Полный текст (6 158 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
(امحمله لهديفها عانيتي) يريد بذلك أنها مشحونة إلى أقصى طرفيها.
٥١: (الهمص). بضم الهاء والميم وفي الآخر صاد: خشبة تجمع العطوف عند المؤخر والمقدم في القياريات
كاظم الدجيلي
نقد الجزء الثاني من
كتاب تاريخ آداب اللغة العربية
لجرجي أفندي زيدان صاحب الهلال
٢ - أغلاطه النحوية اللغوية وأصول العربية
قد بينا فيما سبق (٤٤٧: ١ - ٤٤٨) أن إنشاء صاحب الهلال سلس سهل يتدفق تدفقاً من معينه لا تكلف فيه ولا تعقيد ألا أنه يرد فيه بعض الألفاظ التي هي اجدر بالعامة منها بالخاصة. ومما جاء في هذا الجزء قوله في ص ١٥، ١٨، ١٩، ٢٩، ٣٧، ٧٨، ٩٤ الخ ناهيك!. . . وقد نبهنا على هذا الغلط ٤٥١: ١. وقوله في نحو آخر تلك الصفحة وأحوالهم العائلية. ولو قال البيتية لأجاد وافصح.
وقال في ص ٢٢ ولكنهم جاءوا والعلوم قد تحلبت. . . لليونان. ولا معنى لتحلبت هنا. ولو قال استجمت لكانت أوفى بالمقصود.
وقال في ص ٣٠ وتخرج منها (أي من مدرسة قنسرين) جماعة كبيرة من السريان. والأصح أن يقال خرج منها أو تخرج فيها.
وفي ص ٣٧ وجعلوا لبعضهم رواتب وجواري والأوفق أن يقال: وجرايات. وإن كان لقوله الجواري وجه في اللغة ولاشتقاق.
وفي ص ٤١ تخفف بالغلائل والملايات. (كذا) ولا معنى للتخفف
стр. 702
هنا. لأن التخفف عندهم لبس الخف لا غير. ولا جرم أنه يريد أن يقول هنا لبس الخفيف من الثياب أو الشف منها. وتخفف لم ترد عندهم بهذا المعنى. وقال في تلك الصفحة: (واستبدل المضارب وفرشها الرمال، بقاعات فرشها البسط والسجاد.) وقد اكثر الكتاب من استعمال القاعة بمعنى الردهة والبهو وهي من المولد لا من الفصيح. ولا بأس من استعمالها. ألا أن جماعة من المتفصحين أنكروها ونسبوها إلى العامة. فهم غير محقين وقد وردت في كلام الشريف محمد بن اسعد الحراني المعروف بالنحوي قال: كان في داره (أي في دار ابن خنزابة التي تقابل دار السكاكي قاعة لطيفة مرخمة فيها أنواع الحشرات والهوام). اهـ
وفي ص ٤٦: وكنت في حياتك لي عظات. والأصح: وكانت. -
وفي ص ٥٤ في تجواله الأرض والأصح في تجواله في الأرض. وإن كان يجوز الأول على تأويل. - وفي ص ٥٥ تأثير الشعر في الهيئة الاجتماعية بمعنى المجتمع البشري أو الإنساني أو الألفة. كما انهم يستعملون الهيئة بمعنى اللجنة أو الجماعة أو الجمعية وكل ذلك من المولد الحديث والوضع ومن تصرف الأتراك في الألفاظ وتراكيبها كما أنهم يقولون (المختارية) بمعنى (الاستقلال الشخصي أو الإداري) وذلك أنهم يذهبون إلى أن الاختيار هو من أوصاف الإنسان الحرّ في عمله. فيكون المختار ذلك الرجل الذي يتصرف بأعماله الشخصية بمجرد اختياره. ومنه معنى الاستقلال الشخصي أو الإداري. ويقولون (التداركات العسكرية) مثلاً وهم يريدون بها التجهيزات العسكرية أو التعبئة وكل
стр. 703
ذلك من أوضاعهم وتصرفهم في لغتنا على غير هدى. - ولا نعلم كيف اخرجوا معنى لفظة الهيئة إلى المجتمع أو الجماعة أو اللجنة ألا أن يكون من باب التوسع الرحب بالألفاظ وذلك أن الناس إذا اجتمعوا فلابد لهم من هيئة يكونون عليها فالهيئة ملازمة للاجتماع كما لا يكون الاجتماع ألا ولهُ هيئة وعلى كلٍ فهو لم يسمع عن عربي فصيح قديم بل عن العرب المولدين فقط وقوم من الأتراك أو خالطوا الأتراك ونحن في غنىً عن تصرفهم في لغتنا ولا سيما عند وجود ألفاظ بمعناها سابقة لوضعهم هذا الركيك والضعيف الإشارة إلى اصله العائد إليه وفي تلك الصفحة: وكتبوهُ (أي الشعر) في صدور مجالسهم وعلى القباب والمستنظرات والأبواب ولم ترد المستنظرات بمعنى المنظرات أو المناظر.
وفي ص ٥٦: وآخرون انحازوا للشيعة العلوية والأصح انحازوا إلى الشيعة العلوية.
وفي ص ٦١ وقد تقدم أنه هو وبشار وأبا العتاهية والأصح وأبو العتاهية
وفي ص ٩٤ وعدة عائلات والأفصح عدة بيوت أو أسر أو عشائر.
وفي ص ١٦٦: أنه (أي الأدب) كان في العصر الماضي قاصراً على النقل وهذا من تعبير العوام. والأفصح مقصوراً على النقل وقد تكررت اللفظة في كتابه ومؤلفاته مراراً عديدة. - وفي ص ١٧٥: وله كتب أخرى هامة وهو يريد مهمة. وكثيراً ما يستعمل تلك اللفظة وهو يريد بها هذه. ولا وجه لها في العربية ألا من باب التخرج الحرج. وقد تكررت في كتابه هذا ومؤلفاته مراراً لا تحصى.
стр. 704
وفي ص ٢٠٩: (وأصحابها ثقة) والأفصح ثقات. وإن كان لقوله وجه صحيح باعتبار تنزيل الجميع في المنزلة الواحدة من الثقة وفي ص
٢١٣ كان كثير التضلع في العلوم. والأصح من العلوم. وفي تلك الصفحة: وكلاهما موجودان. والأفصح موجود. وفي ص ٢٢١: غضب على بختيشوع الطبيب وقبض ماله ونفاه إلى البحرين. والأفصح أن يقال هنا وقبض على ماله.
وفي ص ٢٤٢: لم يقتصر التصدي للنقد على الأدباء أو الشعراء. والأصح لم يقتصر التصدي لنقد الأدباء أو الشعراء. وفي ص ٢٤٥ عريق بالعروبة والأصح في العروبة وفي ص ٢٤٦ في بادية سماوة. والأصح في بادية السماوة بال التعريف والتعريف لا ينقطع عنها ألا على لغة الترك فأنهم يقولون موصل، حلة، بصرة، في الموصل والحلة والبصرة.
وفي ص ٢٤٧: وحلوا شعرها إلى نثر والأصح حلوا شعرها نثراً. -
وفي ص ٢٤٩: هو أبو فراس الحرث بن أبي العلاء. . . فهو شاعر أمير. والأصح حذف (فهو). - وفي ص ٢٥٣: وفي ألفاظه قعقعة وانين. والأفصح قعقعة وجعجعة أو قعقعة وطنين لأن الأنين لا يوافق القعقعة.
وفي ص ٢٦٦ عرَّب كلمة كلاسيك بالطريقة المدرسية والعرب يقولون: الطريقة الفصحى. وفي ص ٢٧٥: وينظر في الأربعة والخمسة الأوراق والأصح في الأربع والخمس الأوراق لأنها جمع ورقة وورقة مؤنثة. - وفي ص ٢٧٩ وأَأْباهم للضيم والأصح وآباهم للضيم - وفي ص ٢٩١: (يظهر أن العرب قلما اهتموا لهذا الفن والأصح اهتموا بهذا الفن لأنه يقال: اهتم له بأمره. لا اهتم به لأمره.
стр. 705
العدد ١٨
السويديون
السويديون أسرة شريفة كريمة عريقة الفضل والنسب والعلم والأدب نبغ منها رجال مبرزون في فنون المعارف والآداب العربية في عصور مختلفة وقد صنفوا التصانيف المفيدة والتآليف العديدة فأفادوا من جاء بعدهم ببعضها إن لم يكن بجميعها كما استفادوا هم من الذين قبلهم.
السويديون عباسيو النسب شافعيو المذهب بغداديو المنشأ والتربية والآداب والتحصيل أولاً وأخراً.
نشأ أباء السويديين الأولون في بغداد على ما ذكروه في نسبهم وهم الخلفاء مثل محمد الأمين وهارون الرشيد ومحمد المهدي وعبد الله المنصور ثم لما انتقلت الخلافة إلى سامراء بانتقال المعتصم إليها وبنى المتوكل فيها قصوره في الجعفري أو الجعفرية فانتقل إليها قطن أباء السويديين منذ ذلك الحين الدور التي هي قرب الجعفريّ أو الجعفرية وما زالوا فيها حتى أواخر القرن العاشر من الهجرة وأول رجل منهم وصلنا خبره في بغداد هو
стр. 706
ناصر الدين الجد الثالث للشيخ عبد الله السويدي ولم تزل أسرة السويديين تقطن الكرخ الجانب الغربي من بغداد حتى يومنا هذا. أما الاسم الذي نبه به ذكر السويديين فهو عبد الله بن حسين بن مرعي بن الشيخ ناصر الدين وأن كان قد نبغ بعد عبد الله من هو اعلم منه بكثير مثل الشيخ علي ومثل الشيخ عبد الرحمن. - وسنأتي على ترجمتها في هذه العجالة إن شاء الله تعالى. - ولكن الفضل للمتقدم.
стр. 707
هذا وبعد تمهيد هذه المقدمة نأتي على ذكر تراجم عشرة رجال منهم أولهم الشيخ عبد الله وأخرهم الشيخ سليمان على حسب ترتيب الأباء والأبناء لا على حسب ترتيب حروف الهجاء. فنقول:
١ - الشيخ عبد الله السويدي
١: (نسبه): هو أبو البركات عبد الله بن حسين بن مرعي بن ناصر الدين بن الحسين بن علي بن احمد بن محمد المدلل بن الحسين بن علي بن عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي بكر بن الفضل بن احمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن احمد بن اسحق بن جعفر بن
احمد بن الموفق طلحة بن جعفر بن محمد بن الرشيد بن محمد بن عبد الله المنصور بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب الهاشمي القرشي
٢ - : (مولده ومنشأه وتربيته): ولد الشيخ عبد الله في الكرخ الجانب الغربي من بغداد وذلك سنة ١١٠٤هـ - ١٦٩٢م وما بلغ من العمر ست سنوات إلا ودهمت والده المنية فكفله عمه لامه (خاله) الشيخ احمد بن سويد فنسب إليه منذ ذاك الحين ومنذ ذاك العهد اخذ بتهذيبه
стр. 708
فاقرأه القران وعلمه صنعة الكتابة وشيئاً من الفقه والنحو والصرف وبعده أجازه بما يجوز له.
٣ - : (اشتغاله وتحصيله وأساتذته): وبعد أن درس في بغداد على الشيخ حسين بن نوح المعمر الحنفي البغدادي وعلى الشيخ سلطان بن ناصر الجبوري الشافعي الخابوري ارتحل في طلب العلم إلى الموصل فدرس فيها علي ياسين أفندي الحنفي وفتح الله أفندي الحنفي ثم كر راجعاً إلى بغداد وقد أتم المادة في العلوم العقلية والنقلية وعند وروده بغداد قرأَ فيها شيئاً كثيراً من الفقه والأصول على الشيخ محمد الرحبي مفتي الشافعية ببغداد ثم تصدر للتدريس والإفادة في داره وفي جامع الشيخ عبد القادر الكيلاني وفي المدرسة المرجانية وفي يوم الأحد ٢١ من شهر شوال سنة ١١٥٦هـ - ١٧٤٣م طلب لمعسكر نادر شاه في النجف للمناظرة مع علماء إيران والتحكيم في الخلاف الذي بينهم وقد كانوا من ثلاث بلاد مختلفة: من إيران وأفغانستان وما وراء النهر. وفي سنة ١١٧٥هـ - ١٧٦١م حج بيت الله الحرام متخذاً طريق الموصل فحلب
стр. 709
فدمشق وقد اخذ فيها عن عدة مشايخ ودرس في طريقه دروساً عامة وخاصة وقد اخذ عنه فيها خلق كثير منهم الشيخ محمد العقاد الشافعي ودرس أيضاً في المدينة المنوَّرة في الروضة المطهرة أطراف الكتب الستة وحضره الأَئمة والأفاضل.
٤ - (مؤلفاته): وبعد رجوعه من الحج عكف على تأْليف المؤلفات النافعة فألف من الكتب كتاب الجمانات في الاستعارة وكتاب الأمثال السائرة وقد طبع في مصر ١٣٢٤هـ وكتاب النفحة المسكية في الرحلة المكية جمع فيه من الأخبار والمحاورات وما أشبه من أنواع الأدب شيئاً كثيراً وذكر فيها قصة نادر شاه وما جرى من الأبحاث له مع علماء إيران وقد طبعت تلك المحاورة على حدة باسم الحجج القطعية لاتفاق الفرق الإسلامية في مصر سنة
١٣٢٤هـ ولها ترجمة تركية أوسع منها نطاقاً طبعت أيضاً في مصر سنة ١٣٢٦هـ وله من الشروح والحواشي كتاب رشف الضرب شرح لامية العرب وكتاب أتحاف الحبيب حاشية على مغني اللبيب جعلها محاكمة بين شراح المغنى والدماميني والشمني وابن الملا والماتن وله كتاب انفع الوسائل شرح الدلائل (أي دلائل الخيرات) وديوان شعر.
٥ - (نظمه ونثره): قل من العلماء من يبرع في العلم والشعر فيكون عالماً فاضلاً وشاعراً ماهراً معاً وشيخنا المترجم قد حاز قصب السبق في كليهما فقد بلغ في الأدب شأُواً بعيداً ونال فيه منزلةً ترفعه بين الأدباء وله نظم يزري بالمنظوم ونثر يهزأُ بالمنثور ومن نظمه قوله وقد ضمنها مقامته الأمثال السائرة:
стр. 710
تهيأ لأشجان بقلبك حلت ... وعقد وكاء العين للدمع حلت
ستبكي إذا بِناَّ وتنشد كلما ... تذكرتنا في كل يوم وليلة
(وما كنت ادري قبل عزة ما البكا ... ولا موجعات القلب حتى تولت)
وله من الشعر المزدوج وقد ضمنها مقامته أيضاً:
إلى مَ تطلب الجد ... وتبغي الحظ والجد
وتعني الكبر والجد ... بذكر الأب والجد
تجنب جانب الزهو ... وخل عنك ذا السهو
إلى مَ أنت في لهو ... ولا كسب ولا كد
إلى كم أنت تعتل ... وكل الشر تفعل
فعن ذا الفعل تُسأَل ... فما الجواب والرد
تجنب قول من ذم ... وإن خص وإن عم
ولا تصغ لمن نم ... ولو جاَءك بالحمد
إذا حل بك الموت ... أَجبت داعي الفوت
ولا حس ولا صوت ... وهذا آخر العهد
هناك تخشى الأهوال ... وليس تجدي الآمال
ولا أهل ولا مال ... ولا عرض ولا نقد
وقال وقد أهداه أحد أصحابه في يوم واحد ثلاث هدايا وكان لصاحبه
стр. 711
المذكور غلام اسمه
عطية فورى به:
يا فاضلاً لا يجارى ... في البحث بين البريه
وسيداً ذا أيادٍ ... بالشكر مني حريه
غمرتني بالعطايا ... وكان حسبي عطيه
ولهُ في الغزل والنسيب شعر يدخل الأذن بغير أذن لو كناه لعدم مناسبة موضوعه للمجلة وأما نثره فحسبه مقامته الأمثال السائرة ومن طالعها عرف علو كعبه في النثر.
٦ - (افول شمسه): وفي ضحوة يوم السبت حادي عشر شهر شوال سنة ١١٧٤هـ - ١٧٦٠م انتقل من الدار الفانية إلى الدار الباقية ودفن في جوار معروف الكرخي وقد عمر في الدنيا سبعين سنةً وأعقب من الأولاد أربعة وهم عبد الرحمن ومحمد سعيد وإبراهيم واحمد وكلهم برعوا في فنون العلم والأدب.
كاظم الدجيلي
الطباعة
١ - فوائد الطباعة
للطباعة فوائد جليلة، ومنافع عديدة، إذ بها انتشرت العلوم الحديثة، وصار أفقر العباد في هذا القرن يقتني من الكتب والأسفار ما ليس في إمكان أغنى الأغنياء في القرن الثالث عشر والذي قبله أن يقتني عشر معشاره لقلة الكتب وندرة وجودها وغلاء أثمانها في هاتيك القرون الغابرة وكثرتها بواسطة الطباعة في هذا القرن فكم من كتاب جليل كثير النفع عظيم
стр. 712
الفائدة كان في ما سلف في زوايا النسيان قد انتشر اليوم بفضل الطباعة وتناولته الأيدي واستنارت الأمم بنبراسهِ، وكم من كتب موسوعات العلوم كانت في ما سبق باهضة الأثمان، لا يتمكن اقتناؤها إلا المثرون والملوك، فكان الفقير يتحسر على رؤيتها ويذوب شوقاً إليها فلا يمكنه شراؤها لقلة ما في يده، وكم من أرباب الذكاء والدهاء لو كان في أزمانهم من الوسائل التي تنشر أفكارهم وتبث آراءَهم بين الأمم والشعوب لخدموا المجتمع البشري خدمة ظهرت فوائدها، واقتطفت ثمراتها، وكم من علماء أعلام وأساتذة فخام، وباحثين وأطباء وبلغاء وفصحاء وملوك فاتحين، اندرست آثارهم، وغابت عنا أخبارهم بضياع دفاترهم ودواوين أخبارهم، لخلو الطباعة في هاتيك الأزمنة الغابرة لتنشرها بين الأقوام وبقي مجتمعنا اليوم محروماً من الوقوف على سيرهم وأديانهم ومدنيتهم إلا شيئاً طفيفاً استخرجه الباحثون من بين القبور في بلاد الفراعنة، وفي كهوف الجبال في فنيقية وفارس، ومن بين الخرائب في بابل ونينوى، فما هذه المدنية التي فضلت فيها قرننا الحاضر القرون الغابرة، وما هذه الكتب المفيدة والأسفار الكبيرة، التي حوت كل فكر سامٍ وعلم جليل، ورأي ثاقب إلا ثمرة من ثمرات المطابع وما سر هذه الحياة وعلة هذه المدنية التي أبهرت العقول، بل ما هذه النهضات الأدبية، والاجتماعية، والاخلاقية، والسياسية التي نراها كل يوم بين الشعوب إلا وهي نتيجة ذلك المخترع العظيم لذاك الاختراع الجليل.
٢ - اختراع فن الطباعة
المشهور أن أول من اخترع فن الطباعة، وأذاعه بين الأمم والشعوب
стр. 713
هو رجل اسمه
غوتنبرغ وكان ذلك في أواسط القرن الخامس عشر حينما كانت الأفكار ناضجة في أوروبا أي أنه اخترعها سنة ١٤٤١م وأذاعها سنة ١٤٥٤م بيد أن هذا المخترع العظيم لم يكن يكتفي بظواهر هذا الاختراع ويقنع بما ناله من شعبه من التبجيل والإكرام بل اخذ على نفسه طبع الكتب النفيسة والأسفار العتيقة لينشرها في العالم الأوربي. فكان أول كتاب طبعه التوراة الكريمة سنة ١٤٥٦م وكتاب الزبور باللاتينية سنة ١٤٥٧م. ولما ظهرت فوائد الطباعة للعيان أخذت الشعوب الناهضة باقتناء الكتب والآثار الدينية لرخص أثمانها وكانت إنكلترة هي السابقة إلى نشر الطباعة والكتب في بلادها. ففي السنة التي فيها طبع غوتنبرغ كتاب الزبور دخل فن الطباعة إنكلترة على يد أحد التجار وأول مطبعة أنشئت في إنكلترة كانت في وستمنستر سنة ١٤٧٤م وقد كان فن الطباعة في بادئ أمره ناقصاً محتاجاً إلى إصلاح فارتقى رويداً رويداً عملاً بسنة النشوء والارتقاء حتى إذا جاء القرن الثامن عشر اخترع الأستاذ الوئيس سنفلدير الألماني الطبع على الحجر بصورة سهلة فتوسعت بذلك الطباعة وصارت تتناول الكتب الفلسفية والجرائد والمجلات وكتب موسوعات العلوم بعد أن كانت مقصورة على طبع الكتب الدينية والردود والمنشورات التي كانت قائمة بين لوثير مؤسس البروتستانية وأشياعه والبابا رئيس الديانة الكاثوليكية واتباعه، وهكذا انتشرت الطباعة بين الشعوب والأقوام السريعة الخطوات نحو المدنية.
стр. 714
فاستنارت الأمم بحضارتي الرومان واليونان ووقف العالم الغربي على سرائرهما ودخائلهما بعد أن كان لعب بكتبهما الزمان وغادرها مطروحة في زوايا الإهمال حتى اخذ كل فرد يقتنيها من غير تكلف وعناء.
٣ - الطباعة في بابل وأشور
وهنا لا بأس من أن نزيف أقوال البعض الذين أنكروا على غوتنبرغ اختراع فن الطبع وزعموا أنه يرتقي إلى عهد البابليين والآشوريين حينما كانوا يطبعون أدعيتهم للآلهة على ألواح صغيرة من الصلصال مستدلين على ذلك بما عثر عليه النقابون في خرائب بابل من ديار العراق وفي أشور قرب نينوى من تلك الألواح التي تؤيد مزاعمهم بيد أن ذلك مردود بأن مثل هذا لا يصدق عليه فن الطبع ولو صدق عليه لجاز لنا أن ننسب فن الطبع إلى الأمم التي كانت قبل أمة الآشوريين والبابليين كالأكديين والسومريين والعيلاميين الذين
وجد الباحثون من آثارهم شيئاً كثيراً كالرقم المسمارية والآجر المكتوب عليها أخبارهم وسير ملوكهم وأحوالهم وحروبهم مع أننا لم ننسب ذلك إليهم ولم نسمع أحداً قال بذلك إذ أن فن الطبع غير الكتابة على الأحجار والألواح.
أما وقد رأَيت بطلان هذا الرأي فلا بأس من أن نزيف أيضاً أقوال الناسبين اختراع فن الطباعة إلى رجل يدعى فست وذلك سنة ١٤٤١م أو إلى آخر يدعى كستر وأنه اخترعها سنة ١٤٢٣م أي قبل فست بثماني عشرة سنة قلنا أن هذا الرأي مردود أيضاً لأنه أن كان هؤلاء الرجال في عصر واحدٍ فما الذي أقعدهم عن أن يكذبوا غوتنبرغ ويدعوا الاختراع لأنفسهم ولو فرضنا أن المخترعين لهذا الفن قد توفيا قبل
стр. 715
ادعاء غوتنبرغ ذلك له ولم يكن وقتئذ أحد عالماً بذلك فمن الذي أوصل إلينا خبر نسبة اختراع فن الطباعة إلى هذين الرجلين ولو سلمنا جدلاً أن المطلعين على الحقيقة أبوا أن يذيعوها إذ أنه مما يلطخ صفحة تاريخ غوتنبرغ بلطخة سوداء وهو مما كانوا يتحاشونه خوفاً على شرف الرجل فهل نسلم بأن أولئك الرواة الذين غضوا نظرهم عن منكر ليس كسائر المنكرات وجريمة باهظة لا يمكن الطعن بهم وبروايتهم أو لا تخلو أقوالهم من دسيسة وافتراء. كلا ثم كلا: إذاً أن مخترع فن الطباعة هو غوتنبرغ صاحب الراية البيضاء على العالم فلا يجب حينئذٍ أن نبخس حقه أو ننكر عليه سعيه بل يجب أن لا نذكر اسمه إلا ومقروناً بالتجلة والاحترام فجزاه الله عن العلم خيراً.
٤ - الطباعة في البلاد العثمانية
القسطنطينية اسبق البلاد العثمانية إلى صناعة الطبع النفيسة وكان سلاطين آل عثمان في بادئ الأمر لا ينظرون إلى الطباعة بعين الاهتمام والرضى لأنهم كانوا يخشون أن تتشوه محاسن الكتب الدينية أو يعتريها بعض التحريف بواسطة الطبع حتى أن السلطان بيازيد خان الثاني نشر منشوراً عالياً سنة ١٤٨٥م حظر فيه على رعاياه اتخاذ المطبوعات ولما جلس السلطان الغازي سليم خان الأول على سرير الملك أيد منشور أبيه بأمر عال أصدره سنة ١٥١٥م على أن ذلك لم يكن يحول دون انتشار الطباعة في البلاد العثمانية إلا موقتاً
стр. 716
وأول من سعى بإنشاء مطبعة في الأستانة رجل يهودي عالم كان من أرباب الثروة والجاه متقرباً من رجال الإدارة في العاصمة يدعى اسحق جرسون وكان قصده من ذلك أن ينشر
بين أهل ملته الكتب المطبوعة ويغنيهم عن المؤلفات التي لا يحصل عليها إلا بالمشقات لقلة وجودها وندرتها ويرتقي عهد هذه المطبعة إلى القرن الخامس عشر وكانت تطبع الكتب العربية بحروف عبرانية وهي على ما يرويه لنا التاريخ أول مطبعة شرقية أدت للآداب العبرية خدمة جليلة مدة ثلاثة قرون.
أما الطباعة بالحروف العربية فقد دخلت الأستانة لأول مرة على يد محمد جلبي المعروف بيكرمي سكز وابنه سعيد أفندي في عهد السلطان الغازي سليم خان الثالث، وكانا من ذوي المدارك السامية، والهمم العالية وكان محمد أفندي سفيراً للدولة العلية في باريس فلفتت أنظاره المطابع الفرنسوية فأراد أن يتحف بها الأستانة فاخذ يستميل أراء كبار رجال العلم والأدب إلى هذا المشروع الكثير النفع وإخراجه إلى حيز الوجود وبدهائه واجتهاده اجتذب كبار رجال الدولة واستمال إليه الصدر الأعظم إبراهيم باشا صهر السلطان فأيد مشروعه ونصره في مهمته وأمده بأموال طائلة واصدر بحقه أمراً سامياً يجيز له طبع كل الكتب إلا الدينية كالتفسير والحديث والفقه بيد أنه أستحصل أخيراً فتوى أجازت له طبع الكتب الدينية أيضاً واليك صورة الاستفتاء بحروفها (وأظن أن هذا الاستفتاء هو بشأن جواز الطبع كما يفهم منه):
(ما قولكم دام فضلكم في ما يقوله زيد ويدعيه عمرو من أنه يقدر على
стр. 717
نقش صور كلمات وحروف المؤلفات في العلوم الآلية: القواميس والمنطق والحكمة والفلك وجمعها في قالب وطبعها على الورق واستحصال نسخ كثيرة من هذه الكتب فهل يجوز له ذلك شرعاً أفتونا مأجورين) وقد أفتى له بجواز ذلك عبد الله أفندي شيخ الإسلام في ذلك الزمان واليك صورة الفتوى:
(إن زيداً الذي برع في صناعة الطبع إذا نقش صحيحاً على الورق فأنه يحصل على نسخ كثيرة من غير عناء وتعب وهذا مما يستوجب رخص أثمان الكتب والمؤلفات ومن ثم تتداولها الأيدي وبذلك تعم الفائدة وتشمل كل طبقات الناس وعليه يجوز شرعاً الطبع على الوجه المذكور ويستحسن تأليف لجنة لتصحيح الكتب المراد نقشها والله اعلم).
وقد اتفق أن سعيد أفندي فتش على رجل عالم بفن الطباعة ماهر بهذه الصناعة فسمع بشهرة (إبراهيم اغا متفرقة) وكان من حراس القصر السلطاني من أهل المجردان بالإسلام
فحادثه على أن يساعده في هذه المهمة فاتفق معه فأخذا يبذلان جدهما في تأسيس مطبعة وجلب آلاتها وسكب قوالب حروفها وكان أول كتاب طبعاه ترجمة صحاح الجوهري سنة ١١٤١هـ - ١٧٢٨م وكتاب تحفة الكبار في أسفار البحار المسمى بتاريخ الحاج خليفة في تلك السنة عينها وتعددت بعد ذلك مطبوعاتها.
ولما توفي (إبراهيم آغا متفرقة) أخذت المطبعة في الانحطاط والنزول إذ خلفه في أدارتها إبراهيم أفندي من القضاة السابقين إلى أن توفي هذا أيضاً فتعطلت مدة تزيد على ٢٠ سنة ثم فتحت سنة ١١٩٨هـ - ١٧٨٢م
стр. 718
وطبعت فيها أهم الكتب النفيسة وأكثرها لغوية وتاريخية وفنية ولما نجحت هذه المهمة ورأى المنورون فوائد الطبع وسهولة اقتناء الكتب بواسطتها انتشرت في سائر البلاد العثمانية وكثرت المطابع فيها ولم يأُت القرن التاسع عشر إلا وكثرت المطبوعات وتعددت ونمت نمواً باهراً ومن أشهر المطابع العربية في الأستانة في ذك القرن مطبعة الجوائب وكان لها اليد الطولى على النهضة العربية بمطبوعاتها النادرة.
٥ - المطابع في سورية
أما المطابع في البلاد العربية فدخلت أولاً (لبنان) على يد الراهب الماروني عبد الله ضاهر سنة ١١٤١ وكان لها مطبوعات جمة ليس هنا محل ذكرها ودخلت الطباعة حلب في القرن الثامن عشر وأول مطبعة ظهرت فيها على ما نعلم المطبعة الحلبية المارونية سنة ١٨٥٧م ومنشئها المطران يوسف مطر. وهي باقية حتى الآن وادخل الطباعة إلى بيروت الروم الأرثوذكس في أواسط القرن الثامن عشر وأول مطبعة أسست فيها مطبعة القديس جاورجيوس وأول مطبعة ظهرت في الشام المطبعة الحنفية وهي التي أحضرها من ديار الغرب المرحوم حنا الدوماني سنة ١٢٧٢هـ ١٨٥٥م وهي الآن متروكة لما انتابها من العراقيل ويليها في القدم مطبعة ولاية سورية أنشئت سنة ١٢٨٢هـ - ١٨٦٢م وفيها تطبع جريدة سورية الرسمية وأول من ادخل الطباعة إلى القدس الآباء الفرنسيسيون وأسسوا مطبعتهم فيها سنة ١٨٤٦م بمساعدة الإمبراطور فرانسوا جوزيف النمسوي. هذا مختصر تاريخ الطباعة بالحروف العربية في ربوع سورية بقي علينا
стр. 719
أن نبحث عن تاريخ الطباعة في ديار العراق التي هي من صميم البلاد العربية وعلى ذلك نبتدئ أولاً بتاريخ الطباعة في بغداد لأنها قاعدة العراق وقلبه الحقيقي
إبراهيم حلمي
أفكار الغربيين نحونا
لا ينكر أحد من الذين نور الله بصائرهم بنور الهدى أن للغربيين على الشرقيين يداً بيضاء لا تقوم بشكرها الألسن. كيف لا ونرى الشرقي المدرب متى حاول كتابة شيء عن الشرق وأبنائه بل عن قطره نفسه لا يقدر أن يفي الموضوع حقه بدون أن يراجع الكتب التي كتبها الإفرنج في موضوعه ويشرف عليه أتم الإشراف.
والسبب الذي يجعل الشرقي مفتقراً إلى الغربي هو ما تعوده من المبالغة في أكثر الأشياء التي يكتب عنها حتى أن المبالغة فيها ربما جاءت أضعاف الأضعاف. أو هو خلوه من استقصاء الأخبار، وتمام ما يتعلق بها.
وبما أن الغربيين قد جبلوا على نبذ المبالغة. وعلى تحري الحقائق مع البحث والتنقيب عنها بكل سعة وتفرغ. تراهم يتكبدون لها مشاق يقف دونها الهمام المقدام عاجزاً. بل تراهم غير هيابين ولا مبالين بصرف المصاريف الباهظة والمخاطرة بنفوسهم ونفائسهم. وهم مع كل ذلك لا يأُلون جهداً في السعي وراء ضالتهم المنشودة.
هذا ومع حرصهم على تدوين الحقائق تراهم يخطئون في بعض ما يكتبون خطأُ
стр. 720
بيناً خصوصاً في كتاباتهم التي تختص بالمذاهب والأديان. وقد يعذرهم المنصف العارف بعوائد الشرقيين وأخلاقهم لأن ثمة سراً لا يقدر أن يطلع عليه غير الشرقي نفسه وسببه جهله الفاشي بين اظهر أصحابه فشوّاً فاحشاً سيما العراقيين منهم.
فالعراقيون يخلطون الواجب بالمستحب، والحلال بالحرام، والأصل بالفرع، والفرع بالبدعة، والبدعة بالعادة، والعادة بالخرافة، ويعتبرون الجميع من أصل واحد. وينسبونها كلها إلى صدر الإسلام. وربما يعزونها إلى النبي ﷺ أو إلى صحابته الكرام (رض) بلا سند ولا دليل. وإذا اعترض عليهم معترض كفروه في الحال ونسبوه إلى الزندقة والإلحاد. والإسلام براء مما يزعمون.
إذا سأل الغربي الذي لا يعرف من الشرقيين إلا صورهم وأسماءهم وأزياءهم سؤالاً يوجهه إلى العراقي ليستخبره عن عمل رآه يعمله أو يقوم بواجب: هل هذا من أصل الدين أو فروعه أو بدعة ابتدعها أحد المسلمين أو عادة تعودها العراقيون من القديم. فلا يجيبه إلا
بعكس ما سأله وغير ما قصده ظناً منه أنه إذا أوهمه بالجواب وأضله بالكلام لا يحصل ذاك على نتيجة منه فيرجع حينئذٍ بخفي حنين. وذلك لاعتقاد بعض الجامدين حرمة كشف أستار الدين للرجل الذي ليس من المسلمين. أو تعصباً منه لفرقته حتى على الفرقة التي تناوئها من فرق المسلمين أنفسهم. أو حذراً من الانتقاد أو وقوعاً لسوء تفاهم بين السائل والمسؤول.
فإذا سمع الغربي هذا الجواب، دونه في ديوان رحلته وجعله غاية سؤاله واخذ بعدئذٍ بتعليق حواشٍ وتفاسير عليه ظناً منه أنه لم يرو له إلا الصحيح.
стр. 721
لما تعوده من صدق اللهجة وحرية الضمير في أبناء قومه ولم يدر (شتان بين مشرق ومغرب)
والذي حداني على كتابة هذه الأسطر هو ما كتبته مجلة الالستراسيون الباريسية من مقالة تحت عنوان (مكة الثانية) على رواية رجل غربي أقام في كربلاء مدة. ولما كان الكاتب والراوي قد اخطأا فيما كتبا في عدة مواضع من المقالة نفسها، أحببت نشرها لأعلق عليها بعض الحواشي إيضاحاً لما التبس عليهما أو إصلاحاً لخطأهما. لأن المقالة تمس الفرقة التي أنا منها ولأن أهل مكة أدرى بشعابها. وإليك المقالة برمتها معربة بقلم صاحب المجلة. قال الكاتب:
لقد استفاض بين الناس أن دين محمد لا يميل بمومنيه إلى آراء الحرية ومع ذلك ترى مسلمين كثيرين، ومن أشدهم تمسكا بدينهم يخالطون الكفار ويصادقونهم، وربما اتصلت قلوبهم بقلوب خلطائهم اتصالاً لا شبهة فيه. ولقد أثبتت حوادث بلاد الدولة العثمانية الحديثة أن إيمان المسلمين أو معتقدهم ليس من العقبات الكؤودة التي تحول دون التقدم والرقي وقبول بعض الآراء الحديثة وكما أن للفضيلة درجات فللتعصب أيضاً طبقات ومهما يكن من هذا الأمر فأن وجد بعض المسلمين يوجهون حسن التفاتهم إلى النصارى، ولا يظهرون اشمئزازهم من اليهود فاعلم يقيناً أن أولئك المحمديين هم سنيون. فتقواهم السمحة، وحسن ملاطفتهم لمن كانوا على غير دينهم، والأنس بمن جاورهم وخادنهم، يقابله عند الشيعة التعصب الشديد الذي ليس ورآءَهُ تعصب.
стр. 722
ويرتقي أصل هذه الفرقة إلى الحسين الابن الثاني لعلي بن أبي طالب، صهر محمد، والى واقعة محزنة دموية وقعت سنة ٦١ من الهجرة ٦٨ للميلاد في العراق العربي أي في ديار
بابل القديمة.
بعد وفاة علي بن أبي طالب ثارت مباحثات شديدة، واحتدمت نيرانها بين خليفة المسلمين، رئيس السلطة الزمنية وبين الأئمة العلويين الذين كانوا يقولون أنه يحق لهم تدبير كل أمر في ما يتعلق بالدينيات فلما انتقلت الإمامة إلى
стр. 723
الحسين، وأصبح راس العلويين، هجر المدينة طالباً الكوفة تخلصاً من قبضة الخليفة. وكانت الكوفة يومئذٍ حاضرة العراق والعربي وأمهُ، وفيها من محبي العلويين جماعة دعته إليها. وبينما كان يسير في طريقه إذ بحبل حزبه انتكث. وذلك أنه بعث مسلم بن عقيل ابن عمه بمنزلة رئيس للكوفيين وإذا بجمع غدروه وقتلوه. وفي ٣ من الشهر المحرم وصل الإمام إلى كربلاء ولم يكن يعرف ما وقع من الخيانة والغدر بمسلم فخيم مع قافلته، على شز هناك وما كاد يستقر إلا وفاجأَه جيش زحف ليهجم عليه. فقاسى العلويون مدة أسبوع من العذابات ما لا يصفه واصف ولا سيما الجوع والعطش وفي اليوم العاشر من الشهر المذكور وهو يوم عاشوراء قتل من تلك الزمرة كل من لم يمت في تلك المدة وكان عدد المتوفين جملة ١٨ شخصاً من أهل البيت و٧٢ ممن كانوا برفقته. وأما النساء فأخذن إلى دمشق الشام.
وبعد وفاة هؤلاء المظلومين، نبت في تلك الصحراء أزهار روايات وأحاديث مختلفة سقتها دماء الشهداء وغدت مذبحة كربلاء (ومعنى كربلاء محل الحب) كذا مرادفة للمحرقة الصادقة في لغة جميع محبي هؤلاء الشهداء. وأصبح الحسين نوعاً من المسيح، وقد ذبح لفداء الناس في الزمن الذي أتى فيه لينقل إليهم كلام الحياة.
ومن الأحاديث المروية عند الشيعة أن جبريل اخبر محمداً ومحمداً أنبأ فاطمة الزهراء أبنته بأن الأمر ينتهي بأحد أبنائها على هذا الوجه وبأن قبره يشتهر كل الشهرة في الدنيا كلها. وتبنى حوله مدينة تكون بعيدة السمعة. ولقد تم الأمر طبقاً للنبوة.
стр. 724
فإن أحد الصحابة واسمه جابر جاء بعد ٤٠ يوماً من وقوع تلك المذبحة الهائلة ليكرم قبر الإمام الشهيد. لأن محمداً كان قد قال له: (أن الحسين يقتل ويدفن في كربلاء وبعد ٤٠ يوماً تبدأ زيارة قبره.) فكانت زيارة جابر أول زيارة لهذه التربة. ومنذ ذاك الحين بدأ تاريخ تأسيس كربلاء
стр. 725
أما اليوم فأن هذه المدينة أصبحت مقدس الشيعة ومحجهم بل مكتهم الثانية وهم يحمونها من غير المسلمين اكثر مما يحمون مكة عنهم، ويدافعون عن حرمها كثر مما يدافعون عم حرم
مكة وأن كان في مكة الكعبة وفي الكعبة الحجر الأسود.
ولقد بقيت كربلاء بعيدة عن كل انتهاك. وأننا لنظن أن أحسن ما كتب في كربلاء من المقالات هو ما أدرج في جريدة الطان (الفرنسوية) في نحو أواخر سنة ١٩٠٧ وأوائل سنة ١٩٠٨ ولم يسبقها سابق قبل ذلك العهد في تلك اللغة. بل ولم يكتب عن الأرجاء المجاورة لها قبل ذلك الأوان
أما مكاتبنا الفاضل المختفي عنا باسم (المنصور) المستعار، فأنه دخل حرم كربلاء وقد توصلنا بواسطته إلى نشر رسوم داخل الصحن وكل ما يتعلق به ورسوم سائر مساجد مدينة كربلاء مع صور الزوار والمواكب الحافلة التي رآها، كما فعل سابقاً فنشر في عدد ٧ ت ٢ من مجلتنا رسوم قلب مكة وما فيها. (المقالة مصورة في الأصل).
كربلاء جالسة تحت ظل النخل الوارف، بل راكبة الحسينية نهر متفرع من الفرات، ذلك الفرات الذي كانت قد نصبت عليه بابل، عرشها لزائل وقبل أن تصل المدينة ترى عن بعد من فوق رؤوس النخل والغرب
стр. 726
والصفصاف وسائر الأشجار قبب صحنيها القاشانية الآجر المتلألئة في الشمس، ومآذنها المغشاة بغلالة من الذهب الإبريز وهذان الصحنان هما صحنا الإمام الحسين والإمام العباس أخ الحسين من أبيه وأحد أصحابه المنكوبين. وكل من هذين الصحنين قائم في الموطن الذي قتل فيه صاحب الإمام الشهيد وخص به.
في كل سنة ينسل إلى هاتين التربتين من كل حدب وصوب زرافات زرافات من أبناء الشيعة قادمين إليها من ديار العجم والهند وكوه قاف (قفقاز) والبلاد القاصية من قلب اسية حيث يكثر الشيعيون. وكربلاء بدون الزوار مدينة فارغة، بل لولا الزوار لما بقيت هذه المدينة إلى يومنا هذا. وفي الأيام التي لا يفد إليها الزوار - والزيارة تدوم سحابة السنة تقريباً وتبطل شيئاً في أيام الباحوراء فقط - ترى كربلاء خامدة ليس فيها إلا ١٥٠٠٠ نسمة في الأكثر. وقد أخذهم النعاس فوق سطوحهم المتظللة بالنخل.
стр. 727
وإذا أردت آن تعرف تقى الشيعة على مدى القرون، اذهب وانظر ذينك الصحنين وسائر مساجد كربلاء ترها مزدانة بأفخر ما يجود به الحب والدين. فإن حيطانها مثلاً مغشاة بالآجر المطلي بالقاشاني الملون بالألوان الزاهية العجيب الصنع حتى انك لتقول: أنه لا يمكن للإنسان أن يحلم ببناءٍ أفخر مما يرى هناك. ففي جوانب الأبواب سهوات محكمة
البناء بديعة الشكل على هيئة النخاريب، مرصعة بقطع من المرائي تأخذ بمجامع القلوب. وترى الأبواب مقوسة أقواسا فائقة الحسن، تكاد تنطبق على نفسها انطباقاً، وكلها مخرمة، وتخاريمها من الطاباق الغريب القطع والنحت والحفر، هذا ولا يمكننا أن نغفل عن ذكر العمد الرشيقة القد المتخذة من الخشب الفاخر، وهي تدعم البناء الذي يطوف بالحرم أبدع طواف.
وهل من مذخر احسن من هذا المذخر. وهل لا يكون إلا دون ما يجدر برفات الإمام الذي أصبح لجماعة الشيعة مخلصاً وفادياً؟
وفي أقصى الحرم مصطبة نفيسة تحتها رمم الإمام، والمصطبة بديعة النقش والحفر، عجيبة الصبغ والتلوين، ترى من وراء مشبك من الشبه
стр. 728
المصمت، يظللها غشاء أو ستار هو بساط فريد الصنع، بل تحفة من تحف العالم، حاكته طائفة من مهرة صناع الفرس، ولا يمكن أن يقدر له ثمن لبديع أحكامه، وغرابة إتقانه. فهذا القبر هو غاية ما يرمي إليه الزوار الإمامية. فإذا وصلوا كربلاء ودخلوا الحرم يدنون من هذا المشبك اللزز ويتمسكون به بعبادةٍ وتقى، ثم يبسطون أيديهم ويصلون صلاة حارة ثم يرجعون إلى من حيث اتوا والوجه باش منور من كثرة فرحهم.
إن صحن الحسين وقبره يبقيان في كل زمن قريبي المنال خلافاً لكعبة مكة وزوار كربلاء يكثرون في الشهر المحرم وهو الشهر الذي قتل فيه الإمام وأصحابه ولذا تراهم يجتمعون في تلك المدينة ويتحلبون إليها من كل صوب فتاتي القوافل مئاتٍ مئاتٍ. وعليه يكون شهر المحرم شهر الصلوات والأدعية والتوبة.
فإذا جئت أنت في ذلك الأوان ترى أفنية الصحون ولا سيما فناء صحن
стр. 729
الحسين غاصاً بالمؤمنين، لأن من أول فرائض الزوار في كربلاء كما في مكة أن يذهبوا إلى الحرم بعد الوضوء.
وبعد أن يصلوا صلاةً أولى في فناء الصحن يكونون أهلاً لأن يدخلوه آمنين فيزدحمون فيه أزدحامهم على السعادة القصوى بهلاهل وأصوات الفرح العظيمة وعلى رؤوسهم العمائم البيضاء إشارة إلى بياض قلوبهم. أما الحجاج الذين حجوا مكة والسادة الذين ينتمون إلى أهل البيت فأنهم يعتمون بالأخضر. وفي اغلب الأحايين تكون نساؤهم معهم. وقد تحجبن
اشد الحجاب من قمة الرأس إلى أخمص الرجل.
стр. 730
من معتقد المسلمين أن المؤمن الذي يتمكن من أن يدفن في جوار مزار مدفون فيه أحد الأئمة أو نسيب من أنسباء أهل البيت أو واحد من الصحابة، فأن دخوله الجنة مضمون ويكون على الرحب والسعة. ولهذا السبب ترى في مسجد أيوب في الأستانة امتداد تلك المقبرة التي تبتدئ من الوادي حتى تتوقل التلال حيث تنتهي فيها. وترى بين تلك القبور العديدة غابة غبياء من السرو الأسود. وهكذا جرى الأمر في كربلاء. فأنك ترى المؤمنين في أقصى بلاد آسية يوجهون أدعيتهم إلى الله لينعم عليهم أن يدفنوا بعد موتهم في جوار قبر الحسين لينالوا شيئاً من آلاء
стр. 731
إمامته التي يجود بها على المخلصين له. وبالجملة فأن كربلاء أصبحت اليوم مدفناً عاماً لجميع أبناء الشيعة المبثوثين في ديار الله كلها جمعاء.
ولولا أن الحكومة العثمانية تتدارك الأمر لأصبحت اليوم هذه المدينة مباءة الأمراض الوافدة، ومنبعث جراثيم الأدواء الوبيلة، لأن الجعفرية ينقلون إلى هذه المدينة جميع الموتى ويجوسون بها الديار الملوثة بالأوبئة أو غير الملوثة. هذا فضلا عن أن بين هؤلاء الموتى من توفوا بأمراض معدية اشد العدوى. فتراكم تلك الجثث في أرض واحدة، وفي موطن واحد من شأنهِ أن يجعل تلك البقعة من الأرض منبت الوباء، أو منبعث الطاعون، أو منتشر الهيضة على الدوام. ولقد عقد من تهمهم الصحة العمومية لجاناً عديدة لصدّ هجمات جيوش تلك الأدواء السارية السريعة العدوى الشديدة الفتك وأخذت ما في مكنتها من الوسائل لتثبيط فشوّ العدوى فضربت رسماً هو ٥٠ فرنكاً على كل جثة تدخل كربلاء. ولو أمكنها لمنعت الدفن بتاتاً، لكنها تحترم عقائد الشيعة الوثيقة العرى، أو تخاف أن تثور ثائرة الفتنة والتعصب فيقوم بوجهها ما لم يمر بخلدها
стр. 732
البتة. وهذا الرسم رسم الدفن. يثمر للحكومة المحلية مبالغ طائلة ويمنع الفقراء من أن يفكروا بأن يدفنوا موتاهم في هذه البقعة الميمونة. أما الأغنياء الذين ورثوا الميت، فأن الأموال الطائلة التي وقعت إليهم بعد وفاته تحث الوارث إلى أن يسرع في دفن جثة ذاك الذي جاد عليه بتلك المبالغ الجسيمة وحينئذٍ لا يستطيع أي مصرفٍ ينفقه في وجه هذا العمل المبرور الملزوم به. وهكذا تنقل جثث أولئك الموتى من أقصى ديار آسية إلى هذه الديار المجاورة لنهر الفرات المشهور في التاريخ.
فالدفنات الحافلة الشائقة كثيرة الوقوع إذاً في كربلاء ولقد شهد صاحب هذه المقالة موكب دفن واحد من هنود الشيعة وأئمة علمائهم الفحول، وكان قد نقل إلى كربلاء بمبالغ باهظة من الأصفر الرنان. ولما دخل المدينة تابوت هذا الرجل الكبير قامت له كربلاء كلها وذهب لاستقبال جثته عشرة آلاف شخص وكان أهل البلدة قد ركزوا أعلاماً ورايات مختلفة إِعضاماً للمصيبة. وكان الجمع يقف بجثته على كل خطوة يخطوها ليتلو الأدعية أو يسمعها. وطافوا بها حول الأسوار ودام الطواف ثلاث ساعات قبل أن يبلغوا الصحن وهذا المتوفى الذي جاء من بعيد ليسند رأسه الإسناد الأخير في كربلاء فاز بأنعام سام وهو أنه دفن في صحن الإمام الحسين وبقي القراء يقرءون على قبره بالتناوب ليل نهار مدة شهر.
وقياماً بتأُدية حقوق الحقيقة نقول: إن المؤمنين القليلي التوفيق في
стр. 733
هذه الدنيا وجدوا لهم طريقاً ينكبون به عن القانون الذي سن للموتى فلا يحتاجون إلى أن يؤدوا ما عليهم من رسوم المكس. وهذا الطريق لا يستحسنه علماء الصحة ولا يوافقون عليه. لكن لا يمكن للموظفين أن يشددوا فيه ويعسفوا خوفاً من أن يؤدي بهم هذا التشديد إلى ما لا تحمد عقباه فماذا فعل أهل العوز المتدينون الذين لا تمكنهم حالهم من تادية ما حتم على الدفن؟ - أنهم لجئوا إلى وسائل تخفي جثة الميت على الموظفين بجباية المكس. فتارة يقطعون الميت أرباً أرباً، وطوراً يطحنون عظامه حتى تغدو كالدقيق وأخرى يجعلون تلك الأخطاء تحت ثيابهم التي يتسترون بها من الداخل. وبالجملة يستعملون وسائل لا تخطر على بال بشر ليتوصلوا إلى أن يخلطوا رمم الميت بالرمال التي تسفيها أرياح كربلاء حتى يقال عنه أنه أحصي بين موتى تلك المدينة الحسينية.
(البقية تأتي)
سوق الشيوخ
-
١ - موقع هذه المدينة وحدودها
قضاء سوق الشيوخ من مدن العراق الحديثة واقع على ضفة الفرات اليمنى قريباً من الدرجة ٣٠ عرضاً ونحو الدرجة ٤٤ طولاً من باريس وهو في جنوبي لواء المنتفق. يحده شمالاً وشرقاً الفرات. وجنوباً وغرباً الصحراء الشامية وهو يبعد ٤٠ كيلومتراً عن الناصرية وهو تحتها
стр. 734
و ١٤٠ كيلو متراً عن غربي البصرة على خط مستقيم و ١٣٠ كيلومتراً في جنوب غربي العمارة على خط مستقيم أيضاً.
٢ - مؤسس سوق الشيوخ
هو الشيخ ثوينى المحمد جدّ الأسرة السعدونية. وذلك انه لما كان حاكماً كبيراً في العراق، يمتد حكمه من الغرَّاف والبصرة إلى ما قارب الكويت من جهة. ومن الجزيرة إلى ما حواليها من الجهة الأخرى أصبح نفوذه عظيما على كثير من عشائر العراق ونجد وقبائلهما. وكان معه في غزواته وفتوحاته سوق متنقلة وهي عبارة عن خيام تجار وباعة ينزلون قريباً من الأعراب إذا ضربوا مضاربهم وخيامهم فتقوم سوقهم ويعرضون فيها ما يحتاج إليه من لباس وآنية وخرثي وأثاث وتبغ (أي تتن) ويعارضونها بغيرها من وبر وصوف وسمن (دهن) وبقل وخضرة وغيرها. ويوجد مثل هذه السوق إلى يومنا هذا مع القبائل الرحل.
وعليه كان مع الشيخ ثويني وأعرابه سوق تقام أينما حلَّ والى حيثما رحل. ثم أن أعراب ثويني رغبوا في أن تقام سوق دائمة قريبة من الفرات في الصقع الذي ترى فيه اليوم سوق الشيوخ لطيب مائه وحسن هوائه وكثرة مرعاه فأذن بذلك فاشتق اسمه من الغاية التي وضع لها. وقبل أن يعرف بهذا الاسم سمي سوق النواشي وهو اسم عشيرة من عشائر العراق وكان الشيخ ثويني يعطي تجار الشيوخ مئات من نقود الفضة والذهب بمنزلة قرض يستفيدون من نفعها ويردونها إليه حينما يطلبها منهم أو يطلب عوضاً منها. وكان اغلب شيوخ القبائل يمتارون من تلك السوق فعرف
стр. 735
باسمهم جميعاً. ومات اسم سوق
النواشي.
٣ - تاريخ بنائه وحالة هوائه
قويت سلطة ثويني واتسع ملكه من نحو سنة ١١٥٠هـ - ١٧٣٧م إلى نحو سنة ١٢٠٠هـ - ١٧٨٥م واختلف في سنة تأسيس السوق. فمن قائل أنه كان سنة ١١٦٢هـ - ١٧٤٩م وفي قول آخر كان سنة ١١٧٥هـ - ١٧٦١ - ١٧٦٢م والأصح القول الأخير على ما نقله أحد العارفين الثقات من أهل تلك الأصقاع. لأن اعظم أيام الشيخ ثويني هي سنة ١١٦٥هـ إلى يوم قتله الذي وقع سنة ١٢١٢هـ - ١٧٩٧م في مكان اسمه الشبكة وبعد وفاة الشيخ الكبير أصبح سوق الشيوخ مركزاً لمهمات شيوخ المنتفق ومخزناً لذخيرتهم ومئونتهم وملجأ حصيناً يلجئون إليه كلما احتاجوا إليه. فكم من حاجة قضيت فيه! وكم من دم
стр. 736
سفك على أرضه! وكم من أمير اغتيل على صعيده! وكم من هدية أو عطية جزيلة أكرمت في بيوته! إلى غير ذلك من الأمور التي لا تحصى ولا تعد! إلا أنه لما ضعفت قوة المنتفق وانتكثت مرائر أمرائهم وشيوخهم ووقع بين رؤسائهم اختلاف الكلمة اشتد نفوذ الدولة هناك فأدخلته في جملة ما أدخلته في أملاكها وقيد في سجلات أملاكها وأنشئ في ذلك الصقع نواحٍ وأقضية وألوية وجعلت السوق قضاءً سنة ١٢٨٨هـ (١٨٧١م) ثم أخذ بالتقهقر والانحطاط حتى غدا في سنة ١٣١٥ (١٨٩٧م) بمنزلة مديرية وأن كان فيه قائم مقام. وذلك باعتبار خطورته وانحطاط رقيه ورجوعه القهقرى عن سابق ما كان عليه من الشان والمنزلة. أما سبب هويه أو تسفله فهو انقطاع الأعراب عن الامتيار منه ووخامة أرضه وكثرة الأمراض والحميات التي تفتك بأهاليه لأن البطائح أو الأهوار تحيط به من كل جانب وتفسد هواءه. بينما كان في السابق بعيداً عن كل غمق ووبالة. وذلك لأن الشيخ ثويني كان قد افرغ جهده في منع وصول مياه طغيان دجلة إليه. بخلاف ما يحدث الآن فأن اغلب الأنهار قد طمت أو دفنت فانتشرت المياه في كل جهة بدون رادع يردعها أو حاجز يحول دونها وإذ لا تجد مجرى أو مصباً تنحدر إليه تبقى هناك مدى السنة فتخرب وتدمر وتتلف وتمرض وتقتل وتفتك بدون معارض أو محاسب ومن أسباب انحطاطها معاودة الطاعون إياها من حين إلى حين واشد طواعينها الذي فتك بها سنة ١٨٣٢ فانه لم يبق ولم يذر.
٤ - سكانه وتجارته
كان سكان سوق الشيوخ من عرب ثويني وأهالي نجد لا غير وكانوا
стр. 737
كثيرين إلى قبل نحو خمس عشرة سنة وكان عددهم على الوجه الآتي:
مسلمون شيعيون ٢. ٢٥٠
مسلمون سنيون ٨. ٧٧٠
صابئة ٧٠٠
يهود ٢٨٠
المجموع ١٢٠٠٠
وكان عدد بيوتها في ذلك العهد ٢٠٠٠ بيت و١٥٠٠ صريفة (بيت يشبه الكوخ) وكان فيها مسجدان للسنة ومسجد للشيعة وحمام واحد وخان و٢٤٠ دكاناً و٥ قهوات. وأما اليوم فلا يوجد فيه أكثر من ٤ آلاف نسمة وهم مقسومون ثلاثة أقسام وهي: ثلاثون بالمائة منهم من أهالي نجد وهم وهابيون. والثلاثون الآخرون من البغداديين والأربعون الباقون من سائر أهل العراق ويطلق عليهم اسم (الحضر) واكثر التجارة بيد الحضر. وبياعاتهم هي كل ما تطلبه البادية من ألبسة وثياب وأحذية يليها في كثرة البيع توابل (وهي الإسقاط بلسان بعضهم والعطارية بلسان الآخرين) وبزور وحبوب وقطاني وما شابهها. ومن أهم تجارته الخيل فهي من أجود خيل البلاد لأن أصل اغلبها من نجد وما جاورها.
٥ - زراعته وصناعته
زراعة السوق الشلب (من أنواع الأرز أو التمن) والذرة (ويسمونها الاذرة) والدخن والحنطة والسمسم والشعير والهرطمان والماش. وواردات الزروع هي على الأقل ألف طغار (أو تغار والتغار يختلف وزنه باختلاف ديار العراق واختلاف الموزونات. واختلافه بين ١٠٠٠ و١٥٤٠ كيلو غراماً) والمياه هناك كثيرة كلها متدفقة من الفراتين. وهم يزرعون
стр. 738
أيضاً على شواطئ البطائح إلا أن زراعتهم قليلة بالنسبة إلى مياههم واتساع أراضيهم وكثرة فلاحيهم. ولعل أسباب تقهقر زراعتها كثيرة الفتن المستعرة نيرانها بين عشائر تلك الربوع.
وأما صناعة السوق فليست مما يشار إليها بالبنان وكل ما فيها هو عبارة عن معرفة ما
تمس إليه حاجة البدوي ومعروف ومبتذل في سائر الديار العراقية. إلاَّ أن أهاليها مشهورون بحياكة الأعبئة المخططة وهي معروفة في ديارنا باسم الاعبئة الشيخلية نسبة إلى سوق الشيوخ. ومن لا يحسن الحياكة يتعلم الحدادة وحدادتهم متوقفة على صنع المساحي وجميع آلات الزراعة البسيطة العمل. والصياغة من خصائص الصابئة (المعروفون بالصبة والواحد منهم صبي بضم الأول وكسر الثاني المشدد) وكذلك النجارة وجلّ نجارتهم متوقفة على عمل المشاحيف (جمع مشحوف راجع لغة العرب ١٠٢: ٢) وأما اليهود فمعظم أشغالهم قائمة على البيع والشراء والإِقراض بالربى الفاحش.
٦ - قسمته وحكومته
ليس في هذا القضاء إلا ناحية واحدة هي ناحية بني السيد. وفيه قيم مقام لإدارة القضاء. ومدير لإدارة الناحية. يساعدهما مجلسا إدارة.
٧ - العلم فيه
لا شأْن يذكر للعلم هناك. وسكانه لا يعرفون الصحف ولا الصحافة إلا من ندر. وجملة من يطالع الكتب وبعض الجرائد النادرة لا يجاوزون عشرة أو خمسة عشر واغلب هؤلاء من أهالي نجد.
وفيه أربعة كتاتيب يتردد إليها نحو ٥٠ طالباً وفي أيام بدءِ الشتاء
стр. 739
٦٠ أو ٧٠ وفي أيام الحصاد ٣٠ وهي مقسومة على هذا الوجه:
٣ كتاتيب للمسلمين وفيها ٣ معلمين و٤٠ طالباً وكتاب واحد للصابئة. وفيها معلم واحد و١٠ طلاب.
سليمان الدخيل صاحب الرياض
إفادة عن كتاب
الفرق بين الصالح وغير الصالح
-
كتب إلينا حضرة العلامة المستشرق الأسباني مغويل آسين بلاثيوس رسالةً ومن جملة ما ذكر فيها عبارة تتعلق بكتاب الفرق بين الصالح وغير الصالح قال حرسه الله
ذكرتم هذا الكتاب في مجلتكم في عدد آب سنة ١٩١١ في الصفحة ٥٩ - ٦٣ وأنه كتاب مستقل قائم برأسه. والذي أراه أنه القسم الثاني من كتاب الغزالي بنفسه المعروف باسم: (التبر المسبوك، في نصيحة الملوك) وقد طبع في مصر في مطبعة الآداب والمؤبد سنة ١٣١٧هـ وقارئ هذا السفر يطلع على أن كتاب التبر الذي أنشأه المؤلف المذكور باللغة الفارسية إنما ألفه للسلطان محمد بن ملك شاه وهو مقسوم قسمين: القسم الأول يحوي عشرة أصول وعشرة فروع في الإيمان والعدل. وعين لسقي شجرة الإيمان. والقسم الثاني يبتدئ في الصفحة ٤٠ ويشتمل على سبعة أبواب. ومضامينها وأسماؤها مثل مضامين وأسماء كتاب الخط المذكور في مجلتكم. ودونك الآن صفحات رؤوس الفصول في الكتاب المطبوع الفصل ١ ص٤٠. الفصل الثاني ص ٨٣ الفصل الثالث ص ٨٩ الفصل الرابع ص ٩٣. الفصل الخامس ص ١٠٤ الفصل السادس ص ١١٥ الفصل السابع ص ١٢٣.
إذاً أظن أن السيد مرتضى في كتابه الإتحاف ١٩ لم يتكلم عن كتاب الفرق إلا لأنه كان قد توهم أن هذا الكتاب يختلف عن كتاب التبر وأنه مستقل عنه. والمثال الذي تذكره لغة العرب وقد استلته من المثال الذي تذكرة لغة العرب وقد استلته من الباب الثامي موجود برمته
стр. 740
وبعبارته في كتاب التبر في الصفحة ٨٩. ومن سياق هذا المثال اخذ على ما أظن اسم الكتاب الخطي الذي نقش على صدره ومن هذا السياق أيضاً نشأ وهم السيد مرتضى والحاج خليفة صاحب كشف الظنون واليك عبارة التبر: وإنما ذكرنا هذا ليعلم من يقرأ كتابنا هذا الفرق بين الصالح وغير الصالح.
وعليه أظن أن البعض قسموا إلى كتابين مختلفين لواحد عن الأخر ما هو مقسوم إلى بابين في كتاب واحدٍ. وعلى هذا الوجه فرقوا ما كان متصلاً. والله الهادي إلى الصواب.)
(لغة العرب) إننا نشكر لحضرة المستعرب ما تفضل به علينا من الإفادة. وأننا الآن لنوافقه
على ما يذهب إليه. إذ يظهر لنا أنه موافق للصواب. وهو فوق كل علم عليم.
حافظة الإمام ابن الحداد
وإحراق كتب المدرسة النظامية
جاء في كتاب خط عندنا للشيخ عبد الوهاب بن احمد الشعراني المتوفى في سنة ٩٧٣هـ (١٥٦٥م) يذكر فيه المنن والنعم التي جاد بها الله عليه ما هذا نصه: (نقل في الطبقات أن الإمام ابن الحداد لما أحرقت كتب العلم التي في المدرسة النظامية ببغداد وندم على ذلك واقفها نظام الملك قالوا له: لا تخف فأن الإمام ابن الحداد يملي جميع ما أحرقت من حفظه. فأرسلوا ورآه فأملى جميع ما حرقت في مدة سنين ما بين تفسير وحديث وأصول وفقه ونحو وغير ذاك.) وفي هذا الكلام فائدتان الأولى: احتراق كتب المدرسة النظامية في أيام حياة واقفها والثانية: حافظة ابن الحداد الهائلة التي لم يسمع بمثلها في سائر الديار.
المرء ودنياه
-
حياة المرء في دنياه ركب ... يجوب الأرض في طولٍ وعرض
فتغوير له في أرض قومٍ ... وتعريس له في غير أرض
وأيام الشهور هي المطايا ... تجد السير بعض اثر بعض
следующие страницы →