Полный текст (6 158 стр.). Показаны 5741–5780 · переход к 5746.
стр. 5741
وقد علمنا أن معالي وزير العراق المفوض في أنقرة رفع إلى حكومة تركية شكراً باسم الحكومة العراقية على احتفاء تركي بسرب الطيران العراقي ووصل إلى بغداد في ٢٢
نيسان فاستقبل بكل أبهة واحتفال.
٣ - أقماع حركات الشيخ محمود الكردي
تمكنت القوات العسكرية في لواء السليمانية من أقماع حركات الشيخ محمود الكردي الذي تمرد على الحكومة وخذله معظم أعوانه الذين اشتركوا معه في حركات العصيان فسلموا أنفسهم إلى الحكومة بلا قيد ولا شرط وطلبوا الدخالة وتمكن الشيخ المذكور من الفرار على ما يقال إلى الحدود الإيرانية مع نفر قيل من أعوانه.
٤ - البعثة العلمية الفرنسية أو البعثة الصفراء
أدب جناب القائم بأعمال القنصلية الفرنسية في العاصمة في ١٨ نيسان مأدبة عشاء للبعثة العلمية الفرنسية أو البعثة الصفراء وكان من المدعوين بعض الرجال العراقيين الإجلاء وحظي أعضاء البعثة بالمثول بين يدي صاحب الجلالة الملك المعظم في ١٩ نيسان ثم غادروا عاصمتنا إلى طهران في ٢٠ منه.
٥ - وفاة قرينة صديق لنا
من أصدقائنا المخلصين المطبوعين على العلم وحسن الشمائل السيد محمد مهدي العلوي (في سبزوار). وقد فارقت هذه الحياة الدنيا زوجته الصالحة وكانت سيدة صديقة حسينية. ولدت في حدود سنة ١٣٢٩ هـ (١٩١١ م) من والدين شريفين يتصل نسبهما بالحسين بن علي بن أبي طالب، وأبوها الحاج الميرزا حسين العالم المترجم في مجلتنا (٨: ٤٤٦) وفي صبيحة ٢٨ رمضان من هذه السنة (١٧ ك٢ سنة ١٩٣١) أنتابها داء في الحمل على أثر ولادتها ولداً ذكراً ولم يؤثر فيها علاج طبيبها. فتوفيت في ليلة ١٤ شوال ١٣٤٩ (٤ آذار ١٩٣١) وقد جاوز عمرها العشرين سنة. ولم تعقب غير ولدها المذكور الذي سماه والده (محمداً حسناً) ومشى في تشييع جنازتها جم غفير من الناس. ولم يعهد مثل هذا التشييع في سبزوار إلا نادراً؛ ودفنت في قطعة أرض في خارج المدينة، في جهة باب سبريز (دروازهء سبريز). واثر موتها في قلوب سكنة سبزوار لمكارم أخلاقها وتواضعها وموتها في ريعان الشباب.
وكانت شيعية دينة فنعزي صديقنا الوفي.
стр. 5742
بهذا الفقد الجليل ونتمنى له طول العمر.
٦ - تعد على مطران
كان بعض الأرمن غير الكاثوليك في بغداد ضربوا مطرانهم ضرباً مؤلماً في الأسبوع الأول من آذار من هذه السنة فاتهم سبعة بهذا التعدي فتدخلت الحكومة في الأمر وعقدت محكمة القضاء جلسات متعددة قررت في أثنائها الإفراج عن أربعة من المتهمين ومحاكمة الثلاثة الآخرين.
وكان اليوم ال ٣٠ من آذار (مارس) البت في المسألة، فسمعت المحكمة شهود الدفاع وفي الآخر أصدرت المحكمة حكمها القاضي بحبس كل من الثلاثة ثلاثة أشهر حبساً شديداً مع توقيف تنفيذ العقوبة بحقهم بشرط أن يكفلوا أنفسهم بمبلغ قدره ألفا ربية ويتعهدون بحفظ السلام مدة ثلاث سنوات من تاريخ الحكم ولما دفع المكفولون المبلغ المذكور أطلق سراحهم وهم:
الدكتور أميرزا، وارام دوزيان، وكالوست خاجيك سورمانيان.
٧ - واردات المكوس
بلغ مجموع تحصيلات المكوس من أول نيسان سنة ١٩٢٩ إلى غاية ٢٨ شباط سنة ١٩٣٠ المبلغ الذي قدره ٢٥. ٥٣٣. ٧٢٨ ربية و١٣ آنة. وبلغت المكوس عن شباط ١٩٣٠ المبلغ الذي قدره ١. ٩٢٢. ٨١٦ ربية و٦ آنات. وبلغ مجموع هذه التحصيلات من أول نيسان سنة ١٩٣٠ إلى ٢٨ شباط ١٩٣١ ما قدره ٢١. ٥٥٥. ٠١٢ ربية و١٥ آنة. وبلغت التحصيلات عن شباط سنة ١٩٣١ ما قدره ١. ٦٣٩. ٣١١ ربية و٧ آنات.
٨ - عصابة من اللصوص تهاجم زورقاً بخارياً في نهر عمر
(العراق)
إن ١٢ رجلا مدججاً بالأسلحة هاجموا صباح الأحد ١٢ نيسان زورقاً بخارياً قادماً من العمارة في نهر عمر.
كان الزورق المذكور راسياً في نهر عمر، ينتظر سكون العاصفة التي هبت عليه في اليوم عينه وإذ بقارب فيه ١٢ رجلا مدججاً بالأسلحة يظهرون فجأة بالقرب منه. ثم يطلق هؤلاء الذعار النار على الركاب بصورة هائلة حتى يقال أنهم أطلقوا ٢٠٠ رصاصة. وقد جرح
ثلاثة من الركاب، وأصيب اثنان منهم بجروح خطرة.
وقد تمكنت الشرطة من القبض على ستة أشخاص حامت حولهم الشبهة،
стр. 5743
وعثرت في محل الحادثة على بندقية ولا تزال في تعقيب الجناة والقبض عليهم.
٩ - أسعار المواد الغذائية في البصرة
ننشر فيما يلي قائمة أسعار المواد الغذائية الضرورية حسب سعرها اليومي في سوق البصرة:
ربية آنة
لحم غنم (الحقة الواحدة) ٠ ١٠
لحم بقر (الحقة الواحدة) ٠ ٦
الدجاجة الواحدة ٠ ٨
خيار ٠ ١٢
فاصوليا ٠ ٤
باقلاء ٠ ١
بصل ٠ ٣
بطاطة ٠ ٥
طماطة ٠ ٥
سمك ٠ ٦
١٢ بيضة ٠ ٤
١٠ - المفاوضات بين العراق والحجاز
(انتهت المفاوضات التي دارت بين الملك ابن السعود، ونوري باشا السعيد، رئيس الوزراء العراقية بنجاح تام، وحلت جميع المشاكل التي كانت معلقة بين البلادين منذ زمن طويل، حلا مرضياً للفريقين، ووقعت الاتفاقات الخاصة بهما وبذلك فتح عهد جديد للعلاقات بين الحجاز ونجد والعراق، ووضع أساس راهن للوفاق العربي العام، وقد أبحر نوري باشا في ١٣ نيسان على الباخرة (الطائف) عائداً إلى مصر، في طريقه إلى العراق. وسافر رفيقاه
طه باشا الهاشمي، رئيس أركان حرب الجيش العراقي، وموفق بك الآلوسي، المدير العام لوزارة الخارجية، إلى اليمن في أول باخرة لمثل الغرض الذي تحقق في الحجاز).
والمفهوم أن الاتفاق الذي تم بين المملكتين هو تجديد المعاهدة الجمركية، وتوقيع اتفاقية حسن الجوار، أو اتفاقية حسن الجوار، أو اتفاقية تسليم المجرمين التي وضع أساسها قبل سنتين، ثم لم يتم الاتفاق بشأنها بسبب الاختلاف على أن يكون حكم الاتفاقية شاملا للقبائل البدوية مع الحواضر أيضاً أم يقتصر على الحواضر فحسب.
(أما الحلف العربي بمعناه الصحيح وهو عقد معاهدة سياسية بين الطرفين تتعدى الأغراض السابقة إلى سواها أهم منها فالظاهر انه ظل مطوياً في
стр. 5744
حقيبة نوري باشا السعيد إلى زمن آخر) أهـ.
١١ - أنهر العراق دلائل الأحوال في ١٨ نيسان
أخذت دجلة بالهبوط في الموصل وبغداد وحصلت زيادة طفيفة في بيشخابور الواقعة على الحدود الشمالية وكذلك في الزاب الكبير في أسكي كنك. وعمت الآن الزيادة لوائي الكوت والعمارة والغراف إلى درجة مستوى نهر عال.
إن الفرات يجر مقادير هائلة من المياه وقد أرتفع مستواه في عانة مقدار متر واحد وخمسة وثلاثين سنتيمتراً خلال الخمسة أيام الأخيرة وفي الرمادي بلغت المياه إلى درجة من الخطورة تجعل انكسار الاسداد في تلك الجهات محتمل الوقوع في كل لحظة.
واصبح الآن بحكم المقرر انه سيحصل فيضان عال في الفرات، لأنه أرتفع قبل نحو أسبوع إلى مستوى عال في جرابلس ودير الزور مهم أخذ بالهبوط في جرابلس في ١٧ الجاري (نيسان) ولكنه لا يزال مستمراً في الارتفاع في دير الزور.
وهناك من الدلائل ما يثبت سيل مقادير عظيمة من المياه في الفرات من نهر الخابور ووادي حوران.
فمن المحتمل أن تحدث بعض كسرات في الاسداد.
стр. 5745
العدد ٩١ - بتاريخ: ٠١ - ٠٦ - ١٩٣١
أبناء ماجد النجديون
كنت أظن أن كتب ابن ماجد النجدي، وسليمان المهري. في فنون الملاحة التي عني بطبعها ونشرها وتعريفها والتعليق عليها العلامة الفرنسي (غبريال فران)، وبحث عنها في كتاب عنوانه ب
أقول كنت أظن أنها عين الكتب التي حوته مجموعتي البحرية المذكورة في كتابي (مخطوطات الموصل) (ص ٢٨٠) إلى أن اطلعت على نسخة من كتاب غبريال فران عند الأب الجليل صاحب هذه المجلة، فإذا بالمتن العربي المنشور لا يحتوي على ما في مجموعتي من الكتب، لا كله ولا بعضه. فأيقنت أن لا قرابة بين ما نشر، وبين ما حوته مجموعتي الخطية، إلا ما سأذكره من قرابة بين المؤلفين وإليك البيان:
١ - مجموعتي صغيرة، طولها ١٧س وعرضها ١٠. ٥ س. ورقها رقيق. عدد أوراقها الحاضرة ٩٧. وقد سقطت ورقة من أولها، وبين هذه الأوراق السبع والتسعين، ثمان منها غفل (أي ليس عليها كتابة)، ومن
стр. 5746
المحتمل أنها أعدت لنقش بعض الصور ثم أهملت. وتقع الورقات الغفل بين نهاية كتاب وابتداء كتاب يليه في المجموعة.
أما الكتاب الذي نشره فران بالزنكو غراف فكبير الحجم يفع في مجلدين وسطين.
٢ - تبتدئ مجموعتي بصور سفن شراعية قد صورت بألوان يرى فيها كيفية نصب الأشرعة. ويتخلل المجموعة صور آخر سنأتي على ذكرها.
أما الكتاب المنشور فخلو من الصور والرسوم والخرائط.
٣ - مجموعتي تشتمل على أربعة كتب. بعضها جداول وبعضها كلام منثور وليس فيها شئ منظوم.
أما كتب احمد بن ماجد المنشورة فجلها منظوم أراجيز.
٤ - جاء في أول صفحة من الكتاب الأول في مجموعتي ما نصه بحروفه: (هذا الميل المشهور مصنفه شيخنا العالم العلامة البحر الفهامة. الشيخ شهاب الدين حاج الحرمين، أستاذنا الشيخ محمد بن ماجد بن عمر بن فصل بن يوسف بن دويك ابن أبي البركان النجدي). أما الكتب الثلاثة الباقية فلم يذكر مؤلفها.
أما مؤلف الكتاب الذي نشره فران فقد جاء اسمه في ظهر الورقة ال ٨٨ من الكتاب هكذا: (أسد البحر الزخار، شهاب الدين احمد بن ماجد بن محمد بن عمرة بن فضل بن دويك بن أبي الركائب النجدي). وفي وجه الورقة ال ١٢٨: (المعلم شهاب الدين رابع الثلاثة احمد بن عمرو بن فضل بن دويك ابن يوسف بن حسن بن حسين بن أبي معلق السعدي ابن أبي الركاب). وفي وجه الورقة ال ١٣٧ (ناظم القبلتين مكة وبيت المقدس حاج الحرمين الشريفين خلف الليوث احمد. . . .). وفي ظهر الورقة ال ١٤٥ (حاج الحرمين الشريفين راتع الليوث احمد بن ماجد بن محمد). وفي وجه الورقة ال ١٦٥ (حاج الحرمين خلف الليوث شهاب الدين احمد بن ماجد ين عمرو). وفي المجلد الثاني في الورقة ال ٩٣ (شهاب الدين احمد بن ماجد بن عمر السعدي). ومثله في ظهر الورقة ال ١٠٩ من المجلد عينه.
стр. 5747
يلخص من ذلك أن مؤلف كتاب (الميل) في مجموعتي مشتهر بابن ماجد النجدي ومؤلف الكتاب المنشور مشتهر بعين الشهرة. ولكن اسم الأول محمد بن ماجد ين عمر بن فضل. واسم الثاني احمد بن محمد بن عمر بن فضل. فيظهر من ذلك أن ذلك مؤلف كتاب (الميل) هو أبو مؤلف الأراجيز وغيرها في الكتاب المنشور. يتقى هناك اختلاف طفيف بين (عمر) و (عمرو) ولا بد من أنه عمر وخالفهما المجلد الأول. واختلاف طفيف آخر بين (. . . ابن فضل بن يوسف بن دويك) وبين (. . . ابن فضل بن دويك بن يوسف). وهذا تقديم وتأخير في النسب. أما الاختلاف بين (بركات) و (ركاب) و (ركائب) فلابد من أنه من النساخ لتقارب رسم الأحرف.
وفي نعت احمد بن ماجد بأسد البحر الزخار ثم نعته في محل آخر بخلف الليوث دليل على أن احمد الماهر في الملاحة سليل ملاحين ماهرين ميله.
ولم يفت ذلك غبريال فران. فقد أشار إليه في ج٣ ص ٢٢١ من كتابه المار الذكر.
وهذه بعض العبارات الواردة في كتاب احمد بن ماجد النجدي المنشور الدالة على أن أباه وجده أيضا كانا معلمين واشتغلا في الفنون البحرية. وفيها يصرح احمد أن أباه نظم وألف فيها:
في وجه الورقة ال ٧٨ عند كلامه على بحر القلزم يقول: (وقد كان جدي عليه الرحمة
محقق فيه ومدقق ولم يفر لأحد فيه وزاد عليه الوالد وحمة الله عليه بالتجريب والتكرار وفاق علمه علم أبيه).
وفي ظهر الورقة عينها يقول: (وكان الوالد عليه الرحمة يسمونه الربابين
стр. 5748
ربان البرين ونظم الأرجوزة المشهورة الحجازية فوق ألف بيت ومع ذلك كله قد أصلحنا له منها ما رأينا فيه الخلل ورتبنا ما لم يكن فيها).
وفي ظهر الورقة ال ٨٦: (وقد ذكرنا في الأرجوزة السبعية جميع القياسات التي يليق بهذا البر المجودة ولم نترك شيئاً. والوالد عليه الرحمة والغفران، ذكرها بحسن (كذا) طرق الباحة، وبر العجم، وبر العرب، والأوساط بين الجزر، ولم يدع شعب ولا جزيرة إلا وذكره. ومع كل ذلك ختم أرجوزته وقال فيها في شعره من الأرجوزة شعراً:
وقد فرغ القرطاس والمداد ... وما بلغت من العشر أعداد
وفي وجه الورقة ال ٨٧: (. . . وبعدهم المرما وظهرته. فظهرته. كان والدي يربط فيها فأنها مكوز وهي رأس الخريق. لم يكن شاميها شيء. فسموها اكثر أهل ذلك الزمان ظهرة ماجد).
الكتاب الأول
وهاك الآن نموذجاً من كتاب (الميل) لمحمد بن ماجد النجدي كما جاء في صفحته الأولى في مجموعتي:
الحمل الأولالثور الأولالجوزة الأول
روز درجات دقايق روز درجات دقايق روز درجات دقايق
٠١ ٠٠ ٢٤ ٠١ ١٢ ٠١ ٠١ ٢٠ ٣٠
٠٢ ٠٠ ٤٧ ٠٢ ١٢ ٢١ ٠٢ ٢٠ ٤٢
٠٣ ٠١ ١١ ٠٣ ١٢ ٤١ ٠٣ ٢٠ ٥٣
٠٤ ٠١ ٣٥ ٠٤ ١٣ ٠١ ٠٤ ٢١ ٠٤
٠٥ ٠١ ٥٨ ٠٥ ١٣ ٢٠ ٠٥ ٢١ ١٤
٠٦ ٠٢ ٢٢ ٠٦ ١٣ ٣٩ ٠٦ ٢١ ٢٥
٠٧ ٠٢ ٤٥ ٠٧ ١٣ ٥٨ ٠٧ ٢١ ٣٤
٠٨ ٠٣ ٠٩ ٠٨ ١٤ ١٦ ٠٨ ٢١ ٤٤
٠٩ ٠٣ ٣٢ ٠٩ ١٤ ٣٦ ٠٩ ٢١ ٥٣
١٠ ٠٣ ٥٦ ١٠ ١٤ ٥٥ ١٠ ٢٢ ٠٢
стр. 5749
وهكذا تتسلسل الأرقام تحت حقل (روز) إلى ٣١ مع ما يقابلها من الدرجات والدقائق في كل صفحة. وبعد انتهاء البروج الاثني عشر تتكرر من جديد باسم الحمل الثاني، الثور الثاني، الجوزة (الجوزاء) الثاني، السرطان الثاني. . . الخ. ثم الحمل الثالث. . . الخ. ثم الحمل الرابع. . . الخ.
يعقب ذلك صفحة عليها صور ثماني سفن ملونة. وضعت لاراءة كيفية اخذ ميل قرص الشمس بأوضاع شتى.
تأتي بعد ذلك جداول بالأرقام وقعت في ٤٦ صفحة. عنوان الحقول في أعلاها: (مساج)، (عرض)، (طول).
ثم تأتي وردة الرياح ملونة بألوان. سمي فيها الشمال (الجاه)، والجنوب (القطب)، والشرق (المطلع)، والغرب (المغيب). وسميت الجهات الفرعية بأسماء كواكب. وهي من الشمال (الجاه) إلى الشرق والجنوب كما يلي: الفرقد، النعش، الناقة، العيوق، السماك، الثريا، المطلع (الشرق) الجوزة، التير، الإكليل، العقرب، الحماران، سهيل، السنبار، القطب (أي الجنوب). هذا لمطالعها في الشرق. ويقابلها مثلها في الغرب لمغايبها.
يعقب ذلك جدول في صفحة واحدة عينت فيه أيام النوروز في سني الهجرة من ١٢٨٠ إلى ١٣٠٩ وما يقابلها من السنين الميلادية من ١٨٦٣ إلى ١٨٩٢.
الكتاب الثاني
أما الكتاب الثاني من المجموعة فقد خطط على أول صفحة منه شبه إطار لكتابة اسم الكتاب ومؤلفه ولكنه ترك ابيض واكتفي بكتابة (يا حي يا قيوم) في أعلى الإطار و (ارحم من لا يدوم) في أسفله. والكتاب مجموع جداول وقعت في ٢٤ صفحة، وفي كل صفحة حقلان. ذكر فيها ما يصادف الملاح على الساحل أو قربه من بنادر وانهار ورؤوس وجزر وأخوار وجبال وبلاد وقرى ومراس وقلاع وخرائب وأصنام ودندات وغير ذلك. وعلى يمين كل اسم من هذه المواقع ويسارها أرقام درجات العرض والطول. وكلما آتى اسم بندر
مهم كتبه بالحبر الأحمر.
وهاأنا ذا ذاكر بعض هذه الأسماء صارفاً النظر عن أرقام الطول والعرض:
стр. 5750
(بندر البصرة المبارك، نهر المناوي، نهر السراجي، نهر السبيليات، نهر فرتادير، رأس أبو الخصيب، غبة سيحان، رأس طريق البحرين، رأس مركز، جزيرة مرخص، خور هابلي، خور ياطني، بندر ساري، رأس التنور، بندر القطيف. . جزيرة البحرين. . جزيرة قاعرابية، جبل سلار، خور قطر، جزيرة دانس، جزيرة حالول، صير أبو نعير، جزيرة بينونة، بندر أبو ظبي، خور أبو موسى، بندر الشارجة. . . بلد الرمس، بلد شعم، بلد بخه، بلد خصب، جزيرة الغنم، رأس المسندم. . جزر بنات سلامة. . جزيرة أم الفيارين، غبة غزيرة. . بندر سحار، بلد صحم، بلد الديل. . جزيرة حابوث. . بلد الغبرة، خوير وعوير وزوير. . . قرية اربق، بندر مطرح، مسقط الأرزاق - بلد قريات، بلد دغمر، بلد ضباب. . صور الفتنة. . رأس الحد. . رأس أبو رصاص. . جزيرة جبلي. . بندر مرباط، بندر طاقة. بندر ظفار. . حصويرالمهرة. بندر صيحوت - بندر الشحر سمعون، بندر المكلا يعقوب - بلد عدن - جبل الفانوس، باب سكندر. . بندر المخا الشادلي. . بندر الحديدة الصديق - السبع الجزر قادحات النار، جزيرة كمران، بندر الحية، بيت الفقيه، بندر جيزان جزيرة العنابين، جزيرة فرسان، خرابة فرسان، جبل النقم أجارنا الله - بندر القنفذة. . جزيرة دقوادي - مرس آدم ﵇ جزيرة مسماري - بندر الحرمين جدة. . بندر حنين، رأس جنبع (ينبع)، بندر ربقا، بر الحبش - بندر سواد. . بندرمساس، بندر طرفان، جزيرة سواكن - رأس العقيق - بندر مصوع - جزيرة أبو ربية. . بندر زيلع. . سقطرة. . جزر الصابونيات. . رأس حافون. . بندر مقدشوه - أم الحواوين، جزيرة قيامة. . ملندري. . بندر محبس ممباسة - بندر زنجبار - سفالة، خور سفاله سيكوه، جزيرة فيقيه، جزيرة مافيه، بندر هديلان. . رأس الكاب والكلب، بندر سنكاره. . جزيرة الشيخ رم - دس كافري، دس سكري - بندر طوياس - جزيرة مسنبيج - سفاله معمورة، بمدر نوف. . رأس هيني، كاب أبو الفراس). وهنا انقطاع يليه في الصفحة التالية:
стр. 5751
(بندر البصرة الفيحاء، جزيرة بلقيس - بندر المحمرة - جزيرة سيحان، دوحه عبادان -
خور أبو موسى - خرابة كوجك - رأس شط بني تميم، بندر أبو شهر - بندر كنقون - بلد بسيتينة - باغ الفرنجي - جزيرة جيس - بندر لنجه - جزيرة هنجام. . جزيرة هرموز، بندر العباس. بندر إبراهيم، بندر كوستك - بندر جاش. . خرابة شهبار، رأس جيونه. . رأس جبل جميل، بندر جوادر. . بندر سورميان. . جزيرة جرنه، جبل مناره، بندر كراشي. . دندة دبة - جزر انكوره ٣ - بندر مدى كش. . إسلام نكرجر - دندة رضوي، جبل رضوي - خرابة بهال - جزيرة بيت عكة - شعب كوترنوان - بندر خورميان - صنم ريره كولي نار - جزيرة الديو. . خرابة حويره، سلطان بور، مقام خضر بور. . دندة كهان شمالي، دندة كهان جنوبي، بندر سورت - بندر منبي (بمبي)، كلابه المناره - خرابة كوه مباري. . قلعة سرندوه. . جزيرة دندة واسي، قلعة ديري. . خور بندر قوة جزيرة ازاديو - قلعة مرديس - صنم سورج، بندر منقرور الموره، صنم سومبر. . بندر كالكوت، كاليكوت القديمة. . خرابة كريه، بندر كابل بتن، بندر كلنب سيلان - طوطا جام سيلان، جبل سرنديب - محمود بندر - بندر فلجيري. بندر مدراس - كركندي - جكرنات بور، اسحق بتن - بندر قنجام. . جكرنات شمالي صنم، جكرنات جنوبي صنم - الغريز المركب أبو قنديل - بندر كلكته بنقاله. . خور اكراسي). وهنا انقطاع يعقبه في الصفحة التالية ما يلي:
(فال كان شمالي - جزيرة شتلاكم - جزيرة أميني - اندون، جزيرة كورتي - جزيرة مكيلي، جزيرة كيلاي). . وبها ينتهي الكتاب الثاني.
الكتاب الثالث
الكتاب الثالث وقع في ٢٩ صفحة. كتب في صدره: (وهذا ابتداء مجرات بر الهند ولون مناتخ جباله وعلايمه وصفته ومجاريه ودوابه ويتلوه أيضاً مجرات بر العرب والسواحل ولونه وعبراته بمن الله تعالى). وفي آخر الكتاب ما حرفه: (تم الكتاب بأذن العزيز الوهاب صبح الجمعة وقد مضى من بعد الشروق ساعة ١ دقيقه ١٢ ولعله في ٢٧ شهر جمادى الآخر وفي ٧ شهر كانون الأول من اشهر الرومية وفي ١٣ منزلة الدبران وفي ١٩ يوماً في دزنمبر من أشهر الفرنجية وفي ٢٧
стр. 5752
القوس وفي ١١٧ يوماُ من النوروز وسنة ١٢٧٩ من الهجرة النبوية وسنة ١٨٦٤ من الهجرة المسيحية (كذا) على يد اقل عباد الله راشد ين
صالح ولد حريرة بيده). (الكلمتان الأخيرتان مشوشتان).
قد قسم الكتاب إلى خمسة أبواب:
الباب الأول في منتخ بر الهند وعلائمه ومجاريه وجباله ودوابه. في ١١ صفحة.
الباب الثاني في مجرات بر العرب. في ١٥ صفحة.
الباب الثالث في معرفة مجرات التدبيرة وصفة الباطلي وما يحتاج في الزيادة والنقصان. في صفحة واحدة وخمسة اسطر.
الباب الرابع في استخراج المجرا من الدائرة في صفحتين. ضمنهما وردة الرياح يقابل شعبها أرقام.
الباب الخامس في مقدمة البر بالاختصار. في ٩ صفحات.
أول الباب الأول: (افهم أخي أيها الطالب لذلك إذا نتخت شمالي كراشي تنتخ جبل ميز، وهو جبل على سيف البحر رأسه الغربي أعلى من رأسه الشرقي وهو مسلوب الطرفين وفي وسطه هزع وعلى رأسه الغربي جزيرة جرنة جزيرة صغيرة على هيئة القبوس هكذا صفتهما. (وهنا يصور الجبل والجزيرة وهكذا كلما ذكر جبلا أو جزيرة صورهما كما يبدوان للناظر. وفي الكتاب ٣٥ صورة من هذا القبيل. ولنداوم على النقل قال): فإذا كنت عن هذا الجبل إلى جهة المغيب تنظره منقطعاُ عن البر كأنه جزيرة ومعترضاً مطلع ومغيب فإذا كان مرادك سورميان اجعل الجزيرة المذكورة بحريك تكون تظرب في القطب فإذا ضربت فيه أقبظ الحاه تظرب خور سورميان وهي من الجزيرة تحت الجاه زام هكذا وان مرادك كراشي إذا خلف عنك جبل ميز اقبظ الجوزة يظهر لك جبل صغير مثل الدائرة وهو جبل كراشي الذي عليه السراج وإذا ظهرت لك القلعة اقبظ جنوبيها قليل ولا تقارب الرأس الشرقي أن فيه مرقة خارجة منه إلى جهة المطلع. ومطلع هذه المرقة جزراً صغار ثلاث أو أربع فأحذر تسفل إليهن. وفي هذا العصر ملكها الانقريز وجعل لمدخلها علايم بوجات. (من هما يفهم أن هذا الكتاب
стр. 5753
ألف بعد دخول الإنكليز الهند. نداوم). وأما البحر إذا كنت من كراشي لنحو المغيب يجيك اسود وان كنت من كراشي لنحو المطلع يجيك البحر اغبث إلى الجكت ثم يخظر إلى أن تعداه ثم يسود على هذه الصفة. وإذا سافرت من كراشي وخرجت من الخور اقبظ إلى أن تصل بحر باع ١٢ ثم ارجع في مطلع العقرب
والحمارين. وهذا البحر تجيك دندت دبه قدر نصف زام وهي ظاهرة. فإذا قبضت بحر باع ١٠ يضرب بك رأسها المغيبي وبحر الثمانية تظرب رأسها الشرقي وهي التي خارجة للبحر، وباقي الدندات في البر عنها وهذه صفتها). (وهنا صورة كنها دكة. فيفهم أنه يريد بالدندة الصخرة في البحر وهي ما يسميها الفرنسيون وويقول في مكان آخر: (وأما إذا كنت مقبلا من جهة المغيب أحذر أن تقرب البحر في ستة وسبعة أبواع خوفاُ من الشعب الذي في تلك الأماكن عليهن البحر ربع باع ونصف باع). فيفهم من ذلك أنه إذا كانت الصخره قريبة من وجه البحر ولكن ماء البجر يغطيها فانه يسميها شعباً وإذا كانت ظاهرة فوق سطح الماء يسميها دندنة. ولاشك أن هذه الكلمة مأخوذة من الفارسية دند بمعنى سن.
وهاك كلاماً من أول الباب الثاني: (بندي من صور. الأول إذا خرجت من خور صور اقبظ مغيب النعش إلى عدال رصاغ ثم اقبظ الناقه والعيوق إلى أبو داود وأرجع في مغيب الواقع إلى الخيران واقبظ السماك يضرب بك صيرت مسقط. . . الخ). هكذا يصف ساحل خليج فارس العربي والساحل الجنوبي لجزيرة العرب وساحلي البحر الأحمر وساحل أفريقية الشرقي إلى ما دون زنجبار. ويذكر هناك أسماء جزر كثيرة.
وجاء في الباب الثالث: (إذا حصل مساج دقيقة ٥٠ فزد خمس وعلى الميئة عشر وذلك في وقت معلوم مثل أيام التدبيرة إذا قربت من الجزائر تقوى المايه وترمي إلى نحو الجاه خصوصاُ نوروز ٢٨٠ فتصير المايه والموجه والريح جميعاً إلى نحو الجاه ويصير الجري قايم قوي الحركة والاصطلاب في الباطلي. . . الخ).
وجاء في الباب الرابع: (في استخراج المجرا من الدائرة. أولا نأخذ
стр. 5754
فاضل الطولين وفاضل العرضين أن كانا في جهة واحدة من شمال الأصلي أو فاضل الطولين وجملة العرضين إذا كانا مختلفين الجهة إذا كان الباب في الشمال وأنت في الجنوب وتظرب كل في نفسه وتجمع الجميع ثم جزره والذي يخرج من الجزر هو المسافة ثم اخذ العرض واضربه في قاعدت بعد الجاه وهو ستة وثمانون ونصف والجملة اقسمها على نصف والجملة اقسمها على نصف الطول والمسافة فما خرج انقصه من التسعين والباقي كل خن أحد عشر درجة وربع فما وقع في الخن أو بين الخنين فهو المجرا. . . الخ).
وجاء في أول الباب الخامس: (في مقدمة البر بالاختصار، اعلم أرشدنا الله وإياك
والمسلمين لطريق الهدى والصواب. الأول نبدي أن شاء الله تعالى من رأس الحد ويسمونه رأس الجمجم لأنه جمجمة بر العرب اقرب ما يكون لبر الهند من بر العرب وهو رأس رمل ابيض ولساناً ممدوداً لداغ مخالط البحر في ظلمات الليل يتغلق البحر أيام الخريف من جنوبيه ولم يتغلق من شماليه في أي وقت يكون من الأوقات والأزمان. الأول من رأس الحد إلى مصيرة هذا البر يسما بر الاطراح ومن مصيرة إلى رأس فرتك هذا البر يسما بر الأحقاف ومن فرتك إلى عدن يسما بر الحرز إلى حدود الباب وأما من الباب وهو المندم يسمونه باب سكندر منه إلى حلي بن يعقوب. فهذه تهايم اليمن ومن حلي إلى جبل رضوة هذه تهايم الحجاز ومن جبل رضوة إلى بطن السويس فهذه تهيم الشام ثم رجع البر بميله نحو القصير وهو أول جهة الحبشة الغربية ثم انقاد البر إلى أرض النوبة وسنار والدهالك والدنا كل إلى أن يصل الباب الكبير المتقدم ذكره. . . الخ).
وعلى هذا النمط يصف ساحل أفريقية الشرقي إلى الكاب ثم الغربي إلى الزقاق (مضيق سبتة) وهنا يذكر أمريكا بقوله: (. . . وهو البحر المحيط بالدنيا فانقطع بر ثاني عند مغرب الشمس وهو بر المريكان وقيل برا قليل المجاوزة فيه لأن العرض والطول كيس (كلمة مشوشة) في كتب العرب والتواريخ). ثم يصف البحر المتوسط. ثم يذكر بر الترك والأرس (الروس) ويأجوج ومأجوج والصين ويذكر البحر سنجافورة وساحلي السنجال ثم ساحل الهند الغربي وساحل إيران
стр. 5755
إلى البصرة وينعطف إلى الساحل العربي من خليج فارس ويصف بلاده وبقاعه وجزره وقبائله إلى أن يصل إلى رأس الحد نقطة مبدأه.
الكتاب الرابع
الكتاب الرابع يبدأ بقوله. (بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فهذا الكتاب المسما فكرة الهموم والغموم، والعطر المشموم، في العلم المبارك المقسوم، في العلامات والمسافات والنجوم، على جميع الأقطار والأماكن والجهات ليزداد فيه الطالب نبهة وفكرة، ويتنبه الغافل من كل سكره، هذا العلم شواهده مذكورة مشهورة، وفوائده بينة مسرورة، يدلك مع التوفيق، بجوادك في اللجج والطريق أن شربت منه بهنيك، وإن رغبت فيه يكفيك، وان توكلت على مولاك يهديك، فتفترع منه علوماُ كثيرة لا يحصها إلاًّ الله تعالى، فيه معروفة السنين القمرية والشمسية والكبائس وعلم المجاري والنجوم ومنازل القمر وحلول الشمس في البروج وعلم
الأيام والساعات والدقائق وزيادة الليل والنهار والأخذ من بعضهن بعض في الميل الأعظم وحساب الفصول الأربعة. الشتاء والربيع والصيف والخريف ومعرفت الجهات المربعات. الشمال والجنوب والشرق والغرب وأربع الجهات المنحوية شمالي شرقي وشمالي غربي وجنوبي غربي وجنوبي شرقي لأن حلول الشمس في البروج على حساب النوروز اقرب تناولا وأليق بأهل البحر من غيره وان كان يحيل على طول الزمان. . . الخ).
في الصفحة الثامنة شكل مستطيل ملون بلون ترابي قد قسم ثمانية أقسام وكتبت عليه أسماء البروج ثلاثة ثلاثة بشكل حرف مقلوب مائل وعلى يمين المستطيل وشمالية أرقام من ١ إلى ٣٦٠ وفي أعلاه وأسفله من ١٠ إلى ٩٠.
وفي الصفحة التاسعة يقول: (الثاني من الفروع في تفصيل الديرة. نعم أخي إن الديرة أربعة أرباع. . الخ). يريد بالديرة الحق أي
وفي الصفحة ١٣و ١٤ صور مختلفة للسفن مع أوضاع الشمس. يعقبها خمس صفحات بيض يأتي بعدها ذكر قواعد لتعين الطول في ٩ صفحات. يأتي بعدها صفحه عليها جدول عناوينها: (هذا مساج)، (هذا طول)، (هذا عرض)، (هذا صافي المجرا). يليها في الصفحة التي بعدها: (فصل في معرفة استخراج
стр. 5756
المجرى والعرض والطول والمسافة بالربيع المجيب. إذا كان عندك مساج وخن المجرى وتريد عرض وطول فيحتاج أن تضع الخيط أو الفركال على الستين وعلمه بقدر المساج الذي معك من الباطلي أو غيره ثم انقله إلى خن المجرى الذي عندك واخرج به من الستين فما حصل فهو العرض المطلوب. . . الخ). وعلى وجه الورقة التي تليه صفة الربع المجيب بشكل ملون متقن وعلى ظهرها صورة سفينة قد مدت جميع أشرعتها وقد صورت تصويراُ بديعاً بألوان.
تأتي بعد ذلك الإيعازات التي يوعز بها الربان للنوتية عند تسيير السفينة كما ذكرتها في كتابي (مخطوطات الموصل) ص ٢٨٢، وغير ذلك. وينتهي الكتاب بخريطة جزيرة سقطرة.
إن هذا الكتاب الأخير خلو من اسم المؤلف وليس في آخره كتابة أو تاريخ. وفي صدره إطار لم يكتب فيه شيء. عدد صفحاته ٣٤ ما عدا الصفحات الخمس البيض. أظن أن الناسخ كان ونوي أن يصور على هذه الصفحات صور سفن أو غيرها ولكنه لم ينجز
علمه.
الدكتور داود الجلبي
تحية العلم العراقي
(للصف الرابع الابتدائي):
علمي إليك تحيتي وسلامي ... فاطلب من العلياء خير مقام
علمي أرى قلبي يسر بمنظر ... لشعار امتنا العزيز السامي
فذا الاحمرار علامة لأمية ... تلك التي هلكت بشر حسام
أما بنو العباس فالشية التي ... اسودت شعارهم بكل مقام
والفاطميون البياض شعارهم ... حتى أصيب زمانهم بنيام
مصطفى جواد
стр. 5757
من دفائن رسائل الجاحظ
وصل إلينا قبل نحو شهرين مغلف ناقص الأجرة من إيران. ومن عادتنا أن نرفض كل ما سرد إلينا ناقص الإيراد. ويتفق أن يقع لنا مثل هذا الأمر مراراً عديدة في الشهر الواحد؛ إلا أننا هذه المرة خافنا عادتنا، فقبلنا المغلف وأدينا ما وجب أداؤه من إتمام الأجرة لظننا أنه من صديق عزيز لنا في فارس. وأما فضضناه، اسقط في يدنا، لأننا رأينا فيه رسالة دقيقة الحروف وليس بين كلمة وكلمة مغرز نقطة واحدة. وليس في الرسالة (رأس سطر) فأنها من أولها إلى آخرها متراصة الحروف والسطور لا تقرأ إلا بالمنظار. فألقيناها بين المهملات وندمنا على أننا أدينا عنها إتمام الابراد.
ومن بعد مضي شهر عليها أو اكثر، عدنا إلى مطالعتها لنرى موضوعها فرأينا أنها تحوي رسالتين للجاحظ: أولهما (في تفضيل بني هاشم على من سواهم) وآخرتهما (في إثبات إمامة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵇ ونطلب إلى القراء أن يفيدونا عما يعرفون من نسخهما.
وقد وهم الناسخ في رسم كثير من الكلم حتى أنه افسد بذلك بعض المعاني. ففي بعض المواطن أمكننا أن نرجع إلى مورد نعرفه فوردناه، فأصلحنا الخطأ، وأما المواطن التي صعبت علينا معرفتها، فأبقيناها على علاتها، تاركين التبعة على الناقل، وهو الشيخ فضل الله الزنجاني، الذي يلقي التبعة على ناقل النسخة التي ظفر بها.
وحضرة الكاتب الأديب لم يقل لنا أين وجد هاتين الرسالتين ولم يصف النسخة التي نقل عنها. ولا سنة كتابتها. والظاهر أن حضرته غير واقف على أصول النقل ولا على أحكام النسخ وطبع المخطوطات، والإفادة التي أفادنا إياها حضرته هي أنه:
(نقل هاتين الرسالتين علي بن عيسى الاربلي، من أفاضل علماء القرن السابع في كتابه. ولولا نقله لهما، لضاعتا كما ضاع أمثالهما. فللموصليين: المتقدم
стр. 5758
(علي بن عيسى) والمتأخر (الدكتور داود بك الجلبي). الفضل الكبير في حفظ آثار الجاحظ الخالد).
انتهى كلام الشيخ الأديب.
رسالة للجاحظ في تفصيل بني هاشم على من سواهم
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
اعلم حفظك الله، أن أصول الخصومات معروفة بينة وأبوابها مشهورة، كالخصومة بين الشعوبية والعرب، والكوفي والبصري، والعدناني والقحطاني، فهذه الأبواب الثلاثة انقض للعقول السليمة وافسد للأخلاق الحسنة، من المنازعة في القدر والتشبيه، وفي الوعد والوعيد، وفي الأسماء والأحكام، وفي الآثار وتصحيح الأخبار. وانقض من هذه للعقول تمييز الرجال، وترتيب الطبقات. وذكر تقديم علي وأبي بكر رضوان الله عليهما.
فأولى الأشياء بك القصد، وترك الهوى، فان اليهود نازعت النصارى في المسيح، فلج بهما القول حتى قالت اليهود أنه ابن يوسف النجار، وأنه لغير رشدة، وأنه صاحب نيرنج، وخدع، ومخاريق، ناصب شرك، وصياد سمك، وصاحب شص وشبك، فما يبلغ من عقل صياد، وربيب نجار؟
وزعمت النصارى أنه رب العالمين، وخالق السموات والأرضين، واله الأولين والآخرين. فلو وجدت اليهود أسوأ من ذلك القول لقالته فيه. ولو وجدت النصارى ارفع من ذلك القول لقالته فيه. وعلى هذا قال علي ﵇ يهلك في رجلان: محب مفرط، ومبغض مفرط. والرأي كل الرأي، أن لا يدعوك حب الصحابة إلى بخس عترة الرسول. ﷺ ، حقوقهم وحظوظهم فان عمر، لما كتبوا الدواوين، وقدموا ذكره، أنكر ذلك وقال: ابدءوا بطرفي رسول الله صلى الله عليه وآله، وضعوا آل الخطاب، حيث وضعهم الله. قالوا: فأنت أمير المؤمنين؟ فأبى إلا تقديم بني هاشم، وتأخير نفسه فلم يشكر عليه منكر، وصوبوا رأيه وعدوا ذلك من مناقبه
واعلم أن الله أراد أن يسوي بين بني هاشم وبين الناس، لما أبانهم بسهم ذوي القربى، ولما قال: وانذر عشيرتك الأقربين؛ وقال تعالى: وانه لذكر لك ولقومك، وإذا كان لقومه في ذلك ما ليس لغيرهم، فكل من كان اقرب كان ارفع ولو سواهم بالناس لما حرم عليهم الصدقة؛ وما هذا التحريم إلا لإكرامهم
стр. 5759
على الله. ولذلك قال للعباس حيث طلب ولاية الصدقات قال لا أوليك غسالات خطايا الناس وأوزارهم، بل أوليك سقاية الحاج والإنفاق على زوار الله. ولذا كان رباه أول ربا وضع. ودم ربيعة بن حارث أول دم أهدر، لأنهما القدوة في النفس والمال. ولهذا قال علي ﵇ على منبر الجماعة: (نحن أهل بيت لا يقاس بنا أحد)
وصدق صلوات الله عليه كيف يقاس بقوم منهم رسول الله، والأطيبان علي وفاطمة، والسبطان الحسن والحسين، والشهيدان أسد الله حمزة وذو الجناحين، جعفر وسيد الوادي عبد المطلب، وساقي الحجيج العباس وحليم البطحاء والنجدة والخير فيهم والأنصار أنصارهم والمهاجر من هاجر إليهم ومعهم. والصديق من صدقهم، والفاروق من فرق بين الحق والباطل فيهم، والحواري حواريهم وذو الشهادتين لأنه شهد لهم ولا خير إلا فيهم، ولهم، ومنهم، ومعهم، وقال ﵇، فيما أبان به أهل بيته: إني تارك فيكم الخليفتين: أحدهما اكبر من الآخر كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض. وعترتي أهل بيتي نبأني اللطيف الخبير، انهما لن يفترقا، حتى يردا علي الحوض، ولو كانوا كغيرهم، لما قال عمر حين طلب مصاهرة علي: أن سمعت رسول الله (ص) يقول كل سبب ونسب منقطع يوم القيامة، إلا سببي ونسبي.
واعلم أن الرجل قد يتنازع في تفضيل ماء دجلة على ماء الفرات، فان لم يحتفظ، وجد في قلبه على شارب ماء دجلة رقة لم يكن يجدها، ووجد في قلبه غلظة على شارب ماء الفرات، لم يكن يجدها فالحمد لله الذي جعلنا لا نفرق بين أبناء نبينا ورسلنا نحكم لجميع المرسلين بالتصديق، ولجميع السلف بالولاية. ونخص بني هاشم بالمحبة ونعطي كل امرئ قسطه من المنزلة.
فأما علي ين أبي طالب ﵇، فلو أفردنا لأيامه الشريفة ومقاماته الكريمة، ومناقبه السنية، كلاماً، لأفنينا في ذلك الطوامير الطوال. العرق صحيح، والمنشأ كريم، والشأن عظيم، والعلم جسيم كثير، والبيان عجيب، واللسان خطيب، والصدر رحيب، فأخلاقه وفق أعراقه، وحديثه يشهد لقديمه، وليس في وصف مثله، إلا ذكر جمل قدره دون استقصاء جميع حقه.
стр. 5760
فإذا كان كتابنا لا يحتمل تفسير جميع أمره، ففي هذه الجملة بلاغ لمن أراد معرفة فضله. وأما الحسن والحسين ﵉، فمثلهما مثل الشمس والقمر، فمن أعطى ما في الشمس والقمر من المنافع العامة، والنعم الشاملة التامة؟ ولو لم يكونا لبني علي من فاطمة ﵍، ورفعت من وهمك كل رواية وكل سبب توجيه القرابة، لكنت لا تقرن بهما أحداً من جلة أولاد المهاجرين والصحابة، إلا أراك فيهما الإنصاف من تصديق قول النبي (ص)
انهما سيدا شباب أهل الجنة، وجميع من هما ساوته سادة. والجنة لا تدخل إلا بالصدق والصبر، وإلا بالحلم والعلم، وإلا بالطهارة والزهد، وإلا بالعبادة، والطاعة الكثيرة، والأعمال الشريفة، والاجتهاد، والأثرة، والإخلاص في النية.
فدل على أن حظهما في الأعمال المرضية، والمذاهب الزكية فوق كل حظ.
وأما محمد بن الحنيفة، فقد اقر الصادر والوارد، والحاضر والبادي انه كان واحد دهره ورجل عصره، وكان أتم الناس تماماً وكمالا.
وأما علي بن الحسين ﵇. فالناس على اختلاف مذاهبهم، مجمعون عليه لا يمتري أحد في تدبيره، ولا يشك أحد في تقديمه. وكان أهل الحجاز يقولون: لم نر ثلثة في دهر، يرجعون إلى أب قريب كلهم يسمى علياً، وكلهم يصلح للخلافة، لتكامل خصال الخير فيهم، يعنون علي بن الحسين بن علي ﵈، وعلي بن عبد الله بن جعفر، وعلي بن عبد الله بن العباس رضي اله عنهم، ولو عزونا بكتابنا هذا ترتيبهم، لذكرنا رجال أولاد علي لصلبه، وولد الحسين وعلي بن الحسين، ومحمد بن عبد الله بن جعفر، ومحمد بن علي عبد الله بن العباس. إلا أنا ذكرنا جملة من القول فيهم، فاقتصرنا من الكثير على القليل.
فأما النجدة، فقد علم أصحاب الأخبار، وحمال الآثار، انهم لم يسمعوا بمثل نجدة علي بن أبي طالب ﵇ وحمزة ﵁؛ ولا بصبر جعفر الطيار، رضوان الله عليه. وليس في الأرض قوم، اثبت جناناً، ولا اكثر مقتولا تحت ظلال السيوف، ولا اجدر أن يقاتلوا، وقد فرت الأخيار، وذهبت الصنائع، وحام ذوو البصيرة؛ وجاد أهل النجدة من رجالات بني هاشم وهم كما قيل:
стр. 5761
(شعر)
وخام الكمي وطاح اللواء ... ولا تأكل الحرب إلا سمينا
وكذلك قال دغفل، حين وصفهم: أنجاد، ذوو السنة حداد. وكذلك قال علي، ﵇، حين سئل عن بني هاشم وبني أمية: نحن انجد، وامجد، وأجود، وهم أنكر، وامكر، وأغدر. وقال أيضاً: نحن أطعم للطعام، واضرب للهام، وقد عرفت جفاء المكيين، وطيش المدنيين، وأعراق بني هاشم مكية، ومناسبهم مدنية.
ثم ليس في الأرض احسن أخلاقاً، ولا اطهر بشراً، ولا أدوم دمائه، ولا ألين عريكة، ولا
أطيب عشيرة، ولا ابعد من كبر منهم، والحدة لا يكاد يعدمها الحجازي، والتهامي، إلا أن حليمهم لا يشق غباره، وذلك في الخاص والجمهور، على خلاف ذلك، حتى تصير إلى بني هاشم، فالحلم في جمهورهم، وذلك يوجد في الناس كافة، ولكنا نضمن انهم أتم الناس فضلا، واقلهم نقصاً، وحسن الخلق في البخيل اسرع، وفي الذليل أوجد، وفيهم مع فرط جودهم، وظهور عزهم، من البشر الحسن، والاحتمال، وكرم التفاضل، ما لا يوجد مع البخيل الموسر، والذليل المكثر، اللذين يجعلان البشر وقاية دون المال. وليس في الأرض خصلة تدعو إلى الطغيان، والتهاون بالأمور، وتفسد العقول، وتورث السكر، إلا وهي تعتريهم، وتعرض لهم، دون غيرهم. إذ قد جمعوا من الشرف العالي، والمغرس الكريم العز والمنعة، مع إبقاء الناس عليهم، والهيبة لهم. وهم في كل أوقاتهم، وجميع اعصارهم، فوق من هم، على مثل ميلادهم في الهيئة الحسنة، والمروة الظاهرة، والأخلاق المرضية.
وقد عرف الحدث الغرير من فتيانهم، وذوو العرامة من شبانهم، انه أن افتري، لم يفتر عليه، وان ضرب، لم يضرب. ثم لا تجده إلا قوي الشهوة بعيد الهمة، كثير المعرفة، مع خفة ذات اليد، وتعذر الأمور. ثم لا تجد عند أفسدهم شيئاً من المنكر، إلا رأيت في غيره من الناس اكثر منه، من مشايخ القبائل، وجمهور العشائر. وإذا كان فاضلهم فوق كل فاضل. وناقصهم انقص من كل ناقص، فأي دليل أدل، وأي برهان أوضح مما قلته. وقد علمت أن الرجل منهم ينعت بالتعظيم، والرواية في دخول الجنة بغير حساب. ويتأول
стр. 5762
القرآن له: ويزداد في طمعه بكل حيله، وينقص من خوفه، ويحتج له بان النار لا تمسه؛ وانه ليشفع في مثل ربيعه ومضر. وأنت تجد لهم مع ذلك العدد الكثير من الصوام، والمصلين، والمتألهين، الذين لا يجاريهم أحد، ولا يقاربهم.
كان أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، يصلي في كل ليله ألف ركعة وكذا علي بن الحسين بن علي، وعلي بن عبد الله بن جعفر، وعلي بن عبد الله بن العباس ﵈، مع الحلم والعلم. وكظم الغيظ، والصفح الجميل، والاجتهاد المبرز. فلو أن خصلة من هذه الخصال، أو داعيه من هذه الدواعي عرضت لغيرهم لهلك وأهلك.
واعلم انهم لم يمتحنوا بهذه المحن. ولم يتحملوا هذه البلوى، إلاَّ لما قدموا من العزائم التامة، والأدوات الممكنة، ولم يكن الله ليزيدهم في المحنة إلاَّ وهم يزدادون على شدة المحن خبراً،
وعلى التكشف تهذيباً.
وجملة أخرى مما لعلي بن أبي طالب ﵇، خاصة الأب أبو طالب والجد عبد المطلب بن هاشم، والأم فاطمة بنت أسد بن هاشم، والزوجة فاطمة بنت رسول الله ﷺ سيدة نساء أهل الجنة، والولد الحسن والحسين سيد شباب أهل الجنة، والأخ جعفر الطيار في الجنة، والعم العباس؛ وحمزة سيدا شهداء في الجنة؛ والعمة صفية بنت عبد المطلب، وابن العم رسول الله صلى الله عليه وآله؛ وأول هاشمي بين هاشميين كان في الأرض، ولد أبي طالب. والأعمال التي يستحق بها الخير أربعة: التقدم في الإسلام، والذب عن رسول الله صلى الله عليه وآله وعن الدين، والفقه في الحلال والحرام، والزهد في الدنيا. وهي مجتمعة في علي بن أبي طالب متفرقة في الصحابة. وفي قول أسد بن رقيم يحرض عليه قريشاً، وانه قد باغ منهم على حداثة سنه، ما لم يبلغه ذوو الأسنان:
في كل مجمع غاية أخزاكم ... جذع ابر على المذاكي القرح
لله دركم ألما تنكروا ... قد ينكر الضيم الكريم ويستحي
هذا ابن فاطمة الذي أفناكم ... ذبحاً ويمشي آمنا لم يجرح
стр. 5763
أين الكهول وأين كل دعامة ... للمعضلات وأين زين الأبطح
أفناهم ضرباً بكل مهند ... صلب وحد غرارة لم يصفح
وأما الجود فليس على ظهر الأرض جواد جاهلي، ولا إسلامي، ولا عربي ولا عجمي، إلا وجوده يكاد يصير بخلا إذا ذكر جود علي بن أبي طالب، وعبد الله بن جعفر، وعبد الله بن عباس، والمذكورون بالجودة منهم كثير، لكنا اقنصرنا، ثم ليس في الأرض قوم انطق خطيباً ولا اكثر بليغاً من غير تكلف ولا تكسب من بني هاشم. وقال أبو سفيان بن الحرث: (شعر)
لقد علمت قريش غير فخر ... بانا نحن أجودهم حصاناً
وأكثرهم دروعاً سابغات ... وأمضاهم إذا طعنوا سنانا
وادفعهم عن الضرآء فيهم ... وأثبتهم إذا نطقوا لساناً
ومما يضم إلى جملة القول في فضل علي بن أبي طالب ﵇، انه أطاع الله قبلهم، ومعهم، وبعدهم؛ وامتحن بما لم يمتحن به ذو عزم؛ وابتلي بما لم يبتل به ذو صبر. وأما
جملة القول في ولد علي ﵈؛ فان الناس لا يعظمون أحداً من الناس إلا بعد أن يصيبوا منهم؛ وينالوا من فضلهم وإلا بعد أن تظهر قدرتهم؛ وهم معظمون قبل الاختيار؛ وهم بذلك واثقون، وبه موقنون؛ فلولا أن هناك سراً كريماً؛ وخيماً عجيباً؛ وفضلاًمبيناً، وعرقاً نامياً، لاكتفوا بذلك التعظيم؛ ولم يعانوا تلك التكاليف الشداد؛ والمحن الغلاظ.
وأما المنطق والخطب فقد علم الناس كيف كان علي بن أبي طالب عند التفكير والتحبير؛ وعند الارتجال والبديهة، وعند الإطناب والإيجاز في وقتيهما؛ وكيف كان كلامه قاعداً وقائماً، وفي الجماعات، ومنفرداً مع الخبرة بالأحكام، والعلم بالحلال والحرام، وكيف كان عبد الله بن العباس رضوان الله عليه، الذي كان يقال له (الحبر والبحر). ومثل عمر بن الخطاب يقول له: غص يا غواص وشنشنة أعرافها من اخزم، قلب عقول ولسان قؤول. ولو لم يكن لجماعتهم إلا لسان زيد بن علي بن الحسين، وعبد الله بن معاوية بن جعفر؛ لقرعوا بهما جميع البلغاء؛ وعلوا بهما على جميع الخطباء. ولذلك قالوا أجواد، أمجاد،
стр. 5764
ذوو السنة حداد.
وقد ألقيت إليك جملا من ذكر آل الرسول، يستدل بالقليل منها على الكثير والبعض على الكل، والبغية في ذكرهم، انك متى عرفت منازلهم، ومنازل طاعتهم، ومراتب أعمالهم، وأقدار أفعالهم، وشدة محنتهم، وأضفت ذلك إلى حق القرابة، كان أدنى ما يجب علينا وعليك الاحتجاج لهم، وجعلت بدل التوقف في أمرهم؛ الرد على من أضاف إليهم ما لا يليق بهم، وقد تقدم من قولنا فيهم متفرقاً ومجملاً ما أغنى عن الاستقصاء في هذا الكتاب.
إلى كاتب المشرق الناكر الإحسان
جاء في الأمثال العائرة: (من علمني حرفاً، كنت له عبداً) وعسى انك لا تنسى أننا علمناك مدة ثلاث سنوات، لا حرفاً أو حرفين، بل مئات من الحروف ولا زالت مسودات بعض مقالاتك محفوظة عندنا. تشهد شهادة صدق بأننا كابدنا الأمرين لتلقينك شيئاً من العربية التي عدت إلى جهل قواعدها وأحكامها منذ أن ران على قلبك الهوى ونكران الجميل. وان كنت قد نسيت متاعبنا معك، تلك التي يعرفها من كان يتردد إلينا وقت تعليمنا إياك، ولا ينساها من تعود الاختلاف إلينا إلى عهدنا هذا، فادفع أجرة طبع تلك المسودات حفراً على المعدن، ونحن ننشرها هنا.
ثم انك تأتينا في هذه الأيام وتنشر في المشرق (٢٩: ٣٣٢ إلى ٣٤٠) مقالة وسمتها (طريقة في العلم معيبة) ونسيت نفسك، إذ كل ما نشرته كأصل الحواري والداوية إلى غيرهما مسروق برمته من كتب الأدباء أذن:
لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم
وفي مقالك من التبصبص للبعض والتذبذب لهم ما لا مثيل له، فتباً لمثل هذه الشنائع! وعليه: سددنا بوجهك كل باب في الرد عليك، إلى أن تستعذر منا، وتسير بموجب آداب النقد النزيهة. أما لغة العرب فلا تكتب بعد الآن شيئاً في حقك خيراً ولا شراً، ولا تقبل من أحد كلمة بهذا المعنى. والسلام.
стр. 5765
مدن العراق القديمة
فنسان م. ماريني
تابع
وأسس (نبوبلصر) الكلداني مملكة بابل الحديثة سنة ٦٢٥ق. م. وبلغت ذروة عظمتها حين اتفق الماذيون والكلدانيون وهجموا على نينوى فسقطت سنة (٦٠٦ ق. م) وكاد نبو كدراصر الثاني حفيد نبوبلصر يعيد بابل كلها. ولكن من الأسف على طموح هذا الملك ومدينته؛ لان خلفاءه سلكوا في طرق أخر، حتى آكل الترف والسيئات قلب المملكة التي أقامها بنو كدراصر بنشاط مدهش، إذ كان في منهاج هذا الملك الاستعمار الخارجي وتجديد مدينته وإعادة هيكل الآلهة على طول القطر وعرضه. وكان نبو كدراصر الثاني الملك الذي غزا أورشليم الإسرائيليين فاعتقلهم (٥٨٦ ق. م).
وامتاز عصر نبونيد، ذلك العصر الذي غلب فيه حب الدنيا - ونبونيد آخر ملوك مملكة بابل الحديثة - بمزايا ظاهرة، مع أن هذا الملك لم يكن محراباً ولا سياسياً، بل كان رجلا كثير الولوع بالآثار القديمة، فضلاً عن انه كان مؤرخاً وعالماً أديباً. وكان يدون تواريخه حين أخذت قوة الفرس بالنهوض، بدلا من أن يعيرها التفاته، وقد انتفع الباحث عن آثار آشورية في هذا اليوم كل الانتقال بتلك التواريخ. ويذكر نبونيد مفتخراً كيفية عثوره على الاسطوانات الأساسية لنرأم سن ملك أكد تحت زوايا هيكل (إي ببر) الذي إقامة هذا الملك (نرأم سن) في (سفر) قبل ذلك الزمن بنيف وألفي سنة (راجع ما يخص (سفر) (وأكد) وكان ابنه بلشصر لاهياً بالأكل والشرب عير مكترث لليد الكاتبة فوق الجدار حين كان أبوه يدون الأخبار. وبقيت بابل بعد احتلال الفرس موئلا كبيراً للتجارة كما كانت مركزاً للعلم فتألقت بغناها في عهد حكم الفرس العادل حتى سنة ٣٣١ق. م، فظهر الاسكندر من الغرب واخضع دارا ملك الفرس في محاربة اربل. فضعفت شوكة بابل بعد
стр. 5766
وفاة الاسكندر سنة ٣٢٣ق. م. واضمحلت كل الاضمحلال بالنظر إلى ما كانت عليه. وبالتالي لما بنى سلوقس قصبة جديدة له على ضفة دجلة حلت تلك المدينة أي سلوقية محل بابل (راجع ما يخص سلوقية).
برسبا (برس نمرود) على مسافة نصف ساعة من الحلة
بالسيارة
كان يعرف تل برس نمرود، استناداً إلى الحديث المأثور، ببرج بابل وذلك مذ زيارة الحاخام الجوابة بنيامين التطليلي سنة ١١٧٣م. وهذا التل مكلل بكتلة بناء ضخمة. ويسرد العرب هنالك روايات ظريفة منقولة عن أسلافهم تتعلق بنمرود وإبراهيم، كما أنها تدل على أن البرق الذي سل الرب سيفه به في غضبه حول البناء المتخذ من الآجر زجاجاً. ولكن لا يشك أبداً في أن برج بابل الحقيقي هو الزقورة المسماة (انتمن انكي) - (دار حجر أساس السماء والأرض) التابعة لهيكل مردوك العظيم في بابل (راجع ما يختص ببابل). على أن مرور الزمان وسارق الآجر لم يبقيا في برج بابل من الأدلة إلا شيئاً قليلا وعليه يتيسر إدراك سهو بنيامين المذكور حين قصد تلك الأصقاع.
ويرى حوالي أساس الزقورة المتخربة في برس نمرود أنقاض هيكل (نبو) اله العلوم والآداب، وكانت تنقل صورته باحتفال جليل في كل رأس سنة ليؤدي فرضه إلى أبيه القهار الإله مردوك في هيكله (إي سجلا) في بابل. وكان المضيف يشايع ضيفه مسافة من الطريق في العودة كما هي العادة عند العرب في هذا اليوم.
وقد قام (جول أوبر) وغيره من الأثريين بالحفر في برس نمرود في أوقات شتى. ولكن حفرياتهم لم تتصل بعضها ببعض. مع أن (رولنصن) لما نقب هنالك عثر على اسطوانات متخذة من الصلصال المشوي في أساس الزقورة. ودل الرقيم في تلك الاسطوانات على أنها تعود إلى عهد نبو كدراصر الثاني ويتضح منها أيضاً أن ذلك الملك الهمام تمكن من أن يبدي كل ما في سعيه العجيب فانه أعاد هياكل الآلهة. كما يتجلى من النوافذ المربعة المعرضة لمرور الهواء في البناء الضخم في زقورات كيش (تل الاحيمر) وعقرقوف. ولا ريب في أن البرج
стр. 5767
احرق برمته وكانت الحرارة شديدة جداً بحيث أن الآجر لم يشو فحسب بل صار زجاجاً. وكان للزقورة منظر عجيب جداً حين التهابها في ذلك السهل الواسع (راجع أيضاً ما يخص كيش وعقرقوف).
والأماكن الآخر التي تزاور وأنت تذهب من الحلة هي: النجف وكربلاء وسدة الهندية.
من الديوانية:
يقدمها الجوابة راكباً السيارة من الديوانية إلى (عفك) (عفج) والمسافة ٢٣ ميلا، ثم يقطع الأربعة الأميال الباقية بالقارب وعلى ظهر الحصان.
تقع اخربة (نفر) الهائلة على الضفة اليمنى من عقيق الفرات الأقدام، وعلى الضفة الشرقية من شط النيل القديم. ويتضح أن المدينة كانت سيدة سهل شنعار بأسره من جهة الدين، وذلك منذ الأيام الأول حتى احتلال الفرس. مع أنها لم تتخذ داراً لملوك السلالات المتسيطرة. ويظهر أنها لم تزاحم مجاوراتها العديدات من المدن والممالك في السياسة أو لعلها شاركتهن في السياسة بعض المشاركة. وكان القوم الشمري والقوم البابلي كلاهما يقدم إلى هيكل تلك المدينة الهدايا، وكان هذا الهيكل مرصداً (لانلل) اله الأرض ولزوجته (ننل). وكل ملك عندما حاز إمرة الديار في حينه، بغض النظر عن دولته، كان يرمم هذا الهيكل القديم وزقورته (إي كور): ونعلم أن (أور ننه) ملك لجش، اعاد هذين البناءين منذ أول فجر سنة ٢٩٠٠ ق. م، كما أن (نرأم سن) و (أور نمو) و (آشور بنيبل) جددوها في أوقات بعد ذلك التاريخ. وعليه أضحت قيود الهيكل والنذور التي قدمت إلى الإله والتي حفرت في (نفر) أدلة نفيسة تفصح عن تاريخ سها بابل. وقد عثرت بعثة جامعة (بنسلفانية) (لنفر) على ما يقارب الثلاثة والعشرين ألف صفيحة من سنة ٢٧٠٠ إلى ٢١٠٠ ق. م وكانت تلك الصفائح محفوظة في خزانة الهيكل.
حفر (و. ن. لفتس) في (نفر) مدة وجيزة سنة ١٨٥٢. ولكننا حصلنا على نحو جميع أنبائنا الخاصة بهذه المدنية مما كشفته البعثة الأميركية التي
стр. 5768
حفرت هنالك حفراً فسيحاً في مدات مختلفة من سنة ١٨٨٧ وما تعدها.
اسن (اشان تحريات)
لم يكشف موقع هذه البلدة إلا منذ الحرب العظمى، وهي واقعة في تل على مسافة ثمانية عشر ميلا جنوبي (نفر). ولا يعرف شيء من تاريخها قبل سلالة أور الثالثة، وكان من حظها أن حلت محل أور حينما فتحها العيلميون (سنة ٢٣٠١ ق. م). وحييت سلالة ملوك إسن حياة كلها وقائع مختلفة حتى أبادها الفاتحون العيلميون، وهم من سلالة مدينة (لارسا)
التي كانت تنافس (إسن) ومن ثم أصبحت المدينتان من البلدان التي أذعنت لمملكة بابل الأولى. وتاريخ هذه المدينة بعد ذلك الحين غامض لم يكشف بعد، إلا أن الأستاذ (لنغدن) في زيارة لها قريبه العهد عثر ما يدل على أن نبو كدراصر (بخت نصر) الثاني أعاد بعض الأبنية في إسن في عصر بابل الحديث.
مردة (ونه وسدوم)
يمر خط القطار القائم من بغداد إلى البصرة بهذا الموقع على ثلاثة عشر ميلا شمالي الديوانية وميلين من محطة خان جدول.
تمتد الروابي إلى نحو ميلين من الشرق إلى الغرب وإلى نصف ميل من الشمال إلى الجنوب. ويظهر أن نبوكدراصر أعاد الهيكل والزقورة؛ ولا يعرف من تاريخ هذه المدينة إلاَّ شيء قليل فضلا عن أنها مذكورة في مسلة (منشتوسو) التي وقع عليها (دي مرغان) في (السوس). ولا يمكن معرفة ما تحت الكتل العظيمة الواقعة فوق الروابي والمتركبة من أنقاض عصر بابل الحديث وزمن الفرس إلاًّ بتنقيب دقيق منظم.
أدب (بسمايا أي بسمى)
تقع أخربة هذه المدينة في فلاة على خمسة وعشرين ميلا من جنوب غربي (نفر) وعلى مثل هذه المسافة في غربي شط الحي. ونقب (أي. ج. بنكس) في ذلك الموطن تنقيباً عظيماً سنة ١٩٠٣ إلى ١٩٠٤ بالرغم من الصعوبات التي تلقاها هنالك. وكان (بنكس) المذكور قنصلا أميركياً في بغداد في السابق.
ونالت حيناً تلك المدينة المملكة (أي في سنة ٣٠٠٠ ق. م) مجداً لم
стр. 5769
يدم طويلا، وذلك حين حازت سلالة ملوك من أدب إمرة سهل شنعار. وأعاد ملوك أكد هيكل هذا البلد المسمى (إي مهك) المرصد لعبادة (أرورو) (ننلل ننخر سج) وقد جدده بعدهم الملك (أورنمو) ومن تبعه من سلالة أور الثالثة. وزقورة ذلك المعبد ذات الأربع الطبقات من اقدم زقورات شمر.
من السماوة
أرك (الوركاء) - (أرك المذكور في التوراة: سفر الخلق ١٠: ١٠)
ترى اخربة هذه المدينة، وهي من مدن نمرود، على الضفة الغربية من عقيق الفرات
القديم، وتشتمل على ثلاثة أتل كبيرة، ورواب أخر اصغر حجماً، كما ترى أسوار الملك (أور منو) الهائلة، مؤسس سلالة أور الثالثة، تلك الأسوار التي يبلغ محيطها ستة أميال، وهي على شكل دائرة، وتكاد ترى على حالها الأصلي، ويتخلل آجرها الحصر من حين إلى آخر. وتقع بقايا الهيكل وزقورته في شرقي المدينة. ويعتبر تل (وسوس) المرتفع القائم على يسار المعبد. موضع قصر الملوك، وهم سابقون للملوك السرجونيين في هذه المدينة المملكة، وكانوا أيضاً كهنتها وقضاتها المعروفين (بالفاتشيين).
وقيل أن أرك سيطرت، خمس مرات، في أزمنة مختلفة على جاراتها. في سهل شنعار. بيد أن سلالة أرك الأولى التي ترد في التواريخ القديمة تحتوي على اسم (جلجمش) البطل الشمري، و (تموز) ابن (أينني) (اشتر) الذي ولد ولادة سرية، ولكن تلك الرواية لا تصدق إلا بمنزلة رواية خرافية. وكانت هذه المدينة تحترم احتراماً تاماً في كل زمن، لأنها مقر عبادة اله السماء (انو) والآلة (إينني) ولتلك الآلهة علاقة أيضاً بالهيكل (إي هر سجكلما) في كيش (راجع ما يخص كيش). ولا ريب في انه لو ينقب في (إي أنا) - (دار السماء) - هيكل (انو) في أرك ليعثر فيه على نتائج مفيدة. ولم يفحص هذا الموقع فحصاً منظماً وان (لفتس) حفر فيه مدة قصيرة سنة ١٨٥٤.
لرسا (سنكرة)
لم ترو أنباء كثيرة من تاريخ لرسا القديم، الني تقع آخربتها على الضفة الغربية من عقيق الفرات الأول، وهي على خمسة عشر ميلا من جنوب شرقي
стр. 5770
أرك. ولم يحفر هنالك حفر مرتب على أن (لا يرد) و (لفتس) زراها في نصف القرن المنصرم. ومن سوء الحظ أن هذه المدينة، واراك، ولجش، وكثير من أمثالها من المدن الشمرية يقصدها دائماً أعراب ناهبون يبحثون عن (العنتيكات) أي العاديات، وهذا لاشك فبه.
ونشأت المدينة حوالي (إي ببر) هيكل اله الشمس (ببر) رب العدل والعرافة، وهو ابن اله القمر في أور. (راجع أيضاً ما يختص بسفر). وقد عثر (لأيرد) في اخربة الهيكل على آجر فيه اسم (أور نمو) مؤسس سلالة أور الثالثة. فيظهر انه أعاد ذلك المعبد. ومن غريب الاتفاق أننا لا نعلم شيئاً عن مصير هذه البلدة في المدة التي كانت أور تتألق بعظمتها. غير ما سبق ذكره تلك البلدة التي حلت محل أور بعد أن قصير. ولما سقطت أور سنة ٢٣٠١
ق. م أتت (لرسا) على عصر عز ومجد، إذ أصبحت مقر سلالة ملوك حكموا هنالك بأتم الاتفاق مع سلالة أخرى في إسن نحو قرن كامل. وبعد زمن من حروب قامت بين المدن بعضها لبعض. تلك الحروب التي نشأت منها سلالة بابل الأولى احتل الفاتحون العيلميون مدينة لرسا. وجعلوها مقراً يهجمون منه على (إسن) وبالتالي دانت المدينتان لمملكة بابل الأولى (راجع ما يخص إسن).
شوروبك (فارة)
ورد عنها في نص بابلي. إنها نشأت قبل الطوفان، ول (شوروبك) اصل عريق جداً. وفي الحقيقة كانت هذه المدينة الموطن المأثور عنه للبطل الوارد اسمه في رواية الطوفان للشمريين، كما أنها الموضع الذي بنيت فيه سفينة نوح. وتقع (شوروبك) الآن في فلاة على ثلاثين ميلا من شمال شرقي أرك. وكانت المدينة قائمة على ضفة الفرات قبل أن يغير مجراه.
وحفر (كلدواي) و (اندرى) و (نلدكى) في هذه المدينة بعض الحفر سنة ١٩٠٢ إلى ١٩٠٣ فحصلوا على نتائج هامة.
أما (جوخا)
يظن أن تاريخ هذه البلدة كان ذا حوادث، مع أنها مدينة صغيرة لا يتجاوز طول اخربتها الممتدة شرقاً إلى غرب ثلاثة أرباع الميل. فيظهر أن
стр. 5771
(أما) قاومت دائماً ري (لجش) المدينة الكبرى، التي كان يجري الماء إليها في القناة الناشئة من الفرات القديم. الذي سمي بعد ذلك (شط الكار). وعليه نشبت الحروب بين المدينتين، وعقبت الغزوات الواحدة بعد الأخرى، حتى انه في القرن التاسع والعشرين قبل الميلاد أصبحت الحالة في غاية الخطورة، فعاقب (أيناتم) هذه البليدة المتمردة عقاباً شديداً، وأقام حجراً فاصلاً بين تخوم المدينتين وقد اشتهر ذلك الحجر اليوم وعرف (بنصب النسور). وفضلا عن ذلك حفر (أيناتم) قناة أخرى. ولكن نعلم أن ابن أخيه (انتمنا) لما رأى ما يتكبده من جاره المضجر، عزم على جلب الماء من دجلة، بدلا من أن يجليه من الفرات، لكي لا تعتريه مشقات جمة. ولعل لهذا الملك المفكر على العراق فضل وجود (شك الحي) فيه اليوم.
ولكن روح (أما) لن تخمد، كل ما لديها من الجند وهجمت على لجش بقيادة الفاتشي (الكاهن القاضي) هجمة فجائية وسلبتها. وملك لجش حين ذاك (أور كاجنة) فيظهر انه لم يكن محراباً مقداماً مع انه بناء كبير ومهذب في الاجتماعيات. وفي مدة سنة أضحى (لجل زجسي) ملكا في ديار شمر الجنوبية واتخذ (ارك) مقراً له. وحكم فيها خمسة وعشرين عاماً. وضايق في خلالها مدينة كيش، حتى قهره سرجون ملك أكد (سنة ٢٧٥٢ ق. م).
ومن المفيد أن يعرف أن اشتياق (أما) لا كثر مما تستحقه من الماء هنالك اثر في انتخابها آلهاً لها. إذ أن هيكل البلدة ل (شارة) اله النبات ولزوجته (نيدبة) (ننورة) آلهة الحبوب، وأعاد هذا الهيكل (أور نمو) من سلالة أور الثالثة في زمن تال.
وزار (لفتس) هذا الموطن سنة ١٨٥٤، كما أن (بترس) و (ورد) من بعثة متحفة (بنسلفانية) زاراه في العام عينه. وقصده أيضاً الأثري الألماني (اندرى) في موسم سنة ١٩٠٢ - ١٩٠٣. بيد انه لم يحفر في ذلك المحل حفر متتابع إلى هذا الحين.
стр. 5772
من محطة أور
أور (المقير) - (أور الكلدانيين المذكورة في التوراة؛ سفر الخلق ١١: ٢٨) هي على مسير نحو عشرين دقيقة من محطة أور.
كانت زقورة أور الحمراء الكبيرة، تجلب أنظار محبي البحث منذ غابر الأيام، وهذه الزقورة من احسن زقورات سهل شنعار حفظاً، تلك الزقورات المنتشرة في سائر أنحاء هذا السهل. وقد حفر (لفتس) مدة في أور سنة ١٨٥٢. وفي السنة التالية، وقع (ج. أي. تيلر) نائب القنصل البريطاني في البصرة على اسطوانات فيها من الرقيم المسماري من عهد نبونيد آخر ملوك بابل، وذلك في الزوايا الأربع من طبقة البرج الثانية، فواصل الحفر. وزار أور أعضاء بعثة جامعة (بنسلفانية) في أوقات بعد ذلك الحين، ثم أرسلت المتحفة البريطانية إلى تلك البلدة المستر (ر. كمبل ثومسن) سنة ١٩١٨ والدكتور (هل) سنة ١٩١٩.
وفي سنة ١٩٢٢ باشرت العمل البعثة التي اشتركت فيها المتحفة البريطانية ومتحفة جامعة (بنسلفانية). وكان العمل على قياس كبير، ورئيس البعثة المستر (س. ل. (وولي)، واقتفى سريعاً اثر الجدار المقدس العظيم، وهو الجدار الذي أقامه نبو كدراصر ليحيط به منطقة
الهيكل المسمى (أي جش شرجل) أي دار لنور. كما أن المنقبين وقعوا هنالك على هيكل اله القمر (ننر).
ومن يزر أور، ويصعد إلى الزقورة التي لا تزال طبقتان من طبقاتها الأربع قائمتين، يتيسر له الاطلاع على الأبنية الداخلة بعضها ببعض، والتي حفرت في خلال الأربعة المواسم الماضية. وبنيت هذه الزقورة وزواياها الأربع متجهة نحو الجهات الرئيسة، كما كانت العادة زمنئذ؛ وترى إلى هذا الحين بقايا الدرج في وجه الزقورة الشمالي الغربي. ويظهر أن برج الهيكل احرق برمنة، على ما اتضح من الأبنية الأخر (راجع ما يختص بكيش وعقرقوف) ويظن أن الفاتحين العيلميين احرقوها قبل زمن (أور نمو) مؤسس سلالة أور الثالثة الذي أعاد بناء تلك الزقورة. ولما جددها نبونيد يظهر انه زخرفها بالزليج أي (الآجر المدهون بالطلاء ذو الألوان المتألقة)، ويقتضي أن منظرها في ذلك السهل الفسيح المنبسط كان على جانب عظيم من البهاء.
стр. 5773
أصل اليزيدية وتاريخهم
٣ - نقول مختلفة عن نحلة اليزيدية:
كان صاحب كتاب النسطوريين بين عن اليزيدية ووصف حالتهم فأبدع الوصف. وذلك في المجلد الأول. وكانت عن مشاهدات قبل عام ١٨٥٠م وفي ذلك العام نفسه.
ولا نتطلب من هذا السائح وأمثاله منهم اكثر من وصف الحالة. لذا يؤاخذ على بيان علاقة الماضي بالحاضر. فانه أبعد المرمى، وجعل اليزيديين بالإسلام، مداراً للاعتذار، وخوفاً من شرور المسلمين. وهذا فسر وجود الآيات القرآنية على أضرحة مشاهيرهم، بأنها ذر رماد في عيون المسلمين لدفع الغوائل عنهم. وذهب إلى أنهم من عباد يزدان، استناداً إلى قولهم نحن نعبد الله. والذي دفعه إلى هذا القول، ما تحققه منهم بصورة باتة أنهم نسوا الأسس التي تستند إليها ديانتهم.
وقبل نحو ثلاث سنوات، نشرت جريدة (العراق) في عددها المؤرخ في ٢٥ كانون الأول سنة ١٩٢٨ في عددها ال ٢٦٤٥ كلاماً للسر ريتشارد تمبل على اليزيدية، وبين أنهم مسلمون في الظاهر، ولكنهم من الغلاة في الباطن، وهم يؤمنون بالله وبآلهة صغيرة. . . إلى أن يقول: وهؤلاء الآلهة ليسوا واضحي الإلهية. وهم أشبه شئ بالقديسين عند النصارى، والأولياء عند المسلمين، لأنهم يعبدون الله، ولكنهم يراعون هذه الآلهة الصغرى. والتفاوت بين القولين كبير كما لا يخفى.
وهنا قول آخر، وهو لصاحب (دبستان مذاهب) بعنوان في
стр. 5774
الأمويين واليزيديين وهذا نصه معرباً:
(هؤلاء يكونون في جبال المشرق في موقع يقال له (شوكنة) ويحكمهم
стр. 5775
ملك يسمى يعقوب، يدعي انه من اصل أموي، وينتسب إلى خال المؤمنين معاوية بن أبي سفيان، وهم مشهورون بالشجاعة ومحرابون. ويواظبون على الصلوات. وأهل تقوى. ولديهم تفاسير كثيرة، ومؤلفات دين وفقه. يعتقدون بنبوة محمد (ص)، وإمامة الشيخين، ذي النورين، وخال المؤمنين معاوية. ويطعنون بعلي (ع) ويقولون انه ادعى الألوهية كاتباعه من الغلاة، وانه كان يدعوهم إلى ذلك وينسبون إليه هذه الخطبة:
(أنا الله، وأنا الرحمن، وأنا الرحيم، وأنا العلي، وأنا الخالق، وأنا الرزاق، وأنا الحنان، وأنا المنان، وأنا مصور النطفة في الأرحام). وأمثال ذلك. وهذا يشبه قول فرعون ونمرود وإضرابهما. ونظائر هذه الخطبة في كلامه كثير. وكان قاسي القلب، سفاكا. سلك مع الرسول (ص) سلوكاً مخالفاً للآداب. وذلك انه كان يأكل تمراً، فرمى الرسول (ص) النوى ووضعه أمامه فقال له الرسول (ص): يا علي أكلت تمراً كثيراً. لأن النوى متجمع أمامك، فأجابه علي (رض): إنك أكلت التمر مع النوى. ويزعمون انه نزلت في حقه هذه الآية: (ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام). ويحبذون عمل أبن ملجم، ويقولون أن هذه الآية نزلت فيه: (من الناس من يشتري نفسه ابتغاء مرضاة الله). ويقولون أن الحسنين ليسا من نسلي رسول الله (ص) بحجة قوله تعالى: (ما كان محمد أبا أحد من رجالكم، ولكن رسول الله وخاتم النبيين). ويقولون أن يزيد لم يقتل الحسين (ع) في بيته، وإنما عزم على الرحيل إلى العراق بقصد تسخير الملك فقتل. ويظهرون في العاشر من المحرم في ميدان وسيع خارج البلد، وهم فرسان ويصنعون صوراً من القتلى، والموتى، كلها من الطين، فيسيرون عليها ويسحقونها بأرجلهم، انتهاكا لأجساد شهداء كربلا. وعندهم هذا اليوم من الأيام المباركة، ويبدون فيه من الفرح والسرور ما يزيد على أفراح العيدين، لأن أمام الوقت يزيد، ظفر بعدوه فقتله، وفي يوم الجمعة وأيام الأعياد يطعنون بعلي
стр. 5776
وأولاده على المنابر.
وهؤلاء أكثرهم أكراد. وفيهم جماعة تقف مصلتة السيوف وتلعن علناً علياً وأولاده. يقال لهم (السيافة). ويعتقدون في الأنبياء والأولياء التصرف فانهم يقولون انهم قادرون على الإحياء، والإماتة، ولا أن يجاد، والإفناء وعلى ما شاءوا فعله. ولا يليق باتباعهم أن يقتلوا حيواناً أو يذبحوه. لأنهم غير قادرين على أحيائه. ويعتقدون أن الأنبياء كانوا يتزوجون بأي امرأة ذات زوج متى شاءوا لأن الدنيا خلقت لجلهم، ولكن لا يجوز لأحد اتباعهم أن يتزوج بامرأة أحد. لأن الدنيا خلقت لأجلهم، وعندهم لزوم الاهتمام بأمر الجهاد، وغزو من يخالف الدين، ويعاديه حفظاً لبيضته. وهؤلاء لا يذبحون في شكونه (جبلهم) حيواناً ويكتفون بأكل العسل، والسمن، ولا يشربون المسكرات بتاتاً، حتى الأفيون والجوز. ولما سئل أحدهم عن المسكرات وأنها لو كانت حراماً لما شربها الأنبياء السالفون وبعض خلفاء
الأمويين، قال: كان لهؤلاء الأنبياء والخلفاء عقل كامل، بحيث أن المسكر ما كان يؤثر في عقولهم ولكننا لسنا مثلهم أو بدرجتهم. وكذا سألهم عن القدرة التي ينسبونها إلى الأنبياء والخلفاء الذين يتمكنون من أيجاد معدوم أو إفناء موجود ولماذا لم يجعلوا ألسنة الرافضين خرساً؟ فأجابه: إن بعض الأمراء قدم إلى أمير المؤمنين عمر (رض) زجاجة فيها سم زعاف ليفني بها عدوه. فقال لله الخليفة: إن اكبر أعدائي نفسي الأمارة، فتجرعها ولم يصب جسده المقدس ضرر.
فالحكيم الذي يتمكن من تجرع السم، بحيث لا يصيبه ضرر ما منه، كيف يتأذى من سماع طعن الأذلاء بحقه؟ وقس على ذلك سائر الصحابة.) أهـ تعريباً ما جاء في (دبستان مذاهب). وقال شهاب الدين احمد بن حجر الهيتمي المتوفى سنة ٩٣٢هـ في كتابه
стр. 5777
المطبوع بهامش الصواعق سنة ١٣٢٤ المسمى (تطهير الجنان واللسان عن الخوض والتفوه بثلب سيدنا بن أبي سفيان) ما نصه:
(لان طائفة يسمون اليزيدية يبالغون في مدح يزيد، ويحتجون وممسكا عنان القلم أن يسترسل في سعة هذا الميدان. لأن من منح هداية، يكفيه أدنى برهان. . .) (راجع ص ٥).
واخالني غير مبالغ إذا قلت أن المتتبعين وقفوا عند حد لم يتجاوزوه. ولذا لم يدققوا النظر في طريقة الشيخ عدي ولم يقفوا على روحها. وغاية ما رأينا انهم خلطوا بعض النتف التاريخية بأوهام ومشاهدات فظنوا انهم استكملوا العدة، في تحليل العقيدة والوقائع. وعلى كل حال أن الذي عندنا انه لم يدون التاريخ العلاقات السياسية، ولم يتعرض لديانة الجماعات وطرائقها ألا قليلا واستطراداً، أو بصورة الغرض والتضليل. والحال لدينا ما يفسر هذه الحقيقة وينطق يما يكشف عن أسرارها. ولكن يلاحظ هنا أن تاريخ العقائد في تحولاته بطئي السير لأن التبدل الروحي في الأقوام، قليل، وتطور العقدة لا يسجل يومياً بل في عصور متطاولة، وأزمان متفاوتة جداً، قد لا نرى الصلة بينها لبعد العهد. والأمل الوقوف على هذا التاريخ باستنطاق الكثيرين من المؤرخين وعلماء الكلام لتبدو صفحات مختلفة يتحقق من مجموعها (العقيدة).
والحاصل أن عقيدة هؤلاء القوم واضحة وبارزة للعيان بالرغم مما نراه من تكتم أهلها،
والإبهام الذي أبدوه مؤخراً، وغالبه ناشئ من الجهل والنسيان بسبب الوقائع المؤلمة. إلا أن نسيان الأساسات لم يكن عاماً في جميعهم فهم غير متساوين في قبول الخرافات بدليل النص المنقول أعلاه عن (دبستان مذاهب).
وأياً كان الأمر، فالعقيدة واضحة في الماضي، وفي الحاضر، ولكن (من شدة الظهور الخفاء). فلا غموض في التطور وهو متجل عيوننا. ومع هذا نسعى وراء المجهول، فكأننا نحاول فتح مغلق الغاز أو منهم طلسمات! وترجمة الشيخ عدي توضح نوعا ما قلته. فدونكها:
ترجمة الشيخ عدي:
هو شيخ (الطريقة العدوية). اشتهر في عصره أيام حياته بالتفوق
стр. 5778
وتابعه كثيرون وشهد في حقه وجال الطرائق الأخرى المعروفون بالفضل والمكانة إلى اليوم، وهو ابن مسافر الشيخ الصالح. المشهور في زمنه، أبن إسماعيل ين موسى بن مروان (إلى هنا اتفق المؤرخون على نسبه بهذه الصورة) بن الحسن (وفي بهجة الأسرار ابن الحكم لا الحسن) ابن مروان (قال ابن خلكان: كذا أملي نسبه بعض ذوي قرابته. ووافقه عليه صاحب القلائد في سرد النسب بهذه الصورة. وزاد العليمي انه) بن إبراهيم ابن الوليد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم بن العاص بن عثمان ين عفان بن ربيعة بن عبد شمس بن زهرة بن عبد مناف (وقد تابع صاحب الشر فنامة هذا النقل أو كاد).
ولد في (بيت فار) من أعمال بعلبك، وعلى رواية بعضهم، أن بيت فار من البقاع، قاله ابن كثير في القلائد وهي بقاع العزيز بين بعلبك والشام، ولا تفاوت بين القولين إذا كانت بقاع العزيز من أعمال بعلبك قال ابن خلكان والبيت الذي ولد فيه يزار للآن.
عاش ٩٠ عاماً، أو نحو ذلك، وتوفي سنة ٥٥٧هـ على الرواية التي رجحها ابن خلكان، وقيل عام ٥٥٥هـ. ويطعن بصحة هذه الرواية ما جاء في البهجة من أن الشيخ أبا محمد يوسف العاقولي قال: (قصدت زيارة الشيخ عدي في أوائل سنة ٥٥٦) وانه تحادث مع الشيخ عدي، وهذه الرواية مما يطعن بصحة الرواية الأخرى، ويروي صاحب البهجة انه توفي في أوائل المحرم سنة ٥٥٨ هـ. والتفاوت قليل بين وراية ابن خلكان وهذه الرواية تفسر بوصول الخبر. وقد أيد صاحب الكواكب الدرية أن وفاته كانت سنة ٥٥٨هـ.
والكل متفقون على انه أموي من صميم الأمويين. وبذلك يفسر حب اتباعه ومن خلفه ليزيد والتعصب له، وينفي قول القائلين بأنهم يزدانيون. ومن يراجع الشرفنامة ير أن الكثيرين من أمراء الكرد أمويون ويتحقق أن الأمويين لجئوا إلى الجبال بعد ضياع حكمهم، فتولوا رياسة القبائل الكثيرة من الكرد.
стр. 5779
نعته:
وقد نعته مظفر الدين صاحب اربل - كما نقل عن ابن المستوفي بأنه شيخ ربعة - اسمر اللون. . . (ابن خلكان) ج١ ص ٣١٦.
حادثة حمله وفصاله:
إن أباه رجل صالح كما تقدم. ويحكى انه دخل غابة ومكث فيها يتعبد منقطعاً عن الناس نحو ٤٠ عاماً (راجع قلائد الجواهر ص ٨٨) وروى صاحب جامع كرامات الأولياء، انه سكن الغابة نحو ٣٠ سنة ثم انه رأى رؤيا مؤداها أن قائلا يقول له: (أخرج من هذه الغابة. واذهب إلى زوجك، واتصل بها يأتيك الله تعالى ولياً يذيع ذكره، وينتشر فضله في الخافقين).
ولما أتى زوجته، قالت: لا افعل حتى تصعد المنارة، وتنادي بأهل هذا البلد انك قدمت، فنادى: (يا أهل هذه البلد أنا مسافر قدمت، وقد أمرت أن اعلم فرسي، فمن علا فرسه أتاه ولي).
فولد لأجله ٣١٣ ولياً. وذكر لحمله خوارق كتسليم الأولياء عليه وهو في بطن أمه وجوابه بعد ولادته وأيام طفولته (راجع قلائد الجواهر ص ٨٨) فلا نطيل القول فيها.
والرجل العظيم يفسر صغره وولادته وحمله بأمور خارقة، خصوصاً من كان شيخ طريقة، أو عظيماً دينياً، مما لا يعلق عليه أهمية كبيرة بدرجة سلوكه ونهجه وذلك لا يزيد في عظمته، ولا مما يصح وزنه بميزان العقل اكثر من انه رجل كبير، ظهرت مواهبه في انقطاعه، وخلوته، فنالت طريقته مكانة ورسوخاً في الأذهان، اللهم إلا في نظر من لا يعلق قيمة إلا للخوارق أو لا يكاد يؤمن إلا بها.
كيف جاهد:
إن الرجل العظيم قد لا يرى في محيطه من يبرد غلة تعطشه، أو انه لم يتحقق من صحة مبدأه. أو يشتبه من نهجه الذي ينوي القيام به، أو انه يتجول للأخذ عن أكابر من ينوي السلوك بموجبهم والأخذ منهم لينكشف له طريقه
стр. 5780
ويتقن من الصحة. وهذا بمقام اختبار آراء أكابر الرجال. وفي ذلك الأوان كانت بغداد كعبة القصاد لكل صنف من أصحاب البضائع العلمية والأدبية. . . وفيها البغية لكل متطلب، فمن لم يأخذ عن أكابر رجالها لا يعد شيئاً، أو أن هؤلاء وأمثالهم من المشاهير قدوة الناس، ومحل اعتمادهم، وموطن ثقتهم، ويجب أن يحصل على رضاهم والإجازة بالأخذ عنهم.
لذلك كله أو بعضه تجول مترجمنا للأخذ، فحط ركابه في بغداد وأخذ عن أعاظم فضلائها، ونال شهرة فائقة في مجاهداته. وحسن اخذه، فلم يبق له بعد الدرس إلا الانقطاع، والتفرغ، لما أهب نفسه للقيام به، ولكنه لم يعد إلى موطنه الأصلي، وأراد العزلة عن الناس والتباعد عن الضوضاء في محل هادئ، فاختار الانقطاع إلى جبال هكار كأسلافه من بعض صلحاء الأمويين ممن بقدم ذكرهم وآوى في أول أمره إلى المغارات والجبال والصحارى مجرداً سائحاً بأخذ نفسه بأنواع المجاهدات مدداً مديدة. وقد نال في المجاهدة طوراً صعب المرتقى عزيز المنال تعذر على كثير من المشايخ سلوكه.
ومن ثم حصلت له المتابعة والانقياد التام لنهج زهده وسلوكه، فصارت تلك المواطن مأهولة به، وعم فيها الصلاح بسبب إرشاده، فقصده الناس بالزيارة من كل قطر، واجمع المشايخ وغيرهم في عصره على تبجيله والاعتراف بمكانته. فهو أحد من تصدر لتربية المريدين الصادقين ببلاد الشرق، وانتهى إليه تسليكهم، وكشف لهم مشكلات أحوالهم وتتلمذ له خلق من الأولياء وتخرج بصحبته غير واحد من ذوي الأحوال الفاخرة.
(راجع قلائد الجواهر ص ٨٨ و٨٥ وبهجة الأسرار ص ١٥٠).
العصر الذي وجد فيه:
إن هذا العصر طافح بأعاظم الرجال المشهورين بالصلاح والتقوى، مثل الشيخ عبد القادر الجبلي، والشيخ احمد الرفاعي، والشيخ على الهيتي، وعلي ابن وهب السنجاري وقضيب البان، وشعيب أبي مدين وغيرهم. جمع النوابغ في الزهد بحيث لم يظهر في غيره من
العصور التالية مثل هذه العصبة ثقافة وتقوى. ويصلح أن يقال أن هؤلاء خلاصة من سبقهم، وجماع مسالك القوم، ونتاج أصول
следующие страницы →