Полный текст (6 158 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
وخليق بي أن اذكر شيئاً من أعمال وأفكار هذا الدكتور الجهبذ قبل توصله إلى نتيجة أتعابه الكثيرة. قلت فويق هذا أنه علق بذهن المخترع من أيام فتوته أن ينشئ لغة جديدة وبقي هذا الفكر ينمو ويزداد على ممر الأيام والسنين نمو جسمه وقامته.
لما كان هذا المستنبط تلميذاً في مدرسة الفنون في ورسوفية فأول ما خطر له أن يحي معالم إحدى اللغات القديمة العلمية المائتة وكثيراً ما تردد في ذهنه وتصور أمام مخيلته أن يتخذ اللاتينية في مهمته ولكن بعد أن تروى ملياً في تلك اللغة المهجورة الاستعمال اعرض عنها، لأنه رأى أن لغة بني الأصفر لا تناسب روح العصر ولا تفي بحاجات الناس فلو كانت تقوم بمطالب العالم وضرائر الأعمال لما اعرض عنها رجال العلم ووضعوها في زاوية الإهمال؛ وعليه رجع الدكتور زمنهوف عن هذا الفكر كل الرجوع.
ولما لوى عنان فكره عن اللاتينية كان لسان حاله يقول أأتخذ الصينية ذات الفعل والاسم والأداة إذ اللفظة الواحدة تصح أن تكون تارةً فعلاً وطوراً اسماً وأخرى نعتاً ولا يستطيع الواحد أن يميزها مهما كان راسخ القدم فيها إلا بإضافة ألفاظٍ أخرى ذات معانٍ مستقلة عنها تمام الاستقلال.
أم اتخذ العبرانية العزيزة عند ذويها والرفيعة المنزلة في أعين أصحابها؛ مع أنها ناقصة المبنى والمعنى، خالية من محاسن الفصاحة والبلاغة مفتقرة إلى صيغة لا فعل التفضيل ونحوها، فأن العبرانيين إذا آثروها أمراً على آخر عبروا عن الأول بكلام موجب وعن الأخر بمنفي كما نرى ذلك جلياً في الأسفار المقدسة فقد ورد في سفر هوشع وغيره (أني أريد رحمة لا ذبيحة) والمراد: (الرحمة عندي خير من الذبيحة). ومثل ذلك شيء كثير ولا يعرب الكلام عندهم بالحروف النهائية كما في اللاتينية واليونانية ولا بالحركات الإعرابية كما في العربية ولهذا كثيراً من ينشأ عن ذلك أشكال والتباس وغموض وإبهام. وماذا
عساني أن أقول عن كثير من الألفاظ التي لا تدل دلالة صريحة على المراد بها فهذه لفظة (عالم) ومعناها (الأبد) إلا أنها لا تدل دائما على مطلق الأبدية بل كثيراً ما ترد للدلالة على مدة طويلة غير معينة وهكذا قل عن غيرها من الألفاظ التي يطول الشرح في سردها وتعدادها.
стр. 632
أم اوجه أنظاري نحو اللغة العربية المعدودة من افصح اللغات وأوسعها في المترادفات؟ مع أنها والحق يقال تفتقر إلى توسيع نطاقها العلمي وتهذيب ألفاظها فضلاً عن وعورة مسلكها في اختلاف حركات مفرداتها وصعوبة التلفظ بحروفها الحلقية وكثرة قواعدها وشواردها في الإدغام والإعلال ونحوهما ووفرة أوزان جموعها حتى أن اغلب الناطقين بالضاد لا يحيطون بها علماً. دع عنك تنازع نحويها الكوفيين والبصريين في أمور ومسائل تافهة جداً لا فائدة فيها ولا عائدة.
أم احيي رفات اللغة الآرامية أي لغة بابل القديمة الباقية آثارها مكتوبة نقشاً على بقايا الأطلال الدوارس في مدينتي بابل وآشور العريقتين في المدنية والحضارة في الأزمنة الغابرة فبعد أن انعم النظر واعمل الروية في هذه الخواطر التي مرت أمام مخيلته مر الأمور المتجسمة عزم على أن يستنبط لغة جديدة لا علاقة لها البتة بغيرها من اللغات القديمة أم الحديثة ومنذ ذلك الحين شرع باستنباط لغة صناعية بسيطة التركيب سهلة المأخذ خالصة من الوعورة والشواذ تمكن الطالب من أن يصرف زماناً يسيراً جداً في تحصيلها وإتقانها بل والأخذ بناصيتها.
ثم اخذ بعد ذلك وهو في الكلية بتأليف كتاب في أصول هذه اللغة أي غراماطيق منتهزاً لذلك الفرص وأوقات الراحة ولم يكن قد جاوز عمره إذ ذاك التاسعة عشرة ولا تسأل عن شدة فرحه عند إنجازه عمله لأنه كان باكورة أتعابه الكثيرة وبعد ذلك أردفه بمعجم موجز. هذا ولكي لا يعجز القارئ الكريم عن سردنا جميع ما افتكر وعمل به وكيف ألف كتبه وجمعها وانتقى الكلمات والألفاظ وبدلها على ما رأى موافقاً لمصلحته. نترك هذه الأمور لمن يريد استقصاء البحث بنفسه وننقل المطالع الأريب إلى سماع ما هو أفيد واحضر.
في سنة ١٨٧٨ ظهرت بعض أعمال الدكتور من حيز الفكر إلى عالم الوجود وسمي لغته الجديدة أي اللغة العامة. ولم يكن قد زايل الكلية إذ ذاك وليس له أشياع ولكن بعد أن
أوقف رفقاءه
стр. 633
على مشروعه واخبرهم بجلية الأمر، وعزمه الذي أحيا الليالي الطوال لأجله، عاهدوه على استعمال لغته الجديدة فيما بينهم، ونشرها في الخارج إذا رأوا لذلك سبيلاً. واستمروا مدة يسيرة يتخاطبون بها إلى أن انهوا دروسهم الطبية، ثم تفرقوا في طول البلاد وعرضها لطلب الرزق أو للآخذ بمهنتهم، وبعد ذلك رأى المؤلف أنه وحيد فريد لا ناصر له ولا معين كما كان في أول الأمر، ثم رأى بنفسه أن في لغته بعضاً من الشوائب وشيئاً من الخلل وهي لا تفي كل الوفاء بالغرض الذي كان يتوخاه، فعزم من جديد على تنقيحها، وقد أصبحت بعدئذٍ اللغة المعروفة الآن بالاسبرانتو.
أن المخترع لم يواصل سيره في مشروعه بعد خروجه من الكلية لأسباب منها تراكم الأشغال على عاتقه، وقصر الوقت الذي في يده لأنه كان يصرف جل أوقاته في الدرس والمطالعة لإتقان المهنة التي ألا على نفسه أن يتعاطاها لتحصيل قوته، وأود معيشته هذا ومشروع مثل هذا المشروع محفوف بعراقيل ومشاكل هذا عددها ليس بالأمر السهل إنجازه. ولما كانت همم الرجال تقلع الجبال ولا تعرف معنى للكلل والنصب بل تنتصر دائما على تذليل العقبات التي تحول دون بلوغ الأمنية، كما حدث مثل ذلك لغيره من مشاهير الرجال والنساء الذين يعدون بالمئات لا بل بالألوف. توفق هو أيضاً في مشروعه هذا فانقشعت غيوم العوائق المتلبدة في سمائه، وحصل على وقت مكنه من أن يستأنف مشروعه المهجور، ويعيد النظر في تحقيق الكلمات وتدوينها والتلفظ بها ويضع لها معاني ثابتة، ثم رسم القواعد، وضبط أصول اللغة كما يجب لئلا ينتقد عمله ويعاب بشيء. فلما أتم ذلك عرض لغته هذه على بعض أصحاب الذوق السليم والنقد الدقيق فاستحسنها اغلبهم. ثم صرف بعد ذلك سنتين كاملتين في البحث والتنقيب عن ناشر لها بين الناس ليعم استعمالها، فلما عيل صبره ولم يعد في وسعه التربص عن بث لسانه الجديد اخذ مسألة الطبع والنشر على عاتقه وطبع كراسة على نفقته في عام ١٨٨٧.
يدعي الدكتور زمنهوف أن من يدرس أصول لغته الاسبرانتية درساً صادقا يحيط بها في ساعة من الزمان، بيد أن ذلك إذا كان ممكنا لبعضهم فهو ليس
стр. 634
كذلك للجميع. إلا أن الواحد قد يحيط بأغلب قواعدها في تلك المدة اليسيرة لأنه لا يوجد فيها أفعال شاذة، ولا تصاريف عديدة، ولا جمع غير قياسي. إلى غير ذلك ويمكنني أن أصرح على رؤوس الملا قائلا:
أنه ليس أمراً مستحيلا أن يتقن المطالع هذه اللغة في شهر واحد إذا كان حاذقاً وله إلمام بإحدى اللغات الأوربية، بحيث يصبح عالما جميع قواعدها ويمكنه التكلم والكتابة بها، وكلمات هذه اللغة لا تتجاوز التسعمائة لفظة قد طوى تحتها جميع الأسماء والأفعال والحروف بصورة متقنة أي إتقان حتى أنها لا تثقل على كاهل المتعلم إذ يستطيع أن يصيغ منها عبارات واصطلاحات ولو كان من أجلاف أهل البادية.
إن الأدوات التي توضع في صدر الكلمة وفي مؤخرها توفر أتعاباً جمة للطالب لأنها تساعده على إنشاء كلمات جديدة مختلفة كما يشاء وبقدر ما يشاء. مثاله لفظة (مال) التي توضع في صدر الكلام فهي تدل على معنى الخلاف أو الضد فإذا أتينا بكلمة أخرى ووضعناها وراءها انقلب معنى الثانية ظهراً لبطن. ثم خذ كلمة (بونا) التي تعني صالحاً أو جيداً فإذا قدمنا عليها وقلنا، (مال بونا) كان معناها رديئاً أو شريراً ومثلها (آلتا) طويل فإذا قلنا (مال آلتا) كان المراد منها قصيراً و (استيمي) اعتبر فإذا قلنا: (مال استيمي) كان معناها احتقر.
وعلامة التأنيث في الاسبرانتو (ان) فإذا أردنا أن نقلب المذكر مؤنثاً أتينا بهذه الأداة ووضعناها قبل الحرف الأخير، وإذا بالمذكر اصبح مؤنثاً مثاله: (فراتو) أخ فراتينو أخت. فبهذه الوسائط والأساليب السهلة يستطيع الإنسان أن يحفظ مئات من الكلمات بوقت وجيز وترسخ في ذهنه اشد الرسوخ لأنها لا تكلفه مشقة تذكر.
وقد أمست الآن هذه اللغة نافعة كل النفع بل تفوق باقي اللغات بنفعها، وذلك لعدة وجوه منها أنه إذا أتقنها الواحد مع لسان قومه وبلاده تكون له بمثابة عدة السن تكفيه مؤونة الترجمان والمصاريف الباهضة التي كان يتكبدها السياح والتجار وغيرهم سابقاً. فلا
стр. 635
عجب إذا رأينا يوماً هذه اللغة قد انتشرت كل الانتشار في أقاصي البلاد وأدانيها بعد أن رأينا فيها من السهولة وقصر الوقت في تعلمها مالا يرى لها شبيه فيما يعهد اليوم من اللغات الحية.
وقد طبعت في ماينيف على اثنتي وعشرين لغة، وترجم إليها افخر الكتب وأنفسها كهاملت لشكسبير الشاعر الإنكليزي الطائر الشهرة والإلياذة لهومرس الشاعر اليوناني الذائع الصيت وغيرها واليوم ينشر بهذه اللغة كتب ومجلات وجرائد عديدة لا محل لذكرها في هذه العجالة وقد اكتفينا بالإشارة عن الإطالة خوفاً من أحداث الملل في نفس القارئ. وبهذا
القدر كفاية.
رزوق عيسى
نقد الجزء الثاني من كتاب
تاريخ آداب اللغة العربية
لجرجي أفندي زيدان
(٢
انتقدنا الجزء الأول من هذا الكتاب النفيس، ووعدنا القراء بنقد الجزء الثاني، وهو يحتوي على تاريخ آداب اللغة العربية في العصر العباسي من قيام الدولة العباسية سنة ١٣٢هـ إلى دخول السلاجقة بغداد سنة ٤٤٧هـ ويدخل فيه تكون العلوم الإسلامية ونقل العلوم الدخيلة إلى نضج العلم في أواسط القرن الخامس للهجرة.
وهذا الجزء بوجه العموم احسن ترتيباً من أخيه البكر واقل أغلاطاً. ولا بدع في ذلك لأن مآخذ المؤلف ومستمداته هنا مدونة قريبة التناول بخلاف مواضيع الجزء الأول. فإن المشارع التي يردها الكتاب بعيدة الشقة والغور ولهذا قل من كتب في ذلك الموضوع إلا وغلط أغلاطاً جمة. وقد فاق المؤلف سواه هنا لأنه بعيد النظر في التاريخ راسخ القدم فيه. ولهذا اصبح تأليفه سنداً يعتمد عليه شاء القوم أو أبوا. على أننا رأينا فيه بعض الأمور نعرضها عليه؛ لعله يرى فيها ما يجيبنا عنها، ويكفينا انتقاده في ما بعد. ونحن نقسم كلامنا هذا ثلاثة أقسام كما فعلنا في انتقادنا عليه الجزء الأول، ونزيد هنا نظرة عامة فيه فنقول:
стр. 636
لا نظن أن أحداً قسم تاريخ آداب اللغة في عصر العباسيين كما فعل المؤلف فأنه أجاد فيه فوق ما يتصوره القارئ، إذ فصل كل عصر بفاصل طبيعي كما نفصل الطبيعة بلاداً عن بلاد، بجبال عالية، أو بأنهر كبيرة، أو بأبحر بعيدة القرار. فكان تقسيمه هذا مما يتبعه كل عاقل منصف. وقد ساقه إلى ذلك ذكاؤه الغريب الذي خصه الله به فنحن نهنئه بهذه الهبة العظيمة ونتمنى له أن تتسع فيه كلما احسن التصرف بها.
من مزايا هذا الجزء انه ذكر آخر كل فصل أو مادة المصدر الذي اخذ عنه وهو أمر عظيم الشأن قل من يلتفت إليه. - ومنها أنه ذكر كتب المؤلفين ومحل وجودها أو طبعها أو ندرتها أو ضياعها وهو من الأمور التي يجعل لهذا السفر قدراً كبيراً جليلاً.
على أننا نرى:
١ - إهماله تاريخ سني الميلاد بجانب سني الهجرة الموافقة لها من الأمور الشائنة بهذا التصنيف الجليل لاحتياج اغلب الناس إلى معرفة هذا التاريخ.
٢ - في المقدمة التي يصدر بها كل عصر أو كل مادة علمية لا يذكر أسماء المناهل التي وردها، وهذه المواد كثيرة في الكتاب فكان ينبغي له أن لا يهمل هذا الأمر المهم. فقد قال مثلاً في ص ٣٣٥. . . فقد أحصوا أطباء بغداد وحدها في زمن المقتدر بالله في أول القرن الرابع للهجرة فبلغ عددهم ٨٦٠ طبيباً امتحنوا لنيل الأذن في التطبيب سوى من استغنى عن الامتحان لشهرته وسوى من كان في خدمة الخليفة. فلا يمكن أن يكون مجموع ذلك كله اقل من ألف طبيب متعاصرين في مدينة واحدة وبلغ عدد أطباء النصارى فقط في خدمة المتوكل بأواسط القرن الثالث للجرة ٥٦ طبيباً. وكان سيف الدولة إذا جلس على المائدة حضر معه ٢٤ طبيباً. اهـ فهلا ذكر أسماء الكتب التي اخذ عنها هذه الأقوال؟
٣ - في بعض الأبحاث إعادة وتكرير بدون فائدة جزيلة كما كرر في نحو نصف الصفحة ٤٣ ما قاله في آخر الصفحة ٤٢ وكرره للمرة الثالثة في تاريخ
стр. 637
نقد الشعر ص ١٥٦ بخصوص نقد شعر الجاهلية. ومن باب التكرير ما ذكره في وسطي الصفحتين ٦٨ و٦٩.
٤ - في ذكر بعض الأعلام الأعجمية ولا سيما أعلام بعض المدن اختلاف في الكتابة أو اختلاف عن لفظها الأصلي كتسميته منخن أو مونيخ مرة منشن (ص ٣٦، ١٧٢، ٢١٣، ٢١٦، ٢٤٨، ٣١٥، ٣٢٢ الخ وطوراً مونيخ ص ٢١٨ والأصح أن يقال منخن أو مونيخ ويتخذ الكاتب إحدى الصورتين لكي لا يوهم انهما مدينتان مختلفتان، أو ينبه على اختلاف اللغتين، وعلى أن المراد بهما مدينة واحدة. وسمى المدينة الهندية دهلي باسم دلهي ص ٣٢٤ والأصح الأول كما ذكرها ابن بطوطة وصاحب التاج وغيرهما. نعم أن الإفرنج يقولون دلهي لكن لا خطب في اتباع لغة العرب في هذا المقام. وذكر ص ١٥٦ مدينة جينا والأصح المشهور هو جنوة أو جنوى. إلى غيرها.
٥ - كثيراً ما ينتقل من التخصص إلى الإطلاق ومن التبعيض إلى التعميم كقوله في ص ٥٣: (وكثيراً ما كانت تعقد مجالس الشعراء لغرض أدبي كوصف منظر أو أداة كما فعل الهادي إذ استقدم الشعراء إليه واقترح عليهم أن يصفوا سيفاً أهداه إليه المهدي وهو سيف عمرو بن معدي كرب. . .) والحال: كان عقد مثل هذه المجالس لمثل هذه الغاية قليلاً فكان الأحرى به أن يقول مثلاً: وقد كانت تعقد مجالس الشعراء. . . . أو وربما عقدت مجالس الشعراء. . . . أو نحو هذا التعبير.
وكذا قال في تلك ص:. . . وكثيراً ما كان الرشيد يعقد المجالس للبحث في معنى بيت. فلو قال: وكان الرشيد يعقد أحياناً المجالس للبحث، لكان كلامه اقرب إلى الصدق وواقعة الحال. - وغير مثل هذا التعبير في ص ٥٤ وكأنه قد ألفه فلم يحل عنه.
٦ - نسي ذكر سني بعض العلماء أو الشعراء أو الأدباء كمنصور النمري (ص ٧٩) وأبان بن عبد الحميد (ص ٨٢) ومطيع بن اياس (ص ٨٦) ومحمد بن بشير الرياشي (ص ١٩) وربيعة الرقي (ص ٩٣) وسهل بن هارون (ص ١٣٤) وغيرهم
٧ - يحتاج هذا الكتاب إلى فهارس هجائية حتى يسهل التنقير عن بعض أعلام الرجال ولا شك أنه يفعل ذلك عند نهاية الكتاب.
стр. 638
٨ - في ذكره سني وفيات العلماء لم ينص أبداً إلا ما كان على رأي واحد، بينما أن المورخين يذكرون لبعضهم وفيات مختلفة السنة غير متفقين فيها. مثال ذلك: أبو عمرو بن العلاء توفي سنة ١٥٤هـ مع أن كثيرين قالوا أنه توفي سنة ١٥١ وبعضهم قالوا سنة ١٥٩ فلماذا لم يذكر هذا الاختلاف. ومثله أبو عبيدة معمر بن المثنى فقد قال عنه أنه توفي سنة ٢٠٩ مع أن منهم من قال أنه توفي سنة ٢٠٨ ومنهم من قال بل في سنة ٢١٠ وخالفهم آخرون فقالوا أنه طوى أيامه سنة ٢١١ ومثله الأصمعي فقد جعل وفاته في سنة ٢١٤ مع أن بعضهم قالوا أنه توفي سنة ٢١٥ وبعضهم ذكروا سنة ٢١٦. وهكذا أبو زيد الأنصاري فقد اختلفت الروايات في سنة وفاته بين أن كانت ٢١٤ أو ٢١٥ أو ٢١٦ وعلى هذا المثال قس سائر الوفيات كسنة وفاة أبي عبيد القاسم بن سلام فأنه جعلها في سنة ٢٢٣ والحال انهم اختلفوا فيها بين ٢٢٣و٢٢٤و٢٣٠ وبهذا القدر كفاية. فكان ينبغي له أما أن يتحقق السنة التحقق الأقصى وأما أن يورد اختلاف السنين على اختلاف الآراء. وأما أن يذكر السنة ويقول أنها رواية الكاتب أو المؤرخ الفلاني.
٩ - ضبط بعض الأعلام ضبطاً مخطوءاً فيه أو غير مشهور كضبطه مطيع بن اياس (ص ٨٦) بفتح الهمزة والأصح بكسرها كما نبه عليها صاحب التاج وضبطه ص ١٨٧ المفضل بن سلمة بسكون اللام من سلمة والأصح بفتحها. وضبطه (ص ٨٣) ابن مناذر بضم الميم مع أنه يجوز فيها فتحها كما قال صاحب التاج وهذا نص عبارته: ابن مناذر بالفتح ممنوع من الصرف، ويضم فيصرف. اهـ. وضبطه الرقاشي بضم الراء والأصح
بفتحها كما ذكره صاحب التاج واللسان وغيرهما وحماد عجرد وضبط عجرد بفتح الراء والأصح بكسرها وزان زبرج ولو أردنا أن نأتي على جيمع مضبوطات أسمائه لطال بنا الكلام. في هذا المقام. فاجتزانا بما ذكرنا من باب التنبيه والتنويه لا غير. - وهذا كافٍ بخصوص النظرة العمومية فيه، بقي أن ننظر إلى الأغلاط التي وقعت فيه من طبيعية ونحوية أو لغوية وفكرية. والله الموفق لسبيل الحق والصواب.
٢ - أغلاط الطبع
حروف مطبعة الهلال حسناء، لكن يظهر من مطالعة الكتاب أن المنضدين لا ينقحون ما يصلح لهم. ودونك الدليل على ذلك:
стр. 639
ص ١٢ س ٢٢ للاولى الألباب، صحيحه: لأولي الألباب، بدون ال التعريف
ص٢٩ س ١٦ ازدشير بالزاي المنقوطة والأصح اردشير براءِ مهملةٍ تبعاً للأصل الفارسي.
ص ٣٨ س ٢٤ وضيار شمبر والزاتينج والروجون والأصح وخيار شنبر والراتينج والزرجون.
ص ٣٩ س ١ والجنزار والأصح: الزنجار بتقديم الزاء المنقوطة على النون والجيم.
ص ٤١ س ١٣ والملايات والأصح والملاء وعلى ضعف الملاءات.
ص ٤١ س ١٦ يشأؤون. صوابه يشاؤون بألف بعدها واو مهموزة مضمومة يليها واو ساكنة.
ص ٥١ س ٢٠ ولا يكادون يفترقون ويهجو بعضهم بعضاً. والأصح: إلا ويهجو.
ص٥١ س ٢٧ تقذفانها (٣). ونسي المنضدان يذكر في الحاشية اسم المعتمد عليه.
ص ٥٥ س ٣. في الهيأة الاجتماعية، صوابه الهيئة الاجتماعية. هذا فضلاً عن أن الهيئة الاجتماعية بمعنى المجتمع البشري من مصطلحات الترك لا من أوضاع العرب.
ص ٦١ س ١٧ أنه هو وبشار وأبا العتاهية. صوابه: وأبو العتاهية.
ص ٦٣ س ١١ وندمائه. صوابه وندماؤه لأنه مرفوع في العبارة.
ص ٦٣ س ٢٢ فلامرئ القيس: صوابه وصل الهمزة الأولى من امرئ.
ص ٦٤ س ١٥ وإذا المطي بنا بلغنا محمداً. والأصح بلغن بدون ألفٍ.
ص ٦٥ س ١٤ صورة المشتري لدى بيت الليل والشمس أنت عند انتصاب والصواب: ببيت البد.
ص٦٧ س ٢٥ ولا يك. صوابه. ولم يك
ص ١٧ س ١٤ في همدان والأصح بذال معجمة في اسم البلدة
ص ٨٠ س ٢٥ مخبوأة والأصح مخبوءة
ص ٨١ س ٦ احذى الغانيات والأصح إحدى
стр. 640
ص ٨٥ س ١٥ وكان شديد التشعب والعصبية والأصح التشيع وفي أعلى الصفحة رقم ٧٥ والأصح ٨٥
الصفحة رقم ١٩ منتجعاً بشعره ولا متصد. صوابه: ولا متصديا
ص ٩٣ س ٢ بالمشرفات النوادر (؟) بنون موحدة فوقية وقد وضع وراءها علامة الاستفهام. والأصح بالمشرفات البوارد بباء موحدة تحتية. يقال برد السيف أي نبا.
ص ٩٦ س ١٥ بالسياسة أو الشعر أو الخطابة به. . . الفطر. . والأصح بالسياسة. . . أو الخطابة. . . الفطرية
ص ١٠١ س ٢٢ الرواي والأصح الراوي
ص١٠٥ س١٩ المتقدم ذكر. صوابه المتقدم ذكره
ص ١٠٧ س ٤ والفرست. صحيحة: والفهرست
ص ١٠٩ س ٩ إلى الشعراء الإسلامين. صوابه: الإسلاميين
ص ١٢٤ س ٢٣ مشائخها والأصح مشايخها بالياء لأن اللفظة يائية الأصل
ص ١٢٧ س ١٨ خرح صوابه خرج بالجيم المنقوطة
ص ١٣١ س ٤ بادئ وقد نقط الياء بنقطتين تحتيتين ووضع عليها همزة. ومثل هذا الضبط كثير في الكتاب واصح هنا وضع الياء مهملة عليها همزة قطع.
ص ١٣٣ س ٢٧ مساويها. . . المساوي بباءين تحتيتين والأصح بهمزة في كليهما لأن الهمزة أصلية
ص ١٣٤ س ٢٤ لحساسة نفوسهم. والأصح لدقة حس نفوسهم.
ص ١٤٠ س ٧ في لاهون والأصح في لاهور براء مهملة في الآخر.
ص ١٤٢ س ١٩ فتقفدني والأصح فتفقدني بتقديم الفاء الموحدة على القاف المثناة.
ص ١٤٤ س ١٦ في الموطأ. وجعل الهمزة فوق الألف والأصح جعلها تحتها.
ص ١٤٥ س ١٣ لم يتضج. صوابه: لم ينضج بنون بعد الياء
стр. 641
ص ١٤٥ س ١٨ دعهم، صوابه: دعتهم
ص ١٤٩ س ٤ السايب والأصح السائب
ص ٩ والموؤدات. صوابه. والموؤودات. بثلاث واوات.
ص ١٥٦ س ٢١ وص ١٩٥ س ٢٥ الأنذر يسير. والأصح الأنزر يسير. ومثلها كثير
ص ١٥٨ س ٥ إلى أصلة صحيحه إلى اصله
ص ٦ من المعاني لم يسبق إليها صحيحه من المعاني التي لم يسبق إليها
ص ١٥٩ س ٢٤ سايّر وقد وقعت شدة على صورة الياء بدلاً من الهمزة ومثلها كثير
ص ١٦١ س ٢٧ وبايعوا لابن المعتز والأصح وبايعوا ابن المعتز
ص ١٦٦ س ١٤ والتدبر بما اطلعوا عليه. صوابه وتدبر ما اطلعوا عليه أو والتدبر لما اطلعوا عليه
ص ١٨٨ س ٢٣ والمكائد والأصح والمكايد بالياء لأنها أصلية ومثلها كثير.
ص ١٨٤ س ١٢ نعم وبؤس صوابه نعم وبئس
ص ١٨٨ س ١٤ الغضى والأصح الغضا بالألف القائمة
ص ١٩٠ س ٩ أخباها صحيحة أخبارها
ص ١٩٤ س ١٥ وتوفي في سر من راى ونقط ياء رأى بنقطتين والأصح إهمال الياء
ص ٢٠ التاويخية. صوابه التاريخية
ص ١٩٨ س ١٧ ولو سئلوا عن معنى الإلحاد ما عرفوه. والأصح لما عرفوه
ص ٢٠٠ س ١٠ وقد طبع كتابه هذه والأصح هذا
ص ٢٠٧ س ٣ لا نزال صوابه لا تزال
ص ٢٠٨ س ٢ أبو حنفية والأصح أبو حنيفة
ص ٢١١ س ١٢ النسائي والمشهور الفصيح النساي بوضع الهمزة تحت الألف لا وراءها
ص ٢١٩ س ١ الدائين والأفصح المشهور الدآءين بفصل الهمزة عن المدة والياء
стр. 642
ص ٢٢١ س ١٦ الاسكندية صحيحه الإسكندرية
ص٢٢١ س٢١ المملكة لإسلامية صحيحه المملكة الإسلامية
ص ٢٢٣ س ٨ الذي نحن شانه صحيحه الذي نحن في شانه
ص ١٠ ووزارء تصحيحه ووزراء
ص ١٨ من الجيلان صحيحه من جيلان
ص ٢٣٣ س ٧ فضلاً الثالث. فضلاً عن الثالث
ص ١٨ والمرضوع. والموضوع
ص ٢٣٨ س ٢٣ والاذويسة. والاوذيسة بتقديم الواو على الذال المعجمة
ص ٢٤٠ س ٢٧ وجاء بعده ابن ارفع راس شاعر المامون صحيحه راس شعراء المامون
ص ٢٤٢ س ٢٧ وجعل كل قديم حديثاً في عصره، وكل شرف خارجية (كذا) في أوله. والأصح. . . وكل شريف خارجياً في أوله. والخارجي من يسود بنفسه من غير أن يكون له قديم.
ص٢٤٤ س ١ ومعائب والأصح ومعايب
ص ٢٤٧ س ٢٣ التعالبي. . . تيمة الدهر والأصح الثعالبي. . . يتيمة الدهر
ص ٢٤٩ س ٢٥ بالقصائد والأصح بالقصائد
ص ٢٥٥ س ٥ من مشائخ الشعراء والأصح مشايخ
ص ١٦ باصفان والأصح باصفهان
ونقف عند هذا الحد من أغلاط الطبع لئلا يطول بنا الكلام إلى الملل والسآمة
لباس الحيوانات وتنكر أزيائها
أن من نظر إلى الطبيعة نظرة مدقق، ووقف بين يديها وقفة محقق، يأخذه الدهش، ويعتريه الدله، مما يتثبته من وجود الوفاق والوئام في أجزائها،
стр. 643
وارتباط بعضها ببعض ارتباطاً محكم العرى، مجدول القوى. انظر إلى هذه النباتات على أنواعها، ترها قد خلقت صالحة للبيئة التي تحيا وتموت فيها صلاحاً ليس وراءه شيء. وإذا أمعنت في النظر، فجاوزت فيه تخوم النبات، فبلغت مملكة الحيوانات، ترى هناك من الوئام والوفاق بين الحي وبين الوسط الذي ينشأ ويعيش ويقضي أيامه فيه، ما لم يمكنك إلا أن تقضي منه العجب العجاب.
أن الطبيعة تحن على كائناتها ولا حنو الأمهات على أولادهن، فأنها قد هيأت لها جميع الوسائط، وذرعتها بكل الوسائل، لتعيش وتدافع عن كيانها مدافعة امهر القواد في ساحة الوغى، ولولا غريزة التنكر والدهاء، التي خصتها الطبيعة بالحيوانات، لما قدرت أن تهرب من الأخطار العديدة التي تتهددها في كل آونة، وتفلت من قبضة أعدائها القاعدين لها بالمرصاد. فبهذه الغريزة نتمكن من تغيير الوانها، وتبديل أزيائها تغييراً يجعلها تختلط بوسطها اختلاط الماء بالخمر، حتى لا تكاد تتميز عما يحيط بها، وقد تأخذ بعضها صورة نبات أو جماد احسن اخذٍ حتى تقلدها أبدع تقليد أو تتشبه بحيوانٍ فتظنه هو بعينه، ومع ذلك ليس هناك من رابطة قرابة.
١ - ألوان الحيوانات
أن ألوان الحيوانات تتضارب بتضارب مناخ موطنها؛ واختلاف إقليم بيئاتها فهي توجد في الفلوات الواسعة الرملية، والسهول التي يكسوها الجليد، والإحراج الظليلة، والجبال، والمروج، والمستنقعات، والأنهر. فتتعدد ألوانها بتعدد مواطنها، وتتردى برداء يناسب محيطها.
فالحيوانات التي مسكنها فلوات أفريقيا الواسعة الأطراف، الممتدة الأكتاف، تمتاز بوحدة لونها الآدم؛ ويخال الناظر إليها أن الشمس قد لوحتها، كما تصهر حرارتها رمل صحرائها التي تتوغل فيها هذه الحيوانات مثل الأسد والجمل والغزال.
فلنقف هنا قليلاً ونسأل: هل يمكن أن يرجع هذا الأمر إلى العرض والاتفاق؟ لا لعمري، فأنه محتوم، بل لا مندوحة عنه، تتطلبه مصلحة تنازع البقاء. فلنفرض أسداً أخضر اللون، أو سماويه، أو مرقطاً كالحية، أم
стр. 644
لامع الجلد لمعان ريش الببغاء ففي أي بقعةٍ من القفر يختفي هذا الأسد، إن لم يكن له ملجأ إلا الصخر الاجرد، أو الرمل القاحل؟ أفلا تستوقف ألوانه الزاهية الصيادين الذين يمرون به؟ أو لا يضحى لهم غنيمةً باردة؟ هذا من جهة دفع الخطر عن ذاته وأما إذا طلب الرزق لنفسه، فمهاجمته لفريسته تكون صعبة جدا، لأنها تراه حينئذٍ فتهرب منه لكونه عدوها.
فبوحدة اللون يتيسر للأسد أن يباغت الغزالة أو البقرة، ويهجم عليها على حين غرة منها، وبهذه الوسيلة نفسها تختفي كل منهما عن عيني عدوها وراء صخرة من الصخور، ويختلط لونهما اختلاطاً تاماً، فيمر على مقربةٍ منها ولا يشعر بها.
لننتقل من هاجرة دائرة الانقلاب، إلى شتاء الأقطاب القارس، تر أن المنظر يخلف اختلافاً بيناً عما سبق، فلا تشاهد ثم، إلا سهولاً بعيدة الأكناف، مغطاة بالثلوج، قد تراكم عليها الجليد، واشتد فيها البرد، وساد عليها السكوت؛ لا بل تبقى أرضها وبحارها مدفونة مدة أشهر مسجاة بكفن ابيض. فحيوانات هذه الأرجاء تتزمل برداء يقيها شر الثلوج، ولون ذاك الرداء ابيض ناصع كالثلج فتذهب وتؤوب راخية البال لا تخشى طارقاً في تلك البيئة التي يشبها أدنى لونٍ، ويهتك سر وجود سكانها للعيان.
لنتوغل الآن في الغابات، وندخل احراج أميركا، وأزوار الهند المشتبكة الأشجار. فماذا نرى؟ نرى جماعات من الشجر فيها الكبيرة والصغيرة، القديمة والحديثة، فيها النباتات المتشبثة بأخواتها تلتف حول الأغصان كأنها الأفعوان وكثيراً من الخنشار المتشجر. فجميع تلك البقاع هي عبارة عن قطعةٍ واحدة من النباتات الخضراء الناضرة، والأزهار البديعة، لكنها وعرة المسلك، لا يمكن أن يمر بها الإنسان إلا بكل عناء أو بشق النفس، لأنه لا يوجد فيها مخرف. فياله من منظرٍ بديع يخلب الألباب! ومما يزيده حسناً على حسنٍ، نفوذ أشعة الشمس بين الأوراق، فتبين تلك الأمكنة كأنها منورة بنورٍ صنعى، تقاطعها الاظلال والأشعة. فهناك تختفي حيوانات رائعة لها في ذلك التواري غاية، تعود عليها بالنفع، لحفظ كيانها وقيام وجودها.
стр. 645
هناك يكون شعر الحيوانات الموجودة فيها، ارقش أو منقش بألوانٍ
مختلفة، كالنمر، والفهد، فكأن المحيط قد اثر عليها تأثيراً ظاهراً، وصبغها بألوانٍ مرقطة، تشبه جذوع الأشجار؛ والأوراق التي ترى تارة تخرتها الأنوار وطوراً تبقى في الظل.
أن ما قلناه عن لون الحيوانات التي تعيش في الأراضي الرملية، وعلى الثلوج، وفي الغابات، يصدق أيضاً على لون الحيوانات التي تعيش في المروج فأنها تمتاز بخضرة لونها، مثل الضفادع، وبعض الحيات، والحيوانات الصغيرة بالعموم، من نوع الزحافات، والضفدعيات، التي تزحف أو تعوم أو تختفي في الكلا والبطائح.
٢ - التلون الظاهر
هل تريد برهاناً حسياً يؤيد صحة مذهبنا، ويدعم صدق مقالنا، أي أن لون الحيوان تعينه طبيعة البقعة التي يسكنها ثم إذا طرأ على الأرض طارىء، وتغير لونها. تسوقه حالاً غريزته إلى تغيير لونه؟ - خذ قرة (ضفدعة صغيرة) وضعها على ورقة خضراء يخضر لونها؛ ارفعها من هناك ودعها على جذع شجرة مرقط قاتم اللون، فلا تبطئ أن تبدل لونها، ويضحى لباسها ارمد، مائلاً إلى القتمة؛ ثم اجعلها على مقربة من شيء معدني، فتتلون باللون الذهبي. ولكن أين هذا التغير من تلون الحرباء الذي يضرب المثل بتقلبه؛ فأنه ينتقل من حالة إلى حالة أخرى خاضعاً لبيئته؛ فيظهر تارة دويبة دميمة الخلقة؛ وطوراً حسناء، ومرة يتلون بأي لون شاء من ألوان قوس قزح الجميلة؛ وأحياناً يستقر على أرض جرداء فتراه حينئذٍ ادكن اللون؛ وهو يخضر إذا وقف على الأعشاب والأوراق، وقصارى الكلام أن المتفرج عليه يظن أن الألوان تنعكس فيه، وذلك لشدة الائتلاف الموجود بينه وبين محيطه، وهذا التبدل يجري مجريين في المسألة: أولاً، يقي الحرباء من حملات أعدائه عليه، ثانياً؛ يواريه عن أعين الدويبات الصغيرة التي يصطادها قوتاً له. فالحرباء يقعد لفريسته بالمرصاد ساعات طوالاً صابراً متشبثاً بالاغصان، حتى يتمكن من اصطيادها، فيمد إليها لسانه الطويل الدبق ويسترطها هنيئاً مريئاً.
стр. 646
٣ - تضاد الليل والنهار
كما أن ألوان الحيوانات تختلف باختلاف الاقليم؛ فلاختلاف المناخ والنور والظلام اليد الطولى في منظر الحيوانات. كيف لا والتضاد الدائم الموجود بين النور والظلام ظاهر في
كل الموجودات من حي وجامد. فللطبيعة لوحان: الواحد، لامع مبهج تظهر عليه سيماء السرور والابهة، وهو لحيوانات النهار المزدانة بألوان زاهية. واللوح الثاني، مصمت محزن يقبض القلب ويكرب النفس وهو لحيوانات الليل والغسق.
أن ألون حيوانات النهار لامعة لمعان نور الشمس، كالفراش التي يتبعها الأولاد في المروج، وكطيور المناطق الحارة البديعة المزينة تزييناً عجيباً فتاناً، تبهج ألوانها الناظر، وتسر الخاطر؛ ويصدق أن يقال فيها أنها حلي الطبيعة. أما حيوانات الليل فهي متردية بلباسٍ حزين يوافق ظروفها، ويناسب أخلاقها، ورداؤها رداء الظلام والسكون لونه ارمد أو أطلس. تراها ساكنة حزينة كئيبة قاتمة اللون. ويكفينا أن نذكر الضبع التي جلدها اطلس، وشعرها خشن، ومنظرها خداع، كل ذلك دلائل باهرة على أخلاق المكر والغش الموجودة فيها.
ومن حيوانات الغسق الخفاش ولونه اصحم. وما لنا وهذا الإسهاب الممل فأن طيور الليل اجمعها تظهر لنا مشؤومة الطالع، كالبوم، والخبل، والهام، ومثلها أبو الهول. أننا نكره هذه الحيوانات لما في لونها من لون الحداد ولكن ما الحيلة، وهي لها احسن واقٍ تمكنها من أن تطلب رزقها راخية البال لاختلاط لونها بلون السماء وتصطاد وترتزق بدون أن يداهمها خطر أو يهاجمها عدو؟
٤ - في أعماق البحار - بين السراب والماء
أن هذا الوفاق المدهش بين الكائن ومحيطه يشاهد حتى في أعماق المياه، وإن قلنا أنه يبلغ اشده هناك لما أخطأنا المرمى، لأن شفوف الماء الأزرق، واختلاف تركيب قعور البحار والأنهار، التي تكون تارة رملية، وطوراً حجرية، والتغيرات الفجائية الحاصلة بين الظل والنور، وانعكاسات الأشعة
стр. 647
في المياه وتموجها فيها تؤثر في الحيوانات البحرية تأثيراً عظيما. ولهذا نراه في حركة دائمة يتبدل لونها ويتغير شكلها تغيراً فجائيا ومضطرباً كالوسط الذي تسبح فيه. مثال ذلك أن القريدس وذا المنشار لا يتميزان عن المياه الراكدة إلا بكل جهد، لأن لونهما شفاف كالزجاج الشديد النقاوة، وليس فيهما لون أو بقعة تخالف ما يجاورهما فيظهر وجودهما للعيان. أما السرطان البحري الذي يعيش في السواحل، فهو على خلاف ذلك، فأنه يتلون بألوان مختلفة يتوارى بها عن الأبصار فيختلط ببيئته ويفوز
بالأمان. والبقع الموجودة على قشرته تكون سمراء أو غبراء أو حمراء بموجب لون حبوب الرمل المختلفة التي تحيط به. ومن الغريب أنه إذا وجد في غدير ماؤه ضحل أسرع وانحدر إلى قعره وأثار الرمل حواليه حتى يتغطى به فيتوارى حينئذٍ عن الأبصار بتاتا. وإذا انحدرت الأسماك المفلطحة، كسمك موسى والكنعد وغيرهما إلى قعر الماء، لا تبطئ أن تحرك زعانفها بكل لطافة، وتلقي عنها الرمل وتبقى هناك، كأنها مدفونة بجملتها، ولا يظهر منها إلا أرؤسها وأعينها. ويمكننا أن نقف على مثل هذا المشهد الغريب أن أنعمنا النظر في إحدى محافظ الأسماك التي تحبس فيها للفرجة وللاطلاع على أخلاقها وعوائدها. هذا وكل ما ذكرناه عن مهارة الأسماك ولباقتها في التواري عن الأبصار لا يعد شيئاً بازاء الغريزة التي فطرتها عليها الطبيعة، أي أنها إذا عامت على وجه الماء كان لونها أقتم أو أزرق أو اربد؛ وإذا بلغت القعر أصفر فجأةً. وهي تساق إلى هذا التلون وإلى مطابقتها للون الرمل الذي تستقر فيه بفعل غريزتها. وإذا تغيرت ألوانها صعب تمييزها عما يجاورها إلا على من لا تفوته حيلة أو تطور أياً كان.
وما قلناه عن الوسائل التي تتذرع بها الحيوانات المائية تشبهاً بالجوار لتختفي عن أعين المراقبين، يصدق أيضاً في الأخطبوط فأنه إذا قام على صخرة دكناء أزرق لونه وقلص ذراعيه وأحنى ظهره فأشبه بخدعته هذه، صخرة قديمة الأيام قد أكل الدهر عليها وشرب. ولا يطيش سهمنا إن لقبناه بحرباء البحر إذ أنه يبدل لونه الأزرق الكمد بسمرةٍ شديدةٍ ويحاكي لون المياه الكدرة على حد ما يتلون الحرباء في البر.
يوسف رزق الله غنيمة
стр. 648
أشباه السفن في العراق
١: (الاستيم بوت أو الاستيم بوط) لفظة حديثة الدخول، إنكليزية الأصل، معناها بالعربي (مركب بخاري) جئ به إلى بغداد قبل ٨ سنين. وهو مركب صغير طول الكبير منه اليوم قراب ١٠ أمتار في عرض مترين؛ وصنعه من الحديد وقد يكون من الخشب.
٢: (الجالبوت): بفتح اللام وضم الباء الموحدة التحتية: كلمة إنكليزية مركبة من - ومناها (زورق النزهة) ويراد به هنا بلم يربط في مؤخرة المركب البخاري يستخف لبعض الحاجات، ويسميه البعض (فلكة): ويسمى عند الأقدمين (قارباً) قال الثعالبي في فقه اللغة ٢٦: (. . . القارب سفينة صغيرة تكون مع أصحاب السفن البحرية تستخف لحوائجها.): وسماه ابن سيده (زورقا).
٣: (الجسارية): بتشديد السين والياء: وتجمع عندهم على (جساريات) ويسميها البعض (عسبية): وهي سفينة ملقوطة الطرفين كمؤخر السفينة. توضع تحت الجسر يبلغ علوها مترين، في طول ٧ أمتار وعرض مترين؛ وتطلى بالقار.
٤: (الدوبة): (بضم الدال وسكون الواو وفتح الباء الموحدة التحتية وفي الآخر هاء) تجمع عندهم على (دوب): (بضم الدال المهملة وفتح الواو وفي الآخر باء) والكلمة تركية الأصل وعربيتها الفصيحة (بارجة) قال اللغويون: (سفينة بارجة مكشوفة لا غطاء لها) وهي في بغداد سفينة مكشوفة لا آلة فيها محركة ولا مجاديف بل تربط بسفينة فيها آلة محركة وهي اليوم جنيبة للمراكب البخارية السائرة بين بغداد والبصرة.
٥: (الطوف): بالضبط المشهور: يتألف من الخشب الطوال بغير قرب (أي أجربة) ويبلغ عرضه قراب ١٠ أمتار في طول ١٥ متراً وهو فصيح قال في المخصص: (. . . الطوف خشب يشد ويركب عليه في البحر، والجمع (أطواف) وصاحبه (طواف): صاحب العين: هي قرب تنفخ ويشد
стр. 649
بعضها ببعض) اهـ وسيره بين البصرة وبغداد ويحمل فيه من بغداد الجرار، والأحباب؛ وأنواع الاكواز؛ وغير ذلك.
٦: (العبرة): راجع لغة العرب ٤٧٣: ١
٧: (الفاك - الفاق): يجمع عندهم على (فاكات - فاقات) وهو من نوع العبرة يتألف أكبره
من ١٢٠ قربة أو جراباً ويوضع فوقها حطب الطرفاء، أو الغرب، أو الصفصاف، أو الشوك. وسيره بين الدور (بضم الدال المهملة والعامة تفتحها) وبغداد. ولا يكون سيره إلا في موسم الرقي والبطيخ لأنهما يحملان عليه إلى بغداد. واكثر ما يكون الفاق من عبرتين صغيرتين تضم الواحدة إلى الأخرى ومنه اسمها وهو تصحيف اللفاق.
٨: (الفلكة): (بكسر الفاء): وتجمع عندهم على (فلك): (بكسر الفاء وفتح اللام) و (فلكات): (بكسر الفاء وسكون اللام): والكلمة عربية الأصل، من الفلك المضمومة الأول وبدون هاء. قال في المخصص ٢٣: ١٠: (. . . الفلك واحد وجمع، مؤنث ومذكر، وجمعها سيبويه على أفلاك، وقال ابن جني الجمع فلوك، وتقول في الواحد هو الفلك؛ والجمع هي الفلك) وهذا الاسم مخصوص بمركبين، أو زورقين صغيرين، مصنوعين من اللوح؛ يبلغ كل منهما قراب ٨ أمتار: وهما لا يصلحان إلا للعبور؛ أو التنزه على ضفتي دجلة حول بغداد. يركبهما الوالي، والقومندان (أي قائد الفيلق أو الآمر) وتسييرهما بالمجداف الذي يسمونه (بالكرك) وزان سبب ويجمع عندهم على (كركات) وزان نظرات والكلمة تركية الأصل من كورك ومعناها المقذاف ولهما سكان، ولا دقل لهما.
٩: (القائق): كلمة تركية، ويصحفها بعضهم، فيقولون (قايغ) وهو البلم أيضاً عند الأغلب من أهل بغداد. وقد مر وصفه في الجزء الماضي ص ٩٨ باسم البلم البغدادي. وإذا أريد عربيته الفصيحة فهي (ركوة) قال ابن سيدة: (. . . الركوة - زورق صغير) اهـ وهو مركب صغير، لا يصلح إلا للعبور، أو التنزه على ضفتي دجلة حول بغداد. وهو والفلكة واحد. إلا أنه يقصر عنها مقدار مترين وتسييره بالمجداف ويسمونه أيضاً (كركا).
стр. 650
وفي البلم (الشباك)، وهو لوح مشبك، يوضع تحت أقدام الركاب. وفيه أيضاً (الدراغات) وهي ثلاثة ألواح من الخشب كالعرائض مسمور طرفاها بجنبي البلم يجلس عليها: (المجداف) أو (البلام) أو (الكراك). وبين كل لوحة ولوحة منها قراب ٨٠ سنتيمتراً. وفي البلم أيضاً (البسمار): (أي المسمار): وهو حديدة مشعبة شعبتين من أعلاها يدخل أسفلها وهو طرفها المحدد في ثقب يكون في حاشية البلم ويوضع بين الشعبتين منها الكرك وذلك لتمسكه كي لا يزول عن محله. ويسمى المسمار عند نواتي الفلكة (قرموزاً): (بفتح القاف وسكون الراء وضم الميم والواو بعدها زاء) وفي أطراف حلب (اسكرموزاً). وفي البلم
(التنتة) والبعض يسميها الظلال وزان شداد وفصيحها الظلال وزان زوال وهي كالمظلة. أو خام منسوج من القطنٍ المتين. يغمى بها أعلاه ليكون راكبه في الظل. وتنتة كلمة إيطالية مبنىً ومعنىً ويقول أصحاب البلم لماسك سكان البلم (فوز) بصيغة الأمر (وتشديد الواو المكسورة). أي ارم البلم بعيداً عن الشاطئ كثيراً أو أبعده عن الجرف كي لا يجنح.
١٠: (الكشر - القشر): (بكسر الكاف الفارسية والشين) وزان إبل ويجمع عندهم على (كشور - قشور) هي قفة صغيرة تطلى بالقير السائل. وتسع ثلاثة رجال وتربط بجنب السفينة من مؤخرها لاستخفاف بعض الحاجات وهو خصيص بالسفينة.
١١: (القفة): الكلمة عربية وتجمع عندهم على (قفف) وهي مستديرة الشكل تنسج من الحلفاء، والبردي، وأعواد الرمان. وتسمى تلك الأعواد (روطاً) وبعد نسيجها تطلى ظهراً وبطناً بالقار السائل المعروف (بالسيالى): ثم بعد مرور أيام عليه تطلى بالقار الجيد الثخين، المسمى عند أهل بغداد (دوسة). وأضلاعها وهي الأعواد المنحنية، تسمى (شطوباً) وما بينها يسمى (رقاماً) ودائرها أو حاشيتها تسمى (شفة): (بكسر الشين وتشديد الفاء المفتوحة بعدها هاء) وذلك قبل أن تطلى بالقير وبعد الطلاء تسمى (تلتلة): بكسر التاء واللام وسكون التاء الثانية وفتح اللام بعدها هاء). وفي باطنها مما يلي حشيتها (الصكلات - الصقلات) بفتح الصاد المهملة
стр. 651
وسكون الكاف الفارسية) وهي ثماني خشبات مثبتة فيها طول كل واحدة منها قراب ٣٠ سنتمتراً في عرض ٧ سنتيمترات وتشد بها حبال قصار كالعري للربط تسمى (خيات) جمع (خية) (بكسر الخاء وتشديد الياء المثناة التحتية). والخية عربية مخففة واصلها (آخية) قال الإسكافي في مبادئ اللغة ٣٤: (. . . والآخية محبس الدابة) اهـ وسرتها: (والعامة تقولها بالصاد) ساحتها أو أرضها. وفي سرتها (الفصلات): (بفتح فسكون) وهي أعواد مضمومة بعضها إلى بعض، ممدودة على قطر سرة القفة. وبين كل عشرة سنتيمترات منها عرضاً فاصل قراب ثلاثة سنتيمترات وفيها أربعة فواصل. ويقاطعها بالعرض أعواد مثلها، إلا أنها اضخم واعرض منها؛ وهي ثمانية، وفيها سبعة فواصل وتسمى عندهم (معيبرات) ويتفاوت عرضها وضخمها، بتفاوت القفة. ويسمى صاحبها (قفجي) ويجمع عندهم على (قفجية) بتشديد الياء المثناة التحتية. وفصيحها القفاف كما يقولها بعضهم. والقفة على ثلاثة أقسام:
الأول - (الحصان): بسكون الحاء المهملة وتخفيف الصاد المهملة، وفي الآخر نون) وهو أكبرها، ومقدار قطر ساحته من تسع أقدام ونصف قدم إلى ست عشرة قدماً.
الثاني - (قفة وسطانية) أي وسطى ومقدار قطر ساحتها من ست أقدام إلى تسع أقدام.
الثالث - (قفة صغيرة) وساحة قطرها من ست أقدام إلى ما دون. وتسيير جميعها بالغرافة وقد وصفها في الجزء الماضي - وعهد القفة يرتقي إلى الكلدانيين والآشوريين كما يشاهد ذلك على الآجر المكتشف في هذه الديار. والكلمة العربية مشتقة من القفة وهي شيء كهيئة القرعة تتخذ من الخوص ونحوه تجعل فيها المرأة قطنها. ولما كان قفة الركوب تشبه هذه القفة هيئة وعملاً سميت باسمها وأن كانتا تختلفان كبراً.
١٢: (الكلك): قد مر الكلام عنه في لغة العرب ٤٧٢: ١
كاظم الدجيلي
стр. 652
الملاحة على الفراتين
واتفاق المصرف الألماني مع شركة لنج
كتب أحد مراسلي جريدة (صدى باريس الفرنسوية) رسالة من لندن، هذا تعريبها، (نقلاً عن عددها ١٠٢٣٦ الصادر بتاريخ ١٢ آب من هذه السنة) قال:
لندن في ١١ آب ١٩١٢.
بلغ لندن هذه الأيام خبر مهم وهو: إن المصرف الألماني (دج بنك) صاحب السكة الحديدية البغدادية، اتفق مع شركة لنج، صاحبة البواخر التي تسير على الفراتين على الأمور الآتية، وذلك أنه تألفت في ٣ تموز، في بروسل عاصمة بلجكة: (شركة النقليات النهرية في الشرق)، وقد تقرر غرضها بموجب العهد الآتي:
١ - شراء أو بناء أو تحصيل مراكب بخارية وجنائب (أي دوبات)، لنقل معدات السكة الحديدية على شط العرب، ودجلة، والفرات، وسواعدها في ديار العرب العثمانية، وتحصيل أنواع البضائع لتنقل على تلك البواخر والجنائب.
٢ - كراء أو استكراء بواخر وجنائب، لنقل المواد التي تحمل على ذينك النهرين، أو على شعبهما وسواعدهما.
٣ - المراجعة مع الحكومة العثمانية لتأليف (شركة إنكليزية ألمانية عثمانية) تأخذ على نفسها ما لها وعليها، وكذلك تأخذ على نفسها معاهدات الشركة التي غايتها هذه الشروط.
٤ - بيع ونقل، وكراء، وتبديل المشروعات، أو قسم منها. وكذلك الأملاك والعقارات مهما كانت، وما لها من الحقوق مهما كان زمانها، وبيع أو وهب استثمارها أو استعمالها.
٥ - وبالجملة عمل كل ما يتعلق بالشؤون المذكورة. وللشركة أن تهتم ما عدا
стр. 653
ذلك بالأعمال والأشغال غير المذكورة هنا، إذا أذن لها اغلب المساهمين.
فهذا ما يتعلق بغرض الشركة.
فالمادة الثالثة والرابعة تشيران إلى صفة الشركة التي هي موقتة لا غير وسهولة حدود دائرة اشغالها، تمكنها من أن تتكيف بموجب ظروف الأحوال.
أما راس مال الشركة فهي عبارة عن مليوني فرنك ونصف مليون (٢. ٥٠٠. ٠٠٠)، تقسم
إلى ٥٠٠٠ سهم. وكل سهم عبارة عن ٥٠٠ فرنك وقد دفع منها عشرة في المائة. ولكل من شركة لنج والمصرف الألماني٢. ٤٩٧ سهماً. وممثلو المصرف الألماني هم الأدباء. هلسريخ مدير المصرف الألماني واتورياسا وكنرادبيشوف وممثلو الأسهم الإنكليزية هم الفضلاء هنري ف. د. لنج وب. بري والسير جارلس ارشيبلد نيكولصن وقد اتخذ كل منهم واحداً لنفسه. وعلى هذا يكون راس المال مقسوماً على السواء بين القبيلين الإنكليز والألمان.
أما اصل هذه الشركة فهو هذا: يرتقي امتياز تسيير مراكب لنج إلى سنة ١٨٣٤ وذلك أن الحكومة العثمانية أرادت أن تكافئ احسن المكافاة الربان الإنكليزي لنج، لما فعله من المآثر للدولة العثمانية. فأجازت له أن يسير على الفراتين مركبين بخاريين. فأسس الربان المذكور شركة لينتفع بهذا الامتياز. ثم زاد مع الزمان عدد البواخر بفضل ما أجاد به أصحاب هذه الشركة من الهدايا (البخاشيش)، على الطريقة المالوفة يومئذٍ في عهد عبد الحميد فانتقل حينئذٍ ذاك الامتياز إلى صورة مشروع يتعلق بالأمة الإنكليزية.
وفي سنة ١٩٠٩، كانت نهاية أيام الامتياز فالح أصحاب الشركة على الحكومة الإنكليزية أن تفرغ وسعها لتجديد هذا الامتياز وكان ذلك في اليوم الثاني من ثورة شبان الترك. فطلب مبعوثو بغداد حرية الملاحة على نهري دجلة والفرات وفروعهما وكان يسندهم في
стр. 654
هذه الدعوى أعداء وخصوم شركة لنج الذين نشئوا لها فجأةً، فقاوموا تجديد ذلك الامتياز مقاومة عنيفة بل مقاومة الأبطال الصناديد.
فلما رأت وزارة حسين حلمي باشا ذلك السد المنيع القائم في وجهها، لم تستطع أن تلبي طلب الوزارة الخارجية الإنكليزية، ففكرت في طريقة تجمع بين الإدارتين النهريتين: إدارة لنج الإنكليزية وإدارة البواخر العثمانية. التي لها عدة مراكب تسير على الرافدين. فعرضت الوزارة هذا الفكر في ١١ ك ١ سنة ١٩٠٩ على مجلس الندوة، فلم يتح لها بعد ذلك أن تعتني بالأمر لأن حله أرجئ إلى الغد المقبل ولم يقبل ذلك الغد وعلى هذا الوجه حصلت شركة لنج على امتيازها الأول بدون أن يثلم منه شيء يذكر.
هذا وكانت شركة سكة حديد بغداد قد تيسر لها في المعاهدة التي حصلت عليها سنة ١٩٠٣، أن يكون لها حق، لأن تنقل على الفراتين، وشط العرب، المعدات اللازمة، لبناء
واستثمار الخط ونقل عماله في مدة الاشتغال به. فاستصوبت شركة السكة أن تنفق بهذا الخصوص مع شركة لنج، لكن لما سمع الباب العالي بهذا الاتفاق، جاهر بأنه لا يوافق شروط الامتياز المشروطة على الشركتين: شركة الحديد وشركة لنج. ولهذا حتم عليها أن تتفق مع شركة بواخر الإدارة العثمانية النهرية، أو أن تستحصل لنفسها بواخر تتخذها لمصالحها. فاتفقت الشركتان المذكورتان على إدخال شركة المراكب العثمانية أيضاً في هذا الشان، وعلى هذه الصورة تأسست الشركة البلجيكية التي من واجباتها العناية بتحقيق هذه المساعي والسهر عليها.
وحل هذه المعضلة على هذا الوجه مفيد للباب العالي، ولهذا يؤمل خروج هذا الفكر إلى عالم الحقيقة.
أن خطورة هذه المعاملة تفوق بكثير موضوعها، لأنها عبارة عن أول تضافر، يكون إنكليزياً ألمانياً في آسية الوسطى. وهذا وحده كافٍ لأن يشار إليه بالبنان. فكون المصرف الألماني، الذي هو المحرك الأول لسكة حديد بغداد، يتدخل تدخلاً بيناً في هذه المسألة، يجعلها في مقام سام من الخطورة والشان. هذا فضلاً عن أن المتداخل فيها أيضاً، هو لنج، الرجل المعروفة
стр. 655
مصالحه في بلاد إيران، وديار العراق لاطلاعه الكافي على هذه الأقطار، فيزيد حضوره المسألة مكانةً ورفعة في مسائل آسية الوسطى.
أن الفاضل لنج، كثيراً ما انضم إلى حزب المتطرفين المتذمرين من سياسة السير أدورد غراي. ومداخلاته مع النقابة المالية، التي يرأسها السير ارنست كاسل، معلومة لدى الخاص والعام. فيكون من البديهي تقرب هذا الائتلاف الذي حصل من سفرة السير ارنست كاسل إلى برلين، في الوقت الذي أقام الأديب هلدان في عاصمة ديار ألمانية. فهو الذي دبر، في سنة ١٩٠٣ مع الأديب فون غوينر. فكر مساعدة الإنكليز في سكة حديد بغداد. ومنذ ذاك الحين كان له المقام الأول بمنزلة متوسط بين المالية الألمانية وبين المالية الإنكليزية.
هذا وقد بلغ المحافل السياسية المطلعة احسن الاطلاع على الأخبار الجارية بين الدول أن مساعدة الإنكليز لسكة حديد بغداد تعاد فتجدد. وقد اخذ من يهمهم الأمر أن يسعوا كل السعي بين (المصرف الألماني وبين مصرف أمة الترك) الإنكليزي. والحال أن مؤسس هذا
المصرف الأخير هو السير ارنست كاسل في سنة ١٩٠٨ بعد أن رفض ما طلبة منه المصرف العثماني في الاشتراك معه. وذلك لأنه لم يرد أن يقيد نفسه أو أنه لم يرد أن يغض من نفسه بتشاركه مع المصرف العثماني المتعاهد مع سكة حديد بغداد. بما في إمكانه من مساعدته إياه بمال الإنكليز. وهذا ما يجعله في مقدمة هذا الاقتصاد المالي للبلادين، بل بيت قصيده، وقلادة جيده.
فهذا الاتفاق الغريب هو هو الذي نوجه إليه الأنظار، ونلوي إليه عنان الأفكار، إذ قد يكون أساساً لمراوغة أو محاولة تصرف فيها اسهم سكة بغداد في إنكلترا، تلك الأسهم التي تتداعى في صناديق المصرف الألماني. ومن الواجب تصريفها لإكمال الأشغال في بر الأناضول (أي آسية الصغرى). فتدبر أن كنت من الأيقاظ. والسلام.
стр. 656
فوائد لغوية
البرميل والبتية
١. سألنا سائل: ما قولكم في كلمة برميل وهل هي عربية أم دخيلة وأن كانت أعجمية فهل جاء في معاجم لغتنا ما يقاربها معنى أو ما يصح أن يسد سدها؟
قلنا: كلمة برميل قلطية الأصل إلا أن العرب أخذوها عن الأسبانيين وهي فيها (بريل) بفتح الباء وتشديد الراء المكسورة كما في القلطية ثم حذفت الراء الأولى وعوض عنها بميم. والعرب تفعل ذلك في كثير من الألفاظ وتبدل من الميم نوناً. كما في أنجاص واصلها أجاص، وأنجار واصلها أجار، وبرنيطة وأصلها بريطة. ولا حاجة إلى إبدالها بكلمةٍ تسد مسدها. لأنها من المعربات القديمة. وكلما كان كذلك فالأحسن إبقاؤه على حاله. وقد ذكر الكلمة صاحب تاج العروس قال: البرميل بالكسر. وعاء من خشب يتخذ للخمر، جمعه براميل. اهـ. وقد وردت أيضاً في رحلة ابن بطوطة قال في ٣: ٢٣٥ من الطبعة الإفرنجية: (ويكون بأيدي الفتيان براميل الذهب والفضة مملوءة بماء الورد وماء الزهر) وقال في ص ٣٨٥ ثم اخذ الحاجب وأصحابه براميل ماء الورد فصبوه على الناس.) وقد ذكرها غيره في كتبهم.
وإذا كان البرميل كبيراً قيل له البتية بضم الباء والأشهر الأفصح بفتحها وبتشديد التاء المثناة الفوقية المكسورة وتشديد الياء التحتية المثناة وفي الآخر هاء. وتجمع على بتيات وبتاتي. وقد وردت في كتاب نزهة المشتاق في أخبار الآفاق للشريف الأدريسي (المتوفى سنة ٥٧٥ م - ١١٨٠م) ووردت في كتاب ألف ليلة وليلة وفي كثير من الكتب والظاهر أن الكلمة دخيلة في العربية أيضاً لأن بني يعرب لم يعرفوا هذا الضرب من وعاء الخشب. وليس في أصول هذه الكلمة ما يحقق معناها العربي. فلم يبق إلا القول بأعجميتها. وهي بالآرامية (السريانية) (بتيتا) والألف تزداد عندهم في جميع الألفاظ تقريباً. وفسرها القس يعقوب اوجين منا في معجمه دليل الراغبين بقوله:
стр. 657
(بت، دن للخمر.) وعلى هذا يكون البت بمعنى البتية ويحتمل أن تكون اللفظة من الفارسية بدية أو بادية التي عربها العرب باطية وجمعوها على بواط. وبادية مشتقة من باده وهو الخمر بلسانهم فيكون معناها وعاء الخمر. والكلمة السريانية بتية وردت في تاريخ ابن العبري المتوفى في ٣٠ تموز سنة
١٢٨٦ م - ٨ رجب ٦٨٥ فالكلمة إذاً قديمة في كلتا اللغتين وقد عربت بصورتين في العربية بصورة باطية وبتية. على أني أراها من اصل لاتيني أي أو بمعناها ومنها صاغ الإفرنج كلمة بمعناها أيضاً وهي بالرومية وبالألمانية
ومن ثم ترى أن هاتين اللفظتين قديمتان ولا يحق للمحدثين أن يقتلوهما ويميتوهما ولا سيما لأنهما شائعتان بين العوام والفصحاء. وأما أهل بغداد فأنهم يعرفون البرميل باسم (البيب) بباءين مثلثتين وكسر الأولى منهما واسكان الياء. وهي من التركية فيج أو فيجي أو فوجي بمعناها.
وقد استعمل العرب أيضاً بمعنى البرميل لفظة الكندوج قالوا في كتب اللغة: الكندوج بالفتح ويضم شبه المخزن. وهي من الفارسية (كندو) بمعناها. ويريدون بها الجرة الكبيرة أو الحب تخزن فيها الحنطة وغيرها وفيها لغات وهي: كندو بفتح الكاف أو ضمها. وكندوج وكندوك وكندر وكندولة. هذا ما عن لنا. وهو فوق كل علم عليم.
باب المشارفة والانتقاد
١ - الضرران الكبيران
الضرران الأكبران هما المسكر والدخان. وقد كتب الدكتور سليمان الخوري عيسى من حمص رسالة فيهما فأجاد. وثمن النسخة غرش واحد. وهي في ٤٨ صفحة. ويوخذ على صاحبها أنه طبع رسالته على كاغد سيئ ولم يصحح أغلاط الطبع التي وقعت فيه كما لم يعن في بعض المواطن بتنقيح العبارة وتخليصها من شوائب الركاكة واللحن. فالأمل أنها تصلح في طبعة ثانية. وهذا لا يمنع الناس من اقتنائها فأنها مفيدة لمن يتعاطى المسكر والدخان.
стр. 658
٢ - كتاب اللؤلو المرتب، في أخبار البرامكة وآل مهلب
إذا طبع أحد أبناء النجف أو كربلاء كتاباً زين صدره بألقاب المؤلف ويالها من ألقاب، كلها مفخمة معظمة مجسمة حتى تظن أنك تقع على اعظم كنز في الأرض. وإذا فتحت الكتاب وتصفحت ما جاء فيه ترجع عنه بما رجع به حنين. ومن جملة هذه الكتب هذا الذي قرأت عنوانه فويق هذه الكليمات. فقد نقش على صدره هذه الألفاظ. (تأليف العلامة الفهامة، السيد محمد رضا، نجل سيد العلماء الأعلام، السيد محمد علي الشاه عبد العظيمي نزيل النجف الأشرف.) اهـ والكتاب مطبوع في النجف بمطبعة العلوي. وقد وقع في ١٨٨ صفحة
وقد جمع الكاتب فيه أخبار العلويين لاشتهارهم بالكرم وأخبار كرماء العرب من سوقة وأمراء وملوك. ثم أخبار المهالبة وهم الذين اشتهروا بجودهم في أيام الأمويين، ثم أخبار البرامكة الذي نبه ذكرهم في عهد العباسيين ثم ختم الكتاب ببعض أخبار البخلاء. - والكتاب سقيم الطبع، قد جمع فيه المؤلف الفصول كحاطب ليل ولم يذكر أسانيد نقله. ومع كل ذلك فلكونه ارصد الكتاب لهؤلاء المشاهير أصبح كتابه مما يحرص على اقتنائه. فعساه أن يجيد طبعه ويحبر عبارته ويصلح أغلاطه إذا أعاد نشره.
٣ - الكتب الخطية العربية والأعجمية الموجودة في خزانة
كتب شركة ترقية المباحث العلمية تأليف ج. ريبرا وم. آسن.
وعنوانه بالأسبانية:
- ١٩١٢. - ٣٢٠
أن محبي الكتب العربية يظنون أن ديار مصر وحدها حفظت لنا كتب الأقدمين العربية في الديار المصرية اللسان والحال أن في ديار الأندلس مواطن العرب في سابق العهد تآليف شتى منها هذه التي ارصد لها الأديبان ج. ريبرا وآسن مجلداً وصفا فيه كتباً وجدت على الطريقة الآتية:
بينما كان البناءون يشتغلون في سنة ١٨٨٤ في بيت من بيوت مدينة مناقد من أعمال المنية على بعد ٣٠ كيلومتراً من الجنوب الغربي من سرقسطة عثروا على بضع مئات من
стр. 659
الكتب الخطية كانت قد خزنت هناك منذ ثلاثة أو أربعة قرون بين جدار وحاجز من الآجر. واغلبها مكتوب بالحرف العربي. أما محتوياتها فصكوك وحجج ومؤلفات. والبعض الآخر كتب مترجمة إلى اللغة القسطيلية، لكنها مكتوبة بحروف عربية وهم يسمون هذا النوع من التأليف والكتابة اللغة الأعجمية والظاهر من تصفح ما هناك من الأوراق أن تلك المكتبة كانت لتجار من مسلمي الأندلس وقد أخفوها بعيد تقلص ظل العرب من بلاد اراغونية. ولعلهم فعلوا ذلك ظناً منهم أنهم يعودون إليها بعد قليل فيخرجونها من محلها. وهذه الكتب من بعد أن أخرجت أهمل شأنها وتركت ألعوبة بيد هذا وذاك ثم اقتناها أحد الأسبانيين اسمه بابلو جيل ثم اشترتها (شركة ترقية المباحث العلمية) وهي الموصوفة في هذا المجلد.
وأول من عنى بوصفها طلبة الشيخين المستشرقين: ريبرا وآسن ثم أعادا النظر فيها وطبعاها. وعدد المخطوطات ٦٣ ثم يأتي بعدها وصف أوراق جليلة قديمة كانت قد جلدت بها الكتب.
وليس بين هذه الكتب شيء يستحق الذكر أو نادر الوجود لأن اغلبها دينية أو فقهية أو مواعظ أو حكايات أو لغوية وقد وضع المؤلفان ١٨ صورة خط منقولة عن الأصل وقد كتب الأصل في سنة ٤٣٥هـ (١٠٤٣م).
وقد نشر الأديب آسن كراسة أخرى وصف فيها المخطوطات الموجودة في (جبل غرناطة المقدس) وهو في ٣٠ صفحة بقطع الثمن طبع في غرناطة سنة ١٩١٢ وفيها كتب فلسفية وعلمية وفقهية وطبية وتنجيمية إلى آخر ما هناك. واسم الكتاب بالأسبانية:
١٩١٢.
ومما يستحسن في هذين الكتابين أن الكاتبين جريا في تعريف الكتب المخطوطة على طريقة في غاية الحسن وهي انهما يذكران ١ - اسم الكتاب وعنوانه. ٢ - صاحبه. ٣ - مبداه. ٤ - موضوعه. ٥ - عصر كتابته. ٦ - نهايته ٧ - وصفه المادي من طول وعرض وكاغد وحبر وعدد الأسطر ٨ - معارضته مع
стр. 660
سائر الكتب المؤلفة في هذا البحث. فعسى أن يحذو حذوهما كل من يتعرض لوصف خطوط دور الكتب والله الموفق.
٤ - مختصر تاريخ الإسلام
تأليف السيد صدر الدين الصدر. الجزء الأول من القسم الأول. يشتمل على سيرة النبي (ص) وتاريخ الدولة الأولى من دول الإسلام. طبع بمطبعة الآداب في بغداد. قيمة النسخة ٤ غروش صاغ. وهو في ١٢٦ صفحة صغيرة.
قال المؤلف في المقدمة: (وجعلته في ثلاثة أقسام ابتدائي، رشدي، إعدادي (كذا) بحسب ترتيب المدارس. وكل قسم ثلاثة أجزاء (الجزء الأول) سيرة النبي (ص) والدولة الأولى من دول الإسلام. (الثاني) في تاريخ الدولة الأموية العباسية. (الثالث) في تاريخ الدولة العثمانية والصفوية والقاجارية ومن عاصرهم (أي ومن عاصرها) من دول الإسلام. وسميته مختصر تاريخ الإسلام ومن الله التوفيق.)
هذا الكتاب حسن التبويب، واضح التقسيم، سهل المطالعة إلا أن كثرة الأغلاط واللحن تشوه محاسنه حتى تكاد تطمسها. وفي الصفحات العشر الأولى بعض الآراء التي لا يوافقه عليها كتاب العصر ومؤرخوه. فكان الأجدر بالمؤلف أن يعتمدهم لانتهاء البحث إليهم.
تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره
١ - سفر طلبة المكتب الملكي العسكري إلى الأستانة
سافر مساء يوم السبت ١٠ آب ٥٤ تلميذاً من طلبة الإعدادي العسكري متوجهين إلى الأستانة إتماماً لدروسهم في المكتب الحربي فنتمنى لهم سفراً ميموناً!
٢ - جسر القرارة
تم تعمير جسر القرارة على يد ملتزمه لمدة خمسة أعوام. وفي يوم الاثني
стр. 661
ن ١٣ آب جرى رسم افتتاحه ومر عليه الناس بفرح لا يوصف.
٣ - سفر جمال بك والي الولاية
استعفى والينا عند انقلاب الوزارة فقبل استعفاؤه وفي عصر السبت ١٧ آب سافر على طريق حلب وقد شيعه الأصدقاء من جميع الطبقات. أوصله الله إلى موطنه سليماً معافىً وقد دامت أيام ولايته نحو سنةً. وهذا دليل على حسن إدارته ودرايته إذ قل من يسوس ولاية في هذا العصر وتطول مدته هذا الطول.
٤ - قبائل الأعراب في العراق
اقتضت العيشة في هذه السنة أن ينتقل اغلب الأعراب إلى ديار العراق فسعت الحكومة لتحصيل الرسوم الأميرية وعينت الولاية لهذه الغاية الآمر إسماعيل حقي بك البيكباشي (قائد الطابور)
٥ - ابن الرشيد وابن مجلاد
رفع الأمير ابن الرشيد رقيعة إلى والي ولاية بغداد متظلماً من جور ابن مجلاد ونهبه ما يزيد على ٨٠٠ بعير. فلما حضر ابن مجلاد في دار الحكومة وعد الوالي بأنه يرضي ابن الرشيد بالتي هي احسن. فلما صار في عشيرته عين القائد الكبير (الديدب) في ٢٠٠ هجان ليغير على عشائر ابن الرشيد من شمر وغيرها. ولا نعلم نتيجة هذه الغارة.
٦ - اشتداد الحر في بغداد
اشتد الحر في الأسبوعين الأولين من آب حتى بلغ معظمه الدرجة ٤٦ في الظل. وقد مات
عدة أطفال من اجل ذلك.
٧ - حريق في البغيلة
شبت النار في موافي علوان البناء (أي في كوره أو اتانينه) يوم الجمعة ١٦ آب فأطفئت بهمة رئيس بلديتها. فلم يحدث منها ضرر عظيم.
٨ - إنشاء شعبة بريد في البغيلة
أنشئت شعبة بريد فيها وأودعت إلى عهدة وكيل الإدارة النهرية فيها وأخذت المبعوثات بان تصل إليها رأساً بعد أن كانت تذهب إلى كوت الأمارة ومنها إلى البغيلة.
стр. 662
٩ - دعوى الرياض
كان صاحب الرياض سليمان أفندي الدخيل ادرج قصيدة في جريدته من نظم محمد أفندي الهاشمي ومن جملة أبياتها ما يأتي:
كيف السرور في إيران قد عبثت ... أيدي الطغاة وقد خنيت بها الذمم (كذا)
في أرض طوس وفي تبريز قد ثمدنا (كذا) ... ملك الأعادي عيون الغيد تنسجم
بتونس أمة الإسلام قد ظلمت ... وفي الجزائر دين الله يهتضم
وكم يقاسون في القفقاس من وجلٍ ... وكم اسيسوا بذل شابه ألم (كذا)
(يا قيصر الروس ثل الله عرشك هل ... علمت منقلب الظلام إذ ظلموا)
فأقامت الحكومة المحلية الدعوى على صاحب الصحيفة لدرجه مثل هذه الآبيات التي لا فائدة من ورائها سوى إزعاج النفوس. ثم حكمت عليه، وعلى ناظم القصيدة بأن يسجنا ثلاثة أشهر.
١٠ - ظهور المقتبسين
ظهر المقتبسان اليومي والشهري. أما اليومي وهو الجريدة فيصدر في دمشق الشام كما كان يصدر في السابق. وأما الشهري وهو المجلة فيبرز بحلته الموشاة في مصر القاهرة فنرحب بهما ونتمنى لهما الحياة الطويلة.
١١ - الكهربائية في قصر الشيخ خزعل في المحمرة
أن الشيخ خزعل من الأمراء الذين يحبون القصور العامرة البديعة وقد ابتنى له عدة قصور في حاضرته المحمرة. ومن جملتها القصر الفاخر المعروف بقصر الفيلية وهو على بعد نحو ٤٠٠ متر من المحمرة. وقد ادخل فيه الكهربائية في جميع حجره ومقاصيره فهو يتلألأ ليلاً منذ شهر آب تلألواً يأخذ بمجامع القلوب. فنتمنى لساكنه الراحة وهناء العيش!
١٢ - الأمير ابن السعود
غزا عبد العزيز باشا السعود عشائر العجمان وعتبة بين الاحساء وقطر وأدبهم احسن تأديب ثم رجع إلى محل إمارته.
١٣ - وجوه أهل العمارة
تبرع أهل لواء العمارة من توابع ولاية البصرة بمبلغ ١٥٠٠ ليرة عثمانية منها ١٢٠٠ ليرة ثمن مطيرة باسم (العمارة) و٢٥٠ لجمعية الهلال الأحمر و٥٠ ليرة للبطلين الأولين اللذين الحقا ضرراً بالأسطول الإيطالي في هجومه الأول على الدردنيل.
стр. 663
١٤ - عجيمي بك السعدون
أغار عجيمي بك السعدون على عشيرة الخرسان بالقرب من الرافضية ونهب مواشيها وبيوتها.
١٥ - الحصبة
لا زالت الحصبة تفتك في أطفال النصارى في مدة هذه الصيفة وكان يموت منهم في الأسبوع أربعة من باب التقدير المعدل. وفي آخر هذا الشهر الماضي خفت وطأته. وكان اغلب المتوفين أناثاً.
١٦ - حريق في العمارة
في ٩ أيلول شبت النار في العمارة فأكلت صرائف عديدة (الصرائف الأكواخ تبنى من البواري أو السعف) للأعراب وأحرقت ثلاث بناتٍ. ويقال أنها أتلفت رجلاً أيضاً.
١٧ - الممكس (الكمرك) الجديد
لا زالت شركة حديد بغداد في رأيها الأول من إنشاء ممكس كبير تبلغ نفقاته ١٤٠ ألف ليرة عثمانية يكون نصفها من الحكومة والنصف الأخر من الشركة المذكورة ويغلب الظن أن هذه الدار تبنى في الكرخ قرب السن.
١٨ - وفاة احمد شاكر أفندي الآلوسي
نعى البرق نهار الخميس ١٩ أيلول وفاة العالم الفاضل احمد شاكر أفندي الآلوسي، عضو مجلس المعارف الكبير في الأستانة، وذلك عن نحو٧٠ عاماً. فنحن نشاطر الأسى أسرة الآلوسي كلها ونخص بالذكر أبنه درويش أفندي وسائر اخوته. ألهمهم الله الصبر والسلوان!
مفردات عوام العراق
آدمي
هذه الكلمة إذا أضيفت إلى ضمير المتكلم أو المخاطب أو الغائب جاءت بمعنى الخادم والأجير. فيقال: آدميك وآدميه وآدمي. بمعنى خادمه أو أجيره أو مستخدمي
آدميانه وآدمية وآدملغية
بمعنى مروءة وإنسانية كثيرة الورود على ألسنتهم.
стр. 664
آديو
هي الكلمة الافرنسية ومعناها الحرفي (إلى الله) وتستعمل عند الإفرنج بمعنى (الوداع، أو كن معافى، أو حفظك الله). وآديو محصورة الاستعمال في الطبقة المتفرنجة من الشبان.
آب وهواء
لفظتان مركبتان من فارسية وعربية وهما بحكم الكلمة الواحدة ومعناها (ماء وهواء) ويراد بهما بالفارسية المناخ الطيب. ويطلقهما بعض العراقيين للدلالة على البلدة الحسنة المنظر الطيبة البقعة.
آرا
فارسية معناها المزين والمزخرف وتجمعها العامة على آرات وتريد بها نوعا من الكشكش أو الخرج أو المخرم تزين به ثيابهن من فساطين وغيرها من ملبوساتهن
آذان الفار
كناية عامية يشار بها إلى من يكون دقيق السمع كأن آذانه آذان الفار. فيقال: لفلان آذان الفار أي دقيق السمع. والظاهر أن استعمال العامة لهذه الكناية مأخوذ من مشاهدتهم ما للفأر من الحذر والتيقظ والاحتراز التام. لأن أدنى صوت يفزعه ويلجئه إلى دخول وكره. أما آذان الفار في اللغة الفصحى فهي ضرب من النبات إذا فرك فاح منه رائحة القثاء ويعرف عند علماء النبات باسم أو
آزيل
أفرنسية معناها الملجأ ويراد بها كتاب الصغار للبنين والبنات وقد تأسس في بغداد عام ١٨٨٠. تقوم بإدارته الراهبات الدومينيكات وهو بمثابة - أي حديقة الأطفال التي أنشأها الفاضل فريدرك ويلهلم فروبيل في جرمانيا سنة ١٨٢٦م
آكلة افرنكية
اليهود والنصارى يقولون ايكلي افرنكيي يريدون بذلك داء السرطان وهي لفظة تقوم مقام الدعاء بالشر على من يؤذي صاحبه أو يتعدى على غيره ويهضم حقوقه.
رزوق عيسى
стр. 665
العدد ١٧ - بتاريخ: ٠١ - ١١ - ١٩١٢
نبذة من عادات العراقيين المسلمين
١ - كلمة في عاداتهم
العراقيون من أسرع الناس إلى التقليد، وأكثرهم انهماكاً بكل شيء جديد، وأشدهم استمساكاً بعاداتهم وآدابهم وأخلاقهم ولا أبالغ إذا قلت أن ليس من قوة موجودة فوق الأرض (غير الله) قادرة على تغييرها أو إبدالها بأحسن منها. سرح طائر نظرك في أرجاء العراق وانعم النظر في أحوال قطانه وعاداتهم وتفقد شؤونهم وحركاتهم وسكناتهم، وراقب احتفالاتهم ومجتمعاتهم، وتدبر مسامراتهم ومحادثاتهم، وانقدها نقد الصيرفي الماهر للدرهم والدينار تجدها لأول وهلة لا تختلف كثيراً عما كان عليه آبائهم في سالف القرون، بل لتجدن أطوارهم وعاداتهم التي هم عليها الآن تنطبق تمام الانطباق على وصف الباحثين والأَثريين والسياح لسكان هذه البلاد قبل مئات من السنين، وأنك لا ترى فرقاً كبيراً بينهم وبين أسلافهم سواء كان في العادات أو الآداب أو الأخلاق إذ أن هذه البلاد قد
стр. 666
استعمرتها أمم عديدة واحتلتها دول كبيرة فلم تؤثر فيهم كثرة اختلاطهم بالأمم والشعوب، لا بل لم تغير شيئاً من عاداتهم اللهم ألا بعض أمور طفيفة لا يعتد بها لعدم شمولها جميع قطان القطر العراقي وهو أمر يدلك على شدة تمسكهم بها ويثبت لك ذلك.
بيد أنك بينما تراهم شديدي التمسك بتلك العادات ضارة كانت أم نافعة؟ مخالفة لآداب الديانات أم موافقة لها، تجدهم أسرع الناس تبدلاً وتقليداً للأمم في كل شيء غريب في أزيائهم وقيامهم وقعودهم وأكلهم وشربهم.
ويظهر ذلك لكل من جاءَ بغداد قبل عشر سنوات ولاحظ ما كان عليه أهلوها من السذاجة والبداوة ثم غادرها وقدمها ثانيةً رآها اليوم قد لبست حلة من حلل التمدن، وعلى قطانها من الأزياء الغريبة والأطوار العجيبة ما لم يكن العراقيون يعرفونه سابقاً وكثيراً ما كانوا يستهجنونها ويقبحون من جرى عليها أو استحسنها ولا ريب أنك لو حولت الوجه نحو هذه البلدة قبل إعلان الدستور وتدبرت أزياء العراقيين لوجدت فيهم مميزات فارقة بين اليهودي والمسيحي والمسلم إذ كان لكل علامات أو خصائص تدل عليه. ولو نظرت نظرة في أسواقها الطويلة العريضة وشوارعها وأزقتها لما رأَيت نصرانياً لابساً البرنيطة ألا
المستخدمين في الوكالات والمحلات التجارية الكبرى ممن جابوا بلاد أوربا ونشئُوا في أحضان أساتذة كلياتها وتغذوا بلبان علومها ومعارفها. ولما رأَيت يهودياً لابساً الملابس الإفرنجية على ما هو عليه الآن ألا ما قل وندر، ولما رأيت مسلماً لابساً الطربوش ومتزيياً بالزيّ التركيّ أو الإفرنجي ألا الموظفين في خدمة
стр. 667
الحكومة بل لرأيت أكثرهم ولا أقول كلهم على ما كان عليه آباؤهم متمسكين بالملابس العربية وهي لبس العباءَة والعمامة والعقال، فكنت إذا دخلت أسواق بغداد في هاتيك الأزمنة تصورت انك في القرون الوسطى وتجلت لك البداوة والسذاجة بأَجلى مظاهرها وأبهى مناظرها. فلما أعلن الدستور واحتكت الأمة العراقية بالنزالة الأوربية سرعان ما قلدوهم في ملبسهم ومأَكلهم ومشربهم حتى انك اليوم لتعجب كل العجب من هذا التقليد الغير المنتظر وظهر لك الفرق بين الزمانين، ولكن هل ظهر الفرق في عاداتهم وأخلاقهم كما ظهر في أزيائهم وملابسهم؟ كلا، ثم كلا، فأن هاتيك العادات قد استحكمت عراها بمرور الزمن وقوة الاستمرار فتوطدت أركانها، وازداد القوم تمسكاً بها مع وجود طبقة من النابتة الحديثة تحاربها بكل قواها وتنشر الفضيلة بين السكان وتبين لهم أضرار هذه العادات المستهجنة التي ربما قضت على البقية الباقية من أخلاقهم النبيلة، وصفاتهم الجليلة فتقذف بهم من حالق إلى مهاوي الهلاك والدمار.
أنا لا أريد بمقالتي هذه أن أحارب عادات العراقيين وأندد بالمتمسكين بها إذ أن ذلك يحتاج إلى وقت غير هذا الوقت، وقت يعرف فيه الشعب حقيقة الحياة ووظائفه في هذا المعترك ويعي بل ويتدبر ما يقال له. ومن العبث أن يريد رجل عاجز مثلي القضاء على عادات أمة كبيرة، كأُمة العراق بمقالة أو مقالتين أو ثلاث وهي قد استحكمت فيهم منذ عدة قرون
стр. 668
وقويت شوكتها وغرست في قلوبهم واستفحل شأنها بينهم حتى عدا أكثرها في عداد العادات الدينية ولا أغالي إذا قلت انهم يهتمون بها اكثر من اهتمامهم بأَمر الدين ولا ريب أن ذلك عبء ثقيل لا أطيق حمله. بل ادع ذلك لعظماء الرجال الذين يعرفون كيف يهذبون أخلاق الشعوب ويجعلونها خالصة نقية من كل شائبةٍ خرافيةٍ من حيث لا تدري ولا تشعر بيد أن الذي أريد أن اسطره على صفحات هذه المجلة الغراء هو ما وقفت على نبذ من عادات العراقيين في أفراحهم وأحزانهم واحتفالاتهم العمومية والخصوصية وطربهم وانسهم وحدسهم وتخمينهم ليظهر لدى القارئ النبيه ما وصلت إليه حالة سكان العراق من التأَخر
والانحطاط في تمسكهم بعادات خرافية ومعتقدات ما انزل الله بها من سلطان حتى انهم يضاهون بها برابرة أفريقيا وقطان منغوليا في خرافاتهم التي قتلت كل شعور وأماتت كل إحساس وأدراك.
٢ - عادات اعتقادية
١ - (جنبر سوري) هذه الكلمة محرفة عن جهار شنبه سوري، ومعناها عيد نهار الأربعاء إذ أن الفرس يزعمون بوجود أربعاء واحد نحس
стр. 669
وسائر الأربعاوات أربعاوات سعد ولهذا يطربون يتنزهون فيه طرداً للنحس والشؤم. وهو اجتماع عام يستحضر فيه آلات الأنس والطرب ويختلط فيه الرجال والنساء، ويكون ذلك عصر آخر يوم الأربعاء من صفر في كل سنة فيخرج فيه الأهالي من رجال ونساء وبنات وبنين بالزينة الكاملة إلى موقع خارج البلدة محفوف بالأزهار والأوراد حيث يكون العشب قد زاد الأرض رونقاً ونضارة وكساها حلة خضراء من حلل الطبيعة البهجة، فلا تسمع في ذلك الوقت ألا نغمة عود وغناء مغنٍ وطرب مطرب وهكذا يبقون حتى غروب الشمس فيعودون إلى منازلهم فرحين جذلين مستبشرين وقد علمت أن السبب لهذا الاحتفال الذي جعله العراقيون عادة من عاداتهم المفروض إجراؤها هو اعتقادهم بأَن شهر صفر شهر نحوس وويلات تكثر فيه النوائب وتزداد فيه الكوارث والمصائب وكذلك اعتقادهم بأَن يوم الأربعاء من انحس الأيام وهو عادة من عادات العرب الأقدمين أخذوها عن الفرس أو المجوس فكأَنهم بهذا الأنس والطرب وهذا الاحتفال الذي يقيمونه كل عام ينزعون من أنفسهم رداء الشرور تفاؤلاً. وقد بلغت السخافة ببعض الناس انهم في يوم الأربعاء لا يذهبون إلى حمام ولا يحلقون رؤوسهم ولا يغسلون ملابسهم لنحسه ويستدلون على ذلك بأن اليوم الذي أخذت فيه الريح الصرصر قوم عاد هو يوم الأربعاء وهو اعتقاد اكثر المنجمين بيد أننا لو حسبنا أن كل يوم تحدث فيه نائبة أو كارثة
стр. 670
نحس لكانت كل الأيام منحوسة لأنه لا يخلو يوم من كارثة وقعت أو تقع فيه.
٢ - (الصوم الخرساني) من العادات التي فشت بين العراقيين فشواً كبيراً الصوم الخراساني. وهو صوم من شروق الشمس حتى نصف النهار تصومه كل أنثى بلغت الحلم صوماً عن التكلم في هذه المدة وإذا احتاجت إلى التكلم تكلمت بإشارات تدل على مطلوبها
ومرادها ويكون ذلك في أول يوم الأحد من شهر شعبان في كل سنة، وقد جاء ذكر هذا الصوم في سورة مريم على لسان السيدة مريم ﵍ وهو (وقولي أني نذرت للرحمن صوماً فلن اكلم اليوم انسياً) ألا أن الدين الإسلامي لم يأمر المتدينين به بوجوب صيامه فهو إذا بدعة منكرة.
٣ - (صوم زكريا) هو صوم خاص بنساء العراق المسلمات وذلك بأن تمسك المرأَة نفسها عن الأكل والشرب وكل ما يفسد الصوم من شروق الشمس إلى الغروب. وعند الغروب يجري احتفال شائق في كل بيت من بيوت المسلمين يجتمع فيه أهل البيت فيمدون الموائد وعليها صنوف الأطعمة والأشربة وكل ما تشتهيه النفس وتلذ لمرآه العين. ويضعون بجانب مائدة الطعام مائدة أخرى في وسطها صحن مملوء (حناء) محاط بإبريق وتُنك (جمع تُنكة وهي الكوز بلسان أهل العراق والكلمة فارسية الأصل بمعناها) على عدد ما في البيت من الأنفس فيخصصون بكل ذكر إبريقاً وبكل أنثى تُنكة ويحيطونها بشموع ويضعون في أفواه الابارقة والتنك باقات الزهور ويكللونها بورق الليمون والبرتقال والياسمين، وعندما تغرب
следующие страницы →