Полный текст (6 158 стр.). Показаны 5916–5955 · переход к 5921.
стр. 5916
ويقاتل عليها واليها تميل المقاتلة، واللواء علامة كبكبة الأمير تدور معه حيث دار) قلنا: ويجوز إطلاق اسم أحدهما على الآخر، وإذا أريد التخصيص قيل (اللواء الأعظم) ويطلق على الراية أيضاً (البند) وهو العلم الكبير في الأصل ولفظه فارسي معرب، فهو وان كان مقيداً بالكبر فيجوز تسمية الراية به.
رايات الدول الإسلامية
راية الجيش ملاذ له عند التفريق والاضطراب ومجمعة لقلوبه وعلامة لتمييزه عن غيره ومفخرة له حيث التقدم واحمرار البأس بالموت الأحمر ومهيجة للنفس ومشجعة للقلوب، فكأين من جيش أنهزم لسقوط رايته وكم خميس تشتت بقتل صاحب لوائه، لذلك كان القائد والأمير والملك والخليفة لا يسلم رايته إلاَّ إلى رجل وثيق أيد شجاع يتقدم بها إلى عدوه بقلب صبور وعزم غيور ويرى الموت سلماً إلى الفخر وشامخ الذكر، على أن منهم من كان يحمل الراية ابتغاء وجه الله وطمعاً في الآجر. قال الحصين بن المنذر: (أعطاني علي - ع - ذلك اليوم (يوم صفين) راية ربيعة وقال: باسم الله سر يا حصين وأعلم أنه لا تخفق على رأسك راية مثلها أبداً، هذه راية رسول الله - ص -) قال: (فجاء أبو عرفاء جبلة بن عطية الذهلي إلى الحصين وقال: (هل لك أن تعطيني الراية أحملها لك فيكون لك ذكرها ويكون لي أجرها؟) فقال الحصين: (وما غناي يا عم عن أجرها مع ذكرها) قال أبو عرفاء: (إنه لا غنى بك عن ذلك، ولكن أعرها عمك ساعة فما أسرع ما ترجع إليك) قال الحصين: فقلت أنه قد أستقتل وأنه يريد أن يموت مجاهداً. فقلت له خذها. . . فشد وشدوا معه فقاتلوا قتالاً شديداً فقتل أبو عرفاء - رح - وشدت ربيعة بعده شدة عظيمة على صفوف أهل الشام فنقضتها.
وقال الإمام علي - ع - في صفين لأصحابه: (ورايتكم فلا تميلوها ولا تزيلوها ولا تجعلوها إلاَّ بأيدي شجعانكم المانعي الذمار والصبر عند نزول الحقائق أهل الحفاظ الذين يحفزون برايتكم ويكشفونها. يضربون خلفها وأمامها ولا يضيعونها).
стр. 5917
والرايات في زمن النبي محمد - ص - لم تكن ذات لون واحد فمنها (العقاب) وهي راية سوداء لها حظ من أسمها، ففي يوم فتح مكة أقبل رسول الله - ص - معتجراً ببرد حبرة وعليه عمامة سوداء ورايته سوداء ولواؤه أسود حتى وقف بذي طوى وأمر بركز اللواء عند الركن وفي زاوية عند الحجون والعقاب هي الراية التي دفعها علي - ع - إلى أبنه محمد بن الحنفية يوم الجمل، وقال لحسن وحسين - ع - إنما دفعت الراية إلى أخيكما وتركتكما لمكانكما من رسول الله - ص - وكان النبي - ص - في الرايات إلى السواد أميل. ففي صفر من سنة (٣٧) بحرب صفين رفع عمرو بن العاص شقة خميصة سوداء
في رأس رمح فقال ناس: هذا لواء عقده له رسول الله - ص - فلم يزالوا يتحدثون حتى وصل ذلك إلى علي - ع - فقال: أتدرون ما أمر هذا اللواء؟ إن عدو الله عمراً أخرج له رسول الله - ص - هذه الشقة فقال: من يأخذها بما فيها؟ فقال عمرو: وما فيها يا رسول الله؟ قال: أن لا تقاتل بها مسلماً ولا تقربها من كافر، فأخذها، فقد والله قربها من المشركين وقاتل بها اليوم المسلمين.
وفي حرب صفين كانت راية الإمام علي - ع - سوداء أيضاً. ولما دفعها إلى هاشم بن عتبة بن أبي وقاص المرقال وأخذ مالك الأشتر النخعي يحرضه على الحرب وهاشم يتقدم قال عمرو بن العاص (إني لأرى لصاحب الراية السوداء عملاً لئن دام على هذا لتفنين العرب اليوم فلعل هذه الراية هي العقاب أيضاً، ويؤيد احتمالي هذا قول الأشتر إذ ذاك لأصحاب علي - ع - (وأعلموا أنكم على الحق وأن القوم على الباطل، إنما تقاتلون معاوية وأنتم مع البدريين قريب من مائة بدري سوى من حولكم من أصحاب محمد، أكثر ما معكم رايات قد كانت مع رسول الله (تقدم خبر راية ربيعة) ومعاوية مع رايات قد كانت مع المشركين على رسول الله. . .).
على أن رسول الله - ص - لما جهز جيش مؤتة جعل الراية بيضاء وفيها
стр. 5918
يقول كعب بن مالك الأنصاري:
ساروا أمام المسلمين كأنهم ... طود يقودهم الهزبر المشبل
إذ يهتدون بجعفر ولواؤه ... قدام أولهم ونهم الأول
وكانت راية ربيعه المذكورة (حمراء) قال نصر بن مزاجم (وحدثنا عمرو أبن شمر قال: أقبل الحصين بن المنذر (تقدم ذكره) يومئذ وهو غلام يزحف براية ربيعه - وكانت حمراء - فأعجب علياً - ع - زحفه وثباته فقال:
لمن راية حمراء يخفق ظلها ... إذا قيل: قدمها (حصين) تقدماً؟
ويدنو بها في الصف حتى يديرها ... حمام المنايا تقطر الموت والدما
وقرأت في شهر حزيران سنة (١٩٣١) في كتاب مذكرات المستشرقين بصفحة ٣٤٣ ما صورته: (وبراية بني أمية البيضاء وأعلام بني العباس السود) فعلمت أني مخطئ في قولي ب (٩: ٤٢١) من لغة العرب:
فذا الاحمرار علامة لأمية ... تلك التي هلكت بشر حسام
وسبب اعتقادي أن الحمرة شعار الأمويين قول المبرد (ويروى أن معاوية أبن أبي سفيان لما نصب يزيد لولاية العهد أقعده في قبة حمراء فجعل الناس يسلمون على معاوية ثم يميلون إلى يزيد. . .) وبهذا وهمت إلى ذلك، على أني كنت قرأت في ص ١٠٠ من صناعة الإنشاء لعز الدين علم الدين الشامي سنة (١٩٢٧ - ١٣٤٥) قوله (إن العلم العربي المربع الألوان هو رمز للتاريخ العربي والحضارة ذلك لأن اللون الأبيض يذكرنا بالدولة والحضارة العربية الأموية والأسود بالدولة والحضارة العباسية والأخضر بالدولتين والحضارتين الأندلسية والفاطمية والأحمر بالدول المغربية والهاشمية) فلم ألتفت إلى قوله لخلو كتابه من المسند التاريخي، ولخطأ في قوله، فالصواب أن أقول: (فذا الابيضاض علامة لأمية) والحكمة في مخالفة الألوان هي الدلالة على مخالفة القلوب والتباين في الحروب،
стр. 5919
وإذ كانت الدولة الراشدية العلوية شعارها السواد أتخذ معاوية البياض وكان معاوية في صفين يجلس في قبة بيضاء وإياها يعني الإمام علي - ع - بقوله كما في نهج البلاغة: (وعليكم بهذا السواد الأعظم والرواق المطنب فأضربوا ثبجه فأن الشيطان كامن في كسره وقد قدم للوثبة يداً وأخر للنكوص رجلاً، فصمداً صمداً حتى ينجلي لكم عمود الحق (وأنتم الاعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم) الأخير من القرآن.
وكان حريث بن جابر في صفين نازلاً بين الصفين في قبة له حمراء يسقي أهل العراق اللبن والماء والسويق ويطعمهم اللحم والثريد فمن شاء أكل ومن شاء شرب.
وكانت علامات جند العراق (الصوف الأبيض) وعلامات جند الشام (الخرق الصفر) وعلامات بعض الخيالة في عسكر معاوية الخضرة.
أما سبب اتخاذ العباسيين السواد شعاراً فما جاء في الحديث النبوي من طرق مختلفة وبصور متعددة من طلوع الرايات السود من قبل المشرق وبها لمهدي صاحب الزمان الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً. ولما أشرف عبد الله بن علي العباسي يوم الزاب في المسودة وفي أوائلهم البنود السود تحملها الرجال على الجمال البخت وقد جعل لها خشب الصفصاف والغرب بدلاً من القنا، قال مروان الحمار لمن حوله: (أما ترون رماحهم كأنها النخل غلظاً أما ترون أعلامهم فوق هذه الإبل كأنها قطع الغمام السود؟) وكان
العباسيون يظهرون للناس أن تمكنهم من الدولة الجديدة يكون باباً لحكم المهدي صاحب الأمر وذلك مسايرة لاعتقادات سواد الناس واحتيالاً للبحبحة، ولا أرى للمنصور سبباً حمله على تلقيبه أبنه محمداً ب (المهدي) سوى قطع ذلك الاعتقاد واثبات أن أبنه هذا هو المهدي الموعود وما أسرع ما قتل الشريف محمد بن عبد الله المحض النفس الزكية الملقب المهدي وإبراهيم أخاه لاحتكار المهدوية لأبنه ولتصفية الخلافة من هذا العكر المشفي بها على الفساد (على اعتقاده).
стр. 5920
ويروي أبو الفرج علي بن الحسين الأصفهاني قول أحد الأئمة الاثني عشر عن عبد الله المذكور (هذا مهدينا أهل البيت).
وتعصب الخلفاء العبابسة للسواد تعصباً شديداً فقد روى الأصمعي أن أبا أسحق إبراهيم بن محمد الفزاري دخل على هارون الرشيد. وأبو يوسف القاضي جالس إلى يساره فقال (السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته) فقال الرشيد: (لا سلم الله عليك ولا قرب دارك ولا حيا مزارك) قال: لم يا أمير المؤمنين؟ قال: أنت الذي تحرم السواد. قال: يا أمير المؤمنين. . . ووالله ما حرمت السواد. فقال الرشيد: فسلم الله عليك وقرب دارك وحيا مزارك أجلس أبا أسحق، يا مسرور ثلاثة آلاف دينار لأبي أسحق، فأتى بها فوضعت في يده فأنصرف وكان السواد واجباً في ألبسة رجال الدولة حتى الكتاب.
ولم يكن استشعار العبابسة للسواد مانعاً لبعضهم من اتخاذ الحمرة في الرايات فقد رئيت أعلام حمر في جيش المعتمد على الله المحارب للناجم علي بن محمد صاحب الزنج الدعي المفسد في أرض الله، قال أبو جعفر محمد بن جرير الطبري: (حدثني محمد بن سمعان قال: كنت في تلك الحال (حال إجراء الزنج لسفن الغنائم وغرق بعضها وسلامة بعض) واقفاً مع يحيى (بن محمد البحراني) على القنطرة، وقد أقبل متعجباً من شدة جرية الماء وشدة ما يلقى أصحابه من تلقيه بالسفن (كذا لعلها تقليبه للسفن). فقال أرأيت لو هجم علينا عدو في هذه الحال؟ من كان يكون أسوأ حالاً منا؟ فوا الله ما انقضى كلامه حتى وافاهم (كاشهم) التركي في جيش قد أنفذه معه أبو أحمد (طلحة الموفق بن المتوكل) عند رجوعه من الأبله إلى نهر أبي الأسد يتلقى به يحيى فوقعت الصيحة واضطربت الزنج فنهضت متشوفاً للنظر فإذا (الأعلام الحمر) قد أقبلت في الجانب الغربي من نهر العباس ويحيى به
فلما رآها الزنج ألقوا أنفسهم جملة في الماء فعبروا إلى الجانب الشرقي.
стр. 5921
وأتخذ الأمويون بالأندلس البياض مخالفة للعباسيين، وكان في كل أمورهم حتى في الحزن على الميت وقد أستسن الأندلسيون ذلك من عهد الأمويين وفي ذلك يقول أبو الحسن علي بن عبد الغني الفهري الحصري المعروف بالقيرواني المتوفى سنة (٤٨٤) بطنجة.
إذا كان البياض لباس حزن ... بأندلس وذاك من الصواب
ألم ترني لبست بياض شيبي ... لأني قد حزنت على شبابي
ولمخالفة السواد والبياض أتخذ المأمون الخضرة شعاراً عند مبايعته الإمام علي أبن موسى الرضا - ع - بولاية عهده وقيل: بل لأنه لباس أهل الجنة فلم تطل أيامه حتى سمه العباسيون بائتمارهم أو بأمر المأمون نفسه وقد اتفقت في الشعار هذا مخالفته غيره ومشابهته للباس أهل الجنة، ولعلهم استدلوا على ذلك بقوله تعالى في سورة الإنسان (وجزاهم بما صبروا جنة وحريراً. . . عليهم ثياب سندس خضر وإستبرق وحلوا أساور من فضة وسقاهم ربهم شراباً طهورا) وبقوله - جل من قائل - في سورة الرحمن (متكئين على رفرف خضر وعبقري حسان) وقوله تعالى في سورة الكهف (أولئك لهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار يحلون فيها من أساور من ذهب ويلبسون ثياباً خضراً من سندس وإستبرق متكئين فيها على الأرائك. . .) وفي الحديث النبوي (إن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تعلق من ثمار الجنة) وفي رواية (من ثمر) فالخضرة عمت من في الجنة حتى ما فيها من الطيور - على ما ذكروه -.
أما خضرة العلائم لأكثر العلويين الفاطميين فليست من الكتاب ولا من السنة ولا معروفة لهم من القديم وإنما حدثت في مصر سنة (٧٧٣) أحدثها الملك الأشرف شعبان من دولة الأتراك. وخضرة العمائم أحدثها السيد محمد الشريف المتولي، باشا مصر، سنة (١٠٠٤) وذلك لما دار بكسوة الكعبة والمقام وأمر الأشراف أن يمشوا أمامه وكل واحد منهم على رأسه عمامة خضراء وإنما
стр. 5922
اختيرت العلامة الخضراء للأشراف لأن الأسود شعار بني العباس والأصفر شعار اليهود والأزرق شعار النصارى والأحمر مختلف فيه فقال في ذلك جابر بن عبد الله الأندلسي الأعمى صاحب شرح الألفية:
جعلوا لأبناء الرسول علامة ... إن العلامة شأن من لم يشهر
نور النبوة في وسيم وجوههم ... يغني الشريف عن الطراز الأخضر
وقال الأديب شمس الدين محمد بن إبراهيم الدمشقي:
أطراف تيجان أتت من سندس ... خضر بأعلام على الأشراف؟
والأشرف السلطان خصهم بها ... شرفاً ليعرفهم من الأطراف
ولما أستحوذ العباسيون على الخلافة واستبدوا بها دون العلويين وأخذوا يقتلون بعضهم ويسجنون بعضاً، ثأر أهل الحفاظ منهم وذوو العزة والشمم الباذخ فاتخذوا البياض شعارهم في كل قطر ومصر وبلد تمكنوا منه ولذلك سموا (المبيضة) وفي القاموس: (والمبيضة كمحدثة فرقة من الثنوية لتبييضهم ثيابهم مخالفة للمسودة من العباسيين) وهذا غلط محض فأن كانت السياسة الشوهاء ارتكبته فلا يجوز للعلم أن يتحمل خطأها معها وإلاَّ فمتى كان أبناء رسول الله - ص - حملة السنة ومعدن الإسلام (ثنوية)؟ قال المبرد (وقال عبد الله (بن أبي عيينة) لعلي (الخارصي) بن محمد (الديباج لحسنه ويلقب المأمون) بن جعفر (الصادق) بن محمد (الباقر) بن علي (زين العابدين) بن الحسين (الشهيد) بن علي (المرتضى) بن أبي طالب (شيخ الأبطح) وكان دعاه إلى نصرته حين ظهرت المبيضة فلم يجبه فتوعده، فقال عبد الله:
أعلي إنك جاهل مغرور ... لا ظلمة لك لا ولا لك نور
стр. 5923
أكتبت توعدني إن استبطأتني ... إني بحربك ما حييت جدير
فدع الوعيد فما وعيدك ضائر ... أطنين أجنحة البعوض يضير؟
وإذا ارتحلت فأن نصري للالى ... أبواهم المهدي والمنصور
نبتت عليه لحومنا ودماؤنا ... وعليه قدر سعينا المشكور
ولعمري أن لهذا الشاعر الكاذب لمندوحة عن هذه التهمة الباطلة السافلة ولكن بماذا كان يتقرب إلى العبابسة؟ فبفساد الملك تفسد الرعية وبسوق الباطل تعرض البواطل ولعن الله السياسة وحب الرياسة.
وللأديب المؤرخ أحمد بن عبيد الله الثقفي المتوفى سنة (٣١٤) كتاب (المبيضة) وهو مقاتل الطالبيين، ذكر أبن زنجي أنه كان يجيئه ويقيم عنده وسمع منه أخبار المبيضة وغيرها ولما استولى جوهر الصقلي قائد المعز لدين الله الفاطمي على مصر وطرد
الأخاشدة حضر رسوله ومعه (بند أبيض) وطاف على الناس يؤمنهم ويمنع من النهب. فهدأ البلد وفتحت الأسواق وسكن الناس كأن لم تكن فتنة. فدخل جوهر بعد العصر وطبوله وبنوده بين يديه وشق مصر ونزل في مناخة (موضع القاهرة اليوم) وأختط موضع القاهرة وقطع خطبة بني العباس عن منابر الديار المصرية وكذلك اسمهم من السكة وعوض عن ذلك باسم مولاه المعز وأزال الشعار الأسود وألبس الخطباء (الثياب البيض) وجعل يجلس بنفسه كل يوم سبت للمظالم وأذن المؤذنون ب (حي على خير العمل) وكان عمر بن الخطاب - رض - قد أسقطها من الأذان لاجتهاد رأى فيه صلاحاً للمسلمين.
وكان من شعار سلاطين الشراكسة بمصر عمامة ملفوفة بصنائع مكلفة (كذا في الأعلام، ولعلها: بصبائغ مكففة) يجعلون في مقدمها ويمينها ويسارها شكل ستة قرون بارزة من نفس العمامة ملفوفة من نفس الشاش يلبسها السلطان في مواكبه وديوانه ويلبس قفطاناً من فاخر الثياب على كتفه اليمنى طراز مزركش بالذهب وكذلك على كتفه اليسرى ويحمل على رأسه قبة لطيفة وفي
стр. 5924
وسطها طير صغير يظلل السلطان بتلك القبة وهذه النبذة وأن لم تكن من موضوع مقالنا فهي إليه أقرب وبه أمس.
ومذ نشأت حكاية واقعة الطف وقتل الإمام الحسين بن علي - ع - أخذ عوام الفرس في إيران وعوام الشيعة بالعراق يحملون في مناحاتهم السيارة أعلاماً سوداً للدلالة على الحزن وقد تكون حمراً وخضراً ويطرزون فيها جملاً دينية أو عاطفية مثل (أشهد أن لا آله إلاَّ الله. . .) و (يا شهيد كربلاء) و (يا أيها الحسين الشهيد المظلوم) و (يا قمر بني هاشم أبا الفضل العباس) و (يا الله، يا محمد، يا علي، يا فاطمة، يا حسن، يا حسين) ومن الأعلام ما نقش عليه (كف مقطوعة) أو تكون الكف من الشبه في رأس القناة إشارة إلى قطع جيش يزيد لكفي العباس بن علي حتى حمل القربة بفمه، ويجعلون ذلك أقوى مشبة للأحزان، وفي يوم عاشوراء حين ينقسم (الحاكون) قسمين: جيش يزيد وجماعة الحسين، يحمل جيش يزيد الأعلام الحمر ويلبس لباساً أحمر خيالته ورجالته، وجماعة الحسين تلبس لباساً أخضر وتحمل رايات سوداً لكي تمتاز الفرقتان إحداهما عن الأخرى، وفي مقارىء مقتل الحسين للرجال تنصب أعلام سود رمزاً للكآبة من فقده - كما قدمنا)، ولا زال المداحون (وهم ثلة عاطلة تتكسب بمدح الأئمة الاثني عشر وذكر مصائبهم) يحملون في القرى أعلاماً وعلى
رؤوس عصيها أو قباها كف العباس من الشبه أيضاً.
وللأحباش في البصرة أيام معلومة عندهم يحتفلون فيها بعادة اعتادوها ثم يخرجون في الجواد والطرقات يضربون بآلات الطرب الهمجية وينشدون أناشيدهم باللغة الحبشية ومعهم الأعلام المختلفة الألوان، ونحن نعرف أن للحبشة رقصة اسمها (الدركلة) وهي لبني أرفدة منهم وقد قال لهم رسول الله - ص - حينما رآهم يرقصونها (جدوا يا بني أرفدة لكي تعلم اليهود والنصارى أن في ديننا فسحة) ولكن هذه غير تلك وأحسبها باقية عندهم من زمن خروج الناجم علي بن محمد المذكور) بالبصرة واتخاذه أكثر جيشه من الزنج حتى سميت الواقعة (حرب الزنج) وهي أول مطالبة للسود بحقوقهم البشرية والله المستعان.
стр. 5925
مدن العراق القديمة
فنسان م. ماريني
- تابع -
من الناصرية لجش شربولا (تل اللوح)
يذهب الزائر إلى الناصرية بقطار ينعرج عن محطة أور، ثم يواصل السفر بقارب مسافة ثلاثين ميلاً.
يرى هذا الموقع المهم جداً في الضفة الشرقية من شط الحي على نحو ثلثي طوله من دجلة إلى الفرات. وتحيط الروابي هنالك بمنطقة طولها نحو ميلين ونصف في عرض ميل وربع، ويمتد محور التلول من الشمال إلى الجنوب، وحول التلول سور حفر بعضه، وهو القسم الواقع في غربي تل الهيكل والباب الغربي المحصن.
ويرى تل (جرسو) وهو القسم الأقدم من المدينة في وسط التلول، ووقع (دي سارزيك) القنصل الفرنسي في البصرة هنالك على مذخر (أور ننة) الشهير (٢٩٠٠ ق. م) الذي كان أقدم بناء دنيوي يعرف في شمر حتى حفر القصر الشمري في كيش. ونقب (دي سارزيك) في (لجش) من حين إلى آخر من سنة ١٨٧٧ إلى ١٨٩١: وكانت الحكومة الفرنسية تعضده، و (أور ننة) أقدم ملك في (لجش)، إذ ظهرت أخبار معاصرة له، بيد أن أصل المدينة يرجع إلى قبل زمن ذلك الملك، لأنه ظهرت شقف الخزف الملون في الطبقات الأول من تل (جرسو).
ويقع هيكل (تنجر سو) آله الري، وزوجته (ننة) ملكة المياه تحت
стр. 5926
التل الشمالي، ويبتدئ تاريخ هذا المعبد منذ زمن (أور باو) الفاتشي في (لجش) في أثناء مملكة (أكد) (٢٧٠٠ ق. م). ووقع المنقبون الأهلون الذين حفروا في غياب (دي سارزيك) في تل خزانة كتب الهيكل بالقرب من (جرسو) وفي الجنوب الشرقي منه على ما يقارب ال ٣٥. ٠٠٠ صفيحة مشوية من عهد (انتمنا) (٢٨٠٠ ق. م) وبعده.
وقد أمست (لجش) من أنفع مواضع (شمر) و (أكد) ومن أكثرها نتاجاً. ولم يستخرج (دي
سارزيك) عدداً كثيراً من تماثيل المستماز الكبيرة للفاتشين (القضاة الكهنة) القدماء فحسب، بل وقع على نصب النسور الشهير، الذي أقامه (ايناتم) في نحو أوائل القرن التاسع والعشرين ق. م، كعلامة فارقه بين تخوم (لجش) وتخوم (أما) (راجع أيضاً ما يخص (أما). وكذلك عثر (دي سارزيك) على أخبار أعمال (جودياء) الجليلة: المدونة بالخط المسماري على مواشير من صلصال مشوي. وكان معظم (الفاتشين) في لجش (رجالاً مهرة، مع أنهم لم يحوزوا على سيادة سهل شنعار بأجمعه، اللهم إلا واحداً منهم. وقيل أن (ايناتم) قهر (كيش) و (أكشك) (أوفس) و (ماير)، و (أيناتم) وأيناتم هو الذي حفر قناة ليفصل أراضي (لجش) عن أراضي (أما)، كما أنه أقام نصب النسور، ذيالك الحجر الفاصل بين تخوم المملكتين. على أن هذه الانتصارات لم تدم طويلاً وأن كانت الرواية عنها صحيحة. ويتضح أن أبن أخيه المسمى (انتمنا) كان ذا مساع جليلة. إذ رأى أن (لجش) لن تنجح ولن يتمهد لها سبيل الرخاء ما دامت تعتمد في ريها على إحسان جار طموح ثابت العزم. وعليه صمم على أن يجلب الماء إلى مدينته من دجلة بدلاً من الفرات. ولهذا الفاتشي فضل على العراق لسديد رأيه ولإنشاء (شط الحي) فيه، وعقب (انتمنا) أربعة من الفاتشين. ثم قام رجل أسمه (أركاجنة) ويظهر أنه أتخذ لنفسه لقب ملك، ولكن يبين من سوء حظه أنه مال إلى البناء، وتقويم الحالة الاجتماعية أكثر مما مال إلى الحرب. وبينما هو في حين غرة من أمره إذا (لجل زجسي) ورجاله هجموا ذات يوم على
стр. 5927
(لجش) وفتحوها، وكان (لجلزجسي) الفاتشي في (أما) (٢٧٧٨ ق. م) امرؤاً قديراً كثير المطامع، ظفر بالنصر في معارك آخر واثبت نفسه فاصبح ملكاً في (شمر) (سلالة (أرك) الثالثة).
ولما أفضت إمرة (لجش) من (أرك) جارها الفتاك إلى مملكة (أكد) التي عقبتها، ومنها إلى حكم سلالة (جوتيوم) (لعله من الحثيين؟) الدمث قام هناك فاتشي آخر اسمه (جودياء) (٢٦٠٠ ق. م) ونال سمعة بعيدة، ويظهر أنه تفرغ لآداب اللغة وفن البناء، واثر كل التأثير في ديانة (شمر) حتى أن الغير تحدوه بعد وفاته، ولم تحز (لجش) مجداً يذكر بعد ذلك الحين بيد أنها هجرت بالمرة بعد عصر (حمرب) وتركت اخربتها حتى حكم السلوقيين في القرن الثاني قبل الميلاد.
وحفر (كلدواي) بعض الحفر في مدينتين واقعتين في ضواحي (لجش) سنة ١٨٨٧، هما
(ننة) (زرعل) و (اور ازجا) (الحبة) وتقعان على نحو ثلاثين ميلاً عن (لجش) وفي الشمال الشرقي منها، ولكنهما أحرقتا وأخربتا فأصبحتا مقربتين كبيرتين.
مواقع آشورية القديمة
من سامراء:
اكشك، أو في (تل أبير) - (في اليونانية اوفس)
لم ترد إلينا إلاَّ أنباء قليلة عن (اوفس) التي عثر عليها في (تل أبير) مؤخراً ويقع هذا التل على اثنين وعشرين ميلا من جنوب شرقي سامراء. واهم ما يعرف عن (اوفس) علاقتها العسكرية بالحصون التي شيدها (نبو كدراصر) ليرد بها غزوات الماذيين. ويتيسر اقتفاء اثر أطلال الجدار الماذي ل (نبو كدراصر) وأنت واقف في (اوفس) فترى تلك الأطلال في جوار المدينة. ويجتاز القطار بهذا الجدار في موضع يقع على خمسة عشر ميلا من جنوب شرقي سامراء.
وكانت (اكشك) مقر سلالة متقومة من ستة ملوك، وكانت سلالة (اكشك) معاصرة لسلالة (أرك) الثانية ولسلالة (كيش) الثالثة، ويتضح أن هتين الدولتين قهرتا (اكشك) في الحرب. كما أن (ايناتم) ملك لجش يدعي
стр. 5928
أنه أخضعها في نحو ذلك الزمن.
ولا يعرف من أخبار (اكشك) في أواخر عصرها سوى أنباء قليلة، إلاَّ أن (استرابون) ومؤلفين آخرين ذكروها في كتبهم، وكانت (اكشك) قائمة بين (بابل) و (آشورية). وكان موقعها هذا حرجاً من وجهة موطنها، ويقتضي أنه طرأ عليها كثير من التقلبات لما قام بين آشورية وبابل من الحروب الطويلة طلب كل منهما لسيادة القطر.
وقد ظفر (كورش) العظيم بجيش (بلشصر) بن (نبونيد) في (اوفس) سنة ٥٣٩ ق. م. فتم بذلك ما أنذرته اليد الكاتبة على الجدار (دانيال ٥: ٥) ومر (زينفون) بهذه المدينة لما تقهقر بعد محاربة (كناسة) ووفاة (كورش) الأصغر (٤٠٠ ق. م).
من قلعة شرقاط:
آشور (قلعة شرقاط أي شهر قرد)
هي على أربعة أميال بالسيارة من قلعة شرقاط
ذاعت شهرة آشور وعرفت بأول قصبة لمملكة آشورية، ولكن يرجع تاريخ المدينة إلى فجر عصر شمر. إذ أنه اكتشف هنالك عدد غير قليل من التماثيل من زمن (أور ننة) الفاتشي في لجش (٢٩٠٠ ق. م). ولا جرم أن مدن آشورية بناها (آشور) بن (سام) الذي هاجر من سهل شنعار في أثناء حكم قريبه (نمرود) وذلك على ما ورد في التوراة (سفر الخلق ١: ١٠).
وكانت (آشور) قائمة على حيد من حيود جبل حمرين، وفي سفحه بحيرة نشأت من خزن مياه دجلة هنالك. فتألقت في أيام عزها أيما تألق. ولو وقفت فوق الزقورة (إي خر سجكركرة) أي (الجبل الأكبر، ودار البلاد جميعها) لتمكنت من قنفاء رسم البلدة وحوض البحيرة، وكتل الصخر المبعثرة بين أطلال الشوارع والبيوت، وفي أطراف الهياكل والمحصنات والمسنيات، تذكر الزائر أنه ترك سهل شنعار، وتريه أن الآشوريين كانت لديهم مواد غير اللبن لإقامة أبنيتهم.
وقد فحص (السر هنري لايرد) هذا الموطن سنة ١٨٤٦، كما أن (رسام)
стр. 5929
مساعدة الهمام حفر فيه سنة ١٨٥٣ و١٨٧٨، ولكننا آخذنا اكثر أخبارنا عن تلك المدينة من الجمعية الألمانية في الشرق التي ابتدأت بالعمل هنالك برئاسة (اندري) سنة ١٩٠٢. وقد اقتفي اثر الشارع الرئيس فضلا عن خطة القصور والهياكل. وعثر في رصيف الشارع المبلط على عدد كثير من أنصاب صخر ظراف الشكل، وخطت عليها بالخط المسماري أخبار ملوك آشور وزعمائها في أيامها الأول، تلك الأيام التي كانت آشور تخاف فيها دائماً الغزوات. وتتوق في الوقت عينه إلى خلع نير بابل عن عاتقها ذيالك النير الممقوت، فأخذت تتمرن في فن المحاربة، الفن الذي استعملته بعدئذ بكل قساوة وعنف.
وطرأت على هيكل (آشور) رب الحرب الأعظم وزوجته (إشتر) المحراب تقلبات عديدة في خلال تاريخ آشورية المترجرج، واخذ اسم المدينة من اسم هذا الإله، وأعاد (سرجون) ملك (أكد) ذلك الهيكل، وكذلك (فوزور آشور) ملك آشورية بعده، وهو الذي حاط (المدينة الجديدة) بسور منيع كبير سنة ١٥٠٠ ق. م. وتلك المدينة قسم (آشور) الجنوبي، وبنى (شلمن اصر) الأول المعبد مرة أخرى بقرنين بعد ذلك الزمن (١٢٧٦ إلى ١٢٥٧ ق. م)
لان البناء الأول احرق في إحدى الغزوات، ودون ذلك الملك أخبار الهيكل القديم بالخط المسماري على نصب هيصمي (رخام أبيض شفاف)، ولكنه نقل عاصمته واتخذ (كالح) مقراً له، وشيد فيها قصراً هائلاً، أقامه في موضع يسهل الدفاع عنه.
واشتدت شوكة آشور في ذيالك الزمان فاستعدت لتظهر بأسها؛ فحمل (شلمن اصر) حملات متتابعة على الارميين الزاحفين إليه وكبح جماحهم، واحتل (كركمش) و (كبادوكية) وقام (تكلتي ننرته) الأول الذي عقب (شلمن اصر) ودوخ بابل وسبى تمثال الرب (مردوك) من الهيكل (إي سجلاً) (راجع ما يخص بابل). ولذا انقرضت سلالة الملوك الكشيين الطويلة المتقومة من ستة وثلاثين ملكاً، ولكن نصر آشورية لم يدم كثيراً، إذ نشأت سلالة جديدة في بابل (١١٦٩ ق. م) وكان (نبو كدراصر) الأول اشهر ملوكها (١١٤٦ إلى ١١٢٣ ق. م) وكان الحظ متبادلاً بين المملكتين المتزاحمين حتى
стр. 5930
قهر (تغلث فلاشر) الأول (١١٠٠ إلى ١٠٦٠ ق. م) بابل مرة أخرى، وكان ذلك الملك محراباً جليلاً. وقد زحف في البلاد حتى وصل إلى سواحل بحر الروم وجدد آشور وأعادها إلى سابق مجدها واتخذها مقراً لمملكته، ووقع (رسام) في اسفل الزقورة على اسطوانات مخطوط عليها اسم هذا الملك بالخط المسماري ولكن لما توفي (تغلث فلاشر) أذعنت آشورية وبابل لبطش الارميين الذين استفحل آمرهم، ولم ترد إلاَّ أخبار قليلة من مصير آشورية بعد ذلك الوقت حتى بان اسمها حيناً آخر في القرن التاسع ق. م.
ومن ضمن المخطوطات اللطاف العداد التي اكتشفت في آشور، نسخة فيها اسم (امرأة القصر)، (سموراماة)، وتظهر أنها كانت امرأة جليلة القدر، ذات صولة نافذة، ولعلها الصورة الأصلية لروايات اليونان الخيالية المتعلقة ب (سمير أمس) الفتانة القديرة، المرأة التي أسست بابل وأثبتت نفسها سيدة العالم المتمدن.
وعثر الألمان في آشور على لحود غير قليلة من ملوك آشورية. وكانت نواويسهم المتخذة من الصخر الضخم، موضوعة في سراديب مبنية بالآجر تحت أرض القصر.
حضرة (الحضر)
تبعد عن قلعة شرقاط بنحو خمسة وعشرين ميلاً وهي في شمال غربيها، ويصعب الوقوف عليها
من الواضح أن أخبار (حضرة) الأول لا تزال مجهولة. ولعل (حضرة) كانت في الصحراء بلدة مألوفة في أيام مملكة آشور وبعدها. ولكن لما ظهر الفرثيون اتخذوها حصناً لهم لحماية التخوم الغربية من غزوات الرومانيين، فحفروا حواليها خندقاً، وأداروا عليها سوراً منيعاً محصناً ثخين البناء، وتصفح المباني العامة هنالك عن إحكام بناء، ومتانة إتقان، ولكنها لا تنطق ببهاء ما، كما انه لا يرى فيها أي زخرف سوى طائفة بديعة من طيور منحوتة وعنقاوات وثيران برؤوس بشرية تألقت بها الجدران في إحدى الردهات، وربما كانت تلك الردهة القصر نفسه، وتؤثر هذه الآخرية تأثيراً عجيباً في من يزورها، مع أنها منفردة
стр. 5931
كل الانفراد، ومجردة من جميع مزاياها.
ولما قهرت سلالة الفرس الساسانية مواليها الفرثيين سنة ٢٢٦م أبيدت (حضرة) وهجرت بالمرة.
من الموصل:
نينوى (قويونجق، نبي يونس)
(نينوى الوارد ذكرها في التوراة: يونان ١: ٢)
ترى على ضفة دجلة المحاذية للموصل، وعلى مسافة قريبة من تلك الضفة رواب وتلول طويلة الامتداد واطئة، وهي كل ما بقي من نينوى العظيمة وسورها الهائل الذي كان يطوقها، وقد بلغت دائرته اثني عشر ميلاً. وكانت نينوى القصبة الرابعة لمملكة آشور، وهي الأخيرة وبلغت المملكة أوج علاها في تلك المدينة، وأصبحت دار آثام وفساد، فأرسل الله إليها النبي يونان ليوعظ في سكانها، والقصور الكبار المحصنة التي شيدها كل من الملوك الثلاثة: (سنحاريب) و (اسرحدون) و (آشور بنيبل) تقع تحت التلين الرئيسين، الفاصل بينهما النهير المسمى (خوسر).
وحفر حفر كبير في شمالي (تل قويونجق) قبيل نصف القرن الماضي. وأول من نقب هنالك (بوتا) وكيل القنصل الفرنسي في الموصل سنة ١٨٤٢ وواصل الحفر بعده (السر هنري لايرد) و (رسام) و (لفتس) و (سمث) في مواقيت شتى، ونقب في ذلك الموطن زمناً قصيراً سنة ١٩٠٤ (ل. و، كنك) ﵀، واكتشف قصر (سنحاريب) في شمالي التل،
وأما قصر (آشور بنيبل) في جنوبيه، ولا يرى من هذه الحفريات الآن غير بعض النقر والخنادق ودفن المنقبون مرة ثانية ما لم يستطيعوا حمله، إذ أن أعراب تلك الأصقاع كثيراً ما يرغبون في المرمر المنحوت طالبين كسره وإحراقه ليحصلوا على البورق أو النورة، كما أن الطبيعة أعانت دفن هذه العروض دفناً ثانياً.
ولا ريب في أن هذه القصور الآشورية، كانت على جانب عظيم من البهاء وكان منظرها مدهشاً من جهة الصناعة، لما كان فيها من أبواب مثلثة الطيقان وبجانبها ثيران عظام مجنحة برؤوس بشرية؛ والكل يلصف بالزليج. فضلاً عن الجدران
стр. 5932
المنحوت أسفلها نحتاً، مرسوماً فيه مواقع الملك في الصيد. وبطشة في الحرب. ويظهر أن المملكة جمعت كل مواردها من أدوات وحذاق، لتقوم بهذا العمل. ولم يغفل ملوك آشورية عن الغنى الطبيعي في البلاد التي قهروها، ولا عن أي مورد فيها، على انهم كانوا يغضون النظر عن إثبات أر كان حكمهم في تلك المستعمرات، غير انهم كانوا ينفون قهراً عدداً كثيراً من السكان المغلوبين، وفي الحقيقة لم تكن حروبهم سوى غزوات عظيمة، يقومون بها بمهارة عسكرية عجيبة، وكان يقع فيها مظاهر مروعة. حتى انهم يغتصبون من المقهورين اغتصاباً قاسياً مجموعات من الحيوان والنبات النفيس والأشجار، ويعودون بها بمنزلة جزية لهم. وقد رسم ذلك في المنحوتات، وبينها صور الحرب والصيد وأتقنوا حفر تلك الصور اتقاناً بارعاً يفصح عن رشاقة ولباقة لا تريان في رسومهم للإنسان. ويرى في اسطوانة صلصال مشوي، محفور عليها بالخط المسماري. إن (سنحاريب) لم يفاخر بأعماله في الحرب وبقصره فحسب، بل يروي عن حدائقه النباتية، حتى انه زرع فيها القطن الذي أتى به من الهند ويقول: (والأشجار التي حملت صوفاً جزوها، ومشطوا الصوف فاتخذوا منه ملابس).
وكان (سنحاريب) يترك مملكته دائماً ليقوم بحملاته العسكرية. فقد حمل على سورية سنة ٧٠١ ق. م، بعد أن اخمد ثورة قامت في بابل. ودوخ مدن (فنيقية)، ثم استأنف سيرة واتى إلى فلسطين ودوخ (عسقلان) و (لا كيش) وبلداناً كثاراً آخر، ثم عمد إلى (أورشليم) فاستولى الجزع على (حزقيا) ودفع إليه كل ما في بيت الرب من ذهب وفضة بمثابة جزية له. (٢ سفر الملوك ١٨: ١٤ إلى ١٦). ولكن لما زحف إلى مصر رجع القهقري لأن الطاعون انتشر في جنده (٢ سفر الملوك ١٩: ٣٥). ثم زار (سنحاريب) (مردوخ بلدان)
الملك في بابل، وغلبه في معركة قامت في (كيش) فسبى الآشوريين بابل (٦٨٦ ق. م) وشارك العيلميون نصيب البابليين المقهورين.
стр. 5933
مراث وأشعار قديمة مخطوطة
مراث وأشعار إلى غير ذلك، وأخبار ولغة عن أبي عبد الله محمد بن العباس اليزيدي عن أبي حبيب، وعن عمه الفضل عن اسحق بن إبراهيم الموصلي وغيره وقد سمعت ذلك اجمع من أبي عبد الله، هممت والحمد لله، وفيه جميع ما سمعه أبو عبد الله بن أبي حرب المهلبي، وعدة قصائد في اختيار الفضل والاصمعي، ذكر ذلك أبو عبد الله بن مقلة، ونقلته من اصله بخطه وكتب محمد بن أسد بن علي القارئ سنة ثمان وستين وثلاثمائة.
وفي الحاشية ما حروفه: بخط أبي أسد شيخ ابن البواب، ويلي ذلك تعاليق لعدة رجال، والأسانيد منسوبة إلى أصحابها. أما محتويات هذه المخطوطات فهي:
١ - قصيدة زياد بن سليمان الاعجم، ويكنى أبا إمامة الخ، يمدح المغيرة بن المهلب. وقال الأصمعي أنها للصلتان العبدي. قال أبو عبد الله: حضرت عمي وهو يقرؤها على ابن حبيب وأنا اسمع. أولها:
قل للقوافل والغزي إذا غزوا ... والباكرين وللمجد الرائح.
وهي ٧٧ بيتاً.
٢ - قصيدة لأبي زبيد الطائي واسمه حرملة بن المنذر، وكان نصرانياً يرثي ابن أخيه اللجلاج. (والقصيدة مشهورة وترى في جمهرة الأشعار) وهي في ٥٩ بيتاً:
٣ - قصيدة أعشى باهلة؛ وهو عامر بن الحرث، ويكنى أبا قحفان، ويقال أنها للدعجاء أخت المنتشر ترثي أخاها (وهي مشهورة أيضاً) وهي في ٣٣ بيتاً. ثم زاد هذا الخبر:
قال أبو عبد الله اليزيدي: قال لنا ابن حبيب المنتشر الذي رثاه أعشى بأهلة، قتله هند بن أسماء بن زنباع من بني الحرث بن كعب، وكان المنتشر أسره فسأله أن يفدي نفسه فأبطأ بالفداء، فنذر المنتشر ألا يأتي عليه هلال إلاَّ قطع منه أنملة أو يفدي نفسه فأبطأ عليه فقطع أنملة. ثم أبطأ فقطع أخرى؛ فخرج المنتشر
стр. 5934
يريد ذا الخلصة، صنماً يحج إليه، فأسرته بنو الحرث. ثم آمنوه، فقال هند ابن أسماء: أتؤمون مقطعاً، وإلاَّ هي لا أومنه، ثم قتله وغلمته.
٤ - قصيدة متمم بن نويرة التميمي يرثي أخاه مالكاً وقتل في الردة (والقصيدة مشهورة في المفضليات) وهي في ٥٢ بيتاً. ثم زاد خبر عمر بن الخطاب ﵁ مع متمم.
٥ - قصيدة أبيرد بن المعذر الرياحي يرثي أخاه بريداً، أولها:
تطاول ليلي لم أنمه تقلباً ... كأن فراشي حال من دونه الجمر
(وأورد القالي هذه المرثية في أول الجزء الثالث من أماليه) وهي في ٤٧ بيتاً وهذه القصائد كلها مشروحة.
٦ - وقرأ عليه عمي الفضل وأنا اسمع:
نعى ناعياً ليلى عشياً فراعني ... وللقلب روعات لها القلب خافق
وهي في ٩ أبيات.
٧ - وقرأ عمي على أبي حبيب أيضاً وأنا اسمع:
معاوي أن تلق الذي كنت لاقياً ... وتمس بك الدنيا مضت فتولت
وهي في ٤ أبيات.
٨ - قرأ عمي الفضل بم محمد على أبي جعفر محمد بن حبيب، وأنا اسمع لبعض طيء.
بوادر دمعك ما تنزف ... كأنك من جمة تغرف.
- وهي ٢٨ بيتاً.
ثم أورد فوائد لغوية، ثم قال: أنشدنا أبو جعفر: قال أنشدنا ابن الأعرابي لسمعان بن مسيكة:
لقد رزئت كعب بن عوف وربما ... فتى لم يكن يرضى بشيء يضيمها
وهي في ٤ أبيات.
٩ - وأنشدنا أبو جعفر لزبان بن سيار الفزاري:
ولسنا كعوم محدثين سيادة ... يرى مالها ولا يحس فعالها
بيتان. ثم يأتي بنبذ من الأشعار، فيها بيتان لاوس بن حجر، ثم قال:
стр. 5935
وأنشدنا الشمردل ببن شريك، يرثي أخاه وائلاً وهي مختارة من الاصمعيات (قلنا: ولا وجود لها في الأصمعيات المطبوعة)، أولها:
لعمري لئن غالت أخي دار فرقة ... وآب إلينا سيفه وحمائله
وهي في ٤٣ بيتاً.
١٠ - وأنشدنا ابن حبيب لدريد بن الصمة الخ. يرثي أخاه عبد الله قتلته بنو عبس، وهي
من مختارة الأصمعي (قلنا: وهي موجودة في المطبوعة) أولها:
أرث جديد الحبل من أم معبد ... بعاقبة وأخلفت كل موعد
وهي في ٣١ بيتاً.
١١ - قصيدة بن الريب، يرثي نفسه: (أولها) وهي مشهورة
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... بجنب الغضا أزجي القلاص النواجيا
وهي في ٥٣ بيتاً.
١٢ - انشد ابن الأعرابي ليرثن الصموتي:
يعيب أبو البويب أظل نابي ... وما نقب بمنسمها بعاب.
وهي في ٥ أبيات.
١٣ - قصيدة لمحمد بن يحيى بن منصور الذهلي، أولها:
بني مطر أفني رجالكم الدهر ... ففي كل ثغر من كهولكم قبر
وهي في ٥ أبيات.
١٤ - أنشد محمد بن حبيب لطريف ببن المخلوق العبسي، أولها:
فان الذي تبكين قد حال دونه ... تراب وزوراء المقام دحول
وهي في ٦ أبيات.
١٥ - قرأ عمي الفضل على ابن حبيب، وأنا اسمع للشمردل، يرثي أخاه. أولها:
أخ لي لو دعوت أجاب صوتي ... وكنت مجيبه أنى دعاني
وهي في ٧ أبيات.
١٦ - قال يربوع بن حنظلة، يرثي أخاه مازن بن مالك بن عمرو بن تميم وكان أخاه لأمه، أولها:
كيف بقاء المرء بعد ابن أمه ... إذا برقت أوصاله كالمحاجن
стр. 5936
وهي في ٣ أبيات:
١٧ - وقرأ عمي الفضل على أبن حبيب، وأنا اسمع للنهيب:
بكيت أبن ليلى وابنه ورأيتني ... أحق الآلي كانوا معي ببكاهما
وهي في ٤ أبيات:
١٨ - وقرأ عمي الخ. لرجل من بني نهشل:
لعمري لئن أمسى يزيد بن نهشل ... حشا جدت تسفي عليه الروائح
وهي في ٥ أبيات.
١٩ - وقرأ عمي أيضاً على ابن حبيب، وأنا اسمع لمضرس بن سليط:
ابكي على زفر إن كنت باكية ... وصاحبيه بكاء المثبت الوجع
وهما بيتان.
. . . قال أبو جعفر: أبو سعد أحد وفد عاد الذين قدموا إلى مكة يستسقون فنزلوا على معاوية بن بكر العمليقي، فأقاموا أشهراً يشربون، تغنيهم الجرادتان، وهما جاريتاه قينتاه، ثم مضوا إلى الكعبة، فقال لهم: إنكم لن تسقوا حتى تؤمنوا بهود، صلى الله عليه. وكان أبو سعد يكتم دينه وأيمانه، فقالوا لمعاوية أبن بكر: أحبس عنا أبا سعد، فأنه قد صبا (أي صبأ) إلى هود فتبعهم. فلما استسقوا نودوا: إن اختاروا، ونشأت ثلاث سحائب، بيضاء، وحمراء، وسوداء. فقالوا: أما الحمراء، فأنه لا شئ فيها. وأما البيضاء فربما أخلفت، ولكن السوداء فنودوا: اخترتم رماداً رمدداً، لا تبقي من عاد أحداً، لا والداً، ولا ولداً، فتمنوا لأنفسكم. فقال قيل: أتمنى أن يصيبني ما يصيب قومنا، فقال لقمان بن عاد: أتمنى عمر سبعة أنسر. فأعطي ذلك، وأما قيل فصب عليه حجر، فقتله، وأما أبو سعد فتمنى الصدق والوفاء فأعطيهما، فمات مؤمناً. . .
ثم يأتي بفوائد لغوية، وأنشد أثناءها رجزاً لحكيم بن معية (بالتصغير) أحد بني المجر (كمنبر) بن ربيعة الجوع، ثم رجزاً لعقيل بن علفة (وزان قبرة) المري أبن أخي نابغة (كذا) الذبياني، ثم جاء بأربعة أبيات للخنساء أولها:
أنا باك عليك للمعروف ... ولكر الكماة بين الصفوف
ثم قال: أنشدنا أبن حبيب لنهشل بن حري (وزان بري) يرثي أخاه مالكاً،
стр. 5937
وكان معه لواء بني حنظلة، مع علي ﵁ يوم صفين، فقتل. أولها:
أرقت ونام الاخلياء وعادني ... مع الليل هم في الفؤاد وجيع
وهي في أحد عشر بيتاً.
ثم بعدها فوائد لغوية. وأورد غبراً للفرزدق مع خالد بن عبد الله القسري فخر فيه الفرزدق
بمضر على اليمن.
سنت أوغستن (سياغبرج) ألمانية. ف. كرنكو
الزهور
كأن جماعات الزهور بنبتها ... حزيق بنيات خرجن لتعييد
زهور تغذي النفس بالحسن كلما ... رنوت إليها واستمعت لتغريد
وتشبه تيجان الملوك إذا اعتلوا ... عروشهم والدر يزهو بتنضيد
وأن لاعبتها الريح حتى تعانقت ... حكت غيباً عادوا إلى الأهل بالعيد
فلا تحرم النفس التنزه بينها ... فأن عذاب النفس ليس بمحمود
جمال وعطر واخضرار وحمرة ... إلى صفرة أو شهبة ذات توريد
مصطفى جواد
الحر حر
دأب الشريف سياسة الإيضاح ... وتبحث الإخلاص والإصلاح
وعزازة في نفسه مزدانة ... بجميل تضحية لنيل نجاح
إن أسكتوا منه اللسان فإنما ... يحيون فيه بطشة السفاح
ما غير الأقطار مثل تنابذ ... يقضي على النذل الخؤون الماحي
إذ قيمة الإصلاح في ثوراته ... متطوراً متدرج الإصباح
يا ثلة بجحت بخدمة موطني ... مع أنها مفقودة الإصلاح
تتهافتون على الفساد كأنه ... طهر لأنفسكم وريح أقاحي
مصطفى جواد
стр. 5938
الرضم في شمالي العراق
مقدمة
في جبال الكرد في الجهة الشرقية الشمالية من العراق يلقى السائح من حين إلى حين مناظر طبيعية خلابة تأخذ بمجامع القلوب. فهناك تتكلل رؤوس الجبال الشامخة بالثلوج شتاء وتبقى آثار الثلوج إلى أواسط الصيف. وهناك في الجبال البعيدة عن البليدات والقرى ترى الجبال مكسوة أشجار العفص والبلوط وأشجار الفواكه والأثمار التي غرستها بد القدرة من زعرور وكمثرى وجوز ولوز وبطم وسماق وغيرها وأشجار أخر غير مثمرة تصلح للنجارة والوقود قد ظللت مجاميع من الأعشاب والأزهار مختلفاً ألوانها. وهناك أودية ومنحدرات تنساب فيها المياه صافية كاللجين، وتكون أحياناً شلالات صغيرة لطيفة يطرب خريرها. أضف إلى ذلك أنواعاً من الطيور. كل تلك المناظر البديعة التي لا يختفي بعضها عن عين المسافر إلاَّ ويظهر له غيرها تجعله لا يمل السفر في الربيع وأوائل الصيف ولا يحس بالتعب فيلازم طريقه جذلاً مستنشقاً هواءاً صافياً لا بل عبيراً منعشاً.
ولكن ما منحته الطبيعة هذه البقعة المباركة لا يتناسب معه ما قامت به يد البشر من العمران. فليس هناك من طرق معبدة إلاَّ في اتجاهات معينة والى مدى محدود. وليس هناك من مدن حديثة وقرى أنيقة ومنازل جمعت وسائل الراحة والرفاهية. بل جل ما هناك بليدات من الطراز القديم وقرى حقيرة وأكواخ بائسة.
على أن السائح الباحث يجد في كثير من المواقع آثار مهمة تاريخية، لا بل آثار ما قبل التاريخ. يجد هنا وهناك كثيراً من خرائب القلاع وغرفاً ومساكن وصهاريج منقورة في الصخر، وبعض آثار الآشوريين والفرس وغيرهم وأخرى أقرب عهداً، وهذه الآثار كثيرة لا تقع تحت حصر، والبحث عنها يستغرق زماناً طويلاً ويستلزم تأليف مجلدات عدة.
موضوع البحث
غير أني أقصد في هذه العجالة ذكر آثار عادية عجيبة صادفتها في بعض أسفاري، وهي عبارة عن أبنية منفردة أقيمت في سفوح بعض الجبال لم يستعمل
стр. 5939
فيها شيء من مواد البناء
سوى صخور عظيمة لا يكفي لرفع الواحدة منها عن الأرض أقل من عشرة رجال شداد أو أكثر. وقد أحكم رصفها وتطبيق بعضها على بعض بحيث لا تتجاوز الواحدة الأخرى خارج البناء ولا داخله. ولم يعط للصخور التي فيها شكل هندسي، بل تركت كل صخرة على حالها بعد حذف ما يزيد عن المطلوب منها. ولكن جعل القسم الذي أقل ثخناً من الصخرة يقابله القسم الاثخن من التي تحتها والقسم المحدب من الصخرة الواحدة يلاقيه القسم المقعر من الأخرى. وقد حبكت هذه الصخور بحيث يؤلف المجموع جدراناً أربعة تحيط بفضاء على شكل غرفة كبيرة مربعة مستطيلة. ولا بد أنه كان لهذه الغرف أبواب ضيقة وسقوف من خشب وأغصان الشجر فوقها تراب كما هو الحال في ريازة مساكن الكرد الحالية. وقد سقط بعض الصخور من أعالي الجدران إلى داخل الغرفة وخارجها، وذلك أما من عمل الأعداء أو عبث العابثين أو من تأثير الزلازل العظيمة ولا أعلم الغاية من هذه الأبنية العجيبة، هل كانت مسكناً للرؤساء الأقوياء الجبابرة أم محلاً للأصنام أو مذبحاً لتقديم الأضحية للآلهة.
تسمي الكرد هذه الماديات (دهر كافره) بكسرات ثلاث في دهر وبكسر الفاء في كافره، ومعناه دير الكافر أو حصن الكافر. وتسميه نصارى قرية (برسفة) أو برسبا (أي بئر السبع بلغة عوام السريانيين) الواقعة شرقي زاخو وأهل شارنش نصارى في شماليها ب (قصر سطانا) أي قصر الشيطان. ولا يعرفون عنها شيئاً مطلقاً غير أنهم يعتقودن أنها قديمة جداً جداً.
رأيت واحداً من هذه الأبنية في الشمال الغربي من قرية برسفة يبعد عنها نحو كيلو مترين أو ثلاثة. وآخر في سفح رابية مرتفعة في الجهة الشمالية من قرية (شرانش نصارى) (لأنهما قريتان غير بعيدة إحداهما عن الأخرى، يسكن السفلى منهما كرد وتسمى (شارنش إسلام) والأخرى أعلى وهي (شارنش نصارى) هذه). ورأيت أثنين منها: الواحد قرب الآخر في سفح جبيل في شرقي (مارسيس). وهي قرية في واد بين جبال شاهقة تقع شمالي شارنش وكل هذه القرى داخلة في حدود العراق.
إن وقوع هذه الأبنية في سفوح الجبال خصيصاً تدل على أنهم كانوا يعمدون
стр. 5940
إلى صخور السفح فيزلمونها أي فيشذبون منها الأطراف الناتئة والزائدة عن المقدار المطلوب ويقلبونها
على الأرض إلى أسفل حتى إذا بلغوا بها المكان المطلوب وضعوه عليه وأتوا بالثانية والثالثة الخ. حتى إذا أرتفع بهم البناء دمساً جعلوا حوله وداخله تراباً كي تسهل عليهم دحرجة صخور أخرى ووضعها في المكان المطلوب. وهكذا يضعون التراب أطراف البناء كلما أرتفع حتى ينتهوا من عملهم. ثم يزيلون التراب فيبرز البناء.
لا بد من القول أن العرب عرفوا هذه الأبنية أو شيئاً من قبيلها. فقد ورد في مادة رضم في تاج العروس ما نصه: (والرضم بالفتح ويحرك وككتاب وأقتصر الجوهري على الأولى والأخيرة صخور عظام يرضم بعضها فوق بعض في الأبنية. الواحدة رضمة). وجاء فيه: (الرضيم والمرضوم البناء بالصخر) وفيه: (ذات الرضم من نواحي وادي القرى وتيماء، وذو الرضم موضع حجازي) وفيه: (رضم عليه رضماً: وضع الحجارة بعضها فوق بعض ورضم المتاع فارتضم مثل نضده فأنتضد). ويقرب من الرضام لفظاً ومعنى الركام. جاء في القرآن الكريم (ثم يجعله ركاماً) يعني السحاب أي يجمع بعضه فوق بعض. ويقرب منهما لفظ الرخام أي المرمر لأنهم يقدون منه قطعاً يجعلون بعضها فوق بعض.
إن ما تسميه الإفرنج بالأبنية الدرويدية نسبة إلى الدرويد وهو كاهن القاطيبن قبل المسيحية في غربي أوروبا والتي منها ما هو على شكل خوان عظيم مؤلف من صخرة منبسطة قائمة على صخرتين أو أربع وتسمى بال (دلمن ومنها ما هو عبارة عن صخور ركزت عمودياً وصفت بشكل محيط دائرة، أقول أن الأبنية الدرويدية وأن كانت من الأعمال الرضامية أيضاً فهي بسيطة نسبة إلى هذه الرضم (قصور الشيطان).
لا بد أن الرضم لا تقتصر على ما ذكرت ولا بد أن منها ما هو في سائر أنحاء كردستان داخل حدود العراق وخارجه وفي أراض جبلية أخرى في سائر أنحاء آسيا وأوربا وغيرهما، ولا بد أن علماء الإفرنج بحثوا عنها. ولكني لم أطلع على ما كتبوه عنها ولا أعلم بماذا أسموها. فارجوا ممن له إطلاع أن يتحفنا بمعلومات أوفى وأتم عنها وأحث السياح ومحبي البحث على مشاهدتها.
الدكتور داود الجلبي
стр. 5941
نظمي وذووه
جواب ووثائق جديدة
إن القضايا التاريخية يطلب فيها صحة النقل: وقدم المصدر عند تعدد النقول وخوف الزيادة والنقص، أو عند تضارب الوقائق واضطراب سندها، أو إزالة أوهام علقت بالأذهان. وفي كل هذا لا يعارض النقل إلاَّ بما يقارب الزمن المطلوب الكلام عليه، أو بما هو أقرب إليه مع التحوطات الأخرى بالوجه الذي عينه العلماء في الطريقة التاريخية.
وبعد أن تقرر هذا الأساس، وبعد أن طلبنا من القراء أن يأتوا بما لديهم عن هذه الأسرة نرجع إلى أصل النقد الذي أورده الفاضل يعقوب أفندي سركيس في الجزء الرابع والخامس من هذه السنة عما كتبته في العام الماضي. وكل ما علم من مقاله، التشكيك في النصوص التي بينتها، دون أن يبت في حكم. وهذا مما لا يعول عليه في نظر الباحثين.
ذلك ما دعاني إلى أن أناقش الفاضل ولكن بلا مجاذبة ولا مشادة؛ مجيباً عن أقواله، ومورداً الوثائق الجديدة التي عثرت عليها، إذا لم أجد مبرراً لالتزامه هذه الطريقة في الرد. ولعل التأثر من بياناتي عما جاء في مقاله، ساقه إلى هذا فصار لا يفكر في قوة الوثائق التي قدمتها.
١ - الصلة النسبية:
من المعلوم أن الصلة العلمية تثبت بالتلقي والأخذ عن أستاذ. فإذا كانت مقرونة بلحمة نسبية قويت وصارت ارثية. وقد قلت أن نظمي هو أبن بنت عهدي (٨: ٢٧٥) كما أني قلت أن هذا الكتاب (كلش شعراء) أزال الإبهام عن مرتضى أفندي بالتعريف في نظمي أفندي واتصاله بهذا المؤلف (عهدي البغدادي) (٨: ١١٩) والآن أقول ألم يكن كذلك؟ وإلاَّ ليس قولي بتطور الأسرة بحيث أستقل الحفدة بأسماء جديدة.
نعم قد يختلف الحفدة في القوة وحق الإرث، فيقدم من هو أقوى قرابة،
стр. 5942
وأقرب درجة. ولكن العلم ينتقل غير مراع هذين الشرطين في القرابة. لذا نرى الإوزيين في تحقيق تراجم الأشخاص وتدوينها، يلاحظون أدنى صلة نسبية لانتقال الإرث العلمي. ومع هذا قد
أوضحت المجمل وفصلت المبهم فبينت أن نظمي أبن بنت عهدي، وهذا صار رأس بيت قائم بنفسه. قلت: (وبعد ذلك يسدل الستار عن أولاد شمسي وأحفاده وسائر أقاربه، ويظهر للوجود نظمي وهو أبن بنت عهدي والوارث لآداب أجداده لأمه) (٨: ١٨٧).
وأما اتصال مرتضى أفندي بنظمي، فيؤيده كلشن خلفاء، وكل مؤلفات مرتضى، كما أن ارتباط عبد الله أفندي بمرتضى أفندي ثابت بتاريخ (نزهة المشتاق) وبما قصه كل من الأستاذين نعمان أفندي الآلوسي ومحمود شكري أفندي الآلوسي، فانهما أوضحا الصلة التي بينهما. وقد بسطت الأدلة اللازمة عن العلاقات بقدر ما وصل إليه تحقيقي حتى أني نوهت بالختم الموقع في كلشن شعراء وذكرت أنه لمرتضى أفندي.
فللتشكيك حد والناس حرصاء على الاحتفاظ بأنسابهم، إلاَّ في مواطن لا تخلو من شائبة. أفهذا من نوعها؟
وعلى كل حال يقبل أن يأتي بما لديه من الوثائق أن كان عنده شيء من ذلك. فالنصوص التي أوردتها لا تبعد عن مرتضى، كما أن صاحب النزهة معاصر أو قريب العهد بعبد الله أفندي. والقاعدة المرعية في هذا هي: (إن كنت ناقلاً فالصحة) فلم يتعرض الناقد لهدم دليل مع أن الحق يقضي بمقارعة الحجة بالحجة، فكان الواجب عليه أن ينسب مرتضى لنظمي آخر ويحقق وجود ذلك، أو يلحق عبد الله أفندي بغير مرتضى المبحوث عنه، ويبرهن على صحة ما عول عليه.
أما قوله: (هذا ما وصلنا) فلا يبرر أن نسكت عن النقد والتمحيص وترجيح النصوص. فما وصله من الوثائق متأخر وخال عن السند. ومصدري قديم وثابت في زمن لم يزاحمه فيه نص ولم يعارضه دليل، ولذا وجهت النقد.
٢ - مرتضى أفندي أكبر مؤرخ عراقي:
أني أوضحت أعمال هذا الرجل التاريخية، وطبعاً يقدر المرء بقيمة مؤلفاته
стр. 5943
وقد أنعمت النظر في نفس المؤلفات ولم أراجع في الأغلب ما قيل عنها بلا بينة ولا فكرت بدماغ غيري، بحيث إذا وجدت نقلاً نطقت، وأن لم أجد سكت فعندي مؤلفات
الرجل خير ترجمة له. وهذه تصلح لأن تكون مخصصاً لمكانته ودرجة علمه. وهي من اثمن النصوص التاريخية.
وهنا اسأل حضرة الفاضل: قد مضى ما يزيد على مائتي سنة على تاريخه وسائر مؤلفاته؛ فهل رأى مثله في عظمته خلال هذه المدة، وهل وجد أكبر منه أو هل وجد مؤرخاً عراقياً بلغ درجته منذ ستمائة سنة إلى اليوم؟
أن هذا المؤرخ لم يكتف بوقائع العثمانيين في عصره كما يقول الفاضل، وإنما أرخ بغداد من حين بنائها إلى زمنه وذكر أولياءها ووقائع القطر التاريخية الاخرى، واكمل سيرة الرسول (ص) وقد بينت جميع مؤلفاته، وهي تثبت ما نفاه. وأن أكثر من كتب في التاريخ عالة عليه، فلقد قدم لهم ثروة تاريخية لا يزالون يتقلبون في نعيمها. ومن راجع ما ذكرته من مؤلفاته يظهر له صحة ما قلته. وأن غمط حق هذا المؤرخ لا ينقص من قيمته وفضله.
بلغ المؤرخ جهده وبذل وسعه ولم يتصد أحد للآن من هدم أقواله في حين أنه من الميسور هدم أقوال غيره لأول حملة. فهو أكبر مؤرخ عراقي بحق وصدق ولم ينازعه من أيامه إلى اليوم منازع.
٣ - ما كتب وما كتبت:
من طالع ما كتبه الفاضل قبل هذا عن كلشن خلفاء وجده مقصوراً على وصف الكتاب المعروف والمطبوع قبل أكثر من مائتي سنة، وعلى ما يمكن استنتاجه منه أو ما قيل عنه بطريق الاستدلال، ولم يبد بياناته عن أسرة المؤلف ومبدأها، ومكانتها العلمية والأدبية، بل لم يستقص مؤلفات الرجل، ولا عرف بشيء عنها وليس له وقوف عليها جميعها، فكانت المحاولات - كما قلت - لم تتعد الحدس والتخمين. وقد أشير إلى مقالة أيضاً لتسهل المقابلة.
قصدت التعريف بالأسرة، وتاريخها، وعلاقتها ببيوت أخرى علمية، وأدبية وعرفت بمعاصريهم بقدر ما رأيته لازماً، ولم يقتصر البحث على تصحيح
стр. 5944
التسمية، بل الغرض بيان جهات أغلفتها غيري، فالمقايسة بين القولين تعين صحة ما قلته.
٤ - مغمز كلشن شعراء:
كنت قلت أن في كلشن شعراء مغمزاً أي أنه ذكرت فيه ترجمة نظمي وينبغي أن لا تذكر فيه، ولكنني بينت أنه - نظراً لقدم خطة - يظهر أنه كتب في زمن مرتضى أفندي،
وحسين أفندي آل نظمي. وذكرت أنها أدخلت مؤخراً في صلب المتن، وأن ختم مرتضى فيها، فرجحت أن تكون لأحد أولاد نظمي ثم قلت وصلت هذه النسخة إلى مرتضى.
فهل يمحو هذا المغمز قيمة هذه الترجمة، وهل تقابل وتعارض بنص متخلف عنها بنحو مائتي سنة. وأن مترجمه في كلشن شعراء لم يقف عند إيضاح المترجم واتصاله بآل شمسي، وإنما بين تفصيلاً عنه، وأستدل بأشعاره، وما عاناه في غربته وما رثاه به المعاصرون حين وفاته. وقد أوردت أبياتاً منها، فأين المغمز في هذه، وهل يصح نبذ هذه الترجمة المؤيدة بأشعاره وأشعار غيره المعاصرين له.
فنقد النسخة يوجه من جهة إضافة الترجمة إلى كلشن شعراء لا غير، والملحوظ أنه قصد منها حفظها في هذه المجموعة الموضحة لتراجم الكثيرين من أفراد هذه الأسرة ومن لهم علاقة نسبية بهم. وليس في نفس الترجمة طعن.
وكنت آمل أن يجري النقد توصلاً للحقيقة، لا أن يكون لمجرد النقد توسلاً باحتمالات بعيدة عن الواقع بمراحل.
٥ - نزهة المشتاق:
إن نزهة المشتاق توضح الصلة. لا من طريق تسمية الأب وحده، بل الغرض منها بيانها عن المترجم عبد الله أفندي مرتضى، أنه من أسرة عريقة في الفضل والعلم. ومن عرف كلا من شمسي، وعهدي، ونظمي، وحسين، ومرتضى وغيرهم ممن ذكرناهم يقطع بأنها عريقة في الفضل، ولكنني لم أنشر ما قيل عنه هناك اكتفاء بما ذكره الأستاذ المرحوم شكري أفندي الآلوسي في المسك الاذفر، وبما قرره نعمان أفندي قبله في مجموعته.
وهذا لا يهدمه قول: (أو لا يمكن أن يكون مرتضى هذا غير ذاك، وليس
стр. 5945
لنا ترجمة بأولاد مرتضى نظمي زاده، ولا نص يفصح عن أن عبد الله هو أبن مرتضى بن نظمي ليرتفع كل ريب وتزول كل شبهة.) أهـ
وأقول لا عبرة بالتوهم البين خطأه. وأن هذا الاحتمال لا يهدم الثابت المؤيد بالقرائن، ونفس الترجمة، والزمان، والمكان، والصفة. ومن طالع ما كتبته تظهر له حقيقة المترجمين بوضوح. كما أن المسألة ليست ارثية لتحصر فيها الأولاد كافة، بل يذكر في مواطن كهذه، من ينال مكانة ويحصل على ميزة.
هذا وأن الوثائق والنصوص التي أوردها الفاضل، جاءت مؤيدة لما ذكرته وكذا الوثائق التي سأوردها مما قوى التأكد وولد عقيدة.
ولعل حضرة الفاضل يرى ضرورة لوجود اعلامات لكل طبقة في حصرهم واتصالهم. وهذا لم يسبق له نظير في كثير من البيوت المعروفة.
٦ - تاريخ الحيدري:
إن الحيدري لم يبين الصلة بين البيوت. واشتقاق بعضها من بعض. أما أنا فبينت العلاقة ووجهت اللوم عليه من هذه الناحية أي عدم العلم، وإلاَّ فإنه ذكر الاثنين، أما الشهرة التي نوه بها الفاضل؛ فإنها كانت في حياة حسين أفندي، ومرتضى أفندي نظمي زاده؛ فهل من مانع أن تغطي شهرة مرتضى غيرها، ويستقل أولاده ببيت آل مرتضى، وهو هو، فتؤسس الأسرة من جديد ويكون هو مبدأ نسبه بأن علت شهرته على شهرة سابقيه. وخير الأسر من تسابق تاليها من تقدمه في الفضائل، خصوصاً نرى أن أولاد نظمي تكاثروا بحيث وقف بعضهم عند النسبة الأولى، ولهذا نظائر، فإن الفخذ الواحد قد يتفرع ويبقى قسماً منه محافظاً على اسمه الأول، وتشتهر الفروع الأخرى بأسمائها. وأمثلة هذا أكثر من أن تحصى، فغلب على أولئك آل نظمي وعلى هؤلاء آل مرتضى.
٧ - وثائق جديدة عن أسرة نظمي:
ليس أسرة غير هذه الأسرة مسماة بهذا الاسم. ولو كانت لبانت ولحصل التفريق بينهما. وعندي مجموعة خطية ظفرت بها مؤخراً، وهي تحتوي على مختارات عربية، وتركية، وفارسية، من منظوم، ومنثور، وفيها بعض المنتخبات من شرح وصاف لحسين أفندي نظمي زاده، وأبيات تركية وعربية أخرى.
стр. 5946
وفيها بعض التواريخ، منها ما هو في تعمير ضريح الإمام علي (رض). وقد دون فيها بعض المبرات والخيرات إلى (الحاجة مريم بنت الحاج محمود نظمي البغدادي) و (رقية بنت الحاج مرتضى نظمي زاده البغدادي) وفي مكان آخر منها يذكرها بلفظ (الحاجة مريم بنت محمود النظمي المرحومة).
والظاهر من هذه المجموعة أنها تعود إلى أحد أولاد الحاجة مريم، أو رقية. ويقول في موطن منها: (والده مرحومة دار فنادن دار عقبليه انتقال ايلدى في ٢١ صفر سنة ١١٢٨)
ولكننا لم نتمكن أن نعرف أيهما أراد.
ومن الأسماء المدرجة بقرب الأسماء المارة: الحاج إسماعيل مالك أبن الحاج خليفة البغدادي، والحاج علي البغدادي، ولعل الأول منهما مالك المجموعة. وفيها اسم (محمود أفندي نظمي). وهذا يوافق ما جاء في وثيقة الفاضل يعقوب أفندي، وهذه المجموعة تذكر من آل نظمي (أحمد جلبي نظمي زاده) وأنه استعار كتاباً من صاحب هذه المجموعة يسمى (كنعانية) وقال عنه (كنعانية بزم نظمي زاده أحمد جلبي مزده في ٢٥ جا سنة ١١٢٥.
وممن استعار كتباً مختلفة من قراء ذلك الزمن.
١ - محمد جلبي ٢ - عمر أفندي ٣ - الحاج حسن قليجي ٤ - طه أفندي ٥ - محمد صالح أفندي ٦ - سليمان أفندي ٧ - شيخ سلطان ٨ - محمد جلبي جادرجي زاده ٩ - مصطفى آغا ١٠ - يس أفندي ١١ - عثمان آغا قرنداشمر ١٢ - كاتب حسن جلبي ١٣ - خواجه (لم يسمه) ١٤ - جادرجي زاده ملا محمد ١٥ - ملا أويس خواجه سراي ١٦ - عبد الله آغا أبن يوسف آغا ١٧ - عبد الله ولد خليل جلوش ١٨ - عبد الرحمن آغا أبن يوسف آغا ١٩ - عثمان زاده نعمة الله ٢٠ - صاجلي زاده إبراهيم جلبي ٢١ - ملا سليمان مشقر ٢٢ - ملا محمد جادرجي ٢٣ - عبد الرحمن آغا قرنداشمر ٢٤ - ملا صالح بصري ٢٥ - ملا عبد القادر ٢٦ - علاقبند زاده ملا محمد.
وأعتقد أن هذه الموافقة القطعية لا تبقي شكاً للفاضل في أن من ذكرهم من آل نظمي كلهم من أسرة واحدة، وأن آل مرتضى استقلوا بشهرة والدهم، وبوسع حضرته أن يشاهد المجموعة متى شاء.
стр. 5947
ولما كان الفاضل يقطع في أن الأبيات التي أوردها هي لنظمي، فلا مانع من أن تضاف إلى منظوماته، خصوصاً لأنها توافق زمن حياته، وكذا الوقائع التي نوه بها. وقد وجد في الوثيقة التي ذكرها بعض من ينتسب لمترجمنا. فهذه كلها مؤيدات جديدة لما جاء في مقالاتي السابقة.
وأن عدم مشاهدة أوليا جلبي له لا ينفي وجوده، وإنما هو في هذه الآونة أو ما يقاربها، اعتزل الأمور، وزهد، وأنقطع كما ذكر في ترجمة حاله. وعدم ذكر مرتضى وقائع السنتين، يفسر التزامه الاختصار، وعدم الأهمية لذكرها والضرورة الداعية. وقد فات
مرتضى أفق تفصيلات كثيرة لمراعاته الإيجاز. وهذه لا تدل على أنها لغير نظمي.
وهنا يذكر الفاضل بمراجعة كلشن خلفاء ويقابل بين القصيدة التي قدمها نظمي إلى حافظ أحمد باشا، والقصيدة التي أوردها كلشن شعراء، فيجد المطابقة الحرفية وأنهما قصيدة واحدة، ولكن لغة العرب لم تدرج المطلع، واكتفت بالتنويه والإشارة ولم تورد البيت لعجز المرتبين عن قراءة اللغة التركية. فهل يصح الاشتباه في أن نظمي غير والد مرتضى المذكور في كلشن خلفاء.
٨ - الذهاب إلى الرها أو الروم:
أن الترجمة المنقولة أثر وفاته، تصرح بأنه ذهب إلى الرها. وأن صاحب كلشن خلفاء أيد هذه الجهة. والروم هنا يقصد منها البلاد التي تحت حكم الروم أي الترك، وهذا لا يحدد بمنطقة دون أخرى، حتى أن العرف اللغوي يقطع بأن المراد بالروم الترك. وأن صاحب كلشن كرر لفظ روم في صحائف متعددة ويقصد منها الترك (راجع ص ١ الورقة ٧٣ وص ٢ الورقة ٧٤ وص ٢ الورقة ٧٢) وفي هذه الأخيرة قال:
(إن أكثر أصحاب الغيرة وأرباب الديانة - نظراً للأحوال التي سردها - اختاروا الهجرة إلى الروم، وأنهم رتعوا في النعم السلطانية. وكثير منهم نال المناصب الشريفة. . .) أهـ
ثم ذكر عن أبيه أنه اختفى بضعة أيام، ثم ترك سبده ولبده، وعاف أصحابه ودياره، وأبدل زيه، فاكتسى بكسوة درويش، مكشوف الرأس، وحافي القدم،
стр. 5948
ونال أنواع المشاق وبقي مكسور الجناح، ومعه أمه المشفقة، فأقام في كربلا والحلة بضعة أيام، ثم امتطى الغربة وجول في البراري والقفار، متحيراً لا يدري أين يتوجه (وقصده هنا تصوير غربته) ولم يتعرض لذهابه إلى الروم.
وفي هذه الأثناء ورد حافظ أحمد باشا للمرة الأخرى، وتوجه إليه لسابق معرفة. وهذا مما يدل على أنه لم يخرج من العراق. والحاصل توجع لوالده بما اوتيه من بيان وصور ما أصابه ليدلي بتعلقه بحكومته.
أما كلشن شعراء فأنه أعطى الإيضاحات اللازمة عن هذه، فأزال الإبهام المستفاد من الاختصار الوارد في كلشن خلفاء. والظن بأن سابق المعرفة تدل على أنه كان معه في بلاد الروم لم يدعمه دليل، مع أن حافظ أحمد باشا كان قد جاء قبل هذه المرة في أيام بكر
صوباشي. والمعرفة من هنا حصلت فلم يكن ذهب إلى الروم (الأناضول) حتى مجيء حافظ أحمد باشا. وذهابه كان في أواخر سنة ١٠٣٥ أو أوائل سنة ١٠٣٦. وقد هدم الفاضل نقده في كلامه الأخير خشية أن يسد عليه الطرق، فأورد احتماله قال: (إنه يمكن أنه بعد أن ذهب إلى هناك عاد إلى الرها. هذا وأن كان يجوز - من باب الاحتمال - أن يقال لعل صاحب كلشن خلفاء أراد بالروم توسعاً الرها. . .) أهـ. ولكنه لم يلتفت إلى مدلول لفظ الروم مع أنه نقل عن كلشن خلفاء: (بدر مرحوم تك وتنها ترك يار وديار محروسه، رهاده قرار أيتمش أيكن، بو أيام خير انجامده الحمد لله الملك الجواد أولاد وأحفاد وفي الجملة برك وبار ونظام معتاد أيله كيرو عودت بغداد أيدوب شاكر أو لمشدر) أهـ. والمعنى أن الوالد هاجر وحيداً، وأقام في الرها، وفي هذه الأيام - ولله الحمد - شكر الله على الأولاد والأحفاد والعودة بنعيم ونظام معتاد أي أن الله تعالى من عليه بالعودة، وعوضه بالأموال والبنين.
ويفهم من مجمل اللفظ أنه بعد أن ناله ما ناله، رجع وعوضه الله تعالى. وهذا لا يقتضي الملازمة. وحرف العطف المضمر في الصيغة العطفية (أيدوب) لا يدل على المقارنة ولا الترتيب، حتى أن (أيله) تدل على وجود جملة فعلية سابقة لها. ولو قيل أنه ذهب مجرداً وعاد بأموال وبنين لكان المعنى أنه صار له.
وإلاَّ فكيف يعقل أن يعود بأولاد وأحفاد، وتاريخ ذهابه وعودته معروفان
стр. 5949
وأن كلشن خلفاء لم يطعن به، ولكن النص مجمل، فلا مخالفة وأن التأويل صرف كلشن عن المعنى الصحيح. وأما ما ورد في كلشن شعراء فسوف أعربه عند سنوح الفرصة. وغاية ما أقول هنا لا يهمنا أن يأتي بأمه، أو يأتي بجماعة من أهل وعيال، إنما الغرض بيان ترجمته، وأن هذا مما لا يعلق عليه أهمية كبيرة.
٩ - بين البك والباشا:
إن الفاضل لم ينظر إلى التاريخ، ولا إلى النقل، فأتخذ الغلط المطبعي، أو سهو القلم وسيلة لنقد ما هو معلوم، فأورد الترديد فالتصحيح ليبدي مهارة وهذا ما جعلني أن أعتقد أنه يحاول اتخاذ الوسائل لتأمين الغالبية، ولو من طريق واه، وإلاَّ فبعد توضح التاريخ وقائله، وذكر الاسم هل يبقى ارتياب؟ وبهذه المناسبة أراد أن يخرج عن الصدد ليتكلم عن جامع
الخاصكي، وأن كان هذا الخروج لا وجه له. وكذا يقال عن كل استطراداته. وقد لا يعود بعدها إلى المطلوب.
١٠ - جامع الأنوار:
قال: (ذكرته ثم ذكره العزاوي). ويريد بذلك أني أخذت ذلك عنه، ولم أنبه عليه. والحال أني كتبت مسودة سجل الأوقاف بيدي، ومن نسختي نقلت أساس الكتب إلى دفتر الأساس، وأنا وصفت المؤلفات، ونبهت عليها، قبل أن يطلع عليها هو وغيره. ومن قوله هذا تعرف درجة حرصه، وهب أنه نبه عليه، فلقد دققت النظر فيه وبينت رأيي عليه، فهل هذا من الحقوق الأدبية التي يجب الاحتفاظ بها؟ أو ممنوع أن يدقق مرة أخرى. ومن راجع ما قاله وما قلته يتبين له الفرق.
فالفاضل لم يدر أن العلم مشاع ومبذول لكل طالب، وأن ذكره لأسم الكتاب لا يمنع أن يصفه آخر حسبما يتراءى، فالتفاخر لا يأتلف هو وصفة العلم.
وهنا لا يفوتني أن أنوه بفضل الأوربيين في بث العلم. وتمكين كل طالب منه بحيث جعلوه مشاعاً. وقد طلبت مراراً تصوير نسخ خطية من المتحفة البريطانية فوردت إلي بكل سرعة، مع أن النسخ التي طلبت لا نظير لها سواها، أو لا يتيسر الحصول عليها من موطنها المعروف وجودها فيه.
стр. 5950
١١ - الاشتراك في الشكوك:
قال: (ولست وحدي في هذه الشكوك. فالأستاذ العزاوي أيضاً مثلها. فأنه رأى أن عبد الله أفندي المفتي ينعت (بسيد) في الحديقة). وأجيب عن هذا أن ما قلته إنما كان في نسبة الأبيات إلى عبد الله أفندي آل مرتضى ونعته بسيد. والتشكيك ليس في المترجم ونسبته، بل في الصفة المعطاة له، أو في نسبة الأبيات إليه أو إلى غيره. فنظراً إلى أنه قد صرح في الأبيات أنه سبط الشيخ عبد القادر، قلت من المحتمل أنها له وأن يكون والده صاهر القادرية فصار يدعي سيداً لهذا السبب. وإلاَّ فلم أشتبه في أن عبد الله أفندي هو أبن مرتضى المؤرخ أو أبن غيره.
وعلى كل حال أشكر الفاضل على اعتنائه واهتمامه بهذه الأسرة، وبنقله الوثيقة وبعض
الأبيات، ولكنني أعتب عليه في اشتباهه بصحة ما كتبت، وفي الوقت نفسه دعت كتابته إلى بياناتي الأخيرة عن المجموعة الخطية. هذا وأكتفي بذلك.
المحامي عباس العزاوي
التركمان
التركمان جيل من الترك من العنصر التوراني يلي بلادهم بلاد خراسان في إيران وتمتد إلى خوارزم في ما وراء النهر. ولغتهم التركية وتختلف عن لغة (بلاد تركية) وديانتهم الإسلامية على المذهب الحنفي، وقسم منهم يقيم في أراضي (كركان وتسمى تركمنستان ويدعوها العرب جرجان) من إيران وهذه الأراضي خصبة وهم مولعون بشرب الشاي وأكثرهم يشتغلون بالزراعة وتربية الأغنام وكان هذا القسم منهم يغيرون على بلاد خراسان التي تجاورهم بين آونة وأخرى منذ أيام الملك ناصر الدين شاه القاجاري (في القرن الثالث عشر) غير أن جان محمد خان الذي كان قائداً للجيش المقيم في شرقي إيران في حدود سنة ١٣٤٥هـ تمكن من قهرهم فخضعوا لأوامر الانبراطورية البهلوية بفضل ملكها الباسل وقد عادت السكينة إلى نصابها الذي كانت عليه قبل قرن أو أقل أو ما يزيد عليه. وفي العراق قبيلة اسمها اليعافرة تقيم في أراضي تل أعفر (تلعفر) في لواء الموصل أصلها من هؤلاء التركمان.
محمد مهدي العلوي
стр. 5951
فَوائد لُغَوية
نقد تاريخ الأدب العربي
- ٦ -
والذي حمل عمراً على الارتداد جبروته لا ضعف إيمانه. ألا ترى أن سليمان أبن ربيعه الباهلي لما عرض جنده بأرمينية - وكان لا يقبل من الخيل إلاَّ عتيقاً - رأى عمرو بن معد يكرب على فرص غليظ، فرده وقال له: هذا هجين، فقال عمرو: إنه ليس بهجين ولكنه غليظ، قال سليمان: بل هو هجين، فقال عمرو: إن الهجين ليعرف الهجين، فكتب سليمان بكلمته التي قالها إلى عمر بن الخطاب - رض - فكتب إليه عمر: (أما بعد يا أبن معد يكرب أنك القائل لأميرك ما قلت، فأنه بلغني أن عندك سيفاً تسميه الصمصامة وأن عندي سيفاً أسميه مصمماً، وأقسم بالله لئن وضعته بين أذنيك لا يقلع حتى يبلغ قحفك) وكتب إلى سليمان بن ربيعه يلومه على حلمه عن عمرو، فلما قرأ عمرو الكتاب قال لأصحابه: (من ترونه يعني؟) قالوا: (أنت أعلم) قال: (هددني بعلي والله) وروى أبو عبيدة معمر بن المثنى في كتاب مقاتل الفرسان قال: (كتب عمر إلى سليمان بن ربيعة الباهلي أو إلى النعمان بن مقرن: إن في جندك رجلين من العرب عمرو بن معد يكرب وطليحة بن خويلد فأحضرهما لناس وأدبهما وشاورهما في الحرب وابعثهما في الطلائع ولا تولهما عملاً من أعمال المسلمين وإذا وضعت الحرب أوزارها فضعهما حيث وضعا أنفسهما. قال: وكان عمرو أرتد (كما تقدم) وطليحة تنبأ) فيستبين مما قدمنا أن جبروت عمرو غلب على عقله وأن نفسه كانت طموحاً وثوباً ولولا تهديد عمر بن الخطاب - رض - له بعلي - ع - لأحدث ثغرة في صفوف المسلمين. وحسبك من شدته أن عمر الصارم
стр. 5952
كان يتخوفه ويتأثر حركاته بعزم شديد وحزم مديد.
(هلع) على وزن طرب
وضبط في ص ٢٢ قول عمرو بن معد يكرب (ما أن جزعت ولا هلعت) بفتح اللام من (هلع) والصواب: الكسر ففي المختار (الهلع أفحش الجزع وبابه طرب) وفي المصباح:
(هلع هلعاً من باب تعب: جزع) وأصل الفعل ربما كان على وزن (ولي يلي) لكن حرف الحلق في المضارع فتح العين. قال المبرد في (١: ٦٠) من الكامل (تقول: ولغ يلغ فهذا فعل يفعل، والأصل يفعل (بالكسر) ولكن فتحته الغين لأن حروف الحلق تفتح ما كان على يفعل (بالكسر) ويفعل (بالضم) ولولا ذلك لم تقع فعل يفعل (بالفتح) وحروف الحلق ستة: الهمزة والهاء والعين والغين والحاء والخاء. وهن يفتحن إذا كن في موضع العين واللام، فأما العين فنحو سأل يسأل وذهب يذهب، وأما اللام فمثل قرأ يقرأ وصنع يصنع وسائر هذا الباب على ما وصفت لك) ويمكن أن يرد هذا الرأي الذي أحتمل بأن فعل يفعل (بالكسر والفتح) أصل في التغيرات برأسه وبابه أوسع من باب (ولي يلي) كثيراً.
أول من بكى على الديار
وقال في ص ٢٦ بالحاشية: (ومما يدل على أن الشعر قديم العهد، قول امرئ القيس:
عوجا على الطلل القديم لعلنا ... نبكي الديار كما بكى ابن حزام
ثم نقل في ص ٤٦ بترجمة امرئ القيس: (فقالوا أنه أول من وقف على الأطلال وبكى على الديار). فكيف لم يتنبه على أنه يستحيل التوفيق بين هذين القولين. لأن امرأ القيس يصرح في بيته المتقدم ذكره: إنه رغب في بكاء الأطلال اقتداءً بابن خذام الذي هو أقدم منه. ووقع في هذا الوهم مؤلفاً (الوسيط في الأدب العربي وتاريخ) الشيخ أحمد الإسكندري والشيخ مصطفى عناني فقالا في (ص ٤٨) من الطبعة الأولى: (حتى ليظن أنه المبتكر لذلك) وكأنا قد ذكرا هذا البيت المبطل للدعوى (في ص ٣٧) وأوله: (عوجا على الطلل المحيل لأننا)
стр. 5953
على رواية أخرى، وهذا مما يدل على أن التقليد في تاريخ الأدب العربي ما زال شاباً، فأن أبا عبد الله محمد بن سلام الجمحي البصري المتوفى سنة (٢٣٢) هـ صاحب الطبقات ذكر البيت السابق كما في ص ٢١ من طبعة مطبعة السعادة بمصر، ثم نقل في ص ٢٧ أنه سبق العرب إلى أشياء أبتدعها، منها: استيقاف الصحب البكاء على الديار فقلدوه، ثم أن بكاء الديار شيء طبيعي قد كان مذ عرف البكاء ونشأت الأحزان.
مصطفى جواد
المجمل في تاريخ الأدب العربي
١٤ - الخاتمة
وقال في ص ٢٨٢: (وبعضها راويه كذاب أشر لا يوثق بحديثه كابن الكلبي) قلنا: ليس للتعصب محل في التاريخ فأن أبن الكلبي مصدر كثير من تاريخ العرب والإسلام وكتبه التي جاوزت المائتين تشهد بإقبال الناس أنفسهم مؤلفاته خاصة ولما ندر الغلط الذي غلطه؟ حتى ينصب به الأثري هذا النصب؟ وأن كان في حديثه كذب فلا يبلغ ما أختلقه (عروة بن الزبير) الذي قال عنه الأثري في ص ٣٠٣ من كتابه (وروي أن عروة بن الزبير بن العوام (٢٣ - ٩٤) وهو من كبار محدثي المدينة وفقهائها كان أقدم من ألف في سيرة رسول الله ص) فنحن نروي أقوال بعض المؤرخين في عروة وإفساده تاريخ الإسلام. قال أبن أبي الحديد في (١: ٣٥٨) من شرحه: (وذكر شيخنا أبو جعفر الإسكافي ﵀. . . أن معاوية وضع قوماً من الصحابة وقوماً من التابعين على رواية أخبار قبيحة في علي ﵇ تقتضي الطعن فيه والبراءة منه وجعل لهم على ذلك جعلاً يرغب في مثله فاختلقوا ما أرضاه، منهم أبو هريرة وعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة ومن التابعين عروة بن الزبير!!! روى الزهري أن عروة بن الزبير حدثه، قال: حدثتني عائشة قالت: كنت عند رسول الله إذ أقبل - العباس وعلي - فقال: يا عائشة إن هذين يموتان على غير ملتي أو قال: ديني!!! وروى عبد الرزاق بن
стр. 5954
معمر قال: كان عند الزهري حديثان عن عروة! عن عائشة في علي ﵇ فسألته عنهما يوماً فقال: ما تصنع بهما وبحديثهما، الله أعلم بهما لأني أتهمهما في بني هاشم، قال: أما الحديث الأول - (أي حديث تكفير العباس وعلي) - فقد ذكرناه، وأما الحديث الثاني فهو أن عروة!! زعم أن عائشة حدثته قالت: كنت عند النبي - ص - إذ أقبل العباس وعلي فقال: يا عائشة أن سرك أن تنظري إلى رجلين من أهل النار!! فانظري إلى هذين قد طلعا، فنظرت فإذا العباس وعلي أبن أبي طالب!!) فلعل الأثري آثر عروة بن الزبير على غيره من أجل الأحاديث العظيمة!! وقال أبن أبي الحديد في ص ٣٦٠ (قال: وقد تظاهرت الرواية عن عروة بن الزبير أنه كان يأخذه الرمع عند ذكر علي ﵇ فيسبه!! ويضرب بإحدى يديه على الأخرى ويقول: وما يغني أنه لم يخالف إلى ما نهي عنه وقد أراق من دماء المسلمين ما أراق!!) ونحن كلما
رأينا ما خطه الأثري زادت ثقتنا بقولنا: إن مرجع الدين هو الروح لا العقل. أما كون النفس أمارة بالسوء فأمر مجرب، وقل من محص دينه بعقله لأن النفس لا تدع لذلك مجالاً، وخرف وخلط من قال: إن العقلاء المهذبين براء من التعصب وهو لا يعرف مصدر الدين، أجل أن العقلاء يتفننون في كتم تعصبهم لا غير، فلو كان الدين بالعقل لا جمع العقلاء على دين واحد من متباين الشعوب. ههنا البلية العظمى والطامة الكبرى. فأنا لله وأنا إليه لراجعون ومنه نتطلب المعون.
مصطفى جواد
البخص
يظن بعض الشعوبية أن العربية قاصرة عن تأدية بعض المعاني العصرية. قال لي أحدهم: (عند الإفرنج لفظة يريدون بها تبييت اللحم الذي يراد أكله بحيث يأخذ بشيء من الانحلال. وكثيراً ما يفعلون ذلك بالتدرج. وإذا فات عليه الانحلال فقد يسم منه آكله ولا سيما في البلاد الحارة، ولم نر للعرب لفظة تؤدي هذا المعنى أي قلنا: هو البخص (بالتحريك ويجمع على أبخاص) ومنه قول المؤرخين: (مات الخليفة المهدي من أكله أبخاصاً) (راجع النجوم الزاهرة ٢: ٥٨).
стр. 5955
بابُ المُكَاتَبَة والمْذاكَرة
زمن ارتحال عبد العزيز بن عبد القادر
نقلتم في (٩: ٣٧٦) من لغة العرب عن التاج أن عبد العزيز عبد القادر الجيلي - رض - نزل بحيال من سنجار سنة (٥٠٨) هـ. ولما قرأنا هذا التاريخ لم تستسغه ملكتنا التاريخية لأن أبا عبد الله عبد الرحمن بن عبد القادر - وهو أسن ولد الشيخ - كان قد ولد سنة (٥٠٨) ففي التاريخ المذكور تحريف بين ولو قيل أنه نزل سنة (٥٨٠) هـ لكان أقرب إلى الإمكان ولعله هو الصحيح فالمرجو منكم تحقيق هذه القضية التاريخية.
(ل. ع) أنكم مصيبون
قبر الشيخ محمد الأزهري
جاء في (٩: ٢٧٨) من لغة العرب عن جامع الخاصكي أنه بقرب مرقد الشيخ محمد الأزهري، قلنا: وهو مدمج في الجامع وعلى جدار حجرته من جهة الطريق ما صورته: (ألا أن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، هذا قبر المرحوم الشيخ محمد الأزهري عليه. . . وإلى روحه الفاتحة، تجدد ١٣١٠) وورد في ص ١٠٨ من بهجة الأسرار في الشيخ عبد القادر (والشيخ الفاضل أبو البقاء محمد الأزهري الصريفيني تاج العلماء والشيخ أبو أحمد يحيى بن بركة بن محفوظ الديبقي البابصري جمال العراق انتميا إليه وتحملا عنه العلم وسمعا منه في ما أخبرني الفقيه أبو نصر غانم بن غنائم بن فتح بن يوسف الهاشمي الكرخي، قال: أخبرنا الشريف أبو القاسم هبة الله بن المنصوري الخطيب فذكر ذلك وفي ص ١١٨ من البهجة أيضاً (أخبرنا الشريف أبو العباس أحمد بن الشيخ أبي
следующие страницы →