Полный текст (6 158 стр.). Показаны 5846–5885 · переход к 5851.
стр. 5846
كره العرب للحياكة
- ٢ -
ذكرنا في ما تقدم (٩: ٥٣٣) أن مريم البتول، استرشدت الحاكة، فدلوها على غير الطريق، روى علي بن إبراهيم بن هاشم أبو الحسن القمي أن مريم حملت بعيسى تسع ساعات جعل الله الأشهر ساعات لها. ثم ناداها جبريل: (وهزي إليك بجذع النخلة) أي النخلة اليابسة. فخرجت تريد النخلة اليابسة، وكان ذلك اليوم سوقاً، فاستقبلها الحاكة - وكانت الحاكة احسن حالا وكسباً في ذلك الزمان - فاقبلوا على بغال شهب، فقالت لهم مريم - ع -: أين النخلة اليابسة؟ فأستهزأوا بها وزجروها فقالت لهم: جع الله كسبكم قليلا. وجعلكم في الناس عاراً؛ ثم استقبلها قوم من التجار، فدلوها على النخلة اليابسة، فقالت لهم: جعل الله البركة في كسبكم وأحوج الناس إليكم.
ولما تولى محمد بن عبد الرحمن المستكفي بالأندلس، وذلك سنة (٤١٤هـ) وزر له رجل حائك، يعرف بأحمد بن خالد، وهو كان المدير لأمره. والمدير لدولته، وأردئ بدولة يديرها حائك؛ ولم يزل كذلك إلى أن خلع وقتل وزير المذكور في داره، فقد دخل عليه أهل قرطبة نهاراً فتولوه بالحديد إلى أن برد.
ثم قال نعمة الله الموسوي: (وأما الذي صنعوه إلى مريم. إنما كان من نقصان عقولهم، كما قال - ع - (وهو الإمام موسى بن جعفر كما ذكر هو في ص ١٥٩). عقل أربعين معلماً عقل حائك، وعقل امرأة، والمرأة
стр. 5847
لا عقل لها، وفي الحديث: (لا تستشيروا المعلمين ولا الحوكة، فأن الله سلبهم عقولهم) وفي القاموس بمادة (درز): (وأولاد درزة: السفلة والخياطون والحاكة) وفي أساس البلاغة: (وهم أولاد درزة للسفلة والخياطين. قال حبيب ابن جدرة الهلالي:
يا با حسين والجديد إلى بلى ... أولاد درزة أسلموك وطاروا
يريد زيد بن علي - رض -، وقال محمد بن يزيد المبرد: (وقال حبيب ابن جدرة) بالتحريك (ويقال جدرة بالضم وهي السلعة) الهلالي وهو من الخوارج يعني زيد بن علي:
يا با حسين لو شراة عصابة ... صبحوك كان لوردهم إصدار
يا با حسين والجديد إلى بلى ... أولاد درزة أسلموك وطاروا
تقول العرب للسفلة والسقاط: (أولاد درزة). وقال أبو هلال العسكري (وابن درزة: السفلة الساقط. قال الشاعر: (أولاد درزة أسموك وطاروا) ولم يذكروا الحاكة. أما صاحب القاموس فقد ادخل الحاكة في السفلة ولو كانوا علموا بذلك لسرقوا قاموسه وعدمناه.
وأني كثيراً ما جالست الحوكة، فرأيت أغلبهم مغتابين، طعانين، قليلي العقول، قبحاء الكلام، يتنابزون بالألقاب، ويتقاذعون بفاحش الأقوال، ويتلاحون برديء المزاح، ويتناقصون في الحياء. واعرف واحداً منهم يقوم بالفروض الدينية حق القيام، لكنه وقاع في الناس، بهات لهم، حسود، عنود، يتكلم على صاحبات المحوكات والنسائج (كالفوط) بالفشار، والقذع، وطالما ذكر لي انه لم يبلغ مكسبه وقتاً من مائة ربية، بل ما أمسكت يداه مائة ربيه ولو أمانة.
وان ما قدمناه من الأخبار في الحوكة والحياكة، يجب أن يكون مقيداً بزمان مخصوص أو إنسان مخصوص أو بكليهما، لان إطلاق الحكم في مثل هذه الأمور لا يجوز شرعاً،
стр. 5848
ولا نقلا. ولا عقلا. فان النهي عن الحياكة إماتة لها، وإماتتها تعطيل للصناعات، وإعدام للحاجات، ولا يأتي إصلاح الدين من حيث الإفساد بل تنقض دعوى من رجح التعميم، بان كثيراً من الحوكة أثروا إثراءً فاحشاً وكثيراً أذواء دين متين وبصيرة منيرة.
وورد في معجم ما استجعم (ص ١٦) لأبي عبيد البكري - كما في (١: ١٨٩) من خزانة الأدب - في الكلام على جزيرة العرب، عندما ذكر تفرق كلمة العرب ووقوع الحرب بينهم، وتشتتهم، ألا تزيد تنوخ، وهي تزيد قضاعة، قال: (وخرجت فرقة من بني حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة ورئيسهم عمرو بن مالك التزيدي، فنزلوا (عبقر) من أرض الجزيرة، فنسج نساؤهم الصوف وعملوا منه الزرابي، فهي التي يقال لها (العبقرية) وعملوا البرود، وهي التي يقال لها (التزيدية) وأغارت عليهم الترك، فأصابتهم وسبت منهم، فذلك قول عمرو بن مالك بن زهير:
ألا لله ليل لم أنمه ... على ذات الحصاب مجنبينا
واقبل الحارث بن قرد البهرائي. . . ومضت بهراء حتى لحقت بالترك. فهزموهم واستنقذوا ما بأيديهم من بني تزيد) والله اعلم بصحة هذه الغزوة وروى أبو مخنف في
أخبار ما قبل أيام الجمل. قال: (بعث علي - ع - من الربذة. . . عبد الله بن عباس، ومحمد بن أبي بكر إلى أبي موسى الأشعري، وكتب معهما: (من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى عبد الله بن قيس. أما بعد يا ابن الحائك، يا عاض. . . أبيه فوالله أني كنت لأرى أن بعدك من هذا الأمر -
стр. 5849
الذي لم يجعلك الله له أهلا، ولا جعل لك فيه نصيباً - سيمنعك من رد أمري والانتزاء علي، وقد بعثت إليك ابن عباس، وابن أبي بكر، فخلهما والمصر وأهله، واعتزل عملنا مذؤوماً، مدحوراً. فان فعلت وإلا فأني أمرتهما أن ينابذاك على سواء. إن الله لا يهدي كيد الخائنين، فإذا ظهرا عليك قطعاك أرباً أربأ. والسلام على من شكر النعمة، ووفى بالبيعة، وعمل برجاء العاقبة).
وإنما قال له: (يا ابن الحائك) لأنه من قبيلة (أشعر) اليمانية، واليمانون يعيرون بالحياكة، كما تقدم من بحثتا. والله المعين.
مصطفى جواد
الأعمال
خلوا المقال وقدموا الأعمالا ... وتعجلوا لعراقنا استقلالا
وتبصروا غيث الأمور لتأمنوا ... خسرانها وتؤكدوا الآمالا
وامشوا إلى غر الفضائل حزماً ... وتجنبوا التبنيس والأقلالا
يا أيها النشء الكرام عليكم ... يبني العراق العلم والأفعالا
أن العراق بلادكم ومهادكم ... فاستنقذوه وحسنوا الأحوالا
وتعاونوا وتكاتفوا وتقدموا ... ليذوق أعداء العراق وبالا
وخذوا الإخاء شعاركم وتحصنوا ... بالحق واتخذوا النجاح مآلا
وإلى الشجاعة والأباء تساندوا ... أن المحرر لا يخاف قتالا
مصطفى جواد
стр. 5850
صاحب رحلة أول شرقي إلى أميركة
أول شرقي (عراقي) إلى أميركة
(تتمة)
بيت الحلبي من بيت صاحب الرحلة
يقفنا القس نصري في كتابه (٢: ٣٥٩) على اصل بين الحلبي وسبب تسميته في قوله:
(وكان للخوري إيليا (صاحب الرحلة) ابن أخ يدعى اسحق فقصد هذا عمه إلى رومية فأجلسه في إحدى مدارس أوربة الشهيرة فنجح اسحق وصار ترجماناً لسفارة دولة إسبانياً في رومية ونال رتباً جليلة، ثم عاد إلى الموصل بعد أن حج إلى القدس الشريف، ولما رأى أن عائلته قد قرضت تزوج بمريم من بيت طربوش التي كانت أختها زوجة عيسى الرسام، ثم قصد حلب بآله، ومن ثم يعرف وصفه بآل بيت الحلبي.) ١هـ
بيت الحلبي في الموصل
وقال القس نصري (٢: ٣٦٠): (وولد لأسحق ابن سماه الياس باسم عمه الخوري ايليا وابن آخر سماه يوسف. وهذان عادا إلى الموصل في أثناء عود الحاج باشا حسين باشا من آل عبد الجليل من مأموريته في حلب إلى الموصل إذ اختار الياس الحلبي المذكور صرافاً واشتريا البيت المعروف إلى يومنا هذا ببيت الحلبي وتناسبا مع بيت الرسام، فسعيا في نشر الكثلكة) أهـ. وروى القس انعامات الكرسي الرسولي على هذا البيت ووفاة جدهم اسحق وهو مسافر بحراً إلى أوربا على ما نقل.
стр. 5851
وذكر القس نصري مرراً بيت الحلبي منتصراً للعقيدة الكاثوليكية وموالياً للأباء الدمنكيين من ذلك ذكره لالياس (٢: ٣٧٢) رئيساً لأحد حزبي الطائفة وكانت قد انقسمت بعضها على بعض لأمور طقسية وأمثالها.
وذكرت الياس رحلة سيستيني في سنة ١٧٨١ (ص ١٤٢) صيرفياً عند والي الموصل سليمان باشا الذي هو من أسرة موصلية (ص ١٤٦) (قلت: وهي أسرة عبد الجليل) وقالت الرحلة (١٤٥): ودعانا الصيرفي الياس إلى غداء الظهر لكنا رجحنا العشاء عنده. ثم قالت
(ص ١٤٦): (وكان عشاؤنا عند الصيرفي الياس ومسكنه دار أنيقة مرتبة وفقاً لذوق أهل ديار بكر، فكانت لنا فرصة نرى فيها النساء داخل بيتهن). ثم وف لبسهن ووضعهن، ثم قال (ص ١٤٧): (إن أسرة السنيور الياس حلبية كاثوليكية وهو يتكلم الإيطالية. وله صلة متينة بالمرسلين (الدمنكيين، وكان قد ذكرهم) وكان العشاء على غاية ما يرام من خدمة ومأكل). أهـ
وقال (هويل) في رحلته (ص ٥٣) ما تعريبه:
(وغادرنا قره قوش في ٢ نيسان (١٧٨٨) صباحاً في الساعة السادسة فوصلنا إلى الموصل نحو الساعة التاسعة. . .
فبلغ الخواجا الياس - وهو تاجر قديم ارمني (وهم في ذلك فأنه كلداني) - خبر قدوم ثلاثة رجال أفاضل من الإنكليز، فدعانا أن نذهب عليه وأوفد إلينا خيلا لهذا الغرض فوجدناه في دار بنيت حديثاً وهي نظيفة أنيقة وألم تكن موافقة للذوق الأوربي. . .
وفي ٥ نيسان بدأت أخاف أن الدار التي ابتناها حديثاً الخواجا الياس والتي نسكنها تزيد مرض الميجر كا كلود وكان لا يزال متوعكا.
وفي ٦ نيسان استأذنا مضيفنا المحبوب الخواجا الياس وغادرنا الموصل. . .) أهـ وللبطريرك يوحنا هرمز المتوفى في سنة ١٨٤٠ ترجمة لنفسه وقد نقلت
стр. 5852
إلى الإنكليزية في كتاب المرسل البروتستاني بادجر المسمى (النساطرة وكتب طقوسهم. . .) (١: ١٥٥) وفيها ذكر الياس الحلبي.
وفي كتاب الآثار الجلية في الحوادث الأرضية لياسين بن خير الله العمري الذي كانت ولادته في سنة ١١٥٨هـ (١٧٤٥م) تهكم لصاحبه (بيوسف الحلبي التاجر) وغيره مع استهزاء وتنديد وقذف اليم في أخبار سنة ١١٩٢هـ (١٧٧٩م) وسبب ذلك اختلاف الكلدان بينهم لأمور طقسية وغيرها خاصة بهم وسعي يوسف في تأييد الحزب المسمى حزب المسيحيين. وفي ذخيرة الأذهان للقس نصري في جزءه الثاني عن هذا الاختلاف.
وفي خزانة ديوان الهند (فهرستها ص ٢١١ عدد ٧٣٠) نسخة من كتاب يتضمن (علم المعرفة الحقيقة. . .) تعريباً من السريانية للراهب السرياني عبد النور الامدي وفي آخر النسخة قوله: (وقد اهتم بكتابة هذه النسخة الأخ المكرم. . . والمسيحي القاثوليقي. . .
الخواجا المبجل القاروي (كذا) الممثل الخواجا جرجيس بن المومن المرحوم الخواجا يوسف الحلبي. . . وقد صار تحريره بيد الضعيف شماس ايليا بن قسيس عبد الأحد الموصلي سنة ١٨٢١ في أوائل شهر آذار (الموافقة) هاجرية (كذا) ١٢٣٦) أهـ
بيت صاحب الرحلة بغدادي الأصل
رأينا في ما ذكره القس نصري أن صاحب الرحلة من نسل البطاركة النساطرة والعشيرة الأبوية وسيبين من نصوص أوردها بشأن نصوص صاحب الرحلة صحة ذلك. أما قول القس عنه انه من نسل البطاركة فهو يريد من نسل بيتهم إذ أن البطاركة لا يتزوجون.
стр. 5853
وقال القس (٢: ٣٥٨ح): (إن العائلة الأبوية كانت قاطنة بغداد قبل انتقالها إلى تلحش والقوش) وقال (٢: ٨٢): (وكان بطاركة المشارقة بعد الغوائل والحروب التي ثارت في المشرق قد هجروا بغداد وأقام ما يابالاها كرسيه في دير ما يوحنا الذي عمره في مراغة. وبعد خراب الدير اخذوا ينتقلون من مكان إلى مكان إلى أن وصلوا إلى بلاد ما بين النهرين. وأقام بعضهم في دير الربان هرمزد وبعضهم في الموصل وغيرهم في دير ماراوجين. . .) أهـ
وإذ قال يابالاها الذي عمر دير مار يوحنا في مراغة، فهو أذن يابالاها الثالث المتوفى في سنة ١٣١٧م وترجمته في كتاب أخبار فطاركة كرسي المشرق من كتاب المجدل المطبوع في رومة في سنة ١٨٩٦ (٢: ١٢٢).
وقال القس نصري (٢: ٧٥): (خلف يابالاها في الرئاسة العليا على النساطرة طيماثاوس. . . ولما توفي يابالاها اختير طيماثاوس بعد أن فرغ الكرسي ثلاثة اشهر ونودي به جاثليقا سنة ١٣١٨م وهو الثاني بهذه الاسم). أهـ
وقال القس أيضاً (٢: ٨٣): (المراد بعشيرة الأب (العائلة) أو السلالة التي كان يخرج منها الجاثليق أو البطريرك أبو الآباء للطائفة النسطورية. . . وأول من سيم جاثليقاً من هذه العائلة هو طيماثاوس خليفة يابالاها اليغوري وكان خلفاؤه أيضاً من قرابته العمومية إلى زمان شمعون المعروف بالباصيدي الذي جلس ١٤٨٠. وسن شمعون الباصيدي هذه العادة بنوع قطعي. . . فعين شمعون المذكور أول مرة خلفاً له من عشيرته وأسامه رئيس أساقفة لكي يتخلفه بعد موته. وقد حذا حذوه كل الجثالقة الذين خلفوه.) أهـ
وقال أيضاً (٢: ٨٤): (واقر الجثاقة المشارقة كرسيهم بعد أن رحلوا من بغداد في مراكز شتى ولو كانوا يعودون أحياناً إليها. . . وأخيراً أتوا القوش نحو سنة ١٤٣٦. وبعد مبادئ الجيل (القرن) السادس عشر كانوا يقيمون غالباً في دير مار هرمزد القريب من القوش. . .) أهـ
وراح القس نصري يروي (٢: ٨٨ و١٤٨ و١٥٠ و١٥٣ و١٧٦ و١٨٦
стр. 5854
و١٩٤) تبوءوا أبناء هذا البيت للكرسي البطريركي وأنبأنا بأخبارهم حتى أتى إلى زمن صاحب الرحلة ووفاة ايليا الثامن نسطوريا في ٨ حزيران سنة ١٦٦٠ وهو عم صاحب الرحلة، ثم ذكر (٢: ٢٢٣) البطريرك الذي قام مقامه من هذا البيت أيضاً.
ويا ليت القس مصري صرح بمصدره في بغدادية هذا البيت.
стр. 5855
ذكر القسيس في رحلة الأب جوزية (يوسف)
وبعد أن بحثت عن صاحب الرحلة في كتب مطبوعة في عصرنا الحاضر وفي ما استخرج من كتاب - أو كتابين - طبعه صاحب الرحلة المار الذكر أرى أن نستطلع كاتباً معاصراً له شافهه فدون بحثاً عنه في كتابين كان طبعهما في زمن كان كل منهما في قيد الحياة.
رحل من رومة الأب جوزيه دي سانتا ماريا من الأباء الكرمليين الحفاة (الذي سقف بعدئذ فعاد إليه اسم بيته سبستياني) قاصداً بلاد ملبار في الهند في سنة ١٦٥٦ وعاد منها فاجتاز ببغداد فقدم إلى رومة في سنة ١٦٥٩ فكتب رحلته الأولى وقد جاءت فيها (الص ٢٤١) السطور التالية وهذا تعريبها عن الأصل الإيطالي:
(وهذا ما حملني على ترك طريق ما بين النهرين وعلى السير مع دليل البر برفقة الجند ومملوكين اثنين وقسيس اسمه الياس كان نسطورياً ثم تكثلك وهو ابن أخي البطريرك لهذه الطائفة النسطورية. وكان القسيس يقصد السفر إلى رومة تبركا) أهـ.
وفي الطريق قبل وصولهم إلى حلب ذكره الأب جوزيه في سياق الكلام (الص ٢٤٤ و٢٤٨) وليس في ذلك كبير أمر وعاد إلى ذكره (الص ٢٧٥) فقال:
стр. 5856
(وكان القسيس الياس من جملة الفقراء على مائدة قداسة يوم خميس الفصح وقد تأثر جداً من هذا المثال لنائب المسيح، وقال انه يريد أن يذيع خبر هذا العمل بين هراقطة بلاده
جميعهم وينقله أيضاً إلى البطريك عمه. ونال القسيس لأخيه عبد المسيح اركدياقونية كنيسة بغداد وحظي أيضاً بمعاونة نقدية إلى بيته من المجمع المقدس) أهـ.
стр. 5857
وقفل الأب - وقد صار أسقفاً - راجعاً إلى الهند في سنة ١٦٦٠ عن طريق الموصل، وعند قدومه إليها روى لنا ملاقاته أخاً للقسيس، وهذا
стр. 5858
ما دونه في رحلته الثانية (ص ٢٢ - ٢٣):
(. . . وقدم إلينا الأخ الصغير للقسيس الياس بعض المبردات. وكان القسيس قد رحل معي قبلا من بغداد إلى حلب وكنت أعنته في رومة إعانة جزيلة وأراد أخو القسيس أن يذهب بنا إلى مكان قريب واقع في جبال الكرد يسمى القوش (وهو وطن النبي ناحوم المسمى الكشكو بقصد زيارة ابن عمه بطريرك النساطرة وهو خلف لسلف عمه المتوفى في ضلاله قبل في مدة قصيرة. وكانت وفاته بعد أن كان قد بلغ من العمر عتياً. ولم يكن قد انثنى عن زيغه وان كان القسيس الياس بعد رجوعه من رومة قد أقنعه بغلطه وحرضه على الخضوع للحبر الأعظم وكان تحرضه بلا جدوى لخوفه الذي لا معنى له من قول القائلين انه إفرنجي. وكان عمر البطريرك الجديد - وهو ابن عم
стр. 5859
القسيس - أربع عشرة سنة وقد سقف قبل سنة ذلك بسنةكهن بعد أن كان راهباً في رهبانية باسيليوس سنتين. فهكذا يكون مجرى الأمور حينما تقلد المراتب الكنسية بالوراثة لأسرة واحدة حيث لا يحفظ الإيمان خالصاً من الشوائب. وكان يؤمل عبد الله أخو القسيس أن زيارتي للبطريرك ابن عمه تحركه على الطاعة الواجبة للحبر الأعظم. ونما أني كنت في كل دقيقة أترقب السفر أبيت الذهاب إلى القوش. وفضلا عن هذه الحال فأن الأب جيو تاديو كان مريضاً مرضاً عضالاً؛ فلم يسعني أن اتركه وحيداً.) أهـ
غادر الأسقف الكرملي الموصل منحدراً كاسكاً على دجلة إلى بغداد فقص علينا ما يلي (ص ٢٥):
(عند قدومي إلى بغداد رأيت على ضفة دجلة القسيس الياس وكان ينتظرني هناك كل يوم إذ قد بلغة الخبر بسفري إلى هنا. وبمعاونته ومعاونه الآباء المذكورين قبيل هذا (أي الكبوشيين) ركبت دانقاً ووجهتي البصرة. . .) أهـ
стр. 5860
ومن هناك أبحر إلى الهند زائرها الكرملي، ثم قدم منها عائداً إلى البصرة في سنة ١٦٦٤
وصعد دجلة ثم قال (ص ٢٢٧): (وصلت إلى بغداد فرأيت فيها قافلة كبيرة على وشك السفر، ومن المسافرين معها أخوان اثنان للقسيس الياس، وقد سبق ذكري إياه غير مرة فراقتني الفرصة في ما يخص بالرحلة ولا سيما السرعة في الرحيل لأني كنت ألاحظ جداً حلول زمن البرد والأمطار فصممت على أن أواصل المسير حالا. . .) أهـ
وقال صاحب الرحلة (ص ٢٢٨) - وهو يسير بين بغداد والموصل - (إنه كان يظن أن عبد الله أخا القسيس الياس يعرف شيئاً من الإيطالية وقد بان له أن ما يحسنه لا يزيد على كلمتين). دعنا نرى أخيراً زائر الهند في حلب متخلياً من وعثاء السفر في هذه البلاد الشاسعة. وهذا ما قاله حين سفره من الموصل إلى حلب الشهباء (ص ٢٣٠):
(بقي في نينوى عبد المسيح الأخ الكبير للقسيس الياس ورافقنا الأخ الصغير واسمه عبد الله فأشار علينا أن نأخذ معنا زقاً خمراً فحملناه معنا في كيس. . . ولقد أفادنا لأننا كنا نقاسي البرد أناء الليل.) أهـ
وآخر عهدنا بالخوري صاحب الرحلة في سنة ١٦٩٢ على ما جاء في الكتاب الموصوف في المشرق وفي سنة ١٦٩٣ على ما جاء في الكتاب الذي ذكره القس نصري إذا صح قوله. وأملي أن يرى المتتبع شيئاً عن هذا الرحالة الباسل وبيته في مدونات ذلك الزمن الغابر فيكشف لنا غطاء آخر عن أمره المنسي أجيالاً.
في ٢٥ نيسان ١٩٣١:
يعقوب نعوم سركيس
مطالعة
رأينا في الرحلة أن لصاحبها ابن أخ اسمه يونان وفي ذخيرة الأذهان
стр. 5861
للقس نصري أن له ابن أخ اسمه اسحق نشأ منه البيت الذي سمي بيت الحلبي ولم يذكر الكتابان اسم والد يونان واسحق إنما رأينا في رحلة الكرملي أن لصاحب الرحلة أخوين، كبيرهما اسمه عبد المسيح والآخر اسمه عبد الله لكنا لا نزال نجهل أيهما والد اسحق. هذا أن لم يكن اسحق ابناً لأخ ثالث غيرهما.
وأما ما سمعه القس نصري فرواه (٢: ٣٥٨ح) بقوله: (روي انه كان يوماً ثلاثة اخوة من العائلة الأبوية. . . وان الأخ الأصغر هو جد بيت آل الحلبي. ولعله كان يدعى اسحق
الذي اسحق جدهم الآخر. . .) فانه غير صحيح وسبب ذلك انه كان قد قال - كما رأينا - (٢: ٣٥٩) أن اسحق الذي نشأ منه بيت الحلبي هو ابن أخي صاحب الرحلة. وإذ قد أرانا صاحبها فيها أن اسم والده هو حنا، فجد اسحق الذي قال عنه القس نصري انه جد بيت الحلبي يجب أن يكون حنا وليس اسحق. وإذا كان فيهم من هو بهذا الاسم فهو ابعد من هذا الحد.
حديقة النصائح
حديقتي جميلة إذ بها ... قد غرست أعلى شؤون الحياة
وصية فيها لأهل الحجا ... تهدي الآلي حياتهم كالممات
ونصها يا قوم إخلاصكم ... ينقذكم حقاً ويوهي الطغاة
جنيتم الأثمار من دون أن ... تحموا البساتين وترووا النبات
إن يبست أشجاركم فاعلموا ... بأنكم لم تعملوا بالوصاة
هذا هو الورد ذابل ... قد لازمته البلابل
ما أمرها بغريب ... فكم هوت في الحبائل
وان دهري عجيب ... بأتي بحق وباطل
يا عندليباً لم يزل شادياً ... على أناس لم يؤدوا الفروض
أغرك الورد الذي حولهم؟ ... فأنه ذاو ومأوى البعوض
تنح فالبوم أتى دورها ... باطلها لا يعتريه الغموض
وقف على غصنك حراً ولا ... ترض عصاً قد فسدتهم الرضوض
فان تغريدك لا ينبغي ... إلا لقوم إربهم في النهوض
م. جواد
стр. 5862
أصل اليزيدية وتاريخهم
٤ - أخلاف عدي
جمود العصور التالية:
لم تقف العصور الإسلامية التالية لعدي بن مسافر في جمودها عند أخلافه وحدهم، بل نراها - على اختلاف نزعاتها - قد اكتسبت أوضاعاً خاصة، وأشكالا معروفة من الجمود لم تخرج بها عن التقليد في كل شيء.
ولم يكتفوا بتقليد الرأي، بل صاروا يقلدون الغير في العمل؛ فعقمت العصور المذكورة عن أن تلد إلا أفذاذا قليلين، لم يتمكنوا من أن يحركوا هذا الجماد، بل الصخرة الصماء.
اشتغلوا بالعجائب، ونسبوا الخوارق لمقلديهم، ونقلوا عنهم لينالوا مكانتهم و (بهجة الأسرار) و (جامع كرامات الأولياء) و (القلائد) و (الكواكب الدرية) وغيرها من كتب مشحونة أمثال ذلك؛ فنقلت أموراً خارقة عن عدي. وهي لمن وسم بالعلو والمشيخة، بحيث لا يدعنا ذاك أن نستغرب ما يقال عن اليزيدية. فإذا كان أولئك لم يدركوا حقيقة طرائق القوم. فمن الأولى أن لا يدركها أميون، يقضي محيطهم، وتدعو بيئتهم قسراً إلى أن يلازموا تلك الأمية الموافقة، أو المقاربة للامية. ولعلها السبب في تحريم القراءة والكتابة.
ولا عجب أن يدخل الغلو بين ظهرانيهم، وقد دب بين جماعاتنا قبلهم، أو بصورة مساوقة. ومنشأ ذلك الجمود العام. فلا يوجه اللوم إلى صنف دون نف. اللهم إلا تفاوتاً في الدرجات، (ظلمات بعضها فوق بعض) فعلة الجمود وبيلة استولت على الكل فلم يسلم منها قوم أو مذهب، وهي منشأ الغلو الأخير.
وعلى كل حال أن الجمود في التصوف خاصة، كان متأخراً عن الفقه، والكلام، واللغة. وذلك لان ظهوره كان متأخراً لما شعر الناس بالحاجة إليه. ثم ناله ما نال غيره.
стр. 5863
أخلاف عدي وإمامتهم:
قبل أن يستولي الجمود التام على أهل هذه الطريقة، خلف عدياً جماعة، قاموا مقامه، وتأثروا بمبدئه؛ وكانوا ممن يصلح للإرشاد، بخلاف ما هم عليه اليوم، فان الإمامة صارت
اليوم ارثية، وشملت الولاية الدينية والمدنية. يعتقد القوم في أمرائهم الرياسة العامة، ويعتبرونهم كأئمة، وهذه الرياسة أشبه بالخلافة والإمامة عند سائر الفرق الإسلامية، وقد حصل أميرهم سعيد بك ابن علي بك في هذه الأيام على تولية أوقاف الشيخ عدي وأقرنت بالإرادة الملكية المطاعة بتاريخ ١٥ آذار سنة ١٩٣١ الموافق ٦ ذي القعدة سنة ١٣٤٩ (راجع العدد ٩٦٤) بتاريخ ٢ نيسان سنة ١٩٣١ من الوقائع العراقية). وذلك بعد منازعة وقعت بينه وبين إسماعيل بك من أمرائهم أيضاً. وقد أوضح صاحب تاريخ الموصل الفاضل سليمان الصائغ هذه الرياسة، ولكنه أكب الإمارة شكلا والرياسة الدينية شكلا آخر؛ والصحيح أنهما في واحد ولكنها على ما يظهر تخويل في بادئ الأمر فانحصرت في بيت وهذا نص ما قاله بحروفه:
(يرأس الأمة اليزيدية جمعاء، أمير من شيعتهم، يسمونه أمير الشيخان الواقعة في شمال شرقي الموصل، على مسافة ٤٥ كيلو متراً، وأهم قرى الشيخان؛ قرية بيت عذري، الشهيرة في تاريخ الكلدان، حيث يقيم أميرهم. ولهذا الأمير سلطة مطلقة على اليزيدية، وتحت أمره أمراء ثانويون، يخضعون له، ويبلغون أوامره إلى جميع النواحي، ورئيسهم الديني الأعلى، هو الشيخ الأكبر، ويدعونه (بابا شيخ) وتحت يده جملة من الشيوخ يتلقون أوامره في متعلقات الدين، ينفذونها في الشعب كل في مركزه وناحيته وللشيخ الأكبر فقط حق التشريع في الأمور الدينية كتحديد الصوم والصلوات والتحريم إلى غير ذلك (كذا). ومن يتعد على أوامر الأمير الأكبر أو الشيخ الأكبر، يعرض نفسه إلى اشد القصاصات، وهو استباحة بيته وأمواله. وهاتان الرتبتان: الإمارة والمشيخة محصورتان في عائلتين، يتقلدها السلف عن
стр. 5864
الخلف أهـ
١ - أبو البركات صخر بن صخر:
هذا هو ابن عدي بن مسافر، وفي اكثر المواطن يذكر بكنتيه إلا في صحيفة ١١ من البهجة فأنه ذكر باسمه صخر، وكذا صاحب القلائد ذكره باسمه وافي جبال هكار، حيث كان يسكن عمه وتعرف به، فأوضح له درجة قرابته منه. جاءه من المواطن الذي ولد فيه عدي. وهو بيت فأر من أرض بقاع العزيز. في سفح جبل لبنان (راجع ص ٢١٥ و٢١٧ من البهجة).
ولما تحقق منه الصلاح والتقوى. والمقدرة على الإرشاد. قال: أبو البركات يخلفني (٢١٥
منها). وهذه الإشارة كانت السبب لانتقال الإمارة والإمامة معاً إلى أولاده وحفدته. ومثل هذه الأمور لا تحتاج إلى سبب قوي ولا إلى ن صريح. والعمدة التأكيد والوثوق من الأمر. أما اليوم فالأهلية التي توسمها الشيخ عدي لا تراعي البتة. ولعل هذا هو العامل المهم لضياع طريقة الشيخ بتولي إخلاف أضاعوا طريقته وأثروا في التغيير، إما لجهل وأما لتقوية الخلاف وحفظاً لإثبات شخصية بارزة.
تمكن هذا وأمثاله من تثبيت العقيدة والطريقة وتمكينهما، فأذعن لهم القوم وبدا لهم صلاحهم على تتالي الأيام. وهذا يعد عاملا آخر لاعتبار الوراثة في الولاية وعلى هذا جرى اليزيدية إلى الآن.
ما قيل عنه:
هو من إجلاء مشايخ المشرق، ونبلاء العارفين، وأركان هذا الشأن، وأئمة الدعاة إليه، واعيان العلماء بسبله علماً وعملا، وزهداً وتحقيقاً، صحب
стр. 5865
عمه وهاجر إليه، وإليه كان ينتمي وخلفه - بعد وفاته - في المشيخة بزاويته في لالش بجل هكار. وكان عمه يثني عليه ويقدمه. ويعد من إبدال الدهر.
لقي غير واحد من المشايخ، وانتهت إليه رياسة هذا الأمر في وقته، في تربية المريدين السالكين، وكشف مشكلات احوالهم، وتبيين مهمات أمورهم وتخرج عليه غير واحد من الصلحاء.) أهـ (البهجة ص ٢١٥ والقلائد ص ١٠٦ و١٠٧).
وزادوا، انه أحد من أظهره الله تعالى إلى الوجود. وصرفه في الكون، وملكه الأسرار ومكنه من الأحوال، وظهر على يديه الخوارق، وانطقه بالمغيبات. إلى آخر ما هنالك.
ومن ثم لا يلام هؤلاء اليزيدية إذا اعتقدوا اكبر منها ونسبوا التصرفات الأخرى والخوارق الواسعة النطاق.
صفته:
قال في البهجة: (كان كامل الآداب، حسن الأخلاق، ظريف الشمائل، ذا سمت وبهاء، وصمت وحياء، محباً لأهل الدين، مكرماً لأهل العلم، وافر العقل، كثير الكرم، شديد التواضع. . .) أهـ وقد حكى في البهجة حادثة زواجه، فلا نرى فائدة في ذكرها.
اعتقاده:
وله أقوال في التنزيه والصفات قال:
١ - من رأيته يدعي مع الله حالا أو مقاماً، وهو يجوز في اعتقاده على الله تشبيهاً أو تمثيلا، أو تحديداً، فاعلم انه كاذب.
٢ - كما أن الله تعالى لا يجوز في حقه تحديد، ولا تشبيه، كذلك صفاته ولو لم يرد الشرع بذلك، لكان العقل يوجبه بالضرورة وينفي ما سواه.
٣ - كما أن الزيادة على الحق كفر، كذلك النقص منه، وكما أن التشبيه جحود، كذلك التعطيل، وكما أن الزيادة على معالم السنة بدعة.
كذلك التأويل في صفات الله سبحانه، إلا بما ورد به النص أو الجأ إليه البرهان.
стр. 5866
٤ - العروة الوثقى الوقوف عندما جاء الله تعالى ورسوله (ص) من غير زيادة ولا نقص.
وقد اجمل ذلك بقوله: وما رأيت أحداً من المشايخ الذين يقتدي بهم إلا على هذا السبيل. (البهجة ٢١٥)
كلامه على لسان أهل الحقائق:
للصوفية درر كلمات هي العمدة في السلوك، والمعول عليها في مناهج الحياة، وقد يكون القول الواحد صالحاً لان يسلك المرء بموجبه. وقد قصر هؤلاء حياتهم على النظر في الحكمة من طريق العزلة والانقطاع. ولا يعول على سند صحيح وصل إلينا عنهم أقوى من الحكم التي نطقوا بها، فهو نتائج تجاربهم ومجاهداتهم، وملخص آدابهم، وصفوة طريقتهم. وكل أحد يؤخذ بقوله ويرد إلا الأنبياء (ع). وإليك أيها القارئ اشهر أقوال المترجم على لسان أهل الحقائق:
١ - من سكر بكأس المحبة، لا يصحو إلا بمشاهدة محبوبه، فان السكر ليلة صباحه المشاهدة، كما أن الصدق ثمرها المجاهدة.
٢ - أصول المحبة في ثلاثة أشياء (كذا في القلائد، وفي البهجة أصول الأصول في ثلاثة): الوفاء، والأدب، والمروءة. فالوفاء انفراد القلب بفردانيته والثبات على مشاهدته والمؤانسة بنور أزليته. وأما الأدب، فمراعاة الخطرات، وحفظ الاوقات، والانقطاع عن
المقاطعات. وأما المروءة، فالقيام على الذكر بالصفاء قولا وفعلا، والسر عن الأغيار ظاهراً وباطناً، وحفظ الأوقات لرعاية ما هو آت، واستدراك الأوقات، فإذا وجدت هذه الخصال في العبد، وجد لذة الوصال، وخاف حرقة البين، وهاج في سره نار الاشتياق.
٣ - إذا احكم العبد أساسه في الرضا، وصل إلى درجات المقربين.
٤ - براهينه:
أ - برهان العابدين زكاة أعمالهم.
ب - وبرهان العارفين صفاء أحوالهم.
ج - وبرهان المحبين بقاء أنفاسهم.
стр. 5867
د - وبرهان العالمين نشر عجائب قدرة في أسرارهم.
هـ - وبرهان المقربين إجابة الأكوان لدعائهم بأخبارهم عن مولاهم.
٥ - المحبة: وله، وسكر، وخمود، وذكر، واستغراق، وفكر، وحيرة، وذعر فمن ادعى المحبة فبرهانه نضح الفؤاد، وتقطيع الأكباد، وإعدام الأشباح، وبذل الأرواح. . .
٦ - القلب الجزوع، هلوع، والسر الممنوع فجوع.
أقواله الأخرى:
نكتفي هنا بذكر جوهرة فريدة له قال:
١ - الحق أقوى من أن يقوى باطل. (راجع. بهجة الأسرار ص ٢١٤)
وهذا القول ينبغي أن يسير بموجبه كل صاحب مبدأ، ويجعله نصب عينيه بخلاف ما نراه من أصحاب النحل، والمبادئ الأخرى، وما يتخذونه من الوسائل والدعايات وطرق نشرها، خصوصاً نسبة الخوارق والكرامات العديدة لهم للتفاخر والمزاحمة. ومن كان همه معرفة حقيقة الرجل من أقواله وآثاره فلا يعدو ذلك وينتظر ما سواه.
معاصروه والآخذون عنه:
أشهر المعاصرين الآخذين عنه:
١ - عمر بن المعدني. ٢ - الشيخ أبو محمد عبد الله الدمشقي. ٣ - أبو الفتح نصر بن رضوان بن مروان الداراني (وفي البهجة ورد نروان عوض مروان) - ٤ - علي
الحميدي الشيباني (وفي القلائد ذكر المعاصر الشيخ نصر الله بن علي الحميدي لا أبوه) - ٥ - أبو البركات بن معدان العراقي. ٦ - الشيخ أبو العشائر. - ٧ - أبو الفضل معالي بن نبهان التميمي الموصلي (البهجة والقلائد).
وفاته:
لم يعين صاحب البهجة ولا صاحب القلائد تاريخ وفاته. وإنما جاء في القلائد (ص ١٠٨) انه سكن لالش وبقي إلى أن مات بها مسناً، ودفن عند عمه وقبره بها ظاهر يزار ﵁. أهـ
стр. 5868
٢ - أبو المفاخر عدي بن أبي البركات:
وهذا أيضاً مشهور بالصلاح والتقوى كوالده واخذ عنه، وكان ممن أثنى عليه ابن تيمية. ترجمة صاحب القلائد وافرده بالذكر ونعته بقوله:
(الشيخ الأصيل. . . كان من أعيان مشايخ العراق المعتبرين، صاحب كرامات وأحوال. . . إلى أن يقول: صحب والده، واخذ عنه، ولقي غير واحد من المشايخ المشرق (رض). وانتهت إليه الرياسة في وقته في تربية المريدين، بجبل الهكار وما يليه. وتخرج بصحبته غير واحد.
وكان كريماً ظريفاً، ذا سمت وحياء، ومحباً لأهل الدين، مكرماً لأهل العلم وافر العقل، شديد التواضع، واجمع العلماء والمشايخ على تبجيله، واحترامه، وقصد بالزيارات، واشتهر ذكره في الآفاق (رض) ولم اقف على تاريخ مولده، ولا وفاته. أهـ
فيرى من هذا انه نعته بما نعت به والده. فكأنه حذا حذوه، ولم يزد عليه، أو أن ما قاله مما ينعت به أمثاله (راجع النعوت لباقي المشايخ في القلائد).
لم نتمكن من العثور على قول له. وهذا هو خاتمة أكابر الرجال من آل عدي وأقاربه. وأما من جاء بعد هؤلاء فلم يحصل على شهرتهم، ولا نال مكانتهم ولكنهم على كل حال أسسوا الزعامة لكرد تلك الأنحاء كنا تقدم بحيث لم يستطع أن يزاحمهم غيرهم. وبسبب هذا الاعتماد والوثوق، رسخت الرياسة في حفدتهم إلى يومنا هذا. وغاية ما يقال عن المترجم أن وقف عندما تلقى من اسلافه، وراعى وصاياهم بقدر ما تمكن عليه، وقد نقلت عنه
بعض الأقوال عام ٦١٨هـ.
٣ - الشيخ حسن بن أبي المفاخر عدي:
ذكره ابن تيمية في وصيته الكبرى (ج١ ص ٣٠٠) من مجموع رسائله فقال: (وفي زمن الشيخ حسن زادوا أشياء باطلة نظماً ونثراً وغلواً في الشيخ عدي وفي يزيد بأشياء مخافة لما كان عليه الشيخ عدي الكبير. . . (إلى أن قال) وابتلوا بروافض عادوهم وقتلوا الشيخ حسناً. وجرت فتن لا يحبها الله
стр. 5869
ولا رسوله. . .) أهـ
ولعله إلى هذه الفتن أشار التاريخ المجهول المنسوب للفوطي قال:
(في هذه السنة (سنة ٦٥٢هـ) جرت بين أصحاب الشيخ عدي بن مسافر وأصحاب بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل محاربة كان سببها أن بدر الدين كان كثير التثقيل على أولاد الشيخ عدي ويكلفهم مالا على وجه المساعدة فأطلقوا ألسنتهم فيه فأرسل طائفة من عسكره إليهم فقاتلوهم قالا شديداً فانهزمت الأكراد العدوية وقتل منهم جماعة كثيرة واسروا منهم جماعة فصلب بدر الدين منهم مائة وذبح مائة وأمر بتقطيع أعضاء أميرهم وتعليقها على أبواب الموصل وأرسل من نبش الشيخ عدياً من ضريحه واحرق عظامه) أهـ
ومن المستبعد أن يمون هذا الأمير هو الشيخ حسن وان كانت حوادث هذا التاريخ متسلسلة إلا انه لم يصرح باسم الأمير، لان السخاوي قال في تحفة الأحباب موافقاً لما جاء في فوات الوفيات: (وتخلف من بعده أخوه صخر (صحيحها ابن أخيه) وتفرق أولاده (أولاد ابن الأخ) في البلاد واقبل إليهم العباد فنزل منهم بالموصل الشيخ شمس الدين الحسن بن أبي المفاخر عدي بن أبي البركات. . . الملقب بتاج العارفين أبي محمد شيخ الأكراد. . . كان من رجال العالم دهاءً ورأياً وحزماً وله فضل وأدب (وزاد في الفوات: وشعر وتصانيف في التصوف) وله اتباع ومريدون يبالغون فيه، توفي شهيداً في سنة ٦٤٤هـ (قال في الفوات: خاف منه بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل فقبض عليه وحبسه ثم خنقه بوتر بقلعة الموصل خوفاً من الأكراد لأنهم يشنون الغارات على بلاده فخشي أن يأمرهم بأدنى إشارة فيخربون بلاد الموصل. وفي الأكراد طوائف إلى الآن يعتقدون أن الشيخ لا بد أن يرجع. . . وينتظرون خروجه. وما يعتقدون انه قتل. وكانت قتلته سنة ٦٤٤هـ) وله من العمر ٥٣ سنة. . .
وزاد أحمد باشا تيمور نقلا عن ذخائر القصر في تراجم نبلاء العصر (ص ٢٠) انه اختلى ست سنوات صنف فيها كتاب الجلوة لأرباب الخلوة وانشد من الشعر:
стр. 5870
وصرت فرداً بلا ثان أقوم به ... واصبح الكل والأكوان تفخر بي
وكل معناي معناها وصورتها ... كصورتي وهي تدعى ابنتي وأبي
وفيها ما يدل على الروح الصوفية وطريقة وحدة الوجود. وذكر له صاحب الفوات أبياتاً أخرى. . .
ولما كان الغلو بدأ في زمن المترجم فسندقق النظر في هذا الغلو وتطوره. ونأتي على بقية الذرية قدر ما وصل إلينا اجتهادنا.
المحامي عباس العزاوي
آداب المائدة
-
في المجتمع عادات، يتحتم علينا مراعاتها، وكثيراً ما تكون هذه العادات مخالفة لجماحنا، ونود أن نتلخص منها، إلا أنه لابد لنا من أن نذعن لها، شئنا أم أبينا، إذا أردنا أن نكون من أبناء الأدب، ولو لم يكن ثم قواعد لآداب الاجتماع، لنتج من ذلك تراخ لا يبطئ من أن يجر وراءه انحطاطاً في التفوق وتسفلا في حسن السلوك، وتدن في التهيب، وإذا كان هناك ما يزعج أذواقنا في بعض الأحيان، فالترفع عن خسائس الأمور، يمون العوض الذي لا يقدر ولا يقابل بشىء؛ ومن بعد أن مهدنا الموضوع بهذه الكلمة، نحصر كلامنا في آداب الطعام، وكيفية السلوك بموجبها.
يحسن بالإنسان، أن يجري في أكله، كما لن كان مع رفاق، وان كان يأكل في بيته، وفي دخيلته؛ لأن العادة الرديئة إذا تأصلت في النفس، يصعب على صاحبها أن يتخلص منها. ومن منا لم يشاهد حيرة رجل من أهل البادية، إذا دعي إلى وليمة؟ فأنه يشعر باضطراب في نفسه، وكأنه قد قيد بقيد؛ إذ يعلم كل العلم أن هناك عيوناً تراقبه وتترصد؛ ولا يود إلا شيئاً واحداً، هو أن ينتهي عذابه، مع أن أمر الأكل هين؛ لكن آدابه تتطلب أصولا يجب مراعاتها إذ من الضروري أن يتصرف الآكل احسن التصرف في الملعقة، والشوكة،
стр. 5871
والسكين. ويجب عليه أن يقبض بيده اليمنى على كل من الملعقة والشوكة؛ والسكين؛ اللهم إلا إذا كأن بيد الآكل لحم يقطعه، فيجب عليه حينئذ أن يدير الشوكة في اليد اليسرى، والسكين في اليد اليمنى، ثم يترك السكين، ويعود إلى اخذ الشوكة باليد اليمنى، ليضع اللقمة في الفم. وإذا كان الآكل لا يريد أن يلقي الشوكة من يده، فليدفع الأكل بالسكين، ليضعه على الشوكة التي بيده اليسرى، ويدخل اللقمة في فمه، وهذه العادة كانت جارية في شمالي أوربة فقط، أما الآن فإنها أخذت تسري وتنتشر في فرنسة، وفي غيرها من الديار المتمدنة، والإنكليز إذا احتاجوا مسح سكينهم، مسحوه بخبزهم، ولا ينكر على الغير مجاراتهم في عملهم هذا. وربات البيوت لا يشكين من هذا الأمر. وتمش الأصابع بالمشوش الذي بيد كل آكل، ولا تمش أبداً بالسفرة، ويتخذ المشوش أيضاً لمش الشفتين، ويبسط بطوله على الركبتين. وبعد نهاية الطعام يلقى إلقاءً على المائدة من غير أن يطوى أبداً، ولا يحسن
بالرجال أن يعلقوه بعروة الثوب. وبعض النساء، ولا سيما أولئك اللواتي يقطعن اللحم، يثبتنه بدبوس على أحد جانبي صدرهن.
حضرت جدة ذات يوم طعاماً، كان دعي إليه كثيرون، مختلفو الأعمار والطبقات، فتبسمت الجدة في اليوم الثاني، وتشكت من أن الناس لا يأكلون كما كانوا يأكلون (في زمانها) وقالت: (إن نفراً) فقط من المدعون احترموا العادات المقبولة، لدى الأدباء الفضلاء. - فقال لها حفيداها: (يا جدة، أننا لم نطلع على شيء يؤاخذ عليه، فعلمينا بالعجل أي شئ خالف كل مدعو آداب اللياقة، لكي نستفيد من نصائحك، ونعدك وعداً صادقاً، بأننا نحافظ على السر محافظة مطلقة - فأخذت الجدة بقول:
(مد الفاضل ع. مراراً عديدة زجاجة جارته ليطلب أن يصب لها ما تشربه، وذلك منه إفراط في اللطف، والظرف، وطلب إليها أن تقاسمه فاكهة، فهذه مباسطات سيئة الذوق؛ ويجب اجتنابها، غير انه قد يتفق أن لا تكون فاكهة صحيحة كافية لجميع المدعوين، فيجوز حينئذ لامرأة أن تقطع الثمرة قطعتين، وتقدم الأكبر منهما إلى امرأة أخرى.
стр. 5872
(ولا جرم أن الفاضل أ. ظن في نفسه أنه في خان فمسح بكل عناية زجاجته وصحنه قبل أن يستعملهما، فهذا عمل يدل على انه يتحذر من نظافة البيت وهو الذي طلب أيضاً (لحم بقر) وسماه (مسلوقاً) و (لحم دجاج) وسماه (طيراً) و (خمر شنبانية، وخمر بردو) وسماهما (شنبانية وبدرو). يا لله! ما اشد ما كان تحسري على جارات هذا المدعو المنشرح الصدر! فقد كان كثير الحركات بيديه. ويتكلم بصوت عال، وكان يدفع بمرفقيه هذا وذاك، يميناً ويساراً، وكان يدعو الخادم فيقول له: (يا صبي) وهذه كلمة لا تستعمل إلا في مطعم.)
وكانت السيدة ق. قدمت إلى الدعوى قبل الوقت بنصف ساعة، فهذا قدوم قبل الأوان بكثير والسيدة ز. جاءت متأخرة عن الوقت بعشرين دقيقة فهذا إفراط في التعوق، إذ من الحسن أن يأتي الإنسان بعشر دقائق، بل بخمس دقائق، قبل الوقت المعين في رقعة الدعوة. - ولما نهضت السيدة ب. من المائدة كان قد بقي في زجاجتها شئ من الخمر، وبجانب صحنها شيء من الخبز: فطلب المرء مأكولا، أو مشروباً، فوق ما يحتاج إليه، يعد إسرافاً وتبذيراً؛ فلا يحسن أن تكون العينان أوسع من (المعدة!).
والآنسة ف. كانت منحرفة المزاح، وكان يحسن بها أن تقرع البيضة البرشت، قرعات
صغيرة بالملعقة الصغيرة، أو بشوكتها لا بالسكين. وكان عليها أيضاً أن تسحق القيض بدل أن تبقيه على حاله. وقبل أن تنهض من المائدة غلطت في أنها طوت مشوشها، والمشوش لا يطويه إلا صاحب البيت في بيته، أو في بيت الغير، إذا كان المدعو يعود إلى البيت مراراً كثيرة، الكرة بعد الكرة.)
وكان لطالب العلم هـ. مشتهى هيجه المشي. فكان يأكل بجشع عظيم؛ ويتكلم في حين كان فنه مملوءاً طعاماً، وكان يسمع صوتاً بشفتيه. وكان على ملبوس جارته آثار قله نباهته، وقلة نظافته. وظهر لي أيضاً انه كان يتخير بدقة احسن اللقم التي كانت في الصحن الذي كان يطاف به على المدعويين. وادخل
стр. 5873
إصبعه مراراً عديدة في المملحة ليقبض منها ملحاً. وكان يحسن به أن يأخذ الملح برأس شفرة سكينه، بعد أن يكون مسحه مسحاً نعماً، إذا لم يكن وقتئذ ملعقة صغيرة.)
وكان للآنسة اللطيفة ر. هيئة بدل على تغاض، فكانت تترجح، أو تعتمد على متكأ كرسيها، وتأكل بأطراف شفتيها، كأن هذا العمل يقرب كل القرب من المادة؛ بل رأيتها مرة أو مرتين، تظهر حركات تدل على احتقار، حينما كان يقرب إليها بعض الألوان. والآداب تمنع الناس من أن يقولوا، أو يظهروا ما يجول في خاطرهم، بخصوص طعام سيئ أو لا يوافق الذوق، وقد عجبت كل العجب من أني رأيتها (تجمع) مرق صحنها بقطعة خبز، ولو كانت امتنعت من هذا الفعل، لكان ذلك أعلى قدراً لها. وما كان يجدر بها أيضاً أن تقطع خبزها بالسكين، بل بانامالها، أو أن تجذبه قطعاً ببنانها، إما إذا كان الخبز بائتاً وكان الأكل في البيت، فيجوز قطعة بالسكين.
(وكان يجمل بصديقتكما الآنسة لورة. أن يبرد حساؤها قبل أن تأكله ولا تنفخ عليه، وكذلك ما كان يحسن بها أن تمد حلوى على خبزها، إذ لا يمد على هذا النحو إلا الزبد عند شرب الشاي.)
(وكان المزارع الفاضل م. س. حائراً في أمر العظام التي كانت تتراكم في صحنه، ولا احلف بأنه كثيراً ما أراد التخلص منها بان دسها مراراً عديدة تحت المائدة. كما كان يفعل في بيته. وقد اخذ من الصحن الطعام بشوكته الخاصة به. عوض أن يأخذ منه بواسطة شوكة الصحون. وقد اخذ حساء بالملعقة والشوكة، والشوكة هنا زائدة، ووضع على المائدة
بدل زنديه طلباً لراحته، وصب من فنجانه قهوة في الصحفة بحجة تبريدها؛ وهذه عادة شائنة. وفي الآخر، قبل أن يغادر المائدة ملا جيوبه (مصقولا) و (معجنات) ولا جرم انه يعطبها ابنته الصغيرة، فهذا عمل يدل على حسن قلبه، لكنه يدل أيضاً على سوء أدب في نهاية القبح.)
وقد أنست الآنسة ج. بكسر نوى الأثمار إظهاراً لحسن أسنانها. وهذا عيب، لأنه لا يجوز كسر نواة، كما لا يجوز اخذ الخبز بالأسنان، ولا
стр. 5874
الكمثراة ولا التفاحة، وكان يجب عليها أن تستعجل قليلا في أكلها، لان صاحبة البيت انتظرت أن تفرغ من أكلها، لكي ينهض الجميع، وتعطي إشارة ترك المائدة.)
والسيدة ت. جلست إلى المائدة في محل لم يعين لها. وذهبت بعد الطعام بعشر دقائق، وهكذا أخلت بالأدب مرتين، لان صاحبة البيت هي التي تعين موطن الجلوس لكل واحد. ومن اللائق أن يبقى الإنسان لا اقل من ساعة مع المدعون قبل أن يغادر البيت).
تعريب ماركريت بشارة في مدرسة الراهبات المركزية في بغداد
برج عجيب في أدب
بينما كان المنقبون جادين في تنقيباتهم وقفوا على برج مساحته ثمانية أمتار قائم على أطلال حديثة ولا يزال شاخصاً من طبقته السفلى قدر متر ونصف؛ ولما حفروا منفذاً تحت الأرض من أحد أطرافه، وجدوا جداراً سمكه نحو متر وهو مبني معترضاً بالكلس والآجر المسنم. أما داخل، فكان مشيداً باللبن، وفي الزاوية الشرقية من دكة البرج السفلى، كان عرض الفسحة هناك مترين، وطولها ثمانية أمتار، ولم يتيسر للمنقبين أن يمعنوا في التنقيب ويدرسوا الغرض من تلك الفسحة، وكان سطحها الأعلى مغشى بطبقة من الخمر، وعندما أزالوا تلك الطبقة وجدوا تحتها شقفة صغيرة محفوراً عليها اسم بركي - ملك كيش، وأصابوا في زوايا البرج وبين أطرافه نخاريب صغاراً عماقاً متخذة من الآجر. ثم أزالوا ما فيها من الرمل المتراكم طمعاً في أن يجدوا فيها اسطوانات مكتوبة؛ فخاب أملهم، إذ لم يقفوا إلا على شقفة من إناء حجري بسيط كان في أحدها. بيد أنهم عثروا في إنقاص هذا الهيكل على آثار آخر نفيسة جداً، وكان عددها عظيماً، بحيث يقع وصفها في فصل قائم
стр. 5875
برأسه. وهذه اللقى الثمينة عرضت عن الاسطوانات المنشودة. ومما يجدر ذكره أن تمثال الملك دا أودو (داود) المعدود من اقدم التماثيل في العالم، وجد هناك فضلا عن شظايا تماثيل أخر وكانت خزانة ذلك الهيكل القديم مملوءة كنوزا تعد من انفس الآثار من تلك الآثار التي كشفت النقاب عن تاريخ هذه البلاد، وأهلت المنقب للاطلاع على صنائع سكانها الأقدمين وآدابهم وفنونهم وصنائعهم.
لم يكن البرج قائماً وحده على مصطبة الهيكل، بل وجد على جانبه كثير من المباني مشيدة بالآجر، لم تزل جدرانها منتصبة إلى علو بضع اقدام؛ ولما أزال المنقبون النفايات من الغرف، لم يجدوا أثراً ينبئهم عن الغرض من بنائها وقد ساد على ظنهم أنها بنيت في عصور متأخرة لغايات دينية.
أصاب الباحثون غرفتين في طرف مصطبة الهيكل القائم إلى جنوبي الزاوية، وكانتا من شكل وحجم واحد، وكلتاهما اتخذتا لغرض واحد في أزمنة مختلفة. ويهب معظم الأثريين إلى أن إحراق جثث الموتى لم يكن عادة شائعة عند البابليين القدماء، بيد أني اذهب إلى أن
هاتين الغرفتين اتخذتا لهذه الغاية، ولم تتخذ أبداً لإحراق جثث الحيوانات وتقديمها إلى الآلهة قرباناً وضحية على ما يزعم بعضهم.
كانت أول الغرف الخارجية قائمة الزوايا، وقيس طولها فكان ستة أمتار و ٣٠ سنتيمتراً في عرض أربعة أمتار و٢٠ سنتيمتراً. وكان عمقها تحت سطح دكة الهيكل متراً و٩ سنتيمترات، وفي داخل هذه الغرفة غرفة أخرى بيضية الشكل، وكان سمك جدارها ٦٠ سنتيمتراً، وهي مشيدة بالآجر المسنم وإلى الطرف الجنوبي الشرقي من هذه الغرفة البيضية كانت دكة اهليليجية طولها متران و ٣ سنتيمترات في عرض متر و ٧ سنتيمترات مفروشة بالآجر، وفي هذه الغرفة حفر مقيرة.
وكان متصلا بالطرف الجنوبي الشرقي غرفة مربعة وأرضها أوطأ من مستوى الدكة الاهليليجية بقليل وفيها أتون ومدخنة يؤديان إلى الدكة المذكورة. وقد دل آجرها على أن الحرارة بلغت اشدها وكانت الجثة المهيأة للإحراق تنقل إلى
стр. 5876
مسلك ضيق فتوضع على الدكة البيضية فيجتاز لهب الأتون المدخنة فتحرق الجثة وتصيرها رماداً، وكان الدخان يخرج متصاعداً من منفذ في أعلى السطح المعقود بالأجر. ورماد الجثة بعيد عن رماد الحطب، فلا يختلطان، فيرفع الأول ويوضع في قوارير كبيرة بمنزلة مدفن لها، كما ذكر في أمر الخابئتين، فإن لم يدفن الرماد بهذه الصورة يلقى حينئذ في الحفرة السفلى، فيحفظ فيها بمنزلة رفات. وقد أزال النقابون من إحدى تلك المحارق الرماد المتكدس منذ قرون.
الريازة عند الشمريين
ذهب فريق من الأثريين منذ زمن طويل إلى أن العقد والقبة مأخوذان من الرومان. ولكن عثور المنقبين على عقود كاملة البناء من الآجر المسنم في فارة. وتلو، ونفر يقضي على ذلك المذهب قضاءاً مبرماً، إذ أن الغرفة البيضية الشكل المعدة لإحراق الجثث وجدت معقودة بالآجر، ولم تزل آثارها ظاهرة للعيان حتى اليوم في هيكل بسمى. والمكشوفات التي توصل إليها علماء الآثار في بابل وقفتهم على فن هندسة البابليين القدماء، وأنبأتهم بأنهم كانوا مشغوفين ببناء العقود والقباب منذ ستة آلاف سنة كما هو العادة اليوم في بناء الدور والسردايب في العراق وفي سائر ديار الشرق.
لما نقل الحفارة، ما في حفرة المحرقة الأولى ظهر بضع قطع من التماثيل الحجرية
البيض. أما نفس ما وجد في حفرة المحرقة الثانية فرأس تمثال مصنوع من المستماز الأسود، طوله من العنق المقطوعة إلى أعلى الرأس ١٥ سنتمتراً وقد محي وجهه وملامحه بضربة أصابته من آلة قاطعة حادة ذهبت بمحاسنه، بيد أن رأسه المستدير الأصلع كان كاملا، وهذا الرأس يماثل في المادة والشكل والصناعة تماثيل جودياء في تلو (تل هوارة).
خصائص ملوك عصر الآجر المسنم
خلف ملوك عصر الهيكل المشيد بالآجر المنسم، خمسة عشر ملكاً أو اكثر وهم الملوك الذين اتخذوا في عمارتهم الآجر الرقيق المخدد المستطيل. وكان اسم أحدهم بركي، ملك كيش المار ذكره، واغلب أولئك الملوك كانوا يعيدون بناء الهيكل القديم أو يرممونه. وقد شيدوا بعض الغرف على طول الجهة الشمالية
стр. 5877
الشرقية من الدكة، وفرشوا أرضها بالآجر المخدد، وأقاموا على سطحها القني والمجاري، ورمموا ظاهر المحرقة.
واشهر الملوك الذين اهتموا بتجديد الهيكل، وعنوا بتشييد مباني أخر كان الملك علم الآجر بثلاثة أخاديد متآزية. ولم يزل اسم ذلك البناء العظيم مجهولا. إذ لم يتيسر لأحد النقابين العثور على عادية تميط اللثام عن وجه هذه المسالة.
ووجد الحفارون بالقرب من الطرف الجنوبي الشرقي من الدكة. مدخل باب غرفة قديم، وبقي منه قطعتان منحوتتان من حجر، لونهما وردي خفيف وفوقهما قائم ثغرة باب. وفي نقرة مدار الباب عضادة من خشب تدار فتتحرك وقد صنع مفصل هذا الباب (نرماذجته) بغاية الإتقان، وصقل وركب في الثغرة ولا اثر للكتابة فيه ويحتمل أنها اندرست لطول عهدها.
شرع سرجون ونرام سن في بناء الهيكل بعد البنائين الأولين، وقاما بترميمه وتوسيعه. يثبت ذلك ثبوتاً بيناً، آجر سرجون الكبير المربع، وذهب نرام سن إلى أن الترميمات التي قام بها هو وسرجون كانت طفيفة جداً، ويكاد يكون لا اثر لتجديد المباني في عصريهما، لأن الملك أور ننجور، استأصل كل ما قاما به من ترميم وتجديد، لما تبوأ عرش الملكة، ويعد آنجور ودنجي من اعظم الملوك همة في تشييد المباني والهياكل، والمعابد في ديار بابل؛ فان الآجر المنسوب إليهما يكاد يرى في معظم أنقاض المباني القديمة. كما أن آجر نبو كدر اصر مبثوث بين بقايا المدن والقصور والعمارات التي قام بتشييدها في عصره.
إن هذين الملكين لما أعادا المباني في أدب لم يتعرضا لتغيير الدكة الواسعة الأطراف بل صانها وأبقياها على حالها الأول على حد ما شيدها البناؤون القدماء غير انهما وسعا ساحة البرج المبنية بالآجر المسنم، توسيعاً كبيراً. فانهما جعلا عرض كل من جوانبها ٢٠ متراً، بعد إن كان ٨ أمتار؛ وقد حافظا على هيئة بناء البرج القديم، فكان جداره الظاهر مشيداً بالآجر؛ أما باطنه فكان باللبن، وسقط بعض الآجر من طبقة البرج العليا في الزاوية الجنوبية، وهذه الآجرات وقفت الأثريين على عدد طبقات البرج ومبلغ ارتفاعه، والآجر
стр. 5878
المكتوب المشيد في وجه الجدار، كشف الغطاء عن أسماء البنائين، وفرق بين عمل الواحد وعمل الأخر وميزها بفروق ظاهرة.
ووجدت قساطل مربعة مصنوعة من الآجر بقرب الزاويتين الواقعتين في الشمال والجنوب، ولا اثر فيها للكتابة وهي مغشاة بالجمر، وقد اتخذت قنيات لجر ماء المطر من أرض طبقة البرج الأولى. ويرى في الزاوية الغربية غرفة صغيرة مكتظة بالقساطل، فعثر فيها النقابون على شقف عديدة من إناء بهيئة زورق.
ولقد محت الطوارئ الطبيعية كالمطر والشمس والرياح آثار مجددي بناء الهيكل ومرمميه في القرون الأخيرة. ولم تترك أثراً شاخصاً يستدل به على أولئك الملوك البنائين. فقد ورد في الرقم المسمارية التي كشفت مع شريعة حمرب، هذا أن الملك بنى الهيكل والمدينة، ولعل المراد بذلك ترميمها أو إعادة بعض المباني فيهما. لان النقابين لم يعثروا في هيكل أدب على صحيفة آجر تؤيد ما ادعاه الملك حمرب، ولعل التنقيبات المقبلة في أنقاض (بسمى) تكشف النقاب وتزيل الاتهام عن هذه المسألة المهمة في نظر الباحثين المحققين.
أما الآجر المنسوب إلى الملك كوريجلزو الذي كشف في أنقاض أخربة أخر فيشير إلى انه أحد بنائي الهيكل. ويظهر أن مدينة أدب فقدت بعدئذ مركزها الديني والأدبي الأول، فأهملها الملوك، ولم يعودوا إلى الاهتمام بأمرها فأصبحت نسياً منسيا، إذ أن الملكين العظيمين: آشور بنيبل ونبو كدراصر كانا من المولعين بإعادة بناء الهياكل القديمة في الجنوب، وذلك لم يكترثا مدينة أدب ولم يلتفتا إلى هيكلها، ولا إلى مقام المعبودة نن هرسج (سيدة رأس الجبل).
لقد أصبحت هذه المدينة بعد أن تخلى عنها الملوك الأشداء، مأوى لبنات آوى، ومسرحاً
للذئاب. ومربضاً لسائر الأوابد بل هجرها أعراب البادية، لأنها أمست قفراً اجر، ولا اثر للماء والحياة فيها.
رزوق عيسى
стр. 5879
فوائد لغوية
نقد تاريخ الأدب العربي
- ٥ -
تاريخ (أما بعد)
ونقل في ص ١٩ بترجمة قس بن ساعدة (ويقال أنه أول من خطب على شرف واتكأ على سيف وقال في خطبه: أما بعد) قلنا: وكذلك نقل عبد القادر البغدادي من كتاب المعمرين لأبي حاتم السجستاني انه أول من آمن بالبعث من أهل الجاهلية، وأول من توكأ على عصاً وأول من قال: أما بعد، وأول من كتب: من فلان ابن فلان (ولكن نقل السيوطي من آمالي ثعلب (حدثنا عمر ابن شيبة، حدثنا إبراهيم، حدثنا عبد العزيز بن أبي ثابت، حدثنا محمد بن عبد العزيز عن أبيه عن أبي سلمة ابن عبد الرحمن قال: أول من قال (أما بعد) كعب بن لؤي وهو أول من سمى يوم الجمعة الجمعة وكان يقال له العروبة.) فهذه الرواية أقوى من تلك، وكعب بن لؤي اقدم من قس كثيراً وهو الجد السابع لرسول الله - ص - فهو ابن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي ابن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي وإذا تعارضت روايتان في مثل هذا فالقدم أولى من الحداثة.
أمن شعر قس هذا؟
وقال في ترجمة قس بن ساعدة المذكور بصفحة ٢٠ (ومن شعره قوله يرثي أخوين له وقف على قبريهما بدير سمعان:
خليلي هبا طالما قد رقدتما ... أجدكما لا تقضيان كراكما
ألم تعلما أني بسمعان مفرد ... وما لي فيه من حبيب سواكما
стр. 5880
أقيم على قبريكما لست بارحاً ... طوال الليالي أو يجيب صداكما
جرى الموت مجرى اللحم والعظم منكما ... كأن الذي يسقي العقار سقاكما
فلو جعلت نفس لنفس وقاية ... لجدت بنفسي أن تكون فداكما
سأبكيكما طول الليالي وما الذي ... يرد على ذي عولة أن بكاكما؟
ووردت نسبته كذلك إلى قس في (١: ٣٦٩) من خزانة الأدب، ثم قال في ص ٣٧٣ (أورد أبو تمام في الحماسة هذه الأبيات على غير هذا النمط وقال: ذكروا أن رجلين من بني أسد خرجا إلى أصبهان فآخيا بها دهقاناً في موضع يقال له (راوند) فملت أحدهما، وبقي الآخر، والدهقان، يندمان قبره ويشربان كأسين ويصبان على قبره كأساً فمات الدهقان؛ فكان الأسدي ينادم قبريهما ويشرب قدحاً ويصب على قبريهما قدحين ويترنم بهذا الشعر: خليلي هبا طالما. . . وروى الأصبهاني بسنده إلى يعقوب بن السكيت أن هذا الشعر لعيسى بن قدامة الأسدي، قدم قاشان وله نديمان فماتا، فكان يجلس عند قبريهما، وهما براوند، بموضع يقال له (خزاق) فيشرب، ويصب، على القبرين، حتى يقضي وطره، ثم ينصرف وينشد، وهو يشرب، وروى ما رواه أبو تمام وزاد عليه) فالذي رواه أبو تمام:
ألم تعلما ما لي براوند كلها ... ولا بخزاق من صديق سواكما؟
أصب على قبريكما من مدامة ... فإلا تنالاها تروجناكما
جرى النوم بين الجلد واللحم منكما ... كأنكما ساقي العقار سقاكما
وزيادة الاصبهاني:
تحمل من يبقي العقول وغاروا ... أخالكما أشجاه ما قد شجاكما
стр. 5881
وأي أخ يجفو أخاً بعد موته؟ ... فلست الذي من بعد موت جفاكما
أناديكما كيما تجيبا وتنطقا ... وليس مجاباً صوته من دعاكما
قضيت باني لا محالة هالك ... وأني سيعروني الذي قد عراكما
قال عبد القادر: (وروى الاصبهاني أيضاً بسنده إلى عبد الله ين صالح البجلي أنه قال: بلغني أن ثلاثة نفر من أهل الكوفة كانوا في الجيش الذي وجهه الحجاج إلى الدليم وكانوا يتنادمون ولا يخالطون غيرهم وانهم لعلى ذلك إذ مات أحدهم فدفنه صاحباه فكانا يشربان عند قبره فإذا بلغه الكأس هرق على قبره وبكيا ثم أن الثاني مات فدفنه الباقي إلى جنب صاحبه وكان يجلس عند قبريهما فيشرب ويصب كأسين عليهما ويبكي ويقول - ثم ذكر الأبيات التي تقدم ذكرها - وقال: خزاق مكان براوند بقزوين، قال: وقبورهم هناك تعرف بقبور الندماء، قال الاصبهاني: وذكر العتبي عن أبيه أن الشعر للحزين بن الحرث أحد بني عامر بن صعصعة وكان أحد نديميه من بني أسد والآخر من بني حنيفة، فلما مات
أحدهما كان يشرب ويصب على قبره ويقول:
لا تصر دهامة من كأسها ... واسقه الخمر وان كان قبر
كان حراً فهوى في من هوى ... كل عود ذي شعوب ينكسر
ثم مات الآخر فكان يشرب على قبريهما ويقول: خليلي هبا. . . وأما أبو عبيدة في معجم ما أستعجم وياقوت في معجم البلدان فقد نسبا هذه الأبيات للأسدي (أي عيسى بن قدامة المتقدم الذكر) وذكرا حكايته كابي تمام. ثم قال ياقوت: وقال بعضهم: إن هذا الشعر لقس بن ساعدة في خليلين كانا وماتا. وقال آخرون: هذا الشعر لنصر بن غالب يرثي به أوس بن خالد وزاد في الأبيات ونقص. . .) أهـ كلام البغدادي ﵀ وهو غاية في التحقيق، فإسناد الأبيات إلى قس على طريقة الإيمان والإيقان ليس على شيء من التحري في الرواية ولا على شفاً من التمحيص ولا بعد الفتن، فالأولى للأستاذ الزيات أن يذكر هذه الأبيات في معرض اضطراب الرواية للشعر العربي واختلاف الرواة لا غير.
دين عمرو بن معد يكرب الزبيدي
وقال في ص ٢١ بترجمة عمرو بن معد يكرب الزبيدي وهو يعني عمراً
стр. 5882
(ولكن قلباً شاب في الجاهلية الجهلاء؛ ورتع في الدماء والاشلاء، واستهتر في اللهو والصهباء، لا يقبل على الدين بإخلاص وصدق فارتد بعد إسلامه، ثم رجع إلى الحق وجاهد في الله حق جهاده). ونحن لا نرى لهذا التعليل وجاهة لان كثيراً من أصحاب الرسول الصالحين كانوا قد شابوا في الجاهلية الجهلاء، واستهتروا باللهو والصهباء، وألفوا الدماء والاشلاء، أفلم يقبلوا على الإسلام بإخلاص ولا بصدق؟ فالزيات نفسه قال عنه: (لقي النبي - ص - لدى منصرفه من تبوك سنة تسع من الهجرة فاسلم هو وقومه) فهو قد دخل في الإسلام مختاراً لا مضطراً، ويظهر لنا انه كان في وفد مذحج على النبي - ص - وكان سيد الوفد ظبيان بن حداد في سراة بني مذحج ولم يرتد هو وحده حتى يصح في حاله ذلك التأويل وإنما ارتدت مذحج وهو فرد منها. وذلك أن رسول الله - ص - أمر على مذحج فروة بن مسيك المرادي فأساء السير ونابذ عمراً هذا ففارقه في كثير من قبائل مذحج، فاستجاش فروة رسول الله - ص - وعليه وعليهم، فأرسل خالد بن سعيد بن العاص وخالد بن الوليد بعده في سرية وفي سرية ثانية وعلي بن أبي طالب - ع - في سرية ثالثة وكتب إليهم: (كل
واحد منكم أمير من معه فإذا اجتمعتم فعلي أمير الكل) فاجمعوا بموضع من أرض اليمن يقال له (كسر) فاقتتلوا هناك وصمد عمرو بن معد يكرب لعلي - ع - وكان يظن انه لا يثبت له أحد من شجعان العرب فثبت له علي - ع - وعلا عليه ورأى عمرو منه ما لم يكن يحتسبه فأقلت من يده بجريعة الذقن وفر هارباً ناجياً بنفسه بعد أن كاد علي يقتله وفر معه رؤساء مذحج وفرسانهم وغنم المسلمون أموالهم وسبيت ذلك اليوم ريحانة بنت معد يكرب أخت عمرو فأدى خالد بن سعيد بن العاص فداءها من ماله.
مصطفى جواد
стр. 5883
باب المكاتبة والمذاكر
أنظرات أم كبوات؟
صديقنا الفاضل مصطفى جواد مغرم بالنقد. ما يصدر جزء من مجلة لغة ما يصدر جزء من مجلة لغة العرب الغراء. إلا وهو طافح بطائفة من نقوده. فهو من المجاهدين في سبيل اللغة والنحو، وقد استل سيف نقده يميناً وشمالاً. والحق يقال انه كثير الإصابة في ما يعود على اللغة والنحو، وقد يخطئ أحياناً، فيعود فيستغفر الله، ويصحح خطأه بنفسه؛ وقد يصححه له الأب الجليل، صاحب هذه المجلة فيقبله شاكراً كما وقع له في (ألقت) و (الفث)، والجهاد فضيلة، والاعتراف بالخطأ فضيلة مثله، ولكن غرام النقد، قد يسوقه إلى نقد ما هو خارج عن اختصاصه. ولا بد من زلل المرء، إذا تصدى للبحث في ما لا وقوف له عليه. صحح في مقالة (ذم القواد) التي نشرتها في الجزء الأول من السنة التاسعة من هذه المجلة، بضع كلمات، رأيناه مصيباً فيها فشكرناه عليها، ووجدناه بعيداً عن الإصابة في بعضها، فأبى إلا أن يرفضها علينا فرضاً. وكتب في (٩: ٣٧٣) كلاماً في ذلك ينم على ضيق صدر.
تمثل بالآية الكريمة: (وكان الإنسان اكثر شئ جدلا) عند رفضي تبديل كلمة (برود) الواردة في عبارة: (واجل رمص الغفلة ببرود اليقظة) بكلمة (مرود)، وينسى أن قسماً كبيراُ من أجزاء لغة العرب مملوء بجدله، وبألف استشهاد بابن أبي الحديد، ومن لطف المولى، أن الذين يصوب إليهم سهام جدله، لا يلتفتون إلى أقواله، ولو أجابوه عليها لضاقت المجلة بالجدل، ولاقتضى تسميتها (مجلة الجدل). أما أنا فلسوء حظي أراني مضطراً إلى أن أبين له مرة ثانية. إن ما من عاقل ولا مجنون يزيل الرمص بالمرود. إنما يزال بمحلول مطهر، أولا اقل من أن يغسل بالماء، وأم القصد من جلاء الرمص.
стр. 5884
جلاء العين الرمضاء، حتى تشفى، فلا يعاودها الرمص، وإن الجلاء اصطلاح طبي، أراد به الأطباء القدماء خاصة من خواص بعض الأدوية. هذا ابن سينا في الجزء أول من قانونه (طبعة دار الطباعة المصرية ص ٢٣٢ فما بعدها) يذكر أفعال الأدوية فيقول: (الدواء الملطف، والمحلل، و (الجالي)، والمخشن، والمفتح، والمرخي، والمنضح،
والهاضم، وكاسر الرياح، والمقطع، والجاذب، واللاذع، والمحمر. . .) الخ. فترى انه ذكر بين الأدوية الدواء الجالي. وهذا علي بن العباس المجوسي، يذكر في كتابه كامل الصناعة الطبية (ج٢ ص ٥٩٦ دار الطباعة المصرية) صفة كحل ويقول (برود جلاء مقو للعين. يؤخذ نشادر أربعة دراهم صمغ عربي، درهمان أسفيداج الرصاص، وإقليميا الفضة، وأثمد من كل واحد درهم، يدق الجميع ناعماً وينخل بحريرة، ويرفع في إناء ويستعمل عند الحاجة) أهـ أفبعد هذا يسوغ لمدع أن ينسب الجلاء للمرود؟ ولا ننس أن المقال في الرسالة المذكورة ورد على لسان كحال. وقال المصطفى عن ابن فارس ما مؤداه: لماذا قال كذا في تعريف الصفاق ولم يقل كذا، إن قوله ينطبق على حالة كانت، ولا تزال جارية في مدارس الجوامع، حيث يقعد المدرس على الحصير وحوله طلابه، بأيديهم الشروح، والحواشي؛ وحواشي الحواشي، والتعليقات على الحواشي. واكثر شروحهم يقال أقول على تعبيرهم، وفيها الشيء الكثير من الاعتراض على عبارة المتن؛ فيقولون لماذا قال كذا، ولم يقل كذا، ولو كان المعنى مفهوماً. فيصرفون أوقاتهم بهذه الاعتراضات الفارغة التي ليس من ورائها سوى إضاعة الوقت.
ولكن صاحبنا مغرم بالنقد. كما أسلفنا. راجع أجزاء المجلة، تجده متعرضاً لهذا وذاك، ومستشهداً دوماً بابن أبي الحديد، حتى كأنه قد استظهر كتابه، ولكنه من الجهة الأخرى ينسى ما هو نصب عينيه كل يوم. ينسى أن العلم العراقي علم دولته، وشعار أمته، مؤلف من أربعة ألوان. فيعمد لنظم أبيات يسميها (تحية العلم العراقي) بقصد تعليمها (للصف الرابع الابتدائي) كما ذكر وينشرها في هذه المجلة (٩ - ٤١٢). يذكر فيها من ألوان العلم العراقي: الأحمر والأسود
стр. 5885
والأبيض وينسى الأخضر. وليس هذا خطأه المضحك المبكي الوحيد في هذه الأبيات فانه نسب الألوان إلى غير من تنسب إليهم. نسب الأحمر لبني أمية حال كون شعارهم الأبيض؛ ونسب للفاطميين البياض، حال كون شعارهم الأخضر. أهكذا تعلم الصبيان؟ ألم يرقع رأسه يوماً من الأيام ويرى ألوان العلم العراقي الذي يرفرف فوق المدرسة الابتدائية التي يدرس فيها؟ فان قال قائل انه لم يذكر الأخضر لان الوزن والقافية لم ينقادا له لحداثة عهده بالنظم. قلنا: أما كان الأجدر به حين ذاك أن يمزق ما كتبه، ويتحاشى نشره في الصحف السيارة، وتلقينه للصبيان. ثم ماذا نقول عن نسبته الألوان
لغير أهلها؟
على أننا نكبر في صديقنا المصطفى، جده، واجتهاده، وكثرة مطالعته، وتنقيبه. ولكن الجواد قد يكبو، اللهم سدد خطانا واهدنا صراط الصواب.
الدكتور داود الجلبي
بعض مستندات عبد الحميد بن أبي الحديد في شرحه لنهج
البلاغة
هذا الشرح محتو على (٢١٧٧) صفحة بقطع الربع الكبير، أكثرها بالحرف الدقيق جداً، وهذه بعض مستنداته:
شرح نهج البلاغة لسعيد بن هبة الله المعروف بالقطب الراوندي، فضائل الإمام علي - ع - لأحمد بن حنبل - رض - الصحاح الستة واكثر كتب الفقه في المذاهب، تاريخ الأشراف للبلاذري، المقالات لأبي القاسم البلخي، شرح المقالات لقاضي القضاة أبي الحسن عبد الجبار بن احمد البصري، كتاب (ايسطا) لزردشت، وقعة الجمل لأبي مخنف لوط بن يحيى، كتاب صفين لنصر بن مزاحم، الكفاية في علم الكلام لابن متوبه، مقاتل الطالبيين والأغاني الكبير
следующие страницы →