الوقت ما لا يخفى على البصير. ثم إن الكلمة البربرية تكتب هكذا (ثغانيمث) لا كما ذكرها وتجمع على ثغونام وهي لا تفيد إلا القصبة العادية المألوفة أي لا هذا الضرب من القصب الذي يجري عليه كلامنا.
стр. 5672
فأين هذا مما يجب أن يكون المعجم العلمي الذي نريده؟ فيجب على الباحث أن يلقي جميع
هذه الكلم في بحر النسيان ولا يتخذ منها سوى لفظة واحدة لا غير هي (الحجن) بفتح الحاء وكسر الجيم وفي الآخر نون، وان شئت فزد عليها قصبة المكانس ليفهم القارئ غير الخبير مؤداها بكلمتين ألفهما.
٤. يخطئ أحياناً في ضبط الألفاظ
يجب أن يكون المعجم بعيداً عن كل خطأ بقدر ما يتمكن منه المؤلف. والذي لاحظناه في هذا الديوان تدفق أغلاط الضبط في كل صفحة أو يكاد، ففي ص ١٣٨ ضبط الحنبل (الذي هو كهدهد) بضم الحاء وفتح الباء، - وكتب في تلك الصفحة (فصولية) والمعروف فاصولية (معجم ديران كلكيان) والكلمة جاءتنا عن طريق الترك. - وفي تلك الصفحة ذكر الذنون والمعروف أنه الذؤنون، وتكررت الغلطة ثلاث مرات سطراً بعد سطر. - وضبط الترفاس بضم التاء والذي في محيط المحيط (والكلمة عامية سورية. وصاحب محيط المحيط سوري)، بكسر التاء - وفيها جاء: البرنوك بفتح الباء وهي بضمها. - وفيها: لم يضبط الزغبج وهي كجعفر. - وفيها: فيلورا والصواب: فلورية، بكسر الفاء وضم اللام المشددة.
٥. كثيراً ما يتخذ النكرات أعلاماً
نحن لا نريد أن نخرج من الصفحة ١٣٨ لنري القارئ ما فيها من الأغلاط وليقيس عليها ما في سائر الصفحات. فقد ذكر أعلام أنبتة: زهيرة، وزيتوناً جبلياً ومغربية وأذنية وقصباً وغاباً وبوصاً ويراعاً وهي نكرات للجنس لا للنوع. والواجب في المعاجم ذكر الأعلام المقابلة للأعلام الإفرنجية.
٦. تعريف الكلمة وتنكيرها في المادة الواحدة
وكثيراً ما يجمع في الرسم الواحد التعريف والتنكير. فلنعد إلى تلك الصفحة فانك تراه يقول فيها: (العتم - زيتون جبلي - الزغبج (ثمره وهو حب أسود) - فيلورا (يونانية) - الشحس) فكان ينبغي أن يقول: الزيتون الجبلي - الفيلورا (إن أردنا أن نوافقه على رسم الكلمة كما فعل) - وقد بينا كيف نكر الألفاظ مرة وعرفها مرة أخرى في كلامه على النخل وقال: قصب. . . القصباء. . .
стр. 5673
ولو مضى في وجهه تنكيراً أو تعريفاً لكان أصوب
وأصحز والأحسن التنكير في جميع الكلم لأننا تقابل الألفاظ الغربية المنكرة بحروف عربية منكرة.
٧. كثيراً ما يعتمد على كتابة الكلمة بالصورة التي يرسمها
الإفرنج
ذكر مثلاً في ص ١٣٩ الكاكنج وذكر بجانبها صور هذه الكلمة على ما يرسمها بعض جهلة الإفرنج فجعل بجانب الأولى: ككنج وققنج. فما كان أغناه عن مثل هذه الكتابة المغلوط فيها!.
٨. كثيراً ما يجمع في الرسم أو المادة الواحدة أسماء ليست
مترادفة
فقد ذكر مثلاً في ص ١٣٩ التنوب وجعل في جانبه ومرادفاً له ما يأتي: ((صنوبر أنثى صغير) - أرز - صنوبر صغير - كركر (فارسية) ثمره يسمى قضم قريش - الخضراء - فيطس - بيطس.) أهـ. فأين التنوب من الصنوبر، من الأرز، من قضم قريش، من الخضراء؟ فهذا ما يسمى خلطاً وخبطاً.
٩. ربما قدم الأعجمي على العربي وهذا مخالف للإنصاف
قال حضرة المؤلف في ص ٧٩ ناقلاً اللفظة العلمية ما هذا نقله بحروفه: (ما هو بداله (وتأويله بالفارسية القائم بنفسه أي أنه يقوم بنفسه في الإسهال) - ما هو دانه - حب الملوك - حب السلاطين (وسمي بذلك لسهولته على من يعاف الدواء أول أخذه) - شاب - لاثوريس (يونانية) - معشوق - سمكاً (سريانية أي سمك لان ورقها يشبه السمك الصغار) - طارطقة (بعجمية الأندلس وحبه يسمى حب الملوك وفلفل الاخوص وجوز الخمس - سيسبان (عند بعضهم في المغرب).) أهـ
قلنا: كان يحسن أن يقدم حب الملوك على الكلمة الفارسية، ولا سيما أنَّ الفارسية نفسها مركبة من كلمتين كالعربية، فلماذا قدم الدخيلة على الأصلية؟ فليس ذلك من الإنصاف في شيء.
وقوله: (وتأويله بالفارسية القائم بنفسه أي أنه يقوم بنفسه في الإسهال) كلام في منتهى الغرابة ومأخوذ عن ابن البيطار في كلامه عن الماهودانه، فأي فارسية يريد حضرته؟ والذي نعهده أن معنى (ماهو) أو (ماهوب) أو (ماهي) هنا: الزينة. و (دانه) الحب، فيكون محصل التركيب (حب الزينة)، كما
стр. 5674
قالوا: حب الملوك. وإلا فالتأويل لا يوافق اللغة الفارسية الشائعة، أو لعل المؤلف وقع على هذا التأويل في كتاب غير صحيح التأليف، فنقله على علاته، وهو كثيراً ما يعمل هذا العمل. فكان جديراً به أن يتحقق بالأمر قبل تدوينه.
وقوله بعد ذلك (ماهودانه) كان يحسن به أن يأتينا بجميع مرادفات الكلمة عند الفرس، بما أنه يضع لنا معجماً حاوياً لألفاظ جميع لغات الشرق والغرب ليعمي على الباحث الكلمة الحقيقية اللازمة له بينما يجب أن تكون واحدة لا غير بقدر الإمكان. وأما سائر الألفاظ فهي: ماهي دانه وطاريقه وباتو إلى غيرها. لكننا نقول أن هذه الألفاظ لا تدل على النبات بل على ما فيه من الحب أي ثمره وبلسان العلماء أفهذا هو التحقيق الذي يطلب من كل مؤلف لغوي؟
وقوله: (حب الملوك) هو للثمر أيضاً وليس للنبات، اللهم إلا أن يكون من باب تسمية الشجر باسم الثمر، وهو جائز في العربية وأمثاله كثيرة لكن ذلك لا يدخل في مدونات المعاجم، إذ ذلك يقلب المصطلحات رأساً على عقب، وإنما يجوز مثل هذا في المقالات غير العلمية لان العلم غير الشعر والأدب.
وقوله: (حب السلاطين (وسمي بذلك لسهولته على من يعاف الدواء أول أخذه)). أهـ. كل ذلك غريب. وأول فساد هذا القول أنَّ صاحب البرهان القاطع قال: (وحب الملوك غير حب السلاطين) أما حضرته فجعل الاثنين واحداً وهو غير صحيح عند الثقات. نعم أنَّ بعض المؤلفين (غير المحققين) نطقوا بمثل ذلك، بيد أن المحقق لا يلتفت إلى فاسد الآراء بل إلى صحيحها. وأما التعليل الذي ذكره، فتعليل لا يركن إليه البصير، والذي يظهر للمتروي أنه سمي كذلك لان حبته كبيرة بالنسبة إلى حبة الانبتة التي من صنفها، فهو كقولك: (شاه بلوط) وشاه أمرود وشاه بانك وشاهترج وشاهدانج وشاهسبرم وشاهبانك وشاهلوج وشاهنجير وشاهمرج إلى غيرها.
وكلها أضيفت إلى الشاه وهو الملك أو السلطان للعلة التي أشرنا إليها. - هذا فضلاً عن أن حب الملك أو الملوك وحب السلطان أو السلاطين وردا بمعنى
стр. 5675
آخر أي القراسية والخروع وكل ذلك يهدم مشرعة التحقيق والبلوغ إلى قلب التدقيق.
وقوله بعد ذلك: (شاب) فكلمة غريبة لم يضبط لنا باءها وهي الحرف الأخير. والظاهر أنها غير مشددة ولو كانت كذلك لضبطها لنا بالشد، والكلمة بهذا اللفظ ليست في لغة من لغات العالم، وصحيح الرواية شباب ككتاب والكلمة فارسية وتعني النبات نفسه لا الحب، وهي اللفظة المقابلة للاتينية.
وقوله بعد ذلك: (لاثوريس) (يونانية)، غير صحيح الرسم، والصواب (لاثورس) بحذف الياء السابقة للسين، لأنها في اليونانية غير ممدودة بل مقصورة أي أنها كسرة لا ياء، وهذا مما يجب الانتباه له، وان لا تنقل الألفاظ إلينا بصورة منكرة دميمة ذميمة.
وقول: (معشوق) غلط ظاهر. والصواب (مغموق) وذلك أن بعض العراقيين يأخذون حب هذا النبت قبل بلوغه بأيام قليلة، ويغمونه عندهم غماً كما يغم البسر ليدرك وينضج ويزعمون، أنه إذا أخذ قبل إدراكه وغم يكون أقوى فعلاً في المعدة من أخذه ناضجاً.
وقوله: (سمكاً (سريانية أي سمك لان ورقها يشبه السمك الصغار).) أهـ لا يوافق الصواب. وأول هذا الوهم أن سمكاً بالسريانية بمعنى السمك، أو السمكة لم يرد البتة، لكن المؤلف وجد هذا الكلام في مفردات ابن البيطار في ما هو دانه فأخذه بعلاته وحذافيره. أما اللفظة التي تعني السمكة فهي (نونا) عندهم، فأين (نونا) من (سمكا)؟ - أو لعله نقل هذا اللفظ عن بعض ضعفاء الكتبة وسخفاء متقوليهم ولم ينعم النظر فيه ولم يتثبت فيه.
وقوله: (طارطقة (بعجمية الأندلس) غير صحيح أيضاً، والصواب والمراد بعجمية الأندلس الأسبانية.
وقوله: (وحبه يسمى حب الملوك) تكرار لا معنى له سوى التهويل على الباحث ووضع كلمات لا تفيده.
وقوله: (وفلفل الاخوص) كلام يدل على أن المؤلف لا يتدبر ما يكتب. فما عمل الأخوص هنا والاخوص الغائر العين؟ أيتصور حضرته أن هذا الحب
стр. 5676
أو هذا الفلفل لا يفعل إلا في الخوص؟ أنَّ ذا لمن أغرب الغرائب! والصواب: (فلفل الخواص) كما سموه حب الملوك.
فليس للاخوص هنا أدنى عمل.
وقوله: (جوز الخمس) هو من باب وضع الشيء في غير موطنه. فجوز الخمس على ما قاله ابن البيطار: (جوز مدور هندي المنبت أكبر من البندق، أسود اللون، وفيه نكت تضرب إلى البياض، وهو مع ذلك أملس، وداخله حب يشبه القرطم البري، وهو حار يابس مسهل للطبع، ويستخرج الفضول البلغمية والاحتراق السوداوي، إذا شرب منه وزن درهمين بماء حار). أهـ. وزاد داود البصير: (ويقال أنه لا يوجد في الشجر أكثر من خمسة؟) فأين هذا من حب الملوك؟ - فبالحقيقة أنَّ في مطالعة هذا المعجم أضراراً عظيمة لا تقدر حتى أن المطالع ليتوهم أن صاحبه لا يعرف شيئاً من علم النبات، وهو مما نجله عن ذلك، فعسى أن لا ينقم علينا لهذا النقد النزيه.
وقوله: (سيسبان (بكسر فسكون) عند بعضهم في المغرب.) من الأقوال التي لا فائدة فيها. وأول عيب في هذا الكلام أنه ضبطه بكسر السين. والذي أجمع عليه النباتيون والشجارون والزراعون واللغويون أنه بفتح السين وإسكان الياء المثناة التحتية. والعيب الثاني أن الكلمة شاعت بمعنى فما معنى الاعتماد على كلام جماعة من الناس لا ثقة لها فيهم؟ وما كل ذلك إلا لأنه رأى هذا القول في مفردات ابن البيطار كما نقل عنه رأيه في تأويل ماهودانه فوقع تلك الوقعة الهائلة التي صرخ لهولها ملائكة السماء العليا، وسكان الأرضين السفلى. وهذا كلام ابن البيطار بحرفه: (ماهودانه، تأويله بالفارسية أي القائم بنفسه أي إنه يقوم بذاته في الاسهال، ويسميه عامة الأندلس طارطقة وبعضهم يسميه بالسيسبان أيضاً، ويعرف بحب الملوك أيضاً عند أطباء المشرق). أهـ
فأنت ترى من هذا أن الدكتور الأستاذ حاطب ليل ينقل كل ما يقع عليه من غير أن يتروى فيه، وليس هذا من شأن المؤلفين المتدبرين، فإنَّ ابن البيطار ضبط السيسبان بفتح السين أما هو فذكرها بكسرها نقلا عن لكلير، وإبن البيطار قال: (ويسميه عامة الأندلس طارطقة وبعضهم يسميه بالسيسبان أيضاً). فقال
стр. 5677
حضرته: (عند بعضهم في المغرب) وكان حقه أن يقول: عند بعض عامة الأندلس في سابق العهد. وما كان أغناه عن إثبات رأي جماعة من العوام لا شأن لهم ولا بال!.
ومن الغريب أنه مع حرصه على تدوين السفاسف والفسافس لم يذكر لغات الماهودانه التي
هي: الماهوبذانه والماهوذانة والماهوذانج.
وهناك مرجعات أخر منها: إن حضرة المؤلف جعل جميع تلك الألفاظ على مستوى واحد وإجحاف ظاهر بهذه اللغة التي نصعت ديباجتها، وأضاء نجم مجدها، وهي لا تريد أن يجعل بجانبها ضرائر لا شأن لها من العروبة ما لها. فكان يحسن به أن ينبه - بعلامات أو باصطلاحات أو برموز - إلى طبقة كل لفظة ومقامها من لساننا المبين، لئلا يختلط الحابل بالنابل، ويفسد علينا الصحيح والسالم، بل علينا أن نفعل ما يفعله الغربيون بدواوين لغاتهم فيميزون بالغثاء من الاتاء، ينبذون القبيح ويتمسكون بالفصيح، بالإشارات التي وضعوها لهذا الغاية.
ونقول بعد هذا: إننا ذكرنا لكل مغمز مثالاً واحدا، لأننا لو أردنا أن نعدد منها عشرات أو مئات لما صعب علينا الأمر، إلا أن الكلام يطول على غير جدوى. وعلى كل حال إننا مستعدون لان نبين في كل صفحة لا أقل من عشرة غلطات في أدنى تقدير، وذلك من باب المعادلة؛ وإلا فف بعضها ما ينوف على عشر، وفي بعضها قد يقل عنها.
ونختم هذا المقال بما بدأناه أي: إن في هذا المعجم حسنات وسيئات إلا أنَّ مساوئه تذهب بمحاسنه، لان هذا العمل ليس عمل رجل واحد، إنما هو عمل عدة رجالات يتمالؤون على الوضع، والنقل، والتنقيح، والتصحيح. والكمال لله وحدة.
стр. 5678
البيات
في بعض أرجاء إيران وفي ديار الكرد العراقية، طائفة مسلمة أسمها (البيات) وذكر لنا الأصدقاء أن قسماً منها يقيم في أذربيجان وهم ترك.
ومنها من جاور العراق، ويخيل إلينا أن أصلها من الترك ظعن فئام منها إلى بلاد الكرد في العراق، فتغيرت بهذا التغرب جنسية بعضهم فصاروا عرباً وكرداً وتركاً بموجب البيئة التي نشأوا فيها والأقوام التي اتصلوا بهم وخالطوهم بالزواج والمعاهدات.
وكان يحكم على نيسابور (نيشابور من بلاد خراسان في إيران) منذ عهد الصفويين (من ملوك إيران) حكام كانوا من هذه العشيرة الكبيرة، كما أن آصف الدولة المهراجا الوزير الهندي كان منها أيضاً.
وذكر الفيروز آبادي صاحب القاموس بلدة وكورة باسم بيات قرب واسط فلعل قسماً من هذه الطائفة كانت تقيم هناك فسمي المكان باسم ساكنيه، وعلى بُعد خمسة فراسخ من سبزوار قرية صغيرة تعرف ب (كلاتهء بيات) أي قرية بيات أو مزرعة بيات، ويحتمل أن يكون مؤسسها رجل من هذه القبيلة.
سبزوار (إيران):
محمد مهدي العلوي
(لغة العرب) البيات كسحاب، وضبطها الإفرنج بتشديد الياء، كما فعل سبرنجر (في المجلة الألمانية الشرقية المجلد ١٣: ٢٢٥) وكليمان هوار في (لمعة عن قبائل العرب في العراق ص ٢٥) وغيرهما. وقد قال السيد جرجيس حمدي الذي ألف هذه اللمعة في سنة ١٨٦٥ ونقلت إلى الفرنسية: (البيات يشبهون العزة إلا أنَّ عددهم يبلغ ثمانمائة بيت، والحكومة العثمانية تعين شيخهم ولا تمدهم بدراهم. وأسم شيخهم اليوم صلال وهم ينقادون لحاكم بغداد ويرون نازلين بين بغداد وكركوك.) أهـ كلام السيد جرجيس. وقد وعدنا صديقنا المحقق السيد محمد مهدي العلوي بتتبع البحث من كتب التاريخ.
стр. 5679
كره العرب للحياكة
أعجبني قولكم في (٩: ٢٢٣) من لغة العرب (لان أغلب النساجين فرس) فان العرب ولا سيما الحجازيين كانوا يكرهون الحوكة والحياكة وقد زادت هذه الكراهية بعد ظهور الإسلام بسببين: أولهما أن العرب أنفت من النزول بين أصحاب الصنائع وهي القوية القاهرة السيدة. وثانيهما ما روي في الحواك خاصة من الأخبار المنفرة عن الحياكة الذامة لهم، فقد روى الشيخ بهاء الملة والدين أنه دخل رجل إلى مسجد الكوفة وكان عبد الله بن عباس مع أمير المؤمنين على بن أبي طالب وهما يتذاكران العلم فلم يسلم الرجل عليهما وكان أصلع الرأس من أوحش خلق الله تعالى وخرج من المسجد ولم يسلم، فقال الإمام على - ع -: يا ابن عباس اتبع هذا الرجل واسأله ما حاجته؟ ومن أين وإلى أين؟ فأتاه وسأله، فقال: أنا من خراسان وأبي من القيروان وأمي من اصفهان. فقال له ابن عباس: وإلى أين تطلب؟ قال: البصرة في طلب العلم، قال ابن عباس: فضحكت من كلامه، فقلت له، يا هذا تترك علياً جالساً في المسجد وتذهب إلى البصرة في طلب العلم والنبي - ص - قال: أنا مدينة العلم وعلي بابها فمن أراد العلم فليأت المدينة من بابها. فسمعني علي - ع - وأنا أقول له ذلك، فقال: يا ابن عباس أسأله ما تكون صنعته؟ فسألته فقال: إني رجل حائك، فقال - ع -: صدق والله حبيبي رسول الله - ص - حيث قال: يا علي إياك والحاكة، فإن، الله نزع البركة من أرزاقهم في الدنيا وهم الارذلون، ثم قال: يا ابن عباس، أتدري ما فعل الحياك في الأنبياء والأوصياء من عهد آدم إلى يومنا هذا؟ فقال: الله ورسوله وابن عم رسوله أعلم. فقال علي - ع -: من أراد أن يسمع حديث الحائك فعليه بمعاشرة الديلم، ألا ومن مشى مع الحائك قتر عليه رزقه ومن أصبح به
стр. 5680
حفي (كذا) فقلت: يا أمير المؤمنين: ولم ذلك؟ قال: لأنهم سرقوا ذخيرة (نوح) وقدر (شعيب) ونعلي (شيت) وجبة (آدم) وقميص (حواء) ودرع (داود) وقميص (هود) ورداء (صالح) وشملة (إبراهيم) وتخوت (اسحق) وقدر (يقعوب) ومنطقة (يوشع) وسروال (زليخا) وإزار (أيوب) وحديد (داود) وخاتم (سليمان) وعمامة (إسماعيل) وغزل (سارة) ومغزل (هاجر) وفصيل ناقة (صالح) واطفأوا سراج (لوط) وألقوا الرمل في دقيق (شعيب) وسرقوا حمار (العزير) وعلقوه في السقف
وحلفوا أنه لا في الأرض ولا في السماء وسرقوا مرود (الخضر) ومصلى (زكريا) وقلنسوة (يحيى) وفوطة (يونس) وشاة (إسماعيل) وسيف (ذي القرنين) ومنطقة (أحمد) وعصا (موسى) وبرد (هرون) وقصعة (لقمان) ودلو (المسيح) واسترشدتهم (مريم) فدلوها على غير الطريق وسرقوا ركاب النبي - ص - وخطام الناقة ولجام فرسي وقرط (خديجة) وقرطي (فاطمة) ونعل (الحسن) ومنديل (الحسين) وقماط (إبراهيم) وخمار (فاطمة) وسراويل (أبي طالب) وقميص (العباس) وحصير (حمزة) ومصحف (ذي النون) ومقراض (إدريس) وبصقوا في الكعبة وبالوا في زمزم وطرحوا الشوك والعثار في طريق المسلمين وهم شعبة البلاء وسلاح الفتنة ونساج الغيبة وأنصار الخوارج والله تعالى نزع البركة من بين أيديهم يشور أعمالهم وهم الذين ذكرهم الله تعالى في محكم كتابه العزيز بقوله: وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون وهم الحاكة والحجام فلا تخالطوهم ولا تشاركوهم فقد نهى الله تعالى عنهم.
стр. 5681
والحياكة عند أهل اليمن أكثر منها عند غيرهم فالعصب والبرود التزيدية والحبرات والثياب السحولية لهم. وغالب ما كان يجلبه تجار مكة من المنسوج كان من نسجهم، وكانوا بعد الإسلام يعيرون بالحياكة، ألا ترى إنَّ الإمام علي - ع - لما قال له الأشعث بن قيس: (هذه عليك لا لك) قال له: (ما يدريك ما علي مما لي؟ عليك لعنة الله ولعنة اللاعنين، حائك ابن حائك، منافق ابن كافر)، ومن كلام خالد بن صفوان على اليمانين: (ما أقول في قوم ليس فيهم إلا حائك برد أو دابغ جلد، أو سائس قرد، ملكتهم إمرأة، وأغرقتهم فأرة، ودل عليهم هدهد) فهذه الأخبار تؤيد الرواية الأولى.
مصطفى جواد
جنك أو جنكة أو صنكة لا منكة
صاحب كتاب السموم
كنت قد كتبت إليكم أنَّ صاحب كتاب السموم اسمه (جنك) وهو بالهندية (جنكة) وهو بالجيم الفارسية المثلثة فنقل الناطقون بالضاد هذه الجيم بالشين المنقطة بثلاث أو بالصاد.) أهـ.
برلين:
ف: كرنيكو
(ل. ع) والذي وجدناه في الرسائل التي وقعت في أيدينا أنَّ الاسم صحف بصورة (منكة) بميم في الأول. راجع كشف الظنون المطبوع في الأستانة في باب (كتاب ٢: ٢٨١) في كلامه على كتاب السموم. فقد سماه (منكه الهندي) وكذلك جاء في النسخة المطبوعة في بولاق (في مصر) القاهرة وفي لندن على يد فلوجل، فمسخ الأعلام يرى في كل كتاب وكل لسان. ويجب على كل أديب ردها إلى صحاحها.
كتاب الفاضل في صفة الأدب الكامل
هو اسم الكتاب الذي نشرنا وصفه في الجزء السابق ودونك الآن وصف النسخة الخطية: طول هذا المخطوط ٣١ سنتيمتراً ونصف في عرض ٢١ وهو في جزءين وتبلغ صفحات كل جزء ٩٢ وعدد سطور الصفحة ١٥ وليس فيه تاريخ الكتابة إلا أن أسلوب الخط يظهر أنه من الخطوط التي خطت بعد الألف الهجري، والنسخة المعروفة من هذا الكتاب ترى في خزانة العلامة الجليل الشيخ فضل الله الزنجاني (في زنجان من ديار إيران) وهو لا يضن باستنساخها.
стр. 5682
نظمي وذووه
اللقط الجديدة
تتمة
وبعد هذا كله أشير إلى نظمي في ما جاء في مجموعة تاريخية بالتركية عندي في ذهاب موسى باشا إلى كريد بالأسطول السلطاني وفي الوقائع التي جرت، وفي المجموعة أيضاً خمس وعشرون صفحة من النثر تروي ما حدث في بغداد في قسم من سنة ١٠٥٧ و١٠٥٨ للهجرة (١٦٤٧ و١٦٤٨) من أمر عصيان واليها إبراهيم باشا وقتله ودخول موسى باشا والياً فيها ما لا تجده في كلشن خلفاً من الإفاضة والاسترسال وتفصيل الوقائع وتسمية المواضع كميدان قنبر علي وآق شرعه (آق شريعة أي الشريعة البيضاء) وقوشلر قلعه سي (قلعة الطير) وهناك طائفة من الرجال كان لهم في الحوادث شأن ويد بينهم: شاهبندر بغداد (خوجة حسب الله). وقد دون صاحب المجموعة أيضاً المنازل التي أجتاز بها من الأستانة حتى قدم إلى الإمام موسى الكاظم (الكاظمية) في ١٦ من محرم سنة ١٠٥٨ وقال في آخر ذلك ما تعريبه: (وإذ قد ولي بغداد ملك أحمد باشا الحافظ لديار بكر فقدم متسلمه إليها في ٢٠ ذي الحجة سنة ١٠٥٨ فتسلم الايالة عبرنا (إلى الجانب الغربي) - ومعنا (تعلقاتنا) (الأقرباء أو المنسوبون إلينا أو كلاهما معاً) و (الاوتاق) وخيامنا فنزلنا الموضع المسمى (المنطقة) أهـ.
والظاهر أن المدون كان من ذوي موسى باشا أو من الذين ينتمون إليه وان
стр. 5683
خروجه كان مع الباشا فان التاريخ الذي ذكره يوافق ما قاله كلشن خلفا من أن ولاية موسى باشا انتهت في ٢١ ذي الحجة سنة ١٠٥٨. ثم يقول المدون في صدر جدول ذكر فيه المنازل ووجهته الموصل فشمالها: (إن التوقف في (المنطقة) عن المسير دام حتى قدوم (ملك أحمد باشا) فمرت أيام بلغت أربعة وعشرين).
وفي المجموعة ما عدا النثر قصيدة أبياتها خمسون فيه وصف ما جرى في بغداد من الحوادث المذكورة وهذا مطلعها:
ويلا لازم كلور ذكر ايلمك أحوالي (كذا) بغداد ... انكجونكه ظهور ايتدى انواعي (كذا) بي
آدي
والبيتان التاليان وردا قبل البيت الأخير من القصيدة وفي أحدهما التاريخ:
بو ذو قيله نوله كر تازه لنسه ذكر تاريخي ... جويكي فتح ايله دار الأمان اولدي اونك يادي
(١٠٥٨)
سخن بولدي كمالن من بعد نظمي! سر أغاز ايت ... دعايي حضرت صاحب قران ملك
إرشادي. . .
وتعريب هذا البيت هو: لقد بلغ الكلام تمامه فمن بعد ذا؛ يا نظمي! اشرع بالدعاء لحضرة صاحب القران (كناية عن السلطان) ملك الإرشاد.
وفي صورة لوثيقة تأريخها (تاريخ الوثيقة) في ١٦ ذي الحجة سنة ١١٧٠ (١٧٥٦) فيها من الشهود من كبار رجال ذلك العهد مثل مفتي بغداد الشيخ محمد أفندي ونقيب أشرافها السيد محمود أفندي وخطيب الإمام الأعظم الحاج السيد أحمد أفندي وأمثالهم الذين من هذه الطبقة وبينهم (زكريا جلبي أبن عبد الرحيم أفندي نظمي) و (صاري محمد أفندي ابن علي جلبي نظمي) و (الحاج زكريا ابن محمود أفندي نظمي) وهم الذين أشرت إليهم في صدر المقال. وإذ كان هؤلاء الرجال من أهل ذلك العصر كان جدهم نظمي من أهل القرن الحادي عشر فيوافق أن يكون نظميهم نظمينا الذي عليه وعلى بيته مدار البحث. فهل لأهل التحقيق والتدقيق أن يكشفوا الغامض ويأتونا بعلم جديد؟
стр. 5684
وقد وقفت على أن (لنظمي زادة بغدادي) شرحاً بالتركية لقصيدة الفرزدق الشهيرة ببيتها: (هذا الذي تعرف البطحاء وطأته.)
ولكني لا أعرف لأي فاضل من هذه الأسرة هو هذا الشرح.
ومن الغريب أن أوليا جلبي لم يذكر نظمي في رحلته مع أنه خص فيها (٤: ٤٢١) قطعة بشيوخ بغداد وشعرائها يوم كان فيها في سنة ١٠٦٦ هـ (١٦٥٥ م) فقال: (ويعد من العلماء العاملين شيخ الإسلام مصطفى أفندي الكردي ومفتي الأنام زين العابدين أفندي وغراب أفندي وابنه محمود أفندي وفيها أربعون شاعراً فصيحاً بليغاً مشاهيرهم: شيخ زادة جلبي، بالي ضيايي جلبي ملا زادة، محمود أفندي الغرابي) أهـ. فهل كان هؤلاء أعلى ذروة من نظمي وأرقى كعباً وان لم تصلنا قصائدهم؟
هذا والحقيقة بنت البحث.
يعقوب نعوم سركيس
حاشية
تذكرة الأولياء أو جامع الأنوار
قلت في ما سبق أن صاحب كتاب (آثار نو) قد غلط في أمر كتاب جامع الأنوار وهو تذكرة الأولياء والآن أوضح ذلك: جاء في كشف الظنون من الطبعة الإفرنجية (٦: ٥٥٩) تحت عدد ١٤٦٢٧: (تذكرة أولياء تركي لمؤلفه نظمي زادة مرتضى أفندي البغدادي تأليف حدود سنة عشرين ومائة وألف (١٧٠٨ م)
стр. 5685
أوله: (حمد وثناي بي غايه وشكر وسباس بي نهايه الخ). وتحت عدد ١٤٦٢٨ كذلك (تذكرة أوليا تركي سماه جامع الأنوار لمؤلفه أحد علماء الشيعة من بغداد تأليف سنة اثني وتسعين بعد الألف في شهر جمادى الآخرة أوله: (أي دوست علم واجب الوجود. . . الخ) أهـ. أما نسخة خزانة الأوقاف - وقد كنت ذكرتها (٧: ٥١٨) ثم ذكرها العزاوي ونقل أولها (ص ٤٣٣) - ففي أعلى الصفحة من مقدمتها ما يلي: (هذا كتاب تذكرة الأولياء ومراقد اصفيا (كذا) في أطراف بغداد دار السلام.) أهـ. وأول المقدمة هو كالذي ذكره آثارنو تحت عدد ١٤٦٢٨. وقد حكى المؤلف في هذه المقدمة - ولم يشهر اسمه - سنة شروعه بتأليف الكتاب في سنة ١٠٧٧ (١٦٦٦) وتسميته إياه جامع الأنوار في مناقب الأبرار ثم أجالته القلم فيه في سنة ١٠٩٢ (١٦٨١) - وكما قال - (فأتمه وأكمله ونقحه وذيله). وجاء في وصف النسخة المحفوظة في المتحفة البريطانية (فهرستها ص ٧٤ - ٧٥) عن مضمون مقدمتها مثل ما جاء في نسخة خزانة الأوقاف ومثل ما ورد في تعريب البندنيجي للمقدمة (٧: ٥٢٠).
قلت أن ما ذكره آثارنو عن كتاب تذكرة الأولياء الموسوم بعدد ١٤٦٢٧ من أنه لنظمي زادة مرتضى وما رأيناه في نسخة خزانة الأوقاف ونسخة المتحفة وتعريب البندنيجي يلزمنا أن نقول أن هذا الكتاب هو جامع الأنوار بعينه وانَّ ذكر صاحب آثارنو تأليف ذلك الكتاب في حدود سنة ١١٢٠ (١٧٠٨) وهي السنة التي عرفنا أن جامع الأنوار صنف فيها. وإذ لا تقول ذلك النسخ القديمة التي ذكرتها ولا تعريب البندنيجي بل توضح أن آخر
عهد المؤلف بكتابه كان في سنة ١٠٩٢ أضحى صاحب آثارنو من الواهمين. وأما جوابنا على مخالفة مقدمة تذكرة الأولياء الموسومة بعدد ١٤٦٢٧ لمقدمة تذكرة الأولياء الموسومة بعدد ١٤٦٢٨ والمسماة اسماً آخر أي جامع الأنوار، هو - على ما يلوح لي - أن مقدمة ١٤٦٢٧ هي مقدمة الكتاب عند أول تصنيفه قبل أن ينظر المؤلف فيه ثانية، وإذا أردنا البحث عن الكتاب الموسوم بعدد ١٤٦٢٨ فأوله وسنة تأليفه يوافقان ما في نسخة الأوقاف ونسخة المتحفة فلا يكون هذا الكتاب إلا الذي نظر فيه صاحبه نظمي زاده مرتضى وتصرف فيه، فجامع الأنوار هو تذكرة الأولياء
стр. 5686
وكلاهما واحد، ولعل التصنيف الأول كان أسمه بادئ بدء تذكرة الأولياء فغلب عليه هذا الاسم وان سماه مؤلفه جامع الأنوار في مناقب الأبرار بعد التصرف فيه، ويجوز أن أحداً رأى أسمه الكامل طويلاً وإذا اقتضب واكتفي باسم جامع الأنوار لا يفيد مضمونه سماه تذكرة الأولياء فشاع ذلك وذاع وعم وبقي الأول كالمنسي.
هذا ولا عبرة في نسبة آثارنو لجامع الأنوار إلى أحد علماء الشيعة إذ إن من يطالعه يرى أنه من تآليف أبناء السنة فضلاً عما جاء لفخري زاده والبندنيجي معربي الكتاب أنه لنظمي زاده مرتضى كما مر بنا (٧: ٥١٨). ومن عادة علماء الشيعة أن يكتبوا تأليفهم بالعربية أو الفارسية لا بالتركية.
يعقوب نعوم سركيس
الصابئة
قال الإمام العلامة ابن المطهر الحلي في كتابه المختلف المطبوع بإيران سنة ١٣٢٣ (٢: ٨٢): والصحيح في الصابئة أنهم غير النصارى لأنهم يعبدون الكواكب. أهـ وقال الطبرسي في تفسيره مجمع البيان (١: ٥٤ طبعة إيران سنة ١٣١١ هـ): (فكان معنى الصابي التارك دينه الذي شرع له إلى دين غيره كما أن الصابي على القوم تارك لأرضه ومنتقل إلى سواها والدين الذي فارقوه هو تركم التوحيد إلى عبادة النجوم أو تعظيمها) أهـ. وذكر عطاء أمين في مجلة اللسان خلاصة مقال الشهرستاني في الملل والنحل عن الصابئة بما هذا نصه: (إنهم قوم كانوا على عهد إبراهيم الخليل وكانوا يقولون أنا نحتاج في معرفة الله تعالى ومعرفة طاعته وأمره وأحكامه جل شأنه إلى متوسط روحاني لا جسماني ومدار مذهبهم على التعصب للروحانيات وكانوا يعظمونها غاية التعظيم ويتقربون إليها، ولما لم يتيسر لهم التقرب إلى أعيانها والتلقي منها بذواتها فزعت جماعة منه إلى هياكلها وهي السبع السيارات وبعض الثوابت) أهـ. (راجع مجلة اللسان البغدادية م١ ج٢ ص ٥٣ سنة ١٣٣٧ هـ). وقال الأب إنستاس ماري الكرملي: (والصابئية أي عبادة الأجرام النيرة) أهـ. (راجع لغة العرب م٧ ج٣ ص ١٩٦ سنة ١٩٢٩ م).
العلوي
стр. 5687
مدن العراق القديمة
كيش (تل الاحيمر)
تابع:
وعلى من يزور كيش أن يصعد قبل كل شيء إلى الزقورة الخربة (تل الأحيمر) فيرى في وسطها المتخذ من اللين ما يدل على إن الزقورة العظيمة أحرقت برمتها، لان الملاط الصلصالي نفسه مشوي. وهناك نوافذ تخترق التل من جانب إلى جانب وقد أصبحت الآن مأوى الثعالب. ويرى بين طبقات الآجر طبقات الرماد الأبيض الدال إلى هذا اليوم على نوع الحصير المستعمل، وهو من جنس الحصير الذي يتخذه العرب في زمننا هذا ليعمروا به أكواخهم (راجع أيضاً ما يخص عقرقوف وبرسبا).
ويتضح عظم المدينة الواسعة الأرجاء لمن يجول بنظره وهو واقف فوق قمة برج الهيكل الذي يبلغ اليوم من الارتفاع نحو ستين قدماً. ولكنه كان في حينه أعلى من هذا بكثير. ويمكن اقتفاء أثر أهم مزايا البلدة بمراجعة الخريطة. وطول مدينة كيش زهاء خمسة أميال في عرض ميلين، ويظهر أنها كانت في بادئ أمرها مدينتين توأمتين واقعتين على ضفتي الفرات المتقابلتين، وكان يجري النهر من الفجوة التي ترى بين طائفتي الروابي الرئيستين. وكان هيكل إلبابا وزقورته قائمين على ضفة النهر على نيف ونصف ميل من باب المدينة الغربي. وفحصت الروابي الواقعة هنا وهناك بين ساحة الهيكل وبين موقع الباب فاتضح أنها بقايا دور سكنى، وكانت تتألق في الزمان الذي أعاد ملوك بابل العظام، ملوك السلالة الأولى، هيكل اله الحرب وزخرفوه.
ومن هناك يسير الزائر إلى أخربة قصر محصن واقع على مسافة نحو ميل شرقاً في وسط منطقة تجذب الأنظار لخلوها من التلول، ويظهر في أول وهلة أنه لا يتوقع شيء فيها. ومع ذلك بعد مرور يومين من هبوط الأمطار تبدو في الموقع نفسه عدة أبنية كبيرة بدواً جلياً فوق التراب. ويمكن إذ ذاك اقتفاء أثر
стр. 5688
الغرف والدهاليز حتى الأبواب والمنزويات، وذلك لما بين اللبن القديم والتربة المحيطة به من الفرق في الجفاف.
وإلى اليوم لم يكشف القصر كشفاً صادقاً إلا إنه يبدو جلياً أن هناك من الفائدة الخارقة العادة
ما لا يخفى على أحد، ولعل الزائر يخيب ظنه بعد الالتفاته الأولى لما يرى حواليه من الخراب الظاهر. ولكن لو نقب القسم الشرقي من البناء لكشف دهليزاً تحت الأرض يمتد على موازاة جدار الحصن في الخارج. وثخن ذلك الجدار أربع عشرة قدماً، ولعل تلك الأزقة أقدم أزقة تعرف من نوعها، وكأنها تبيح للمنفرج بمكنونات غابر عهدها، وما جرى فيها من الوقائع الخطرة، والحوادث الروائية، التي تروق الإنسان لما فيه من عواطف الأطفال. إذ أن هذه العواطف لا تبرح معظم البشر طول حياتهم. ولم يوقع بعد على أحد طرفي هذا الممر مع أنه حفر فيه ما طوله مائتا قدم، ويرى بين تلول تلك الأنقاض المملة ما تحتويه من أسس الأبراج المستديرة والبئر الواقعة في الفناء، والحمامات والبلاليع المقيرة وموائد الطعام وطبقات الرماد الدالة على أن القصر غزي واحرق غير مرة. وبإجهاد الفكر بعض الإجهاد، يمكننا أن نعيد إلى مخيلتنا ذلك البناء وقديم مجده وما طرأ عليه من الطوارئ الخيالية وما شهده من المحاربة والموت، وهو اليوم خراب غريب في موضع مهجور.
وعلى الزائر بعد ذلك أن يعرج نحو الجنوب ليرى الأبنية المحفورة في كتلة التلول المرتفعة التي يسميها العرب هنالك (عين غرا) وكان أسمها في القدم (هر سجكالما)، وترى في ذلك الموطن زقورتان (مفتولتان)، وهيكلان على أقل تقدير، وقصر محصن، وهناك أيضاً أبنية أخر لم يطلع على حقيقتها بعد. وأول شيء يستوجب كشفه هيكل عظيم، لم يحفر منه إلى الآن إلا قسم لا غير، ولا تزال بعض جدرانه قائمة في بعض الأماكن وارتفاعها ثماني عشرة قدماً. وجدد نبو كدراصر الثاني هذا الهيكل في القرن السادس ق. م. ويتضح أنه جرت فيه ترميمات غير مرة قبل ذلك الحين، وفي الحقيقة أن هناك ما يدل على أن الهيكل الأصلي يعود إلى زمن قديم جداً ولعله يرجع إلى سابق تاريخ
стр. 5689
الشمريين. وربما كان الهيكل (إهر سجكالما). والزقورة الكبيرة من الزقورتين يعودان إلى (انينة) معبودة الشمريين والصورة الأولى لاشتر، إلا انه لم يعثر إلى هذا الحين على برهان جازم يفصح عن الآلهة لمن كانت هياكل هرسجكالما مرصدة.
ويقتضي أن الزقورتين كانتا قائمتين في زمن مجد سرجون الأول ومملكة أكد، إذ أن قلبيها اتخذا من الآخر المسطح المقبب. وأهمل استعمال هذا النوع من الآجر بعد إخضاع
الساميين للشمريين. وقد ظهر أن الزقورة الكبيرة جددها سرجون نفسه وأعاد وجهها بالآخر المربع الضخم الذي كان يستحسنه.
وبعد أن يدور الزائر حول الزقورتين يأتي إلي بناء كان نقب فيه المسيو (دي جنوياك) سنة ١٩١٢. وتثبت أنواع الآجر المبنية به الجدران العالية. إنَّ هذا البناء جدد أيضاً عدة مرار، ويظن أنه جزء من هيكل (؟) (لانينة) وستنكشف حقيقته بعد تنقيب يمعن فيه، كما أنه يعتقد أن الهيكل الذي تعود إليه الزقورة الصغيرة واقع في رواب كبيرة مجاورة لها.
وفي جنوبي هذا الهيكل، وعلى قرب منه، يرى خليط من التلول هي أنقاض تدل على موضع القصر المحصن العجيب لملوك كيش، وربما كانوا من السلالة الثانية، وبني ذلك القصر وأضيف إلى بناءه فترك قبل ٣٠٠ ق. م. وإذا جال الزائر بين الروابي وقف بغتة على فناء دار رحيب، أمام وجهه بناء يذهل الناظر إليه، وهنالك درج عريض ومنخفض ذو أربع عشرة مرقاة، ولم يبق منها شيء غير اللبن ولكن ينبغي أنها كانت في بادئ أمرها مكسوة بمادة أصلب، ولعل تلك المادة كانت النحاس الأحمر، إذ يظهر أنه كانت للشمريين كمية وافرة من ذلك المعدن، ولا ريب في أنه كان لصف العمد القائمة في أحد أطرفا الفناء منظر هائل حين ذاك، كما إنه لا يشك في أن تلك الأساطين الشامخة كانت مغشاة بالمعدن، أو يحتمل أنها كانت مرصعة بالصدف والمحار ومحفورة في الحجر الكلسي على شكل يرى في القطع التي عثر عليها في الغرف المجاورة لا، وتلك القطع على جانب عظيم من الرونق والإتقان تروق الألباب. (راجع المحفورات في تل العبيد).
стр. 5690
وينجلي كل الانجلاء للجوابة الخبير أن هذا القصر العظيم أكتسح وأحرق وربما حدث ذلك في سقوط السلالة التي أضافت إلى القصر جبهته القائمة على العمد. وهناك ما يدل دلالة لا ريب فيها على أن حماة الحصن دافعوا دفاع الأبطال وما زالوا يقاومون، الأعداء مدة طويلة ويتنقلون من غرفة إلى أخرى، وأقاموا الموانع هنا وهناك بسرعة بعد أن اقتحمت أسوار القصر المحكمة التحصين.
ووقع على صفيحة صغيرة من حجر الكلس في إحدى الغرف فيها من أقدم خط الشمريين المعروف، وهي محفوظة الآن في المتحفة في بغداد. وتعود رسومها الرمزية إلى زمن أقدم من زمن ذلك القصر، ويجوز إنها اذخرت كذكرى منقولة أو كمطرقة من حجر.
وقبل مغادرة هذا الموقع المفيد يجب زيارة مسكن النساخ المنهدم الواقع على ربع ميل من غربي القصر. فقد عثر على عدد كثير من الصفائح اللغوية والنحوية والدينية في دور متخربة من عصر (إسن) وعصر بابل الجديد. وكثير من تلك الصفائح مسطر على شكل دفاتر هذا اليوم. والبعض منها ملقى في الأزقة الضيقة، وفي ذلك ما يذكرنا بأن في تلك الأيام القديمة نفسها كان الأولاد الصغار يذهبون إلى الكتاب على رغم من إرادتهم.
وإلى ما وراء أبنية هيكل (هرسجاكالما) تنساب تلول واسعة الامتداد وتتصل بتخوم المدينة الشرقية. وربما كانت تلك الروابي بيوتاً عديدة للمأوى، وفيها ما يبين أنها سكنت إلى زمن الفرس وعصر الفرثيين. ولكن لم يقم أحد بتنقيب هذه المنطقة تنقيباً منظماً.
وقد استفيدت فائدة جليلة جمة من الحفريات التي قام بها في أخريات الأيام، الأستاذ (لنغدن) المدير العام لبعثة كيش، في محل يسمى (جمدة ناصر) على خمسة عشر ميلاً من الشمال الشرقي، ولا جرم أن هذه الأخربة ترجع إلى ما يسبق تاريخ الشمريين، والآجر هنالك قائم الزوايا. ولكنه يختلف كل الاختلاف عن الآجر الذي حل محل المسطح المقبب. والخزف المطلي يشبه نماذج الخزف القديمة جداً التي كشفت في السوس وميشان في عيلام.
стр. 5691
بابلو (بابل) - (هي بابل المذكورة في التوراة: سفر الملوك الثاني ١٧: ٣٠ ودانيال ٤: ٣٠ الخ). وهي على مسافة ٥٤ ميلاً من بغداد في السيارة. وأما من الحلة فعلى ثلاثة أميال.
يقال ساكن الأسد الوزغة حيث كان يعز جمشيد ويشرب. (بيت شعر فارسي) لا ترى مدينة من المدن يصح فيها قول الشاعر الفارسي كما يصح في بابل، لما يرى فيها من الخراب الهائل الموحش، واللبن الممل بوحدة لونه. فلقد أنقرض الأسد الآن من أرض الرافدين - إلا أن الحاكم التركي في الحلة أهدى إلى (لايرد) في نصف القرن المنصرم أسدين كانا آخر نوعهما في هذه الديار، بيد أن الضبع والثعلب يحلان محل الليث. وهناك أبارص صغيرة تسرح على الروابي التي يعلوها الغبار.
ولو خرقنا بفكرنا الستار الحالي، ستار الخراب السائد في هذه المدينة، وعبرنا تلك الأيام حين كانت بابل في أبان مجدها وذروة عظمتها في عصر نبو كدراصر الثاني، لرأينا مزايا عجيبة في أكوام اللبن المتراكمة وربما ظهر فيها بعض الرونق.
ومن ير بابل المرة الأولى يرتبك في منطقة الأخربة الفسيحة التي تكاد تتشابه في الحجم واللون، وعليه يشار على الباحث أن يباشر مشاهدة هذه المواطن القديم آخذاً بكويرش، وهي قرية صغيرة يسكنها الأعراب في يومنا هذا، وواقعة على ضفة النهر، وسكنها الأثري الألماني (الدكتور روبرت كولدواي) مدة تنقيبه الطويل الذي بدأ به في سنة ١٨٩٩ وانتهى عند نشوب الحرب العظمى. ويقع تل القصر في شرقي القرية تواً، ويتضمن ذلك التل أهم أبنية المدينة الجليلة التي كاد يعيدها نبو كدارصر كلها لتكون آية لمجده وجلاله (دانيال ٦: ٣٠) وهناك طريق آثار أقدام تمتد من جانب التل الشمالي فتمر بالزاوية الشمالية الغربية من جدار المدينة الداخلي إلى أن تؤدي إلى أسد بابل الشهير الواقع على مرتفع صغير محاطاً بغدران مملوءة قصباً، وهذا الأسد متخذ من البصلد وهو كبير واقف فوق رجل مضطجع.
ويرى على قرب من ذلك الأسد الطريق المقدسة، وهي طريق مرتفعة
стр. 5692
معتدلة كانت في حينها مبلطة بقطع كبار من حجر الكلس، وكان يسار عليها بالآلهة في كل رأس سنة باحتفال جليل فتنقل إلى هيكل مردوك المسمى (إي ساجلا) أهم هياكل بابل.
وكان يقوم على جانبي الهيكل جدران فيها رسوم السباع الهائلة بحجم طبيعي وأسود وثيران وحيوانات خرافية محفورة حفراً تتألف فيه الألوان الزاهية ومصنوعة بإتقان فاق به الحذاق البابليين سواهم، وكان في الجانب الأيمن قصور وفي الجانب الأيسر هيكل (نن مخ) الآهة الأمهات، وكانت النساء تنذرن لها التماثيل بشكل والدة وأبنها لتمن عليهن بولد.
ويحسن بالزائر أن يلاحظ عند مروره بباب أشتر اقيسته الخارقة العادة. ذلك الباب الفخم الزاهي إلى هذا العهد مع أنه في حالة خربة. ولا جرم أن هذا الباب بابان لان جدار المدينة الداخلي كان مزدوجاً. ويحتوي ذلك الباب على ما يشبه فناء وسطاً ناشئاً من تشييد جدار في كل جانب منه يمر الواحد بالآخر. وارتأى بعض الثقات أنَّ دانيال حين القي في جب السباع كان هذا الجب الخندق الواقع بين الجدارين وكانت السباع فيه معتقلة (دانيال ٦: ١٦). ولباب أشتر طبقان، وكانت الطريق المقدسة تمر بطبقته العليا المزخرفة بالحيوانات بحجمها المألوف ومنحوتة نحتاً محكماً والمدهونة بألوان بديعة. وأما الطبقة السفلى فكانت غرفاً وآزاجاً تحت الأرض، وكثيراً ما تشبه السراديب التي يسكنها أهل
العراق في عصرنا هذا، وهم يشيدون بعضها تحت الأرض هرباً من حر الشمس اللافح في القيظ، ويرى أيضاً في ذلك القسم من الباب حيوانات منحوتة ولكن يظهر أنها لم تلون قط.
وتل القصر كله الواقع في شمالي باب أشتر وجداره كتلة من الآزاج المتداخلة وكلها متهدمة، ويتعذر الوقوف على خطة البناء الأصلية. ولكن كانت تقوم في هذا التل قصور (نبوبلصر) وقصور نجله نبو كدراصر الثاني، الذي حاز من الشهرة ما يفوق شهرة والده.
وقد سعى الألمان ههنا سعياً محموداً حتى انجلت لهم رسوم الطبقة الأرضية من الأفنية الواحد بعد الآخر فضلاً عن رسوم عدة غرف محاطة به. ويدعون أن في
стр. 5693
هذا التل كانت (الجنان المعلقة) الشهيرة المعدودة من عجائب الدنيا السبع، وكان في التل أيضاً غرفة عرش نبو كدراصر التي ظهرت فيها لبلشصر اليد المنبئة الكاتبة على جدرانها (دانيال ٥: ٥) قبل احتلال كورش الفارسي تلك المدينة (٥٣٩ ق. م) بيد أنه لا يرى فيه ما يفصح عن عظم بابل في سابق عهدها سوى عقود الأبنية التي كان عليها بناء ضخم فضلاً عن رسم ردهة انهدمت جدرانها منذ زمن طويل فأصبحت تراباً.
وتنحدر الطريق المقدسة إلى ما وراء القصر شيئاً فشيئاً فتمر بهيكل أشتر و (تل المركز)، وهو أخربة دور سكنت في عدة عصور، ويقع هذا التل على يسار القصر، ثم تنعرج الطريق انعراجاً قويماً فتتجه نحو (تل عمران).
وتمكن المنقبون الألمانيون من أن يقعوا هنالك على رسم الطبقة الأرضية (لأي سجلا) هيكل الإله القهار مردوك بين خليط كثير من اللبن والأنقاض. ولكن لم يبق شيء الآن ينطق بجليل مجد ذلك الهيكل الذي أمر حمرب أن تدون شرائعه فيه على صفيحة حجر عظيمة. وبعد سبعة عشر قرناً عقد فيه قواد الاسكندر مجلساً بعد وفاة زعيمهم، ويرى إلى شمالي الهيكل كل ما بقي من (أنتمن انكي) (دار حجر أساس السماء والأرض)، وهي برج بابل العظيم ذو الطبقات السبع الواقع الآن في حفرة كبيرة يغمر الماء قسماً منها في الشتاء، وهو من غريب الاتفاق.
ويمتد من هيكل مردوك ممر يؤدي إلى مركز الجسر الذي كان يجمع قسمي بابل أحدهم إلى الآخر وكلاهما راكب ضفتي النهر، ولا تزال أسس ادعمة الجسر ظاهرة في ثغور
عقيق النهر القديم وكان واقعاً في شمالي تل عمران على ما يرى اليوم وقوعاً قاصداً، ويتسنى للجوابة الواقف فوق هذا التل أن يطلع على وضع الأخربة العام، ومن ثم يسير إلى المسرح اليوناني المشيد قبل موت الاسكندر في بابل (٣٢٣ ق. م) بنحو سنتين، ولسوء الحظ لم يبق من المسرح المتدرج شيء غير خطته الخارجية.
ويمكن اقتفاء أثر خطوط جدران المدينة من قمة (تل حميراء) القائم على شمال شرقي المسرح وبالقرب منه، ويبلغ محيط الجدار نحو عشرة أميال وكان
стр. 5694
محكماً إحكاماً خارق العادة، وفي الحقيقة كان عريضاً جداً، إذ نقل عن هيرودوتس أنه كان يتيسر لعجلة تجرها أربعة رؤوس خيل، أن تدور في الطريق الواقعة بين صفي أبنية ذات طبقة واحدة قائمة على حافتي سطح الجدار.
وعلى مسافة قصيرة من الاخربة الرئيسة وشمالها داخل الجدار الخارجي تواً، يرى تل بابل، وهو بقايا القصر المحصن الذي بناه نبو كدراصر لمحافظة المدينة حين يهاجمها عدو من الجانب الشمالي. ووضع نبو كدراصر نظام دفاع عظيم لأنه كان يخشى دائماً غزوات الماذيبن، ومن ضمن ذلك النظام سور منيع كبير ترى أخربته إلى هذا الحين على خمسة عشر ميلاً من جنوب شرقي سامراء، وهناك أيضاً حصن (سفر) وهو سور آخر يمتد نحو كيش، وفضلاً عن ذلك كانت لديه وسائل تمكنه من أن يغمر الأراضي ماء حوالي بابل فتحول دون العدو.
(راجع ما يخص أوبس وسفر).
ويتطلب تدوين تاريخ بابل مجلدات طوالاً، مع أن المدينة حديثة العهد بالنسبة إلى كثير من بلدان سهل شنعار المجاورة لها. ومعظم تاريخها حروب واضطرابات، وحربها لآشورية لم تنقطع البتة، وكانت آشورية خصم بابل في الشمال، وقد سلبت بابل مراراً واحرقت، واختطف الإله مردوك من هيكله (راجع ما يختص بآشور ونينوى). بيد أن بابل أصبحت في أزمنة الصلح مقر الديانة والعلم والفلسفة، فضلاً عن أنها كانت موئل التجار، وكانوا يؤمونها من ديار شاسعة، وتبرز ثلاثة أزمنة من تاريخ بابل بروزاً جليلاً وهي:
عرفت سلالة بابل الأولى بحكم حمرب العظيم. وله اليد البيضاء لما أوجد من الشرائع التي أنتفع بها العالم نفعاً جماً يقدر حق قدره.
عظم شأن بابل بعد ذلك حين حكمت سلالة (فاشي) (١١٦٩ - ١١٠١ ق. م) فتلالا نجمها في أثناء سلطنة نبو كدراصر الأول. إذ أن هذا الملك فاق فوقاً عظيماً حكم ملوك كيش الخامل. لأنهم ملكوا في بابل زهاء ستة قرون ولم يتمكنوا من أن يقهروا جيرانهم الآشوريين القهارين في الشمال. ولكن سلالة (فاشي) دانت لعزم (تغلث فلاشر) الأول وقوته (راجع ما يختص بآشور) ورزحت المملكتان تحت حمل غزوات الآرميين في الشمال مدة تقارب القرنين.
стр. 5695
أصل اليزيدية وتاريخهم
٢ - إن هذه الفرقة كانت ولا تزال متكتمة، منزوية، لا تختلط بأحد، ولا ترغب - كغيرها أمثالها - أن تنشر ديانتها، أو عقيدتها بين الأقوام المجاورين وهذا التكتم يدعو أحياناً إلى تقولات، وآونة إلى حب التطلع والبحث عن الخفايا والأمور المستورة أو إلى الاختلاق وسوء التفسير؛ ويكاد يكون غريزياً في الأقوام أن يكشف المبهم إذ الذين لا يهمهم شأن غيرهم، ولا يودون الاطلاع على سبب كل حادث، قليلون جداً، ولذا يصدق قول القائل:
منعت شيئاً فأكثرت الولوع به ... أعز شيء على الإنسان ما منعا
ويصح توجيه غرض الباحثين، وحرصهم على التطلع بهذا الوجه، إذ لم نر الأفكار قد اشتغلت بالملل والنحل في هذه الأيام، اشتغالها بالتحقيق عن هذه الفرقة بقصد التوصل إلى حقيقة هذا الكتمان وما وراءه، والبت في أمره، وعلى كل حال ينتهي البحث باستكمال الوثائق والتدوينات الكافية.
كان من رأي الأستاذ صاحب لغة العرب: (إنها (أي اليزيدية) بعد أن كانت تقرب من الإسلامية في عقائدها، وشعائرها، ورسومها، ابتعدت عنها.) (راجع المشرق ٢: ٣٢ و١٥١ و ٣٠٩ و٣٩٥ و٥٤٧ و٧٣١ و٨٣٠). ولكن لا إلى المانوية.
وقد مر النقل عن السمعاني، أنها مسلمة متزهدة تعتقد الإمامة في يزيد وتتعصب له.
أما التصوف فهو معروف عنهم بالوجه المذكور. وقد ولدت منه عقائد جديدة منشأها غلاة هذه الطريقة، ودخول جماعة في زمرتهم من شواذ الأمم الآخر. وهذه الأمور حدثت متأخرة خصوصاً عقيدة الاحتراز من ذكر الشيطان، وسيأتي تفصيل هذا الإجمال بتطبيقه على عقائد هؤلاء.
стр. 5696
الاعتقاد في يزيد:
إنَّ الخلاف السياسي بين الأمويين والعلويين كان قديماً من زمن قتل عثمان (رض) وانتظام الحكومة الاموية، ولا نزال نرى آثار الحزبية فيه بادية إلى هذا الحين، ولكن بعد سقوط
الحكومة الأموية، خضدت شوكتهم وأصبح المناصرون لهم قليلين وان لم يخل عصر منهم، حتى في هذه الأيام، فقد رأينا - قبل بضع سنين - أن قد أوصى بعضهم صديقاً له عازماً على السفر إلى سورية بتبليغ سلامه إلى أثنين: أبي العلاء المعري، ويزيد بن معاوية باعتباره الأول مصحاً دينياً، وبزعمه في الثاني أنه مصلح سياسي ولم يجد أكبر منهما في نظره.!
مهما كانت المغالاة، فالتحزب للأمويين أثناء حكومتهم، وبعد امحائها كان ولا يزال وهذه أمور غير مستبعدة، خصوصاً من رؤساء اليزيدية الذين هم في مواطنهم الحاضرة، ويمتون إليهم نسباً ويوالونهم.
ولم تكن فرقة اليزيدية خاصة بقوم معينين، أو فئة قائمة بنفسها، وإنما تولد الخلاف بعد ذلك ومن جراء هذا صاروا على عكس أنصار العلويين؛ إلا أن رياسة الأمويين وتوليتهم الكرد جعل تكوّن هذه الفرقة قائمة برأسها.
عقيدة اليزيدية:
حكى ابن تيمية عقيدتهم الدينية قال: (وانتم. . . قد من الله عليكم الانتساب إلى الإسلام الذي هو دين الله. . . وعافاكم بانتسابكم إلى السنة من أكثر البدع المضلة. ولهذا كثر فيكم من أهل الصلاح والدين، وأهل القتال المجاهدين ما لا يوجد مثله في طوائف المبتدعين، وما زال في عساكر المسلمين المنصورة، وجنود الله المؤيدة، منكم من يؤيد به الدين، ويعز به المؤمنين وفي أهل الزهادة والعبادة منكم من له الأحوال الزكية، والطريقة المرضية، وله المكاشفات والتصرفات. وفيكم من أولياء الله المتقين، من له لسان صدق في العالمينز فإن قدماء المشايخ فيكم، مثل الملقب بشيخ الإسلام أبي الحسن علي بن أحمد بن يوسف القرشي الهكاري (قد نقل عن السمعاني القول عنه أيضاً) وبعده العارف القدوة عدي بن مسافر الأموي، ومن سلك سبيلهما، فيهم من الفضل والدين والصلاح والاتباع للسنة ما عظم الله به أقدارهم). (راجع المجموعة الكبرى ج١ ص ٢٣٨).
стр. 5697
الغلو في يزيد:
ومن هذا يتبين أن عقيدتهم عقيدة أهل السنة قبل أن يدخلها الغلو. وبعد أن ذكر ابن تيمية
معتقد أهل السنة في الصحابة قال:
(ولم يكن أحد يتكلم في يزيد بن معاوية، ولا كان الكلام فيه من الدين، ثم حدثت بعد ذلك أشياء، فصار قوم يظهرون لعنه. . . فسمع بذلك قوم. . . فاعتقد أن يزيد كان من كبار الصالحين وأئمة الهدى. وصار الغلاة فيه على طرفي نقيض. هؤلاء يقولون أنه كافر زنديق، انه قتل ابن بنت رسول الله (ص) وقتل الأنصار وأبناءهم بالحرة، ليأخذ بثأر أهل بيته مثل جده لامه عتبة بن ربيعة، وخالد الوليد وغيرهما. ويذكرون عنه من الاشتهار بشرب الخمر، وإظهار الفواحش أشياء، وأقوام يعتقدون أنه كان إماماً عادلاً، هادياً، مهدياً، وأنه كان من الصحابة، وأنه كان من أولياء الله تعالى. وربما اعتقد بعضهم أنه كان من الأنبياء، ويقولون: من وقف في يزيد وقفه الله على نار جهنم، ويروون عن الشيخ حسن بن عدي أنه كان كذا وكذا ولياً وقفوا على النار لقولهم في يزيد.
(وفي زمن الشيخ حسن، زادوا أشياء باطلة نظماً ونثراً وغلواً في الشيخ عدي، وفي يزيد بأشياء مخالفة لما كان عليه الشيخ عدي الكبير قدس الله روحه. فان طريقته كانت سليمة ولم يكن فيها من هذه البدع وابتلوا بروافض عادوهم وقتلوا الشيخ حسناً، وجرت فتناً لا يحبها الله ولا رسوله. .) أهـ.
عقيدة ابن تيمية فيه:
والحاصل اختلفت العقيدة السياسية فيه. وقد لخص ابن تيمية قوله فيه: (إنه لم يدرك النبي (ص) ولا كان من الصحابة. . . ولا كان من المشهورين بالدين. . . ولا كان كافراً، ولا زنديقاً. وتولى بعد أبيه على كراهة من بعض المسلمين، ورضى من بعضهم، وكان فيه شجاعة وكرم، ولم يكن مظهراً للفواحش كما يحكي عنه خصومه). أهـ (ص ٣٠٠)
معتقد أهل السنة فيه:
ونقل معتقد أهل السنة فيه فقال: (إنه لا يسب ولا يحب، ونقل عن صالح بن أحمد بن حنبل: قلت لأبي أن قوماً يقولون إنهم يحبون يزيد، قال:
стр. 5698
يا بني وهل يحب يزيد أحد يؤمن بالله واليوم الآخر؟ فقلت يا أبيت فلماذا لا تلعنه؟ قال: يا بني ومتى رأيت أباك يلعن أحداً؟. . . (إلى أن يقول): ومع هذا فطائفة من أهل السنة يجيزون لعنه، لأنهم يعتقدون أنه فعل
من الظلم ما يجوز لعنة فاعله، وطائفة أخرى ترى محبته، لأنه مسلم تولى على عهد الصحابة، وبايعه الصحابة، ويقولون لم يصح عنه ما نقل عنه، أو كان مجتهداً فيما فعله.
(والصواب هو ما عليه الأئمة من أنه لم يخص بمحبة ولا بلعن.) ونسب ابن تيمية في آخر بحثه هذا الجهل إلى من يعتقد في يزيد أنه من الصحابة وأنه من أكابر الصالحين، وأئمة العدل وقال: (وهو خطأ بين).
ومن هذا كله يرى معتقد أهل السنة فيه، ويظهر مبدأ الغلو، وأنه لمعاكسة كانت للعلويين، ومشادة بين الحزبين، ونقل أبن تيمية ما كان من الاعتقاد فيه، وهو يوافق النصوص التاريخية المعروفة.
وليس غرضنا الآن بيان تطور الاعتقاد في يزيد في جميع ادواره، وإنما نريد أن نتبين مجمل العقائد فيه، إلى ظهور عدي بن مسافر، ثم نعلم ما طرأ على هذه العقيدة، وإليك أيها القارئ ما يقوله الكرامية فيه:
يزيد والكرامية:
لم يكن اعتقاد إمامة يزيد مقصوراً على من ذكرنا من أهل السنة، واليزيدية وغلاتهم، بل هناك بعض الفرق الإسلامية المعروفة، وهي الكرامية، قالت بأحقية إمامته، فلم تخرج عن أحد الأقوال المارة، قال عبد القاهر البغدادي في كتاب الملل والنحل (راجع خزانه الأوقاف رقم ٢٧٤٦) ما نصه:
(زعموا أن يزيد بن معاوية كان هو الإمام في وقته وأن الحسين (ع) كان خارجاً عليه. ولم يكن في قتاله معذوراً.) أهـ
تخت ليزيد:
ومن هذا وما سبقه يفهم أن اليزيدية كان معهم من يقول بقولهم. ولكن الإمامة صارت أمانة، وجرت إلى غلو يزيد لحد النهاية بحيث نرى (تخت
стр. 5699
يزيد) من المزارات المعتبرة، والمستغلة إلى هذا اليوم، ويحصل من ذلك ريع كبير لأمراء هذه الفرقة.
ساق حب هؤلاء القوم ليزيد مؤخراً إلى الاعتقاد أن درجته تعلو صلحاء كثيرين، بل صاروا يعدونه فوق الشيخ عدي - بالنظر إلى اعتقاد بعضهم - أو دونه بدرجة كما هو
معتقد قسم آخر، ومنهم من يرجح يزيد بن معاوية على الأنبياء، أو يزعم الألوهية فيه والتصرفات.
والحاصل تطورت هذه العقيدة وتحولت تحولات سريعة فافرطوا في القول حتى صار يصدق عنهم كل ما يقال.
بغداد: ٤ - ٤ - ١٩٣١:
المحامي: عباس العزاوي
حب الكتب
ألا هل على العشاق للكتب من عتب ... إذا كان حب المرء فيضاً من القلب
فللصب معشوق فريد وان لي ... معاشيق شتى الصب ما بينها حبي
معاشيق ما مثل الضرائر عيشها ... ولكن على سلم حضوراً إلى غيب
تزودني جلو الأحاديث حرة ... فلا الخوف يعروها ولا دهش الصب
وتمنحني من قلبها كل لبه ... وأشفق حب جاد للصب باللب
تحادثني صمتاً وأهوى حديثها ... فأي صموت ناطق منطق الذرب؟
وأي حديث نابت العين أجله ... عن الأذن حاشى ذاك ذي الكلم العذب
لهن حروف تتبع العين رسمها ... كمغترب يمشي رويداً على الدرب
فتطلب معنى عند كل استراحة ... كعطشان يستسقي من الحر والتعب
قد أستبق القراء فيها بعقلهم ... على خطر صاغوه من سرعة الفهم
مصطفى جواد
стр. 5700
هيكل أدب
(تابع لما بله)
لقد انحدرنا من دكة دنجي إلى أساس هيكل الآجر المسنم ٣ أمتار و٨٥ سنتيمتراً فقط؛ بيد أننا رجعنا متقهقرين إلى الوراء بنحو ألف سنة فيجب علينا والحالة هذه أن ننزل إلى عمق ٩ أمتار و٤٠ سنتيمتراً من أساس الهيكل المشيد بالآجر المسنم أو ما ينيف على الثلاثين قدماً في قلب اثنتي عشرة طبقة قبل بلوغنا قعر الحفرة. فهنا تعترضنا مسألة وهي: كم من الزمن استغرقت أنقاض هذه الثلاثين قدماً؟ ذلك سؤال حير علماء تاريخ العراق القديم، ولم يستطيعوا أن يجيبوا عنه جواباً صحيحاً، لان عصر كل طبقة من الأطلال لا تقاس بعمقها ليخمن الزمن الذي وقعت فيه. بيد أنه من المحتمل أن يقال: إنه مضى على زمن تأسيس مباني ذلك الردم عشرة آلاف سنة، حينما كان الخليج الفارسي يكاد يتاخم بسمى وكانت في تلك البقعة قائمة مدينة وكان شعبها متحضراً، ومدنيتهم شبيهة بالمدنية الحديثة في صحاري العراق في هذا العهد.
وبعد أن يصل الباحث الدرك الأسفل من قلب الصحراء ويحاول تسلق أعلى الحفرة صعداً لدرس الأطلال المتراكمة بعضها فوق بعض قرناً بعد قرن عليه أن يلقي نظرة سريعة إلى المدن السفلى تحت مخابئ التراب، فهذه الصفائح الرقيقة وبقايا جدران اللبن (أي الطابوق المجفف بالشمس) وطبقات الرماد وآثار المباني المشيدة بالآجر والخشب، تدل على أن عوامل الطبيعة أثرت فيها تأثيراً عظيماً فجردتها من عظمتها وأزالت رونقها وبهاءها، وشقف الخزف لا تنبئ أبن آدم بعمران تلك البقعة في سالف العهد إلا قليلاً جداً، لان المنقبين لم يقفوا على كتابة في الشقف. فمن هنا يستدل الباحث المدقق على أن الكتابة لم تكن معروفة في ديار بابل، قبل عصر الآجر المسنم، فقد مرت ألوف من السنين، وأمم، وشعوب، وقبائل، لا يعرف عنها شيء، حطت رحالها في هذه البلاد
стр. 5701
وشيدت لها المنازل والدور ثم طوت أيام عزها وانضمت إلى الأمم البائدة، غير أن مدنها وعماراتها أصبحت على توالي الأجيال ركاماً من التلول الدوارس.
الشمريون في العراق
حل في القطر العراقي قبل المسيح بأربعة آلاف سنة، شعب غريب قدم من ديار مجهول، وكان أكثر حضارة من العراقيين الأولين، ولم يمض زمن على قدومه حتى أنتشر في بابل كلها، وقد عرف أبناء ذلك الشعب باسم الشمريين وقد صحفها بعضهم بصورة (الشنعاريين) ومعنى الأخير سكان بين النهرين، وبصور أخر لا تحصى نبهت عليها لغة العرب في مجلداتها السابقة.
كان الشمريون قصيري القامة، مجتمعي الأعضاء، سمر الألوان، مسترسلي الشعر، مستديري الرؤوس والوجوه، عيونهم منحرفة قليلاً أي مائلة تشبه عيون المغول، وظهر للأثريين والمنقبين أن هذا الشعب عريق في القدم، وقد تدرج في سلم المدنية، وكان له لغة وآداب خاصة به منتشرة في الربوع التي نزح منها، وكان يعرف النحت، فقد نحت التماثيل من الحجر، وزخرف الأواني بنقوش ورسوم بديعة، وحفر الحروف واستنبط الكتابة، ورصع الأوعية بالعاج، وركب في الختوم الأحجار الكريمة الشفافة ذات الألوان البهية.
وكان الشعب الشمري ورعاً، متعبداً، فالآثار التي خلفها في العراق تدل على شدة تدينه وتعلقه بآلهته، فانه لما أحتل مدينة (أدب) شيد لعبادته فيها هيكلاً من الآجر المسنم، ويذهب فريق من الأثريين إلى أن هذا الآجر أتخذ للبناء في ديار بابل لأول مرة، وإلى أن هيكلهم هذا يعد من أعظم وأنفس هياكل (أدب) القديمة، لان جميع الهياكل الحديثة التي أقيمت بعده، كانت ترميمات وإعادة بناء الهيكل الأول.
اختار الشمريون موقعاً لهيكلهم العظيم الرابية القديمة، وبعد أن مهدوا سطحها، شيدوا فوقه مصطبة من اللبن بلغت مساحتها المربعة ٦٥ متراً وارتفاعها مترين ونصفاً وزواياها متجهة إلى الجهات الأربع وفي وسط المصطبة يرى الهيكل والبرج. وقد ذهب بعضهم إلى أن برج الهيكل لم يكن موجوداً في عصر الشمريين، أو قبل عهد أور أنجور، ولكن في ذلك الزمن نفسه كانت منزلة البرج في الهيكل
стр. 5702
عظيمة، ودرجته سامية، وضرورية في العبادة، وقد ارتأى الدكتور جمس بنكس النقاب الاميركي، أن الهيكل البابلي كان في أول نشأته برجاً صغيراً فوقه مذبح، وعلى توالي السنين ازداد البرج ارتفاعاً وشأناً فأصبح مقامه سامياً مقدساً عند أهله، وأخذوا يقيمون حول قاعدته المزارات للمتعبدين، والغرف
للكهنة وكان في البرج عهدئذ أربع طبقات.
وقد عثر النقابون على شقفة كبيرة من إناء مصنوع من الحجر الأزرق في هيكل (بسمى) ووجدوا منقوشاً عليها ثلاثة بروج وكل برج يتركب من أربع طبقات أحدها بجانب الآخر على دكة مبنية بالآجر. ومن المحتمل أن ذلك الرسم لا يمثل هيكل أدب كل التمثيل في ذلك العصر، وقد ذهب أهل البحث والتنقيب إلى أن الشمريين كانوا يشيدون لا أقل من أربع طبقات في كل برج.
رزوق عيسى
السيرة الحسنة
كن ثابت العزم والأخلاق والدأب ... وكن حريصاً على الآداب والكتب
ولا تحد عن طريق الحق أنملة ... ولا تعاشر لئيماً سيئ الأدب
وأبعد عن الكذب أنَّ الكذب مفسدة ... للدين مخبثة للطبع والحسب
واترك خرافات أهل الزيغ متبعاً ... طريق عقلك واستفهم عن السبب
وهذب العقل تهذيباً يؤهله ... للبحث والفحص والتمييز والرتب
ولا تكن حاكياً من غير تروئة ... كالفرد يحكي الذي يلقيه في العطب
واطلب حقائق لا أقوال مختلق ... ما في أحاديثه القبحي سوى الشغب
زواجنا
زواجنا أصبح أضحوكة ... كيف زواج من وراء الرتاج؟
لا تتزوج غير معشوقة ... فإنما العشق أساس الزواج
وان تمنعت تكن حائراً ... حتى ترى كالديك بين الدجاج
كلها لمصطفى جواد
стр. 5703
سبيل العز
قذفت نفسك في المحل الأرذل ... وتعاورتك صروف دهر حول
وبقيت مشرعة المصائب وادعاً ... ونحت عيشك من صميم الجندل
ولكم أراد بك النجاة مهذب ... عقل فكنت عن الاطاع بمزحل
وبغى عليك أولو السفاه نكاية ... وفشلت عن حق عظيم الموئل
قوم كأنهم الخراف مذلة ... ربوا لمذبحة وأكل معجل
أسفاً عليك وأنت تحيا خاضعاً ... مثل الأثافي ضيقت بالمرجل
آلى زمانك أن تكون مذللا ... أفلست في ردع الزمان بمؤتلي
فاقعس عن الإذعان إنك ملزم ... أن لا تطاوع أمر نذل أفسل
وذر العزائم ضبحاً محضيرة ... في سهل عزمك طلباً للأول
ودع الرؤوس إذا رأتك نواغضاً ... ترنو إليك بأعين المتهول
واشك الزمان إلى الآباء فانه ... قمن بنجحك والرقي الأمثل
أترى الأمور مطيعة لمسالم؟ ... لا، فاهجمن على الأمور وأقبل
وتقدمن شجاعة ومناعة ... وصناعة وبراعة المتأمل
وارفع إذا خفض الأنام رؤوسهم ... رأساً على هام الاباءة معتلي
وإذا بروا منك اليدين لعدلة ... تشتارها فاغضض عليها وأمل
هذي الحقوق يتيمة ومضاعة ... فكن الوصي لهذه ولتي الولي
وانبذ قشارات الحياة فأنها ... نحو الرياء البحث أسرع موصل
وذد القرون عن الأمون لأنها ... بئس الرفيق له وشر موكل
стр. 5704
وازهق إذا كان الزهوق منجياً ... للمرء من ذل الحياة المثقل
فالموت منجاة وأشرف مذهب ... عند انسداد مسالك المتحول
ولعل أبأس بائس من لم يكن ... يدري على أي المراقي يعتلي
لقد اجتزأت بالاصطبار لعزتي ... والعز مثراة الكريم الأمثل
وانجابت الآمال بعد شروقها ... واليأس مصدأة لقلب المعمل
حتى رماني الدهر كل رمائه ... ولقد حفظت بكل حزم مقتلي
ما لي وللدنيا تريد تملقاً ... مني ولست إلى الهوان بمنزل
حاشى لنفسي المستميتة أن ترى ... تواقة لمعيشة المتسفل
ومن استعف عن الحطام فسالم ... من كل دخل أو تسخر مرذل
لم يجتمع عز وبخل في فتى ... كيف اجتماع مشرف ومسفل
يضعون من فضلي فيمرق شامخاً ... كالنور يسطع أو كلمحة معجل
إن ينقموا مني العزازة فهي لي ... شرف وللأوغاد شر منكل
دلتاوة:
مصطفى جواد
الحدائق
هيا إلى الورد اللطيف الجميل ... ينمو بماء يشبه السلسبيل
إلى الحدائق التي أزهرت ... والطير فيها طربت بالهديل
والماء يجري بين أشجارها ... يلمع كالسيف اليماني الصقيل
فوردها مبرقش مزده ... ذو أرج ينعش نفس العليل
قد ضمخت أنحاؤها كلها ... من الأريج المستطير البليل
تزينها الريح بتلعابها ... فهي صديق ما له من مثيل
كأنها التيجان في سوقها ... فوق ملوك بالهوى تستميل
стр. 5705
آل الشاوي
سليمان بك الشاوي
(تتمة)
وقائعه السياسية
١ - من مقتل أبيه إلى وزارة سليمان باشا:
إنَّ خبر مقتل والده دعاه إلى أن ينهض على الحكومة بتاريخ ١١٨٣ هـ كما تقدم. وهذه أول معاناته للسياسة العدائية، وقيامه على الحكومة العثمانية، فاشترك أخوته معه، وبقيت نتائج هذا الحادث مجهوله، والظاهر أن المناوأة بقيت إلى أيام الطاعون عام ١١٨٦ هـ وما يليها، حتى تدهور هذا الوزير واختل أمره في كل صوب وكان الشاويون عليه أكبر من الطاعون، ودامت أيام الطاعون من أوائل شعبان سنة ١١٨٦ إلى أواخر المحرم من سنة ١١٨٧ هـ. (راجع دوحة الوزراء).
ثم وقعت حروب وفتن داخلية وغير داخلية أي مع العجم، زمن حكومة عبد الكريم خان الزند، أنست مصاب والده، ودعت إلى تقربه من الحكومة بعد أن زال الوالي وشفي غليلهم بقتله. وأخذت الحكومة نفسها تستعين به في الأخطار التي انتابتها من كل صوب، فقام في هذه الأحيان لمصلحة الحكومة بما كان يمدح عليه. فهو قوة على الناهضين للإفساد والشغب، مراعياً سياسة الإدارة وإرضاءها بما استطاع من حول، ورأى المصلحة الحقيقية تدعو إلى ذلك واخوته معه قوة لا يستهان بها.
ونظراً إلى ما كان له من نفوذ ومكانة، أستصرخه الببتوشي في وقعة العجم، واستيلائهم على البصرة، وحرضه على استعادتها، وقد أورد صاحب مطالع السعود ما مؤداه:
(إن البصرة كان قد حاصرها العجم بعد سنة ١١٨٨ هـ لمدة نحو سنتين، ثم استولوا عليها وأسروا متسلمها سليمان أغا. وفي أثناء بقائها بيد العجم،
стр. 5706
كتب الأديب الفاضل، عبد الله البيتوشي إلى سليمان بك الشاوي، كتاباً جمع إلى انسجام الألفاظ، جوامع المعاني، وكان سليمان بك إذ ذاك صدراً في العراق يستصرخه لنصرة البصرة وتخليصها مما فيها، ذاكراً
فيه ما للبصرة من الفضائل التي منها: إنها ربت جماعة من الفضلاء والكرماء فكيف تترك تحت أضراس العسف؟ إلى أن يقول:
ما كان من شيم الأكابر أنهم ... يدعون ما يحمون بالأسياف
والبصرة الفيحاء أولى ما حمى ... ملك وصانتها يد الأنصاف
أفتاركوها تحت أنياب السيو ... ف ذليلة الأشراف والأطراف
أم مطلقوها من أداهم ذلها ... فلكم دعت للفك من أشراف
نادت (هزبراً) حين أعيا أمرها ... فأجابها بشراك بالألطاف
ولم يذكر ابن سند كتابه بنصه وإنما لخصه تلخيصاً. وقال:
(ولما وصلت المألكة إلى سليمان بك، وقعت منه موقع السلسال من الغيمان، ورام النصرة فلم يكن له بها يدان. . .) ولذلك لما اضطرب من أحوال بغداد وما بلغ من سوء الحالة والنزاع على الوزارة والحزبية الداعية للفتن. وفي هذه الأثناء أيضاً تأهب الفرس لغزو المنتفق، وغاية ما يلاحظ هنا أن البيتوشي لم ير من يستفزعه لهذا الأمر الجلل سوى سليمان بك. ولذا خاطبه بكتابه الذي نوه به عثمان بن سند، وفي هذا الحين كان سليمان أغا متسلم البصرة في أسر العجم.
٢ - من وزارة سليمان باشا إلى أواخر أيام المترجم:
ثم أنَّ سليمان أغا أطلق من أسر العجم، فولي متسلمية البصرة، وبعدها نال وزارة بغداد أيضاً فصار يدعي (سليمان باشا) وذلك سنة ١١٩٤ هـ، فصار إلى الزوراء وحينئذ استقبله إسماعيل كهية في طريقه، وكان وصل (العرجة) فقتله هناك ونفى من كان معه إلى البصرة، فذهب الوزير إلى كربلاء وعاد منها كما في دوحة الوزراء.
قال صاحب مطالع السعود في ص ٦٨: (وعندما شارف الحلة، لقيه أحد الأكابر الجلة، أمير حمير سليمان بك لما بينهما من الخلة، فأكرمه وبجله، وأجله وعامله من اللطف بكل خلة. . .) وورد عن سليمان فائق بك، وصاحب الدوحة في بيان السبب: (لما أبداه من الصدق والإخلاص للحكومة من أول الأمر
стр. 5707
إلى آخره.) ومن ثم وصل الوزير المسعودي ولم يشأ أن يدخل بغداد حتى يقضي على بعض المناوئين، فعبر من ناحية (المنطقة) ومضى في عمله (دوحة الوزراء).
٣ - وصف الحالة السياسية وآل الشاوي:
قبل هذا كان النفوذ محصوراً في أيدي المماليك، (أي الكولات، ولا تزال محلة الكولات في بغداد معروفة باسمهم) لزيادة الحرص والطمع في السلطة، وفي جباية الأموال. ولم يقربوا من الآهلين إلا بقدر ما تدعو إليه الحاجة والضرورة وذلك في المدينة طبعاً لا في الخارج ولا في العشائر ولم يقدموهم للمناصب في آخر الأمر إلا لعجز بدا منهم وسوء تدبير، مما دعا إلى التدخل والاستعانة، ولذا نرى حالات الاضطراب والفتن الأخيرة أهابت إلى أن يقوى نفوذ آل الشاوي في الإدارة الداخلية عدا العشائرية التي كانت في أيديهم دون سواهم بحيث صار يخشى بطشهم ويرتاب في توسع سطوتهم أكابر الأمراء وأرباب السلطة، والشعر لسان حال الوضع وهو جريدة ذلك الزمن.
وفي كل هذا الحين، أي إلى زمن حكومة سليمان باشا، لم ير من آل الشاوي ما يعاكس سياسة الحكومة وسلوكها، وإنما يشاهد منهم النصح الصادق، وحسن التدبير، والمقدرة على الإدارة، ولكن الأجنبي يتخوف من ظله ويحترز من الوطنيين احترازاً يحسب له حساب، فحدثت الرقابة وصار يخشى من توسع أمر الشاويين، فكان سليمان بك يعد من أماثل القطر وأكابر رجاله، وكان ممن لا يقعقع له بالشنان.
أما سليمان باشا الوزير فإنه أراد أن يعيد إلى المماليك سطوتهم الأولى، ونفوذهم السابق، وحاول أن يقضي على كل نفوذ لغيره من عشائر أو من أشخاص ويحصر السلطة بأيدي المماليك ولكنه حاذر أن يبطش بسليمان بك الشاوي رأساً وبلا تمهيد مقدمات لما حاق به من الأخطار الآخر فأبدى له حباً جماً، وأظهر مودة زائدة، وأستخدمه في أهم الأعمال، كل هذا ليمحو به نفوذ الآهلين من جهة، ويقلل تدخلات الحكومة المركزية من جهة أخرى بسبب ما يظهر في المماليك من الضعف بين آونة وأخرى، ثم يرجع إليه بعد ذلك ويفرغ له.
стр. 5708
وقد خبر هذا الوزير الحالتين: نفوذ المماليك الأول، وضعفهم الأخير. وشاهد بعينه مقدرة عبد الله بك الشاوي. ولعله هو الذي أسر الوزير عمر باشا بقتله فقتله. ولذا قرب الوزير سليمان باشا صاحب خاتمه (مهرداره) أحمد آغا الخربنده ولم يثق بغيره لمكاشفة سره، والاطلاع على طويته في هذا الامر، وذلك لأنه رباه من صغره، وعرف إخلاصه له،
واستقتاله في خدمته، فأعطاه من النفوذ والسلطة ما حسده عليهما أهل حاشيته، فمكنه لهذه الغاية ولم يخش منه قوة قبيلة أو نفوذاً يصح أن يستعمله عليه، بعد هذه المنحة من حول وطول.
أما سليمان بك، فإنه قام بخدمات جليلة لهذا الوزير، وأنقذه من ورطات عظيمة في جميع ما وقع من الأسفار والحروب. فأعماله نحو الوزير مبرورة خالصة وظاهرة للعيان، فنال وجاهة عند الوزير ولم يساو به أحداً في الظاهر؛ وان كان الوزير حسب خطته يضمر له نيات، على حد ما قيل (لا يجتمع سيفان في غمد، ولا فحلان في شول) خصوصاً أنه حصل على حب الآهلين ومدحه الشعراء، زد على ذلك أن في أصله نجابة وكرامة تدعوان إلى تساميه وفخاره على غيره.
وما قيل: إن الوزير كان قد ربى أبن الخربنده، وهو أحمد آغا المهردار من صغره، ورعاه رعاية كبيرة لما فيه من اعتدال قوام، وجمال خلق، وأدب جم، وموسيقى جذابة، وحسن تدبير، ومهارة في القيام بالأمور المودعة إليه، قول صدق قوى نفوذه لديه بحيث صار يد الوزير وسمعه وبصره، ومن هنا تولدت النفرة بينه وبين سليمان بك ووقعت المزاحمة، ولما كان الوزير يحب الاثنين أراد أن يوفق بينهما، فلم يتمكن مع عزة المهردار عند الوزير واستحقاقه التصدير لنباهته. كل هذا لم يكن السبب الحقيقي، وسليمان فائق بك المؤرخ الشهير لم يشأ أن يبدي السبب الحقيقي؛ لأنه من المماليك ويحب أن يستر نياتهم. وان كان أشار إلى تألم الوزير لمقتل ابن الخربنده وبيانه فان ذلك هدم لمشروعه وتشويش لما قرره، وكذا يقال عن صاحب المطالع فإنه أبدى أن حساده توصلوا إلى الوزير، وغرضهم أبعاده فأبلغوا عنه ما أرادوا إذ لو لم يبعدوه لما
стр. 5709
سادوا حتى قال: وإن من هذه الأسباب مخاصمته المهردار ومصارحته له بالعداوة مع عزة المهردار عند الوزير.
إنَّ هذا الأمر بيت ليلاً، وكان كلما أشتد النزاع والنضال بين الاثنين، أبدى الوزير أنه سعى للتوفيق بينهما توصلا للغرض فكتم الأمر غاية الكتمان، ولما رأى أن الوقت قد حان لتحقيق منهاجه اضطر - ظاهراً - إلى أن يرجح جانب المهردار، وأشاع عن سليمان بك تصلبه وخشونته فأمر أن لا يبقى في بغداد، وأن يذهب إلى حيث يشاء.
وقد يكون أبن الخربنده هو الذي أوغر صدر الوزير، وبلغه تبليغات عنه، لينال المكانة،
ولكن الوضع كان بخلاف ذلك، والإشارات والقرائن تؤيد الرأي الأول، وقد وجه سليمان فائق بك اللائمة إلى الشاوي من جهة عدم مماشاته للوزير، وفسحه المجال لابن الخربنده والظاهر ما ذكرت أن سليمان فائق بك يريد أن يكون ذليلاً، فنسب إليه الخشونة، على أن الحكومة ليست معبودة لهذا الحد، والأخلاق السليمة تأبى الخضوع لكل امرئ، وإنما يخضع الإنسان للحق ولا يخشى إلا الله، وتعست الحكومة التي هذا شأنها ولم تقف عند حدها، وقد كلفت الوزير هذه الخط كلفة كان في غنى عنها، وحركت عليه ساكناً آخر، لان تقدم أبن الخربنده أسخط أهل القدم والخدمات للحكومة، فأوجد مزاحمين آخرين غير أبن الشاوي، وما ذلك إلا لان الوزير لم يرغب في أن يطلع على دخيلة سره غيره، فكان في الحقيقة هو الذي قتل أبن الخربنده.
٤ - خروج سليمان بك الشاوي من بغداد ووقائعه:
اضطر سليمان بك إلى أن يخرج من بغداد بأتباعه وحاشيته سنة ١٢٠٠ هـ فأقام في الجهة القصوى من هور عقرقوف، وتابعته قبيلة العبيد، والقبائل الأخر المقيمة في تلك الأنحاء، فالتفت حوله. وبالحقيقة أنَّ العشائر لا تعرف غيره، وحينئذ أراد المهردار أن يقضي عليه أو يقصيه، فحرك عليه الوزير، فاستعد المهردار للهجوم عليه بجيش مع بعض أمراء الكرد، فأطلع سليمان بك بواسطة عيونه على كثرة جيوش عدوه، فترك أثقاله وظعن إلى جهة الخابور، ولم يظهر
стр. 5710
أنه هو البادي، فغنم الجيش أثقاله، فصارت هذه الحادثة للجيش (سمعة وسلامة).
وعند عودة أحمد آغا المهردار، منح منصب (الكتخدائية) المنصب الذي كان يعارض الشاوي في منحه إياه لخساسة أصله ولسابق مكانته الأولى التي نوه بها سليمان فائق بك وهذا المنصب أكبر الدرجات التي كان يمكن أن ينالها موظف في ذلك الحين. وهو مقدمة الوزارة لحكومة المماليك وقبل حكومة هؤلاء المماليك كان الوزير يأتي بالكتخدا معه من الأستانة وعند انفصاله يعود معه.
وهذا التعيين ولد الحسد والمزاحمة - كما تقدم - في أقرانه، بل في من هم أقدم منه في السبق. وكان المنصب المذكور مرجع الخاص والعام، وصاحبه في الحقيقة مالك السلطة الحقيقية. فكان تقليده هذا المنصب إغراء آخر من قبل الوزير على ابن الشاوي.
٥ - ٣ - ١٩٣١:
المحامي: عباس العزاوي
الحياة الصالحة
نريد حياة العلم يا أيها الشعب ... فقد بزنا الأغراب واستعبد الندب
نريد حياة بالصناعات غضة ... فلا ينهوي معها العراق ولا يكبو
نريد حياة لباساً للعراقي صنعه ... نريد جيوشاً تستحر بها الحرب
نريد حياة نفوذا صارماً في أمورنا ... فخيراتنا العظمى لكل الورى نهب
نريد حياة حياة حرة يعربية ... تؤيدها الأموال ينصرها العضب
نريد حياة حياة ذات بأس معظم ... تعززها الأعمال تسمو بها العرب
نريد طيور العلم في الجو عوماً ... وشبان علم في طريق العلى هبوا
فان الحياة اليوم علم وصنعة ... ومال عظيم يستعين به الشعب
مصطفى جواد
следующие страницы →