Полный текст (6 158 стр.). Показаны 5881–5920 · переход к 5886.
стр. 5881
وأي أخ يجفو أخاً بعد موته؟ ... فلست الذي من بعد موت جفاكما
أناديكما كيما تجيبا وتنطقا ... وليس مجاباً صوته من دعاكما
قضيت باني لا محالة هالك ... وأني سيعروني الذي قد عراكما
قال عبد القادر: (وروى الاصبهاني أيضاً بسنده إلى عبد الله ين صالح البجلي أنه قال: بلغني أن ثلاثة نفر من أهل الكوفة كانوا في الجيش الذي وجهه الحجاج إلى الدليم وكانوا يتنادمون ولا يخالطون غيرهم وانهم لعلى ذلك إذ مات أحدهم فدفنه صاحباه فكانا يشربان عند قبره فإذا بلغه الكأس هرق على قبره وبكيا ثم أن الثاني مات فدفنه الباقي إلى جنب صاحبه وكان يجلس عند قبريهما فيشرب ويصب كأسين عليهما ويبكي ويقول - ثم ذكر الأبيات التي تقدم ذكرها - وقال: خزاق مكان براوند بقزوين، قال: وقبورهم هناك تعرف بقبور الندماء، قال الاصبهاني: وذكر العتبي عن أبيه أن الشعر للحزين بن الحرث أحد بني عامر بن صعصعة وكان أحد نديميه من بني أسد والآخر من بني حنيفة، فلما مات
أحدهما كان يشرب ويصب على قبره ويقول:
لا تصر دهامة من كأسها ... واسقه الخمر وان كان قبر
كان حراً فهوى في من هوى ... كل عود ذي شعوب ينكسر
ثم مات الآخر فكان يشرب على قبريهما ويقول: خليلي هبا. . . وأما أبو عبيدة في معجم ما أستعجم وياقوت في معجم البلدان فقد نسبا هذه الأبيات للأسدي (أي عيسى بن قدامة المتقدم الذكر) وذكرا حكايته كابي تمام. ثم قال ياقوت: وقال بعضهم: إن هذا الشعر لقس بن ساعدة في خليلين كانا وماتا. وقال آخرون: هذا الشعر لنصر بن غالب يرثي به أوس بن خالد وزاد في الأبيات ونقص. . .) أهـ كلام البغدادي ﵀ وهو غاية في التحقيق، فإسناد الأبيات إلى قس على طريقة الإيمان والإيقان ليس على شيء من التحري في الرواية ولا على شفاً من التمحيص ولا بعد الفتن، فالأولى للأستاذ الزيات أن يذكر هذه الأبيات في معرض اضطراب الرواية للشعر العربي واختلاف الرواة لا غير.
دين عمرو بن معد يكرب الزبيدي
وقال في ص ٢١ بترجمة عمرو بن معد يكرب الزبيدي وهو يعني عمراً
стр. 5882
(ولكن قلباً شاب في الجاهلية الجهلاء؛ ورتع في الدماء والاشلاء، واستهتر في اللهو والصهباء، لا يقبل على الدين بإخلاص وصدق فارتد بعد إسلامه، ثم رجع إلى الحق وجاهد في الله حق جهاده). ونحن لا نرى لهذا التعليل وجاهة لان كثيراً من أصحاب الرسول الصالحين كانوا قد شابوا في الجاهلية الجهلاء، واستهتروا باللهو والصهباء، وألفوا الدماء والاشلاء، أفلم يقبلوا على الإسلام بإخلاص ولا بصدق؟ فالزيات نفسه قال عنه: (لقي النبي - ص - لدى منصرفه من تبوك سنة تسع من الهجرة فاسلم هو وقومه) فهو قد دخل في الإسلام مختاراً لا مضطراً، ويظهر لنا انه كان في وفد مذحج على النبي - ص - وكان سيد الوفد ظبيان بن حداد في سراة بني مذحج ولم يرتد هو وحده حتى يصح في حاله ذلك التأويل وإنما ارتدت مذحج وهو فرد منها. وذلك أن رسول الله - ص - أمر على مذحج فروة بن مسيك المرادي فأساء السير ونابذ عمراً هذا ففارقه في كثير من قبائل مذحج، فاستجاش فروة رسول الله - ص - وعليه وعليهم، فأرسل خالد بن سعيد بن العاص وخالد بن الوليد بعده في سرية وفي سرية ثانية وعلي بن أبي طالب - ع - في سرية ثالثة وكتب إليهم: (كل
واحد منكم أمير من معه فإذا اجتمعتم فعلي أمير الكل) فاجمعوا بموضع من أرض اليمن يقال له (كسر) فاقتتلوا هناك وصمد عمرو بن معد يكرب لعلي - ع - وكان يظن انه لا يثبت له أحد من شجعان العرب فثبت له علي - ع - وعلا عليه ورأى عمرو منه ما لم يكن يحتسبه فأقلت من يده بجريعة الذقن وفر هارباً ناجياً بنفسه بعد أن كاد علي يقتله وفر معه رؤساء مذحج وفرسانهم وغنم المسلمون أموالهم وسبيت ذلك اليوم ريحانة بنت معد يكرب أخت عمرو فأدى خالد بن سعيد بن العاص فداءها من ماله.
مصطفى جواد
стр. 5883
باب المكاتبة والمذاكر
أنظرات أم كبوات؟
صديقنا الفاضل مصطفى جواد مغرم بالنقد. ما يصدر جزء من مجلة لغة ما يصدر جزء من مجلة لغة العرب الغراء. إلا وهو طافح بطائفة من نقوده. فهو من المجاهدين في سبيل اللغة والنحو، وقد استل سيف نقده يميناً وشمالاً. والحق يقال انه كثير الإصابة في ما يعود على اللغة والنحو، وقد يخطئ أحياناً، فيعود فيستغفر الله، ويصحح خطأه بنفسه؛ وقد يصححه له الأب الجليل، صاحب هذه المجلة فيقبله شاكراً كما وقع له في (ألقت) و (الفث)، والجهاد فضيلة، والاعتراف بالخطأ فضيلة مثله، ولكن غرام النقد، قد يسوقه إلى نقد ما هو خارج عن اختصاصه. ولا بد من زلل المرء، إذا تصدى للبحث في ما لا وقوف له عليه. صحح في مقالة (ذم القواد) التي نشرتها في الجزء الأول من السنة التاسعة من هذه المجلة، بضع كلمات، رأيناه مصيباً فيها فشكرناه عليها، ووجدناه بعيداً عن الإصابة في بعضها، فأبى إلا أن يرفضها علينا فرضاً. وكتب في (٩: ٣٧٣) كلاماً في ذلك ينم على ضيق صدر.
تمثل بالآية الكريمة: (وكان الإنسان اكثر شئ جدلا) عند رفضي تبديل كلمة (برود) الواردة في عبارة: (واجل رمص الغفلة ببرود اليقظة) بكلمة (مرود)، وينسى أن قسماً كبيراُ من أجزاء لغة العرب مملوء بجدله، وبألف استشهاد بابن أبي الحديد، ومن لطف المولى، أن الذين يصوب إليهم سهام جدله، لا يلتفتون إلى أقواله، ولو أجابوه عليها لضاقت المجلة بالجدل، ولاقتضى تسميتها (مجلة الجدل). أما أنا فلسوء حظي أراني مضطراً إلى أن أبين له مرة ثانية. إن ما من عاقل ولا مجنون يزيل الرمص بالمرود. إنما يزال بمحلول مطهر، أولا اقل من أن يغسل بالماء، وأم القصد من جلاء الرمص.
стр. 5884
جلاء العين الرمضاء، حتى تشفى، فلا يعاودها الرمص، وإن الجلاء اصطلاح طبي، أراد به الأطباء القدماء خاصة من خواص بعض الأدوية. هذا ابن سينا في الجزء أول من قانونه (طبعة دار الطباعة المصرية ص ٢٣٢ فما بعدها) يذكر أفعال الأدوية فيقول: (الدواء الملطف، والمحلل، و (الجالي)، والمخشن، والمفتح، والمرخي، والمنضح،
والهاضم، وكاسر الرياح، والمقطع، والجاذب، واللاذع، والمحمر. . .) الخ. فترى انه ذكر بين الأدوية الدواء الجالي. وهذا علي بن العباس المجوسي، يذكر في كتابه كامل الصناعة الطبية (ج٢ ص ٥٩٦ دار الطباعة المصرية) صفة كحل ويقول (برود جلاء مقو للعين. يؤخذ نشادر أربعة دراهم صمغ عربي، درهمان أسفيداج الرصاص، وإقليميا الفضة، وأثمد من كل واحد درهم، يدق الجميع ناعماً وينخل بحريرة، ويرفع في إناء ويستعمل عند الحاجة) أهـ أفبعد هذا يسوغ لمدع أن ينسب الجلاء للمرود؟ ولا ننس أن المقال في الرسالة المذكورة ورد على لسان كحال. وقال المصطفى عن ابن فارس ما مؤداه: لماذا قال كذا في تعريف الصفاق ولم يقل كذا، إن قوله ينطبق على حالة كانت، ولا تزال جارية في مدارس الجوامع، حيث يقعد المدرس على الحصير وحوله طلابه، بأيديهم الشروح، والحواشي؛ وحواشي الحواشي، والتعليقات على الحواشي. واكثر شروحهم يقال أقول على تعبيرهم، وفيها الشيء الكثير من الاعتراض على عبارة المتن؛ فيقولون لماذا قال كذا، ولم يقل كذا، ولو كان المعنى مفهوماً. فيصرفون أوقاتهم بهذه الاعتراضات الفارغة التي ليس من ورائها سوى إضاعة الوقت.
ولكن صاحبنا مغرم بالنقد. كما أسلفنا. راجع أجزاء المجلة، تجده متعرضاً لهذا وذاك، ومستشهداً دوماً بابن أبي الحديد، حتى كأنه قد استظهر كتابه، ولكنه من الجهة الأخرى ينسى ما هو نصب عينيه كل يوم. ينسى أن العلم العراقي علم دولته، وشعار أمته، مؤلف من أربعة ألوان. فيعمد لنظم أبيات يسميها (تحية العلم العراقي) بقصد تعليمها (للصف الرابع الابتدائي) كما ذكر وينشرها في هذه المجلة (٩ - ٤١٢). يذكر فيها من ألوان العلم العراقي: الأحمر والأسود
стр. 5885
والأبيض وينسى الأخضر. وليس هذا خطأه المضحك المبكي الوحيد في هذه الأبيات فانه نسب الألوان إلى غير من تنسب إليهم. نسب الأحمر لبني أمية حال كون شعارهم الأبيض؛ ونسب للفاطميين البياض، حال كون شعارهم الأخضر. أهكذا تعلم الصبيان؟ ألم يرقع رأسه يوماً من الأيام ويرى ألوان العلم العراقي الذي يرفرف فوق المدرسة الابتدائية التي يدرس فيها؟ فان قال قائل انه لم يذكر الأخضر لان الوزن والقافية لم ينقادا له لحداثة عهده بالنظم. قلنا: أما كان الأجدر به حين ذاك أن يمزق ما كتبه، ويتحاشى نشره في الصحف السيارة، وتلقينه للصبيان. ثم ماذا نقول عن نسبته الألوان
لغير أهلها؟
على أننا نكبر في صديقنا المصطفى، جده، واجتهاده، وكثرة مطالعته، وتنقيبه. ولكن الجواد قد يكبو، اللهم سدد خطانا واهدنا صراط الصواب.
الدكتور داود الجلبي
بعض مستندات عبد الحميد بن أبي الحديد في شرحه لنهج
البلاغة
هذا الشرح محتو على (٢١٧٧) صفحة بقطع الربع الكبير، أكثرها بالحرف الدقيق جداً، وهذه بعض مستنداته:
شرح نهج البلاغة لسعيد بن هبة الله المعروف بالقطب الراوندي، فضائل الإمام علي - ع - لأحمد بن حنبل - رض - الصحاح الستة واكثر كتب الفقه في المذاهب، تاريخ الأشراف للبلاذري، المقالات لأبي القاسم البلخي، شرح المقالات لقاضي القضاة أبي الحسن عبد الجبار بن احمد البصري، كتاب (ايسطا) لزردشت، وقعة الجمل لأبي مخنف لوط بن يحيى، كتاب صفين لنصر بن مزاحم، الكفاية في علم الكلام لابن متوبه، مقاتل الطالبيين والأغاني الكبير
стр. 5886
للاصفهاني، حيلة الأولياء للفضل بن دكين أبي نعيم، كتاب الإنصاف لأبي جعفر بن قبة. الاستيعاب في معرفة الصحاب لابن عبد البر، المنتظم لأبي الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي، تاريخ أبي الحسين الصابئ، تاريخ غرس النعمة ابنه، كتاب المعتبر لأبي البركات بن ملكا البغدادي، كتاب الآراء والديانات للحسن بن موسى النوبختي، آمالي محمد بن حبيب، جمهرة النسب لابن الكلبي، المعارف لابن قتيبة، غريب الحديث له، عيون الأخبار له، أدب الكاتب له، كتاب الغارات لإبراهيم بن هلال الثقفي، كتاب المثالب لأبي عبيدة، كتاب المقالات لأبن الهيصم، كتاب التصفح لأبي الحسين الخياط، كتاب صفين لابن ديزيل إبراهيم، كتاب صفين للواقدى، كتاب التاج لابن الراوندي، تاريخ أبي جعفر محمد بن جرير الطبري المجتهد، كتاب الأوائل لأبي هلال العسكري الخراج لقدامة بن جعفر، تكملة الدرر والغرر للمرتضى. ربيع الأبرار للزمخري، الكشاف له، صحاح الجوهري، العين للخليل، تنزيه الأنبياء والأئمة للمرتضى،
الشافي له، تفضيل علي لأبي جعفر الإسكافي، الأمثال للمدائني. آمالي أبي احمد العسكري، المثل السائر لابن الأثير الجزري، الفلك الدائر على المثل السائر للشارح نفسه، العبقري الحسان له، الأمثال لمؤرخ بن عمرو السدوسي، البيان والتبيين للجاحظ، العثمانية له، العباسية له، الحيوان له، مفاخرات قريش له؛ المغني لقاضي القضاة عبد الجبار المذكور، أمالي أبي بكر بن دريد، كتاب فلسفة محمد بن زكريا الرازي، خطب ابن نباتة، خطب ابن الشخباء العسقلاني؛ التاج لأبي عبيدة، المستبشر لمحمد بن جرير الطبري الشيعي لا المجتهد، الكامل للمبرد، الكامل لابن الأثير علي، الموفقيات للزبير بن
стр. 5887
بكار السقيفة لأبي بكر احمد بن عبد العزيز الجوهري، تاريخ أبي بكر بن كامل الرسالة المقنعة للمفيد محمد بن النعمان؛ الإرشاد له، التكملة لأبي علي المغازي للواقدي، المغازي لمحمد بن اسحق، التذييل على نهج البلاغة لعبد الله بن إسمعيل الحلبي المنهاج لابن جزلة الطيب، حلية العلماء للشاشي، الغرر لأبي الحسين الخياط، اليتيمة لابن المقفع، تاريخ احمد بن طاهر، غريب الحديث لأبي عبيد القاسم بن سلام، رسائل الصابئ، آراء العرب ودياناتها لأبي عبد الله الحسين بن محمد بن جعفر الخالع. الإكمال لابن ما كولا، ملح الممالحة لابن ناقيا، إحياء العلوم للغزالي طبقات الشعراء لمحمد بن سلام الجمحي، طبقات ابن اسعد، أخبار عمر لابن الجوزي صاحب المنتظم، كلام على لابن العباس يعقوب ابن أبي احمد الصيمري طبقات الشجعان ومقاتل الفرسان لأبي عبيدة، الاشارات الإلهية لابن سينا الإشارات الإلهية لأبي حيان، تقريط الجاحظ له، الحاوي للماوردي، نقض العثمانية لأبي جعفر الإسكافي، تاريخ ابن عرفة نفطويه، مثالب العرب للهيثم ابن عدي، الرسالة للقشيري، البصائر له، الأحداث للمدائني، شرح المزني لطاهر الطبري، أمالي أبي بكر بن الانباري، الأنساب لأبي عبيدة؛ زيادات كتاب السقيفة للجوهري صاحب السقيفة نقض السفيانية على الجاحظ لأبي عبد الله البصري، نشوار المحاضرة للقاضي التنوخي، (وقد ذكره صاحب لغة العرب ٨: ٣٥١ إلى ٣٥٥ و٧٦٧ إلى ٧٧٣) أدعية الصحيفة، ديوان الشريف الرضي، الحماسة لأبي تمام، نثر الدر في التاريخ للابي، الشورى للواقدي، النكت للنظام المتكلم، الشفاء لابن سينا، الاصحوبة له، الذريعة للمرتضى، مروج الذهب للمسعودي،، الآثار الباقسة للبيروني، المونق للمرزباني، أخبار صفين لابن الكلبي، تفسير
القرآن للثعلبي، كتاب العالمين لأبي جعفر محمد بن الحسين
стр. 5888
الصنعاني صاحب زيج الصفائح، طبقات المعتزلة لقاضي القضاة، آمالي ثعلب؛ مقتل عثمان للمدائني، تواريخ الأمم لحمزة بن الحسن الأصفهاني.
مصطفى جواد
(لغة العرب) اعتبرنا دائماً شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد من أنفس الأسفار العربية، فهو ديوان شعر ونثر وأدب وأخبار وتاريخ وتراجم وبلدان، فهو وحدة خزانة قائمة بنفسها، يستغني به عن كتب عدة لا تحصى.
رومية المدائن هي سلوقية
إن كلامكم المنقول في (٩: ٤٦٦ ٤٦٧) من المجلة يؤيد أن رومية هي سلوقية، والغريب فيه قول ياقوت: (وعرب: وه جنديو خسره على رومية) فهذا قول مضحك جداً، يبين عن مبالغة المتكلفين لاحتمال التعريب والحقيقية أن العرب ظنوا أن الاسكندر بناها وهم يعدونه من الروم لا من اليونان، قال الجوهري في المختار: (وذو القرنين لقب اسكندر الرومي). فسموا المدينة (رومية) نسبة إلى الذي عدوه من الروم.
ورومية تسمى اليوم (تل عمر) وقد حفرت عن آثارها (جماعة متأثرة) رئيسهم المستر (واترمان) من أساتذة جامعة ميشيغان، فعثروا في سنة ١٩٢٨ على مبان يونانية تدل على مدخل المدينة شلوقية، ووجدوا كتابة يونانية أيضاً. ومشاعل؛ وكان الحفر في الجانب الغربي من الهور المقابل لسلمان باك، وكان الهور مجرى دجلة القديم. والمدخل الذي كشفوا عنه، هو أحد أبواب سلوقية وهذه الكتابة اليونانية المشار إليها نفت زعم البعثة الألمانية - الجاثية إلى تل عمر، سنة ١٩١٨، ورئيسها يوليوس يوردان واوسكار رويتر - إن دجلة مرت بين أطلال طيسفون، فانقسمت إلى قسمين: قسم في الضفة اليمنى: والآخر في اليسرى، وظن الناس أن القسم الغربي هو أطلال سلوقية.
مصطفى جواد
стр. 5889
طبع الإكليل (الجزء الثامن)
أتممنا طبع الجزء الثامن من هذا الإكليل الذي يزري بكل ثمين من الكتب وطبعنا من
فهارسه (خمسة عشر) والآن عقدنا النية على أن نزيدها ثلاثة أخرى فنبلغ بها ثمانية عشر. وعلى هذا الوجه يقرب هذا السفر ومحتوياته من كل أديب حتى يكون على حبل ذراعه.
وقد قرأنا في جريدة (حضرموت) التي تصدر في سور أبليا (جاوة) مقالة الاستهلال بتاريخ ١٤ مايو في عددها ٢٨٧، فنقتطف منها ما يتعلق بالإكليل. قال الأمير الكبير شكيب ارسلان من كلام له: (مولانا (السيد علي باعبود العلوي) يذكر الهمداني في موضوع محافد اليمن، فهو يشير إذاً إلى كتاب الإكليل النادر الوجود. فهل عنده هذا الكتاب؟ - أما أنا فقد اطلعت على جزءين منه: الثامن والعاشر. وذلك بهذه المدة في خزانة الكتب الملوكية في برلين، وأخذت صورتهما بالفوتوغرافيا، ولقد علمت أن نسخة من الثامن هي في مكتبة دار الفنون بالأستانة. وان الأب الكرملي الفاضل يباشر طبع هذا الجزء في بغداد معتمداً على خمس نسخ.
وكنت سمعت أن منه نسخة كاملة الأجزاء العشرة في اليمن، فسألت عن ذلك سمو الأمير سيف الإسلام محمداُ، أمير الحديدة، فاجابني بأنه لا يعلم بوجود شيء عندهم من هذا الكتاب غير جزءين. فعسى أن يكون في حضرموت أو عند الحضارم نسخة تامة) أهـ كلام الأمير.
قلنا: وكنا قد سألنا أحد أصدقائنا الأخصاء عن الأجزاء العشرة لهذا الكتاب وكان يعرف خزائن حضرموت واليمن معرفته لأمور بيته، فقال لا وجود إلا للثامن والعاشر ولا تزد. وأما سائر المجلدات فلا وجود لها؛ فأما أنها كانت في فكرة المؤلف ولم تخرج إلى عالم التدوين؛ وأما أن أعداء المؤلف - كانوا كثيرين - أتلفوها قبل انتشارها على أيدي النساخ. أما الموجودان منها فقاوما الضياع لنسخ الناس إياها وانتشارها بينهم بسرعة هائلة.
الأكاليل (نسخة الفاتيكان، أو نسخة رومة)
كنا قد أرسلنا إلى صديقنا الأستاذ جورجيو ليفي لافيدا أحد علماء الجامعة
стр. 5890
الرومانية بنسخة تامة مطبوعة من الجزء الثامن من الإكليل، وطلبنا إليه أن يعرضها بنسخة الفاتيكان (رومة). فكتب إلينا بتاريخ ٢٢ مايو ما هذا إعادة نصه:
(لقد انتهيت من معارضة نسختك المطبوعة من الإكليل بنسخة الفاتيكان وكلفني الأمر وقتاً اكثر مما توهمته في أول الأمر. وأخشى أن لا تكون الفائدة عظيمة. نسخة الفاتيكان سيئة وهي حديثة وقد نقلها رجل لا يفهم ما يكتب إلا أن خطورتها قائمة على أن النسخة المنقولة
عنها كانت صحيحة. والروايات التي تراها تدنيها من النسختين اللتين أشرت إليهما في إكليلك المطبوع بحرف (ك) و (خ) لكنها ليست بهما. والنص الذي يشابهها كل المشابهة هو نص نسخة فينة (النمسة) التي اعتمد عليها د. هـ. ملر في ما نشره من هذا الجزء. والحال أننا نعلم أن نسخة فينة خطت في سنة ١٨٧٤ على نسخة صنعاء، ولهذا يخيل إلي أنها نفس النسخة التي زبرت عليها مخطوطة الفاتيكان. ولا اعلم هل نسخة (ك) و (خ) أخذتا عنها.
ومهما يكن من الأمر، فان اغلب الروايات التي دونتها (وقد أهملت منها ما يتعلق بالرسم فقط) لا شأن لها، بيد إن بينها حسنة. ودونك بعضها ففي ص ١٥٦ س ١و٢ ذي بحرى وليست حلتي هما ورايتان صحيحتان. وكذلك في ص ١٨٨ في السطر الذي يسبق الأخير والسطر الأخير أيضاً: (الشيب) و (الذي) مما يجب الاحتفاظ يهما حفظاً للبحر الخفيف، وفي ص ١٩٠ س ١١ خويلد ابن خديجة على ما في النص المطبوع والصواب خويلد والد خديجة. وفي ص ١٩٥ س٢ و٣ ما يبين أن نص نسخة الفاتيكان وحده صحيح دون غيره من النسخ الخمس. وقد ضممت إلى نسخة الإكليل المطبوعة التي أعيدها إليك. وصف نسخة الفاتيكان وتحليتها، فعسى أن يكون فيها الفائدة) أهـ.
كتاب الجيم
راجع كتاب لغة العرب (٧: ٨٥٧ و٩: ٣٨٢)
أتممت نسخ كتاب الجيم ويقع في ٥٥٠ صفحة وفي كل صفحة من ٣٠ إلى ٣٦ سطراً، وقد أتم الناسخ - وهو من الأقدمين - نسخته من غير أن يصلح
стр. 5891
فيها خطأ واحداً؛ إلا انه يورد الروايات المختلفة التي ترى بين النسختين اللتين بين يديه. وكلتاهما منقولة عن النسخة الأصلية التي خطها مؤلفها، وخط النسخة الواحدة أبو سعيد السكري والثانية أبو موسى الحامض. ولا جرم أن النسخة التي كانت بيد السكري أتم من الآخرة. وفيها زيادات لا ترى في الأم التي أخذت عنها. ومن الجهة الثانية ضاع من النسخة الآخرة ورقتان من حرف الفاء وورقتان من حرف الميم. والظاهر أن أبا عمرو لم يضع نصاً كاملا للكتب العشرة إلا للأول الذي ينتهي بحرف الجيم ولعل الكتاب سمي بهذا الاسم الغريب (كتاب الجيم) لهذه العلة، وفضلا عن ذلك يظهر أن أبا عمرو جمع في هذا الكتاب فوائد لغوية في
مطاوي جمعه قصائد القبائل العربية المنوه بها في دواوين التراجم.
سنت اوغستن. سياغبرج (ألمانية) ف. كرنكو
الكريف وأصلها
قرأت في تعليقاتك على الإكليل ص ٣٠٧ أن الكريف من اليونانية وأنها دخلت اليمن بدخول الحبشة إياها، ورأيي - الذي أبوح به بكل تحفظ - أن دخول الألفاظ اليونانية ربوع اليمن، كان قبل احتلال الحبش إياها؛ لأننا نعلم كل العلم أنه كان في نحو المائة الرابعة للميلاد كنيسة مطرانية في نجران (وتلفظ الجيم معطشة نطعية) تحت إمرة بطريك الإسكندرية، ولا أشك في أن الكهنة والمرسلين الذين كانوا يهبطون تلك الديار كانوا مسيحيين يونانيين. وقد لاشى ذو نواس تلك الجماعة النصرانية قبل المائة الخامسة للميلاد. ولما كانت الدولة اليونانية بعيدة غاية البعد عن اليمن لتثأر من أعمال ذي نواس. أمر بطريرك الإسكندرية الحبش ليزيحوا إليها. ولعل البحث يفضي بالمنقبين إلى العثور على رقم في نجران فيها ذكر أسماء الكنائس التي شيدت فيها سالفاً. وأني لمتأكد أيضاً أن وجود أولئك الناس في الأرجاء المذكورة كان داعياً إلى ذلك التدين الشديد في جزيرة العرب، ذلك التدين الذي بدا لعيون الجميع في المائة لسادسة من تاريخ الميلاد فكان فراشاً وثيراً لتمكن الإسلام في تلك الربوع.
سنت اوغستن (سياغبرج) ألمانية. ف. كرنكو
стр. 5892
أسئلة وأجوبة
الكبش والقذاقة والمنجنيق
س: الزقازيق (مصر) م. م. ن. للأقدمين آله حرب يهدمون بها الأسوار ويسميها الإنكليز وبحثت عنها في المعاجم الإنكليزية العربية فوجدت فيها مقابلا لها بالعربية (منجنيق) كما في الياس انطوان الياس وغيره. ووجدته يقول في منجنيق. وفي يقول: (آلة حربية قديمة تقذف الأحجار). والمشهور أن هذه الآلة هي التي تسمى منجنيقاً. أفليس في لغتنا ألفاظ مقابلة لهذه الكلمات الإنكليزيات فلقد سئمنا من مطالعة معجم انطوان الياس انطوان المشحون أوهاماً وأغلاطاً. وما أسماء هذه الآلات بالفرنسية؟ وأملنا فيكم عظيم لان كثيرون من الأدباء أشاروا علينا أن تراجعكم في هذا الموضوع، فقد أصبحتم في الأوضاع الاصطلاحية الحجة السند.
ج. نشكر حسن ظنكم فينا. ونود أن نحققه كل التحقيق وهيهات. . .!
اللفظة الإنكليزية الأولى يقابلها بالفرنسية وبالعربية (الكبش) وتجمع على كباش وكبوش وأكباش. والكبش خشبه كبيرة كسارية السفينة في أحد طرفيها شئ ذو قرنين من حديد يشبه قرني الكبش. يربط من وسطه بالحبال ويعلق حتى يتدلى كقب الميزان. وقد ورد ذكره في تاريخ ابن خلدون ٥: ٣٢٥: (ثم عمل الإفرنج دبابات وكباشاً وزحفوا بها (إلى عكاء) فاحرق المسلمون بعضها واخذوا بعضها) وفي تاج العروس: (ومن المجاز بنوا سوراً حصيناً ووثقوه بالكبوش (في مادة كبش). وفي مادة فصل: (يقال: وثقوا سور المدينة بكباش وفصيل). وفي مؤرخي العصور الوسطى نصوص لا تحصى.
والكلمة الثانية الإنكليزية يقابلها بالفرنسية وفي العربية القذافة
стр. 5893
أو القذاف، قال في التاج: (قال أبو خيرة: القذاف: الذي يرمى به الشيء فيبعد الواحدة قذافة. . . وانشد:
(لما آتاني الثقفي الفتان، فنصبوا قذافة بل ثنتان.) أهـ
والثالثة يقابلها في الفرنسية وبالعربية (منجنيق) فهي والفرنسية من اصل يوناني، كما لا يخفى على البصير.
وأما معجم الياس انطوان الياس فهو كسائر الكتب التي يتاجر بها خالية من التدقيق في
النظر ولا يمكن أن تتخذ سنداً يعتمد عليه.
المشوش
س. حلب. أ. س. ن. سألت بعض الأدباء أي لفظة صحيحة تقابل الفرنسية وهي قطعة ثوب تتخذ في وقت الأكل لتسمح بها الشفتان. قال بعضهم: منديل: آخرون؛ منشفة، وفريق فوطة: وجماعة: محرمة. وبالإنكليزية: فمن المصيب في اصطلاحه؟
ج. لم يصب أحد منهم فجميعهم اخذوا أوضاعهم من كتب اللغة الأجنبية العربية التي في أيدي طلبة المدارس المطبوعة في بيروت ومصر وديار الإفرنج أو أميركة. وليس في العربية إلا لفظة واحدة هي (المشوش). والبغداديون العصريون يسمونه (الشكير) بناء مثلثة فارسية في الأول. والكلمة منقولة عن الفرس، أما صحة لفظنا فتتضح من كلام صاحب لسان العرب. قال: (مش يده يمشها (بالضم). مسحها بشيء. وفي المحكم: بالشيء الخشن ليذهب به غمرها وينظفها. قال امرؤ القيس:
نمش بأعراق الجياد أكفنا، ... إذا نحن قمنا عن شواء مضهب.
والمشوش: المنديل الذي يمسح يده به. . . يقولون: أعطني مشوشاً امش به يدي. يريد منديلا أو شيئاً يمسح به يده. والمش: مسح اليدين بالمشوش وهو المنديل الخشن. . . الأصمعي: المش: مسح اليد بالشيء الخشن ليقلع الدسم. . .). والمش معروفة إلى عهدنا هذا عند عوام العراق. أهـ ما أريد إثباته في هذا الغرض.
стр. 5894
باب المشارفة والانتقاد
إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب
الجزء السادس لياقوت الرومي الحموي
اعتنى بنسخة وتصحيحه د. س. مرجليوث العلام الشهير. الطبعة الثانية بمطبعة هندية أيضاً بالموسكي من مصر سنة ١٩٣٠.
ملاك هذا الجزء (٥٢٣) صفحة بقطع الثمن ما عدا فهرس أسماء البشر وأسماء الكتب من الكاغد الأبيض الصقيل ويحتوي من تراجم الأدباء على ذكر من اسمه عمارة إلى محمد بن حسن (ع - م) وقد قرأنا تراجم من تبتدئ أسماؤهم (العينات) فلم نجد ما عاهد ياقوت نفسه عليه فانه قال في (١: ٦ و٧) من الجزء الأول ما صورته (وأفردت في آخر كل حرف فصلا اذكر فيه من اشتهر بلقبه على ذلك الحرف من غير أن أورد شيئاً من أخباره فيه، إنما أدل على اسمه واسم أبيه لتطلبه في موضوعه). وشارفنا الجزء الثاني فلم نجد ياقوتاً قد وفى بوعده لأنه أنتقل من تراجم ذوي الهمزات إلى تراجم ذوي الباءات ولم يذكر بينهما فصلا مما أشار إلى نوعه. وأنا لا تدري أأنتبه غيرنا إلى هذا النسيان من ياقوت أم لا؟.
قرأنا الجزء السادس المذكور في أوقات الاستراحة بمدة قراب أسبوع ومن يسرق أوقات الراحة للقراءة لا يؤمل من قراءته فائدة تامة ولا نظرة لامة، ولكننا مع تلك الحال نعرض ما استوقفنا في هذه القراءة فلعل فيه ما يستحق الوقوف والعلاج فنقول:
(الباقي للآتي)
مصطفى جواد
стр. 5895
٥٧ - المصطلحات العلمية حول نقد معجم أسماء النبات
بقلم الدكتور محمد شرف
٧٦ - مصطلحات النبات ونقد معجم الدكتور احمد عيسى بك
للدكتور المذكور
كل عربي يشهد للدكتور محمد شرف بك تفوقه في الوقوف على الأوضاع العلمية، ولا
سيما ما يتعلق منها بالطب، والعلوم الطبيعية، والكيمياء. وقد أراد الدكتور احمد عيسى بك أن يجاريه في هذا المضمار، فظهر قصوره فيه. واحسن دليل على ذلك، هفواته بل عثراته لا بل سقطاته الهائلة. ويجدر بالدكتور احمد عيسى بك أن يشكر ناقده على ما عاناه من المشقات، لتخليص ديوانه من المعايب والشوائب. فإذا كان قد قصر في هذا الباب. فنحن نمحصه الثناء وكالة عن المنتقد. إذ بعد هذا يستطيع صاحب (معجم أسماء النبات) أن يصوغ كتابه صوغاً جديداً حرياً بكل ثناء وحمد.
٧٧ - أرغن الأقدمين
على ما جاء في الأصول الشرقية (بالإنكليزية)، من وضع جرجيس فارمر، وثمنه ١٥ شلناً ونصف.
هنري جرجيس فأمر من المولعين بتأليف الكتب الباحثة عن الغناء الشرقي وآلاته وأوضاعه. من اجل تصانيفه في هذا الموضوع: ١ - تأثير العرب في نظرية الموسيقى. ٢ - المخطوطات العربية الموسيقية في الخزانة البدلانية. ٣ - تأثير الموسيقى على ما جاء في المصادر العربية. ٤ - تاريخ الموسيقى العربية إلى المائة الثالثة عشرة. ٥ - أحداث تاريخية في تأثير الموس٧يقى العربية. ٦ - مباحث عن الآلات الموسيقى الشرقية. وهذا يدلك على أن الرجل قد تفرغ لهذا الموضوع اكثر من سواه. هذا فضلا عن أنه واقف على اللغات العبرية
стр. 5896
والآرمية والعربية وقوفاً يقرب له أباعد هذا الفن. فن الإيقاع والغناء.
وقد عقد ديوانه هذا على ثمانية عقود أو فصول. وتوطئة ومقدمة وثلاثة ملحقات. ودونك عناوينها: الفصل الأول في الأرغن - الثاني في اختراع الأرغن - الثالث الأرغن على ما جاء في الأصول العبرية - الرابع الأرغن على ما جاء في المصادر السريانية - الخامس الأرغن على ما ورد في الموارد العربية (أرغن النفخ) - السادس الأرغن على ما ذكر في الأسانيد العربية (أرغن الماء) السابع الأرغن على ما نقل في الدواوين العربية (الأرغن البوقي) - الثامن أرغن العرب في ديار الغرب.
وبعد هذه الفصول ملحق أول في الأقيسة العربية المستعملة في هذا الكتاب - ملحق ثان في
أرغن هيرون - ملحق ثالث في أرغن كرشر - أسامي الكتب التي اعتمد عليها في وضع الكتاب - فهرس.
فهذا كاف ليدلك ما عليه هذا الديوان البديع. وقد زينه صاحبه بسبعة عشر رسماً إيضاحاً للمواضيع. والرسم الأول مزين بالألوان الزاهية. وقد أبدع المؤلف في الاهتداء إلى الأوضاع العلمية العربية فأنه لم يغلط فأنه لم يغلط في واحد منها:
مما يفهمك أن الرجل صادق الوقوف على كل ما في فن الغناء من المصطلحات ونحن لا نشك في أن هذا السفر يروج رواجاً عظيماً بين ظهراني أبناء العلم والأدب والتحقيق.
على أننا كنا نود أن لا نرى على غلاف جلد الكتاب وهماً شنيعاً. فقد طبع هناك ما هذا بحروفه: (الأرغن الأوايل من أصول عبراني وسورني وعربي لهنري جرجيس فارمر) ولعله يريد أن يقول: (أرغن الأوائل على ما في الأصول العبرانية والسوريانية والعربية لهنري جرجيس فارمر.) أو مما يقرب من هذه الألفاظ.
وكنا نود أيضاً أن نعرف وضع الكتاب قبل إخراجه إلى عالم الطبع لندل صاحبه على ثلاث نسخ من كتبنا في هذا الموضوع وهي: الفتحية لمحمد بن عبد الحميد اللاذقي - والموسيقى الشرقية وهي بالفارسية وفيه العود رسماً بديعاً
стр. 5897
بألوان زاهية وتفاصيل دقيقة - وكتاب ثالث لم يحضرنا الآن اسمه، وهو جليل في بابه أيضاً. وعسى انه يستفيد من هذه المخطوطات حين يؤلف كتاباً آخر في الغناء الشرقي ولا سيما العربي منه.
٧٨ - الأصول العراقية (بالإنكليزية)
أو السكان الأصليون الذين في الشرق الأدنى، تأليف افرائيم أ. سبايزر الأستاذ المساعد في الساميات، في جامعة بنسلفانية (أمريكة).
أهدى إلينا أحد الأوداء هذا السفر التاريخي في اصل الشعوب التي أوت إلى ديار العراق من شماليه إلى جنوبيه ومن شرقيه إلى غربيه فبحث أولا في خطة كتابه ثم انتقل إلى ذكر العيلميين والشمريين وفي الفصل الثالث تكلم على اقدم حضارة وجدت في الشرق الأدنى ومنه انتقل إلى الفصل الرابع وفصل الكلام على اللولو والكوتي فرجح أنهما اللور والكرد. ثم جاء إلى الفصل الخامس فأطال البحث عن الكشيين والهريين، وختم الكتاب بالمماسات التي وجد فيها أولئك الأقدمون فاستنتج استنتاجات معقولة كلها مصوغة في قالب العلم
والتدبر مما يدل على سمو مدارك المؤلف وعدم إيناسه إلى الأقوال الفارغة والخرافات المزوقة ولا جرم أن هذا السفر التاريخي ضروري لكل عراقي يريد الوقوف على ما كان أهل هذه الربوع من الأصول والرسوس. وان لم يكن في هذا التأليف الكلام الفصل في الموضوع الذي عالجه، إلا أنه مهد له تمهيداً حسناً. لكفى،
٨٨ - مذكرات لجنة المستشرقين (بالروسية)
المجلد الخامس في ٨٣٦ ص بقطع الثمن
في كل مدة تصدر هذه اللجنة مجلداً حاوياً مقالات جليلة لأعظم مستشرقي ديار الغرب وهي كلها مكتوبة بالروسية ومن موضوعات هذا السفر: علماء النهضة الإسلامية - مخطوط في التاريخ لا يعرف صاحبه وهو في تاريخ الخلفاء الراشدين وآثار الملوك من بني أمية - أبيات عربية للشاعر فضولي - وهو تركي من اصل كردي بغدادي المولد - الألفاظ العربية في اللغة المغولية - النص الأصلي للترجمة اللاتينية التي نقل إليها (لاهوت ارسطو طاليس) (كتاب اثولوجيا)
стр. 5898
الحروف الحقلية العربية وتصوير مخارجها (بثلاث صور) - الأصول العربية في اللغة البشكيرية - قدح ساساني غير معروف وعليه كتابة فهلوية (بلوحين وثلاث صور) - قصة عربية عامية ومؤازيتها باللغة الروسية - خاتم للخليفة الفاطمي الظاهر (بأربع صور) - محتذيات القرآن في بشكين ومصدرها - تأثير التركية في العربية - المرأة العربية الحديثة في الأحدوثة (نوفيل) - كأولية (نور) القريم - الأعلام والأولوية عند العرب - المطر والماء والأنبتة في مدافن عرب الجاهلية - مواد فرينل المتعلقة بلغية أحكلى في جنوب جزيرة العرب - إبليس المغني - الخرمي الشاعر العربي الصفدي الأصل - زيادة أنباء في نقود الخلفاء - روايات عربية وعبرية لرسالة الفلسفة المنسوبة إلى داود ابن مروان المقمص - مأثورات إسلامية تتعلق بالأنبياء - اللغة العربية الشائعة في قشلاقات ازبكستان - اصل أسماء الأرقام العربية - اسم البحر الأسود في فارس قبل الإسلام - زيادة أنباء على لسان البلوص (البلوج) وأخلاق قومهم - أربعة كاب خطية من مجموعة أ. كراتشكوفسكي - اسامي مؤلفات أ. كراتشكوفسكي.
هذا بعض ما في هذه المجموعة النفيسة وهناك مقالات آخر تتعلق بالترك والفرس وسائر أمم الشرق وكلها نفائس ودرر لا تقدر أثمانها.
٨٩ - مار انطوان التكريتي
بقلم مارسويريوس أفرام برصم مطران سورية ولبنان على السريان
هذه رسالة في ٧ صفحات تطلعنا على رجل من أعاظم رجال السريان الذين عنوا بمعالجة التصانيف باللغة السريانية فاشتهر ببديع إنشائه وسمو أفكاره. وهذه الرسالة من احسن ما وضع في هذا الموضوع. على أننا نود أن ينقح صاحب السيادة نفسه مسودات الطبع ليزيل من رونقها بعض الأدران ففي ص (١ الآرامية (بمد الألف) وفي ص ٢ واضطلاعه من اللغات. وفي حاشية (للرهاء) وإماماً مرتاضا بالعلوم. - والمعروف عند العرب الآرامية (وزان سحاب منسوبة ومؤنثة) واضطلاعه باللغات (المجد الفيروزي أبادي وغيره) وللرها (بالألف بلا مد) ومرتاضاً في العلوم (بإبدال باء الاستعانة (في) كما لا يخفى على الفطن. على أن هذه الشوائب تعد شامات في وجه الحسناء، لان عبارة سيادته متينة تأخذ بالعقول فضلا عن الألباب.
стр. 5899
تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره
١ - وفاة الملك حسين بن علي
اهتزت أسلاك البرق في ٤ حزيران ناعية ملك العرب الأكبر، والد جلالة ملكنا المعظم وقد وقعت الوفاة في ٤ من الشهر المذكور (يونية) في عمان حاضرة شرقي الأردن اثر نزلة صدرية وافدة متعرقلة بذات الجنب الأيسر فانتهى جهاد الأعظم في سبيل تحرير العرب من اسر الخضوع للغريب، والكل يعلم أن السلطان عبد الحميد، ذيالك السياسي الداهية، كان يخاف هذا العدناني الجليل لكبر نفسه وطموحها إلى الحرية العظمى. فدعاه إلى الأستانة هو وأهل بيته فبقي فيها والعيون مبثوثة عليه لتترصد حركاته، إلى أن انقلبت حكومة السلطان ظهراً لبطن في سنة ١٩١٢ وكان من اجل العاملين في قلب تلك الحكومة.
ولما كانت الحرب العظمى الطاحنة سنحت له الفرصة لتحقيق أمنيته فأعلن الثورة العربية في سنة ١٩١٦ بعد مفاوضات طويلة للسلطة الإنكليزية، ثم نودي به ملك الحجاز وبعد حين اخذ إلى قبرس على غرة. وبعد إقامته فيها حيناً هبط عمان بجانب ابنه الأمير عبد الله وهناك قضى نحبه ودفن بكل تجلة في الجامع الأقصى في القدس الشريف.
فنقدم إلى جلالة ملكنا المعظم وسائر اخوته مع كل من ينتمي إلى البيت الهاشمي، ونرفع إليهم تعازينا ونشاطرهم الأسى. وفي حياة الخلف احسن سلوان على هذا المصاب الجلل.
٢ - تعزية قداسة البابا لملكنا المعظم
في ال ٦ من حزيران (يونيه) ورد نبأ برقي من الفاتيكان إلى الموصل على يد سيادة القاصد الرسولي. انطونين درابية يعزي بها قداسة البابا ملكنا المعظم، فأطارها بالبرق سعادة متصرف الموصل إلى أربل حيث كان جلالة مليكنا المحبوب وهذا نصها المترجم:
مدينة الفاتيكان في ٦ - ٦ - ٣١
إلى سيادة درابية في الموصل
قداسة البابا تأسف جداً لوفاة والد
стр. 5900
ملك العراق. ويكلف سيادتكم أن تقدموا تعازيه الصميم إلى جلالة ملك العراق وأسرته الملوكية وأمته النبيلة.
الكردنال فاسيلي
٣ - جواب جلالة الملك
اربل ٧ - ٦ - ٣١
الموصل: القاصد الرسولي
إن تعزية قداسته كانت التسلية العظمى لي ولعائلتي. الرجاء إبلاغ شكري لمقامه
فيصل
٤ - لجنة النقود العراقية
صدرت الإرادة الملوكية بتعيين لجنة النقود العراقية وتأليفها من هؤلاء الأعضاء وهم:
١: السر أدورد هلتن ينغ رئيساً
٢: جعفر باشا العسكري عضواً
٣: السر برترام هورنسبي عضواً
٤: المستر جاكب سيلاس هاسكيل عضواً
٥: الفيكونت غوشين عضواُ
٥ - حرائق شهر أيار (مايو)
يؤخذ من رفيعة مصلحة الإطفاء الشهري انه حدث في العاصمة في شهر أيار الماضي ثلاثة عشر حريقاً. وبلغت الخسائر نحو ٢٤ ألف ربية. ومعظم المحلات التي وقعت فيها النار كانت مضمونة لدى شركات الضمان المختلفة.
٦ - تعين المحامي طاهر أفندي القيسي حاكما
صدرت الإرادة الملكية بتعيين حضرة المحامي القدير والقانوني الشهير طاهر أفندي القيسي حاكماً في محاكم مدينة العراق. وقد عرفنا الأستاذ القيسي منذ نحو عشر سنوات، فوجدناه علي الأخلاق شهماً، أبياً. وله وقوف واسع على الحقوق العراقية. ولذا كان تعيينه في محله. فنتمنى له الرقي الدائم لأنه أهل له. ونشكره على ما أداه من الأيادي البيض إلى إرادة هذه المجلة، ولا جرم أن الجميع يشكرون له معنا حسن صنيعه
٧ - تعيين مناطق المحاكم الكبرى في العراق
صدرت الإرادة الملكية بتعيين مناطق المحاكم الكبرى في العراق على الوجه الآتي:
منطقة - بغداد
منطقة البصرة، وفي ضمنها العمارة والمنتفق.
منطقة الحلة؛ وفي داخلها الديوانية وكربلاء.
منطقة ديالى.
منطقة الموصل.
منطقة كركوك، وفي محتواها السليمانية واربل.
стр. 5901
٨ - إلغاء بعض الأقضية التالية:
عزمت حكومتنا على إلغاء الأقضية التالية:
في لواء الحلة: القاسم والخواص.
في لواء المنتفق: الكبائش والمديناوية.
في لواء الموصل: ناحية مركز الموصل وباعشيقا والشيخان.
في لواء البصرة: الشافي والهارثة.
في لواء الديوانية: الحمزة والفوار والبدير.
في لواء كركوك. ناحية مركز كركوك الشبيكة.
في لواء الكوت: جصان.
في لواء الدليم.: الرحالية.
في لواء ديالى: شهرابان.
٩ - شروط الإجازة للمتاجرة بالآثار القديمة
وضعت وزارة المعارف صورة الإجازة التي يجب أن تعطى المتاجرين بالآثار القديمة واهم شروط هذه الإجازة تكون كما يلي: (بحروفها الأصلية)
١ - تكون المدة التي يسري بها مفعول هذه الإجازة سنة واحدة.
٢ - على صاحب الإجازة أن بعلق على باب محل أشغاله لوحة يكتب فيها (مرخص للمتاجرة بالآثار القديمة).
٣ - على صاحب الإجازة أن يقتني القيود الآتية: -
(١) قيد للمخزن يبين جميع الآثار القديمة التي حصل عليها والمصدر الذي أستحصلها منه.
(٢) قيد يبين بيع الآثار يومياً.
(٣) على صاحب الإجازة أن يخبر مدير الآثار القديمة عن أية عادية يستحصلها، كما أن صاحب الإجازة للمتاجرة في بغداد أن يعرض على المدير المذكور كل اثر لأجل الفحص.
(٤) على صاحب الإجازة أن يحفظ جميع المواد الأثرية التي في حوزته في محلات تكون فيها هيئة للتفتيش من قبل الشخص الذي يفتش محل اشتغاله: وفقاً للمادة الثانية عشرة من قانون الآثار القديمة.
(٥) إذا ما حصل صاحب الإجازة أو اشترى، أو باع آثاراً قديمة. أو حاول إستحصال، أو شراء، أو بيع آثار قديمة بنفسه كان ذلك، أو بواسطة عامل، وذلك خارج بلدة. فيعتبر مخالفاً لشروط هذه الإجازة.
(٦) لوزير المعارف، الحق بإبطال الإجازة الممنوحة بناء على طلب مدير الآثار القديمة عند مخافة صاحبها لأي شرط من شروطها، أو أي شرط من شروط القانون المذكرة.
стр. 5902
(٧) لا تخول هذه الإجازة صاحب الإجازة تصدير أي اثر قديم إلا بالصورة التي تتفق والمادة الثالثة عشرة من القانون المذكور.
وعلى جميع حاملي الإجازات حتى تاريخ هذا البلاغ، أن يقدموا إجازتهم فوراً إلى مدير الآثار القديمة الذي سيصدر إجازات جديدة بدلا منها، وتعتبر حتى صدور الإجازات السارية المفعول لآن معدلة بصورة تتفق وشكل الإجازة المارة الذكر، على أن تستعمل فقط للمدينة التي فيها لصاحب الإجازة محل اشتغال.
١٠ - خزان ماء كبير في الكرخ
بعد أن عم أجراء الماء المصفى معظم محال العاصمة. رأت لجنة أجراء الماء انه من الضروري أن تقيم خزاناُ كبيراً في الكرخ بدلا من الخزان الحالي وتكون سعته ألف غالون. ولهذا تأهبت لهذا السعي وباشرت العمل في أوائل أيار. وقد تم الآن وهو بديع الصنع محكمه.
١١ - سيارات اللاسلكي في الحجاز
وصلت في الأسبوع الثاني من شهر أيار الشحنة الأولى من أدوات اللاسلكي التي كانت أوصت بها الحكومة الحجازية في لندن، ومع هذه الشحنة أربع سيارات عليها مكتبات لاسلكية خصوصية.
стр. 5903
العدد ٩٣
الخنساء
- (؟ - ٦٧٠م)
توطئة
غير خاف، أن النساء بلغن في الشعر أوجاً عالياً، وأصبن منه حظاً وافياً، وأتين فيه بعقائل الأبيات، وجلائل المرثيات. ففي كل عصر لهن نصيب، وفي كل مكان حماهن خصيب، وكتب العرب تفيض بتراجم الشواعر النابغات، اللائى صادقتهن غر القوافي، وعنت لهن جوامع القريض، ففاضت جوارحهن عقود شعر، وسالت أنفسهن قلائد أبيات، ولا غرو، فقلوبهن بالإحساس فياضة، وهي في الأحزان قيثارة الآلام. وفي الحبور نغمات السرور. وقد نالت بينهن خطر الأسبقية، خنساء المراثي وذلفاء القصيد، التي تمخضت بها الجاهلية، واحتفى بها الإسلام، شاعرة فذة. من مواهبها الشعر بأعزه، وحباها النطق حلل الرثاء صاغرة. ففاقت الرجال في مواطن البكاء، وبزت النساء في الندب وإثارة الشجون. فهي بحق اشعر الشواعر، وشعرها في غاية الإبداع والانسجام. فكم من مرة جالسناها، نستأنس اشعارها، ونلتقط درر الكلام منها، ونأنس إليها إذا السآمة حلت بنا، والملل تطرق علينا. ففيها نعم المفرج، والصديق الأنيس.
стр. 5904
المرأة نشأتها
من الخنساء هذه التي طالما أشار إليها الشعراء، وتغنى بها الأدباء، وحث على مصاحبتها العلماء؟ هلم نستفسر الكتب - يحدثنا الرواة أنها تماضر بنت عمرو ابن الحرث بن الشريد بن الرياح من بني سليم، ويخبروننا أن لقبها الخنساء - ولعلهم أرادوا بذلك مشابهتها للظباء؛ فالخنساء صفة الظبية. والخنس تأخر الأنف عن مستواه مع ارتفاع في أر نبته - استقبلت الحياة، في القرن السابع للمسيح. وشبت في بني سليم. وروت الشعر فتاة، ولم تؤت بلاغة وسحراً حلالا، إلا حين نفذ سهم القتل في أخويها، فعندها خر لها القريض، واسلمها قياده طائعاً. فرثتهما رثاء والهة مفجوعة، وبكتهما عويلا وندباً حتى المنية.
في الجاهلية زواجها - مصابها
كانت الخنساء بلا شك جميلة، حتى كثر خطابها، وأزواجها، ويقول القصاص، أن ممن راد
حولها وهم بجعلها حليلة له فارس هوازن، دريد بن الصمة وهو إذ ذاك شيخ كبير، قد لفحته الأيام، وقد انشأ فيها شعره المشهور:
حيوا تماضر واربعوا صحبي! ... وقفوا فان وقوفكم حسبي!
أخنساس؟ قد هام الفؤاد بكم ... وأصابه تبل من الحب. . .
وكان من رفضها إياه ما كان، ثم خطبها رواحه بن عبد العزيز السلمي. ومات، فتزوجها عبد الله بن العزى، من بني خفاف. واتت منه بعبد الله بن عبد العزى. ثم خلف عليها بعده. مرداس بن أبي عامر السلمي. فاتت منه بولد اربعة، استشهدوا كلهم في الإسلام، وقد نسب إليها صاحب الاغاني، أن العباس ابن مرداس الفارس الشاعر، من ولدها، وأبى هذا الزعم الكلبي. ولو سلمنا فرضاً بأمومتها له، لما همد جميع كتاب العرب عن ذكره، فنحن نعلم ما كان للعباس من مكانة لدى النبي محمد. وما له أيضا من مقام في الإسلام. فهو أحد فرسانه الفحول، وأبطاله العظام، ثم نعرف ما للخنساء أيضاً من حرمة ومنزلة، وذا يكفي لان تغص بطون الكتب بنسبه إليها، لدى ذكرها. فالعرب في نحو
стр. 5905
هذا، تثور عن شأنها في الاقتضاب. وتنسى عادتها، فتذكره - ولعلها تتبسط في ذكره، لو كان الكاتب مكثاراً - وتنسج حوله الأقاصيص، وتحوطه بالأشعار والأخبار المنحولة. شأنها في أمثاله. . . إذاً هذا مما يرفضه العقل؛ ويأباه البحث النزيه، ولا بد أن العباس، من ولد امرأة أخرى لمرداس.
لما كان داء العرب البادية: الغزو، كان لا بد لأخوي الخنساء منه. فهيأ معاوية ذلوله، واستقل البيداء مع فرسان قلائل. وغزوا بني مرة، وثار بعضهم على بعض. وتناهبوا بالسلاح، وسقط معاوية صريع سنان هاشم بن حرملة، وأثنى عليه بالسيف أخ لهاشم. ففاظ في يوم حورة الأول (حورة على الفرات تتوسط الرقة وبالس). . . فحن موطن الشعر، وأفاق عند أخته الخنساء، فرثته رثاءاً أليما. ثم أن هبت بصخر رياح المعاش، وصارخته الحاجة، فساق غزواً على بني اسد، فارتدع بطعنه ربيعة بن ثور في جنبه، فرجع إلى داره يساند نفسه. تعاوره الداء حولا، حتى مله أهله، وزاد بلاؤه، أن احب الناس إليه سئمته، ابنة عمه وهي زوجته سلمى، تأمل حالته، وقد أتاه قومه يعودونه، وسألوها (كيف اصبح صخر اليوم؟) فقالت: (اصبح لا حياً فيرجى ولا ميتاً فينسى) أليس يحفظ هذا صخراُ وقد
طرقه؟ إي احفظه، وقد رأى من وهب لها قلبه تجفوه، وتبغي موته، لتذهبه من الذاكرة، وقيل، انه يئس من الحياة، فعلقها بعمود الفسطاط حتى ماتت. ثم نكس هو من بعدها، ومات من كان وحده سلوة ورجاء الخنساء، ففاض إذ ذاك معين الشعر، ونبعت أبحر القريض، فبكته أمر بكاء، وحبته قلائد الرثاء.
في الإسلام - إسلامها - محنتها
ظهر النبي محمد. ودعا للإسلام، فتوافدت عليه قبائل العرب، ومنها سليم ومنهم الخنساء، فأسلمت. وروت الرواة أنها مع إسلامها، لم تدع تسلبها على أخويها، ولا عادات أخر نهي عنها. وظلت تندت أهلها، وتخص صخراً بأكثر لوعتها وتفجعها، وحدثونا أيضاً أن قومها حاولوا كفها، فلم تقلع، وجفاها البصر، وقرحت مآقيها، فذهب نفر منهم عمر بن الخطاب، وهو إذ ذاك خليفة
стр. 5906
المسلمين، وسألوه أن يعمد بحكمته ودرايته، فينهاها، فأجاب سؤلهم واتاها فقال: (ما قرح مآقي عينيك يا خنساء؟) قالت: (بكائي على السدات من مضر) قال: (حتى متى يا خنساء؟ اتقي الله! إن الذي تصنعين، ليس من صنع الإسلام وانه لو خلد احد، لخلد رسول الله ﷺ ، وإن الذي تبكين هلكوا في الجاهلية، وهم أعضاء اللهب، وحشو جهنم.) قالت: (ذك أطول لعويلي عليهم.) قال: (فأنشديني مما قلت). قالت: (أما أني لا أنشدك مما قلت اليوم، ولكن أنشدك مما قلت الساعة: وقالت:
سقى جثاً، أكناف غمرة دونه ... من الغيث، ديمات الربيع ووابله
. . الخ
فأشفق عليها عمر، ورأف بها، وقال: (لا ألومك يا خنساء في البكاء عليهما، خلوا سبيل عجوزكم، لا أبا لكم، فكل امرئ يبكي شجوه). لقد ذهبت محاولته عبثاً، ورق لها، وفك سبيلها، وقد سواه كثير ردعها، فلم يفلحوا، ومنهم أم المؤمنين عائشة.
انظر إليها. لما ضرب على المسلمين، البعث والجهاد لافتتاح الأقطار وامتلاك الأمصار. وكانت القادسية المشهورة (١٦هـ - ٦٣٧م) كيف أقبلت بأولادها تحضهم وتحثهم على القتال، والاستشهاد في سبيل الإسلام، وإعلاء منارة وبأداتهم بقولها النصوح: (يا بني أنكم أسلمتم طائعين، وهاجرتم مختارين. والله الذي إلا إله إلا هو، أنكم لبنو رجل واحد، كما أنكم بنو امرأة واحدة؛ وما خنت أباكم، ولا فضحت خالكم، ولا هجنت حسبكم، ولا غيرت
نسبكم وقد تعلمون ما اعد الله للمسلمين من الثواب الجزيل في حرب الكافرين، واعلموا أن الدار الباقية، خير من الدار الفانية. يقول الله : (يا أيها الذين أمنوا، اصبروا، وصابروا ورابطوا، واتقوا الله لعلكم تفلحون.) فإذا أصبحتم غدا إن شاء الله تعالى سالمين. فاغدوا إلى قتال عدوكم مستبصرين، وبالله
стр. 5907
على أعدائه مستنصرين، فإذا رأيتم الحرب قد شمرت من ساقها، واضطرمت ناراً على سباقها. وحللت لظى على أوراقها، فتيمموا وطيسها، وجالدوا رئيسها عند احتدتم خميسها. تظفروا بالمغنم والكرامة في دار الخلود والمقامة). نعم القول والتحريض والتعديل، وانم من البيان لسحراً! ولا بدع أن بادر أبناؤها إلى المعمعة، ويمموا وطيسها، وجالدوا حتى سقطوا في حومتها. ونعم لقول أجابتها عند إبلاغها الخبر: (الحمد لله الذي شرفني بقتلهم، وأرجو من ربي أن يجمعني بهم مستقر رحمته).
وفي موتهم تداركتها المحنه الثانية، فقد مات أخواها في الجاهلية قتلا وكذاك بنوها في الإسلام، ولكنها كانت كما يبدو لنا، أكثر تأثراً واشد ولهاً وحزناً على أخويها منها عليهم. فقد تعزت عنهم بموتهم في نصرة الدين. وقد أجرى عليها كرم عمر بن الخطاب ارزق أولادها الأربعة.
يد الرواة في شعرها
تغلغل الرواة وأمعن القصاص. انتحالا واختلاقاً في حياة شاعرتنا، شأنهم في سائر الأخبار الجاهلة وخضرمتها، فلا نعرف من نسيج أعمالها سوى ما حاكته أيدي الصناع المنتحلة. فهم يدعون أن ولدها أربعة. وهم: يزيد ومعاوية وعمر وسراقه. وتارة يحذفون أحدهم؛ ويدعون أن العباس بن مرداس من ولدها، فهم يتنافرون في حياتها، تنافرهم في شعرها. فنراهم يروون لها شعراً رواه بعضهم لشاعر آخر، هاك هذه القصيدة التي يروونها في صخر أخيها، ومطلعها:
لعمري! وما عمري علي بهين ... لنعم الفتى أرديت آل خثعما. . .
هنا العجب العجاب، أن قتلة صخر لم يكونا كن نعلم من خثعم والشعر واضح الانتحال، بينه، ويرويه أبو عبيدة لريطة بنت عباس الأصم الارعل. في أبيها قتبل خثعم، هناك موقف آخر، تناول هذه الأبيات:
من لامني في حب كرز وذكره ... فلاقى الذي ألقيت إذ حفر الرجم
فيا حبذا كرز إذا الخيل أدبرت ... وثار غبار في الدهاس وفي ألاكم
فنعم الفتى تعشو إلى ضوء ناره ... كريز بن صخر لليلة الريح والظلم
стр. 5908
إذا البازل الكوماء ضنت برفدها ... ولاذت لواذاً بالمدرين بالسلم
فقد حان من أناس ورفدهم ... بكفي غلام، لا خلوف ولا برم
أنها تندب ابن أخيها كرزاً، تلك التي لم ترث بنيها بما يجب على أم والهة ثكلى - نعم! وان وجدت إلى الصبر والعزلة سبيلا لموتهم في نصرة الإسلام - فلها قلب الوالدة. وهل من والدة لا تبكي أولادها؟ فكيف حل لها أن تبكى كرزاً وتتناساهم؟ ألعلها نادبته لبنوته لصخر؟ لعمري أي الرواة نذاهب؟ ألست تشعر بوطأة القصاص بهذا الشعر، أو لست تشعر باضطراب وشك، إذ ينسبه بعضهم إلى العباس بن مرداس؟ إذاً نرفض نسبة هذه الأبيات. ولكن لماذا نرى ديوانها يكاد يكون جله أو كله في اخويها، بينما تخص زوجها وبنيها ببعض ساقط شعرها ومنبوذه. قد نجد بعض الرد المقنع عن زوجها، انه كان مقامراً متلافاً للارزاق، خسيساً فلذا لم ترثه، ولعلها حمدت الله على إفلاتها منه. أما بنوها والبنون من الوالدة في موضع الضعف والإحساس، ولاسيما في مثل شعور ورقة الخنساء - فلم لم تقم بواجبها نحوهم؟ هنا نجدنا أمام معضلة. فقد أثبت الرواة لها في أخويها. أبدع القصائد واطرب الأبيات، فهل كانت تكره أولادها؟ أولادها من هم فلذ كبدها. وقطعة من روحها حتى تجافت عن ذكرهم. هذا محال وبعيد الوقوع. إلا فما حضتهم على طلب الآخرة. ثم تشرفت بقتلهم! حقاً أن هنا لناحية تعنت، وسهو، وتخليط من الرواة في اختصاصهم رواية شعرها بأخويها، أم هناك تلاعب وغش كبير؟ الحالة تدعونا أن نشك حينما أدرنا الطرف. وفي شعر انتقيت، أحسست به اضطراباً ولو بشيء. هنا وقفة لا تقل عن سوابقها، غرابة وحظاً فاسداً. يحدثنا (أبن العربي) أن أمير المؤمنين عمر ابن الخطاب أتاها يكفها عن العويل والبكاء. ولما أن سألها شعراً، قالت: (أما أني لا أنشدك مما قلت اليوم، ولكن أنشدك ما قلت الساعة). وأنشأت تقول:
سقى جدثاً أكفاف غمرة دونه ... من الغيث ديمات الربيع ووابله
أعيرهم سمعي إذ ذكر الأسى ... وفي القلب منه زفرة ما تزايله
وكنت أعير الدمع قبلك من بكى ... فأنت على من مات بعدك شاغله. . .
стр. 5909
وتحدثنا الرواة أيضاً أنها أنشدته أيضاً قصيدتها التي مطلعها:
هريقي من دموعك واستفيقي ... وصبراً إن أطقت ولم تطيقي
. . . الخ
يحدثونا أن جميع ذلك أنشأته لحظة حديثها، وبدون ترو ومهلة، ولعلهم أرادوا مداراة الانتحال بصبها في هذا القالب. ولم يدروا أن هذا ادعى إلى الشك واحمل على الرفض. ناهيك بان ليس من بيت في كلتيهما روي في صورة واحدة، فلابد من اختلاف وتناقض مقاطع وكلمات، بل في المعاني أيضاً، مما يثبت أن الرواة كانوا يعمدون إلى قصائد المتقدمين، فلا يفتأون يغيرون فيها ويكيفونها ويثقفون ما اعوج ويجددون ما بلي من ألفاظها على حسب ذوقهم حتى تستقيم على وزن عصرهم، ويحلو نغمها فيدونونها، وقد يعمد أيضاً آخرون إلى مدوناتهم فيقومونها بمطلبهم، فإذا ما وصلتنا مخطوطاتهم جميعاً وتلقفتها فاحصين ما وجدناها إلا سوى طائفة أخلاط لا تستقيم على وزن، وهي مبعدة لنا منفرة من الركون والإيمان بما لدينا من أمثالها الأشتات الخرافية.
هل لشعرها من قيمة؟ ما هي؟
إذا جئنا نبحث عما لأشعار الخنساء من قيمة تاريخية عثرنا عليها بما أوردناه وهي ابعد من أن تؤدي أي فائدة لهاته الوجهة، سوى أن ترجح فينا الشك وتقوي فينا عامل الرفض لكل الأشعار المنسوبة للمتقدمين، وتدغم فينا دافع قذفها إلى الحضيض، لكننا أن وددنا معرفة قيمتها لغوياً وأدبياً، وتغاضينا عن انتحالها، وهل من إفادة للمتأدبين؟ - وجدناها في مكان عظيم، وكنزاً لا يفنى ففيها من سمو الخيال وعلو المعنى ورقة الافتتان، وحسن السبك ما هو في أعلى منزلة واجل مكانة. وقد شاء قصاصها بذكر ما كان للخنساء من إكرام واعتبار في الجاهلية وعزة في الإسلام. وكيف كانت الشعراء الفحول تتسابق إليها وتشد لها بالتفوق. وكفى أن تعلم أن النبي كان يكرمها ويستشهدها. واتفق أن وافاه عدي بن حاتم وفخر عليه بقوله: (يا رسول الله. إن فينا اشعر الناس وأسخى الناس، وأفرس الناس) فقال: (سمهم) قال: (أما اشعر الناس فامرؤ القيس بن حجر وأما أسخى الناس، فحاتم بن سعد (يعني أباه). وأما أفرس الناس، فعمرو بن
стр. 5910
معد يكرب) فقال: (ليس كما قلت يا عدي،
أما اشعر الناس، فالخنساء بنت عمرو. وأما أسخى الناس فمحمد (يعني نفسه). وأما أفرس الناس، فعلي بن أبي طالب). فهنا نالت مديحاً وافراً وخصها بقوله: (اشعر الناس) ولا بد أن شعرها كان سامياً جداً حتى ينال ذلك الإطراء. والرواة أذن قد تعدوا عليه وارتكبوا جريرة بعبثهم بالتراث ولعله كان اجل وأسمى بكثير مما هو عليه الآن وفعلتهم به كعمل من يتناول أشعار المعري. أو الخيام، أو ابن الفارض، ويسهل ألفاظها ومبناها، ويملأها بذكر الطيارات والسيارات والدبابات، وأمثال هذه الآلات. ويتناسى قديمها مدعياً أن الأشعار بهذا التغيير والتكييف اقرب وأوفى بمقتضيات، ولغة هذا العصر. فأي مهزأة بل أي جرم هذا؟.
كثير من القصاص والكتاب يقدمون الخنساء على سائر الشعراء. فالمبرد وليلى الأخيلية يقدمنها على كثير من فحول الشعر. والحصري يصفها بأشعر نساء العرب طرأ وغيرها كثير. وليس من شك أن ما يحويه شعرها. لهو اجل ما تضمنه العربية من إثارة الكوامن النفسية، وتنبيه الشجون. وان في الاقتباس منه فائدة لا تنكر. . . نذكر أننا كنا نحادث المرحوم (الأب لويس شيخو) واتفق أن ذكرنا له عرضاً شغفنا بالخنساء أشعارها، واستطلعنا رأيه، فأجابنا ﵀ بما مؤداه: (إن كثيراً من الأدباء يبخسونها حقها بدعوى أنها امرأة، أو لجهلهم أشعارها المتينة. بينما هي حقاً تتفوق على كثير مما لدينا من أشعار المتقدمين والمتأخرين من رجال ونساء، ولاسيما في معرض الحزن والتفجع، فهي جديرة وجوباً أن تلحظ عطفاً من جميع المتأدبين ومن شبابهم خاصة).
مما هو حري بالذكر أن في شعرها الجليل الكثير من التفنن والسهولة، ما يجعله داني القطوف، شهي السماع. وان المتأدبين ليجدون ذلك فيه، مع ما ناله من تمزيق وإهانة من الرواة، معيناً عظيماً في تملكهم ناصية العربية. ونماماً يفضح أسرارها ويقرب غموضها إليهم. ومن محاسنه قولها:
يؤرقني التذكر حين أمسي ... فيردعني مع الأحزان نكسي
على صخر وأي فتى كصخر؟ ... ليوم كريهة، وطعان خلس
فلم اسمع به رزاً لجن ... ولم اسمع به رزءأً لانس
стр. 5911
اشد على صروف الدهر آداً ... أفضل في الخطوب بغير لبس
واكرم عند ضر الناس جهداً ... لجا أو لجار أو لعرس
وضيف طارق أو مستجير ... يروع قلبه من كل جرس
فأكرمه وآمنه فأمسى ... خلياً باله من كل بؤس
ألا يا صخرُ لا أنساك حتى ... أفارق مهجتي ويشق رمسي
يذكرني طلوع الشمس صخراً ... واذكره لكل غروب شمس
فلولا كثرة الباكين حولي ... على إخوانهم لقتلت نفسي
ولكن لا أزال أرى عجولا ... ونائحة تنوح ليوم نحس
هما كلتاهما تبكي أخاها ... عشية رزئه أو غب أمس
وما يبكين مثل أخي ولكن ... اسلي النفس عنه بالتأسي
فقد ودعت يوم فراق صخر ... أبى حسان لذاتي وانسي
فيا لهفتي عليه ولهف أمي! ... أيصبح في الضريح وفيه يمسي؟
ومما يستحسن من شعرها أيضاً. قولها:
ألا يا صخر أن أبكيت عيني ... فقد أضحكتني دهراً طويلا
بكيتك في نساء معولات ... وكنت أحق من أبدى العويلا
دفعت بك الجليل وأنت حي ... فمن ذا يدفع الخطب الجليلا
إذا قبح البكاء على قتيل ... رأيت بكاءك الحسن الجميلا
فأنت ترى من هذا رقة وبياناً، وتجد أن فاخر شعرها قالته في صخر. وقيل أن سبب ذلك ما أتاه لها من ضروب الإحسان، يوم كان زوجها متلافاً للأموال. فكان صخر لا ينفك من إعانتها ما وجد لذلك من سبيل، وبكته هذه البكاء الذي لم يرو التاريخ مثيله في شقيق، وانظر إليها تنتقل من غرض إلى غرض، ومن معنى إلى معنى. فبينما تجدها تتأسى عنه إذ تملكها الجزع فتندبه. خذها في المطلع تذكره:
يؤرقني التذكر حين أمسي ... فيردعني مع الأحزان نكسي
ثم يغريها الحزن فتثور باكية حين تقول:
ألا يا صخر لا أنساك حتى ... أفارق مهجتي ويشق رمسي!
стр. 5912
يذكرني طلوع الشمس صخراً ... واذكره لكل غروب شمس
ثم لا تراها إلا وقد عادت سكينتها تلتمس العزاء من وراء سجف الموازنة بين مصيبتها ومصيبة سواها من النوائح. فتقول:
وما يبكين مثل أخي، ولكن ... اسلي النفس عنه بالتأسي
فإذا هي تعود فتذكره تحت التراب موسداً، لا يأنسه صباح ولا مساء فتضطرب وتثور معولة. باكية مسائلة:
فيا لهفي عليه! ولهف أمي! ... أيصبح في الضريح وفيه يمسي؟
من الله رحمة وشفقة للملهوف المحزون! فهو أبداً يذكر مصيبة ووطأة حزنه، ويضطرب. لا يقر له ولا يهدأ على حال! انظر إليها كيف تذكره إذ كان يضحكها ويسليها ويجلو همها. ثم اعكف وتمثل ما تفيض به الأبيات التالية من عبرات ولهفات وحسرات:
ألا يا صخر إن أبكيت عيني ... فقد أضحكتني دهراً طويلاً
بكيتك في نساء معولات ... وكنت أحق من أجرى العويلا
ثم تتمثل حماه للحي، وذوده عن الحياض. وقد عمدت الآن نصيراً ومناصراً فتجد أن بكاءه وندبه حلال واجب، ولو كره المقبحون:
دفعت بك الجليل وأنت حي ... فمن ذا يدفع الخطب الجليلا
إذا قبح البكاء على قتيل ... رأيت بكاءك الحسن الجميلا!
هكذا تعبث بها الهموم وتتقاذفها العواطف، وهي تجر الأحزان، ففي كل بيت جميل معنى، وعظيم مغزى. وفي كل بيت خيال رائع، وجمال ذائع:
أبت عيني وعاودها قذاها ... بعوار فما تقضي كراها
على صخر وأي فتى كصخر؟ ... إذا ما تاب لم ترأم طلاها
حلفت برب صهب معملات ... إلى البيت الحرام منتهاها
لئن جزعت بنو عمرو عليه ... لقد رزئت بنو عمرو فتاها
فتى الفتيان ما بلغوا مداه ... ولا يكدي إذا بلغت كداها
стр. 5913
له كف يشد بها وكف ... تجود فما يجف ثرى نداها
فمن للضيف أن هبت شمال ... مزعزعة تناوحها صباها
والجأ بردها الاشوال حدباً ... إلى الحجرات بادية كلاها
أحاميكم ورافدكم تركتم؟ ... لدى غبراء منهدم رجاها؟
فلم أملك غداة نعي صخر ... سوابق عبرة جلبت صراها
ترى الشم الغطارف من سليم ... يبل ندى مدامعها لحاها
على رجل كريم الخيم أضحى ... ببطن حفيرة صخب صداها
ليبك الخير صخراً من معد ... ذوو أحلامها وذوو نهاها
ويبك عليك قومك لليتامى ... وللهجاء أنك ما عناها
ليبكوا تشتجر العوالي ... بكأس الموت ساعة مصطلاها
فقد فقدتك طلقة فاستراحت ... فليت الخيل فارسها براها
وكنت إذا أردت بها سبيلا ... فعلت ولم يتممها هواها
فأنت ترى مما أوردناه. تشعب الأغراض وتناقل الأخبار دون تنافر المعاني وكم وكم في طيات ديوانها وشوارد أبياتها من معنى دقيق وخيال رائع، وجمال فاتن، وأذن فأنت لا شك توافق أنها نعم الخليل واصدق رفيق. وأوفى صديق وأنت تحكم أن في مصاحبتها غنى في الألفاظ وسمواً في التعبير وتأصلا في الاطلاع ونستطيع أيضاً أن نقول في غير حرج ولا خوف لائم. إنها تفوق أشعار معاصريها الجاهليين - إذ إن منبع الشعر عند الخنساء فاضت ثائرته في انصرام الجاهلية قبل انبثاق الإسلام. لذا يعد شعرها جاهلياً - في تربية الأفكار وتغذيتها. أفيحسب القارئ العزيز أننا نجد في الجاهلية افضل من هذه ذوقاً، ومعنى وجلاء:
كنا كأنجم ليل وسطها قمر ... يجلو الدجى فهوى من بيننا القمر
يا صخر ما كنت في قوم أسربهم ... إلا وانك بين القوم مشتهر
فاذهب حميداً على ما كان من حدث ... فقد سلكت سبيلا فيه معتبر!
لعلي أراك بعين بصيرتي، تلحظي لحظاً شديداً، وتمر على شفتيك بسمة تهكم، وتقول لي بشدة وحدة: (هلا علمت أن هذه الأبيات تروى لصفية الباهلية وان بيتها الأول يروي لمريم بنت طارق ووو. . . وألا ترى فيها كذا وكذا من
стр. 5914
تنعت وافتئات القصاص، وان الكثير من أمثاله يروى لغيرها وان عدة أبيات قد وردت في ديوانها، شطرها الأول يستهل بهذه:
(على صخر، وأي فتى كصخر. . .)
ترى كل هذا، ثم تأتي تحدثنا بفضل هذا الشعر، وهو كله مصنوع. . . لا أعارضك في
كونه منتحلا، ولكن على رسلك ياصاح، فنحن لو وددنا أن نبحث عن شعر صحيح الرواية لضاع تعبنا سدى، وأنفقنا العمر هباء منثوراً، ولما وفقنا لاستخلاص بيت الصحيح واحد من أشعار الجاهلين ومخضرميهم ونحن نعلم ما يعترضنا من العقبات الجسام، وما يكثر في طريقنا من المهاوي العميقة. ولو أردنا أن لا نتكسب الشعر إلا من معين صحيحه لوجوب أذن نفقد آدابنا أوفر كنز، واعز طرفها من المتقدمين، ولاضطررنا أن نترها أهم أعضائها.
أذن فأنت إمام أمر بارز، لا مماطلة ولا تلون فيه. هو أن في اجتناء أشعار المتقدمين فائدة عظيمة. وأذن لا لوم ولا حرج علينا إذا ما وصفناها بأنها تحفة مفيدة ثمينة لمن يقتنيها. ونخص شعر الخنساء في المقدمة:
فكأن الألفاظ فيه وجوه ... والمعاني ركبن فيه عيوناً
بركات في ٢ ديسمبر سنة ١٩٢٨م
ميشيل سليم كميد
تحية العلم
(للصف الخامس)
يا أيها العلم الأعلى نحييكا ... فدم رفيعاً مطاعاً أمر داعيكا
كن مطمئناً وفوق العز مرتكزاً ... وأعلم بانا بسيف الشعب نحميكا
أنا بني العرب لا نخشى إذا اضطرمت ... نار الحروب وبالأرواح نفديكا
سوى علوك لا نرضى ومأربنا ... ألا ينال لك الأعداء تحريكا
حماك فرض علينا لا نخل به ... فنحن بالحرب والأجبار نوفيكا
وخذ علينا عهوداً أن تكون لنا ... عزاً ومجداً ومأوى فخرنا فيكا
فدم لقوم ذوي سعي تليق بهم ... رمواً شريفاً يردوا بأس راميكا
أحيوك بعد جهاد قد أحاط به ... كل المصائب فاستكبر بمحييكا
مصطفى جواد
стр. 5915
الراية واللواء وأمثالها
الراية هي العلم ويقال فيها (الغاية) كما في قول عنترة العبسي بمعلقته:
ربذ يداه بالقداح إذا شتا ... هتاك (غايات) التجار ملوم
قال أبو زيد محمد بن أبي الخطاب القرشي الراوي لهذا البيت: (ربذ: أي خفيف والغايات: الرايات، والتجار: أهل الخمر، ملوم: الذي يكثر لوامه على أنفاق ماله) وقيل: (الغاية: الراية المنصوبة). ونحن نعتقد أن اصلها خرقه تجعل على قصبة، وتنصب في آخر المدى الذي تنتهي إليه المسابقة؛ ومن ذلك ما في قول الإمام علي - ع - يصف الإسلام: (رفيع الغاية، جامع الحلبة) ويقال للراية أيضاً: (الحقيقة). كما في قول عنترة:
ومشك سابغة هتكت فروجها ... بالسيف عن حامي الحقيقة معلم
قال أبو زيد القرشي: (المشك: المسمار، والحقيقة: الراية) وكذلك ما في مختار الصحاح. ويقال أن الراية في الأصل مهموزة، لكن العرب آثرت ترك الهمز تخفيفاً ومنهم من ينكر هذا القول ويقول: لم يسمع الهمز ومن ينعم النظر في بيت عنترة الأول يعلم أن الخمارين في الجاهلية كانوا يضعون لتجارتهم رايات، وكان للبغي الرقحاء في الجاهلية راية أيضاً، قال معاوية بن أبي سفيان لأبي يزيد عقيل بن أبي طالب - رح - (يا أبا يزيد فما تقول في؟). قال (دعني من هذا) قال معاوية (لتقولن) قال: (أتعرف حمامة؟) قال (ومن حمامة يا أبا يزيد؟) قال: (قد أخبرتك) ثم قام فمضى، فأرسل معاوية إلى النسابة فدعاه، فقال له: (من حمامة؟) قال النسابة (ولي الأمان) قال: (نعم) قال (حمامة: جدتك أم أبي سفيان كانت بغياً في الجاهلية صاحبة راية). فقال: معاوية لجلسائة: (قد ساويتكم وزدت عليكم فلا تغضبوا)، وكان عقيل قد ثلب أنسابهم واحداً واحداً لبادرة سيئة بدرت منهم إليه وكان نسابة علماً.
قال الطرحي في مجمع البحرين: (الراية: هي التي يتولاها صاحب الحرب
стр. 5916
ويقاتل عليها واليها تميل المقاتلة، واللواء علامة كبكبة الأمير تدور معه حيث دار) قلنا: ويجوز إطلاق اسم أحدهما على الآخر، وإذا أريد التخصيص قيل (اللواء الأعظم) ويطلق على الراية أيضاً (البند) وهو العلم الكبير في الأصل ولفظه فارسي معرب، فهو وان كان مقيداً بالكبر فيجوز تسمية الراية به.
رايات الدول الإسلامية
راية الجيش ملاذ له عند التفريق والاضطراب ومجمعة لقلوبه وعلامة لتمييزه عن غيره ومفخرة له حيث التقدم واحمرار البأس بالموت الأحمر ومهيجة للنفس ومشجعة للقلوب، فكأين من جيش أنهزم لسقوط رايته وكم خميس تشتت بقتل صاحب لوائه، لذلك كان القائد والأمير والملك والخليفة لا يسلم رايته إلاَّ إلى رجل وثيق أيد شجاع يتقدم بها إلى عدوه بقلب صبور وعزم غيور ويرى الموت سلماً إلى الفخر وشامخ الذكر، على أن منهم من كان يحمل الراية ابتغاء وجه الله وطمعاً في الآجر. قال الحصين بن المنذر: (أعطاني علي - ع - ذلك اليوم (يوم صفين) راية ربيعة وقال: باسم الله سر يا حصين وأعلم أنه لا تخفق على رأسك راية مثلها أبداً، هذه راية رسول الله - ص -) قال: (فجاء أبو عرفاء جبلة بن عطية الذهلي إلى الحصين وقال: (هل لك أن تعطيني الراية أحملها لك فيكون لك ذكرها ويكون لي أجرها؟) فقال الحصين: (وما غناي يا عم عن أجرها مع ذكرها) قال أبو عرفاء: (إنه لا غنى بك عن ذلك، ولكن أعرها عمك ساعة فما أسرع ما ترجع إليك) قال الحصين: فقلت أنه قد أستقتل وأنه يريد أن يموت مجاهداً. فقلت له خذها. . . فشد وشدوا معه فقاتلوا قتالاً شديداً فقتل أبو عرفاء - رح - وشدت ربيعة بعده شدة عظيمة على صفوف أهل الشام فنقضتها.
وقال الإمام علي - ع - في صفين لأصحابه: (ورايتكم فلا تميلوها ولا تزيلوها ولا تجعلوها إلاَّ بأيدي شجعانكم المانعي الذمار والصبر عند نزول الحقائق أهل الحفاظ الذين يحفزون برايتكم ويكشفونها. يضربون خلفها وأمامها ولا يضيعونها).
стр. 5917
والرايات في زمن النبي محمد - ص - لم تكن ذات لون واحد فمنها (العقاب) وهي راية سوداء لها حظ من أسمها، ففي يوم فتح مكة أقبل رسول الله - ص - معتجراً ببرد حبرة وعليه عمامة سوداء ورايته سوداء ولواؤه أسود حتى وقف بذي طوى وأمر بركز اللواء عند الركن وفي زاوية عند الحجون والعقاب هي الراية التي دفعها علي - ع - إلى أبنه محمد بن الحنفية يوم الجمل، وقال لحسن وحسين - ع - إنما دفعت الراية إلى أخيكما وتركتكما لمكانكما من رسول الله - ص - وكان النبي - ص - في الرايات إلى السواد أميل. ففي صفر من سنة (٣٧) بحرب صفين رفع عمرو بن العاص شقة خميصة سوداء
في رأس رمح فقال ناس: هذا لواء عقده له رسول الله - ص - فلم يزالوا يتحدثون حتى وصل ذلك إلى علي - ع - فقال: أتدرون ما أمر هذا اللواء؟ إن عدو الله عمراً أخرج له رسول الله - ص - هذه الشقة فقال: من يأخذها بما فيها؟ فقال عمرو: وما فيها يا رسول الله؟ قال: أن لا تقاتل بها مسلماً ولا تقربها من كافر، فأخذها، فقد والله قربها من المشركين وقاتل بها اليوم المسلمين.
وفي حرب صفين كانت راية الإمام علي - ع - سوداء أيضاً. ولما دفعها إلى هاشم بن عتبة بن أبي وقاص المرقال وأخذ مالك الأشتر النخعي يحرضه على الحرب وهاشم يتقدم قال عمرو بن العاص (إني لأرى لصاحب الراية السوداء عملاً لئن دام على هذا لتفنين العرب اليوم فلعل هذه الراية هي العقاب أيضاً، ويؤيد احتمالي هذا قول الأشتر إذ ذاك لأصحاب علي - ع - (وأعلموا أنكم على الحق وأن القوم على الباطل، إنما تقاتلون معاوية وأنتم مع البدريين قريب من مائة بدري سوى من حولكم من أصحاب محمد، أكثر ما معكم رايات قد كانت مع رسول الله (تقدم خبر راية ربيعة) ومعاوية مع رايات قد كانت مع المشركين على رسول الله. . .).
على أن رسول الله - ص - لما جهز جيش مؤتة جعل الراية بيضاء وفيها
стр. 5918
يقول كعب بن مالك الأنصاري:
ساروا أمام المسلمين كأنهم ... طود يقودهم الهزبر المشبل
إذ يهتدون بجعفر ولواؤه ... قدام أولهم ونهم الأول
وكانت راية ربيعه المذكورة (حمراء) قال نصر بن مزاجم (وحدثنا عمرو أبن شمر قال: أقبل الحصين بن المنذر (تقدم ذكره) يومئذ وهو غلام يزحف براية ربيعه - وكانت حمراء - فأعجب علياً - ع - زحفه وثباته فقال:
لمن راية حمراء يخفق ظلها ... إذا قيل: قدمها (حصين) تقدماً؟
ويدنو بها في الصف حتى يديرها ... حمام المنايا تقطر الموت والدما
وقرأت في شهر حزيران سنة (١٩٣١) في كتاب مذكرات المستشرقين بصفحة ٣٤٣ ما صورته: (وبراية بني أمية البيضاء وأعلام بني العباس السود) فعلمت أني مخطئ في قولي ب (٩: ٤٢١) من لغة العرب:
فذا الاحمرار علامة لأمية ... تلك التي هلكت بشر حسام
وسبب اعتقادي أن الحمرة شعار الأمويين قول المبرد (ويروى أن معاوية أبن أبي سفيان لما نصب يزيد لولاية العهد أقعده في قبة حمراء فجعل الناس يسلمون على معاوية ثم يميلون إلى يزيد. . .) وبهذا وهمت إلى ذلك، على أني كنت قرأت في ص ١٠٠ من صناعة الإنشاء لعز الدين علم الدين الشامي سنة (١٩٢٧ - ١٣٤٥) قوله (إن العلم العربي المربع الألوان هو رمز للتاريخ العربي والحضارة ذلك لأن اللون الأبيض يذكرنا بالدولة والحضارة العربية الأموية والأسود بالدولة والحضارة العباسية والأخضر بالدولتين والحضارتين الأندلسية والفاطمية والأحمر بالدول المغربية والهاشمية) فلم ألتفت إلى قوله لخلو كتابه من المسند التاريخي، ولخطأ في قوله، فالصواب أن أقول: (فذا الابيضاض علامة لأمية) والحكمة في مخالفة الألوان هي الدلالة على مخالفة القلوب والتباين في الحروب،
стр. 5919
وإذ كانت الدولة الراشدية العلوية شعارها السواد أتخذ معاوية البياض وكان معاوية في صفين يجلس في قبة بيضاء وإياها يعني الإمام علي - ع - بقوله كما في نهج البلاغة: (وعليكم بهذا السواد الأعظم والرواق المطنب فأضربوا ثبجه فأن الشيطان كامن في كسره وقد قدم للوثبة يداً وأخر للنكوص رجلاً، فصمداً صمداً حتى ينجلي لكم عمود الحق (وأنتم الاعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم) الأخير من القرآن.
وكان حريث بن جابر في صفين نازلاً بين الصفين في قبة له حمراء يسقي أهل العراق اللبن والماء والسويق ويطعمهم اللحم والثريد فمن شاء أكل ومن شاء شرب.
وكانت علامات جند العراق (الصوف الأبيض) وعلامات جند الشام (الخرق الصفر) وعلامات بعض الخيالة في عسكر معاوية الخضرة.
أما سبب اتخاذ العباسيين السواد شعاراً فما جاء في الحديث النبوي من طرق مختلفة وبصور متعددة من طلوع الرايات السود من قبل المشرق وبها لمهدي صاحب الزمان الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً. ولما أشرف عبد الله بن علي العباسي يوم الزاب في المسودة وفي أوائلهم البنود السود تحملها الرجال على الجمال البخت وقد جعل لها خشب الصفصاف والغرب بدلاً من القنا، قال مروان الحمار لمن حوله: (أما ترون رماحهم كأنها النخل غلظاً أما ترون أعلامهم فوق هذه الإبل كأنها قطع الغمام السود؟) وكان
العباسيون يظهرون للناس أن تمكنهم من الدولة الجديدة يكون باباً لحكم المهدي صاحب الأمر وذلك مسايرة لاعتقادات سواد الناس واحتيالاً للبحبحة، ولا أرى للمنصور سبباً حمله على تلقيبه أبنه محمداً ب (المهدي) سوى قطع ذلك الاعتقاد واثبات أن أبنه هذا هو المهدي الموعود وما أسرع ما قتل الشريف محمد بن عبد الله المحض النفس الزكية الملقب المهدي وإبراهيم أخاه لاحتكار المهدوية لأبنه ولتصفية الخلافة من هذا العكر المشفي بها على الفساد (على اعتقاده).
стр. 5920
ويروي أبو الفرج علي بن الحسين الأصفهاني قول أحد الأئمة الاثني عشر عن عبد الله المذكور (هذا مهدينا أهل البيت).
وتعصب الخلفاء العبابسة للسواد تعصباً شديداً فقد روى الأصمعي أن أبا أسحق إبراهيم بن محمد الفزاري دخل على هارون الرشيد. وأبو يوسف القاضي جالس إلى يساره فقال (السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته) فقال الرشيد: (لا سلم الله عليك ولا قرب دارك ولا حيا مزارك) قال: لم يا أمير المؤمنين؟ قال: أنت الذي تحرم السواد. قال: يا أمير المؤمنين. . . ووالله ما حرمت السواد. فقال الرشيد: فسلم الله عليك وقرب دارك وحيا مزارك أجلس أبا أسحق، يا مسرور ثلاثة آلاف دينار لأبي أسحق، فأتى بها فوضعت في يده فأنصرف وكان السواد واجباً في ألبسة رجال الدولة حتى الكتاب.
ولم يكن استشعار العبابسة للسواد مانعاً لبعضهم من اتخاذ الحمرة في الرايات فقد رئيت أعلام حمر في جيش المعتمد على الله المحارب للناجم علي بن محمد صاحب الزنج الدعي المفسد في أرض الله، قال أبو جعفر محمد بن جرير الطبري: (حدثني محمد بن سمعان قال: كنت في تلك الحال (حال إجراء الزنج لسفن الغنائم وغرق بعضها وسلامة بعض) واقفاً مع يحيى (بن محمد البحراني) على القنطرة، وقد أقبل متعجباً من شدة جرية الماء وشدة ما يلقى أصحابه من تلقيه بالسفن (كذا لعلها تقليبه للسفن). فقال أرأيت لو هجم علينا عدو في هذه الحال؟ من كان يكون أسوأ حالاً منا؟ فوا الله ما انقضى كلامه حتى وافاهم (كاشهم) التركي في جيش قد أنفذه معه أبو أحمد (طلحة الموفق بن المتوكل) عند رجوعه من الأبله إلى نهر أبي الأسد يتلقى به يحيى فوقعت الصيحة واضطربت الزنج فنهضت متشوفاً للنظر فإذا (الأعلام الحمر) قد أقبلت في الجانب الغربي من نهر العباس ويحيى به
فلما رآها الزنج ألقوا أنفسهم جملة في الماء فعبروا إلى الجانب الشرقي.
следующие страницы →