Полный текст (6 158 стр.). Показаны 6056–6095 · переход к 6061.
стр. 6056
فهرس ثامن عشر يحوي أسماء الرجال وآبائهم وأجدادهم خلافاً لما في سائر الفهارس التي من هذا القبيل والتي لا تحوي إلا أسماء الأبناء من الرجال دون آبائهم.
فأنت ترى من هذه الفهارس ما في هذا الكنز من الدرر واللآلئ وما حوى من النفائس التي تغني معاجمنا البلدانية والتاريخية واللغوية إلى غير ذلك.
ولسوء الحظ وقع أوهام طبع كثيرة وحصلنا على رواية نسخة برلين ورومة (الفاتيكان)
ولهذا قصدنا أن نضع له ذيلاً يحتوي على إصلاح ما ورد في مطاوي الطبع من الخلل وذكر النسخ المختلفة ومعارضة بعضها ببعض وترجيح رواية على رواية. ويكون ثمنه ثلاثة شلنات.
ولكون نسخ الإكليل محدودة وقليلة سوف نضاعف الثمن المذكور هنا بعد ستة أشهر ويبقى ثمن الملحق ثلاثة شلنات أو ربيتين.
٩٢ - لذكرى الأب سيستيان شيل الدمنكي (بالفرنسية)
الأب سبستيان شيل هو أخو العلامة الشهير الأب فنسان شيل وكان قد جاء إلى الموصل قبل نحو خمس وأربعين سنة وأخرج تلاميذ يعدون من كبار الفضلاء الذين نفعوا بلادنا العراقية هذه ولا يزالون يستقتلون للوطن ولإعلاء شأنه. وتوفي الأب سبستيان في ٢٥ شباط من سنة ١٩٢٩. وهذه الرسالة وقعت في نحو ٦٢ صفحة بقطع ١٦ تخليداً لذكراه. فنعزي الأب فنسان أخاه بهذا الفقد الجلل ونطلب للراحل الرحمة والراحة الأبدية.
٩٣ - الرس الشمري (بالفرنسية)
هذه مقالة في ١٠ صفحات لصاحبها صديقنا العلامة الفريد بواسيه وهي خلاصة تحقيق من تقدمه من الباحثين في هذا الموضوع مع آراء خاصة به. ومن جملة ما قاله: (إن العراقيين الحاليين الذين يرون في كلدية المنخفضة (جنوبي العراق) هم صلب الشمريين، كما أن المصريين الحاليين منحدرون من مصريي الأهرام)، وإذا اتسع لنا المقام نعربها لقرائنا الكرام لأنها زبدة ما قيل في هذا الموضوع.
стр. 6057
٩٤ - قانون المطبوعات رقم (٨٢) لسنة ١٩٣١.
أصدرت حكومتنا الجليلة قانوناً جديداً للمطبوعات وقع في ١٧ صفحة بقطع ١٦ فألغي بنشره القانون السابق الذي كان على صورة قانون المطبوعات التركية.
٩٥ - مدن العراق القديمة
انتهينا من طبع كتاب (مدن العراق القديمة) واستللنا منه سلالة في مائة نسخة، عدد صفحاتها ٥٦ بحجم هذه المجلة. وثمن النسخة ربية. والنسخة الإنكليزية تباع بأكثر من ربيتين.
٩٦ - قطعة من مأثورة (أترم خسس)
(أترم خسس) عند البابليين يقابل (نوح) التوراة. وقد أصاب العلماء صفيحة من صلصال مشوي فيها ثمانية أعمدة والسطور مصفوفة عشرة عشرة والكتابة تهدي الباحثين إلى إن قصص (أترم خسس) كان محفوراً على ثلاث صفائح الأولى منها لم يعثر عليها. ولم يظفر العلماء إلا بقطع من الثانية والثالثة، وقد نقل نصوص هذه القطع صديقنا العلامة الفريد بواسيه بصورها وحروفها. وترجمها إلى الفرنسية ونشرها في (مجلة المباحث الآشورية) لصاحبها الأب فنسان شيل وف. ثورو دانجين. والرواية تلذ لكل من يعنى بالمواضيع المتعلقة بالتوراة والقصص القديمة. فنشكر الصديق على هديتيه الكريمتين.
٩٧ - المروج والصحارى
تأليف مراد ميخائيل، هدية الحاصد لمشتركيه في ٥٦ ص بقطع ١٦
محتوى هذا الكتيب خيال عال. ووميض أفكار مختلفة، تتألق فيه الأنوار البديعة من آفاقه العديدة، فهو ينثر على نفس القارئ أزاهير متنوعة الألوان والعبير، تنسيه ما يحيط به من الجو الراكد المألوف، وتنقله إلى جنان السلم والاطمئنان، فهو حقيقة تسلية (للحاصد) بعد أن يكون قد تعب في معاناة أشغال الحصاد. فنعم الكتاب ونعم الهدية.
стр. 6058
٩٨ - الإخاء الوطني
جريدة يومية سياسية جامعة تصدر ببغداد بست صفحات
للمحامي رفائيل أفندي بطي صفحة مجيدة في تاريخ الصحافة العراقية، لأنك ترى مكتوباً في أعلى صدرها: (رفائيل بطي كاتب جريء يتقحم الغمرات، غير هياب ولا وجل، يضرب على كفه اليمنى، فيمد اليسرى؛ وإذا شلت اليسرى، هاجم برجله اليمنى، وإذا قطعت هذه، قاوم محاربيه برجله اليسرى، وهو في كل الأحوال: هجام، هدام، مقدام، لا يروعه نار ولا بتار.
أنشأ في ٢٥ أكتوبر سنة ١٩٢٩ صحيفة (البلاد) ثم انتابتها الأرزاء فظهرت لنا بأسماء أخر بعد أن سدت مراراً بعد كل أسم. وفي ٢ آب (أوغسطس) من هذه السنة (١٩٣١) أصدر تلك الجريدة باسم (الإخاء الوطني) وأصبح صاحب امتيازها علي جودت. ومديرها
المسؤول عبد الإله حافظ. أما إنشاؤها فبقي بيد هذا الصحفي الجسور. فنتمنى أن تكون هذه الجرأة مقرونة بحكمة وفطنة حتى لا يحرم قراءة مقالاته الوطنية المتلهبة غيرة وقومية.
٩٩ - قصص الأنبياء
للشيخ الإمام العالم العلامة محمد بن عبد الله الكسائي، تصحيح اسحق بن ساؤول ايزنبرغ.
أهدي إلينا أحد مستشرقي النمسيين هذا الكتاب وطلب إلينا أن ننقده. ولحسن الحظ وجدنا في خزانتنا نسخة منه خطية. ولما قابلنا تلك المطبوعة بنسختنا الأصلية. وجدنا الفرق بينهما عظيماً. وقد لاحظنا أن الآيات المذكورة في هذه القصص وردت محرفة ومصحفة. والشواهد كثيرة، دع عنك الاختلافات في الروايتين مما يتطلب مقالة طويلة، فنرجئ البحث فيها إلى وقت آخر إن اتسع لنا المجال.
стр. 6059
تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره
١ - انتهاء قضية المخفر بين العراق وإيران (رسمي
وبحروفه)
في أواخر حزيران (يونيو) الماضي بدأت الشرطة الإيرانية تشيد مخفر الشرطة في موقع (جيغار سورخ) الكائن داخل الحدود العراقية، ولما اتصل الخبر بالحكومة العراقية، فاتحت الحكومة الإيرانية بالأمر، وبفضل سياسة التفاهم وما يسود صلات الطرفين من الود والولاء، انتهت المفاوضات بين الحكومتين حول هذه القضية التي نشأت من اشتباه موظفي الحدود في تعيين الموقع، وعليه أصدرت الحكومة الإيرانية أمرها بإرجاع جنود الشرطة إلى ما وراء الحدود وإخلاء الأرض التي كان يجري فيها تشييد المخفر، وتم ذلك بالفعل وهكذا انتهت الحادثة.
في ٥ أوغسطس:
ملاحظ مكتب المطبوعات
٢ - الجيش العراقي في الزيبار
حل الجيش العراقي محل الجيش المعروف (بالليفي) في منطقة (بلة) الواقعة في قضاء الزيبار، وقد تم ذلك بعد ما تم القرار بين حكومتنا والدولة الحليفة على تسريح جيش (الليفي) وكان قوام هؤلاء الجند الآشوريين المتعرقين والآشوريين العثمانيين الذين اصبحوا بحكم المعاهدات الدولية عراقيين أيضاً.
وقد كان تسريح هذا الجيش ضرورياً لتوحيد نظام الجندية في البلاد وتوحيد قيادتها ومراجعها الخاصة وجميع ما يتعلق بها.
٣ - تقويم الحكومة الرسمي
عزمت الحكومة على إصدار تقويم سنوي ورسمي لدواوينها وشؤون دولتها ورجالها وحالتها العلمية والاقتصادية والبلدانية وكنوز العراق الطبيعية ومساعي الري فيه إلى غير
ذلك مما يجري مثله في سائر الدول الراقية. فعسى أن تنتدب لهذا العمل رجالاً أكفاء.
стр. 6060
٤ - المياه والمعادن في الحجاز
كان يظن أن ليس في ديار الحجاز مياه ولا معادن وقد ظهر المستر توكشل المهندس الأميركي ما يخالف هذا الرأي برفائع كثيرة الفوائد.
٥ - وفاة المحامي عبد الله ثنيان
عبد الله ثنيان من خيرة رجالنا الحقوقيين العراقيين. وله منزلته الرفيعة في معشره، وقد فاجأته المنية وهو ذاهب بسيارته من الكرادة (جنوبي بغداد) إلى العاصمة ليستشير طبيبه حينما أحس بألم في داخله في صباح ٤ آب وما كادت السيارة تجاوز الدار حتى أسلم الروح وهو في نحو الخامسة والأربعين من عمره.
وكان قبل عدة أسابيع أصيب بوفاة أخيه نجيب في البصرة بمثل هذه الوفاة الفجائية. وبوفاة قرينته قبل نحو بضعة أشهر. كل ذلك أثر في قلبه فأسكته فجأة. والفقيد هو ابن أخي صديقنا العزيز عبد اللطيف ثنيان. فنعزيه بهذا الفقد العظيم ونطلب لروح الراحل الرحمة الواسعة.
٦ - الحبوب الصادرة من البصرة
يؤخذ من الإحصاءات الرسمية إن مقادير الحبوب والبقول التي شحنت من البصرة إلى الخارج ابتداء من نيسان إلى نهاية تموز سنة ١٩٣١ كانت كما يلي:
الشعير
شحن من الشعير إلى المملكة المتحدة ٥٩. ٦١٥ طناً بمليون و ٨٢٥ ألف ربية. وإلى بلاد العرب ٥٩ طناً بألفي ربية وإلى بلجكة ٣٠. ٧٨٥ طناً ب ١٩٩ ألف ربية. وإلى ألمانية ١٠٦٧ طناً ب ٣٤ ألف ربية، وإلى هولندة ٣٣٠٠ وطنان ب ٩٨ ألف ربية.
الحنطة
شحن من الحنطة إلى المملكة المتحدة ١٠. ١٦٨ طناً ب ٤٣٧ ألف ربية، وإلى بلاد العرب ١. ٩٧١ طناً ب ١٠٠ ألف ربية.
الأرز
شحن من الأرز إلى بلاد العرب ١٦٨ طناً ب ١٤ ألف ربية، وإلى ألمانية ١. ٤٤٦ طناً ب ٧٢ ألف ربية وإلى هولندة ٥٥٩ طناً ب ٢٨ ألف ربية.
دقيق الحنطة
شحن من دقيق الحنطة إلى بلاد العرب ٦٣٧ طناً ب ٥١ ألف ربية.
الدخن
شحن من الدخن إلى المملكة المتحدة ٢٥٤ طناً ب ٨ آلاف ربية، وإلى بلجكة
стр. 6061
١٠٠ وطنان ب ٤ آلاف ربية، وإلى ألمانية ٩٦٦ طناً ب ٣٧ ألف ربية، وإلى هولندة ٢٥ طناً بألف ربية.
ذرة بيضاء
شحن من الذرة البيضاء إلى المملكة المتحدة ٣٠٥ أطنان ب ٢٠ ألف ربية، وإلى ألمانية ٤. ٣٦٩ طناً ب ٢٨٤ ألف ربية.
الماش
شحن من الماش إلى الهند ٤٠٨ أطنان ب ٣٢ ألف ربية؛ وإلى بلاد العرب ١٢ طناً بألف ربية.
الباقلاء
شحن من الباقلاء إلى الهند أربعة أطنان بقيمتها الاعتيادية، وإلى بلاد العرب ٥٢ طناً بألف ربية، وإلى هولندة ٥١ طناً بثلاثة آلاف ربية.
رة صفراء
شحن من الذرة الصفراء إلى المملكة المتحدة ١٠٠ وطنان بأربعة آلاف ربية.
البقول
شحن من البقول إلى الهند خمسة أطنان بقيمتها الاعتيادية، وإلى بلاد العرب طنان.
٧ - الهيضة في البصرة
ظهرت الهيضة في البصرة فجأة في ٨ آب (اوغسطس) فارتاعت لها القلوب فجدت الحكومة بردعها أشد ردع. ودونك جدول الإصابات والوفيات الرسمي أول ظهورها:
التاريخ الإصابات الوفيات
٨ آب ٩ ٨
٩ آب ١٢ ٦
١٠ آب ٣٢ ١٨
١١ آب ٢٧ ٢٠
١٢ آب ٤٤ ١٤
١٣ آب ٤٩ ٢٧
١٤ آب ٥٨ ٣٩
١٥ آب ٤١ ١٦
١٦ آب ٥٦ ١٦
١٧ آب ٢٩ ٢٨
١٨ آب ٣٩ ١٧
١٩ آب ٣٣ ١٩
٢٠ آب ٤ ٣
ويرى من هذا الجدول إن التناقص في الوفيات بدأ منذ ١٥ آب أي بعد أن بذلت الحكومة كل سعيها لتطعيم مصل هذا الداء الفتاك. وفي مدة أسبوع لا أكثر طعم من الأهالي ما يزيد على ستين ألفاً. وهو رقم يظهر ما بذلت
стр. 6062
الحكومة من الهمة العالية رداً لهجمات هذا العدو الهائل الفتك. فالشكر لحكومتنا على ما سعت ولا تزال تسعي له.
٨ - عواطف قداسة البابا نحو معالي مزاحم بك الباجه جي
وزير داخلية العراق
عرف صاحب المعالي مزاحم بك وزير داخلية العراق برقة الأسلوب ودقة الفكرة، والمهارة
والحنكة. وقد لاحظ كل هذه الأمور سيادة القاصد الرسولي السيد أنطونين درابيه رئيس أساقفة بغداد وهو من الرهبان الدمنكيين وكتب إلى الكردنال سنشيرو ليذكره بهذه المزايا الجليلة فأنعم عليه قداسة الحبر الأعظم بنوط (بمدالية) جليل هو نوط مدينة الفاتيكان. وسوف يأتي سيادة القاصد في نحو أوسط أيلول (أي أواسط هذا الشهر) ليقلده صاحب المعالي مزاحم بك لأن القاصد هو اليوم في الموصل وتؤذيه شدة حرارة بغداد وهو نحيف المزاج. فنهنئ معاليه بهذا الامتياز الجليل ونتمنى له الرقي المتواصل ونشكر سيادة القاصد الجزيل الاحترام على سهره على وظيفته وتقدير الناس حق قدرهم من دون محاباة.
стр. 6063
العدد ٩٥ - بتاريخ: ٠١ - ١٠ - ١٩٣١
المشعشعيون ومهديهم
- ٢ -
أما المولى كمال الدين خلف المشعشعي المذكور، فقد كان عالماً فاضلاً، ومتكلماً وأديباً وشاعراً ومحدثاً ومحققاً جليل المنزلة، وكان من معاصري الشيخ البهائي المشهور، وله مصنفات منها: (فخر الشيعة) و (سيف الشيعة) في الحديث و (حق اليقين) في الكلام، و (برهان الشيعة) في الإمامة و (الحجة البالغة) في الكلام أيضاً. وكتاب كبير في المنطق والكلام أسمه (الحق المبين) ورسالة في النحو اسمها (سبيل الرشاد) ومنظومة فيه. و (سفينة النجاة) و (المودة في القربى) و (النهج القويم) ورسالة (الاثنا عشرية) و (دليل النجاح) و (شرح دعاء عرفة) للحسين (ع) و (ديوان شعر) عربي وآخر فارسي وغير ذلك - كما في الأمل - وجاء في الرياض أن السيد خلفاً المذكور اجتمع مع الشيخ ميرزا محمد الاسترابادي صاحب (الرجال) في سفر الحج. وكان دعاء (الحسين) - ع - عند ميرزا محمد، فدعوا به في الموقف فقال له خلف: (يا مولانا هذا الدعاء قابل للشرح وينبغي أن تشرحه) فقال ميرزا محمد له: (أنا التمسه منك)
стр. 6064
فقال خلف هضماً لنفسه: (وأنا لست بفارس هذا الميدان) فقال: (بل أنت أحق الناس به) قال السيد خلف: (فقبلت التماسه، ولما رجعت إلى الوطن (الحويزة) لم يكن لي هم إلا ذلك) ثم شرحه ولما أتمه بعث بنسخة منه إليه فأعجب بها كل الإعجاب وكانت عنده في خزانته إلى أن توفي، فانتقلت إلى ورثته وقد طلبت نسختها الأكابر إلى السيد خلف وانتسخوها وأسم الشرح: (مظهر الغرائب).
وقد سلب البصر بجفاء أخيه وازداد نور بصيرته، وكان زاهداً مرتاضاً يأكل الجشب ويلبس الخشن اقتداءاً بسيرة آبائه، وكانت عبادته يضرب بها المثل وكان كثير الصيام لم يفته صوم، ولا صلاة نافلة، ولا ختم كلام الله في ليالي الجمعات (قبل أيام عماه) ومع هذا كان من أشجع أهل زمانه وأشدهم بأساً وأسدهم عزماً وأقواهم قلباً. وبعدما توفي رثاه السيد شهاب الدين ابن معتوق (المتوفى بالفالج يوم الأحد ١٤ شوال سنة ١٠٨٧ هـ وله (٦٢) سنة) بقصيدة رائية صارع بها قصيدة أبي تمام في (محمد بن حميد الطائي) وكانت وفاته سنة (١٠٧٤) هـ ومن مرثيته:
مضى خلف الأبرار والسيد الطهر ... فصدر العلى من قلبه بعده صفر
وغيب منه في الثرى نير الهدى ... فغارت ذكاء الدين وأنكسف البدر
هو الماجد الوهاب ما في يمينه ... هو العابد الأواب والشفع والوتر
هو الحر يوم الحرب تثني حرابه ... عليه وفي المحراب يعرفه الذكر
فتى يورد الهندي وهو حديدة ... ويصدق فيه وهو من علق تبر
يعز على المختار والصنو رزؤه ... لعلمهما في انه الولد البر
أجل بني المهدي، لو انه ادعى ... وقال: أنا المهدي وأزره الخضر
فمن لليتامى والأرامل بعده ... وممن نرجي النفع أن مسنا الضر
لئن سلمت أبناؤه وبنوهم ... فويل العدى وليفرح الذئب والنسر
كأن (علياً) بينهم بدر أربع ... وعشر أضاءت حوله أنجم زهر
стр. 6065
إذا ما (علي) كان في المجد والعلى ... سليماً فلا زيد يقول ولا عمرو
ومن أولاد المولى خلف (المولى علي خان) المشعشعي المذكور ومن أجله جمع (معتوق بن شهاب الدين الموسوي) ديوان أبيه، فقد قال في مقدمته:
(وهو المولى النسيب النجيب الحسيب ذو الأصل الطاهر والفضل الباهر الظاهر. الجامع بين فضيلتي السيف والقلم حامل لواء الشريعة المحمدية، ومؤيد دين الملة الحنيفية (أبو الحسين السيد علي خان) ابن المولى كمال الدين خلف الموسوي) وكان فاضلاً عالماً شاعراً أديباً جليل القدر له مؤلفات في الأصول والإمامة وغيرها منها: (النور المبين) في الحديث أربعة مجلدات وموضوعه النص على إمامة علي - ع - و (خير المقال) في الأدب والنبوة وغيرهما و (شرح قصيدته المقصورة) أربعة مجلدات و (تفسير القرآن) أربعة مجلدات و (نكت البيان) في ذلك قال شهاب الدين ابن معتوق سنة (١٠٨٧) هـ، ص ١٩٠.
أيدت دين الحق بعد تأوه ... وسددت بالأحكام كل فجاجة
وشفيت علته بكتب قد غدت ... مثل الطبائع لاعتدال مزاجه
أسفار صدق كل خصم مبطل ... منها سيعلم كاذبات حجاجه
(نور مبين) قد أنار دجى الهوى ... ظلم الضلالة في ضياء سراجه
و (غدير ختم) بعدما لعبت به ... ريح الشكوك وآض من لجاجه
أمطرته بسحابة سميتها ... (خير المقال) وضاق في أمواجه
وأنبت في (نكت البيان) عن الهدى ... فأريننا المطموس من منهاجه
وكذاك (منتخب) من التفسير لم ... تنسج يدا أحد على منساجه
للاعرجان وان بدت شرفاته ... لن يبلغا المعشار من معراجه
وهذا التفسير (منتخب التفاسير) وطريقته فيه أن يذكر أولاً كلام المفسرين الذين كانت تفاسيرهم عنده من النيسابوري والكشاف والقاضي ومجمع البيان وتفسير العياشي وعلي بن إبراهيم، ثم يذكر من فوائد نفسه رداً لكلامهم
стр. 6066
أو تنبيهاً على ما لم يفطنوا له، وكان ابتداؤه به في جمادى الآخرة سنة (١٠٨٦) هـ ووصل في شهر ربيع الأول سنة (١٠٨٧) إلى تفسير سورة الرحمن، وأما نكت البيان فهو مشتمل على أبواب: (الأول) في تفسير الآيات القرآنيات وتكلم فيه فيما أغفله المفسرون و (الثاني) في شرح الأحاديث المشكلة التي تكلمت العلماء في شرحها والتي لم يتكلموا قبل شرحها، وفي شرح حديث الأسماء و (الثالث) في ذكر ما تكلم فيه مع العلماء السابقين والمعاصرين له في مسائل شتى وباقي الأبواب في إيراد كلمات حكيمة عن الأنبياء والأئمة وأهل الفضل والصوفية، وفي فنون الأدب من الكلام على الشعراء والإيراد عليهم والانتصار لهم، ثم يورد أقسام فنون الشعر من غزل وتشبيب ومديح وفخر ورثاء إلى غير ذلك من الحكايات المستطرفة، وكانت مدة تأليفه خمسة أشهر من سنة (١٠٨٤). وقيل إن أكثر فوائد السيد نعمة الله الشوشتري الجزائري مأخوذة من تصانيف هذا السيد الوالي وكتب المولى علي خان رسائل إلى الشيخ (علي) سبط الشهيد الثاني في اصفهان يفصل بعض فوائد نفسه وترجمة أحواله وأحوال والده السيد خلف ومنها نقل صاحب الرياض اجتماع المولى خلف مع ميرزا محمد الاسترابادي المذكور، ونقلنا قول صاحب الرياض عن السيد خلف (وأما ولده هذا السيد (علي خان) فقد توفي في عصرنا وخلف أولاداً كثيرة، وقد أخذ حكومة تلك البلاد من أولاده واحداً بعد واحد إلى هذا اليوم وهو عام (سبعة عشر ومائة بعد الألف، وكان بعض أولاده مشتغلاَ بتحصيل العلوم في الجملة)، وقد ذكره صاحب السلافة وأثنى عليه، وأورد له أشعاراً، وقد مدحه شعراء عصره من أهل بلاده وغيرهم، وله ديوان شعر بالفارسية، وديوان شعر بالعربية اسمه: (خير جليس ونعم أنيس) ومن شعره قوله في قصيدة:
ولولا حسام المرتضى أصبح الورى ... وما فيهم من يعبد الله مسلما
وأبناؤه الغر الكرام الآلي بهم ... أنار من الإسلام ما كان مظلما
وأقسم لو قال الأنام بحبهم ... لما خلق الرب الكريم جهنما
وما منهم إلا إمام مسود ... حسام سطا بحرطما عارض همى
وقال صاحب الرياض: (ومن مؤلفاته أيضاً مجموعة مشتملة على طرائف
стр. 6067
المطالب التي أوردها في مؤلفاته الأربعة المذكورة، وقد انتخبها منها مع جم من لطائف سائر المقاصد وأرسلها (كذا) هدية للشيخ (علي) سبط الشهيد الثاني إلى اصبهان، وقد رأيتها في جملة كتبه قدس سره وهي حسنة الفوائد جليلة المطالب).
والسيد (علي خان) هو ممدوح ابن معتوق في أكثر ديوانه ففي ص ٦٢ (وقال يمدحه ويهنئه أيضاً بعيد الفطر سنة ١٠٦٣) وفي ص ٦٦: (وقال يهنئه بعيد النحر سنة ١٠٦٤) وآخر مدحه له سنة (١٠٨٧) لأنها سنة وفاة ابن معتوق - كما قدمنا - وفي ص ٥٠: (وقال يمدح المؤيد بالرحمن السيد علي خان ويذكر وقعته مع الأعراب والكرخ ويهنئه بالظفر) ومنها:
فلله يوم الكرخ موقفه ضحى ... وقد سالت الأعراب بالجحفل المجري
أتوه يمدون الرقاب تطاولا ... فأضحوا ومنهم ذلك المد للجزر
رموه بحرب كلما قام ساقها ... ركض المنايا في القلوب من الذعر
سطوا وسطا كالليث يقدم فتية ... يرون عوان الحرب في صورة البكر
ليهنئك نصر عزه يخذل العدى ... وفتح يفل المغلقات من الأمر
وفي ص ١٠٠ (وقال يمدحه وأولاده ويهنئه بالظفر على الأعراب) ومنها:
واهزمت أحزاب الضلال ولو ونوا ... لألحقتهم في أثر سيدهم عمرو
وأخرجتهم في زعمهم عن ديارهم ... وما اعتقدوا هذا إلى أول الحشر
وألقوا حبال المنكرات وخيلوا ... فعارضتهم في آية السيف لا السحر
أبا السبعة الأطهار لازلت ناظماً ... بهم عقد جيد المجد بالأنجم الزهر
وفي ص ١٠٦: (وقال يمدح السيد علي خان ويهنئه بعيد الفطر سنة ١٠٧٤) هـ ومنها:
لولا ورودك للجزيرة ما زهت ... وجنات جنات لها بورود
فارقتها فخشيت بعدك أنها ... تضحي كما أضحت ديار ثمود
стр. 6068
أنقذت أهليها ولو لم تأتهم ... ما قوم لوط منهم بسعيد
وفي ص ١١٣: وقال يمدحه ويهنئه بعيد الفطر سنة ١٠٧٧) هـ ومنها:
لو لم تعد لم للخوز بهجته ... ولا تورد يوماً خده الترب
لولا وجودك فيه أهله هلكوا ... كذاك يهلك بعد الوابل العشب
لو كنت مولى تجازيهم بما اقترفوا ... من الذنوب أذن بادوا بما كسبوا
كسرت جبتهم بالسيف فاجتمعوا ... عليك أحزاب ذك الجبت واغتصبوا
هموا بإطفاء نور المجد منك فلا ... فتم فيك ويأبى الله ما طلبوا
وفي ص ١٠٤٣: (وقال يمدحه ويذكر وقعته مع الأعراب ويهنئه بالفطر سنة (١٠٧٩ هـ) ومنها:
ولم أنس في المنيات يوم تجمعت ... قبائل أحزاب العدى والعشائر
عصائب بدو أخطأوا بادئ الهوى ... فراموه بالخذلان والله ناصر
أصروا على العصيان سراً واظهروا ... له طاعة والكل بالعهد غادر
وقد جحدوا نعمى (علي) وأنكروا ... كما جحدوا نص القدير وكابروا
توالوا على عزل الوصي ضلالة ... وقد حسنوا الشورى وفيها تشاوروا
فلما التقى الجمعان وانكشف الغطا ... وقد غاب ذهن المرء والموت حاضر
فلم يخل منهم هارب من جراحة ... فان قيل فيهم سالم فهو نادر
تولوا وخلوا غانيات خدورهم ... مبرقعة بالذل وهي سوافر
تنادي ولا فيهم سميع يجيبها ... فتلطم حزناً والرؤوس حواسر
فرد عليها سترها بعد هتكه ... وبشرها بالأمن مما تحاذر
ألا فأسمعوا يا حاضرون نصيحة ... تصدقها إعرابكم والحواضر
عظيم ملوك الفرس تعرف قدره ... وتغبطهم فيه وفيك القياصر
وفي ص ١٤٨: (وقال يمدحه ويذكر وقعته مع الأعراب في شهره يهنئه بالظفر) ومنها:
ويوم مثل يوم الحشر فيه ... تميد الراسيات من الجبال
стр. 6069
به الأعلام كالآرام تسري ... فتشتبه الرعال مع الرعال
به اجتمعت (بنو لام) جميعاً ... تستر جانب الطرف الشمالي
ولاذوا بالحصون فما استفادوا ... نجاة بالجدار ولا الجدال
غواة قام بينهم غوي ... يمينهم بأنواع المحال
أما علموا بأنك يا (علي) ... لباري قوسها يوم النزال
ملأت الرحب حولهم جيوشاً ... تكاثر عد حبات الرمال
تركت سراتهم صرعى غداة ... وحزت الحمد في ستر العيال
ألا يا معشر الأعراب كفوا ... وتوبوا عن خبيثات الفعال
وفي ص ١٥١: (وقال يمدحه ويهنئه بعيد الفطر سنة (١٠٨١) هـ ومنها:
فيكم من نهر سابور تأتى ... له نصر كيوم النهروان
وكم في التابعين لآل حرب ... له من فتكة بكر عوان
وأشرف ما له في الدهر يوم ... قضى يوم الصفوف بشهر كان
ومن شعر المولى علي خان بن السيد خلف:
وإني لأخفي لوعتي عن محدثي ... وفي القلب ما ينهى الجفون عن الغمض
فلولا رضا الرحمن والصبر والحجى ... لما كان بعض القلب يصبر عن بعض
تسيل دموعي من جفوني ولم أقل ... مقالا يفيت الأجر مني ولا يرضي
ومن المشعشعيين الذين جاء ذكرهم في ديوان ابن معتوق: (المولى السيد منصور خان بن السيد عبد المطلب الحيدري المذكور) أخو العلامة السيد خلف الماضي ذكره.
ففي ص ١٩: (وقال يمدح المولى السيد منصور خان بن السيد عبد المطلب الحيدري) ومنها:
كم غزا الصبر باللحاظ كما قد ... قد غزت الشوس أنصل (المنصور)
يوم غازت جياده (آل فضل) ... بلهام على الكماة قدير
سار وهناً عليهم وأقامت ... خيله بالنهار حتى العصير
стр. 6070
وأتى منهل (الدويرق) ليلاً ... وسرى من معينه في سحير
وأتى (الطيب) و (الدجيل) نهاراً ... تقتفيه الأسود فوق النسور
وغدا يطوي القفار إلى أن ... نشرت خيله ثراء الثغور
وغدت عوماً بدجلة حتى ... صار لجي مائها كالأسير
وأتى بالضحى (الجزيرة) تردى ... بأسود تروعها بالزئير
فرماها بها هناك فأضحوا ... ما لهم غير عفوه من نصير
اسلموا المال والعيال وولوا ... هرباً في النفوس في كل غور
سفهاً منهم عصوه وتبهاً ... وضلالاً رماهم بالغرور
وجاء في ص ٤٠: إن للسيد منصور ابناً اسمه (راشد). وفي ص ٣٠ أن له آخر اسمه (بركة) ونص العنوان: (وقال يمدح السيد بركة خان ابن السيد منصور ويهنئه بعيد الفطر). ومثله في ص ٣٣ ومن هذه التهنئة:
قاض بأحكام الشريعة عالم ... بقواعد الإرشاد والتبيين
عدل تحكم في البلاد فقام في ... مفروض دين الله والمسنون
بلغ الكمال وما تجاوز عمره ... عشراً وحاز الملك بالعشرين
مولى يلوذ المذنبون بعفوه ... ويفك قيد المجرم المسجون
فبهذا نستدل على أن السيد (بركة) تسلطن على (الحويزة) بعد أبيه (منصور) وفي ص ٣٩ و ٤٦ جاء فيه:
تملك (الخوز) فلتهرب ثعالبه ... فقد تكفل جيش الملك قسوره
تولى دولة المهدي فأحيا ... مناقبه وقد عفت العظام
وجاء في ص ١٦٠ إن للسيد (بركة) سبطين من صهره: للسيد حسن وذكر تهنئة بختنهما سنة (١٠٨٣).
وجاء في ص ٢٦: (وقال يمدح السيد علي خان بن السيد منصور خان عند قدومه من عند الشاه طغى (كذا) في سنة ١٠٥٥ ومنها:
لولا إيابك للجزيرة ما صفت ... فيها مشارع أمنها المتكدر
لم ألق أطيب بهجة من نشرها ... إلا البشارة في إياب الحيدري
стр. 6071
ولعل (علياً) هذا كان رهينة عند الشاة من سلطان الحويزة.
ومنهم السيد عبد الله بن السيد علي خان بن خلف المشعشعي كما في ص ١٧٩ من الديوان وابنه نصر الله المختون سنة (١٠٨٥). ومنهم السيد حسين بن السيد علي خان المذكور.
وقد توفي سنة (١٠٨٠هـ) ورثاه ابن معتوق كما في ص ٢١٩ ومنها:
فلو لم يتم الله نور الهدى لنا ... بوالده عشنا بسود الغياهب
جواد بأرض الكرختين مقامه ... ومعروفه يسري إلى كل طالب
ومنهم السيد محسن بن السيد علي خان وله ابن اسمه (ناصر) كما في ص ٢٢٢ من الديوان، وقد توفي ناصر سنة (١٠٨٤ هـ) ورثاه صاحب الديوان وفيها يقول:
فحق لملك (الخوز) يشكو فراقه ... فعن غابة قد غاب خير بني الأسد
وحق لعين الحرب تبكي له دماً ... فقد فقدت في فقده سيفها الهندي
وجاء في ص ١٠١: (وقال يمدح السيد حيدر خان عند إيابه من عند الشاة). وفي ص ١٣١: (وقال يمدح السيد حيدر خان ويهنئه بعيد الفطر سنة (١٠٧٩هـ) ففي الإياب يقول:
ما الخوز بعد نداك إلا مقلة ... مطروفة فدموعها لا تهجع
ورجعت مسروراً فقرت باللقا ... عيناً وقر فؤادها المتفزع
ناداك من نور عليها دوحة ... صفو به أزكى الأصول واينع
فوطأت أشرف بقعة قد قدست ... ولبست خلعة أن نعلك يخلع
وخصصت بالرؤيا هناك وفزت في ... شرف الخطاب ولذ منك المسمع
ونقلنا في (٩: ٦١٦) من لغة العرب قول نعمة الله الجزائري (لما صارت الواقعة العظمى بين أهل بلادنا وهي الجزيرة وبين جنود السلطان محمد خرجنا منها وتوطنا البلدة المحروسة شوشتر، لكن في كل سنة يطلبنا
стр. 6072
سلطان (الحويزة) لأنه كان من أهل العلم والأدب) وتتمة الحديث كما في ص ٣١٩ من زهر الربيع: (وكان في تلك الولايات من الأعراب سكان الصحارى وغيرهم من أهل السنة، والخلاف، ما لا يحصى عددهم. فمن الله علينا بالمواعظ لهم والإرشاد لجهالهم حتى دخلوا في دين أمير المؤمنين وصاروا من الشيعة الإمامية). ونقلنا هناك أيضاً قوله: (كتب إلي سلطان (الحويزة) أبياتاً يستحثني على المجيء إليه وأنا يومئذ في شوشتر) والأبيات هي كما في ص ٢١٠، ٢١١ من زهر الربيع:
يا أخا بشرنا تأخرت عنا ... قد أسأنا ببعد عندك ظنا
كم تمنيت لي صديقاً صدوقاً ... فإذا أنت ذلك المتمنى
فبغصن الصبا لما تثنى ... وبعهد الصبا وان بان عنا
كن جوابي لكي ترد شبابي ... لا تقل للرسول: كنا وكنا
فحكم أبناء المشعشع بقي في الحويزة إلى ما بعد القرن الحادي عشر للهجرة - كما تقدم - ونحن ما نعرف أسم سلطان الحويزة الذي ذكره السيد الجزائري بيد إننا رأينا في التاريخ أن (علي باشا) والي بغداد استعد سنة (١١١١) لمحاربة قشعم وسار إليهم فحاصرهم، ثم صالحوه على مال وكان المتسلم للبصرة داود خان فخرج من البصرة وتسلمها واليها السابق حسين باشا، وكان في الحويزة (فرج الله خان) فلم يتعرض له الوالي. وفي السنة (١١١٢) أرسل فرج الله خان إلى دالدبان مصطفى باشا والي بغداد الجديد يطلب إليه الأمان ويبذل له تسليم الحويزة، وذلك لأن مصطفى باشا كان قد وصل إلى البصرة وهرب منه أمير قشعم، ثم استأمن إليه على مال فعفا عنه وعاد إلى بغداد. هذا مرادنا وعلى الله اعتمادنا.
مصطفى جواد
(لغة العرب) لم يدر الشرتوني أن في جنوبي العراق وبلاد العرب مواضع ومدناً منها: السوس والخوز والحويزة والطف وغدير خم، فقلبها بالصورة الآتية: الشوس والجزيرة والحوز والصف وغدير ختم، وهذه كلها لا معاني لها تتفق والمعنى، فلتصحح على ما ذكره هنا حضرة الأستاذ المصطفى المدقق المحقق.
стр. 6073
موقع هوفة
اوبس
(لغة العرب) من المدن العراقية القديمة التي لم يعرف إلى الآن موقعها (هوفة) فإن الباحثين لا يزالون ينقرون عن موضعها، ولما يهتدوا إليها، وفي ما يأتي فصل معرب عن الإنكليزية لأحد هؤلاء العلماء ومن كلامه يتبين عدم قرار فكرهم في هذا الموضوع.
اكثر المشاكل البابلية متعلقة بتحقيق موقع هوفة (اوبس) الصحيح، وعليه أصبحت معرفة حقيقة هذه المدينة القديمة، معرفة صادقة باتة، من أهم الأمور المختصة بالبلدانيات، والتاريخيات، وعلم الآثار القديمة.
وعلينا قبل أن نشرع بتعيين موقع (هوفة) الحقيقي، أن نراجع ما بينه الثقات من مواقعها العديدة، ويجدر بنا أن نخصص قبل كل أمر، الزمن الذي زهت فيه.
وأول تنويه بهوفة يرى هو في رقيم من عصر (انشاغوشنا) مؤسس السلالة الملكية الثانية، في (أرك) في نحو سنة ٣٤٨٨ق. م. بحيث يقال إن أحد الملوك الشمريين القدماء ظفر بملك هوفة وملك كيش.
وذكرت هوفة أيضاً في رقيم (اناتم) ملك لجش، الذي حكم في سنة ٢٩٠٠ ق. م. وروى (أناتم) في رقيمه هذا، كيف تعقب (زوزو) ملك هوفة فقهره، فيمكننا أن نستنتج مما بينوه أن (هوفة) كانت قصبة مملكة قبل نيف و ٥٠٠٠ سنة. وكثيراً ما أشار (استرابون) إلى هوفة في كتبه في سنة ٢٤ ق. م. وبالتالي إذا كان تاريخ سنة ٣٤٨٨ صحيحاً، فنعلم إنها كانت مدينة ذائعة الصيت إلى مدة لا تقل عن ٣٥٠٠ سنة.
وقد تعطف علينا الدكتور (لنغدن) وأحاطنا علماً بأن الاسمين القديمين: أحدهما يوناني وهو (أوبس) والثاني بابلي وهو (هوفة) وكانا يطلقان على (اكشك) ثم حل الاسم (هوفة) محل (أكشك) في أثناء عصر الكشيين، ولكن لم يعلم المؤلف سبب هذا التغيير في الأسماء، كما انه لا يعلم أعثر على الدليل الحقيقي في الرقيم المسماري توجيهاً لذلك التغيير أم لا. ولكن يحتمل أن تغيير الاسم نتج من تغير موقع المدينة الذي حدث بتبدل في عقيق نهر دجلة
стр. 6074
وإذا تمكنا من أن نتحقق معرفة أوبس اليونانية وهوفة البابلية، فلا يكون ذلك أمراً واقعاً
حالاً.
فلندرس الآن الإفادات التي تخص هوفة وأوبس والتي نراها أيضاً في رقم البابليين وفي كتب اليونانيين والرومانيين التاريخية.
وأول إفادة موضعية ذات أهمية؛ ترى في رقم سنحاريب وهي على الثور رقم ٢ في سنة ٦٩٤ أو ٦٩٣ ق. م. فاقتبسنا منها ما يلي:
(رجال أرض الحثيين وهم من مغلوبي قوسي، أسكنتهم نينوى، سفناً عظيمة من شغل بلادهم صنعوا بمهارة، بحارة من صور وصيدا وبلاد اليونان من مقهوري يدي أمرتهم، على دجلة نزلوا بصعوبة في أرض يابسة تمتد إلى هوفة، ومن هوفة نقلوها (أي نقلوا السفن) على البر على مدحرجات (؟) فسحبوها حتى (المدينة؟. . .) وفي قناة ارحتو وضعوها.)
يطلعنا نبو كدر أصر الثاني على الحلقة الثانية من سلسلة الأدلة الموضعية، ويسلم ذلك الملك العظيم إلى أعقابه النبأ التالي:
(شيدت سداً من تراب ارتفاعه ٥ (بروات) فوق هضبة هوفة والى وسط (سفر) ومن شاطئ دجلة حتى الفرات، وجمعت حوالي المدينة على بعد ٢٠ (برواً) مياهاً كثيرة تشابه سيل البحر، وحكمت السد بالملاط والآجر، ليحفظ من أي ضرر كان يأتي به الفيضان).
ونرى إشارة أخرى بارزة في تاريخ هوفة في سنة ٥٥٥ إلى ٥٣٨ ق. م. في تاريخ كورش نبو نئيد وفيها الرفيعة الآتية:
(قهر كورش سكان أكد حين حارب جيشها في شهر تموز في هوفة على ضفة دجلة) ويذكر زينفون هوفة في سنة ٤٠١ ق. م. عند رجوع العشرة آلاف يوناني، ذيالك الرجوع التاريخي، وكان بعد المحاربة القاضية في كناسة، ويروي ما يأتي بعد أن مر بستاكة:
(قطعوا من دجلة في مدة أربعة أيام مسافة ٢٠ فرسخاً فوصلوا إلى نهر فسقس الذي عرضه مائة قدم، وعليه جسر، وكانت ترى هنالك مدينة كبيرة آهلة بالسكان تسمى هوفة).
стр. 6075
ولا نزال نسمع بعد ٧٥ سنة أي في ٣٢٥ ق. م. بأن أوبس مدينة عارمة ويخبرنا عنها (أريان) بما يلي:
(ركب الاسكندر في أول أمره نهر (أولاوس) إلى البحر فاجتاز الخليج الفارسي ودخل دجلة
حتى وصل معسكره، وكان (هيفائستيون) ينتظر رجوعه هناك، وتحت إمرته جيش، ثم واصل الاسكندر سفره إلى أوبس وهي مدينة واقعة على نهر دجلة وأمر برفع جميع الموانع والسدود التي تحول دون طريقه وبفتح جميع القني).
ويروي لنا استرابون في كتابه في السنة ال ٢٤ ق. م. ذاكراً دليلاً فيه بعض الخطورة الموضعية إذ يقول نقلاً عن (أيراتستنس) ما يأتي:
(بعد أن يقترب الفرات شيئاً فشيئاً من دجلة بقرب سور سميرام وقرية تسمى أوبس، وبعد أن يجري في وسط بابل يفيض في الخليج الفارسي).
ويروي هذا المؤلف عند وصفه سير مجرى دجلة ما يلي:
(بعد أن تجري دجلة جرياناً طويلاً تحت الأرض، تظهر ثانية في (خالونيتس) وتجري إلى أوبس فسور سميرام على ما يسمى، ثم تغادر (كردياي) وكل أرض العراق إلى يمناها).
ويخبرنا أيضاً (استرابون) في وصفه لآشور:
(إن الأراضي يتخللها أنهار عديدة أكبرها الفرات ودجلة. وتصلح دجلة لسير السفن وذلك من فوهتها، والى فوق، حتى أوبس، واوبس قرية فيها سوق للأماكن المجاورة لها).
والمؤرخ الآتي ذكره الذي نتوقع منه ذكراً لاوبس هو (بلينيوس) ولكن مؤلفاته لا تنوه تنويهاً صريحاً بوجود هذه المدينة ولا يجوز أن يكون سبب إهماله هذا واقعاً من باب المصادفة، ولا من وهم منه، ولاسيما إنه ذكر في مؤلفاته أسماء بلدان ربما كانت أقدم من سواها، وقد أهمل ذكرها نظراؤه من المؤرخين. أفلا يعقل أن تكون إحدى المدن التي وصفها (بلينيوس) بأسماء يونانية هي بالحقيقية أوبس؟ وذكر لانبريير الفائدة التالية بخصوص اوبس في معجمه التاريخي:
(مدينة واقعة على دجلة سميت بعد ذلك إنطاكية).
стр. 6076
فهذه الإفادة تؤكد لنا تأكيداً لا ريب فيه لما ذكر. وإذا اعتمدنا على أن (لانبريير) أسند روايته إلى أمر واقع، وتمكنا من معرفة موقع إنطاكية من دون معارضة، نتمكن حين ذاك من أن نشير إلى طائفة خاصة من الروابي ونقول للباحث عن الآثار القديمة: امسك بيدك المعول والمجرفة وباشر العمل، ولكن لم يتمكن المؤلف من سوء الحظ أن يحصل في أثناء بحثه أو بمعونة العلماء الشهيرين، على أي برهان يثبت ما بينه (لانبريير)؛ وان يحتمل أن
يكون حدس (لانبريير) صحيحاً. وإذا زدنا على ذلك أننا إذا تمكنا من أن نتحقق بصورة مقنعة موقع باقي البلدان التي ذكرها (بلينيوس) والمؤرخون القدماء، فيمكننا أن نصل بطريقة الانتقاء، إلى افتراض يرضي بعض الإرضاء من الوجهة الموضعية، ويسوغ لنا مقابلته بالإفادات التي وصلت إلينا من الأساتذة القدماء.
وإذا بينا الآن بالتفصيل موقع إنطاكية نقلاً عن بيان (بلينيوس)، فيكون ذاك في محله. ويذكر هذا المؤرخ في بيانه عن أرض العراق ما يلي:
(كانت تعود جميع أراضي العراق في السابق إلى الآشوريين، وكان لا يكسوها غير القرى، اللهم إلا بابل ونينوى، فجمع المكذونيون هذه الجماعات ومصروا مواطنهم تمصيراً، والذي أهاب بهم إلى ذلك العمل كثرة خصب الأراضي. وفي أرض العراق مدينة (سلوقية) و (لاذقية) و (آرمية) فضلاً عن المدينتين المذكورتين. وفي جزيرة العرب أناس يسمون (الأوريون) و (المردنيون) ما عدا إنطاكية التي أسسها نيقانور حاكم أرض العراق فسميت (عربية)).
ويوضح بلينيوس في فقرة أخرى في شرحه عن موقع (إنطاكية عربية) توضيحاً صريحاً فنقرأ ما يأتي:
(إن بين هذه الأقوام وميشان تقع (ستاكة) وتعرف أيضاً باسم اربيلية وفلسطين. ومدينتها ستاكة من أصل يوناني. وتقع تلك المدينة ومدينة سبداتة في الشرق وترى إنطاكية في الغرب بين النهرين (دجلة) و (ترنادوتس) الذي أطلق عليه أيضاً انطيوخس اسم (افامية) وهو اسم والدته).
стр. 6077
يأتي بنا البحث أخيراً إلى مؤلفات هيرودوتس في سنة ٤٣٠ ق. م. ويذكر فيها حوادث زحفه كورش إلى بابل فيروي ما يلي:
(مر كورش بضفة نهر جندس حينما كان زاحفاً إلى بابل، وجندس نهر ينشأ في جبال متانية ويجري خلال أراضي الدردنيين ثم يصب في نهر دجلة. وأما دجلة فبعد أن يصب فيه نهر جندس، يجري ماراً بمدينة أوبس فيفيض في بحر اريثرة. وعند وصول كورش إلى هذا النهر (أي إلى جندس) - ذلك النهر الذي لا يمكن اجتيازه إلا بزوارق - أقبل بعض الخيل البيض المقدسة على الماء، وهي خيل تتدفق فيها القوة والنشاط، وحاول أن
يقطع النهر وحده ولكن جره التيار وأغرقه في أغواره).
وأما معرفة حقيقة جندس فيأتينا (هيرودتس) في فقرة أخرى بإفادة متقنة كل الإتقان، وفي وصفه الطريق الملكية المؤدية من سردس إلى السوس يذكر ما يلي:
(إن عدد مواقع الاستراحة في أرمينية خمسة عشر والمسافة ٥٦ فرسخاً ونصف فرسخ. . . ويتخلل هذه المنطقة أربعة أنهار كبيرة توجب على الإنسان أن يعبرها بواسطة زورق أولها دجلة، والثاني والثالث يسميان باسم واحد مع انهما نهران مختلفان وكل واحد منهما يجري في موقع ممتاز عن موقع صاحبه لأن النهر الذي سميته الأول ينشأ في أرمينية بينما إن الثاني يجري خارجاً من بلاد المتانية والنهر الرابع يعرف بجندس وهو النهر الذي حفر له كورش ثلاثمائة وستين فرعاً ففرقه.
من كتاب (معضلات بابل)
تأليف اللفتنت كرنل و. هـ. لين من الجيش الهندي سابقاً تعريب
فنسان م. ماريني
(ل. ع) قد تنتقل بعض أسماء المواضع من موطن إلى موطن آخر ربما كان بعيداً جداً. ذلك ما حدث في القديم ويحدث إلى اليوم. فاسم بغداد معروف في أميركة مثلاً، ودار السلام معروف في أفريقية. ونظن أن هوفة محفوظة في العراق نفسه باسم (الهفة) (راجع ياقوت) وان لم تكن في موقع هوفة المذكورة هنا.
стр. 6078
في المتحفة العراقية
افتتح جلالة نائب الملك في صباح أول أيلول (سبتمبر) المعرض الموسمي للمتحفة العراقية، وقد شرف جلالته المتحفة في الساعة الثامنة، وحضر الوزراء ورؤساء الدوائر، ورجال السلك السياسي، والقنصلي، وبعض البريطانيين، فطاف الجميع في الغرفة التي وضعت فيها الآثار التي نبشت في هذا العام.
وأكثر هذه الآثار حديثة تعود إلى العهد الفرثي. وفيها قليل من الآثار الشمرية وآثار أور القديمة. وهناك تحف نادرة ثمينة بينها:
آثار إصابتها في أور البعثة المشتركة للمتحفة البريطانية وجامعة بنسلفانية بينها حلي جميلة، وخرز وأدوات زينة مختلفة، تدل على مبلغ عناية الأوريات القديمات بالتأنق، والظهور بمظهر خلاب، تعادلهن فيه نساء (تل عمر) الذي أصاب فيه الدكتور (واترمن) جواهر نادرة كانت تتخذ للزينة.
أما تأنق رجال أور فقد أبقت ذكراه لهذا العهد، تلك المقابض الجميلة التي كانوا يضعونها على عروض كثيرة حتى على رؤوس (دبابيسهم). وبينها أشكال مختلفة تدل على عنايتهم الفائقة بهذا السلاح، الذي يبدو أنهم كانوا يتخذونه أينما ذهبوا.
وبين آثار أور، صفائح مكتوبة، ولم يكن أهل أور لينسون موتاهم من الزينة، ففي المتحفة خرز استخرج من المقابر، بعضها بديع جداً، وهناك أختام أورية أيضاً بالغ أصحابها في نقشها والتفنن بها وقد يكاد المرء يعتقد أن التأنق حصر في سكان العراق الأسفل في ذلك العهد، لولا بعض الآثار التي أصابها في نينوى (كمبيل تومس) من المنتمين إلى المتحفة البريطانية، فعرضت في هذا المعرض ودلت على عناية السكان في شمالي العراق، بأثاثهم آن ذلك ولاسيما بالقسم الخاص بالمأكولات والزيوت منها، فالآثار الباقية من عهد نينوى بديعة، فيها أوان فخارية لا تزال باقية على لونها الذي لونت به وهو لون براق اجتمع فيه الحسن إلى الهندسة فجعل منها تحفة، لها قيمتها من حيث النفاسة كما هي من حيث القدم.
стр. 6079
ولعل أثمن ما في المعرض، رأس نحاسي بالحجم الطبيعي، أصيب في نينوى وهو يعود إلى ٣٠٠٠ سنة قبل المسيح، وملامحه الدقيقة تدل على أن سكان الشمال كانوا يصورون
في المعادن تصوير سكان الجنوب في الكلس والطين.
وهناك في زاوية من المعرض اجانة من (تل بلة) في الشمال، وجدتها بعثة جامعة شيكاغو، التي على رأسها الدكتور سبايزر، ولعلها من الآنية التي كانت تقدم بها العطور إلى الآلهة والأصنام. ويحملها الأمراء وكبار الكهان تقرباً إليها.
ويبدو أن مدينة (تل عمر) كانت ذات مركز كبير في عالم الفنون، وخاصة في العهد اليوناني، فقد عرضت من آثاره تماثيل من حجر متقنة النحت بعضها كاملة، وبعضها ناقصة وكلها صنعت بتناسق لا نتصور أن التماثيل الحديثة تفوقها فيه إذ جسمت فيها أعضاء الجسم الإنساني، أحسن تجسيم، ولم ينبغ الفنان في (تل عمر) بصنع التماثيل وحدها، بل إن هذه الأواني الخزفية المزججة. وبعض المسارج التي عرضت معها مسارج آخر، من (كيش) تدل على إن يده كانت تستطيع تصوير الجمال في كل ما تمسه أن من الطين، أم من الحجر، أم من المعدن، والظاهر إن الأغنياء، والأمراء والكهان، كانوا يشجعون هؤلاء الفنانين، باستخدامهم في منازلهم لصنع الدعائم الجميلة، ونقشها بالأزاهير، وصور الحيوانات. ففي المعرض من هذه أنواع مختلفة، نقشت عليها تماثيل جميلة لبشر، وحيوانات. وهي تعود إلى العهد الفرثي. ومن بقايا آثار (تل عمر) تمثال صغير مقطوع الرأس صاحبه ولد جالس جلوساً طبيعياً، ولعله ابن أحد الأمراء، فكوفئ صانعه مكافأة عظيمة عليه. ومما يلاحظ إن هذه التماثيل الآتية من (تل عمر) مصنوعة كلها من نوع واحد من الأحجار الشمعية اللون وربما جيء بهذه الأحجار من محل بعيد لصنع التماثيل والأصنام في (تل عمر).
وهنالك تمثال أسد أصيب في (تلو) وهو يكاد يكون بالحجم الطبيعي. وقد يكون هذا التمثال، مما اتخذ زينة لقصر الأمير، ليدل به على قوته وجبروته، تشبهاً بأمراء الشمال، الذين كان من عادتهم الذهاب لصيد الأسود وجرها وراءهم في المدينة، افتخاراً ولكن أمير (تلو) اكتفى من الأسد بتمثاله، فزين به باب قصره، أما أور فقد تركت لهذا المعرض عدداً كبيراً من التماثيل الصغيرة والكبيرة،
стр. 6080
ففيه صور متنوعة من طين، وآخر حجرية مختلفة الأشكال، تمثل رجالاً ونساء بمواقف مختلفة، وفيها صور لبعض الآلهة، ومن تماثيلها الكبيرة تمثال كلسي من عهد الأسرة الثالثة، تبدو على شكله الدمامة، وليست فيه رشاقة
تماثيل (تل عمر) وهنالك تمثال أوري آخر، أعلاه إنسان، وأسفله ثور، ولحيته ورأسه آثوريان، وهنالك نصب تبدو عليه آثار نقوش بارزة تحيط بأطرافه.
وفي المتحفة رؤوس لتماثيل شمرية، بعضها من حجر، وبعضها من طين، والآخر من كلس، وكلها جميلة متقنة قريبة بدقتها من تماثيل (تل عمر) مع أنها من عهد طفولة فن النحت وصنع التماثيل.
وفي المعرض رأسا تمثالين، متوسطا الحجم، صنعا من الجبس، وأصيبا في كيش، وهما متشابهان يكاد الواحد يكون نسخة الآخر، ولولا تأكيد بعضهم انهما من كيش، لخلناهما تمثالين لرجلين فرنسيين من عهد الثورة الكبرى، فشكل الشعر الموجود على رأسهما، شبيه بالشعر الذي نراه في صور (مارا) و (دانتون) وتقاطيع الوجه لا تبدو عليها السحنة المغولية المشهورة في بعض التماثيل الأخرى مثلاً.
وثم تصميم لمعبد (اشتر) والظاهر أن المعماري أراد أن يظهر فيه فنه كله فقد رغب في أن يجعله مربع الشكل، ومن ثلاث طبقات، وعند نهاية كل واحدة وبداية الآخرة، تعاريش ونقوش بارزة وفي كل جانب وفي كل طبقة باب أو شباك، زينت أطرافه زينة بديعة، ولا يدرى أتمكن هذا المعماري التركلاني من بناء العبد لمعبودته، أم أن الأيام لم تساعده، فاكتفى بهذا التصميم، فكان يضعه في داره كل ليلة عيد، وينير فيه الشموع والمسارج ويحتاطه هو وأهلوه، فيتعبدون له، وقد يكون لهذا التصميم شأن آخر، إذ ربما صنعه المعماري وقدمه للأمير فعجز هذا عن تقويم المعبد واكتفى بالتصميم تحفة نفيسة وضعها نصب عينيه، يريها لكل زائر، ويقول سأبني، ثم ذهب، ولم يعمل وبقي التصميم في خزائن قصره.
وفي المعرض زينات من (الحضر) و (كيِش) بعضها نقوش أزاهير ونباتات والأخرى تماثيل بشر: حيوانات ناتئة، وأبدع ما فيها مدمر (تمثال نصفي)
стр. 6081
من الرخام وجد في (الحضر) وهو من العهد الفرثي، وصورة أخرى من (الحضر) تمثل أسداً يصرع جاموساً.
وليس كل هذه التماثيل مما جاءت به البعثات الأثرية، ففيها ما عثر عليه لدى المهربين، وأخذ منهم بعد إقامة الدعاوي في المحاكم، والحكم بالمصادرة، وقد عرضت دار المتحفة صورة هذه التماثيل للبيع، وسيبقى هذا المعرض مفتوحاً كباقي غرف المتحفة.
(عن جريدة العالم العربي العدد ال ٣٥، الصادر في ١ أيلول سنة ١٩٣١ ببعض تصرف في الكلام.)
تعصب الجهلاء
داء التعصب يهلك الأقطارا ... ويصير أحجى العالمين حمارا
ولكم على وضم التعصب قطعوا ... أمل العزيز ليأخذوا الأوضارا
أعماهم عن خوض كل حقيقة ... وأخالهم أهل الهدى أشرارا
أنى لعمي أن يروا سنن الهدى ... سنناً يفيض صوى ويشرع نارا
خاضوا الغواية والعماية وأنثنوا ... يكسون أنفسهم جهاراً عارا
فأولاك هم شر البرية مقصداً ... وأخس أبناء الورى أوطارا
لا يأمنون مخالفاً في شرعة ... أو مذهب وتوهموا الأخطارا
هاهم أولاء رؤوسهم قد أينعت ... فمن القطوف لها ليدرك ثأرا؟
حلوا من الإفساد دار إقامة ... ولبئس للفئة الغوية دارا
يبقى العراق مذللاً ما دام في ... حكم التعصب يدمغ الأحرارا
ماذا يعزي النفس عن حوجائها ... يحل دار الظالمين بوارا؟
بل أي عصر أبلج متوهج ... يذر التعصب في العراق مبارا؟
مصطفى جواد
стр. 6082
كنوز هيكل أدب
(تتمة)
وقد سأل بعضهم ما الغرض من وجود تلك الآنية والأمتعة في الهيكل؟ قلنا: الجواب الوحيد هو أن الكهنة وسدنة الهيكل اتخذوها للزينة وللإنارة في معابدهم كما اتخذ كهنة بني إسرائيل المصابيح المنيرة، والقناديل المتقدة دائماً في مجامعهم، وهياكلهم، بل في الدور أيضاً للصلاة أو للعبادة، وبعض تلك الظروف والسرج والمناور، اتخذت لمجرد الزينة، فكان باطنها رحراحاً صغيراً لا يسع إلا بعض قطرات من الزيت وكان ظاهر بعض تلك الأوعية رقيقاً جداً، ويكاد يفنى ويتلاشى من كثرة الاستعمال؛ ويحتمل أن هذه الأقداح كانت مشارب ماء، أما الأوعية الكبيرة، فكانت تتخذ أجراناً لحفظ الماء، وخزن زيت المصابيح. ومنها كانت تستعمل مجامر للبان، وصحوناً يوضع فيها خبز التقدمة وغيره من الأطعمة أمام تماثيل الآلهة، لتحل بركتها عليها قبل تناولها ومنها ما كانت تقوم مقام أباريق للوضوء والتطهير من الأوساخ والأدران، وكان باطن معظم هذه الآنية مغشى بغشاء مادة سوداء، ومنها ما كان نظيفاً جداً وأياً كان الغرض من ذلك الغشاء، فإننا نعلم إنها استعملت لأغراض دينية في الهيكل. وقد دام استعمال هذه الأواني المقدسة إلى عصر البابليين الأخير؛ وكانت منزلتها سامية في معابدهم، إذ كان مفروضاً عليه اتخاذها عروضاً للزينة والزخرف ليزيدوا بذلك هياكلهم رونقاً وبهاءً، حتى قيل إن الرومان واليونان لم يفوقوهم في زخرفة هياكلهم.
أن أهمية الأقداح والقناني، والمشارب، والقدور، والصحون، والأوعية، والمصابيح المنقوش عليها كتابات، كانت أكثر من شقف الأواني الحجرية الخالية من الكتابة؛ لأن الأولى وقفت الأثريين على تاريخ الهيكل والمدينة في أوائل عهدهما، وقد اكتشف النقابون خمساً وثلاثين شظية مكتوبة لا يختلف حجمها وشكلها ومادتها عن الشظايا الخالية من الكتابة.
стр. 6083
وكانت بعض تلك الكتابات محفورة حفراً غير متقن على ظاهر الإناء، ومنها ما كان قد اعتني بكتابته اعتناءً فائقاً. كالإناء المصنوع من حجر الفرفير، فانه آية في الإبداع
والإتقان، وعلى ظاهره وفي باطنه نقوش كتابة بديعة. وقد حفر على كثير من تلك الظروف والأوعية كلمة واحدة هي (إي سار). وفي بعضها وردت كلمة هيكل بعدها لفظة أخرى معناها: (وقف لآي سار).
ولم يرد ذكر اسم آلهة المحل على شظايا الآنية، بيد أن اسم (دنجير مخ) أحد الآلهة الذي عبد في بسمى ظهر على صفائح الشظايا ووجدت طائفة من الأوعية مخطوطاً عليها كتابة أطول من الأولى كان قدمها للهيكل (بركي) ملك كيش.
كانت الشظايا المحفورة كثيرة جداً، وكانت صورها بديعة وعديدة، وشكلها أبسط من الشظايا الآنفة الذكر المكتوبة، والخالية من الكتابة، والحجر الذي نحتت منه كان رخواً وبينها وجدت شظية عليها صورة برج هيكل، وتعد فريدة في نوعها وقد سبق وصفها. وأخرى من حجر أزرق كان عليها صور تنانين وغيرها عليها صورة أوراق شجر غضة موضونة أي قائمة الواحدة منها فوق الأخرى. وملتفة التفافاً يظنها الناظر إليها ورقة واحدة. ومن الأواني ما كان عليها خطوط متوازية وأحدها قطع من إناء ملصق بالقار وهو ذو شكل بديع.
إن أنفس شظايا الأوعية التي أصابها النقابون في خزانة ردم الهيكل، كان منقوشاً ومرصعاً بنقوش بديعة مبهجة، والإناء الذي يستحق أن يصف في مصاف أعلى وأثمن كنوز الآثار المكتشفة في تلك الخزانة الإناء الحجري الأزرق الذي يكاد يكون قائماً وقد بلغ اثنين وعشرين سنتيمتراً في قطر دائرته. أما ارتفاعه لم يتحقق لأن شظاياه كانت مثلمة الأطراف، وقد ركبت شظيتان من شظاياه فظهر عليهما نقش بارز يمثل عشر صور: خمس منها تري موكباً على طرف جبل، وكانت تلك الصور مكشوفة في أعلى صدرها إلى حقويها ويستر عوراتها نقبة (تنورة) تبلغ الركبتين.
стр. 6084
وضفائرها منسدلة على كتفيها وعلى رؤوسها قبعات مزركشة تشبه الخوذ، وفي إحدى القبعات ثلاث أرياش بارزة، ووراءها صبيان صغيران، وفي قبعة كل منهما ريشة واحدة.
إن تلك الأرياش تدل على أن أصحابها من سلالة الملوك، ويظهر أن صاحب الأرياش الثلاث هو الملك، وكل من صاحبي الريشة الواحدة ولده أو ولي عهده. أما الرجلان السائران في مقدمة الموكب، فهما عوادان يوقعان على عودين ليشنفا بنغمهما أسماع أتباع
الملك وحاشيته وللعود إطار من خشب وعلى وجهه سبعة أوتار ممدودة، بيد أن الأوتار أطول من الإطار، وقد تدلت إلى الإمام وكان العوادان يوقعان باليد اليسرى، وهذا خلاف ما نعهده في عصرنا فإن
стр. 6085
الموقعين على آلات الطرب يضربون بيدهم اليمنى.
وقد جاءت صورة أحدهم بهيئة رجل يسرع إلى لقاء الموكب وهو مرتد نقبة متخذة من العاج، مركبة تركيباً دقيقاً في شق صنع لهذه الغاية. أما سائر الصور فكانت في أول أمرها مرتدية نقباً (تنورات) عاجية، غير أنها نزعت منها بصورة من الصور، ولم تحافظ على حشمتها ووقارها. إلا صورة ذلك الرجل الذي خف للقاء الموكب الحافل بالملك وولديه.
كانت جميع الخوذ، والضفائر، والأسورة، والأحذية، والعيون، وأوراق الأشجار الغضة، القائمة على بعد من الموكب، مرصعة ترصيعاً بديعاً، وكانت لم تزل إحدى قطع اللازورد معلقة بأحد الأغصان، أن وجوه هذه الصور كانت تكاد غريبة المنظر، لكبر أنوف ذويها؛ ولم يعثر المنقبون في كل ديار بابل على ما يضاهيها. ومما لا ريب فيه أن أصحابها كانوا من الشمريين الأولين الذين سكنوا ديار الرافدين.
إن حذاقة الفن ومهارة الصناعة في هذا الإناء من أبدع ما يتصوره الفنان في هذا العصر. وبعد هذا الإناء من أقدم العروض وأنفس الآثار التي كشفت في بسمى. ويذهب الدكتور جمس بنكس إلى أن صورة هذا الموكب ناقصة. وعليه أقول: إنه لو أتيح لأحد النقابين العثور على ما تخلف منها في الأنقاض، لظهرت بقيتها تمثل موكب ملك ظافر، أمامه العوادون ووراءه الأميران الصغيران، يتبعهما الأعيان والقواد، وجماهير من الأسرى، ويحيط بهم جنود الملك، ويفصل بينهم وبين أفراد الشعب الذين خرجوا للقاء ملكهم الظافر، الكهنة وهم مرتدون ملابس الهيكل، وفي أيديهم السعف علامة الانتصار والغلبة على الأعداء وهم ينشدون الأناشيد الدينية الحماسية، وبأيدي الرجال الغنائم والأسلاب، وهم جذلون والنساء يهللن فرحات مغتبطات بفوز ملك البلاد العظيم.
وقد وجد في نفايات خزانة الهيكل، شظايا آنية أخرى، ومنها شظية إناء من الحجر الأزرق مرصعة، وأطرافها قائمة، علوها نحو ثمانية سنتيمترات وقطر دائرتها ستون سنتيمتراً، ويطوق أطراف الإناء ثعبانان عظيمان مكوران معاً، وجسماهما مرصعان بأحجار براقة لامعة، وعلى جسميهما الطويلين زرود
стр. 6086
مرصعة بأحجار براقة؛ ولم يبق من تلك الزرود
سوى زردين في أحدهما تسعة ثقوب لتعليق الأحجار، وفي الآخر ثمانية، بيد أن تلك الأحجار قد فقدت ويظهر أن هذا الإناء الكبير كان قد اتخذ في الهيكل، أما للزينة وأما لطرد الأرواح الخبيثة.
وقد عثر المنقبون على شظية أخرى مرصعة، وهي تمثل صورة بقرة ترضع عجلها وأصابوا أيضاً شظية من الحجر الأزرق الأصيفر الرخو طولها اثنا عشر سنتيمتراً ونصف في عرض ستة سنتيمترات؛ وهي منقوشة ومرصعة من الظاهر، أما باطنها فكان محفوراً عليه اسم (بركي ملك كيش) وكان النقش يمثل رأس ثعبان أو تنين، وعينه مرصعة بحجر كريم. هذا وبعض أوان مصنوعة من حجر أبيض، وعليها نقوش مشتبكة التركيب، معقدة الشكل مزينة بأخاديد مملوءة بالحمر، ملصقاً بها حجر اللازورد، ولا يزال في بعض تلك الخطوط المحفورة مواد الترصيع ثابتة في مواضعها.
إن منزلة المصابيح والقناديل والسرج التي وجدت في خزانة نفايات الهيكل منزلة أثرية عظيمة، فضلاً عن إنها سالمة من العطب وبديعة للغاية، وقد ظهر إنها مصنوعة من أصداف البحر. وبعض تلك المصابيح الصدفية كانت صغيرة الحجم، وقد اسودت لتقاوم عهد استعمالها، ووجد مصباح بهيئة صدفة، وقد قطع وصقل فتحول قنديلاً كاملاً، وحفرة صمامها في القعر ناتئة تصلح لأن تكون مغرزاً للفتيلة، طوله ستة عشر سنتيمتراً، وارتفاعه ستة عشر سنتيمترات وعرضه تسعة سنتيمترات. وقد كشف المنقبون أيضاً مصباحاً آخر مصنوعاً من الحجر بالحجم والشكل المار ذكرهما. بيد إن ظاهره مخدد أخاديد متوازية، ووجدوا مصباحاً ثالثاً عليه خطوط مشتبكة ورابعاً عليه صورة رأس كبش وقد برزت من فمه الفتيلة، وأصابوا شظية سراج يختلف عن البقية، فيكاد يكون بيضي الشكل مستوى القعر. علوه ثمانية سنتيمترات، وتكاد تكون أطرافه قائمة، بلبله طويل دقيق بارز، ينتهي طرفه برأس كبش، وفي قعره دعامة تشبه مقبض إبريق مربع، وقد عثر النقابون أيضاً على بعض مصابيح من طين وهي أحدث عهداً من المار ذكرها؛ وعصرها يرتقي إلى زمن استنباط دهان
стр. 6087
الخزف في بابل. وشكل القنديل المصنوع من الطين في ديار بابل؛ كان شائعاً في فلسطين ومصر وبلاد اليونان والرومان وشبيهاً بالقناديل الصدفية، وقد صنع على مثالها.
قال الدكتور جمس بنكس النقابة الأميركي: إني لما كنت في بغداد اقتنيت طائفة صالحة من القناديل والسرج الصغيرة المصنوعة من الصلصال، وقد استخرجت من بين أنقاض إحدى المدن من عهد خلفاء العرب، ولا يزيد حجمها عن صحون الزبد، وكان باطنها مدهوناً بدهان أزرق، وظاهرها خالياً من ذلك الدهان. وهو غير مصقول، ولكل منها بلبل. ونوع هذه المصابيح من عهد علاء الدين، وقد تصور أمام مخيلتي فعل مصباح علاء الدين السحري العجيب. فقلت في نفسي: لعله بينها قلت هذا؛ وفركت بإصبعي أحدها. فخاب ظني إذ لم يظهر أمامي مارد ولا جان، ليدلني على كنوز مطمورة، أو يحضر لي من عالم الخفاء أميرة حسناء.
لقد عثر المنقبون في خزانة نفايات الهيكل القديم على قطع من صور بقرات صغار مصنوعة من الهيصمي ذات أشكال بديعة وهي رابضة على الأرض تجتر. ولا تزال عيونها العاجية وحدقها اللازوردية ثابتة في المحاجر، وعلى ظهور تلك البقرات الحجرية آثار بينة تدل على أن الغرض منها كان تعليقها على جدران الهيكل للزينة، أو إلصاقها بإناء كبير على سبيل التجمل والظهور بمظهر حسن جذاب؛ ووقع في أيدي النقابين أيضاً صفيحة من المرمر عرضها سبعة سنتيمترات، وعلوها خمسة سنتيمترات، وعليها صورة إنسان عريان محفورة حفراً خشناً، وهو يسوق ثوراً وآثار القار والطلاء الأحمر لا تزال ظاهرة فيها، تدل على إنها كانت في حين مطلية بطلاء زاه لم تقو يد الطبيعة على محوه.
ووجد في تلك الخزانة سمك من العاج أسود وأبيض؛ طول الواحدة منها أحد عشر سنتيمتراً. وهيئتها منحنية كأنها تسبح في الماء، بيد إنها مثقوبة من رأسها حتى ذنبها، وهذا يدل على إن أبناء ذلك الجيل القديم كانوا يعلقونها على صدورهم، أو يربطونها بأذرعهم كعوذة لطرد الأرواح الخبيثة عنهم، ووجد أمثال هذه السمكات مصنوعة من الصدف لكنها عديمة الإتقان. ومن تلك اللقى:
стр. 6088
قطط وحيوانات آخر وكلها مصنوعة من العاج، ومنها عقدة شريط وردية من العاج، عرضها سنتيمتران وقد حفر عليها رسم نجم ومرصعة بحجر كريم، لكنه فقد. ووجدت عقدة شريط وردية أخرى أكبر من الأولى، قطر دائرتها خمسة سنتيمترات وهي مصنوعة من الصدف (عرق اللؤلؤ) وعليها رسم نجم أيضاً، ولا أثر للأحجار الكريمة التي رصعت بها في أول عهدها، ويحتمل أن عقود الشريط الوردية
وسائر التحف المصنوعة من العاج والصدف كانت تعلق على ملابس تماثيل الملوك لمجرد الزينة، وأبدع بل أنفس تحفة منحوتة من العاج صورة وعل يرتع فوق شجرة.
لم يعثر النقابون في خزانة نفايات الهيكل على تحف مصنوعة من الذهب والفضة، بل وجدوا قطعاً قليلة من صحون نحاسية منبسطة، وقد علاها الصدأ فتآكلت كل التآكل حتى إنها لم تقو على رؤية النور والهواء؛ ولما رفعها الفعلة من بين الأنقاض تكسرت كسراً عديدة قبل أن تمسها أيدي المنقبين فتفتتت وتحولت تراباً ومما أصابوه مسامير من النحاس عند قاعدة الهيكل. وفي رواقه كشف أسد وصفائح نحاسية من عصور متأخرة في داخلها ثلاث فؤوس من النحاس، طول الواحدة منها أربعة عشر سنتيمتراً ونصف في عرض خمسة سنتيمترات ونصف وعليها كتابة باسم الملك (أي شي أل فا أد دو)، وقد ظهرت هذه الكتابة على صفائح النحاس وعلى ألواح المرمر أيضاً، في وسط صفائح النحاس ثقوب ادخل فيها مسامير كبيرة طول الواحد منها سبعة سنتيمتراً وفي أطرافها خطوط محفورة لكي تثبت في الجدار حينما تنفذ فيه.
أما الأدوات المصنوعة من الحمر فقد وجد في خزانة نفايات الهيكل إناء كبير هو المذكور آنفاً، ووجد أيضاً رأس كبش قياسه أربعة عشر سنتيمتراً عرضاً. وثلاثة سنتيمترات وربع بروزاً، وله قرنان معقوفان ممثلان أحسن تمثيل، وعينان كانتا مرصعتين، وفي فمه ثقب مستدير يصل إلى ظهره المجوف. ويظهر أن ذلك الثقب كان يتخذ منفذاً لمجرى ماء من ينبوع. وفي ظهره ثقوب أيضاً لهذه الغاية. فلعلها كانت فوارة ماء كما هو جار الآن في بعض بيوتات بغداد.
стр. 6089
إذ في وسط أفنية دورها شاذروان ينبجس الماء منه فيندفع إلى فوق ثم يتناثر لآلئ ودرراً.
كانت كنوز الهيكل وخزانة نفاياته ثمينة جداً في نظر الأثريين والمؤرخين، وقد حاول النقاب الأميركي جمس بنكس أن يعثر على كتب الهيكل لكن ذهبت أتعابه أدراج الرياح، فقد كان من عادة البابليين أن يفردوا محلاً خاصاً بخزائن كتبهم. نعم عثر النقابون على صفيحتين مكتبوبتين وقعتا عرضاً من أصحابهما في رابية الهيكل ولكن عند إزالة ما عليها من الملح تفتتت كسراً ولم يوقف على ما فيها من الأنباء.
هذا آخر ما وصلت إليه معاول النقابين في ذلك الهيكل القديم الذي يعد من أنفس الآثار.
وأملنا أن القائمين بشؤون المتحفة العراقية يصونون ذلك الأثر القديم من طوارئ الزمان؛ فقد بات بعد التنقيب فيه ملجأ للصوص ومكمناً لقطاع الطرق. ويجدر بحكومتنا الساهرة على تقدم العراق أن تهتم كل الاهتمام بصيانة آثار البلاد وحفظها من الدثور والطموس.
رزوق عيسى
نظرات
ورد في هذه المجلة ٦: ٢٩ س ٢٥: (٢٧ رجب هو الأيام المعتبرة لدى الطائفة الجعفرية)، قلنا: لأنه يوم بعث فيه محمد بن عبد الله ﵌ بالنبوة.
وفي ص ٣٢ س ٨ (وإذا ذكر صاحب الزمان يقوم الناس على أقدامهم ويقولون: (عجل بالظهور يا صاحب الزمان)) (كذا)، والصواب: وإذا ذكر صاحب الزمان واسمه (القائم) يقوم الناس على أقدامهم وربما قال بعضهم: (عجل بالظهور يا صاحب الزمان) أو ما يقارب معناه.
وفي ص ٩١ س ١: (أكر خسته جاني) الخ ثم فسر الكاتب هذه العبارة بقوله: إذا كنت مريضاً (كذا). وخسته جان ليس بمعنى المريض بل هو الضجر لأن (خسته) بالفارسية معناه التعبان وجان معناه الروح فيكون المراد تعب الروح وهو غير المريض.
محمد مهدي العلوي
стр. 6090
أصل اليزيدية وتاريخهم
١١ - الديك - ديك العرش
لليزيدية تماثيل يطوفون بها في أيام أعيادهم، والتماثيل المعروفة ليست في الحقيقة إلا تماثيل (حمام)، أو (ديك) كما تقدم ولها أصل أساطيري محكي عن عدي بن مسافر. وذلك أن الحادي أو القوال (وردا في البهجة والقلائد بهذين اللفظيين) كان ينشد القصائد الدينية على طريقة الصوفية، وقد أخذ القوم الحال، ونسوا أنفسهم، على ما يشاهد لديهم في أكثر الأحيان إلى اليوم، إذ نادى المنادي بالأذان. فلما سمع الشيخ عدي ذلك، تألم وعاتب المؤذن قائلاً له: (أنزلتنا من العرش إلى الفرش).
وأوضح معنى ذلك. إن ديك العرش كان يصيح بالأذان، فلما أذن المؤذن، غاب عنه صوته، فلم يسمعه بعد.
ويقال أن بعض مريديه طلب إلى الشيخ أن يسمع ديك العرش، فلما بلغ إلى أذنه كاد يموت، وبقي بضعة أيام لا يشعر لما أصابه من الاندهاش.
وحينئذ حصل لهم من صوره لهم؛ وانه رآه فتمكن من إقناعهم وغشهم وصاروا يسمون ذلك المثال (السنجاق) أي العلم أو اللواء. وقد وصفه كثيرون تمام الوصف، ولكن لم يقفوا على أصل المعتقد وتاريخ نشوئه. (راجع كتاب النساطرة وشعائرهم تأليف ج. ب. بادجر).
وما هذا المعتقد إلا قصة خرافية لبس شكلاً مادياً. وهذه القصة لا تزال آثارها عندنا إلى اليوم. وذلك أن الأهلين في الأكثر يقتنون الديك الأبيض، الأفرق العرف، الأزرق الرجلين ليوقظهم للصلاة، ويزعمون انه يصيح كلما صاح ديك العرش، وانه بركة في البيت، كما أن الديك الذي (يقيق) (يصيح) كالدجاجة مشؤوم. ولذا يبادرون إلى ذبحه ولا يبقونه لاعتقادهم أن الأول يطرد الروح الخبيث، وهذا يأتي بما يكره.
стр. 6091
ولا يعلق بهذه الخرافات أكثر من أنها قصص محفوظة لحقها التغير والتبدل فنالت أوضاعاً مختلفة.
المحامي عباس العزاوي
الطاووس
(لغة العرب) لم يتفق الرواة في وصف هذا الطائر الذي له تمثال من معدن، فمنهم من قال انه يشبه (الطاووس) ولهذا يسميه بعضهم (طاووس ملك) ومنهم من يقول انه بصورة ديك غير واضح الشكل. وعلى كل حال أن في أحاديث الصوفية ما يحمل على الظن أن اليزيدية تلقوا معتقدهم عن سلفهم فالذين يظنون أن صورة ذلك (السنجق) تمثل الطاووس، يجدون ما يدعم رأيهم في كتاب قصص الأنبياء للكسائي فقد جاء ما هذا نصه:
((حديث الطاووس ومحاورة إبليس له) قال: فلما سمع إبليس بذلك (بإسكان الله آدم وحواء الجنة) فرح وقال: لأخرجنهما من ذلك الملكوت بعد أن أمرا ونهيا، ثم مر مستخفياً في طرق السماوات حتى وقف على باب الجنة فإذا بالطاووس قد خرج من الجنة وله جناحان إذا نشرهما غطى بهما سدرة المنتهى، وله ذنب من الزمرد الأخضر؛ وعلى كل ريشة منه جوهرة بيضاء لها ضوء كضوء الشمس، ومنقاره من جوهرة بيضاء، وعيناه من ياقوتة، وهو أطيب طيور الجنة صوتاً وتغريداً، وأحسنها ألحاناً بالتسبيح. وكان يخرج كل وقت ويمر في صفح السماوات السبع ويتبختر في مشيته، ويرجع في تسبيحه إلى الجنة، فلما رآه إبليس دنا منه وكلمه بكلام لين):
(أيها الطير العجيب الخلق، الحسن الألوان، الطيب الصوت، أي طائر أنت من طيور الجنة؟
- فقال له طاووس الجنة: فما لك أيها الشخص كأنك مرعوب، أو كأنك تخاف طالباً يطلبك؟
стр. 6092
- فقال له إبليس: أنا ملك من ملائكة الصفح الأعلى من زمرة الكروبيين الذين لا يفترون عن التسبيح ساعة واحدة. انظر إلى الجنة والى ما أعد الله فيها لأهلها. فهل لك أن تدخلني الجنة، ولك علي أن أعلمك ثلاث كلمات، من قالهن، لم يهرم، ولم يسقم، ولم يمت.
- فقال الطاووس: ويحك! أيها الشخص! أو أهل الجنة يموتون؟
- قال نعم. يموتون ويهرمون ويسقمون، إلا من كانت عنده هذه الكلمات وحلف له على ذلك. فوثق به الطاووس؛ ولم يظن أن أحداً يحلف بالله كاذباً.
- فقال الطاووس: أيها الشخص، ما أحوجني إلى هذه الكلمات، غير أني أخاف من رضوان أن يستخبرني، ولكن أبعث إليك بالحية سيدة دواب الجنة، فإنها تدخلك الجنة).
(وهنا جاء ذكر حديث الحية وهو طويل)
وبعد ذلك ذكر حديث إخراج الطاووس والحية من الجنة فقال: (ثم أتي بالطاووس وقد معطته الملائكة حتى انتفض ريشه وجبريل يجره ويقول له: أخرج من الجنة خروج الأبد فانك مشؤوم أبداً ما بقيت. وسلب تاجه، ونتفت أجنحته، ثم جيء بالحية، وقد جذبتها الملائكة جذباً شديداً، فإذا ممسوخة مبطوحة على بطنها، لا قوائم لها، وصارت ممدودة، مشوهة الخلقة، ومنعت النطق، وصارت خرساء، مشقوقة اللسان. فقالت لها الملائكة: لا رحمك الله ولا رحم من يرحمك ومروا بها على آدم. . .) أهـ.
قلنا والذي علمناه من اليزيدية انهم يجلون الحية لأنهم يزعمون: إن سفينة نوح صدمت أنف جبل وهي طافية على الماء، فثقب صدرها، فجاءت الحية وتحوت في الثقب ومنعت من دخول الماء في السفينة. وهكذا نفعت أهل الفلك فنجوا من طامة الغرق. ولهذا تراهم يحترمون الحية إلى عهدنا هذا. وهذا يوافق احترامهم (لطاووس الملك) و (الحية) معاً.
حديث الديك:
أما الذين يزعمون أن اليزيدية يجلون الديك لا الطاووس، فهذا الزعم أيضاً مبني على رواية للأقدمين من المتصوفة. قال الكسائي المذكور في كتابه قصص
стр. 6093
الأنبياء في ص ٢٦ من نسختنا:
(وكان آدم ربما اشتغل بأمر معيشته، فغفل عن الصلاة والتسبيح حتى لا يعرف الأوقات، فأعطاه الله ديكاً ودجاجة، وكان الديك أبيض، أفرق، أصفر الرجلين كالثور الكبير، يضرب بجناحيه عند أوقات الصلاة ويقول: سبحان من يسبحه كل شيء، سبحان الله العلي العظيم، وبحمده يا آدم الصلاة، يرحمك الله. فكان آدم يقوم عند صوته إلى الوضوء ويصلي صلاته، وكان ذلك الديك على باب منزله، فإذا خرج آدم إلى حرثه وزرعه، يسبح الله ويقدسه وصوت الديك على إبليس أشد من الصواعق.
(قال ابن عباس: أحب الطيور إلى إبليس اللعين، الطاووس؛ وأبغضها إليه الديك. فأكثروا في بيوتكم الديك، لأن الشيطان لا يدخل إلى بيت فيه ديك. وقال كعب الأحبار: إذا صاح الديك وقت الأسحار، نادى مناد في السماء من المخاطب في درجة الرضى: أين الخاشعون؟ أين الراكعون الساجدون؟ أين الحامدون الشاكرون؟ أين الموحدون المستغفرون
بالأسحار؟ - فأول من يسمع ذلك ملك من السماء على صورة الديك له زغب وريش، ورأسه أبيض تحت باب الرحمة، ورجلاه في تخوم الأرض السابعة السفلى؛ وجناحه منشور.
(فإذا سمع النداء من الجنة. يضرب بجناحيه ضربة ويقول: سبحان من خلق الرحمة التي وسعت كل شيء. من الذي يشتاق إلى الجنة، جنتك يا إلهي، دار النعيم؟. . .
(قال قتادة: أكثر طيور الجنة الديك، وإن الله تعالى خلق ديكاً إذا سبح تسبح الديوك كلها التي في الأرض، فيهرب منها الشيطان ويبطل كيده، فمن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يشتم الديك. . .) أهـ.
قلنا: يرى من هذا ما يحمل على الظن: إن اليزيدية - وأصلهم من المتصوفة بلا أدنى ريب على ما أوضحه حضرة الأستاذ العزاوي - كانوا يجلون الديك في أول أمرهم، تبعاً لعدي بن مسافر، ثم لما رأوا ما بين الشيطان والطاووس من الارتباط، عدلوا عن إكرام الديك وإجلاله إلى إكرام الطاووس. ونظن أن هذا التأويل وحده يجمع بين آرائهم الأولى، آراء سلفهم
стр. 6094
إلى آرائهم في هذا العهد الذي يجلون فيه الطاووس لا الديك، على ما أكده لنا كثيرون من اليزيدية.
هذا رأينا نعرضه على القراء بكل تحفظ. وعلمه فوق كل ذي علم.
على إننا لا نجهل أن بعض المستشرقين ذهبوا إلى أن معنى (طاووس ملك): (الملك الإله) مدعين إن (طاووس) كلمة يونانية معناها: (الإله) على أننا لا نوافقهم على هذا الرأي؛ لأن هذا مخالف لمعتقدهم، فضلاً عن أن ليس منهم من قال هذا القول الغريب. نعم أن المستشرقين كثيراً ما ينخدعون بظواهر الألفاظ فيذهبون مذاهب شتى لمجرد مجانسة بين كلم وكلم؛ مع أن ذلك لا يكفي ألم يكن هناك من الأدلة ما يدعم ذلك الرأي. وكيف نقبل هذا الخاطر وثم من البراهين ما يحملنا على القول، أن الطاووس الممثل عندهم بتماثيل مختلفة؛ والذي يذكرونه في مجالسهم ومجتمعاتهم هو هذا الطائر المعهود، فضلاً عن أن رواية المتصوفة تؤيد زعمهم هذا. أذن ليسمح لنا أولو البحث أن نقول أن (الطاووس) هنا لا يعني أبداً (الله) بل الطائر المختال، لا غير. فلينتبه إليه.
стр. 6095
عبدة الشمس
١ - تسمية العرب والفرس لهم
كانوا العرب يعرفون عبادة الشمس بالمجوس (راجع لغة العرب ٣: ٣٠٩ ح) والفرس يسمونهم (خورشيد برستان - بالباء التحتية المثلثة الفارسية).
٢ - عبادة الشمس عند الأمم
كان الشنغاريون أي البابليون والكلدانيون القدماء والفنيقيون والكنعانيون يعبدون (في القرون الخالية) الشمس والقمر؛ فكان البعل عندهم الإله الشمس وعشتروت الإلهة القمر (راجع لغة العرب ٢: ٥٤٩ - ٥٥٠) وكان المصريون الذين عاشوا في عهد بعض فراعنة مصر يعبدون الآلهة الكثيرة وكان أكبر آلهتهم الإله الشمس (راجع مجلة اليقين البغدادية ٢: ٣١ - ٣٢) وكان بعض الملوك الاشكانيين في إيران يعبدون الشمس عند طلوعها باسم (مترأ) (راجع دورة تاريخ عمومي لميرزا عباس خان إقبال آشتياني). وفي القرآن: (وجدتها (أي بلقيس ملكة اليمن) وقومها يسجدون للشمس من دون الله) وكانت بلقيس من حمير (بطن من قحطان كان يقيم في ربوع اليمن) وحمير
следующие страницы →