Полный текст (6 158 стр.). Показаны 5776–5815 · переход к 5781.
стр. 5776
وأولاده على المنابر.
وهؤلاء أكثرهم أكراد. وفيهم جماعة تقف مصلتة السيوف وتلعن علناً علياً وأولاده. يقال لهم (السيافة). ويعتقدون في الأنبياء والأولياء التصرف فانهم يقولون انهم قادرون على الإحياء، والإماتة، ولا أن يجاد، والإفناء وعلى ما شاءوا فعله. ولا يليق باتباعهم أن يقتلوا حيواناً أو يذبحوه. لأنهم غير قادرين على أحيائه. ويعتقدون أن الأنبياء كانوا يتزوجون بأي امرأة ذات زوج متى شاءوا لأن الدنيا خلقت لجلهم، ولكن لا يجوز لأحد اتباعهم أن يتزوج بامرأة أحد. لأن الدنيا خلقت لأجلهم، وعندهم لزوم الاهتمام بأمر الجهاد، وغزو من يخالف الدين، ويعاديه حفظاً لبيضته. وهؤلاء لا يذبحون في شكونه (جبلهم) حيواناً ويكتفون بأكل العسل، والسمن، ولا يشربون المسكرات بتاتاً، حتى الأفيون والجوز. ولما سئل أحدهم عن المسكرات وأنها لو كانت حراماً لما شربها الأنبياء السالفون وبعض خلفاء
الأمويين، قال: كان لهؤلاء الأنبياء والخلفاء عقل كامل، بحيث أن المسكر ما كان يؤثر في عقولهم ولكننا لسنا مثلهم أو بدرجتهم. وكذا سألهم عن القدرة التي ينسبونها إلى الأنبياء والخلفاء الذين يتمكنون من أيجاد معدوم أو إفناء موجود ولماذا لم يجعلوا ألسنة الرافضين خرساً؟ فأجابه: إن بعض الأمراء قدم إلى أمير المؤمنين عمر (رض) زجاجة فيها سم زعاف ليفني بها عدوه. فقال لله الخليفة: إن اكبر أعدائي نفسي الأمارة، فتجرعها ولم يصب جسده المقدس ضرر.
فالحكيم الذي يتمكن من تجرع السم، بحيث لا يصيبه ضرر ما منه، كيف يتأذى من سماع طعن الأذلاء بحقه؟ وقس على ذلك سائر الصحابة.) أهـ تعريباً ما جاء في (دبستان مذاهب). وقال شهاب الدين احمد بن حجر الهيتمي المتوفى سنة ٩٣٢هـ في كتابه
стр. 5777
المطبوع بهامش الصواعق سنة ١٣٢٤ المسمى (تطهير الجنان واللسان عن الخوض والتفوه بثلب سيدنا بن أبي سفيان) ما نصه:
(لان طائفة يسمون اليزيدية يبالغون في مدح يزيد، ويحتجون وممسكا عنان القلم أن يسترسل في سعة هذا الميدان. لأن من منح هداية، يكفيه أدنى برهان. . .) (راجع ص ٥).
واخالني غير مبالغ إذا قلت أن المتتبعين وقفوا عند حد لم يتجاوزوه. ولذا لم يدققوا النظر في طريقة الشيخ عدي ولم يقفوا على روحها. وغاية ما رأينا انهم خلطوا بعض النتف التاريخية بأوهام ومشاهدات فظنوا انهم استكملوا العدة، في تحليل العقيدة والوقائع. وعلى كل حال أن الذي عندنا انه لم يدون التاريخ العلاقات السياسية، ولم يتعرض لديانة الجماعات وطرائقها ألا قليلا واستطراداً، أو بصورة الغرض والتضليل. والحال لدينا ما يفسر هذه الحقيقة وينطق يما يكشف عن أسرارها. ولكن يلاحظ هنا أن تاريخ العقائد في تحولاته بطئي السير لأن التبدل الروحي في الأقوام، قليل، وتطور العقدة لا يسجل يومياً بل في عصور متطاولة، وأزمان متفاوتة جداً، قد لا نرى الصلة بينها لبعد العهد. والأمل الوقوف على هذا التاريخ باستنطاق الكثيرين من المؤرخين وعلماء الكلام لتبدو صفحات مختلفة يتحقق من مجموعها (العقيدة).
والحاصل أن عقيدة هؤلاء القوم واضحة وبارزة للعيان بالرغم مما نراه من تكتم أهلها،
والإبهام الذي أبدوه مؤخراً، وغالبه ناشئ من الجهل والنسيان بسبب الوقائع المؤلمة. إلا أن نسيان الأساسات لم يكن عاماً في جميعهم فهم غير متساوين في قبول الخرافات بدليل النص المنقول أعلاه عن (دبستان مذاهب).
وأياً كان الأمر، فالعقيدة واضحة في الماضي، وفي الحاضر، ولكن (من شدة الظهور الخفاء). فلا غموض في التطور وهو متجل عيوننا. ومع هذا نسعى وراء المجهول، فكأننا نحاول فتح مغلق الغاز أو منهم طلسمات! وترجمة الشيخ عدي توضح نوعا ما قلته. فدونكها:
ترجمة الشيخ عدي:
هو شيخ (الطريقة العدوية). اشتهر في عصره أيام حياته بالتفوق
стр. 5778
وتابعه كثيرون وشهد في حقه وجال الطرائق الأخرى المعروفون بالفضل والمكانة إلى اليوم، وهو ابن مسافر الشيخ الصالح. المشهور في زمنه، أبن إسماعيل ين موسى بن مروان (إلى هنا اتفق المؤرخون على نسبه بهذه الصورة) بن الحسن (وفي بهجة الأسرار ابن الحكم لا الحسن) ابن مروان (قال ابن خلكان: كذا أملي نسبه بعض ذوي قرابته. ووافقه عليه صاحب القلائد في سرد النسب بهذه الصورة. وزاد العليمي انه) بن إبراهيم ابن الوليد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم بن العاص بن عثمان ين عفان بن ربيعة بن عبد شمس بن زهرة بن عبد مناف (وقد تابع صاحب الشر فنامة هذا النقل أو كاد).
ولد في (بيت فار) من أعمال بعلبك، وعلى رواية بعضهم، أن بيت فار من البقاع، قاله ابن كثير في القلائد وهي بقاع العزيز بين بعلبك والشام، ولا تفاوت بين القولين إذا كانت بقاع العزيز من أعمال بعلبك قال ابن خلكان والبيت الذي ولد فيه يزار للآن.
عاش ٩٠ عاماً، أو نحو ذلك، وتوفي سنة ٥٥٧هـ على الرواية التي رجحها ابن خلكان، وقيل عام ٥٥٥هـ. ويطعن بصحة هذه الرواية ما جاء في البهجة من أن الشيخ أبا محمد يوسف العاقولي قال: (قصدت زيارة الشيخ عدي في أوائل سنة ٥٥٦) وانه تحادث مع الشيخ عدي، وهذه الرواية مما يطعن بصحة الرواية الأخرى، ويروي صاحب البهجة انه توفي في أوائل المحرم سنة ٥٥٨ هـ. والتفاوت قليل بين وراية ابن خلكان وهذه الرواية تفسر بوصول الخبر. وقد أيد صاحب الكواكب الدرية أن وفاته كانت سنة ٥٥٨هـ.
والكل متفقون على انه أموي من صميم الأمويين. وبذلك يفسر حب اتباعه ومن خلفه ليزيد والتعصب له، وينفي قول القائلين بأنهم يزدانيون. ومن يراجع الشرفنامة ير أن الكثيرين من أمراء الكرد أمويون ويتحقق أن الأمويين لجئوا إلى الجبال بعد ضياع حكمهم، فتولوا رياسة القبائل الكثيرة من الكرد.
стр. 5779
نعته:
وقد نعته مظفر الدين صاحب اربل - كما نقل عن ابن المستوفي بأنه شيخ ربعة - اسمر اللون. . . (ابن خلكان) ج١ ص ٣١٦.
حادثة حمله وفصاله:
إن أباه رجل صالح كما تقدم. ويحكى انه دخل غابة ومكث فيها يتعبد منقطعاً عن الناس نحو ٤٠ عاماً (راجع قلائد الجواهر ص ٨٨) وروى صاحب جامع كرامات الأولياء، انه سكن الغابة نحو ٣٠ سنة ثم انه رأى رؤيا مؤداها أن قائلا يقول له: (أخرج من هذه الغابة. واذهب إلى زوجك، واتصل بها يأتيك الله تعالى ولياً يذيع ذكره، وينتشر فضله في الخافقين).
ولما أتى زوجته، قالت: لا افعل حتى تصعد المنارة، وتنادي بأهل هذا البلد انك قدمت، فنادى: (يا أهل هذه البلد أنا مسافر قدمت، وقد أمرت أن اعلم فرسي، فمن علا فرسه أتاه ولي).
فولد لأجله ٣١٣ ولياً. وذكر لحمله خوارق كتسليم الأولياء عليه وهو في بطن أمه وجوابه بعد ولادته وأيام طفولته (راجع قلائد الجواهر ص ٨٨) فلا نطيل القول فيها.
والرجل العظيم يفسر صغره وولادته وحمله بأمور خارقة، خصوصاً من كان شيخ طريقة، أو عظيماً دينياً، مما لا يعلق عليه أهمية كبيرة بدرجة سلوكه ونهجه وذلك لا يزيد في عظمته، ولا مما يصح وزنه بميزان العقل اكثر من انه رجل كبير، ظهرت مواهبه في انقطاعه، وخلوته، فنالت طريقته مكانة ورسوخاً في الأذهان، اللهم إلا في نظر من لا يعلق قيمة إلا للخوارق أو لا يكاد يؤمن إلا بها.
كيف جاهد:
إن الرجل العظيم قد لا يرى في محيطه من يبرد غلة تعطشه، أو انه لم يتحقق من صحة مبدأه. أو يشتبه من نهجه الذي ينوي القيام به، أو انه يتجول للأخذ عن أكابر من ينوي السلوك بموجبهم والأخذ منهم لينكشف له طريقه
стр. 5780
ويتقن من الصحة. وهذا بمقام اختبار آراء أكابر الرجال. وفي ذلك الأوان كانت بغداد كعبة القصاد لكل صنف من أصحاب البضائع العلمية والأدبية. . . وفيها البغية لكل متطلب، فمن لم يأخذ عن أكابر رجالها لا يعد شيئاً، أو أن هؤلاء وأمثالهم من المشاهير قدوة الناس، ومحل اعتمادهم، وموطن ثقتهم، ويجب أن يحصل على رضاهم والإجازة بالأخذ عنهم.
لذلك كله أو بعضه تجول مترجمنا للأخذ، فحط ركابه في بغداد وأخذ عن أعاظم فضلائها، ونال شهرة فائقة في مجاهداته. وحسن اخذه، فلم يبق له بعد الدرس إلا الانقطاع، والتفرغ، لما أهب نفسه للقيام به، ولكنه لم يعد إلى موطنه الأصلي، وأراد العزلة عن الناس والتباعد عن الضوضاء في محل هادئ، فاختار الانقطاع إلى جبال هكار كأسلافه من بعض صلحاء الأمويين ممن بقدم ذكرهم وآوى في أول أمره إلى المغارات والجبال والصحارى مجرداً سائحاً بأخذ نفسه بأنواع المجاهدات مدداً مديدة. وقد نال في المجاهدة طوراً صعب المرتقى عزيز المنال تعذر على كثير من المشايخ سلوكه.
ومن ثم حصلت له المتابعة والانقياد التام لنهج زهده وسلوكه، فصارت تلك المواطن مأهولة به، وعم فيها الصلاح بسبب إرشاده، فقصده الناس بالزيارة من كل قطر، واجمع المشايخ وغيرهم في عصره على تبجيله والاعتراف بمكانته. فهو أحد من تصدر لتربية المريدين الصادقين ببلاد الشرق، وانتهى إليه تسليكهم، وكشف لهم مشكلات أحوالهم وتتلمذ له خلق من الأولياء وتخرج بصحبته غير واحد من ذوي الأحوال الفاخرة.
(راجع قلائد الجواهر ص ٨٨ و٨٥ وبهجة الأسرار ص ١٥٠).
العصر الذي وجد فيه:
إن هذا العصر طافح بأعاظم الرجال المشهورين بالصلاح والتقوى، مثل الشيخ عبد القادر الجبلي، والشيخ احمد الرفاعي، والشيخ على الهيتي، وعلي ابن وهب السنجاري وقضيب البان، وشعيب أبي مدين وغيرهم. جمع النوابغ في الزهد بحيث لم يظهر في غيره من
العصور التالية مثل هذه العصبة ثقافة وتقوى. ويصلح أن يقال أن هؤلاء خلاصة من سبقهم، وجماع مسالك القوم، ونتاج أصول
стр. 5781
تربيتهم، ومن راجع كتاب سير السلف، والكواكب الدرية وسائر كتب الطبقات في التصوف وراعى تطور العصور الإسلامية. ينكشف له بوضوح طريق القوم، ويعلم يقيناً أن هؤلاء هم (الصفوة).
وكل ما وصل إلينا من هؤلاء انهم أرادوا تهذيب نفوسهم، وتجريدها من العوارض الدنيوية، مما يستدعي انشغال البال، والتفكر في أحوال المعاش. وبذلك تمكنوا من توجيه الناس إلى الطريقة التي حصلوا عليها، وصرفوا الناس عن أمور كانت شغلهم الشاغل وهمهم الوحيد مثل المقارعات الكلامية، والمجادلات الدينية إلى نحوها، وحضوهم على العمل بعد أن تيقنوا أن الجدل قد يفسد المنطق، ويسوق الناس إلى المماحكات، وان أتقنوا ترتيب أشكال القياس وليس هذا موطن تفصيل هذه الأمور.
وهذا العصر انجب مثل مترجمنا الشيخ عدي، تجول وسار في الأقطار، حتى بلغ المكانة المرضية بمجاهداته؛ لتحقيق منطوق الآية (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا). فشاع أمر المترجم في الآفاق وقصدنا بالزيارة في حياته؛ وهو الذي غطت شهرته سائر الزهاد في الأنحاء التي اختار العزلة فيها، مثل علي بن وهب السنجاري، ومن تقدم الكلام عليهم ومثل جاكير الكردي. فلم يزاحمه ويكفيه فخراً ومكانة شهادة الشيخ عبد القادر الجيلي في حقه إذ قال: (لو كانت النبوة تنال بالمجاهدة، لنالها عدي بن مسافر). ولذا اضربنا عن ذكر شهادات الآخرين بعده.
عقيدته:
لم يبتدع جديدة. وإنما هي عقيدة أهل السنة. وقد أوضحها في رسالة له. ونقل عنها ابن تيمية في رسالته المارة قبلا. وقد عثر عليها الدكتور رولدف فرانك في مكتبة الترك في برلين، وفيها يقول ما مؤداه: إنه ليس في العالم حادث خارج الإرادة الإلهية، وان العمل جزء من الإيمان، وانه يقبل (الزيادة والنقصان). وأورد في تلك الرسالة حديث افتراق الأمة، وان أهل السنة، هم الفرقة الناجية، ويندد الشيعية. ويلتزم جانب معاوية بن أبي سفيان ويناضل عنه. وهو على أهل البدع ممن يخالف أهل السنة. ويعتبر نفسه من
стр. 5782
أهل الحديث، ويحمل على المعتزلة ويضللهم، ويذكر أحوال الآخرة من جنة وجهنم والنضال
عن سب معاوية قد قام به جماعة من أهل السنة وكتب ابن حجر رسالته المذكورة. وفيها إيضاحات وافية لمتطلب التوسع في هذه المباحث. وكذا في الصواعق بعض المباحث. ولا يهمنا التوسع في موضوعها، إذ الغرض هنا بيان العلاقة لا غير. وله في باب توحيد البارئ قول مأثور:
(لا تجري ماهية في مقال. ولا تخطر كيفيته ببال، جل عن الأمثال والأشكال، صفاته قديمه كذاته، ليس بجسم في صفاته، جل أن يشبه بمبتدعاته وان يضاف إلى مخترعاته. ليس كمثله شئ. وهو السميع البصير. لا سمي له في أرضه وسماواته. ولا عديل له في حكمه وإراداته، حرام على العقول أن تمثل الله تعالى. وعلى الأوهام أن تحده. وعلى الظنون أن تقطع، وعلى الضمائر أن تعمق، وعلى النفوس أن تفكر. وعلى الفكر أن تحيط، وعلى العقول أن تتصور. إلا ما وصف به ذاته في كتابه العزيز، أو على لسان نبيه ﷺ .) (بهجة الأسرار ص ١٥١) وقال في باب القضاء والقدر:
(لا يخلو أخذك وتركك أن يكون بالله، أو له. فان كان به، فهو يباديك بالعطاء، وان كان له، فأسترزقه بأمره. وأحذر ما فيه الخلق، فمتى كنت معهم استعبدوك، ومتى كنت مع الله حفظك، ومتى كنت مع الأسباب فاطلب رزقك من الأرض، وإذا كنت مع التوكل، فان طلبت بهمتك لن يعطيك وان أزلت همتك أعطاك، وإذا كنت واقفاً مع الله ، صارت الأكوان خالية لك من المواطن، وأنت في القبضة فان، والكون كله فيك ولك.) أهـ عنها ص ١٥٠.
آداب سلوكه:
أن المترجم تولى إرشاد الكرد الجبليين، فجاء إلى هكار، فانتصب للإرشاد في زاويته في لالش (ليلش) حتى تمكن من إدخالهم في طريقته والظاهر أن طريقته هذه لم تؤثر في
стр. 5783
من ذكرهم صاحب (دبستان المذاهب) أو لم يقفوا عليها. وله مؤلفات في السلوك غير الرسالة المذكورة وهي:
١ - رسالة في آداب النفس. ٢ - أخرى في وصاياه للخليفة. ٣ - وصاياه لمريده (قائد).
وفي الأولى منها يقول: إن الدعوى تطفئ سراج المعرفة، ويحث على مراعاة عشر خصال. منها: تلاوة القرآن الكريم للصلحاء، ولزوم ترك المعاصي. . . . ويرغب في
المجاهدات.
وفي الثانية: يوصي بالتباعد عمن تظهر منه الكرامات، إذا لم يوفق بين أعماله وسلوكه وبين أوامر الشرع ويزدجر عن نواهيه. ولا يسوغ التساهل من أحد ولو صدرت منه بدعة طفيفة.
وفي الثالثة: يخاطب (قائداً) وهو أحد مريديه قائلاً: (يا (قائد) أوصيك بمراعاة الأحكام الشرعية، فلا تتجاوزها، والتزم الشرع، وراع التقوى، وجانب من يركض وراء الدنيا). وقال: (الجوع مفتاح الزهد، وحياة القلب كما أن عيسى قال لحوارييه: سيرون الله تعالى إذا أجعتم بطونكم، وأظمأتم كبودكم، وخلعتم اللباس).
قال محمد شرف الدين بك: إن تصوفه قريب جداً من نهج الغزالي فيه، وهذه الرسائل موجودة في مكتبة الترك في برلين نقلاً عن الدكتور الموما إليه وذكر أن في المتحفة البريطانية قصيدتين في مجموعة، مطلع إحداهما:
تفردت في حب الذي كنت أهواه ... واصبح عندي اشتياق للقياه
وأصبحت نشواناً بكأس شربته ... ولم يعلم الناس من أين محياه
وكان نديمي اشرف الرسل احمد ... مليح التثني تخجل الصب عيناه
وهنا يستدرك على الفاضل محمد شرف الدين بك انه بعد أن ذكر ذلك، قال: (إن اليزيديين قد ضلوا في زمن ابنه حسن، أي ابن الشيخ عدي). وبهذا يكون قد قصد عدياً ابن أبي البركات لا المترجم. ولما لم يفرق بينهما ينبغي التحرز
стр. 5784
من حقيقة نسبة الأبيات المذكورة إليه. والظاهر أنها لابن ابن أخيه عدي الثاني.
ومن أقواله في آداب السلوك: ١ - الشيخ من جمعك في حضوره وحفظك في مغيبه، وهذبك بأخلاقه، وأدبك بإطراقه، وأنار باطنك بإشراقه.
٢ - المريد من أنار نوره مع الفقراء بالأنس والانبساط، ومع الصوفية بالأدب والانحطاط، وحسن الخلق والتواضع في كل شئ، ومع العلماء (رض) بحسن الاستماع، ومع أهل المعرفة بالسكون، ومع أهل المقامات بالتوحيد.
٣ - يا هذا! البدلاء ما صاروا بدلاء، بالأكل والشرب والنوم والطعن والضرب، وإنما بلغوا ذلك بالمجاهدات والرياضات. لأن من يموت لا يعيش ومن كان لله تلفه كان على الله
تعالى خلفه. ومن تقرب لله تعالى بإتلاف نفسه اخلف الله عليه نفسه. (راجع قلائد الجواهر ص ٨٤ - ٨٥).
٤ - من لم يأخذ أدبه من المتأدبين افسد كل من تبعه.
٥ - من اكتفى بالكلام من غير عمل انقطع عن الله، ومن اكتفى بالتعبد من غير فقه، خرج من الدين (كان شافعي المذهب وكذلك جميع الكرد الشماليين - معجم البلدان وغيره)، ومن اكتفى بالفقه من دون ورع اغتر بالله، ومن قام بما عليه من الأحكام نجا.
٦ - أول ما على سالك طريقنا ترك الدعاوي الكاذبة، وإخفاء المعاني الصادقة (وهذا يوافق ما جاء في رسالته الأولى من رسائل آداب السلوك وحينئذ نقطع بأنها له).
٧ - إذا رأيتم الرجل تظهر له الكرامات الخوارق، فلا تعبئوا به، حتى تنظروه عند الأمر والنهي. فان جمعاً من الكفار اظهروا خوارق وعجائب وهم كفار (وهذا القول أيضاً يؤيد صحة الرسالة الثانية من آداب سلوكه.) (راجع الكواكب الدرية).
٨ - من كان فيه أدنى بدعة، فأحذر مجالسته، لئلا يعود عليك شؤمها ولو بعد حين. (بهجة الأسرار ص ١٥٠).
стр. 5785
طريقته الصوفية - مقاطعة اللعن:
إن آداب سلوكه وأقواله هي مجموع طريقته، ولكن أوضح شئ في طريقته هذه (مقاطعة اللعن) وهي بسيطة جداً، ويسهل تناولها على كل أحد، وتلخص في انه حذر من اللعن، (حتى لعن الشيطان) خوفاً من الاتصال بشائبة السب.
ومن هذا تولد لزوم الاشتغال بالعبادة والصلاح، ومراعاة أحوال الزهد والتقوى، وأساسها الاشتغال بأمر إصلاح النفس. فلا كره هنا بل حب لله. ولرسوله، وللمؤمنين، واتباع أوامر الشرع، واجتناب زواجره؛ ومراعاة الأخلاق الفاضلة. بالوجه المار في السلوك والعقيدة ويترتب على هذه:
أ - زوال الكره، ومراعاة الإخاء.
ب - تأمين الوحدة بان لا يشذ أحد عن المبدأ العام.
ج - اتباع العقيدة.
د - تنقية اللسان من البذاءة.
هـ - رفع الحزبية الشخصية.
فلا ينكر الزهد أحد ولا تثريب على من يراعي الأحكام الشرعية وان يقوم المرء بما استطاع من عبادة: (واتقوا الله ما استطعتم).
وأما مقاطعة اللعن فأنها سلوك بسيط بالنظر إلى العوام ولا تحتاج إلى دراسة ولا حفظ فهو ترك، لا عمل، أو انه من المنبهات كما أنها معالجة قضية اجتماعية هامة. فهي بسيطة وسلبية اكثر منها إيجابية.
أن هذا الشيخ أختط هذه الخطة بعد أن عالجها مدة طويلة، واعتقد أنها الناجحة.
وقد اشتهرت طريقته (سلوكها وآدابها) في سورية، مصر، وذاع صيتها وقد أوضح المرحوم احمد باشا تيمور التكية العدوية في مصر في كتابه اليزيدية وقد لعبت الأيدي مؤخراً في هذه الطريقة، وتطورت كثيراً وسيأتي الكلام على أخلاقه وعلى هذا التحول والغلو فيه.
المحامي عباس العزاوي
стр. 5786
في ضرورة معرفة طب البيت
قال راسبايل: (يدخل يوماً في أنظار حسن التربية، أن تطلع الشابات، أية كانت مراتبهن، اطلاعاً وافياً على الفنين: طبخ الاطعمة، وتهيئة الادوية؛ ولا بد من أن يندمج هذان الفنان، آجلا أم عاجلا، فيصبحا واحداً. وعلى الشابات أن يعرفن مبادئ حفظ الصحة، أو إعادتها إلى حالتها الأولى. لأن الطب سائر إلى البساطة، وإلى أن يكون قريب المنال على الجميع، وحينئذ لا تظل الأدوية عديدة، ولا مركبة، بل لا يبقى ثم سر غامض لاتخاذها). وإليك الآن في هذا الموضوع عينه، رأي سيدة كتبت كثيراً عن التهذيب.
قالت السيدة دي جلنس: (من المستحسن أن تتعلم الشابات ما يتعلق بالعقاقير واعدادها، لا الطب ولا تطبيقها، وعليهن أيضاً معرفة اتخاذها، واختيار الترياقات، والادوية التي تسبق وقوع النتائج المشؤومة. المتولدة من الزرنيخ والزنجارة، والرصاص وغيرها. والأدوية التي تؤخذ بمقدار فاحش، وليس دون ذلك أهمية تعلمهن وضع الآلة الأولى على جرح أو رض. وهذان تضميدان مختلفان سهلا الممارسة؛ إلا انهما يتطلبان مهارة وتعوداً).
(فما اكثر المنافع الجليلة، التي تنتج من هذه الدروس المفيدة العائدة الحسنة وهكذا تدرب الشابات على أن يتغلبن على كل اشمئزاز وكل تقزز تفيض به البشرية فإذا عودن أناملهن البارة الطاهرة، القيام بمثل هذه الوظائف المقدسة. ينتهي بهن الأمر إلى معرفة خطورة هذا الواجب الطيب، والمنزه معاً، تلك المعرفة المهمة كل الأهمية، وهذا الواجب هو البحث عن الوسائل التي تجعلهن مفيدات للغير. منتهزات تلك الأسباب، فيتمكن يوماً من تقدمة الإسعافات الفعالة كل الفعل والضرورية كل الضرورة في جميع تلك الوقائع الكثيرة الحدوث لسوء الحظ! فما أكثر الناس، لاسيما الأولاد، الذين هلكوا في السفر، أو في الريف، لنقصان تلك المساعدات. والمرأة التي تستطيع أن تقوم بمثل هذه الشؤون، تنجي يوماً ولدها من الموت!.)
стр. 5787
وعلى رأي الدكتور سافرى: (يشمل تهذيب النساء. المساعي التي تبذل للمرضى والمساعدات المستعجلة عند وقوع الحوادث. ومعرفة صحيحة لمبادئ طب البيت).
تعريب ميل رزق الله رسام في مدرسة الراهبات المركزية في بغداد
(لغة العرب) وجدنا رئيس مدرسة الراهبات المركزية في بغداد - وهي الأم توما دروزبر - تعني كل العناية بتعليم العربية للبنات اللواتي سلمن إلى عنايتها. وقد عرضنا على بعضهن نقل نبذة من الفرنسية إلى العربية. فأجادت نقلها الآنسة مركريت بشارة والآنسة ميل رزق الله رسام. وقد أدرجنا هنا ترجمة الآنسة ميلي وفي فرصة أخرى ننشر ما تكتبه الآنسة مركريت رفيقتها. فنهنئ الأم الرئيسة توما بالفوز الذي نالته أو تناله تلميذاتها. وعسى أن هذا النجاح يطرد رقياً.
إرشاد
حياة الفرد لا تحظى بعز ... إذا لم يضح مقداماً مخيفا
فلا يأمل من الدنيا علواً ... إذا لم يبق مفضالاً شريفا
إلاَّ أن الفضائل خير مجد ... وان ألفيتها نصباً طفيفا
وما هذي الحياة سوى سباق ... فكن في الجري مسراعاً خفيفا
وسجل في حياتك كل فخر ... وكن للناس معواناً رؤوفا
وسوف ترى المصائب هاجمات ... فعارضها تكن بطلا حصيفا
فإنك من بني الأحرار فرد ... فكن من كأس عزتهم رشيفا
وان الناس قد سبقوك شوطاً ... طويلا فاركض الركض العنيفا
تمر بك السنون وأنت راضٍ ... بعيش لم يول يبدو كسيفا
أريت الناس ما حفظوا ضعيفاً ... بل اغتالوا الذي أمسى ضعيفا
فلا تخضع لأنذال طغاة ... وحكم عند ظلمهم السيوفا
لعمري اليوم إنك في زمان ... به الآلات تحتاج الصفوفا
وبأس المرء يحفظه بقسر ... ولا يجدي الضعاف ولو ألوفا
مصطفى جواد
стр. 5788
الطيارون العراقيون
قصيدة ألقاها الأستاذ الحاج عبد الحسين جلبي الأزري في الحفلة التكريمية للطيارين العراقيين، تلك الحفلة التي أقامتها لهم جمعية متخرجي الجامعة الأمريكية في بغداد وذلك في ١١ أيار ١٩٣١.
أتراهم من وحشة الأرض طاروا ... أم من الظلم بالسماء استجاروا؟
لم يذوقوا صفو الحياة، فراموا ... عيشة لا تشوبها الأكدار
أم رأوا أن يجاوروا الشهب فيها؟ ... وجوار الأقمار نعم الجوار
أم على رحبها البسيطة ضاقت ... فاستقلوا عنها وشط المزار؟
أم دعاهم للاختيار فلبوا ... رائد العلم والحياة اختبار؟
ركبوا من صنائع الفن ما لم ... تمتلكه النسور والأطيار
آية للزمان جاءت إلى النا ... س فحارت بشأنها الأفكار
حكت الطير غير أن خوافي ... ها حديد واللولب المنقار
منية لم يجد بها الفن قب ... لا لنفوس قد شفها الانتظار
كم تمنت أن تستعير من الط ... ير جناحاً والطبع لا يستعار
صيرتها الأطماع آله حرب ... تتقيها الأرواح والأمصار
فهي في السلم نعمة وأمان ... وهي في الحرب نقمة ودمار
أطلقوها فوق البسيطة أسر ... اباً، كما تطلق العتاق المهار
بات منها بكل جو رفيف ... وإليها بكل صقع مطار
وتعالت تستخدم الريح الجو ... كما استخدم النفوس النظار
حاملات من القذائف ما تندك ... فيها القلاع والأسوار
سيطر الأقوياء فيها على الأر ... ض فما للضعيف منها فرار
стр. 5789
ويح قطر وأهله، أن عليه ... سيق منهن فيلق جرار
أيها الشعب كيف أنت وما ... فيك عليهن قوة واقتدار
كنت جربتها وليس بعيداً ... ما جنى من بلائها الثوار
لست تدري ماذا به سيوافي ... الدهر يوماً وتحكم الأقدار
لا تصان الأوطان بالبؤس ... والجهل ولا بالأعزل يحمي الذمار
فتعهد بنيك بالعلم وأحذر ... إنما أول الحريق شرار
حبة منه انبتت خير زهر ... قد أقرت بطيبه الأغيار
وانجلى عن بسالة وذكاء ... واعتزام لم تروه الأسفار
وشباب أمضى من السيف عزماً ... منه هانت عليهم الأخطار
لك هم أن أردت رغيداً ... قدوة فاتبعهم ومنار
يا نسوراً إليهم في حنايا ... كل قلب من قومهم أوكار
عدتم والوجوه تطفح بالبشر ... إليكم وتشخص الأبصار
أنا فيكم لمعجب وجدير ... إن يجد الإعجاب والإكبار
وجدير أن يحتفي القطر فيكم ... وجدير أن تنثر الأزهار
اعذروني فان عصتني القوافي ... فلكم من عواطفي أشعار
الهولة
يذكر القراء الكرام، سلسلة المقالات التي نشرها في السنة الرابعة من هذه المجلة (لغة العرب) (١٩٢٦ - ١٩٢٧) بعنوان (الألفاظ الارمية، في اللغة العامية العراقية) ومما جاء فيها أن عدداً من الألفاظ الزراعية في العراق ارمية الأصل منها: (اشكارة) و (دريخ) و (حويجة أو حويكة) و (نابور) و (سكم أو سقم وتسقام) و (شرش أو هرش) و (شلب) و (شتل) و (ترعوزي أو تعروزي) وغيرها.
стр. 5790
ولم أكن قد سمعت يومئذ بلفظ (الهولة) (بضم الهاء وإسكان الواو وفتح اللام وفي آخر هاء). ويقصد به طائفة من الاتن تجمع لدوس سنابل الحنطة أو الشعير سحقاً بقوائمها. وأول ما طرق سمعي هذا اللفظ، ذهبت إلى انه ارمي الأصل. فبحثت عنه في (معجم دليل الراغبين في لغة الآراميين) فوجدته يقول في ص ١٦٦: (هـ ب ل ا) (والباء تقرأ واواً فيكون لفظه هولا) بمعنى الإبل والقطار والقافلة من الجمال. ومثله كلمة (هـ ب ل ت ا) الباء تقرأ كذلك واواً. (هولتا) بالمعنى الأول أو قطيع الخنازير.
وعليه فأصل الكلمة (هولة) أو (هولا) المستعملة عند زراع العراق بمعناها الذي ذكرناه من الآرمية وتدل على قافلة من الجمال أو القطيع الخنازير أو من باب التوسع على القافلة من الحمير كما يراد بها اليوم عند زراع العراق. (يوسف غنيمة).
(ل. ع) مادة هيل الآرمية تقابل مادة ابل العربية، ومنها الإبل بمعنى الجمال. على ما هو مدون في دواوين اللغة. والذي ينعم النظر في هذه المادة يرى أن الإبل لم تأت في قديم الزمن بمعنى الجمال فقط، بل أيضاً بمعنى جماعة من الحيوانات كالجمال مثلا والشاء إلى غيرها. ومنه الإبل للحاذق في مصلحة الإبل و (الشاء). ومنها الإبول بكسر الهمزة وتشديد الباء المفتوحة. وهي الجماعة أو القطعة من (الطير) و (الخيل) و (الإبل) والمتتابعة منها (اللغويون) أما عدم ذكر لغوي العرب سائر المعاني فمن باب الاكتفاء بذكر الكبير عن ذكر الصغير أو بذكر الأهم عن ذكر المهم. فالابول تعني أيضاً القطعة من الشاء والخنازير والبقر والمعزى على حد ما جاءت اللفظة الآرمية (هولا) أو (هولتا).
أما قراءة باء (هبلا) واواً، معهود في الآرمية كما في العربية. وفي الآرمية اشهر. من ذلك
قولهم: (آوا) و (اورا) مثلا، وتكتبان: (آبا) و (ابرا) أي آب وابن إلى غيرهما. وذلك اشهر من أن يذكر. وأما في العربية فهذا الإبدال غير مجهول أيضاً، فيقولون: الشعبذة والشعوذة، جارية بكباكة ووكواكة أي سمينة. ومثلها كباكبة وكوكاة (واصلها كوكوة فقلبت الواو ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها). البزمة والوزمة وهي الوجبة من الطعام. قال أبو سعيد: (يقال: ما له حبربر ولا حورور). والباشق والواشق. إلى غير هذا. وهو كثير لا يحصى وراجع ما كتبناه في هذه المجلة ٨: ١١٣.
стр. 5791
صاحب رحلة أول شرقي إلى أميركة
أول شرقي (عراقي) إلى أميركة
كان الأب إنطوان رباط نشر في أجزاء السنة الثامنة من المشرق (سنة ١٩٠٥) رحلة بعنوان (رحلة أول شرقي إلى أميركة) ابتدأ بها من بغداد في سنة ١٦٦٨ صاحبها الخوري إلياس ابن القسيس حنا الكلداني الموصلي من بيت عمون ثم نشر له أيضاً في السنة التاسعة من المشرق نبذة في تاريخ البيرو ونبذة غيرها. وبعد ذلك ضم الأب كل ما في تلك المجلة في سفر طبعه في سنة ١٩٠٦. وهذه الرحلة هي التي ابحث الآن عن أخبار صاحبها. وبعيد هذا عثر الناشر على نبذة عن المؤلف وردت في آخر كتاب يحوي مجموع صلوات كان قد وصفه المستشرق شنورر في فهرسته للمطبوعات العربية في سنة ١٨١١ فسر الأب ذلك سروراً جماً أبداه في المشرق (٩ (١٩٠٦): ٤٧١) مع نشره ما وجده. وهو هذا بحروفه مع بعض الطي الذي أعوض عنه بالنقط فانه لا يمس الموضوع.
(قد طبع هذا الكتاب المبارك في مدينة رومية العظما في أيام رياسة. . . بابا مارايننوسنيوس الثاني عشر. قد طبعه من ماله ورزقه القسيس ايلياس باسم خوري البغدادي ابن قسيس حنا الموصلي من نسل البطاركة المشرقين من طائفة الكلدانيين من عيلة بيت عمون الذي قبل مواهب من الكرسي الرسولي (كذا)
стр. 5792
الاوله: (اركدياقون على كنيسة بغداد. والثانية: روتونوطاريو أبو سطوليكو والثالثة: حامل صليب مار بطرس والرابعة: كونته ده بالاتينو
والخامسة: كاهن كنيسة ملك إسبانية. . .
стр. 5793
وقد وقف على طبع هذا الكتاب المبارك أحقر عبيد الله اندوراس من مدينة حلب باسم كوالير ابن مقدسي عبد الله الكلداني الموصلي. . .
انطبع في مجمع انتشار الإيمان المقدس في مدينة رومية سنة ١٦٩٢. . .) أهـ.
وقبل أن يبلغ خبر طبعة هذه الرحلة إلى سلامة موسى رأى أن يصف في المقتطف (٣٥ (١٩٠٩): ٨٦٠) نسخة في خزانة ديوان الهند في لندن فطلب المقتطف من مشتركيه في بغداد أن يعلموه بما يعرفونه عن صاحب الرحلة وفي الوقت نفسه طلب من الواصف أن
يخبره بحجم الكتاب - ولابد أن ذلك كان استعداداً لطبعه - فأجاب موسى ملتمسه (المقتطف ٣٥ (١٩٠٩): ١١١٢) ثم قال أن صاحب فهرست الخزانة يقول أن نسخها منقولة في الشرق لكنه لم يذكر الموضع، وحينذاك أوقف المقتطف على خبر الطبعة. وفي تلك الغضون أشار المشرق (١٢ (١٩٠٩) ٧٩٨) إلى المقتطف انه سبق فنشر الرحلة قبل وصف سلامة موسى.
وذكر الرحلة في المشرق صاحبه في كتابه المسمى المخطوطات العربية للمكتبة النصرانية الذي كان بدأ نشره (٢٠ (١٩٢٢): ٥٨) ثم عاد فاخبرنا (٢٢ (١٩٢٤): ٣٥٥) أن القس الفاضل بولس سباط السرياني وصف في (مجلة الشرق المسيحي) نسخة من هذه الرحلة وانه قد اتضح له من وصف القس أنها النسخة التي نقل عنها الأب رباط نسخة طبعته. وذكر القس سباط المار الذكر نسخته في كتابه بالفرنسية المسمى خزانة مخطوطات بولس سباط السرياني الحلبي، المطبوع بمصر في سنة ١٩٢٨ (ص ٦٢) بعد أن كان نشره في تلك المجلة الفرنسية. ولكتاب المخطوطات العربية للمكتبة النصرانية طبعه على حده بعد أن تم ننشره في المشرق.
وإذ قد سر الأب رباط بما قف عليه من خبر صاحب الرحلة وأبدى المقتطف رغبة في الحصول على معلومات من مشتركيه البغداديين عن صاحب الرحلة كما
стр. 5794
رأينا أحببت - وان مر زمن طويل على ذلك - أن اجمع ما وقفت عليه في إثناء مطالعتي وفي إلقاء نظرات على كتاب بالإيطالية من نتف عن الرحالة وأسرته وغير ذلك معتقداً أن بعض القراء الكرام يلتذون بهذه الأخبار ويحدو ببعضهم الأمر إلى التتبع والبحث عن صاحب الرحلة وما يتعلق به.
نسخة ديوان الهند
لفت نظر سلامة موسى قول صاحب فهرست الخزانة. خزانة ديوان الهند (فهرستها ص ٢٠٧ عدد ٧١٩) أن نسختها مكتوبة في الشرق لكنه موضع النسخ. والظاهر أن صاحب الفهرست لم يجد صراحة في ذلك وان (سلامة) رغب في الوقوف على الأمر. ولو رأى عراقي النسخة وانعم النظر فيها لعله يستخرج محل نسخها من إمارة يجدها فيها. مع أن النسخة بعيدة فلا يسعني إلا أقول عنها استنبطها من الوصف.
قال (سلامة في المقتطف (٣٥: ١١١٢). (إن في النسخة قوله: دفع شماس كوركيس لشماس حنا عشرين بغدادية ثمن نسخ هذا الكتاب) أهـ. ومن يراجع (الفهرست) ير فيه خاتمة للكتاب عد سلامة نفسه في غنى عن نقلها برمتها ولذا اقتضب الفقرة التي أورد نقلها. وهاأنا ذا انقل ذلك لا قابل الخاتمة خاتمة نسخة الدكتور الجلبي، التي سيأتي الكلام عليها وسيظهر قدم هذه على نسخة خزانة الديوان ويستنتج محل كتابتها مما فيها.
وهذه هي الخاتمة بحروفها: (قد تكمل هذا الكتاب بعون الله الوهاب في بورط صانتا ماريا التي هي لمينة كادس على يد الحقير الكوالير اندوراس ابن مقدسي عبد الله الكلداني في أول شهر آذار المبارك سنة ألف وستمائة وتسعة وتسعين مسيحية في أول نساخته.
ونساخته الثانية في شهر كانون الأول عشرين يوم في سنة ١٧٥١ مسيحية
стр. 5795
والمجد لله دائماً.) أه
ثم قال الفهرست ما تعريبه وقد أبقى بالعربية الألفاظ التي أضعها بين قويسات: (والصفحات الثلاث الأخيرة تحوي مضامين الكتاب، وفي الأخر تعليق لشماس كوركيس) فيه انه دفع إلى (مقدسي شماس حنا) لنسخ الكتاب تسعة وعشرين (بغدادية) أي ثلاث بغداديات ونصف بغدادية عن كل كراسة وفي صدر الكتاب تعليق عن مشتراه في تاريخ سنة ١٧٨٦. وهناك كتابة بالخط الأسطرنجيلي وهي: (بسم الله تيمناً وتبارك بذكره القديم.) أهـ
ولكي نعرف محل كتابة هذه النسخة على وجه التقريب انقل ما قاله القس خدر الكلداني في رحلته (المشرق ١٣ (١٩١٠): ٦٥٩) في تاريخ سنة ١٧٢٨ وهذا كلامه: (. . . قرش اسكوت روماني. وكل اسكوت عشر جوليات. والجولية هي البغدادية السالكة في الموصل.) أهـ. ويتضح من جنس هذه
стр. 5796
النقود المدفوعة أجرة أن كتابة النسخة كانت في مدينة تدرج فيها البغدادية ولا بد أنها بغداد أو الموصل. ويرجح الورتبيد الفاضل نرسيس صائغيان أنها بغداد لأنه يظن أن المستنسخ هو الشماس كوركيس ابن الشماس عيسى غنيمة من أهل بغداد وسكانها لعادته اقتناء الكتب ولمعاصرته رجلا اسمه المقدسي حنا من سكنة بغداد أيضاً.
نسختان غير المحكي عنهما
١ - نسخة الدكتور الجلبي
رأينا أنه لم يتيسر لناشر الرحلة أن يقف حين طبعها إلا على نسخة واحدة ولم يصل إليه إذ ذاك خبر نسخة ديوان الهند وقد جاءنا في السنوات الأخيرة كتاب مخطوطات الموصل للأستاذ الدكتور داود بك الجلبي (ص ٢٦٩) بوصف نسخة عند صاحبه ينقص منها ورقتان في الأول وفي آخرها مثل ما في نسخة خزانة الديوان إلا قوله: (في أول نساخته) فأنها كما أنه عوض في هذه النسخة عن قول نسخة الديوان (ونساخته الثانية. . .) بما يلي: (وقد صار الفراغ منه يوم الخميس في ستة وعشرين من شهور (كذا) تموز سنة ١٧٤٨ مسيحية.) أهـ فيتضح من هذا أن نسخة الدكتور اقدم بثلاث سنوات من النسخة التي في ديوان ويبين من اتفاق ما فيهم في الآخر أن نسخة الديوان منقولة من نسخة الدكتور أو أن كلا منهما منقولة من أم واحدة لأن كلمة (ادار) وردت في كلتيهما بدال مهملة.
стр. 5797
٢ - نسختي
هذا ما كان من نسخة الدكتور وكان للمنقب في أخبار السلف من المسيحيين الورتبيد نرسيس صائغيان نسخة اقتناها قبل نحو عقدين من السنين فأهداها إلي قبل بضع سنين وهذا وصفها وأنا آسف لنقصها.
طولها ٢٢ سنتمتراً وعرضها ١٦ وفي كل صفحة ١٧ سطراً صفحاتها ١٩٦ خطها فصيح لكنه ليس بالمتقن ومداده اسود باهت وورقها ثخين وجنسه يحملنا على قول بان عمرها يتجاوز قرناً ونصف قرن على الارجح، وكانت مسلوخة من جلدها فصحفتها وليس على أوراقها أرقام إنما معلم على أول صفحة من كل كراس رقمه وكذلك على آخر كل صفحة منه وهو يحوي ١٦ صفحة ونقصها في الأول كبير فأنه ثلاثة كراريس ونصف وفي وسطها نقص آخر من الكراس التاسع والعاشر قدره ١٦ صفحة. وفي الفصل العاشر دائرة ضمنها صورة مظهر من مظاهر السماء الذي مما لم ير الناشر حاجة إلى طبعه وقد اكتفى بنشر نبذتين تاريخيتين. والصورة من صنع يد لا تحسن الرسم كيد صبي من الصبيان كما انك تجد في الفصل الحادي عشر صورة أحرف جاء عنها في المطبوع (ص ٧٧ح) أن الأصل غفل منها.
وآخر فصل في مخطوطي هو الفصل السادس عشر وينتهي الموجود منه برواية الأعجوبة الرابعة للعذراء مريم ﵍. وجملته الأخيرة هي: (فهكذا يا اخوة عملت مريم البتول عجائب كثيرة في كل المسكونة وهي ظاهرة للناس.) فالنقص ما بقي من هذا الفصل مع الفصل السابع عشر الذي به يتم الكتاب.
وفي ضمن الدائرة الحاوية صورة مظهر السماء أدخلت يد حديثة قوله: (هذا الكتاب مال يوسف ابن بحو.) أهـ.
(مطالعة): ومما نستفيده من هذه النسخة أنها أفصحت عن كلمة لم يحسن
стр. 5798
قراءتها ناشر الرحلة. كنت قرأت في النص ٣٥ من المطبوعة كلمة (برنج) ثم جمعها (برانج) وفي حاشية للناشر أن الكلمة فارسية ومعناها النحاس وهو يظن أنها بمعنى خابية أو برنية فرأيت أن القراءة غير صحيحة ولا بد أن تكون (برنخ) وهي كلمة معروفة في بغداد والموصل يراد بها أنبوب من خزف قطره واسع حسب حاجة صاحبه إليه ويكون طوله نحو نصف متر، وإذا أراد أحدهم أن يتخذ مدخنة أو مسيلا ينحدر من علو، صف واحداً راكباً في رأس واحد. وسياق الكلام في الرحلة يقضي أن تكون الكلمة (برنخ) وجمعها (برانخ) كما أن النسخة التي عندي تصورها على هذا الوجه. ويقال في المفرد (بربق) بإبدال الخاء قافاً. وقد بان لي أن على الكلمة مسحة آرامية فسألت عن ذلك حضرة الأب صاحب المجلة فقال: (البربخ) وجمعها البرابخ مأخوذة من الارمية (لا من المصرية كما في اللسان والتاج) وهي من (بربوعا) ويقال فيها أيضاً (بربوقا) بمعناها وبمعنى الكراز أو القرقار أو الكوز أو الدبة أو الزجاجة.
(عن دليل الراغبين في لغة الآراميين).
نسخة أسرة المؤلف
كان القس بطرس قد ألف كتاباً اسمه ذخيرة الأذهان في تواريخ المشارفة والمغاربة من السريان طبع جزءه الأول في مطبعة الأباء الدمنكيين بالموصل في سنة ١٩٠٥ وشرع في طبع جزءه الثاني هنالك أيضاً في سنة ١٩١٣ ثم حدث ما أوقفه عن الطبع بعد أن أنجز منه ٤٤٨ صفحة فذكر فيه رحالتنا مع اقتباس من المشرق. ومما فيه (٢: ٣٥٩) قوله عن الرحلة: (رؤي هذا الكتاب عند نعمان الحلبي). وسيأتي الكلام على نعمان أنه من بيت
كاتب الرحلة.
تذكرت هذه الرواية حينما زرت الموصل في خريف ١٩٢١ ترويحاً للنفس فجمعتني الصداقة القديمة بالوجيه الكريم يوسف أفندي نعمان آل الحلبي فأخذنا يوماً نتجاذب أطراف الكلام عن أسرته الطيبة الأرومة فسألته عن هذه
стр. 5799
النسخة التي كانت لوالده أنه كان وجدها في تركة أبيه وكانت في داره عند مغادرته الحدباء وقت نزوحه منها قبل ثمان وثلاثين سنة قاصداً الناصرية قاعدة لواء المنتفق بوظيفة مدير البرق والبريد وأنه لم يرها عند رجوعه وقد فقد معها ما كان إرثاً من والده من نفائس الأوراق، فقد حرمتنا الأيام الوقوف على هذه النسخة التي ربما من التعاليق عن أسرته ما ليس في غيرها. ويوسف أفندي هو وحيد بيته الحلبي اليوم.
أسفار صاحب الرحلة
اخبرنا القس نصري (٢: ٣٥٨) خلال كلامه على مساعدة بيت الحلبي للمرسلين الدمنكيين والذب عنهم ما جاء في آخر كتاب مطبوع عن صاحب الرحلة واصله وهو كآخر الكتاب الموصوف في المشرق نقلا عن شنورر والمطبوع في سنة ١٦٩٢ مع زيادة تعريف أنه من نسل (البطاركة والعشيرة الأبوية وأنه قصد رومية سنة ١٦٥٩) إلا أن القس نصري قال أن ما ذكره جاء في آخر كتاب الصلوات المسمى (الحيوة) الذي طبعه الخوري ايليا في سنة ١٦٩٣ في رومة. ثم قال (٢: ٣٥٩): (يظهر أن الخوري الموما إليه قد سافر إلى رومية مرتين لأنه في هذه السياحة (أي المطبوعة) ذكر أيضاً أنه رحل من بغداد سنة ١٦٦٨ وأنه كان ابن أخ اسمه يونان أنجز دروسه في عاصمة الكثلكة سنة ١٦٧٠ فينتج أن ما خلا سفرته التي فيها طبع كتاب (بستان الحياة) قصد رومية مرة أخرى لزيارة ابن أخيه يونان الآخر) أهـ. ويظهر لي أن الكتاب الذي سماه القس نصري (الحيوة) المطبوع في رومة سنة ١٦٩٣ والكتاب الذي سماه (بستان الحياة) هو واحد، والذي يظهر لي أيضاً كأن هذا الكتاب هو غير المطبوع في سنة ١٦٩٢ الذي قال عنه المشرق لا اسم له بالعربية. والذي يسوقني إلى هذا الظن أي أنهما إثناء اختلاف الاسم وسنة الطبع والأسماء العربية للمراتب
стр. 5800
التي حازها الخوري - إن لم يكن التعريب للقس نصري كما قلت في قلت في حاشية سبقت - ولا سيما العثور على سفر صاحب الرحلة إلى رومة في سنة ١٦٥٩
وهو سفر لم يروه المشرق مما يدل على أن لصاحب الرحلة طبع كتابين جاء في الذي تكلم عليه القس نصري خبر سفر صاحب الرحلة إلى رومة في سنة ١٦٥٩ وإلا فمت أين أتى القس بهذا التاريخ وهو لا يذكر مصدراً غير ذلك الكتاب؟ فان صح أن لصاحب الرحلة طبع كتابين يكون القس وقف على كتاب لم يطلع عليه الأب رباط. والذي يفهم من عبارة القس نصري أن لصاحب الرحلة سفرة طبع فيها الكتاب - أو الكتابين - وسفرة غيرها لا ثالثة لهما، وإذا صح أنه كان في رومة في سنة ١٦٩٢ أو ١٦٩٣ حين طيع الكتاب يكون قدم إلى رومة ثلاث مرات: الأولى في سنة ١٦٥٩ والثانية في سنة ١٦٧٠ والثالثة في سنة ١٦٩٢ أو ١٦٩٣ أو قبلها. هذا إذا كان في رومة في زمن الطبع، إذ أن أمر الطبع لا يستلزم وجوده في المكان فضلا عما رأينا أن الواقف على الطبع هو اندراوس فإذا كان هنالك فلعله لم يعد إلى العراق بعد رجوعه من أمريكة. ولقد صدق القس نصري في أن لصاحب الرحلة سفرة إلى رومة في سنة ١٦٥٩. وسأورد ما عرفته عن هذه السفرة، وفي ذلك أخبار عنه وعن أخوين له مع ذكر أسميهما.
يعقوب نعوم سركيس
شباب العراق
شباب العراق استشعروا والعزما ... واحيوا عراقاً ضيع المجد والحزما
تعلقت الآمال فيكم وأنكم ... ستضحون شعباً ينشر الخير والعلما
ألا فانهضوا بالعلم نهضة مصلح ... وداووا عراقاً كابد العسر والغما
فأنكم أهل البلاد وعونها ... وقد كلمتها نائبات العدى كلما
عليكم صروح الفوز باتت مقامة ... فان تهملوها تلق دون العلا هدما
ألا ألفوا بين القلوب وسارعوا ... إلى منهج الأعمال واستعملوا الفهما
تأخرتم في الناس أي تأخر ... فقاسيتم من ذلك الفقر والهما
ألا يا شباب العرب حتام ننتهي ... عن الكسل المردي ونكتسح الوهما؟
فكونوا شباباً مستحقين للعلا ... وهيوا ارجموا من خان من بيننا رجما
وقوموا بأعمال تظل عظيمة ... وحوطوا العراق اليوم كي يغلب الخصما
مصطفى جواد
стр. 5801
فوائد لغوية
نقد تاريخ الأدب العربي
٤ - (الطلاق في الجاهلية)
وقال في ص ٩ عن العرب (وللرجل وحده حق الطلاق ما لم يشترط عند العقد خلاف ذلك) قلنا: هذا هو الظاهر لكن السيد نعمة الله الجزائري قال في ص ٨٧ من زهر الربيع: (وروي أن الطلاق في الجاهلية كان إلى النساء وكان طلاقهن للرجال أن يغيرن أبواب البيوت من المشرق إلى المغرب) ثم أورد حكاية لكيفية إجراء الطلاق، وجاء في مادة (ج د د) من المصباح المنير (والاسم منه الجد بالكسر أيضاً، ومنه قوله ﵊: ثلاث جدهن جد وهزلهن جد، لأن الرجل كان في الجاهلية يطلق أو يعتق أو ينكح ثم يقول: كنت لاعباً ويرجع. فأنزل الله تعالى قوله: ولا تتخذوا آيات الله هزوا، وقال النبي - ص - ثلاث جدهن جد، إبطالا لأمر الجاهلية وتقريراً للأحكام الشرعية) وقال الطريحي النجفي في مادة (هزأ) لتفسير الآية المذكورة: (قيل كان الرجل في الجاهلية يطلق أو يعتق أو ينكح ثم يقول: كنت لاعباً. فانزل الله تعالى: لا تتخذوا آيات الله هزواً) وكلامه مقتبس من المصباح على ما ظهر لنا.
وقال أبو زيد محمد بن أبي الخطاب القرشي (قيل كان طلاق الجاهلية أن يسل الرجل ثوبه (وفي نسخة: ثيابه) عن امرأته) تفسيراً لقول امرئ القيس (وسلي ثيابي من ثيابك تنسل) وفي ص ٣١٧، ٣١٨ من كشف الطرة
стр. 5802
عن الغرة عن أبي عبيدة أن عمرو بن عدس بن زيد التميمي كانت تحته دختنوس بنت لقيط بن زرارة - وكان ذا مال كثير إلا أنه كبير السن فقلته فلم تزل تسأله الطلاق حتى فعل) فهذا الخبر يؤيد أن الطلاق كان إلى الرجل في الجاهلية والأمر بقي معي علينا وليس عندنا (بلوغ الأرب في أحوال العرب) فنبلغ أربنا منه على ما يدل عليه اسمه.
انصر أخاك ظالماً أو مظلوما
وقال فيها (أما علاقة أبناء الأسرة بأبناء القبيلة فجماعها مدلول هذه الحكمة الجاهلية (انصر
أخاك ظالماً أو مظلوماً) على ما بين أبناء العم من تنافس وتباغض) قلنا: ذكر هذا الرأي أبو هلال الحسن بن عبد الله العسكري في (ص ١٥) من جمهور الأمثال. ثم قال (وقد روي هذا الكلام عن النبي - ص - فان كان صحيحاً إسناده فمعناه: انصر أخاك مظلوماً وكفه عن ظلمه إن كان ظالماً فقد نصرته إذا خلصته من الإثم لأن النبي - ص - لا يأمر الظالم. . .)
ورأينا هذا القول وهذا الرأي في تاريخ المرحوم الشيخ محمد الخضري كما في (١: ١٣) من الطبعة الثانية وتاريخه ليس بثبت ولا معتمد لأنه - عفا الله عنه - أهمل المصادر التي يجب ذكرها على المؤرخين فاسقط كتابه وطرق عليه الطاعنين وفاز جورجي زيدان بالمرجعية والشهرة، وقد خلط الرواة بين
стр. 5803
حديث القدماء والحديث النبوي فعسر التميز، ثم أن تفسير أبي الهلال لو كان مرجعاً لكان المألوف يقضي أن يقال: (ظالماً ومظلوماً) بالواو ولا محل للإباحة فيكون على غرار قوله تعالى (الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم) فنحن نرى أن المراد ب (ظالماً) ظالم لنفسه وقد قال تعالى (وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) فهم الظالمون لأنفسهم والمراد بالمظلوم معروف فاللازم نصره أن لم يكن مظلوماً فهو ظالم لنفسه محتاج إلى النصر من هذه الجهة، فهذا القول إسلامياً اكثر منه جاهلياً، والمراد بالنفس ههنا الأجساد لأن النفس إمارة بالسوء.
العجعجة والكشكشة والغمغمة
وذكر في ص ١٣ بعض لغات العرب فقال (كجعجعة قضاعة. . . وكشكشة أسد) وعلق به: (العجعجة: قلب الياء جيماً بعد العين وبعد الياء المشدودة فيقولون في الراعي: راعج: وفي كرسي: كرسج). والكشكشة، جعل الكاف شيئاً في خطاب المؤنث). - قلنا: ليست ياء الراعي مشدودة فيصح التمثيل بها، ثم أنه ذكر في حاشية (ص ١٦) عن العقد الفريد (إن معاوية قال يوماً لجلسائه: أي الناس افصح؟ فقال رجل من السماط يا أمير المؤمنين: قوم قد ارتفعوا عن رتة العراق وتياسروا عن كشكشة بكر وتيامنوا عن فشفشة تغلب، ليس منهم غمغمة قضاعة. . .) فحصل بين نقلي الأستاذ الزيات تعارض لأن العجعجة كانت لقضاعة فصارت لهم الغمغمة، وكانت الكشكشة لأسد فنسبت هنا إلى بكر، وهذه النادرة ربما نقلها ابن عبد ربه عن كامل المبرد (راجع ٨: ٥٠ من لغة العرب) وتكلمنا على
الطمطمانية والغمغمه (راجع ٧: ٥٧٧) وق اختلف في تخصيص هذه اللغات بأصحابها ففي (١: ١٣٣) من المزهر ما نصه: (ومن ذلك العجعجة في لغة قضاعة يجعلون الباء المشددة جيماً بقولون في تميمي: تميمج) وفي ص ١٣٤ منه (وإبدال الياء جيماً في الإضافة نحو غلامج. وفي النسب نحو بصرج وكوفج) مما يدل على النقل العمومي والقمشي، فيجب موافقة قول الزيات المذكور في العجعجة لهذين القولين المنقولين عن المزهر أو حصوله على نص في العجعجة بأنها قلب كل ياء متطرفة جيماً ليصح
стр. 5804
قوله السابق المنتقد.
اتصال العرب بالتجارة والدين
وقال في ص ١٣ (فان الهرب كانوا أميين لا تربطهم تجارة ولا إمارة ولا دين) مع انه كان قد قال في ص ٨ (وهذه الوثنية كانت دين الكثرة من العرب) فلا تتأتى الكثرة الدينية إلا من شدة اتصالهم بعضهم ببعض، ثم قال عن الشعب العدناني والقحطاني في ص ١٤ (فكان أذن بين الشعبين اتصال سياسي وتجاري يقرب بين اللغتين الألفاظ ويجانس بين اللهجتين في المنطق) فاثبت الاتصال الاماري والتجاري إذن لم يبق على شيء، مما اعتمده أولا، والرأي الأخير هو الصواب لأنه حالهم في اغلب عصورهم، وقصدهم إلى البيت الحرام في الجاهلية دليل ناطق على اتحادهم في الدين وقد أشار الله تعالى إلى صلاتهم فقال: (وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون) وقال هو في ص ١٥ (إلا عكاظ فأنهم كانوا يتوافون إليها من كل فج لأنها متوجههم إلى الحج ولأنها تقام في الأشهر الحرم) وأما التجارة فلا تحتاج إلى برهان.
المعاهدات واللهو في أسواق العرب
وقال في ص ١٤ عن الأسواق (وكان العرب يقيمونها في أشهر السنة للبياعات والتسوق) قلنا: وللمعاهدات واللهو والسرف والترف ألا ترى الحارث ابن حلزة يقول:
واذكروا حلف ذي المجاز وما ق ... دم فيه العهود والكفلاء
واعلوا أننا وإياكم في ... ما اشترطنا يوم اختلفنا سواء
وقال الواقدي في أخبار نفير قريش (وقال أبو جهل: والله لا نرجع حتى نرد بدراً - وكانت بدر موسماً من مواسم العرب في الجاهلية يجتمعون بها وفيها سوق - تسمع بنا
العرب وبمسيرنا فنقيم على بدر ثلاثاً ننحر الجزر ونطعم الطعام ونشرب الخمر وتعزف علينا القيان فلن تزال العرب تهابنا أبداً) وقال الواقدي (فلما أفلت أبو سفيان بالعير ورأى أن قد أحرزها وأمن عليها أرسل إلى قريش بن امرئ القيس وكان مع أصحاب العير خرج معهم من مكة
стр. 5805
فأرسله أبو سفيان يأمرهم بالرجوع ويقول: قد نجت عيركم وأموالكم فلا تحرزوا أنفسكم أهل يثرب فلا حاجة لكم فيما وراء ذلك، إنما خرجتم لتمنعوا عيركم وأموالكم وقد نجاها الله. فان أبوا عليك فلا يأبون خصلة واحدة: يردون القيان، فعالج قيس ابن امرئ القيس قريشاً فأبت الرجوع، قالوا: أما القيان فسنردهن - فردوهن من الجحفة -). قال ابن أبي الحديد: (لا اعلم مراد أبي سفيان وهو الذي أخرجهن مع الجيش يوم أحد؛ يحرضن قريشاً على أدراك الثار، ويغنين ويضربن الدفوف، فكيف نهى عن ذلك في بدر وفعله في أحد؟) أقول: لا يخفى السبب على ذي بصيرة مثل ابن أبي الحديد، فان القيان إذا رجعن إلى مكة، لم يبق لا غلبهم رغبة في المكوث ببدر، لأنهم لهاؤون قصافون، فتكون نهاية أمرهم العودة، وقال الواقدي في المطعمين في بدر من المشركين: (المتفق عليه ولا خلاف بينهم فيه تسعة فمن بني عبد مناف (الحرث بن عامر نوفل بن عبد مناف) و (عتبة وشيبة ابنا ربيعة بن عبد شمس) ومن بني أسد بن عبد العزى (زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد) و (نوفل بن خويلد المعروف بابن العدوية) ومن بني جمح (أمية بن خلف) ومن بني سهم (نبيه ومنبه ابنا الحجاج) فهؤلاء تسعة) وروى محمد بن اسحق أن العباس بن عبد المطلب كان من المطعمين في بدر وكذلك طعيمة بن عدي بن نوفل كان يتعقب هو وحكيم والحارث بن عامر بن نوفل وكان أبو البختري يتعقب هو وحكيم بن حزام في الإطعام وكان النضر بن الحارث بن كلدة ابن علقمة بن عبد مناف بن عبد الدار من المطعمين فهذه الأنباء كافية للدلالة على ما قدمنا من دعوى أن العرب كان تعاهد وتكافل وتلهو وتقصف في مواسمها وأسواقها.
لغة قريش وباقي اللغات
وقال في ص ١٤ عن العدنانيين (ففرضوا لغتهم وأدبهم على حمير الذليلة
стр. 5806
المغلوبة ثم جاء الإسلام فساعد العوامل المتقدمة (وقد قدم العوامل) على محو اللهجات الجنوبية وذهاب القومية اليمانية فاندثرت لغة حمير وآدابهم وأخبارهم حتى اليوم) ثم قال في ص ٨١ (لم
يكن امتزاج اللغات ولا اتحاد اللهجات تاماً من كل وجه عند انبثاق نور الإسلام. وإنما بقي على نواحي الألسنة لحون مختلفة كالفتح والإمالة. .) قلنا: وكذلك لغة حمير فأنها لبعدها من لغة العدنانيين كانت أطول احتضاراً وأبطأ انقراضاً فلا يقال أنها وآدابها اندثرت، وكيف تنسى طمطمانية حمير ووتم اليمن وشنشنتهم ولخلخانية الشحر وعمان وغيرها، وكتب اللغة كثيراً ما احتوت على ألفاظ يمانية، وإنما ذكرنا غير لغة حمير لتأييد بقاء اللغة الضعيفة لسبب من الأسباب الحيوية؛ ومن راجع كتاب الإكليل للهمداني - وقد اطلعنا على قسم منه - علم كثرة الألفاظ اليمنية في العصور الإسلامية لأن اصطلاحات البناء والري والصنائع والفنون لا يمكن الاستغناء عنها بتة.
(السدى) بالفتح لضد اللحمة
وقال في ص ١٨ (الخطابة كالسعر لحملتها الخيال وسداها البلاغة) بضم السين من (سدى) والصواب فتحة، قال في مختار الصحاح (السدى بفتح السين ضد اللحمة. . . والسدى بالضم: المهمل) وفي المصباح (السدى وزان الحصى من الثوب خلاف اللحمة وهو ما يمد طولا في النسج) وهذه رأيناها في الطبعة الثانية كما في ص ٩ منها فلم تصحح في هذه الطبعة يا أسفا كنا اصلح غيرها من مضبوطات القلم.
مصطفى جواد
стр. 5807
باب المكاتبة والمذاكرة
حكومة الأدارسة في عسير
أسست سنة ١٣٢٧هـ - ١٩٠٩ م
أسس هذه الحكومة السيد محمد بن علي بن محمد ابن شيخ الطريقة الشهير، السيد احمد بن إدريس. وكان تأسيسها في حين ثورته على الترك العثمانيين في سنة ١٣٢٧هـ؛ ولم يدع بالحكم قبله أحد من آبائه ولا من أجداده في عسير.
ونعد وفاته تولى الحكم ابنه السيد علي المقيم الآن بمكة. ثم ثارت عليه البلاد فاخرج من عسير إلى عدن، فتولى قيادة الإمارة بعده عمه السيد حسن، شقيق السيد محمد المؤسس للحكومة.
ومن طالع كتب الأخبار والتواريخ مثل رحلة الشريف الحسين بن علي إلى بلاد عسير، تأليف الشريف شرف. وتاريخ اليمن للواسعي. وتاريخ سيناء وبلاد العرب لنعوم بك شقير، يظهر صحة ما قلناه. وما جاء في ص ٢٣٨ من الجزء الثالث من لغة العرب في سنتها التاسعة، نقلا عن (رائد العلم المسيحي) يعد من خطأ بعض الكتبة الإفرنج في تاريخ البلاد العربية.
وقد ترجم السيد محمد بن علي الإدريسي صاحب حكومة صبيا وما جاورها من بلاد عسير، المؤرخ نعوم بك شقير في كتابه (تاريخ سيناء وبلاد العرب) في ص ٦٦٥ و٦٦٦. وذكر الأب لويس شيخو عسير والادرسي في المشرق ١٨: ٤٢٥ إلى ٤٢٩. فلخص كلامه على عسير معتمداً على معلمة الإسلام في مادة عسير وترجم الادريسي نقلا عن نعوم بك شقير وعن معلمة الإسلام في رسم (الادريسي) (٢: ٤٧٩ من الترجمة الفرنسية) ومن عدة مواطن أخر.
ومما يجب التمسك به أن (عسير) لا تدخلها أداة التعريف. ومن حلاها
стр. 5808
بها فقد شط عن والصواب.
جدة (الحجاز) في ٢٩ ذي القعدة ١٣٤٩ الموافق افريل ١٩٣١.
محمد نصيف
(ل. ع) نشكر للشيخ الجليل محمد نصيف تحقيقه هذا. ونحن لا نشك في غزارة المعروف بها. وإفادته من اثمن الإفادات ويجب على كل أديب أن يأخذ بها أتباعاً للحق الذي لا ريب فيه.
كتاب النبي العربي إلى النجاشي ملك الحبشة
أوفدت مجلو (الالستراسيون) الفرنسية المعروفة مندوبها الكونت دي سيانلي دي سيران إلى بعض أنحاء الشرق، ومنها بلاد الحبشة بوجه خاص ليجمع لها المعلومات والمستندات والرسوم والوثائق الهامة المتعلقة بتاريخ الحبشة القديم، والحديث لتنشره في عدد خاص ممتاز.
واتصل بالمندوب. - وهو اليوم نزيل بيروت - أن الأمير سليم نجل السلطان عبد الحميد، يملك الرسالة التي وجهها النبي محمد ﷺ إلى نجاشي الحبشة مكتوبة على رق غزال، فاهتم كل الاهتمام بان يراها ويقتنيها إذا قدر له. فتوجه إلى جونية يقطن الأمير. فاطلعه هذا على الرسالة وقد حفظها في محافظ من الحرير الأخضر المذهب، واعلمه أن إحدى المؤسسات في مصر قد فاوضته على أن يبيعها إياها بمائتي ألف جنيه فأبى إجابة الطلب.
فقال مندوب الالستراسيون أن إدارة مجلته تدفع مليونين ونصف مليون فرنك ثمناً للرسالة على أن تحافظ عليها إذا اقتنتها حفظها للمقدسات، فرفض الأمير ذلك.
وفيما يلي صورة الرسالة:
السنة السابعة للهجرة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من محمد رسول الله إلى النجاشي ملك الحبشة.
أما بعد فإنني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن واشهد أن عيسى بن مريم من روح الله وكلمته ألقاها إلى البتول الطاهرة
стр. 5809
المطهرة الطيبة الحصينة فحملت بعيسى فخلقه الله من روحه ونفخه كما خلق آدم بيده وإني أدعوك إلى الله وحده لا شريك له والموالاة على طاعته فان تابعتني وتؤمن بالذي جاءني فأني رسول الله وأني أدعوك وجنودك إلى الله تعالى، وقد بلغت ونصحت فاقبلوا نصحي. وقد بعثت إليك ابن عمي جعفراً ومعه نفر من المسلمين. والسلام على من اتبع الهدى.
وقد قابل هذه النسخة حضرت الأستاذ مصطفى أفندي جواد على نسخة الطبري (طبعة الإفرنج) فإذا نصها كما يأتي:
السنة السادسة (الطبري ج١ ص ١٥٦٠ والكتاب في ص ١٥٦٩).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من محمد رسول الله إلى النجاشي الاصحم ملك الحبشة:
سلم أنت فأني احمد إليك الله الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن واشهد أن عيسى بن مريم روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم البتول الطيبة الحصينة فحملت بعيسى فخلقه الله من روحه ونفخة كما خلق آدم بيده ونفخه وأني أيدعوك إلى الله وحده لا شريك له والموالاة على طاعته وان تتبعني وتؤمن بالذي جاءني فأني رسول الله، وقد بعثت ابن عمي جعفراً ونفراً معه من المسلمين، فإذا جاءك فاقرهم ودع التجبر، فأني أدعوك وجنودك إلى الله، فقد بلغت ونصحت فاقبلوا نصحي، والسلام على من اتبع الهدى.
مصطفى جواد
سلوقية هي رومية المدائن
جاء في ٩ ص ٢٦٠ من لغة العرب كلام على سلوقية، وهي عندنا، رومية المدائن التي قتل فيها أبو مسلم عبد الرحمن أو عثمان الخراساني. قال ابن خلكان (وهي بليدة بالقرب من الانبار، على دجلة، بالجانب الغربي ممدودة من مدائن كسرى، تحت بغداد بينهما سبعة فراسخ، بناها الاسكندر ذو القرنين على صورة إنطاكية لما أقام بالمدائن وكان قد طاف الأرض شرقاً وغرباً لما اخبر البارئ تعالى في القرآن الكريم ولم يختر منها منزلا إلا المدائن فنزلها، وبنى رومية المذكورة إذ ذاك). وقال ابن الجوزي: (ولما كانت المدائن قريبة من بغداد، بينهما
стр. 5810
بعض يوم، وكانت كالمتصلة بها، حسن أن يذكرها، وإنما سميت المدائن، لكثرة ما بني فيها من الأماكن، في أيام الملوك والأكاسرة، واثروا فيها الآثار. وهي مدينتان شرقية وتسمى العتيقة، وفيها القصر الأبيض الذي لا يدرى من بناه. . . ومدينة غربية تسمى بهرسير ويقال: إن الاسكندر الذي يقال له ذو القرنين المذكور في الكتاب العزيز بناها. . . وبنى بها مدينة عظيمة وجعل لها سوراً أثره باق إلى الآن (وإلى الآن) وبنى المدينة التي تسمى (الرومية) في جانب دجلة الشرقي (كذا) فأقام بها إلى أن مات بها
وحمل إلى أمه بالإسكندرية) قلنا: إن قوله (جانب دجلة الشرقي) غلظ إما منه وأما من الناسخ لأنها في الجانب الغربي من دجلة على الحقيقة، وعلى ما ذكر ابن خلكان، وفي القاموس (رومية بلد بالمدائن خرب).
مصطفى جواد
(لغة العرب) نحن لا نوافق حضرة الأستاذ على رأيه، لأن المدائن كانت سبع مدن. قال حمزة: (اسم المدائن بالفارسية توسوفون، وعربوه على الطيسفون والطيسفونج. وإنما سمتها العرب المدائن، لأنها سبع مدائن، بين كل مدينة إلى أخرى، مسافة قريبة أو بعيدة، وآثارها وأسماؤها باقية، وهي: اسافابور، ووه اردشير، وهنبوشافور، ودرزنيدان، ووه جنديوخسره، ونونيفاذ، وكردافاذ، فعرب اسفابورعلى اسفاندر، وعرب وه اردشير على بهرسير، وعرب هنبوشافور على جنديسابور، وعرب درزنيدان علىدرزيجان، وعرب وه جندخسره على رومية، وعرب السادس والسابع على اللفظ).
(عن ياقوت في المدائن).
والذي ذكره ج. ب. شابو في (مجموعة المجاميع النسطورية) ص ٦٨٢ أن سلوقية مدينة دار إمارة الساسانيين على بعد نحو ٣٠ كيلو متراً تحت بغداد على ضفة دجلة اليمنى بازاء طيسفون التي كانت على عدوته اليسرى وتعرف المدينة أيضاً باسم المجوزة أو المدائن. ومن أسماءها الرسمية (وه اردشير) وكثيراً ما تذكر مع طيسفون. وقد اشتهرت كنيسة (كوخى) في سلوقية وكانت بيعة البطريرك) (أو الجاثليق). أهـ.
وأما رومية المدائن فقد قال عنها في ص ٦٧٦: (محوزا حدثاً، وبالعربية المحوزة الجديد هي نيابلس ومن المألوف أن هذا الاسم يدل على المدينة التي شادها كسرى
стр. 5811
انو شروان على مثال إنطاكية وسماها العرب الرومية (راجع كتاب هوفمان الرقم ٨٣٤). أهـ كلام الأبيل شابو.
قلنا: فيؤخذ من هذا أن رومية المدائن أو محوزة الجديدة أو الحديثة (وهذا معنى نابلس اليونانية) وإنطاكية المدائن والرومية شيء واحد. وسلوقية هي المدينة التي كانت بازاء طيسفون المعروفة في يومنا هذا باسم سلمان باك أي سلمان الطاهر وهو سلمان الفارسي المدفون فيها.
النصيرية والقزلباشية
جاء في ٩: ٢٦٧ من لغة العرب (ولم يكونوا بدرجة النصيرية، ويعرفون عندنا بعلي اللهية) وعلق به ما صورته: (الذي عندنا أن العلي اللاهية غير النصيرية إنما هم القزلباشية) قلنا: والذي عندنا أن القزلباشية كانوا من السنية، ولكون هذه البدعة ابتدعت في إيران، سمى الترك الإيرانيين (قزلباش) وسموا بلاد إيران بلاد القزل باش. وخلاصة أمرهم أن الشيخ صفي الدين ابن اسحق الاردبيلي، جد شاه إسماعيل ابن الشيخ حيدر (وإليه تنسب الأولاد. فيقال لهم: صفوية) كان صاحب زاوية في أردبيل، وله سلسلة في المشايخ، واخذ عن الشيخ زاهد الجيلاني، وتنتهي إجازته بوسائط إلى احمد الغزالي وهو سني مشهور، وتوفي الشيخ صفي الدين في سنة (٧٣٥) هـ، وهو أول من ظهر من هذه الأسرة بطريق المشيخة والتصوف، وأول من اختار السكنى في أردبيل.
وجلس بعد موته في مكانه أبنه الشيخ صدر الدين موسى، وكانت السلاطين تعتقد فيه الولوية. وتزوره، وممن زاره: (تمور الأعرج) وذلك لما عاد من الروم أي آسية الصغرى، وطلب إليه أن يسأله ما يريد من الحاجات فقال: (واطلب منك أن تطلق كل من أخذته من بلاد الروم سركنا) فأجابه إلى سؤاله وطلق السركن جميعهم، فصار أهل الروم يعتقدون الشيخ صدر الدين وجميع الاردبيليين من ذريته.
стр. 5812
وحج ابنه بالسلطان خواجا علي بن موسى، وزار النبي - ص - وتوجه إلى بيت المقدس للزيارة، فتوفي هناك، وقبره معروف في القرن العاشر الهجري، وكانت ممن يعتقد فيه الصلاح ميرزا (شاه رخ بن تيمور الأعرج). فلما جلس الشيخ (جنيد بن خواجا بن علي) في الزاوية باردبيل كثر مريدوه واتباعه فخشيه صاحب آذربيجان السلطان (جهان شاه قرا يوسف) التركماني من طائفة (قراقوينلو) أي الخروف الأسود فأخرجهم من اردبيل فتوجه الشيخ جنيد مع بعض مريديه إلى ديار بكر وتفرق عنه الباقون، فالتجأ إلى طائفة (آق قوينلو) أي الخروف الأبيض فصاهره (أوزن حسن بك) وزوجه بنته (خديجه بينكم) فولدت له الشيخ (حيدراً) ولما استولى أوزن حسن على البلاد وطرد عنها ملوك (قراقوينلو) وأضعفهم عاد الشيخ جنيد مع ابنه الشيخ حيدر إلى اردبيل وكثر مريدوه واتباعه وتقوى باوزن حسن بك لأنه صهره فلما توفي حسن المذكور ولي موضعه السلطان خليل ستة
اشهر، ثم ابنه الثاني السلطان يعقوب فزوج بنته (حليمة بيكم) فولدت له شاه إسماعيل في يوم الثلاثاء الخامس والعشرين من رجب سنة اثنتين وتشعين وثمانمائة.
وكان الشيخ جنيد جمع طائفة من مريديه وقصد قتال كرجستان ليكون من المجاهدين في سبيل الله فتوهم منه شراً سلطان (سرنيوان) فخرج إلى قتاله فانكسر الشيخ جنيد وقتل وتفرق مريدوه، ثم اجتمعوا بعد مدة على الشيخ حيدر المذكور وحسنوا له الجهاد والغزو في حدود كرجستان وجعلوا لهم رماحاً من عيدان الشجر وركبوا في كل عود سناناً من حديد وتسلحوا بذلك وألبسهم الشيخ حيدر تيجاناً حمراً من الجوخ فسماهم الناس (قزلباش). وهو أول من البس اتباعه التيجان الحمر، فاجتمع إليه خلق كثير فأرسل (شروان شاه) إلى السلطان يعقوب بن أوزن حسن يخوفه خروج حيدر على هذه الضفة فأرسل أميراً من اسمه (سلمان) بأربعة آلاف نفر من العسكر وأمر أن يمنعهم من هذه الجمعية فما أطاعه حيدر فاتفق يعقوب مع شروان شاه وقاتلا
стр. 5813
الشيخ حيدراً فقتلاه واسر ابنه شاه إسمعيل وهو طفل وأسر معه أخوته وجماعة وجاء بهم سليمان بك إلى السلطان يعقوب فأرسل بهم إلى قاسم بك الغرناك حاكم شيراز إذ ذاك وأمره أن يحبسهم في قلعة اصطخر واستمروا في الحبس إلى أن توفي السلطان يعقوب في سنة (٨٧٦) هـ.
وكان الشاه إسمعيل في (لاهجان) في بيت صائغ يقال له: (نجم زركر) وبلاد لاهجان فيها كثير من الفرق، كالرافضة والحرورية والزيدية وغيرهن، فتعلم منهم شاه إسمعيل في صغره مذهب الرفض فأن آباءه كان شعارهم مذهب السنة ولم يظهر الرفض غيره. فالقزلباشية كانوا من السنة لا من الرافضة، وبقي على إخلافهم هذا الاسم كما قدمنا. قال مؤلف كتاب الأعلام بأعلام بيت الله الحرام قطب الدين الحنفي في (ص ٥ من الكتاب): (الباب السابع في ذكر ملوك آل عثمان. . . وذكر نبذة من أخبار شاه إسمعيل القزلباش). وقال في (ص ١٢٩) عن السلطان سليم الأول (فأنه كان قد اصرف في هذين السفرين وهما السفر إلى بلاد قزلباش والسفر إلى إقليم مصر). وقال في (ص ١٣٠): فلما أراد سفراً ثالثاً لقطع جادرة طائفة القزلباش، وكررها في ص ١٤٥ وص ١٤٨ وكثير من الناس يبتلون بألقاب آبائهم بحكم العرف والشيوع.
وحدثني جماعة من ارناووط نواحي اشقودرة بشمال بلاد اليونان أن القزلباشية على كثرة
في جبل (درسم) وقد تبلغ عدتهم مليوناً، وذكروا أنهم على أحوال مختلفة، فمنهم من يقوم بالعبادات الإسلامية ومنهم من يغفلها جملة وأنهم لا يزاوجون غيرهم من الفرق. وإذا طلب إليهم مخالفهم حاجة عبثوا بها قبل إعطائهم إياها، فالمستسقي مثلا يبصقون في مائه، وكانوا من المستعصين على الدولة التركية العثمانية لا يرضخون لها ضربية ولا يطيعون لها أمراً.
ومن مواطن القزلباسية (تيسين) قرب كركوك وطاووق (دقوقا) ومندلي ويسمون (قلم حاجية) وقراتبة، وقد سألت أحدهم عن عقيدته في الإمام علي بن أبي طالب فقال (معناه: (إنه رازق خالق ينوب عن الله كل أعماله) وسبب إطالة شواربهم - على زعمهم - أن الإمام علياً لما غسل جسد
стр. 5814
الرسول - ص - بقي في سرته نطفة، فعبها بقمه، وتعلقت قطرات بشعرات شاربه الدنيا، فهي مقدسة، يحرم أخذها، مع أن رسولي (بأذان) والي اليمن لكسرى في عهد النبوة لما دخلا على الرسول - ص - وقد حلقا لحاهما، وأعفبا شواربهما، كره النظر إليهما، ثم اقبل عليهما فقال: (ويلكما من أمركما بهذا) قالا: (أمرنا بهذا ربنا) يعنيان كسرى. فقال رسول الله: (لكن ربي قد أمرني بإعفاء لحيتي وقص شاربي).
وتوفي أحدهم في دلتاوة، وكنت قد قلت له في وقت مرضه: (من ربك؟) فتمنع علي أولا، ثم قال بعد الحاحي عليه: (أما تعرفه؟ أنه موسى ابن جعفر).
ويشاع عن هؤلاء أنهم لا يغتسلون أبداً لأن نظرهم إلى الماء عندهم جازئ عن تطهرهم بصبه على أجسامهم، ونرى أن اكثر هؤلاء من التركمان الشيعة الذين كثروا في زمان الإمام الناصر لدين الله أبي العباس احمد بن المستضيء (٥٧٥ - ٦٢٢) لأنه كان شيعياً محضاً. وتشيع في زمانه اكثر الأمراء والجند وغالب الجند إذ ذاك من الأتراك والأكراد. والناس - كما قيل - (على دين ملوكهم). ألا ترى أن صاحب المخزن (أي وزارة المالية) في خلافة الناصر لدين الله لما اعسف رجلا من أهل بعقوبا بعلة الخراج اخذ ذاك يسبه فسمع بخبره صاحب المخزن وأمر بإحضاره وقال له: لم تسبني؟ فقال له: أنتم تسبون أبا بكر وعمر لأخذهما فدك من فاطمة ﵍، وهي عشر نخلات، وأنتم تأخذون مني ألف نخلة، ولا أسبكم فعفا عنه فانظر إلى تشيع الأمراء إذ ذاك فلولا أن حقيقة لأنكر عليه
قوله وعزره، ولكن هو ما قلت لك.
أما النصيرية فهم شيعة محمد بن نصير النميري والحسين بن حمدان الحضيني الجنبلاني أبي عبد الله وقال في الثاني الحسن بن يوسف بن علي بن مطهر الحلي الشيعي الإمامي الاثني عشري في (ص ١٠٢) من كتابه (كشف المقال في معرفة الرجال): (كان فاسد المذهب كذاباً صاحب مقالة ملعونة لا يلتفت إليه)
стр. 5815
وقال محمد الباقر بن محمد تقي المجلسي المتوفى سنة (١١١١) هـ في كتابه (الرجال) وهو الرسالة الوجيزة: (وابن حمدان الحضيني ضعيف) أي ضعيف الإسناد. وابن مطهر الحلي أدرى من المجلسي في التوثيق والتجريح، وكان الحسين بن حمدان بث دعوته في جهات بغداد والبصرة فصادف عثرات جمة، واضطهده الحكام حتى اضطر إلى الفرار إلى سورية، فقدم دمشق واستأنف التبشير بمذهبه، فلم يوافق روح القوة الحاكمة هنالك، فالقوه في غيابة السجن وبقي مدة طويلة ثم تمكن من أغراء السجان بعقيدته فاستماله إلى مذهبه وفرا كلاهما إلى حلب. وكان ملكها سيف الدولة بن حمدان فلم يمهله إلاَّ قليلا حتى قبض عليه وسجنه، ثم عفا عنه واختصه لنفسه فألف له كتاب (الهداية) ومن مذهبه واوابده جواز ترك الحجوعدم جواز الصلاة إلاَّ وراء أحد من أبناء علي، واحدث تعاليم سرية يلقنها شيعته، ولا يباحون ذكرها لأحد غيرهم، وحرم اطلاع النساء على شيء من أوامر الدين ونواهيه.
توفي هذا الرجل في حلب بعد أن انتشر مذهبه انتشاراً هائلا خصوصاً في جبال حماة واللاذقية المسماة بجبال الكليبة وجبل العلويين وكان له اتباع في دمشق والشام ومدينة حماة وحلب والعراق، ولم يمت إلاَّ بعد أن قال بمقالته من يزيد عددهم على (٣٠٠) ألف إنسان. ولم تمت دعوته. بل بقيت إلى يومنا هذا.
والمعتقدون لمذهبه الآن في سورية وكبلكية زهاء نصف مليون نسمة وأما العلي اللهية فهم القلم حاجية والكاكائية، قال لي أحد المشتغلين بينهم في (طوز خورماتو): إنهم يرسلون شعورهم فلا يحلقونها ولا يقصرونها، وإذا ضنت عليهم السماء خرجوا للاستسقاء جميعاً بصرنايهم وطبولهم إلى الجبل وهناك
следующие страницы →