Полный текст (6 158 стр.). Показаны 5986–6025 · переход к 5991.
стр. 5986
النسخة ناقصة. فالمشعشع لقب محمد بن فلاح أولا.
ونقل في ص ٢١ من روضات الجنات عن محمد المشعشع قول بعضهم: (وقد ألف ابن فهد المذكور له (لمحمد المشعشع) رسالة. . . ذكر فيها وصايا له ومن جملة ما ذكر فيها أنه سيظهر الشاه إسماعيل الصفوي حيث أخبر أمير المؤمنين يوم حرب صفين بعد ما قتل عمار بن ياسر ببعض الملاحم من خروج جنكيز خان وظهور الشاه إسماعيل الماضي، ولذلك قد وصى ابن فهد في تلك الرسالة بلزوم إطاعة ولاة الحويزة ممن أدرك زمن الشاه إسماعيل المذكور لذلك السلطان لظهور حقيقته وبهور غلبته).
قلنا: وهذه الوصية - إن صح تفصيلها في الأسماء - من الأسباب التي السيد محمد بن فلاح على أن يكون مهدياً إيثاراً لنفسه على غيره وكثيراً ما ينتبه النائمون بأخف أيقاظ ولا سيما اليقظة التي تشعشع بالدين وتمزج بالعقيدة أياً كانت. وأني لم أعثر على زمن خروج محمد بن فلاح المشعشع، وقد تقدم أن وفاة أستاذه محمد بن فهد سنة (٨٤١).
لكن ذكر الغياث عبد الله بن فتح الله في تاريخه أنه بعد سنة (٨٤٢) هـ رجع أسبان (بن قرا يوسف التركماني) من اربل إلى بغداد وكان قد ظهر المشعشع واخذ الجزائر، فتوجه أسبان إلى الغراف وفيها غلة عظيمة فأكلوها وبنوا قلعة (بندوان) على فم (المجنبية) ونقل أسبان الغلة على كل فارس حمل فادخلوها القلعة وترك الأمير (محمد بن شي لله) والأمير الحاج مبارك بتلك القلعة وتوجه إلى (واسط) ومن واسط إلى بغداد. فسار المشعشع على قلعة بندوان وحاصرها وخرج إليه الحاج مبارك وعسكره بثلاثمائة فارس فقتل منهم مقتلة عظيمة فانكسروا وراحوا إلى الجزائر. ثم توجه المشعشع مرة أخرى بعسكر عظيم ما كان
стр. 5987
لهم به طاقة ففروا وتركوا القلعة وتوجهوا إلى واسط فساروا خلفهم، فخرج إليهم عيسى بك
والحاج مبارك ومحمد بن شي الله وقتلوا فيهم مقتلة عظيمة وأرسلوا بالرؤوس إلى بغداد وطلبوا (أسبان) إليهم فتوجه إلى واسط وأقام بها شهرين وكان هرب مع المشعشع عشرون ألف بيت ودوابهم حوالي واسط فوقع فيهم الوباء فلم يغادر منهم أحداً ثم أرسل أسبان عيسى بك إلى الجزيرة لينظر أخبار المشعشع فرآه قد حط على (الوزيرة) يحاصرها وبينما هو في بعض المواضع إذ رأى شخصين من الحويزة فلما رأياه قالا: (قد جئنا إلى أسبان بمفاتيح الحويزة ليجيء فيملكها ويخلصنا من هذا الكافر) فجاء بهما إلى واسط عند أسبان وقص له الأمر فعزم أسبان على الذهاب إلى الحويزة لما فيها من الأموال وكان واليها يسمى (أبا الخير) وقد تركها وأنهزم ورعاياها تحصنوا بالأسوار ليمنعوا المشعشع عن أنفسهم فلما وصل أسبان الحويزة دخل المشعشع الدوب (وهو موضع ذو قصب ومياه لا يقدر عليه) وجاء أكابر الحويزة إلى أسبان بمفاتيح البلد.
فدخل أسبان المدينة وأخذ من أهلها (مال الأموال) أي أجرة حمايتهم حتى لم يبق شيئا من المال عند أحد ورحل عن الحويزة ورحل أهلها جميعاً معه وعبر (شط العرب) وحط على (الركية) وفي رواية الزكية بزاي في الأول من البصرة ثم قبضوا على شخص قد أرسله المشعشع إلى البصرة برسالة في يده مكتوبة إلى غانم بن يحيى حاكم البصرة فيها (أنت من ذلك الطرف وأنا من هذا الطرف نأخذ أسبان في الوسط ونقتله في الحال). قال الغياث: (لم يكذب أسبان الخبر وقتل ذلك القاصد ورحل على طريق مشهد علي وكان طريقاً صعباً ووقع فيهم الجوع وقلة الطعام فمات من الجوع والعطش والتعب خلق كثير من أهل الحويزة ووصل أسبان إلى بغداد فمكث مدة ستة أشهر ومرض مرضاَ شديداً. . . فمات سنة (ثمان وأربعون وثمانمائة) فكان مدة حكمه ببغداد اثنتي عشر سنة، ودفن داخل المدينة على جانب دجلة بباغجة عيش خانة وكان قد بنى القبة قبل تاريخ موته بقليل وزرع جميع تلك الباغ (أي جميع ذلك البستان)
стр. 5988
عنباً وسمياً إلى هذا التاريخ).
وبعدما دخل بير بوداق بن جهان شاه بغداد وذلك نهار السبت ١١ رمضان سنة (٨٥٢) بستة أشهر خرج الوند بن أسكندر بن قرا يوسف التركماني من قلعة فولاذ يريد الاتصال بالمشعشع فأرسل إليه بير بوداق عسكر فلم يظفروا به وانضم إلى المشعشع
السيد سلطان علي بن محمد بن فلاح المشعشع
ثم نرى عبد الله بن فتح يصرح باسم المهدي الجديد ويسميه (السلطان علي) فهو ابن محمد بن فلاح المشعشع الأول قال: (فلما كان موسم الحاج والحاج قد توجه من بغداد وحط بالمشهد الشريف الغروي وذلك يوم السبت غرة ذي القعدة سنة (٨٥٧) خرج عليهم (السلطان علي) بعساكره فأحاط بهم وقتلهم إلى أخرهم ونهب أموالهم ودوابهم وجمالهم وأخذ (المحمل) والآية المذهبة والقماش ونجا ناس قلائل وكانوا قد سبقوا ودخلوا المشهد وحاصر السادة في حطيم المشهد فأرسلوا يتضرعون إليه فطلب منهم القناديل والسيوف وكانت خزائن السيوف من سبعمائة سنة تجتمع فيها السيوف جميع سيوف الصحابة والسلاطين، كما مات سلطان أو خليفة بالعراق يحمل سيفه إليها فأرسلوا إليه مائة وخمسين سيفاً واثني عشر قنديلاً. ستة منها ذهب وستة قناديل فضة. فأرسلوا إليه من بغداد عسكراً (كان والي بغداد السيد محمود من قبل بير بوداق) مقدمهم (دوه بك) وأنضم إليه (بسطام) حاكم الحلة بأجاود عساكر بغداد، فبما وصلوا إليه وكانوا النسبة إلى عسكره قليلين فانضم عليهم عسكره فلم يخرج منهم سوى (دوه) فانه لما أحاطوا به قبض على الفرس. فقام رجل من الرجالة
стр. 5989
وضرب بالسيف أرجل فرسه يريد أن يعرقبه فلم يقطع السيف وفز الفرس من حر الضرب فأخرجه منهم فمر هارباً، فلما كسر العسكر وقتلهم توجه إلى (الحلة) فانكسرت أهل الحلة وتوجه إلى (بسطام) شحنة الحلة وجميع أهل الحلة إلى بغداد، الذي قدر على مركوب ركب والباقي رجالة، الرجال والنساء والأطفال بحيث هلك منهم خلق كثير من التزاحم على العبور من شط الحلة وبعضهم في الطريق من التعب والجوع والعطش فانهم قد خرجوا بغير زاد ولكن من لطف الله على عباده أنه كان الفصل بارداً فانه كان ٣ تشرين الثاني فلو كان حرا ما نجا منهم إلا القليل، والذي تخلف في الحلة قتل، ودخل السلطان على الحلة بتاريخ خامس الشهر (ذي القعدة) ونقل أموال الحلة والمشهدين إلى البصرة. وأحرق الحلة، وأخربها وقتل من تبقى فيها من الناس، مكث فيها ثمانية عشر يوماً، ورحل يوم الأحد ٢٣ ذي القعدة إلى المشهد الغروي والحائري ففتحوا له الأبواب ودخل؛ فأخذ ما تبقى من القناديل والسيوف ورونق المشاهد جميعها من الطوس والأعتاب والفضة والستور والزلالي وغير ذلك ودخل بالفرس إلى داخل الضريح وأمر بكسر الصندوق، وإحراقه، فكسر وأحرق (يا له من سيد علوي) ونقل أهل المشهدين من السادات
وغيرهم ببيوتهم) وقد قدمنا أنه نقلهم إلى البصرة والجزائر.
وفي سنة (٨٦٠) توجه السلطان علي المشعشع هذا إلى (مهروذ) وطريق خراسان من ولاية بغداد ونهب وقتل الذراري والنساء وأحرق الغلات وكان ذلك يوم الأربعاء ٢٠ جمادى الآخرة من السنة المذكورة ومكث تسعة أيام: ثلاثة أيام ببعقوبا، وثلاثة أيام من بعقوبا إلى (سلمان الفارسي) وثلاثة
стр. 5990
أيام بسلمان الفارسي، وقتل مشايخ سلمان الفارسي وأسر الباقين، وفي هذه الوقعة غرق (عمر سر خان) (ورد أيضاً سورغان) فأنه كان لا يعرف السباحة وكان معه شخص يقال له (مقصود باشا) يعرف السباحة فلما ادركتهم الخيالة وقدامهم شط ديالى ومن ورائهم الرماح ألقوا بأنفسهم إلى ديالى فغرق عمر سرخان وخرج فرسه حياً ونجا مقصود وهلك فرسه، ورحل المشعشع بعد ثلاثة أيام (كما تقدم) ولم يعبر ديالى ولم يخرج إليه أحد من بغداد ولما سمع (جهان شاه) بذلك أرسل (علي شكر) إلى أطراف ولاية العراق بعساكر عظيمة فوصل يوم الأربعاء ١٦ محرم سنة ٨٦١ فمكث مدة ورحل.
وفي سنة (٨٦١ هـ) أيضاً استولى (علي المشعشع) على (الرماحية) وبنى قربها حصناً للحماية، ذكر ذلك بعض مؤرخي الدولة الأيلخانية في العراق وحكاه التستري صاحب مجالس المؤمنين بالفارسية.
ثم سار المشعشع وحاصر (بهبهان) وكان ذات يوم يسبح مع ثلاثة أمراء في النهر الذي تحت القلعة تحت سدرة فنزل شخص من القلعة وهم لا يرونه يسمى (محمود بهرام) فوقف عنهم قريباً فسلم عليهم فقالوا: من أنت؟ قال: إني هارب من القلعة وأريد الانضمام إلى معسكر السلطان. ووقف حتى خرجوا من الماء فرأى الثلاثة يخدمون الرابع فتحقق أنه السلطان فمد قوس ورماه به (ياسيج؟) فخرقه من حالبه إلى وركه ومر هارباً وصعد القلعة، فحمل المشعشع وليس به حراك ووضع في الخيمة وهو في حال رديئة، وفي تلك الحال راحت الأخبار إلى (بير بوداق) بأن السلطان علي المشعشع مجروح ومحاصر لقلعة بهبهان فتوجه إليه فلما تراءى عسكر بير بوداق لهم ورأوا غباره أخبروا السلطان علي بذلك فقال: (وجوههم) فركبوا إليهم وهجموا على بير بوداق فكسروه أول مرة، ولكن وصل (بير قلي) إليه بعسكره فكسروا المشعشعيين وقتلوهم إلى الحويزة ووصل شخص إلى خيمة
السلطان علي المشعشع فرآه نائماً فحز رأسه لم يعلم من هو. وكان وزيره (ابن دلامة) مأسوراً فعرف رأس المشعشع وفتشوا عن الجثة فحصلوها، وسلخوها وحشوها تبناً وأرسلوا بهذا البو البشري
стр. 5991
إلى بغداد وبالرأس إلى جهان شاه، ودخل جلدة بغداد في ١٦ جمادى الآخرة سنة (٨٦١).
وقال الغياث في ترجمة بير محمد التواجي والي بغداد من قبل جهان شاه المتوفى سنة (٨٧٣) الحاكم ببغداد من سنة (٨٧٠) ما صورته: (وفي أيامه تملكوا (كذا) المشعشعون الحلة). قلنا: ثم أخذت منهم الحلة على ما دلت عليه الحوادث لان حسن علي بن زينل والي بغداد بعد (بير محمد التواجي) أعطى الحلة ابن قرا موسى، ذكر ذلك الغياث أيضاً.
فالمشعشعيون بعد تلك الانكسارة ترأس عليهم مشعشع ثالث فهو الذي استولى على الحلة.
وفي غرة جمادى الأولى سنة (٨٨٠) أرسل حسن بك الطويل بن علي بك التركماني جماعة ليقبضوا على والي الحلة (خليل بك محمد بن عثمان قرا أيلوك التركماني) وهو أبن عمه فأنهزم من الحلة إلى (المشعشع) وتفرقت عساكره عنه وتبعه القليل. وفي ٧ جمادى الأولى أقام بالقائم حتى ينظر الأخبار وفي ثاني جمادى الآخرة أرسل المشعشع إليه سفناً وحملوه إليه، ودوابه سيروها بالبر، ومكث الخليل عند المشعشع سنة وثمانية أشهر حتى رضي عنه حسن بك بشفاعة والدته فأنها خالته، فأرسل في طلبه فتوجه إليه من المشعشع بتاريخ شهر ذي الحجة سنة (٨٨١)، ثم توفي حسن بك بتاريخ ٢٧ رمضان سنة (٨٨٢) وسمع المشعشع بموته فتوجه إلى بغداد، وفي أول الأمر جاء نائب (الرماحية) من قبله إلى (جحيش) وآل جودر في طلب جماعة من الذين هربوا ونهبهم وقتلهم ونهب جميع الدائرة ووصل إلى (قنا قيا) من قرى الحلة، ثم رجع بتاريخ يوم الأربعاء ١٩ جمادى الآخرة سنة (٨٨٣) وجاء إلى نواحي بغداد حتى دخل أراضي ديالى إلى الخالص ونهب وقتل واسر، ثم أرتحل يوم الأربعاء ٢٦ جمادى الآخرة وكان مكثه ثمانية أيام، وفي ٢٨ جمادى المذكور قتل (كلابي) والي بغداد الحاج (ناصر الدين القتباني) وحصبوا غلامه (شعبان) بسبب أنه أتهم بقصة المشعشع ومخامرته.
стр. 5992
وقد قدما إشارة الغياث إلى أن ملوك المشعشعين أربعة ونهاية ملكهم سنة (٩٠١) ولكن صاحب الرياض قال في ترجمة (علي خان) بن السيد خلف المشعشعي المذكور آنفاً (من
أكابر العلماء وكان له ميل إلى التصوف توفي في عصرنا وخلف أولاداً كثيرة وقد أخذ حكومة البلاد من أولاده واحداً بعد واحد إلى هذا اليوم وهو عام سبعة عشر ومائة بعد الألف. . . وقد أستشهد طائفة غزيرة غريرة من أولاده وأحفاده وأقربائه في قضية المحاربة التي صارت بين أعراب تلك البلاد وبين بعض أولاده الذي هو الآن حاكم بها) وقال في أبيه: (وبالجملة فهذا الرجل الجليل من أجداد حكام تلك الناحية ومواليها المشعشعين المعروفين، فالظاهر أنه يريد الحويزة وما جاورها.
وقدمنا في (٩: ٦١٦) من لغة العرب أن السلطان سليمان استولى على واسط وبلاد المشعشع فيستبين أن جزيرة أحمد الرفاعي وما حول واسط سميت ببلاد المشعشع، وفي سنة ٩٩٤ كان أمير عرب البصرة (أبن عليان) قد أفسد في بلاد المشعشع فأمر السلطان سليم الثاني اسكندر باشا والي بغداد بمحاربته فقهر ابن عليان ونهب أمواله وقتل رجاله.
وقال السيد ضامن بن شدقم في ترجمة الشاه إسمعيل الصفوي (ثم توجه إلى الأهواز وخوزستان وشوشتر ودزفول وقتل من فيها من المشعشعين والغلاة والنصيرية وأستاسر منهم خلقاً كثيراً، ثم في سنة ٩١٤ توجه إلى شيراز) وقال عن الشاه صاحب طهماسب (ورجع من شيروان إلى تبريز إلى دزفول والحويزة وشوشتر وبلاد خوزستان فقتل من كان بها من المشعشعين وملكها ورجع يوم السبت غرة ذي القعدة وفي سنة ٩٥٠ وصل السلطان. . .) وقال عن الشاه عباس: (وفي سنة ١٠٣٢ ركب الشاه بذاته على عراق العرب ففتحه وفي سنة كذا أطاعه سلطان الحويزة والأهواز السيد مبارك ابن المطلب بن حيدر المشعشعي الموسوي الحسيني - على المداهنة - وأرسل أبنه ناصراً رهينة عنه إلا أنه خطب ودعا له وسلم الأمر إليه).
إلى هنا انتهينا بالتحقيق والمطالعة زيادة التدقيق ومن الله التوفيق.
م. جواد
стр. 5993
بدرة وجسان
أو بادرايا وباكسايا
جاء في (معلمة الإسلام) التي ينشرها جماعة من المستشرقين بثلاث لغات متفرقة الألمانية والإنكليزية والفرنسية ما هذا تعريبه بحرفه:
(بادرايا، موضع وصقع من ديار العراق في شرق دجلة عند بدء منحدر سلسلة جبل الطاق (وهو المعروف بالإفرنجية باسم زجرس وهي تعرف اليوم باسم بدرة وواقعة فويق الدرجة ٣٣ من العرض الشمالي وتحت الدرجة ٤٦ من الطول الشرقي من غرينويش. ووصاف البلاد من كتاب العرب يضمون بادرايا إلى باكسايا ويشيرون إلى البندنيجين (مندلي) إشارتهم إلى حاضرتهما جميعاً. وأهم ما يصدر منها من القصب (كذا) الشهير الذي ييبس فيها. وقد نقل كسرى أنو شروان إلى هذا القطر طائفة من سكان إنطاكية بعد أن دمر هذه المدينة. وقد جاء ذكر بادرايا في كتب السريان بصورة (بيت درايا) ولا شك أنه ورد ذكرها أيضاً في التلمود بصورة (بي دراي) اللهم إلا أن تكون رواية في (باد وريا). وقد ذكر ياقوت في معجمه ١: ٥٥٥ بر درايا (قابل أيضاً ما في مراصد الإطلاع ١: ١٤١) فلا جرم أنها تصحيف بادرايا. ومعنى درايا كمعنى كسايا في باكسايا أي قبيلة سكنتها في سابق العصور. قابل أيضاً ماذرايا اسم موضع فوق واسط.) أهـ كلام الكاتب.
حدود بدرة
يحد هذا القضاء من جهة الغرب قضاء العزيزية الواقع في ضفاف دجلة، ومن جهة الشرق فارس والتخم هو جبل حمرين المستقل به حاكم عجمي معروف (بابن حسين قلي خان) ويحده من جهة الشمال (مندلي) البندنيجين ومن الجنوب لواء العمارة وقضاء كوت الأمارة.
стр. 5994
مزارعها
فيها من الزراعيين العرب نحو ثلاثة آلاف بيت يسكنون مزارع تقدر بخمسة آلاف وأربعمائة دونم.
حيواناتها
في القضاء كله نحو خمسمائة من البقر، وفيها ثلاثة وتسعون ألف وثلاثة عشر من الغنم ونحو مائة وثلاثين من الجاموس وليس في قرية بدرة جاموس وفيها نحو ثمانمائة وتسعين من الجمال إلا في قرية بدرة، وفيها نحو ألف ومائتين وخمسين حماراً ومائتين وتسعين بغلاً، والمستعمل في حمل أثقالهم البغال في الغالب.
بقولها وحبوبها
من بقولها المشهورة: القثاء والبطيخ الأصفر والأسود و. . . الدماطة و. . . البامياء والباذنجان والسلجم والشمندر والفجل والتين والرمان والليمون والبرتقال والنارنج والاترج والكمثري والخوخ والمشمش والأجاص والعنب والزيتون والفلفل الدراز (دارا) وغير ذلك من البقول. وأما حبوبها فالقمح والشعير والذرة والأرز والهرطمان، ولا يزرع الماش عندهم ولا العدس، وعندهم السمسم والباقلا. والحمص والجلجل كثير عندهم، والحبة الخضراء والجوز واللوز تجلب إليهم من بلاد فارس، وعندهم حبوب وبقول آخر لا أذكرها.
موقعها السياسي والتجاري والطبيعي
بدرة تبعد يوماً وبعض يوم عن نفس قضاء كوت الأمارة فالمسافر قبلا من الكوت يقلع صباحاً ويصل جسان عشياً ويبيت في جسان وبكرة يقلع منها إلى بدرة فيصلها الضحوة الكبرى وبين (البغيلة) وبدرة يومان ونصف بسير البغال والذاهب من البغيلة إلى بدرة كالذاهب من الكوت إلى بدرة لأن المدة متساوية إذ بين الكوت والبغيلة يوم واحد في الغالب وبين بدرة والبندنيجين يومان وهذا طريق البريد بين بدرة وبغداد، ويقول البدرين أن بين بغداد وبدرة طريقاً قريباً جداً ومسافته يوم واحد إلا أنه غير مسلوك لعدم وجود الماء فيه وهو طريق مخوف، وقد زعموا أن أحدهم سلكه فوصل بغداد في يوم واحد، ولقد يكون هذا صحيحاً لآن البغداديين يرون الجبل المقارب لبدرة (وهو جبل حمرين) كالغمام
стр. 5995
العارض إذا صعدوا إلى مكان مرتفع ولو أن الحكومة اهتمت بهذا القضاء المهم وفتحت له الطريق المذكور لعمر عمراناً باهراً وازدادت وارداته أضعاف أضعاف ما هي عليه اليوم. وبدرة ثغر مهم، إذ أنها الحد الفاصل بيننا وبين إيران، ولما رأت الحكومة التركية أهميته حشدت
إليه ثلة من العسكر ترابط فيه والعسكر لا يزال مقيماً هناك، وهذا القضاء ترد إليه البضائع التجارية من فارس والكوت والبندنيجين، وهي قليلة جداً، فلهذا تراها تباع بضعفي ما تباع في بغداد، وبينه وبين فارس مواصلة في التجارة أكثر مما بينه وبين بقية البلاد.
زراعتها
أراض واسعة ورجال قليلون ولا يزرع إلا معشار ما هناك من الأراضي والماء لا يكفي إلا ما يزرع منها، والماء يتوجه إلى حيث يشاء الزراعي المستقي، وفدادينها تزيد على. . . . فداناً، ولو كان لهذه الأراضي مصلح لجنى منها الذهب والفضة ولوفر منها خزائنه بالمال لأنها واسعة جداً، ولا آسف على مثلها فأني رأيت على ضفاف دجلة أراضي واسعة جداً إلا أنها خالية من الرجال والحكومة تشكو الفقر والإعدام، وهذه بلادها مهملة عجاف تجري مياهها ضياعاً.
تقسيمات
يحتوي هذا القضاء على ثلاث قرى: بدرة. وجسان. وزرباطية. وكلها يقرب بعضها من بعض، فجسان تقرب من بدرة، وبينهما ثلاث ساعات، وبدرة تقرب من زرباطية وبينهما ساعة ونصف وفي بدرة محل الحكومة ومحطة الهيئة الشرعية للقضاء، والقضاء كله ينقسم إلى ست مقاطعات: الأولى مقاطعة جسان ويقال جصان بالصاد والسين كما ينطق بها أهلها، وتمسح بسبع ساعات طولاً ويسقيها نهر جسان الذي يمر منحدرا من بدرة إلى جسان ونهر الشعير ونهر الشاخة وغيرهما. والماء لا يروي مزارعها، وأهلها يتشاكون ويتضجرون من قلة المياه والمقاطعة تنقسم إلى ثلاث ضياع: ضيعة جسان وضيعة الشاخة وضيعة نهر الشعير، والمقاطعة الثانية، مقاطعة بدرة وتمسح بست ساعات طولاً، وتنقسم إلى ست ضياع: ضيعة (ميرزاباد) أو (ميرزه آباد) وضيعة (قيراي) وضيعة (الشيحة) بكسر أوله وضيعة (الإمام الرضا) أو (إمام رزا) على حسب
стр. 5996
رطانتهم، وضيعة (أم الروف) وضيعة (نهر الشعير). ويجري بهذه المقاطعة نهر ميرزآباد، وقيراي، وشيحة، و (إمام رزا) وأم الروف. والمقاطعة الثالثة: زرباطية وتمسح بخمس ساعات طولاً، ويرويها نهر زرباطية، وفيها ضيعة ورمزيار (بفتح أولها وهو الراء وكسر الميم وسكون الزاي).
والمقاطعة الرابعة هور جسان ويمسح بست ساعات طولاً. والمقاطعة الخامسة (غريبة) بسكون أوله وفتح ثانيه وتمسح بعشر ساعات. والمقاطعة السادسة (ترسخ) بكسر أوله وسكون ثانيه وضم ثالثه، كذا ينطقون به، وفي دفاتر الحكومة (ترساق) وبقية أراضي أخر تدعى أراضي سيد حسن وأراضي (بكسايا) بفتح أوله، وفي هذه الأراضي (جبل حمرين) الذي هو شعبة من جبال (بشت كوه) الفارسية، وأهل القضاء مقسمون إلى عرب وكرد وبعض فرس والعرب هم الاغلبون فيه، ونفس قرية بدرة تنقسم إلى جانبين: الجانب الشرقي وهو الذي فيه محل الحكومة وبيوت بدرة. والجانب الآخر: الجانب الغربي وليس فيه سوى حقول ومزارع وحدائق، وفي هذه الأيام أسس فيه (ثكنة) عسكرية يقيم فيها العسكر المرابط هناك.
حالتها الطبيعية
طقسها: معتدل جداً سالم من كل ضرر لو كانت القرية في درجة من النظافة. أما أهلها فيغلب على ألوانهما الاصفرار كأنهم مرضى مزمنين لأنهم يكثرون استعمال التنباك إكثاراً بالغاً، وقوتهم الذي يقوتون به أنفسهم وعيالهم وأبناءهم (الشاي) فهم مثابرون على شربه ويغتنون به عن بقية المآكل بكرة وعشياً، في الصيف والشتاء كما هي حالة الفرس اليوم، وقلما تجدهم يأكلون التمر على كثرته وتنوعه عندهم، والذي هو أضر من ذلك أنهم يوغلون (في الحشيشة والأفيون) ويكثرون الجنوح إليهما. لذلك تراهم ضعافاً هزالا على رقة هوائهم؛ وهذه عادات بلغت إليهم من الأعاجم.
والقرية تطل على نهر صغير يسمونه (الكلال) و (كلال) بالكاف الفارسية ويشق البلدة جدول صغير أيضاً أقل غزارة من (الكلال) فيجري من خلال أكثر البيوت وبعض البساتين. وهي على تلعة عالية قليلاً عن سطح الأرض وعلى
стр. 5997
ضفة الكلال الأخرى حقول ومزارع وبساتين ونخلها أكثر من نخل الضفة الأخرى من جهة الشرق، وقد أحاطت بالقرية البساتين من جميع جهاتها، وعلى مقربة منها (جبل حمرين) والمسافة بينه وبينها خمس ساعات للراكب، وهذا الجبل هو التخم الفاصل من هذه القطعة بين البلاد العراقية والبلاد الفارسية. وفيه حاكم مستقل عجمي ويكثر عنده النهب والسلب لأن الأشقياء فيه كثيرون وقد أصبح ملجأ لقاطعي الطرق من أعراب وأعجام.
وماء القرية ملح أجاج ثقيل جداً لأنه يجري على الصخور والجلاميد ويمر على أرض مملحة فهو شديد المرارة، وفي الصيف تقل المياه فلا تكفي القريتين: بدرة وجصان، ولا يصل إلى جسان إلا الطين والكدر، وإذا نزل المطر على تلك الأودية تحول مياهها إلى فساد في الرائحة واللون والطعم، فلا تقدر أن تتجرعها ولا تكاد تسيغها (والكلال) حينئذ يفيض ويطغي حتى يكاد يكون كدجلة في عرضه إلا أن طغيانه يفتر بعد ساعات فيرجع إلى القلة في الماء ويبقى متغيراً طعمه إلى أيام، والسبب في فساد الماء من المطر أن ما يستمده الكلال من المهامه والفيافي من الماء هو غسالة تجرف كل ملح من سباخ الأرض وكل وسخ يحيل الماء إلى غير حالته الطبيعية، وفي بدرة ينبوع ماء فرات يبعد عنها ساعة، ولو مروره على الملح لبقي فراتاً إلى منتهى جريانه، وبعض خواص القرية يشترونه بقيمة غبن.
وصف القرى الثلاث جملة
كل هذه القرى متشابهات بعضها لبعض، والبيوت هناك تبنى بالطين واللبن، وأفنية دورهم يجللونها بالطين، ولا يكاد يعرفون الآجر. والطين هناك ذو صلابة وقوة تقارب صلابة الجص، وبعض البيوت يبقى إلى مائتي سنة أو أكثر، وجسان تنفرد عن القريتين بسعة طرفها وأفنية بيوتها. أما القريتان الباقيتان فأنهما متشابهتان من جميع الجهات، وبيوت بدرة ليست موافقة للصحة أصلاً لأنها لا منافذ للرياح فيها، فهي مظلمة بالسطوح التي تغطيها، وسقوفها من الجذوع وكذلك أبواب دورهم، والبيوت مختلفة المباني متصالية السطوح والجدر. وبدرة مبنية على تل عالية قليلاً، وما فيها إلا طريق واحد عام
стр. 5998
تتشعب منه بنات الطريق، وطرقها غاصة بالقمامات والكناسات، وأبناء بدرة لا يعرفون الحشوش ولا البلاليع ولا الآبار. وهذه القرى تمثل الوحشية والخراب فضربوا بها الأمثال، وفي بدرة نفسها خمسمائة بيت (خانة) من تلك البيوت التي أشبه بمقابر الموتى لا تعرف فيها الريح إن هبت وان سكنت كأنما يوم القيظ أتأتين، وفيها خان واحد للغرباء، وفيها مسجدان صغيران وحمام، وفيها إدارة للبرق والبريد. ومكتب أولي. وفيها نحو ست (قهوة خانات) وفيها نحو خمس وعشرين (رحى ماء) تطحن البر والشعير والذرة ونحوها طحناً دقيقاً وربما أكتب مقالة في وصف (أرحاء الماء) وانشرها في هذه المجلة، وفي بدرة ما يزيد
على سبعين حانوتاً تباع فيه الأقمشة والأطعمة على اختلاف أنواعها وفي جسان نحو مائتي وستين بيتاً وعشرين حانوتاً، وفيها خان وحمام ومسجدان والحمام يشترك فيه الرجال والنساء، فكل منهما له وقت معلوم كالحالة في بدرة، وجسان تحيط بها المزارع والجنان من جميع جهاتها. وأما زرباطية ففيها نحو مائة وستين بيتاً وثلاثة عشر حانوتاً، وفيها خان واحد (وشايخانة) اثنان، وتحيط بها البساتين أيضاً وكل القرى والضياع تسقى من ماء واحد ينبع من ينابيع بعضها في شغف حمرين وبقاعه، وبعضها في سفحه وحضيضه والتي تجري من سفحه أعذب. وإذا أردت أن تعيش عيش الوحوش في البيد المقفرة فاركن إلى مثل هذه القرى.
أبناؤها
هم قوم من العرب تغلب عليهم العجمية فانقلبوا يتكلمون بها، ويدلنا على ذلك أنهم يعرفون العربية ويتكلمون بها، وان رطانتهم مزيج من ثلاث لغات. الفارسية وهي الغالبة، وتليها في الغلبة التركية ثم العربية. وفارسيتهم فاسدة ومذهبهم المذهب الجعفري، قيل وكانوا قبل خمسين سنة أو أكثر من أهل السنة والجماعة، إلا أنهم جنحوا أخيراً إلى اعتناق المذهب الجعفري لكثرة تردد المجتهدين من الجعفرية إلى بلادهم، ومما يصحح هذا القول أن هناك أوقافاً جمة ترجع وارداتها إلى الأمام أبي حنيفة ﵁، ويدلنا على صحته أيضاً أنهم قليلو المنفرة عن أهل السنة، ولا يتعصبون في مذهبهم تعصب بعض الشيعة
стр. 5999
في بقية مواضع العراق، لأن العريق في المذهب أشد تعسفاً من الحديث به. على أنا وجدنا أعراباً شيعة يهربون من السني، ويسبونه ويلعنونه، وربما يقتلونه أن تمكنوا منه، وأبناء بدرة بعيدون عن كل تعصب وتعسف، وقد اتخذوا أكثر عادات الأعجام، فلا يقرون الضيف، ولا يدعون دعوة. وعندهم شيء من النفاق والكذب. ولا بدع فذلك عادة في ضعفاء العراقيين خاصتهم وعامتهم. وفيهم الجبن والخوف والأحجام في الأمور. وكلهم همج رعاع ألقى عليهم الجهل غمرته فهم في ظلمات من الجهل بعضها فوق بعض والشريف فيهم من ملك ضيعة من الأرض أو ضيعتين، ولم أجد فيهم عالماً ولا متعلماً إلا ما كان من حضرة السيد محمد تقي المجتهد هناك، فأني رأيت منه، دام ظله، عالماً كبيراً وبحراً غزيراً، وقد حضرت مجلسه مراراً، ودار بينه وبين أخي المفتي هناك (السيد عبد المجيد) جدال ينم
عن غزارة مادة الرجل، وكان الجدال بينهما سجالاً، كل واحد يأخذ ويعطي.
ثم أن أبناء بدرة في غاية الكسل والخمول. وكل مهنة عندهم تعد عاراً وعيباً، ومن كانت له خمسون نخلة منهم يتكل عليها طول عامه، فلا يتشبث بشيء سواها (فهل موت بعد هذا الموت يا رجال الحياة). (وهل فقر بعد هذا الفقر يا رجال الإثراء). وعاداتهم في النكاح أن يجعلوا صداق البنت نخلاً فيعطيها على حسب جمالها وشرفها (وأين منها الجمال والشرف؟) ونساؤهم لا يبارحن بيوتهن، وبعضهن يشتغلن مع أزواجهن في البساتين إن كان للزوج بستان، ولا يعلمن من الطبخ شيئاً إلا (تسخين الشاي) لأنه قوت تلك القرية، ولا يعلمن قراءة ولا كتابة ولا تدبير منزل.
النبات والشجر في بدرة
يغلب النخل على بقية الأشجار التي تنبت في تلك القرى، وقد يبلغ النخل فيها زهاء ألف إلف، وهو هناك على ما أظن أحسن من النخل في البلاد العراقية، وجذوعه غليظة جداً حتى يكاد يكون الجذع كثلاثة جذوع من جذوع نخل بغداد. وللتمر عندهم أنواع كثيرة، أشهرها (الأشرسي) الذي لا مثيل له في بغداد من جهة الحلاوة والمقدار، وهو كثير مبذول عندهم (والخستاوي) وهو نوعان: (الأزرق) وهذا القسم المعتبر عندهم، والعادي الذي هو انزل
стр. 6000
من الأول. ومن التمور (الخضراوي) يشبه الخستاوي لوناً وحجماً، و (ألبدارية) أو (البيدرايي) كأنه منسوب إلى بدرة، وهو تمر لا أرى مثله في بغداد في الحجم والطعم، لكني أسمع بمحماة. (والمكتوم) يبيعونه بلحاً وفضيخاً و (القيتوني) ولم أر له في بغداد نظيراً، (وجمال الدين) كذلك لم أجد له نظيراً، وأحسن منه (دقل قيطاز) فهو الفريد عندهم. وقيطاز اسم محلة من محلات بدرة، أضيف إليها الدقل المذكور، و (الزهدي) و (القسب) لا يأكلونه لأنهم في غنية عنه. وإنما يحملونه إلى بغداد وعندهم (الأشرسي المكبوس) وغير ذلك مما يطول شرحه ويقتضي تطويلاً.
وكل ما ينبت في العراق ينبت في تلك البلاد، ولا شأن عندهم للزيتون فهو مهمل بينهم يثمر، فلا يجنون ثمره ولا يعنون به. ويكثر عندهم (النرجس) الزهر المشهور الذي تلاعبت في وصفه أقلام الشعراء لطيب رائحته ودقة عرفه المنشور و (الفرصاد) و (التوت) لا يكادان يذكران عندهم. وكذلك (الكمأة) فأنهم محرموها ويكثر عندهم (الرمان) و
(التين) و (الأعناب) قليلة عندهم. والبطيخ الأحمر) و (الأصفر) لا يكادان يذكران عندهم. والخوخ والأجاص عندهم أحسن من خوخ بغداد واجاصها والباذنجان والشلجم والشمندور من جملة ما يزرعونه. وبالجملة فكل ما ينبت في العراق ينبت في بدرة إلا قليلاً. ولولا خراب تلك القرى وتأخرها لأصبحت تلك البيوت قصوراً تحف بها المروج والحدائق فتكون كجنات عدن.
أخلاقهم وعاداتهم
هم قليلو التمسك بالدين، وأغلب خواصهم يؤدون ما عليهم من الفروض الإسلامية ومساجدهم لا تكاد ترى فيها أحداً إلا قليلا. والكل ضارب في إطنابه، وإذا تخاصم اثنان منهم في أمر يتقاضيان عند القاضي الرسمي أو عند بعض الأشراف. والمنكر يحلف بإمام مدفون هناك يسمى (علي اليثربي)، كما رأيته مكتوباً على قبره. ويبعد عن نفس القرية نحو ساعة ونصف، وينطقون باسمه (على أثره) وهم لا يحلفون به كذبا أبداً فأن المنكر عنده ما نكره أقر. وهكذا يفعلون بمن ظنوا به أنه سارق، فأنه يقر ويرجع ما سرقه إلى المسروق منه.
стр. 6001
وهم يتزاورون فيما بينهم في مجالسهم، وقلما يزورون من ليس من أبناء قريتهم.
وعاداتهم عادات الشيعة في بغداد يقرؤون التعزية ويضربون صدورهم ووجوههم في العشر الأولى من المحرم، ويعظمون السيد تعظيما فائقاً، ويقتلون الزاني والزانية كما هي عادات بعض أعراب العراق. وهم يحقرون اليهودي والنصراني، وليس في بدرة إلا بيتان من اليهود، وغناؤهم على حسب رطناتهم الأعجمية. وليس عندهم إلا الطبل والمزمار والدفوف الصغار.
بعض الآثار في بدرة
على مقربة من بدرة آثار عافية يسمونها (العقر) وهي كقلاع ممتدة، ويقول أبناء بدرة أن هذه الآثار هي بدرة القديمة، أصابها مطر غزير فتهدمت بيوتها. ودثرت رسومها، وبدرة الحالية هي غير بدرة القديمة التي نراها اليوم آثاراً هامدة، وهذه الآثار تبعد عن القرية نصف ساعة، ويقيم فيها بعض الأعراب، وإذا أمطرت يبدو منها قطع من الخزف والزجاج
القديم وبعض (الخرز) والفخار، وقد وجد فيها بعض قطع الذهب. والأعراب يعتنون بما يجدونه من آثارها اعتناءً بالغاً، وكلما يقع في أيديهم تعلقه نساؤهم في رؤوسهم بعد ثقبه وتحسينه بالحك. ويسمون ذلك المعلق (اللولاح) أو (اللولح) أو (الدلاعة) وتجد في (اللولح) الأنواع المختلفة من الصخر والزجاج والعظام وغيرها.
وبقايا الآثار المبنية تعلو إلى نحو خمسة عشر متراً. وقد زارها بعض المستشرقين في السنين الأخيرة.
هذا أهم ما يذكر عن هذه الآثار، وهو الذي تواتر عن البدرين تواتراً صحيحاً. والله أعلم.
م. ر
(لغة العرب) كتبت هذه المقالة في سنة ١٩١١، فأبقيناها بحلتها المذكورة من غير أن نبدل منها شيئاً، فهي مزوجة الفائدة من جهة وصف المدينتين المذكورتين قبل عشرين سنة، ومن جهة إفهام بعض الكتاب أن بيدنا مقالات قديمة العهد منذ أن أسست هذه المجلة، فإذا تأخر نشرها فلا يحمل ذلك على سوء نية بل على تراكم المواد لا غير.
стр. 6002
مدن العراق القديمة
فنسان م. ماريني
تابع
وقتل (سنحاريب) سنة ٦٨١ ق. م. فعقبه أبنه (اسرحدون) وأهم مآثره في الحرب فتحه الوجه البحري من مصر سنة ٦٧٢ ق. م. واحتلاله (منف) ولعل المحفورات التي تمثل بسالة الملك في الحرب لن تنكشف. إذ أنه يقوم فوق قصره الواقع في (تل النبي يونس) مسجد للمسلمين، ولا شك في أنهم ينفرون من نبش هذا البناء. ومن غريب الاتفاق أن هذا الجامع كان في أول أمره، كنيسة للمسيحيين، ويزعم بعضهم أنها قبر (يونان) الشهير، أما الحقيقة فهي أن ذلك الموطن كان مدفن بطريرك نسطوري اسمه (حنا الأعرج).
وقد وقف في القصر العظيم ل (أشور بنيبل) بن (اسرحدون) على عاديات هي من أجمل ما أكتشفه الأثريون وأغربه. إذ أن خزانة كتب هذا الملك نفيسة لا يقدر ثمنها حق قدره، وفيها زهاء خمسة وعشرون ألف من المخطوطات الباحثة عن الدين والفن والآداب، وترى تلك التحف الآن في المتحفة البريطانية وكان البابليون الذين ثقفوا الملك وهذبوه بثوا في صدره حب العلم، فتقدم إلى نساخه بأن يجمعوا الصفائح المخطوطة أو ينقلوها حيثما عثروا عليها. وأمر أن تنقل المخطوطات الشمرية إلى الآشورية. ونحن لخزانة كتبه مدينون لنشيد الحماسة الشمري للبطل (جلجمش)، ولرواية خلق العالم، ومثل ذلك قل عن النص البابلي لرواية الطوفان.
وفاق (أشور بنيبل) سلفاءه في حملاته العسكرية، فأتى بلاداً لم تطأها أقدامهم. فقد وصل إلى (طيوة) في صعيد مصر سنة ٦٦٦ ق. م. وسبى
стр. 6003
(السوس) (سنة ٦٤٠ ق. م)، فدوخ (عيلام) بأسرها. ولكن آشورية حازت مرتبة فاقت طاقتها، ولذا لم تحافظ عليها، فأطرت إلى أن تحشد الفلاحين أنفسهم، حتى تسد احتياج جيوشها التي أخذت تتوسع يوماً فيوماً. وعليه أبيدت الزراعة في قطرها، وتولى الآرميون مصانعها. فتشتت شمل إدارة جندها فانقرضت. وبينما كان (أشور بنيبل) يطفئ نيران ثورة في بابل، تملصت مصر من نفوذه. وأتحد الماذيون والبابليون بعد وفاة هذا الملك بقليل سنة ٦٢٦ ق. م، وهجموا على نينوى
فسقطت (تلك المدينة الجليلة)، وكان ملكها الآشوري أودع نفسه وزوجاته وأولاده خشب المحرقة الذي أعد لحفلة دفنهم. وبعد أن مضى على ذلك قرنان مر (زينفون) وجنده العشرة الآلاف ب (نينوى) فلم يعرفوها.
كالح (نمرود)
هي على مسافة عشرين ميلا من الموصل بالسيارة
يرى في المتحفة البريطانية حيوانان هائلان مجنحان، ذوا حجم عظيم، ولهما رأسان بشريان، أحدهما أسد وثانيهما ثور، واثناهما مغشيا بالرقم المسمارية وبروايات خيالية. وقد عثر عليهما (لايرد) في روابي نمرود، وتاريخ اكتشافهما ونقلهما من أجل ما ورد عن أعمال الباحثين عن الآثار القديمة، إذ أنه داهمت ذلك المنقب صعوبات كثيرة، ومضت عليه أوقات أثلجت صدره فرحاً وفزعاً معاً في حمله التمثالين إلى الكلكين اللذين نقلاهما إلى البصرة ليوضعا في الباخرة، وكان كلا الكلكين يطوف على ستمائة جراب منفوخ.
وترى الثيران المجنحة إلى هذا الحين مبعثرة بن تلول نمرود، وفي خنادق تلك الأرجاء، وتدل تلك العاديات على المواضع التي حفر فيها (لايرد) و (رسام) أي أن هذين الفاضلين نقبا في جانبي أبواب المباني. كما أن هناك شكلاً ضخماً جداً لملك أو لإله، تسميه الأعراب هنالك (ملك نمرود) ونصف ذلك التمثال مدفون في أنقاض مدينته، لأن المنقبين أنفسهم دفنوا النفائس التي لم يتمكنوا من حملها فحفظوها في موطنها، وأعانهم ويعينهم على ذلك مرور الزمان، كما جاء فيما يخص نينوى. والطبيعة تأتي في الربيع فتعير التلول برود أزاهير زاهية،
стр. 6004
تتألق وتتلألأ أياماً ثم تذبل، كأنها رمز إلى المدينة التي تحتها، وقد تباهت بمجدها زمناً فزالت.
وجاء في التوراة أن (كالح) أسسها (أشور) بن (سام) الذي خرج من سهل شنعار في أثناء حكم نسيبه نمرود (سفر الخلق ١٠: ١١) وأتجه نحو الشمال فطاف وجه الأرض. وربما كانت هذه البلدة عريقة الأصل، بيد أنه لم تحصل أنباء عنها قبل (شلمن أصر) الأول الذي بنى له فيها قصبة جديدة، وقد هجر أشور لصعوبة الدفاع عنها. على أن (تغلت فلاشر) الأول (١١٠٠ إلى ١٠٦٠ ق. م) أعاد أشور إلى سابق مجدها، ويكاد لا يعرف شيء عن (كالح) في القرنين التاليين اللذين مضيا على آشورية، وهي خاملة الذكر آنئذ.
ولما خرجت آشورية من عصرها المظلم، عصر نير الأرميين، عادت (كالح) إلى سابق عزها، ورد (أشور ناصر بل) (٨٨٥ إلى ٨٦٠ ق. م) الغزاة الأرميين وغزا بنفسه (فينقية) وسورية، وشيد له داراً ملكية فخمة وهيكلاً وأقامهما على اخربة أبنية (شلمن أصر) التي تعرف اليوم بالقصر الشمالي الغربي، وحصل من هنالك على مجموعة عجيبة، فيها محفورات وحيوانات وعروض وعاج وشبه (برونز) منقوش عليها نقشاً جميلاً.
ووردت رواية حملات (شلمن أصر) الثاني المحراب ابن (أشور ناصر بل) في مسلة الرخام الأسود التي ترى في هذا اليوم في المتحفة لبريطانية، ووقف على تلك المسلة في القصر الأوسط ل (شلمن أصر) المذكور في نمرود، ويتضح أنه أفنى الأرميين المتمردين إفناءً تاماً، فأصبح سيد بابل. بيد أن فتحه دمشق لم يكن أمراً يسيراً، ولا ظفراً سهلاً كما يصفه، بل ربما أستغرق ذلك وقتاً طويلاً، وحمل حملات عديدة. ومن ألطف الصور التي رسمت على هذه المسلة، صورة (يا هو) بن (عمري) ملك إسرائيل ممتثلاً بين يديه.
ويظهر أن شوكة أشور ضعفت مرة أخرى. حتى قام (تغلث فلاشر) الثالث (٧٤٥ إلى ٧٢٧ق. م) وأعاد المملكة إلى نفوذها الأول، ووسع أركان حكمه حتى امتدت إلى تخوم مصر نفسها، وقد بعث إليه (أحاز) ملك اليهودية بفضة وذهب من دار الرب بمثابة هدية له حتى ينجيه من عتو ملك سورية (٢ سفر
стр. 6005
الملوك ١٦: ٧ إلى ٨) فحمل ملك آشورية على سورية ومر بعض الإسرائيليين. ولما نقب في القصر الفخم ل (تغلث فلاشر) في نمرود، أصيب عدد غير قليل من صور هذه الحملات، ويعرف ذلك البناء بالقصر الجنوبي الغربي، وتتضمن تلك الرسوم سسكش من تلك الكبوش التي كان يتخذها الآشوريون لهم جدران للبر فأبلوا بها أيما بلاء.
ولكن إسرائيل لم يبق خاضعاً لآشورية مدة طويلة، بل أتفق ملك إسرائيل عند وفاة (تغلث فلاشر) مع مصر لكي يخلعا عن عاتقهما نير الآشوريين، فحلا إذ ذاك (شلمن أصر) الرابع ملك آشورية، مدينة (السامرة) (سنة ق. م) فقاومته ثلاث سنوات، ولكن بالتالي فتحها (سرجون) وهو الملك الذي أغتصب عرش آشورية من ملكها في إحدى ثوراتها.
ونقل سرجون مقره إلى (دور شروكين) (مدينة سرجون) لتوؤه العرش. و (دور شروكين) مدينة جديدة بناها على عشر أميال عن نينوى وفي شمال شرقيها.
دور شروكين (خرساباد)
هي على بعد خمسة عشر ميلا بالسيارة من الموصل
يقع تل (خرساباد) المرتفع في ضفة (خوسر) اليمنى و (خوسر) هو النهر الجاري بين تلي نينوى الرئيسين، ورابية (خرساباد) تمثل مثولا صادقاً العادة التي أتخذها الآشوريون لتشييد قصورهم وهياكلهم فوق مسطبة يبلغ ارتفاعها نحو ثلاثين أو أربعين قدماً عن مستوى البلدة. وقد بنيت مسطبة القصر في خرساباد من اللبن، وغشيت جميع أطرافها بكتل صخر محكمة القطع (مخدومة) وكانت المسطبة على شكل مهراس (أي آ) مرتفع، وبعضها داخل سور المدينة، والبعض الآخر خارج عنه. ولا ريب في أن باب القصر ذا المنافذ الثلاثة كان جميل المنظر مهيباً. إذ كان يرى في جانبيه ثيران فخمة ضخمة مزخرفة بالزليج وهي قائمة أمام الدرج المؤدي من البلدة إلى مسطبة القصر التي هي فوقها.
стр. 6006
وباشر (بوتا) وكيل القنصل الفرنسي في الموصل في التنقيب في (خرساباد) سنة ١٨٤٣، وواصل (بلاس) الحفر بعده. وكشفت الغرفة بعد الأخرى، فظهر أن جميع جدرانها مزينة بالهيصمي المحفور، ودلت دلالة عجيبة على العادات العسكرية في الجيش الآشوري ل (سرجون) الثاني وأعمالهم المخيفة. وأغتصب هذا الملك العرش من (شلمن أصر) الثاني في أثناء ثورة فاز بها المتمردون، وكان (شلمن أصر) آنئذ مشتغلا بمحاصرة مدينة (السامرة). ولما فتح تلك المدينة سنة ٧٢٢ ق. م. أسر الإسرائيليين وأعتقلهم في عدة بلدان في آشورية، وأحل محلهم في (السامرة) والأراضي المجاورة لها أناساً غرباء من (كوثى) وغيرها (٢ سفر الملوك ١٧، ٢٤ إلى ٣٠). (راجع أيضاً ما يخص كوثى).
ويتضح أن (سرجون) الثاني آثر أن يبني له عاصمة جديدة على أن يتخذ مدينة سلفه مقراً له، ويظهر أنه أتخذ اسمه من (سرجون) الأول الذي عرف بهذه الخصلة (راجع ما يخص أكد).
وفرض (سرجون) الثاني على جميع مدن مملكته أن يمدوه بمواد بناء وبعملة بمثابة جزية حتى يقيم قصره بكل بهاء يليق بعظمته وجلالته. ولما خرب القصر احترقت جميع المحفورات التي كانت داخل الغرف حين سقط عليها السقف الملتهب، فلم يستصوب نقل أية محفورة كانت، هذا أمر يؤسف له. وأما المحفورات التي خارج الجدران فحملت إلى
(اللفر). وهناك رسوم كثيرة نفيسة جداً، تري حالات الآشوريين في الحرب والولائم والقنص والدين، ولولا الرسام (فلاندن) الفرنسي الذي نقلها، لفقدت برمتها. ويتضح أن الآشوريين كانوا كثيري الولع بالحرب. وقد أتقنوا فنونها أتقانا بارعاً، ولا سيما أنهم تعلموا من الحثيين اتخاذ الحديد. وقيل أنه عثر في غرفة واحدة في (خرساباد) على مائتي طن أسلحة حديد.
اربلا (اربل)
تبعد عن الموصل بالسيارة نحو ثلاثين ميلا
هذه المدينة هي الوحيدة من مدن آشورية التي لا تزال آهلة وتعرف باسمها
стр. 6007
الأول. وأهم ما اشتهرت به أن بقربها سهلاً كافح فيه (دارا) ملك الفرس، كفاحه الأخير في محاربته الاسكندر (سنة ٣٣٠ ق. م) والتل الذي شيدت عليه البلدة الجديدة يشمل القلعة الخربة التي ترك (دارا) كنزه فيها فهرب، ولكن أتباعه قتلوه.
والمواطن الأخر التي تزار هي: جبل سنجار (مقر اليزيدية)، و (تلكيف) و (دير القوش) و (دير ربان هرمز)، و (دير مار متي).
جدول التواريخ
سلالة كيش الأولى: كانت كيش على ما ورد في أنباء شمر (موشور (ولد بلندل) أول عاصمة في البلاد بعد الطوفان وحكم ملوك هذه السلالة الثلاثة والعشرون ٢٤٥١٠ سنة.
سلالة أرك الأولى: نحو ثمانية ملوك، مع تموز و (جلجمش).
سلالة أور الأولى: ٣٢٠٠ ق. م.
١ - (مس انيبدة):
٢ - أ (أنيبدة): الرقيم المسماري وجعل الذهب في (تل العبيد) الخ.
سلالة أوان: وسلالة أخرى لكيش (لعلها سلالة خيالية) وسلالة همزي (وقد قهره (اوتج) فاتشي في كيش) ربما كانت هذه السلالة معاصرة لسلالات كانت قبلها أو بعدها وهي تتالى في موشور ولد بلندل.
سلالة كيش الثانية: ٣٣٠٠ إلى ٣٢٠٠ ق. م.
(مسلم) (؟): يرد اسمه في رؤوس الصوالجة وأوعية الأزهار. ولكنه لم يذكر في موشور ولد بلندل.
(اور زج آد): في وعاء أزهار فيه الرقيم المسماري.
стр. 6008
(لجل ترسي): في صفحة لازورد.
(أنبي اشدر): غلبة (انشجهشنا) ملك أرك.
سلالة أرك الثانية:
الخ انشجهشنا.
سلالة أور الثانية: سلالة اكشك سلالتا أدب وماير.
(اوفس) ٢٩٤٣ إلى ٢٨٤٩ ق. م فاتشي لجش
معاصرة: ل (انخجل).
سلالة كيش الثانية: اورننة (٢٩٠٠ ق. م).
كج باو: ايناتم (دوخ كيش واكشك).
سلالة كيش الرابعة: ايناناتم الأول ٢٨٥٠ق. م.
جمل سن انتمنا
اور البابا الخ.
ننيجة
سلالة أرك الثالثة: ٢٧٧٧ ق. م.
لجل زجسي: كان في أول أمره فاتشي أما، ثم دوخ لجش (اورو كجنا) وكيش (ننيجة).
مملكة أكد ٢٧٥٢ إلى ٢٦٩٦ ق. م.
سرجون الأول (دوخ كيش وارك)
ريموش فاتشي لجش
منشتوزو أورباو (٢٧٠٠ ق. م)
نرأم سن (حفيد)
الخ
стр. 6009
سلالة أرك الرابعة (٢٦٠٠ ق. م) وسلالة جوتيوم (لعلها حثيه).
سلالة أرك الخامسة فاتشي لجش، جوديا (معاصر لسلالة جوتيوم) اور ننجر سو.
نهضة المملكة الآشورية الأولى (٢٥٠٠ ق. م)
سلالة اور الثالثة: ٢٤٠٩ إلى ٢٣٠١ ق. م
اور نمو (اور أنجو)
دنجي
برسن
جمل سن
أبي سن (اعتقله العيلميون)
سلالة آسن: ٢٣٠١ ق. م سلالة لرسا: ٢٣٠١ ق. م
سلالة بابل الأولى:
٢١٦٩ ق. م
١٦ ملكا سمو أبو ١٧ ملكا
سمولا الو
(آخر السلالة ٢٠٧٥ ق. م) (ثلاثة ملوك) سلالة الملوك البحريين
حمرب
٢٠٦٧ إلى ٢٠٢٥ ق. م
شمشويلونة (١١ ملكا)
الخ
(آخر السلالة ١٨٧٠ ق. م)
سلالة كيش (بابل) ١٧٤٦ ق. م
مملكة أشور الأولى ٢٥٠٠ ق. م
стр. 6010
(٦٩ ملكا) (٣٦ ملكا)
فوزور أشور الرابع ١٤٨٦ إلى ١٤٦٠ ق. م كوريجلزو
شلمن أصر الأول ١٢٧٦ إلى ١٢٥٧ ق. م
تكلتي ننورتة الأول (آخر السلالة ١١٦٩ ق. م)
١٢٥٦ إلى ١٢٣٣ ق. م (؟)
سلالة فاشة في بابل
١١٦٩ ق. م
نبو كدر أصر الأول
١١٤٦ إلى ١١٢٣ ق. م
تغلث فلاشر الأول ١١٠٠ إلى ١٠٦٠ ق. م (؟) الزمن الذي كان تاريخ السلالة غامضا من جراء غزوات المأذيين مملكة آشورية الثانية
ق. م
٨٨٩ إلى ٨٨٤
تكلتي ننب الثاني
٨٨٤ إلى ٨٥٩أشور ناصر بل
٨٥٩ إلى ٨٢٤شلمن أصر الثالث
٧٤٥ إلى ٧٢٧تغلث فلاستر الثالث
٧٢٧ إلى ٧٢٢شلمن أصر الخامس
٧٢٢ إلى ٧٠٥سرجون الثاني
٧٠٥ إلى ٦٨١سنحاريب
٦٨١ إلى ٦٦٨اسر حدون
٦٦٨ إلى ٦٢٦أشور بني بل (في اليونانية سردنابالس)
стр. 6011
مملكة بابل الحديثة
(آخر مملكة آشورية ٦٠٦ق. م)
(كلدانيون)
٦٢٥ إلى ٦٠٤ ق. منبو بل أصر
٦٠٤ إلى ٥٦١ ق. منبو كدر أصر الثاني
٥٥٥ إلى ٥٣٩ ق. منبو نيد
٥٣٩ إلى ٣٣١مملكة الفرس (سلالة الكيانيين)
٥٥٩ إلى ٥٢٩كورش قهر بابل (٥٣٩ ق. م) وأجاز اليهود أن يرجعوا إلى فلسطين
٥٢٩ إلى ٥٢٢قنبوزيا دوخ مصر.
٥٢٢ إلى ٤٨٥دارا العظيم. تمت إعادة بناء الهيكل في أورشليم. محاربة ماراثون.
٤٨٥ إلى ٤٦٥ارتخششتا محاربة سلامس.
٤٠٠قدوم زينفون واليونان العشرة الآلاف.
٣٣١دارا الثالث قهره الاسكندر في معركة اربل (جو جميلا).
٣٣١ إلى ٣٢٣مملكة المكذونيين.
٣٢٣وفاة الاسكندر في بابل.
٣١٢ إلى ١٤٠مملكة السلوقيين.
٣١٢اصبح سلوقس ملك أرض الرافدين وسورية وإيران.
١٤٠احتل الفرنسيون سلوقية.
١٤٠ ق. م إلى ٢٢٦ مملكة الفرثيين.
١١٧ مغلب ترايانس انبرطور روما الفرنسيين وزار بابل.
١٦٢ مآباد لقيوس ويرس قائد الرومان سلوقية.
٢٢٦ مقهر اردشير الفرثيين.
стр. 6012
٢٢٦ إلى ٦٤١ مملكة الفرس (سلالة الساسانيين).
٢٦٥حاصر أذينة ملك تدمر طيسفون ولكنه أضطر إلى أن يرجع القهقرى.
٣٦٣احتلال يليانس إمبراطور روما بعد أن أقتحم أسوار طيسفون ثم رجع.
٦٢٧غلب هرقل الإنبراطور كسرى الثاني في نينوى.
٦٤١غزا المسلمون الفاتحون طيسفون، فسقطت مملكة الفرس.
اليقظة
مذ أشرقت شمس التمدن في الورى ... بزغت أشعت علمها تتعالى
وبنورها ضاءت شعوب فارتقت ... أوج العلى وأجدت الترحالا
وابن العراق فكان عنها نائياً ... حجبته غيمه جهلت أجيالا
فعرته بعد النوم يقظة غافل ... فرأى ثياب فخاره أسمالا
عض الأنامل حرقة وتفجعاً ... وبغى إلى ذاك الشعاع مآلا
نصيحة
أمل الخير وكل الأمال ... لا ينالان بغير العمل
أيها السارون في نهج العلى ... حملوا الآمال زاد النقل
أرأيتم أمة راقية ... في المعالي ضربت بالمثل؟
نالت العز وفيها ثلة ... نذله معروفة بالكسل؟
حكم
الكبر شؤم للنعيم مبيد ... ويضر صاحبه وليس يفيد
أن السعادة لا تظن لمن طغى ... بل من تواضع أنه لسعيد
والحق فانصر أنه شرف الفتى ... وفضيلة عنها الجبان بعيد
والصدق عز لا يزال لأهله ... والكذب شؤم والكذوب طريد
والحلم فخر فاتبع سبل الهدى ... ذو العقل ليسس عن الرشاد يحيد
وبالاقتصاد تنال خيراً دائماً ... أن المبذر لرفاه فقيد
والجهل داء فاتك ودواؤه ... علم إلى حيث الرفاه يقود
وعليك بالعلياء فأطلبها فلا ... ترقى البلاد بدونها وتسود
م. جواد
стр. 6013
أمثلة من كتاب الجماهر للبيروني
(لغة العرب) كنا قد تكلمنا مرارا عن هذا التصنيف الجليل (راجع مثلا: ٩: ٢٩١) وقد أهدى إلينا حضرة الأستاذ الدكتور ف. كرنكو بعض الأمثلة من أبوابه، ليحكم القارئ على ما فيه من الفوائد الجلية والمصطلحات العلمية الواردة في ذلك الحين، وهو أمر جليل، لأنه يطلعنا على أن لغتنا هذه البديعة هي كالعجين بيد العجان تتقلب بين أصابعه وتطيعه كل الإطاعة، لكنها تتطلب من يعرف التصرف فيها، ودونك شيئاً من تلك الأمثلة:
قال في باب (أخبار في اليواقيت والجواهر) (من نسخة الاسكوريال ص ٥١)
في كتاب أخبار الخلفاء: إن المتوكل جلس يوماً لهدايا النوروز، فقدم إليه كل علق نفيس، وكل ظريف فاخر، وان طبيبه بختيشوع بن جبريل، دخل وكان يأنس به فقال له: ما ترى في هذا اليوم؟ قال: مثل خرباشات الشحاذين إذ ليس لها قدر. وأقبل على ما معي. ثم أخرج من كمه درج آبنوس، مضبباً بالذهب وفتحه عن حرير أخضر، أنكشف عن ملعقة كبيرة فيها جوهر، لمع منها شهاب، ووضعها بين يديه. فرأى المتوكل ما لا عهد له بمثله، وقال: من أين لك هذه؟ قال: من الناس الكرام. ثم حدث أنه صار إلى أبي من أم جعفر زبيدة في ثلاث مرات، ثلاث مائة ألف دينار، بثلاث شكايات عالجها فيها: إحداها أنها شكت عارضاً في حلقها منذراً بالخناق، فأشار عليها بالفصد، والتطفئة، والتغدي بحسو، فأحضر على سفتجة في عضادة (كذا. والصواب في غضارة) صينية عجيبة الصفة، وفيها هذه الملعقة. فغمزني أبي على رفعها ففعلت ولففتها في طيلساني، وجاذبنيها الخادم، فقالت: لاطفه ومره بردها وعوضه منها عشرة آلاف دينار، فامتنعت وقال أبي: يا ستي أن أبني لم يسرق قط، فلا تفضحيه في أول كراته لئلا ينكسر قلبه، فضحكت ووهبتها.
هذا وان لم يكن في الخبر نسيج الملعقة، فلمعان الشعاع في الحكاية، يدل على أن الياقوت أحمر. وسأل عن الآخرتين، فقال: إنها شكت إليه تغير النكهة بأخبار إحدى بطانتها إياها، وذكرت أن الموت أسهل عليها من ذلك. فجوعها إلى العصر، وأطعمها سمكاً ممقوراً، وسقاها دردي نبيذ دقل بإكراه، فأغثت
стр. 6014
نفسها وقذفت، فكرر عليها ثلاثة أيام، ثم قال لها: تنكهي في وجه من أخبرك بذلك واستخبريه هل زال. والثالث أنها أشرفت على التلف من
فواق شديد كان يسمع من خارج الحجرة، فأمر الخدم باصعاد خوابئ إلى سطح الصحن وتصفيفها حوله على الشفير، وملئها ماء، وجلوس خادم خلف كل جب (كذا. لعلها حب) حتى إذا صفق بيده على الأخرى دفعوها دفعة في وسط الدار. ففعلوا وارتفع لذلك صوت شديد أرعبها فوثبت وزايلها الفواق.
(من ص ٥٩)
إن (الجبل) المشهور الذي ينتحل اسمه لغيره فأنه (كذا. ونظنه من زوائد النساخ) كان فصاً من ياقوت أحمر على أقصى النهاية في النقاء. ذكر إبراهيم بن المهدي أنه اشتري لأبيه بثلاثمائة ألف دينار، وكانت أكياسها نضد بعضها على بعض كالجبل، وأنه وهبه للهادي. ووهب الرشيد الخاتم المعروف (بإسمعيل) (لعله بالإسماعيلي) من زمردة لم ير مثلها اسماً (كذا. ولعلها ماءة) وفيها ثقبة، وطلب لها سنين ما يشابهها ليسد تلك الثقبة به حتى وجده بعد حين، وعمل له ما يهندم عليها، وأحضر الصواغ، وصاغوا بين يديه خاتماً، وطلى المنحوت بمصطكي ليركبه في ثقبة الفص فوضعه الرشيد على كفه فتعلقت ذبابة، وتعلق برجلها، وطارت وذهبت به فقال الرشيد، صدق الله تعالى في قوله. (ضعف الطالب والمطلوب). ولما أستخلف الهادي ودخل عليه الرشيد ورأى (الإسمعيلي) في يده حسده عليه، وأراد أن يقترن (بالجبل). وحين خرج من عنده أتبعه الفضل بن الربيع مع إسمعيل الأسود بأن يبعث (الإسمعيلي) إليه وأن لم يفعل، فجئني برأسه. ولحقه الربيع وأخبره بالقصة فقال: والله لا أعطيه إلا بيدي. فرجع معه إلى أن بلغنا الجسر فأخرجه من إصبعه وقال: يا فضل أهو (الإسمعيلي؟). قال: نعم. فرمة به في دجلة. فطلبوه، فلم يوجد إلى أن استخلف الرشيد ومضت من خلافته سنة وكان بالخلد يذكر ما عامله به موسى فتذكر الخاتم. وأمر الفضل بالغوص لطلبه فقال: يا سيدي قد طلب مراراً، وأني لأظن أن قد علاه أكثر من أربع أذرع من الطين لتطاول المدة. ثم مضى الفضل مع الغواصين فقال له أحدهم: قف موقف الرشيد وارم بمدرة في قدر الخاتم كما رمى به. ففعل وأول ما غاص الغواص
стр. 6015
في مسقط المدرة بعد أن قدر ما يميل الماء به إلى أن يبلغ القرار، أخرج الخاتم بعينه كما هو. وقرنه الرشيد بالجبل كما أراد الهادي، ولم يكن أن تبلغه المقادير ما أراد. وذكر نصر: إنه كان بهرماناً معصفراً صافياً يتزن ثلاثة مثاقيل غير دانق وقيمته مائة ألف
دينار.
(وفي ص ٢٦٤)
حكاية في عدم الاسرب في بلاد الصين
ولعزة الاسرب في أرض الصين يستعمل الرصاص القلعي بدله فيما يحتاج إليه منه، ولهذا يحمل إليها في البضائع. قال بعض تجار الحرب: إن من رسمنا أن نحمل للضعفاء بضائع، ويتبرك بذلك، وأنا كنا في بعض المرات بالابلة قد أصلحنا شأن السفن إلى الصين، إذ وقف علي شيخ وقال: إن لي حاجة قصدت بها غيرك، فخيبني فيها، وقصدتك واثقاً منك بأنك لا تفعل فعلهم. قال: وما هي؟ قال: قال لا أقول حتى تضمن قضاءها، ففعلت وأحضر وصلة أسرب نحو المائة مناً. ثم قال: حاجتي أن تأمر بحملها حتى إذا بلغت اللجة الفلانية أمرت بطرحها في البحر. قلت: لا أفعل. قال: وأين الضمان؟ وما زال بي حتى أخذتها وكتبتها في الروزنامجة باسمه وداره في البصرة. فلما توسطنا تلك اللجة إنساناً الله بعصوف الرياح أنفسنا فضلا عن تلك الرصاصة، وبلغنا القصد، وبعنا ما معنا، فحضر رجل يطلب أسرباً فأجبته: إني ما حملت منه شيئاً. وذكرني الغلام تلك البضاعة فقلت: خالف الآن الضمان وما علي بيعها. فاشتراها الرجل بمائة وثلاثين ديناراً، وابتعت لصاحبها طرائف من الصين، وانصرفنا ولم يأتني الشيخ، فصعدت داره وسألت عنه فقيل: إنه توفي. فقلت: هل خلف أحداً. فقالوا: إن له ابن أخ في بعض نواحي البحر، وأن داره موقوفة في يد أمين القاضي. فتحيرت ورجعت إلى الأبله وبعت تلك البضاعة بسبع مائة دينار. وبينا أنا ذات يوم (كذا) إذ وقف رجل على رأسي وقال لي: أنت فلان؟ قلت: نعم. قال: كنت خرجت إلى الصين وبعت بها وصلة عام أول. قلت: نعم. قال: أنا اشتريتها، وقد قطعتها للاستعمال فوجدتها مجوفة وفيها اثنا عشر ألف دينار. وقد جئت بها إليك فخذها. قلت له: زدت ويحك
стр. 6016
في البلية وقصصت القصة عليه فتبسم متعجباً وقال: أتعرف الشيخ؟ قلت: لا إلا بما حكيت. قال: هو عمي وليس له وارث غيري، وكان يفرط في بعنائي حتى اضطررت إلى الهرب من البصرة منذ سبع عشر سنة، وأراد أن يزوي المال عني، فأبى الله إلا ما ترى على رغمه، فأعطيته السبع مائة دينار وذهب إلى البصرة
وأستوطن دار عمه في أوسع نعمة وأرغدها.
ف. كرنكو
تصحيحات
بعد السلام والاحترام. نسيت في مكتوبي الأخير تصحيح بعض الهفوات في الجزء السابع من مجلتكم:
ورد في ص ٥٤٤ س١: (حلية الأولياء للفضل بن دكين أبي نعيم). قلنا: ليس الفضل بن دكين صاحب الحلية، لأن بين الفضل هذا وأحمد بن عبد الله صاحب الحلية نحو من مائة سنة. فالفضل اقدم من أحمد وهو شيخ شيوخ أحمد.
وجاء في ٥٤٤ س١٣: (الأمثال للمدائني). قلنا: لا نعرف للمدائني كتاباً بهذا الاسم، إنما كتاب الأمثال للميداني، على ما هو مشهور.
وفي ص ٥٤٥ س٨: (طبقات ابن أسعد) والصواب: (طبقات أبن سعد) بغير ألف، ويقال: طبقات محمد بن سعد) وتصنيفه مشهور مطبوع. (ل. ع) اسعد من غلظ الطبع.
في ٢٨ تموز سنة ١٩٣١ وستكليف اون سي (إنكلترة):
المخلص ف. كرنك
صاحب كتاب الفاضل في صفة الأدب الكامل
بعد أن طالعنا كتباً عديدة لنتبين اسم صاحب هذا الكتاب أصبنا أنه: (محمد ابن اسحق بن يحيى النحوي المعروف بالوشاء). قال: ناشر تاريخ بغداد للخطيب البغدادي (١: ٢٥٤) في الحاشية ما هذا نصه: (قلت: له من المؤلفات كتاب الموشى المعروف بكتاب الظرف والظرفاء طبعه الخانجي (وقد سبقه الإفرنج إلى طبعه سنة ١٨٨٦) وله كتاب الفاضل من الأدب الكامل، توجد منه نسخة بمكتبة مجلس بلدية الإسكندرية ونسخة قديمة في المكتبة الخالدية بالقدس. وأبو الطيب الوشاء حدث عن أبي العباس ثعلب والمبرد وطبقتهما كما في تاريخ الخطيب.
مصطفى جواد
стр. 6017
أصل اليزيدية وتاريخهم
- ٥ -
الغلو في العقائد والعوائد
١ - قبل عدي:
إن هؤلاء قبل مجيء عدي إليهم، كانوا يتعصبون ليزيد. ولكن دخول الشيخ يزيد بين ظهرانيهم، خفف نوعاً من غلوائهم، فدعاهم للإصلاح، فمالوا إليه كل الميل وأطاعوه طاعة عمياء، ليس وراءها طاعة، فصار لا يرد له قول.
٢ - عدي لا يأكل ولا يشرب:
وهذه المتابعة أدت إلى أن اعتقدوا فيه اعتقاد المغالين، وهو في قيد الحياة، فقالوا عنه أنه لا يأكل ولا يشرب. ولما سمع بذلك برز إليهم وصار يأكل ويشرب بمشاهدة منهم، وأبدى أنه بشر يحتاج إلى ما يحتاجون إليه، بلا فرق من تعاطي ضروريات الحياة، وأنه لا غنى له عنها. (راجع: ص ٨٩ من القلائد نقلا عن الذهبي.)
٣ - الغلو بعد وفاة عدي:
وأهم ما جرى من الغلو بعد وفاته، ما أشار إليه (ابن تيمية) في وصبته الكبرى. وكذا ما أورده صاحب البهجة وهو معاصر لأبن تيمية. فقد نقل عن الشيخ عدي خوارق لا تزال آثارها مرعية إلى اليوم. وأيدها صاحب القلائد بالمنقول عن مؤرخين عديدين مثل الذهبي، وابن كثير، والعليمي.
وإني ذاكر ما يوضح الموجود اليوم ضارباً صفحاً عما أندثر، أو لم يعثر عليه في عقائدهم الموجودة.
وهنا أكرر القول أن المتعلمين إذا نقلوا في كتبهم أمثال هذه، فمن الأولى أن لا يستغرب نقل اليزيدين عن كبارهم وأن يحمل ذلك على جهلهم. فإذا انتبهوا وزال الجهل عادوا إلى صفوة العقيدة، ونفذوا إلى روحها. والرجوع إلى الأصل، كما حصل شذوذ في المبدأ، شأن
العقلاء الذين لم تكن نياتهم سيئة.
стр. 6018
٤ - الخطة أي الدارة:
هذه من أقدم العوائد المنقولة. يقال أن عدياً كان لا يخرج من زاويته إلا وبيده عكازته. وهي من الخشب اليسر. فخيط بها (دارة). وهي المعروفة اليوم (بالخطة) يراقب فيها. وكان يجلس من أراد فيها من أكابر أصحابه ليسمع كلام الشيخ عبد القادر الجيلي في بغداد.
وأما الشيخ عبد القادر فكان يقول حينئذ لأهل مجلسه: عين الشيخ عدي ترمقكم فدخل يوما الدارة، فحنى عنقه حتى كاد رأسه ينال الأرض، وأخذه وجد عظيم، وتكلم بكلام حسن لطيف، بين فيه حال الأولياء فسئل عن ذلك فقال: قد قال الشيخ عبد القادر ببغداد في هذا اليوم: (قدمي هذه على رقبة كل ولي) في الوقت الذي أرخناه. (ر: القلائد والبهجة)
ومهما كانت درجة صحة هذا النقل فأن تاريخه يصل إلى عام ٦١٨هـ أي بعد وفاة عدي بمدة ومنه يعلم درجة ارتباطهم (بالخطة) بحيث أننا نشاهدهم الآن لا يجوزون خرقها، أو انتهاك حرمتها، بحيث لا يحلف أحدهم بها كذباً، وإذا خطت حوله، لا يتمكن من الخروج منها ولا خرقها بيده، ولو أدت إلى هلاكه (ر: أوليا جلبي ج ٤ ص ٦٩ وغيره)، ومن هذا الأمر عم الشمول وتولد ليزيد خطة كما لعدي. ومن أيمانهم المعروفة ما جرى حين حسم قضية إدارية بين يزيديين فأحيلت إلى مجلس التحكيم فقرر لزوم تحليف أحد المتنازعين بما صورته:
(أخرج من خطة يزيد، وأدخل خطة العجم، أن كنت فعلت كذا وكذا.) ومن شكل اليمين هذه يفهم درجة ارتباط اليزيدي بالخطة، وفي الوقت نفسه يعرف عداؤهم المتمكن للعجم.
ثم أن الغلو في هذه الخطة، بلغ حده إلى درجة أن المخالفين لهم نرى أطفالهم يتخذون من اليزيديين بعض المهزئ للنكاية، أو لاستجلاب نفع طفيف بأن يتربصوا الفرصة لاتخاذ خطة حول أحدهم. وحينئذ لا يرفعونها إلا بعد الالتماس والرجاء الكثير، أو أخذ دريهمات، أو حصول من يمر ويشاهد هذه الحالة فينقذ من أجريت الدارة حوله.
стр. 6019
هذا مبدأ هذه العقيدة أو الاعتياد، وهذا تطورنا إلى هذا اليوم.! وما يعطف لها من الأهمية.
وعندنا نظيرها تقريباً، ومعروفة في إنحائنا. ولكن الأمة المتكتمة تسجل كل حركاتها وسكناتها باعتبارها كلها غرائب وعجائب. ولو دونا كل معروف عندنا لفتحنا فتحاً عزيزاً
من الخرافات والأساطير التي لم يعثر عليها من قرأ كتبنا الدينية ومدوناتنا.
٥ - مقاطعة اللعن:
إن مقاطعة اللعن كانت نصحاً صوفياً قويماً، أختاره الشيخ عدي بن مسافر، ويراد به الانصراف إلى العبادة والتقوى، دون التفات إلى ما لا يعني من الأمور الشخصية، مما يولد الشحناء بين المسلمين. بالوجه الذي أشير إليه فيما سبق. وأساس ذلك آية (ولا تنابزوا بالألقاب) وحديث (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر) و (المسلم من سلم الناس من يده ولسانه) الخ. ولكن قد يتولد من المبدأ الحق عكس الغرض المطلوب الذي هو إزالة البغضاء بين العناصر الإسلامية.
لم تمض مدة إلا وقد طبق الموضوع بتمامه وروعي حرفياً، وقاوموا اللعن بشدة. وما زالوا عليها ولا يزالون. سوى أنه حصل منهم ما يدعوا إلى التمسك بالألفاظ وقلب الغرض. إن ترك المبدأ الأصلي وعد هذا النصح ديناً.
ومن غلهم في أمر اللعن وشدة تمسكهم باللفظ أنهم حرموا:
١ - اللعن وما أشتق منه فلا يجوز لأحدهم أن ينطق بذلك.
٢ - نعل. وهو مقلوب لعن، ونعل الدابة يسمونه (صول) و (نعلبد) المألوف عندنا (صولبند).
٣ - نيل. وهذا تحتوي ألفاظه على أكثر حروف اللعن، فهذا أيضاً من المحرمات، خوفاً من أن يجر إلى اللعن.
٤ - الصبغ بالنيل. لأنه يجر إلى تسميته.
٥ - خسأ الذي هو بمعنى لعن أو ما يقاربه.
٦ - الخس. منعوا التلفظ به وأكله للسبب المار ذكره في النيل وذلك
стр. 6020
لقربه من أخسأ (فعل الأمر).
٧ - التفل (البصاق). وذلك لأنه يستعمل للإهانة والسب. فالأفعال التي يشوبها التحقير والقذف محرمة أيضاً. أما إذا دعت الضرورة أن يبصق المرء فيجب عليه أن يمسح فمه للدلالة على أنه لم يقصد النكاية أو الإهانة بأحد، وإنما أراد البصاق المجرد. ومثلها يقال عن أفعال الشتم كالإشارة باليد وسائر الأعضاء.
٨ - الشيطان وإبليس. لأن المادة تدل على الذم. كذا مشتقاتهما. ولذا عبروا عنه (بطاووس ملك).
٩ - النطق بأكثر حروف الشيطان في كلمات تردد ذكرها مثل:
١: شط - ٢: شخاط - ٣: طشت - ٤: مشط.
١٠ - لا يأكلون التمر ويطرحون النوى إلى جهة الخلف لأنه يؤدب معنى الرجم.
ولم يكتف هؤلاء بهذه الأمور، ولا وقفوا عندها. إذ أدت إلى عقائد جديدة وغلوا آخر، وحصل لهم من آمال فكرتهم إلى لزوم احترام (طاووس ملك). وأن عدم لعن يزيد منبعث عن اعتباره بدرجة رفيعة بحيث صار ذلك ديناً لهم، وترك (الدين الأصلي). وصار الشيطان ويزيد يعدان في المكانة العليا المحترمة المبجلة، فسول لهم بعض المغرضين، بأن قالوا لو لم يكن هؤلاء محترمين لما كف أجدادكم عن سبهم ولعنهم.
وبلغ من غلوهم في العقيدة أن صاروا يضعون الشمع على لفظ (الشيطان) في القرآن الكريم، فصاروا لا ينطقون به تجنباً لذكر اسمه، والمعروف المنقول عن الثقات أن القوم يسمعون القرآن الكريم ويقرئونه. والفرق بيننا وبينهم - كما يقولون - (كسر الجرة) أي أننا في نظرهم نكسر الجرة ونخرق قاعدة (تحريم اللعن وذكر الشيطان) بالنطق بالألفاظ الممنوعة عندهم. وأن المثل عندنا (فلان كسر جرة) أي خالف معتقد اليزيدية وخرقه معروف، مشهور.
ومن ثم يظهر رسوخ (قضية مقاطعة اللعن) وما تولد منها من نتائج مما ذكر وما يأتي. وهكذا يقال في كثير أمثالها مما دخلته العقلية المغلوط فيها
стр. 6021
أو الفكرة الزائفة.
٦ - عقيدة الشيطان عند اليزيدية:
المشهور أن اليزيدية عبدة إبليس. وهذه لم تكن في الحقيقة عبادة، وإنما هي من نتائج مقاطعة اللعن، فانجرت إلى احترام للشيطان، وعده طاووس الملائكة بسبب تحريم ذكره لا بخير ولا بشر. وبهذا تراهم قد شذوا عن عقائد الأمم جميعها مع بعض الأقوام فلا نجد من يعظم الشيطان (أو يحترمه) سواهم. ولذا دعت هذه العقيدة إلى تقولات عنهم عديدة. فصار يخبط في القول بعض الكتاب، ويسحب أنه أتم البحث وبت فيه بتاً حاسماً.
ولما كانت هذه القضية من أهم ما زاوله الكتاب، ولها مكانتها من البحث نظراً لما دعت
إليه من التقولات والظنون. فأقدم نفسي إلى القراء في بسط القول عنها لإزالة ما علق أو يكاد يعلق بالأذهان مما هو غير صحيح. ولبيان حقيقة تولد هذا المعتقد أقول:
لما كانت اليزيدية من أهل السنة، وعقيدتهم في الخير والشر كعقيدة (خيره وشره من الله تعالى) فلا يرون سلطة لأحد في التدخل في شؤون الكون لا للشيطان ولا لغيره إلا أنهم لما كانوا صوفية غلب عليهم التفويض وبالغوا في التوقي من نسبه أي فعل لأي مخلوق تنزيهاً للبارئ تعالى من شائبة الشركة. ومن الضروري أن ننظر أن هذه العقيدة كانت عندهم كذلك في الأصل.
وحينئذ يعرض لنا سؤال: متى داخلتهم (عبادة الشيطان)؟
لا أقطع في تاريخ تبدل العقيدة وتحولها، وهو كما ترى غير دقيق، لأن هكذا قضايا لا تتبع في تدوينها الوقائع اليومية. وإنما يكون تبدلها تدريجياً. والتبدل المحسوس المنقول بصورة واضحة ظهر في نحو القرن الثاني عشر الهجري. والصحيح أن هذه العقيدة كانت قبل ذلك التاريخ بكثير وأما صاحب (دبستان مذاهب) - وأن كان لم يذكرها - فأن مؤرخي الموصل - ذكروها بصورة متأخرة، إلا أن الاعتقاد قد سبق التدوين بلا شك، ولم يشعر بها الخارج إلا بعد مضي وقت طويل.
والأمر الذي يستوقف الأنظار أنهم من أين داخلتهم؟
стр. 6022
لننظر إلى المجاورين:
أننا لا نرى أمامنا من العقائد المجاورة سوى المسلمين، وبغض فرق النصارى من أرمن ونسطوريين ويعاقبة. ممن موطنهم الأصلي مجاور لهم، أو مختلط بهم، ولو راجعنا مدونات المسلمين، فلا نرى في عقائد النصارى عن الشيطان ما يماثل عقيدة اليزيدية، وإنما نشاهد النص التالي:
قال في (كتاب الفرق):
(. . . - هذا ما جمعوا عليه - أما الذين انفردوا (من فرق النصرانية) فأن فريقاً منهم قال أن الله لما رأى الشيطان قد علا شأنه، وعجل (كذا) أمره وعجزت الأنبياء عن مناوأته وجه أبناً له أزلياً قديماً منفرداً، يخلق الخلائق كلها فدخل في بطن امرأة، ثم ولد منها ونشأ وناهض الشيطان فأخذه الشيطان فقتله ثم صلبه بين يدي شرذمته من إخوانه. . . الخ) أهـ.
هذا ما قص صاحب كتاب الفرق. ولم أعثر على ذكر لهذه النحلة في غيره.
ولعل هذه العقيدة النصرانية الشاذة دخلت هؤلاء القوم وحذرتهم من الشيطان فصاروا يرهبونه ويتقون شره ويخشون ذكر اسمه. واللعن محظور في مذهبهم في الأصل فلا يذكر هو ولا غيره بسوء.
ولما لم يجد سند قطعي في هذا الصدد يعول عليه لم نقطع بالأخذ من هؤلاء. ولكننا على كل حال لا نفكر بوجود عقيدة نصرانية شاذة إلا في تلك الديار أو ما جاورها، خصوصاً أننا نرى أكثر كتاب الغربيين يقولون بالاقتباس من عوائد النصارى كما عليه الفاضل الإيطالي وصاحب كتاب النسطوريين وغيرهما.
وقد ذكرت المعلمة الإسلامية تحت لفظ (شيطان) معتقد اليهود والنصارى فيه، وعددت النصوص المعتبرة للإحالة والمراجعة. وكذا دائرة المعارف للبستاني بينت نصوصاً للمراجعة، وعينت كتباً تاريخية ذكرت قضية إبليس، ونتفاً عن
стр. 6023
اليزيدية لم تتعد بها من سبقها. وأيضاً كل التواريخ الإسلامية التي تتكلم على الخليقة تبحث عن قصة إبليس. ومما يلفت الأنظار فيها ما ذكره صاحب (الجدول الصفي من البحر الوفي) نقلا عن وهب بن منبه وغيره عن خلقة العالم وخلقة الإنسان فليراجع فأنه يصلح أن يكون موضحاً لعقائد كثيرين بسبب انتشار هذه الأقوال، خصوصاً في إبليس.
ومن (الجدول الصفي) هذا نسخة مصورة في مكتبة الأوقاف العامة.
٧ - عقيدة المتصوفة في الشيطان:
وعلى كل حال يجب أن لا نقف عند هذا الحد بل نتجاوز هذه الناحية من التحقيق وأن كان لها تأثير، فنراجع مصدر آخر أقوى يصلح للأخذ فتكون عقيدة اليزيدية شكلاً موسعاً لها ولما تقدم ذلك:
إن بعض غلاة الصوفية ممن انتشرت طريقتهم في هذه الأنحاء مثل الحلاج ومحيي الدين بن عربي، والقنوي، وابن سبعين. قد أحدثت طرائقهم دوياً وأثرت في متصوفة كثيرين بسبب ما رأوه من المناصرة. وأني أنقل للقراء:
١ - عقيدة الحلاج في الشيطان. قال في الطواسين:
(ما صحت الدعاوى لأحد، إلا لإبليس وأحمد (ص)، غير أن إبليس سقط عن العين، وأحمد
(ص) كشف له عن عين للعين. . .) الخ ما جاء في هذا الفصل والفصول الأخرى فيبرر له الامتناع والسجود. ويجعله في منزلة لم ينلها أحد. وبين أن أساتذته إبليس وفرعون. وفيه ذكر اشتقاق إبليس وعزا زيل. وفيه أيضاً:
(قال الحسين بن منصور لما قيل لإبليس: أسجد لآدم! خاطب الحق. أرفع شرف السجود عني إلاك حتى أسجد له. إن كنت أمرتني فقد نهيتني! قال فأني معذبك عذاب الأبد فقال: أولست تراني في عذابك لي قال: بلى. فقال: فرؤيتك لي تحملني على رؤية العذاب، أفعل بي ما شئت. فقال: أجعلك رجيماً. قال إبليس: أليس لك بحامد. أفعل بي ما شئت. وأورد:
جحودي لك تقديس ... وعقلي فيك تهويس
فمن آدم إلاك ... ومن في البين إبليس
стр. 6024
ومبدأ ذلك هو ركون اليزيديين، بل رؤسائهم إلى غلاة المتصوفة. فقالوا عن إبليس (طاووس الملائكة) كما قال المتصوفة، وأنه وجب عليه أن يمضي بمقتضى ما قدر عليه. وأساساً قد داخلهم الغلو بشهادة مؤرخين كثيرين.
٢ - قول أحمد الغزالي:
قد توجع له أحمد الغزالي (أخو حجة الإسلام محمد الغزالي) حينما سئل عن إبليس في قصة إبائه عن السجود قال:
- لم يدرك المسكين أن أظافر القضاء إذا حكمت أدمت، وقسي القدر إذا رمت أصمت. وأنشد:
وكنا وليلى في صعود من الهوى ... فلما توالينا ثبت وزلت
قال صاحب الكواكب الدرية: وقد رمي الغزالي المذكور بأشياء من ابن طاهر وابن الجوزي، على عادة المحدثين، والفقهاء مع الصوفية (راجع الكواكب الدرية ج٢) و (اليزيدية لأحمد تيمور ص ٤٦ نقلا عن شرح نهج البلاغة لأبن أبي الحديد).
٣ - نقول أخرى:
قال السيد محمود شهاب الدين الآلوسي في تفسيره عند ذكر آية (وإذ قلنا للملائكة أسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس).
(إن القوم - يعني الصوفية - يفيدون أن جميع المخلوقات علويها وسفليها سعيدها وشقيها،
مخلوق من الحقيقة المحمدية (يريدون أن يغشوا العوام بهذه الكلمة). إلا أن الملائكة العلويين خلقوا منه (ص) من حيث الجمال، وإبليس من حيث الجلال.
ويؤول هذا بالآخرة إلى أن إبليس مظهر جلال الله تعالى. ولهذا كان ما كان ولم يجزع، ولم يندم، ولم يطلب المغفرة لعلمه أن الله يفعل ما يريده، وان ما يريده هو ما تقتضيه الحقائق. فلا سبيل لتغييرها وتبديلها. وأستشعر ذلك من ندائه بإبليس ولم يكن اسمه من قبل، بل كان اسمه عزازيل، أو الحارث، وكنيته أبا مرة. ووراء ذلك ما لا يمكن كشفه. والله تعالى يقول الحق وهو يهدي السبيل.) أهـ.
стр. 6025
ثم أورد الآلوسي ما أورد أحمد الغزالي وقال:
(وكم أرقت هذه القصة جفوناً، وأراقت من العيون عيوناً. فأن إبليس كان مدة في دلال طاعته، يختال في رداء مرافقته، ثم صار إلى ما ترى، وجرى به القلم ما جرى.)
وعلق على آية (فأزلهما الشيطان) أنه قيل أرسل بعض أتباعه إليهما، وقيل بينما هما يتفرجان في الجنة إذ راعهما طاووس تحلى لهما على سور الجنة، فدنت حواء منه وتبعها آدم فوسوس لهما من وراء الجدار، وقيل توسل بحية تسورت الجنة. إلى آخر ما جاء في قضية الازلال والاضلال.
وهذا الإجمال من الآلوسي، بصورة عامة يوضح درجة حب المتصوفة له وتعصبهم نحوه. ومن ثم ندري كيف تعبر الأمة الجاهلة عن جهلها. وتبين عن درجة تعلقها به، ومغالاتها فيه إلى درجة إنها تضع على لفظه من القرآن الكريم الشمع. ويقال - على ما هو الشائع عند اليزيديين - أنه كانت له سبعة تماثيل من معدن نفيس لا مثيل له فيما يرونه من المعادن. ولكنها رفعت أو غابت من البين. والموجود الآن من التماثيل قد أتخذه القوالون للارتزاق. وهذه تمثل الحمام أو الدجاج.
٨ - زبدة البحث:
إن منشأ هذه العقيدة في الأصل أن الخير والشر من الله تعالى، فلا يسند إلى غيره تصرف، وان اللعن مذموم، فحصل من آمالهم إلى أنه ما ترك لعن إبليس إلا لمكانته وحرمته، واستفادوا من سلوك الصوفية في التعصب له، وهو منهم فداخلهم غلاتهم وشوشوا معتقدهم. وقد ساعد على ذلك المنقولات القصصية الخرافية من أنه:
١: كان أعبد الملائكة - ٢: وكان يحمل العرش وحده ستة آلاف سنة - ٣: وكان طاووس الملائكة - ٤: وما ترك في السماء رقعة؛ ولا في الأرض بقعة إلا وله فيها سجدة وركعة؟
وهذه وأمثالها لم يثبت بالنقل الصادق ورودها، وليس في القرآن شيء
следующие страницы →