Полный текст (6 158 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.
стр. 736
سفك على أرضه! وكم من أمير اغتيل على صعيده! وكم من هدية أو عطية جزيلة أكرمت في بيوته! إلى غير ذلك من الأمور التي لا تحصى ولا تعد! إلا أنه لما ضعفت قوة المنتفق وانتكثت مرائر أمرائهم وشيوخهم ووقع بين رؤسائهم اختلاف الكلمة اشتد نفوذ الدولة هناك فأدخلته في جملة ما أدخلته في أملاكها وقيد في سجلات أملاكها وأنشئ في ذلك الصقع نواحٍ وأقضية وألوية وجعلت السوق قضاءً سنة ١٢٨٨هـ (١٨٧١م) ثم أخذ بالتقهقر والانحطاط حتى غدا في سنة ١٣١٥ (١٨٩٧م) بمنزلة مديرية وأن كان فيه قائم مقام. وذلك باعتبار خطورته وانحطاط رقيه ورجوعه القهقرى عن سابق ما كان عليه من الشان والمنزلة. أما سبب هويه أو تسفله فهو انقطاع الأعراب عن الامتيار منه ووخامة أرضه وكثرة الأمراض والحميات التي تفتك بأهاليه لأن البطائح أو الأهوار تحيط به من كل جانب وتفسد هواءه. بينما كان في السابق بعيداً عن كل غمق ووبالة. وذلك لأن الشيخ ثويني كان قد افرغ جهده في منع وصول مياه طغيان دجلة إليه. بخلاف ما يحدث الآن فأن اغلب الأنهار قد طمت أو دفنت فانتشرت المياه في كل جهة بدون رادع يردعها أو حاجز يحول دونها وإذ لا تجد مجرى أو مصباً تنحدر إليه تبقى هناك مدى السنة فتخرب وتدمر وتتلف وتمرض وتقتل وتفتك بدون معارض أو محاسب ومن أسباب انحطاطها معاودة الطاعون إياها من حين إلى حين واشد طواعينها الذي فتك بها سنة ١٨٣٢ فانه لم يبق ولم يذر.
٤ - سكانه وتجارته
كان سكان سوق الشيوخ من عرب ثويني وأهالي نجد لا غير وكانوا
стр. 737
كثيرين إلى قبل نحو خمس عشرة سنة وكان عددهم على الوجه الآتي:
مسلمون شيعيون ٢. ٢٥٠
مسلمون سنيون ٨. ٧٧٠
صابئة ٧٠٠
يهود ٢٨٠
المجموع ١٢٠٠٠
وكان عدد بيوتها في ذلك العهد ٢٠٠٠ بيت و١٥٠٠ صريفة (بيت يشبه الكوخ) وكان فيها مسجدان للسنة ومسجد للشيعة وحمام واحد وخان و٢٤٠ دكاناً و٥ قهوات. وأما اليوم فلا يوجد فيه أكثر من ٤ آلاف نسمة وهم مقسومون ثلاثة أقسام وهي: ثلاثون بالمائة منهم من أهالي نجد وهم وهابيون. والثلاثون الآخرون من البغداديين والأربعون الباقون من سائر أهل العراق ويطلق عليهم اسم (الحضر) واكثر التجارة بيد الحضر. وبياعاتهم هي كل ما تطلبه البادية من ألبسة وثياب وأحذية يليها في كثرة البيع توابل (وهي الإسقاط بلسان بعضهم والعطارية بلسان الآخرين) وبزور وحبوب وقطاني وما شابهها. ومن أهم تجارته الخيل فهي من أجود خيل البلاد لأن أصل اغلبها من نجد وما جاورها.
٥ - زراعته وصناعته
زراعة السوق الشلب (من أنواع الأرز أو التمن) والذرة (ويسمونها الاذرة) والدخن والحنطة والسمسم والشعير والهرطمان والماش. وواردات الزروع هي على الأقل ألف طغار (أو تغار والتغار يختلف وزنه باختلاف ديار العراق واختلاف الموزونات. واختلافه بين ١٠٠٠ و١٥٤٠ كيلو غراماً) والمياه هناك كثيرة كلها متدفقة من الفراتين. وهم يزرعون
стр. 738
أيضاً على شواطئ البطائح إلا أن زراعتهم قليلة بالنسبة إلى مياههم واتساع أراضيهم وكثرة فلاحيهم. ولعل أسباب تقهقر زراعتها كثيرة الفتن المستعرة نيرانها بين عشائر تلك الربوع.
وأما صناعة السوق فليست مما يشار إليها بالبنان وكل ما فيها هو عبارة عن معرفة ما
تمس إليه حاجة البدوي ومعروف ومبتذل في سائر الديار العراقية. إلاَّ أن أهاليها مشهورون بحياكة الأعبئة المخططة وهي معروفة في ديارنا باسم الاعبئة الشيخلية نسبة إلى سوق الشيوخ. ومن لا يحسن الحياكة يتعلم الحدادة وحدادتهم متوقفة على صنع المساحي وجميع آلات الزراعة البسيطة العمل. والصياغة من خصائص الصابئة (المعروفون بالصبة والواحد منهم صبي بضم الأول وكسر الثاني المشدد) وكذلك النجارة وجلّ نجارتهم متوقفة على عمل المشاحيف (جمع مشحوف راجع لغة العرب ١٠٢: ٢) وأما اليهود فمعظم أشغالهم قائمة على البيع والشراء والإِقراض بالربى الفاحش.
٦ - قسمته وحكومته
ليس في هذا القضاء إلا ناحية واحدة هي ناحية بني السيد. وفيه قيم مقام لإدارة القضاء. ومدير لإدارة الناحية. يساعدهما مجلسا إدارة.
٧ - العلم فيه
لا شأْن يذكر للعلم هناك. وسكانه لا يعرفون الصحف ولا الصحافة إلا من ندر. وجملة من يطالع الكتب وبعض الجرائد النادرة لا يجاوزون عشرة أو خمسة عشر واغلب هؤلاء من أهالي نجد.
وفيه أربعة كتاتيب يتردد إليها نحو ٥٠ طالباً وفي أيام بدءِ الشتاء
стр. 739
٦٠ أو ٧٠ وفي أيام الحصاد ٣٠ وهي مقسومة على هذا الوجه:
٣ كتاتيب للمسلمين وفيها ٣ معلمين و٤٠ طالباً وكتاب واحد للصابئة. وفيها معلم واحد و١٠ طلاب.
سليمان الدخيل صاحب الرياض
إفادة عن كتاب
الفرق بين الصالح وغير الصالح
-
كتب إلينا حضرة العلامة المستشرق الأسباني مغويل آسين بلاثيوس رسالةً ومن جملة ما ذكر فيها عبارة تتعلق بكتاب الفرق بين الصالح وغير الصالح قال حرسه الله
ذكرتم هذا الكتاب في مجلتكم في عدد آب سنة ١٩١١ في الصفحة ٥٩ - ٦٣ وأنه كتاب مستقل قائم برأسه. والذي أراه أنه القسم الثاني من كتاب الغزالي بنفسه المعروف باسم: (التبر المسبوك، في نصيحة الملوك) وقد طبع في مصر في مطبعة الآداب والمؤبد سنة ١٣١٧هـ وقارئ هذا السفر يطلع على أن كتاب التبر الذي أنشأه المؤلف المذكور باللغة الفارسية إنما ألفه للسلطان محمد بن ملك شاه وهو مقسوم قسمين: القسم الأول يحوي عشرة أصول وعشرة فروع في الإيمان والعدل. وعين لسقي شجرة الإيمان. والقسم الثاني يبتدئ في الصفحة ٤٠ ويشتمل على سبعة أبواب. ومضامينها وأسماؤها مثل مضامين وأسماء كتاب الخط المذكور في مجلتكم. ودونك الآن صفحات رؤوس الفصول في الكتاب المطبوع الفصل ١ ص٤٠. الفصل الثاني ص ٨٣ الفصل الثالث ص ٨٩ الفصل الرابع ص ٩٣. الفصل الخامس ص ١٠٤ الفصل السادس ص ١١٥ الفصل السابع ص ١٢٣.
إذاً أظن أن السيد مرتضى في كتابه الإتحاف ١٩ لم يتكلم عن كتاب الفرق إلا لأنه كان قد توهم أن هذا الكتاب يختلف عن كتاب التبر وأنه مستقل عنه. والمثال الذي تذكره لغة العرب وقد استلته من المثال الذي تذكرة لغة العرب وقد استلته من الباب الثامي موجود برمته
стр. 740
وبعبارته في كتاب التبر في الصفحة ٨٩. ومن سياق هذا المثال اخذ على ما أظن اسم الكتاب الخطي الذي نقش على صدره ومن هذا السياق أيضاً نشأ وهم السيد مرتضى والحاج خليفة صاحب كشف الظنون واليك عبارة التبر: وإنما ذكرنا هذا ليعلم من يقرأ كتابنا هذا الفرق بين الصالح وغير الصالح.
وعليه أظن أن البعض قسموا إلى كتابين مختلفين لواحد عن الأخر ما هو مقسوم إلى بابين في كتاب واحدٍ. وعلى هذا الوجه فرقوا ما كان متصلاً. والله الهادي إلى الصواب.)
(لغة العرب) إننا نشكر لحضرة المستعرب ما تفضل به علينا من الإفادة. وأننا الآن لنوافقه
على ما يذهب إليه. إذ يظهر لنا أنه موافق للصواب. وهو فوق كل علم عليم.
حافظة الإمام ابن الحداد
وإحراق كتب المدرسة النظامية
جاء في كتاب خط عندنا للشيخ عبد الوهاب بن احمد الشعراني المتوفى في سنة ٩٧٣هـ (١٥٦٥م) يذكر فيه المنن والنعم التي جاد بها الله عليه ما هذا نصه: (نقل في الطبقات أن الإمام ابن الحداد لما أحرقت كتب العلم التي في المدرسة النظامية ببغداد وندم على ذلك واقفها نظام الملك قالوا له: لا تخف فأن الإمام ابن الحداد يملي جميع ما أحرقت من حفظه. فأرسلوا ورآه فأملى جميع ما حرقت في مدة سنين ما بين تفسير وحديث وأصول وفقه ونحو وغير ذاك.) وفي هذا الكلام فائدتان الأولى: احتراق كتب المدرسة النظامية في أيام حياة واقفها والثانية: حافظة ابن الحداد الهائلة التي لم يسمع بمثلها في سائر الديار.
المرء ودنياه
-
حياة المرء في دنياه ركب ... يجوب الأرض في طولٍ وعرض
فتغوير له في أرض قومٍ ... وتعريس له في غير أرض
وأيام الشهور هي المطايا ... تجد السير بعض اثر بعض
стр. 741
وما عيش الفتى إلا غرور ... كظل زائلٍ أو بدو ومض
فديتك هذه الدنيا تفكر ... تجدها ساخطاً من حيث يرضي
كاظم الدجيلي
فوائد لغوية
في التأنيث
جواب عن سؤال أحد النجفيين الوارد في ٧٣: ٢
المؤنث في العربية على نوعين: مؤنث حقيقي وهو ما كان بازائه مذكر من جنسه كالمرأة بازاء المرءِ. ومؤنث مجازي أو غير حقيقي وهو ما ليس بازاِئهِ مذكر كالخيمة والدواة. - ويقسم المونث قسماً آخر وهو: مونث لفظي وهو ما ظهرت فيه علامة من علامات التأنيث وهي التاء والألف المقصورة والألف الممدودة. ومونث معنوي وهو ما قدرت فيه تاء التأنيث مثل الشمس والأرض. فإذا علمت هذا، فالمونث أمر معنوي في الأول، ولفظي في الثاني. ولهذا قد ترد اللفظة الواحدة مؤنثاً ومذكراً حسبما يعتبر فيها أحد هذين الأمرين. فإن طلحة وارطى وخضراء، هي مذكرة، إذا سميت بها رجالاً. وهي مونثة إذا اعتبرتها من النباتات. - وقد تكون اللفظة الواحدة بمعنى واحدٍ وهي مع ذلك مذكرة ومونثة معاً حسبما تشاء. كأرنب وقدوم وفاس. وهذا ناشئ عن أحد هذه الأمور الثلاثة أي أما أن يكون العرب الأقدمون عرفوا في سابق العهد (الجنس المشترك أو المجرد أو الخنثى، وهو ما لا يعرف له مذكر أو مؤنث كالهيكل مثلاً والورقة والكتاب
стр. 742
كما تعتبر كذلك في بعض اللغات الآرية إلى يومنا هذا، فلما تركه العرب طلباً لتسهيل الأمر اعتبروا اللفظة الخنثى مؤنثاً ومذكراً معاً، أو تارة مؤنثة وطوراً مذكراً تلميحاً إلى الأصل المجهول جنسه. - وأما انهم تصوروا فيها تارةً التذكير وطوراً التأنيث حسبما تصوروا فيها الأصل أو الفرع، القوة أو الضعف، الإمداد أو الاستمداد. فإن الذين توهموا التذكير في القدوم تصوروا فيه ما فيه من قوة النجر والنحت. والذين توهموا فيها التأنيث تصوروا أنها لم تحصل على هذه القوة إلا لكون الإنسان أمدها بهذه القوة. وأما لأنهم قدَّروا للتذكير لفظاً مذكراً وللتأنيث لفظاً مونثاً. فإن الذين ذكروا القدوم توهموا فيه (الشيءَ القاطع أو الناحت أو الناجر). والذين أنثوها توهموا فيها (الآلة القاطعة أو الناحتة أو الناجرة).
هذا وقد ذكرنا في صدر هذا الكلام العلامات الثلاث للمؤنث اللفظي. وأما أدلة المؤنث
المعنويّ فهي: ١ - إن تكون اللفظة علماً لأنثى كهند ومريم: ٢ - إن تكون مختصة بالإناث كأُم: ٣ - إن تكون اسم بلدة أو قرية أو قبيلة أو أمة كبغداد وفدك وقريش والعرب: ٤ - إن تكون من الأعضاء المزدوجة. وهذا الشرط ليس بأغلبيّ فأن الألفاظ: عين وأذن ويد مزدوجة. وهي مؤنثة والألفاظ: صدغ ومرفق وحاجب مذكرة مع أنها مزدوجة. فالسماع والنقل هما الحاكمان الفاصلان في هذا الأمر. هذه هي القواعد العامة. وهناك تفاصيل لا محل لها هنا، وهي تطلب في كتب القوم. إلاَّ أنه يحسن بالكاتب أن يعلم أن ما فيه تاء التأنيث ومدلوله مذكر كطلحة وحمزة يذكر ولا يؤنث ولا ينظر إلى اللفظ وشذ قوله: أبوك خليفة ولدتهُ أخرى.
стр. 743
فهذا من كلام المولدين. والمولدين الضعفاء. وكلام هؤلاء الأقوام لا يعد حجة ثبتاً يستشهد بهِ في مثل هذا الموطن.
ثم أن التذكير والتأنيث لا يتحققان إلاَّ في الأسماء إذا قصد مدلولها فأن قصد لفظ الاسم جاز تذكيره باعتبار اللفظ، وتانيثة باعتبار الكلمة. وكذا الفعل والحرف وحرف الهجاء يجوز فيها الوجهان بالاعتبارين المذكورين
وأما ما لا يتميز مذكره عن مؤنثه. فإن كان فيه التاء فهو مؤنث مطلقاً كالنملة والقملة للمذكر والمؤنث. وإن كان مجرداً من التاءِ فهو مذكر مطلقاً كالبرغوث للمذكر والمؤنث. قاله أبو حيان.
ومما جاء في الهمع قوله: قد يذكر المؤنث وبالعكس حملا على المعنى، نحو قوله: ثلاث انفس، وثلاث ذودٍ. ذكر الأنفس بإلحاق التاء في عددها حملاً على (الأشخاص). وسمع جاءَته كتابي فاحتقرها. أنث الكتاب حملاً على الصحيفة أو الرسالة. - وبهذا القدر كفاية.
باب المشارفة والانتقاد
١ - أنا الحق
(بحث تاريخي انتقادي في هذه الكلمة الخاصة بمعتقد علم المتصوفة اعتماداً على الأسانيد الإسلامية) للويس ماسنيون باللغة الفرانسوية.
الأديب لويس ماسنيون من مشاهير المستشرقين الفرنسويين. قدم بغداد سنة ١٩٠٧ فرأينا فيه عالماً خبيراً بتاريخ العرب ومشاهيرهم ومؤلفاتهم حتى أنه لا يشق له غبار في هذا الميدان مع حداثة سنه. وقد بحث في مؤتمر المستشرقين المنعقد في آثينة في ١١ نيسان ١٩١٢ بحثاً دقيقاً في هذه الكلمة: (أنا الحق) المنسوبة
стр. 744
إلى الحلاج. (راجع لغة العرب ٢٥: ٢) فأوغل في بحثها التاريخي إيغالاً عجيباً حتى فاق المتصوفة أنفسهم. وقد كتب كل ذلك باللغة الفرنسوية فجاء بحثه هذا فذاً في بابه. إلا أنه وقع له فيه بعض الأغلاط في ضبط الأعلام فنستأذنه في تصحيحها. ولما كان ضبطه لها بالحروف الفرنجية أصبح غلط الطبع بعيداً عنها. من ذلك: اسم ابن مسكويه ص ٢٤٨ فأنه كتبه بالشين والمشهور بالسين. وإن كان أصل الاسم بالشين. وضبط اسم الغزالي ص ٢٤٩ بالزاء الخفيفة كما يضبطه جميع علماء الإفرنج على اختلاف عناصرهم. والأصح الأفصح تشديد الزاء. قال ابن خلكان (٢٩: ١) الغزالي: بفتح الغين المعجمة وتشديد الزاء المعجمة وبعد الألف لام. هذه النسبة إلى الغزال على عادة أهل خوارزم وجرجان، فأنهم ينسبون إلى القصار: القصاري، وإلى العطار العطاري. وقيل: إن الزاء مخففة نسبة إلى غزالة وهي قرية من قرى طوس (وهو خلاف المشهور). ولكن هكذا قاله السمعاني في كتاب الأنساب والله اعلم.
وضبط الكيلاني ص٢٤٠ بالكاف العربية والأصح بالكاف الفارسية المنقطعة بثلاث وهي تلفظ كالجيم المصرية ولهذا تكتب أيضاً نسبة إلى جيلان. الصقع المشهور. ومنهم من يخطئ هذا اللفظ ويقول أن الأفصح هو الجيلي أو الكيلي بالكاف الفارسية. وعلى كل حال فالكاف العربية خطأ هنا لأن العامة نفسها لا تخطئ في لفظها. فكيف لا يجب أن يصححه الخواص.
وضبط في تلك الصفحة جلال الدين الرومي بدون ألف بين اللامين وهو خطأ لا حاجة إلى
التنبيه عليه لاشتهاره.
وضبط الألفاظ المختومة بالهاء بفتحة مشبعة أي أنه قال مثلاً والأصح أنها غير مشبعة كما يتحصل ذلك من كتب التجويد ومن الأخذ عن القراء المجيدين. على أنه قد خالف هذه القاعدة في بعض الأحيان فكتب وهذه هي الفصحى. وكان يحسن به أن يجري على وتيرة واحدة. على أن في قوله ابن مشكوية بضم الكاف وسكون الواو وفتح الياء غلط والأصح مسكويه بفتح الكاف والواو واسكان الياء وكسر الهاء
стр. 745
فلقد جاء في فوائد رحلة ابن رشيد ما نصه: مذهب النحاة في هذا ونظائره (كعمرويه ونفطويه وسيبويه وحربويه وخالويه) فتح الواو وما قبلها وسكون الياء ثم هاء والمحدثون ينحون به نحو الفارسية فيقولون هو بضم ما قبل الواو وسكونها وفتح الياء واسكان الهاء. فهي هاء على كل حال والتاء خطا. قال: وكان الحافظ أبو العلاء العطار يقول: أهل الحديث لا يحبون (ويه). وهكذا ذكره النووي في تهذيبه في ترجمة أبي عبد الله بن حربويه نقله السيوطي في التدريب (عن كتاب حياة البخاري ص١١)
والكتاب يصور الجيم العربية بحرف الفرنسوية وهو خطا بين فأن الجيم الفرنسوية يقابلها الزاء المنقوطة بثلاث وأما الجيم العربية فهي أو بعلامة خصوصية يصطلح عليها كما فعل صاحب مجلة الانثربوس التي تنشر في فينا. وهو يسقط الهمزة من جميع الألفاظ التي فيها همزة فيقول مثلاً: مؤمن الجزايري والأصح مؤمن الجزائري بهمز الواو في مؤمن وهمزة مكسورة بين الألف والراء في الجزائري. ويذكر (المتكلمين) بصورتها العربية المرفوعة (أي المتكلمون) والأوفق أن يقول أو أن يتصرف بإعراب اللفظة بحسب مواقعها من رفع ونصب وجر. ولو كان يبقيها على حالة النصب أو الجر لكان احسن من اتخاذها بحالة الرفع ورود الحالتين بخلاف الرفع فانه اقل وروداً.
وذكر الحلاجي المنسوبة بصورة أي بالنسبة الفرنسوية والعربية معا. والأصح أن يتصرف بها على الوجه العربي أو على الوجه الفرنسوي لا بكليهما معاً لما ينشأ من الثقل باتخاذ هذا اللفظ المزدوج النسبة.
وفي بعض الأحيان يضبط العبارة العربية ضبطاً أعرابياً بالحروف الإفرنجية كما في ص ٢٥٢ في قوله التوحيد (كذا بسكون الدال والأصح التوحيد بضم الدال) إفرادك متوحدا (كذا
والأصح متوحداً) وهو أن يشهدك الحق إياك (بفتح الهمزة والأصح إياك بكسر الهمزة) وفي بعض الأحيان يهمله كما في ص ٢٥٣ وص ٢٥٧ وهو يلحن غالباً في ضبط الشاهد عند إيراده إياه كما في ص ٢٥٧. انكسر مغزل رابعة. وبقي قطن الحلاج. والأصح مغزل بكسر الميم وهو الأفصح أو ضمها وهو دونه فصاحة لا بالفتح كما ضبطها لأنه ضعيف وقد سمع. واللام من مغزل مرفوعة ساكنة كما ضبطها أو الأصح في بقي وزان رضي لا وزان
стр. 746
رمي ويجب رفع نون قطن لا إسكانها كما ضبطها ثم قال أن المراد برابعة ههنا: رابعة العداوية وكسر عين الكلمة الثانية واسكن دالها والأصح العدوية بفتح العين والدال وبدون ألف.
وفي ص ٢٥٢ ضبط اسم البيروني العلامة الشهير بكسر الباء وهو خطأ والأصح بفتح الباء كما ذكره السمعاني في كتاب الأنساب قال: البيروني. بفتح الباء الموحدة وسكون الياء أخر الحروف وضم الراء بعدها الواو وفي أخرها نون. هذه النسبة إلى خارج خوارزم. فإن بها من يكون من خارج البلد ولا يكون من نفسها يقال له (بيروني ست) ويقال بلغتهم (انبيزك ست) والمشهور بهذه النسبة أبو ريحان المنجم البيروني. اهـ.
هذا ما بدا لنا في أثناء المطالعة ولعلنا نحن المخطئون وهو المصيب. وهو فوق كل علم عليم.
٢ - الحق
(جريدة لبنانية أسبوعية أنشئت ١٢ آذار سنة ١٩٠٩ تصدر في بيت شباب صاحب امتيازها الخوري طوبيا عطا الله. قيمة الاشتراك فيها عن سنة في لبنان ١٠ فرنكات وفي سائر الجهات ١٥ فرنكا.)
جريدة حسنة المبدأ ترمي إلى الوفاق والوئام بين العناصر والى حب الوطن والسعي في إعلاء مناره. وهي بعبارة فصيحة إلا أن كاغدها وطبعها يحتاجان إلى تحسين.
٣ - الشعب
(جريدة جامعة أنشئت لخدمة الشعب الشوفي. توزع مجاناً. منشئها ورئيس تحريرها رشيد نخلة. مديرها المسؤول ظاهر زيدان.)
صحيفة لبنانية الفكر مدافعة عن حقوق سكان الشوف بعبارة حرة وصاحبها طلق اللسان إلا أنه يحتاج إلى تصحيح في بعض المواطن وتخليص التصحيف واللحن من مواطن أخرى.
стр. 747
٤ - دار السلام تقويمي
تقويم حسن الطبع بديع الترتيب لا يدانيهِ ما يطبع من جنسه في ديار الشام أو مصر وهو في أربعة تواريخ وهي السنة الهجرية والسنة المالية الشمسية والسنة العبرانية والسنة الإفرنجية. وفيه أيضاً ذكر المواسم والأعياد عند المسلمين والنصارى واليهود مع ذكر ما يحدث في فصول السنة من برد وحر ووقوع مطر وزرع بعض الأشجار. ومما فيه أيضاً ذكر ساعات طلوع الشمس وساعات الظهر والعصر والعشاء والإمساك ودرجة البروج الشمسية. فأنت ترى من هذا البيان أن هذا التقويم مما يحرص على اقتنائه ويتفاخر بحفظهِ.
تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره
١ - واردات الممكس في بغداد
كانت واردات الممكس (الكمرك) سنة ١٣٢٦ مالية نحو ١٦ مليوناً ونصفاً من الغروش الصحيحة أي نحو أربعة ملايين فرنك و٢٥٠، ٣١ فرنكاً. ولما زادت الحكومة الضرائب على الأموال الداخلة إلى بلدتنا وجعلتها ١١ بالمائة بلغت الواردات سنة ١٣٢٧ مالية نحو ٢٦ مليوناً من الغروش الصحيحة أي نحو ٦ ملايين ونصف من الفرنكات. وهذا يدلك على تجارة بغداد وما تكسبه الدولة من ممكسها.
٢ - الاضطراب في إيران
ما زال جو السياسة في إيران مضطرب ديارها لا تعرف الأمن والراحة ولهذا انقطعت سبل التجارة بينها وبين ربوع العراق وأصبحت في بغداد في كساد عظيم. ومن الوقائع التي أضرت البلاد والعباد ما حدث بين حاكم كرمنشاه فرمان فرما وبين أيار محمد خان. فأريقت الدماء في أسواق كرمنشاه بصورة تقشعر لها الأبدان. ولولا أن الله راف بعباده فنصر الحاكم على الزعيم
стр. 748
الزنيم محمد خان لا صبحت المدينة في قبضته. فعسى أن تهتم حكومتنا بتوطيد الأمن بين كرمنشاه وخانقين بخفر الطرق ونفضها من اللصوص والمقاليص لتراجع التجارة إلى مياهها.
٣ - عشيرة الغزالات
في ٤ ت ٢ وصل بغداد نخيلان بن جبر أحد شيوخ شمر يتظلم إلى الحكومة من هجوم الغزالات على أعرابه ونهبهم أموالهم وإلحاق الضرر بأربعمائة بيت من بيوتهم وسرقة خيل وابل وغنم منهم. والأمل أن تسترجع الحكومة المنهوبات.
٤ - عشائر ربيعة
بعد أن خرج سعدون باشا في حلب من دياره وظعنت معه من الغراف أسرته الكبيرة اتفق الشيخ شبلي بك ابن فهاد بك ابن منصور باشا أحد شيوخ المتفق من سكان الغراف وزراعه مع الشيخ محمد الياسين شيخ أعراب المياح أحد رؤساء ربيعة التابعين للأمير محمد الحبيب أكبر أمراء ربيعة على أن يحمي أراضيه عن تعدي العشائر الأخرى عليه
ويعوض عن ذلك بشيء معلوم بينهما وهو نصف حاصل أراضي شبلي بك الموما إليه عن خمس سنوات ابتداء من سنة ١٣٢٨ مالية، لكن الشيخ محمد الياسين لم يقم بما وعد، بل تجاوز طوره أو يكاد. فدخل الشبلي على محمد الحبيب ليحفظ له حقه. فاستدعى الشيخ محمد الياسين ليذكره بإيفاء وعده فأبى واخذ يجند الجنود ليقابل الأمير وإعرابه. إلا أنه لما أحس بضعفه بازاء ما رأى من عزم أمير أمراء ربيعة وكثرة ما لديه من العدد والعدد وتوطيد النفس على التنكيل به طلب منه الرحمة فعدل الأمير عن الهجوم بعد أن اشترط عليه عدة شروط يقوم بوفائها لقاء ما كان قد تعهد به للشبلي. فوعد محمد الياسين أن يدفع له خمسة آلاف ليرة نقداً وألف ليرة تدفع قسطين: النصف الأول في السنة المقبلة والنصف الآخر في العام الذي يليها. وعليه حقنت الدماء، ومنع حلول البلاء.
٥ - عشيرة شمر
اجتازت عشيرة شمر بغداد وما بين الرافدين بقيادة رئيسهم الأكبر حميدي بك ابن فرحان باشا متوجهين إلى قضاء الجزيرة فكوت الإمارة ومنها إلى لواء المنتفق لخصب مرعاه ورخص المعيشة فيه، ومعهم القعيط أيضاً رئيس الفرقة الثانية.
стр. 749
٦ - الضفير
تمادت هذه العشيرة في غيها وطغيانها وأبت دفع ما عليها للحكومة ولأمراء نجد، فجارتها بعض عشائر الغراف والسماوة حتى زينت لهم نفوسهم أن يقوموا مقام السعدون في الشامية. فلما رأى عجمي بك ما تطمح إليه أنظارهم طلب إلى الأمير ابن الرشيد أن يكسر من جبروتهم ففعل وخضد شوكتهم وأجبرهم على أداء ما عليهم للحكومة وأذعنوا له صاغرين. ثم أن الأمير ابن الرشيد اخطر حمد بن سويط زعيم الضفير أن يخضع لأوامر عجمي بك فقبل. وذهب شيوخ الضفير لمقابلة الأميرين: الأمير ابن الرشيد والأمير عجمي بك وقدموا لهما رسوم الخضوع والطاعة وعادت مياه الراحة إلى مجاريها. وقد هبطوا قرب أراضي الغبيشية (بفتح الغين وكسر الباء) حيث أمرهم عجمي بك أن ينزلوا مع الأعراب الذين تحت سطوته وهم هناك الآن في راحة واطمئنان.
٧ - الرولة
قدم ابن معجل من قبيلة الرولة وابن ماض من عشيرة آل عيسى ومعهما ٥٠٠ هجان من بلاد الشام هابطين ديار العراق ليشنوا الغارة على عشائرها فغزوا عشيرة السبعة بجوار القبيسة (بالتصغير) ونهبوا منم آلفي بعير ولم يفقدوا من أصحابهم إلا أربعةً مع أسير واحد. وفي أثناء الغارة كان المسمى الديدب يرصد طريقهم. فلما أدركهم الظما وقدموا احد الموارد هجم عليهم الديدب وهو أحد الشيوخ ومعه جماعة من أصحابه واستردوا ما أخذوه من عشيرتهم ولم يتركون لهم إلا ما يكفيهم العودة إلى بلادهم من ماء وزادٍ لا غير.
٨ - متبوعو عجمي بك السعدون
زادت سطوة عجمي بك هذه الأيام حتى أصبحت التابعون له والخاضعون لآمره ألوف مؤلفة من الأقوام وله تحت رايته عدد عديد من المقاتلين مجموعين من عدة قبائل وهي مطير وعتبته وبني سد (بتشديد الدال وتصحيف أسد) وشمر ومن عشائر العراق: العساكرة والغزي (بكسر الأولين وتشديد الياء) والنواشي وحكام (كشداد) والبو حميدي والحسن (بكسر ففتح) وبني سالم والغريافية (بكسر الأول) والشواوشة وأهل السورة (وزان عورة) والبو حمدان وبني حطيط (بحاء مهملة في الأول وعلى وزان زبير) وآل إسماعيل
стр. 750
والعمائر والحول (وزان سبب) والبو شامة والفهود والشواليش والبو خليفة والبو جويبر (تصغير جابر) والزياد والمومنين وآل شميس (تصغير شمس) والنجيمات (بالتصغير) وغيرهم مما يطول ذكر أسمائهم. وتقريباً جميع عشائر المنتفق النازلة على الفرات.
٩ - الشيخ قاسم ثاني أمير قطر
تنازع أحد الجنود العثمانية مع أحد أبناء الشيوخ في قطر على شيء زهيد ولولا توسط هذا الشيخ ابن ثاني لالتحم القتال بين العرب والجنود العثمانية فنشكر له سعيه الحميد هذا.
١٠ - الأمير ابن السعود
خرج ابن السعود من بلاده بجنود كثيرة قاصداً بلاد القصيم ونيته تجريد حملات منه.
١١ - إعانة أهل عمان والبحرين
ثارت الحمية الأعرابية في صدر الشيخ بطي بن سهيل أمير دبي (بالتصغير) وصدر
الشيخ صقر بن غانم أمير الشارقة وفي صدور أهالي عمان قاطبة فتبرعوا بالأموال الطائلة لأعانة الدولة في حربها. وكذلك فعل أهل البحرين مع شيوخ تلك الجزيرة.
١٢ - وجيه بك مدير زراعة ولاية بغداد
وجيه بك من الرجال المعدودين في الولاية ومن أهل السعي ومحبي الرقي الصادق ومنذ أن تعين مديراً لزراعة ولايتنا افرغ وسعه في جلب معاون (جمع معينة وهي المكينة أو الماكينة. وتجمع أيضاً على معينات) بخارية فبلغ عددها نحو المائتين اشتراها أصحاب الأملاك في الاقضية لسقي أراضيهم وبساتينهم. فنتمنى لصديقنا المدير إقامة طويلة في بغداد مقرونة بصحة وعافية.
١٣ - تبرع شيخ أعرابي
تبرع الشيخ مزعل رئيس عشيرة القوام بحصان ادهم أصيل للجنة الإعانة الحربية في كربلاء.
١٤ - قدوم أميرين أعرابيين إلى بغداد
قدم حاضرتنا الشيخ محمد الحبيب أمير أمراء ربيعة ومعه الشيخ محمد الشمران
стр. 751
من شيوخ ربيعة أيضاً.
١٥ - جمعيات عربية سياسية
أنشئ في مسقط جمعية عربية سياسية رئيسها حمد بك نجل السيد فيصل سلطان مسقط وغايتها إسعاد الوطن. ويوجد مثل هذه الجمعية في البحرين والكويت أيضاً.
١٦ - أخبار خليج فارس
جاء مياه مسقط والفاو أسطول إنكليزي عدد سفنه البحرية ١٧ وقد تضاربت الآراء في سبب قدومه. فمن قائل أنه لمساعدة سلطان مسقط. ومن قائل أنه لحفظ ثغور الخليج من إلحاق الضرر بها. إلى غير ذلك.
ورعايا فرنسا تبيع الأسلحة علناً في مسقط وعمان لكن تقرر في هذه الأيام أن ما يرد هذين البلدين من الأسلحة يحفظ في خزائن خصوصية إلى أن تنتهي المذاكرة بين فرنسة وإنكلترة
بشان بيعها. وقيل أن فرنسة عرضت على أمير الكويت فتح مخازن تجارية لهذا الغرض فأبى الشيخ (كلها عن الرياض ببعض تصرف)
١٧ - قدوم محمد زكي باشا والي ولاية بغداد
في الساعة الثانية وربع من نهار الثلاثاء ١٢ ت ٢ دخل محمد زكي باشا بغداد ونهار السبت ١٦ من الشهر المذكور في الساعة ٩ قبل الظهر قرء الأمر العالي بتوليته (الفرمان) بحضور أمائل البلدة وأكابرها وقد تعين والياً على بغداد ومفتشاً للفيلق الرابع. فأهلا وسهلا به.
١٨ - حمية أبناء مكاتب ولايتنا للإعانة الحربية
بلغت إعانة مكاتب اقضية ولاية بغداد وبعض مكاتب الحاضرة ١٠٧٠٩ غروش صحيحة و١٥ بارة. وبلغت إعانة الضباط والأطباء ١١٩٨٨ قرشاً صحيحاً وقد أرسلت هذه المبالغ إلى جمعية الهلال الأحمر في الأستانة بواسطة المصرف العثماني.
١٩ - الأدعية للدولة العثمانية
نهار الاثنين ١١ ت ١ اجتمع الإسرائيليون في أكبر كنيس لهم وطلبوا إليه تعالى أن ينصر الدولة العثمانية على أعدائها. ونهار الخميس ١٤ من الشهر
стр. 752
المذكور احتشد المسيحيون في كنيسة الكلدان وفي مقدمتهم رؤساء الطوائف وتضرعوا إلى الله أن يبارك مساعي الدولة في كل ما يعود إليها بالخير والصلاح ويحفظها من الملمات والبلايا.
٢٠ - زراع القطن في المحمرة
احضر الشيخ خزعل من مصر ١٦ زارعاً عارفاً بزراعة القطن والأمل أنه ينجح في مشروعه لأن أراضيه حسنة لهذا النبت وتمتد من فم الخليج الفارسي إلى قصره قصر الكمالية.
٢١ - العرب في بمبى (الهند)
نمى إلى الدستور أن العرب في بميى (من ديار الهند) ما زالوا يوالون عقد مجالس لجمع الإعانة الحربية بهمة رئيسي اللجنة وهما الشيخ قاسم وعبد الرحمن آل إبراهيم وقد زاد
هذان الكريمان ما تبرعا به بالأمس ضعفه حتى بلغ تبرعهما في المرتين ٦٠. ٠٠٠ روبية (والروبية نحو فرنكين) وقد بلغت الإعانة في الاجتماع الأول ١٥١. ٠٠٠ روبية وفي الاجتماع الثاني ٢٧٢٠٠٠ مع أن الحاضرين لم يكونوا كثيرين والأمل أن هذا المبلغ يتضاعف مراراً.
٢٢ - وكيل والي البصرة
ورد الأمر بتعيين قائد الفيلق في حاضرتنا حضرة علي رضا باشا الركابي وكيلاً لولاية البصرة وقد سافر إليها صباح ٢٧ ت ٢ كتب الله له السلامة.
٢٣ - وفاة الشيخ عبد الله المازندراني
توفي في النجف في الأسبوع الأخير ت٢ الشيخ عبد الله المازندراني فرفع وكيل إيران في بغداد علم الحداد إعلاناً لهذا المصاب فنطلب له من الله الرحمة والرضوان ولأهله الصبر والسلوان.
(المصباح)
٢٤ - حريق في دار المعلمين
ظهرت النار في ٢٦ ت ٢ في سقف إحدى غرف دار المعلمين. وكان منشأها من موقد الحمام فبادر الطلبة إلى إطفائها ثم ساعدهم على ذلك بعض موظفي البلدية والعسكر فأخمدت في الحال ولم تتجاوز المحل الذي ظهرت فيه.
стр. 753
العدد ١٩ - بتاريخ: ٠١ - ٠١ - ١٩١٣
قبور غريبة قديمة في البحرين
سابقة لعهد التاريخ
١ - تمهيد
الأثر الذي أريد أن أوجه إليه أنظار قراء لغة العرب هو المدافن القديمة العهد في البحرين فقد عزمت على أن أدون ما صرح ومحض من تاريخها خدمة للناطقين بالضاد لخفاء أمرها على الكثيرين منهم وطموس أخبارها حتى عن أغلب الرواد والمستشرقين معتمداً في ذلك على الثقات من السياح والمؤرخين.
٢ - الطريق المؤدية إلى المدافن القديمة
بعد أن يلقي السائح عصا ترحاله في البحرين يقصد المقابر المهجورة في وسط الجزيرة التي تبعد نحو سبعة أميال عن (منامة) إذا أراد الوقوف على سابق حضارة تلك الديار وأول ما يصادف في طريقه أرضاً جرداء رملية لا يوجد فيها من الآثار المهمة سوى قلعة عظيمة الشأن مربعة وفي خارج أسوارها مدفع لا بل مدفعان قديما العهد مهملا الاستعمال قد علاهما الصدأ والغبار وفي كل ركن من أركان المعقل برج هائل وهو عبارة عن صرح كان حاكم البلدة أي شيخها يصطاف فيه وداخل أسوارها الشاهقة لا يوجد
стр. 754
إلا غرفتان أو ثلاث صالحة للسكنى والإقامة. أما بقية الغرف فيأوي إليها أعوان الشيخ وخدمه الذين كانوا يدافعون دفاع الأبطال عن رفقائهم إذا مست الحاجة إلى ذلك.
ثم لا يزال يسير وهو لا يلوي على شيء حتى يهبط موطناً ظل نخله ظليل فيه مجار وأقنية للسقي والماء يتدفق فيها كأنه الكوثر أو السلسبيل يجاورها آبار رائقة حولها أشجار أوراقها غضة وأطيارها شجية الغناء تنسيه الوعثاء وتفرج عن قلبه كل هم وعناء وتريحه بعض الراحة من مصاعب الطريق ووعورة مسالك (منامة) حتى أنه لا يتمالك من الطرب والسرور والانشراح والحبور فينشج قائلاً:
وقانا لفحة الرمضاء وادٍ ... سقاه مضاعف الغيث العميم
نزلنا دوحة فحنى علينا ... حنو المرضعات على الفطيم
وارشفنا على ظمأٍ زلالاً ... ألذَّ من المدامة للنديم
يصدُّ الشمس أنىَّ واجهتنا ... فيحجبها وياذَنُ للنسيم
ثم أن الطريق يتعرج به ذات اليمين وذات الشمال ودليله جادة مغروسة أشجاراً تصعده تارة إلى أعالي التلال وإلى ركام جوامع تصفر فيها الأدهار وطوراً تهبط به إلى الحضيض ولا يزال كذلك في صعود وهبوط حتى يفضي به المسير إلى بقعة واسعة الأكناف فسيحة الأرجاء يشاهد فيها ردم (البلد القديم) وهي مدينة كانت في العصور السالفة عاصمة البحرين أما الآن فقد أصبحت بلقعاً ينعب فيها البوم والغربان ولا يقطن اخربتها المتبعثرة سوى بعض أجلاف السكان البائسين الذين يفترشون الغبراء
стр. 755
ويلتحفون الزرقاء. وأما منارتا جامعها المتهدم فحدث عنهما ولا حرج فإنهما لا تزالان قائمتين تناطحان عنان السماء عزاً وجبروتاً.
إن أنفس مثال يدلك على فخامة هندسة البناء في الجزيرة هو معلم لتحية النوتية وقد بناه العرب في الزمان الغابر قبل أن مخرت عباب الخليج أساطيل ترستان داكنها والبوكرك القائدين الشهيرين والفاتحين العظيمين.
ثم يلج السائح بعد تلك المناظر غابة غبياء فيتعرقل سيره فيمشي الهوينا مضطراً وذلك نحو ميل أو ميلين لكثرة ما هنالك من النخل المشتبك بعضه ببعض ثم ينتهي به الأمر إلى صحراء واسعة فيأخذ العجب منه كل مأخذ إذ يجد في وسط جزيرة صغيرة كالبحرين بادية كإحدى بوادي النوبة الجرداء مقفرة لا يرى فيها مهما توغل في داخلها سوى رمال محرقة وأراضٍ بائرة وعلى بعد منها (جبل الدخان) وعلوه أربعمائة قدم
стр. 756
وهو ذو مقام رفيع ومنزلة سامية عند أهل الجزيرة حتى أنهم يفضلونه على كثير من جبال سائر الأقطار. فإذا استمر المسافر سائراً نحو الغرب يلاقي غابة نخل تحجب في بداءة الأمر قرية (علي) عن أنظاره ولكن عندما يدنو كثيراً من تلك القرية ينفتح أمامه مشهد غريب لم ير اغرب منه قط في حياته وذلك المشهد هو:
٣ - مدينة الموتى
في البحرين مدفن مهجور واسع الأكناف واقع في وسط فلاة فيها مئات بل ألوف من القبور المتلاصقة البناء تشبه تلالاً واطئة أو جبالاً منخفضة غير متقنة البناء والهندسة. وهناك لا
يرى السائح إنسياً ولا وحشياً حتى ولا نباتاً أو أثراً من آثار الأبنية المندرسة سوى تلك القبور العظيمة الشأن وهي تمتد أميالاً تدل على أن المدفونين فيها كانوا من جبابرة الزمان وأسرارهم غامضة عنا ولا يعرف عنهم إلا النزر القليل الذي لا يحفل به وبعض تلك القبور ترتفع زهاء خمسين قدماً وغيرها ثلاثين وأخرى عشرين وهلم جراً وبعضها لا يختلف عن البعض الآخر إلا اختلافاً طفيفاً جداً في حجمها وتكاد تكون واحدة وهي أعظم مقبرة في العالم على الإطلاق ولا يبعد أن تكون أقدمها عهداً وهي مع عظمتها لم يكتب عنها إلا بعض أفراد قلائل يعدون على الأصابع وهؤلاء الكتاب لم يكتبوا عنها مقالات ضافية الذيل بل عبارات مستطردة لا تروي غليلاً ولا تشفي عليلاً وقد جاءت في بعض كتب وصف البلدان أو في تقرير أو تقريرين من بعض سجلات الجمعيات العلمية التي همها الوحيد بث الرواد للوقوف على مجاهل البلاد.
стр. 757
إن المرحوم ثيودور بنت مع سعة إطلاعه لم يكتب عنها إلا فصلا واحداً في كتاب له بل اللرد كرزن نفسه المشهود له بدقة البحث وبعد النظر وعلو الهمة والصبر على المتاعب والمشقات لم يدون عنها في كتابه شيئاً يستحق الذكر سوى قوله يوجد عدد وافر من القبور في البحرين. ويظهر لنا أما إنه لم يتح له الحظ زيارتها والوقوف عليها بذاتها ليميط الحجاب عن بعض غوامض أسرارها أو إنه لم يعرف حقيقة أمرها ورفعة شأنها في عالم الآثار النفيسة.
إن السائح الباحث إذا وطأت أقدامه تلك الربوع يقف حائراً مبهوتاً سائلاً ذاته: من هم ترى أصحاب هذه المدافن؟ ومن أي شعب أو قبيلة أو لسان كانوا؟ وما هي درجتهم في عالم المدنية والعمران؟ وبأي دين كانوا يدينون؟ وما هي جل معتقداتهم؟ وما هي شعائر ورسوم معبوداتهم؟ وما هي صفة حكومتهم أجمهورية كانت أم ملكية أم استبدادية؟ وما القصد من تشييدهم قبوراً هذا عددها في برية لا أنيس فيها ولا جليس؟ إلى غير ذلك من المسائل العديدة التي يطول الشرح في سردها وتعدادها. وليس في وسع أحد الإجابة عنها جواباً مقنعاً يشفي الأوام لأنه قد سدل على زمن تاريخها وتأسيسها حجاب الغموض والإبهام لبعد عهدها وتوغلها في القدم.
وقد ارتأى بعضهم منذ أعوام أن الخليج الفارسي هو مهد حضارة الجنس البشري وأصحابه
هم أول من تغلغل في المدنية وسكانه هم أول من قطع الفيافي ومخر البحار واقتحم الأخطار واختبر فن الملاحة وأهوالها. فقد أنبأتنا سجلات ورقم المصريين القدماء عن أرض تسمى
стр. 758
البنط وبعض النصوص تصرح بأن البنط هي نفس الأراضي المجاورة للاحساء والبحرين ولكن تحتاج هذه المسألة إلى بحث دقيق ونظر عميق لأن الكتابات المصرية القديمة لم تعين تماماً موقع البنط ولا حددت تخومها بل أشارت إليها بعض إشارات طفيفة لم تزل في موضع الشك والارتياب.
ومهما يكن من حقيقة موقع البنط فأن ديار البحرين أو ما جاورها تعد مهد الجنس البشري وربوع خليج العجم هي أقدم محل في المعمور سطعت منها أنوار المدنية والحضارة وقد جاء في بعض أساطير الأولين أن الشعوب القديمة التي سكنت في أقصى أطراف المسكونة هم حديثو العهد بالنسبة إلى سكان الجزيرة. وقد ذكرتهم أقدم التواريخ وعدتهم بين أقدم أمم الأرض قاطبة فأبناؤهم هم الذين مصروا أرض الكلدانيين وشقوا أسس بابل وحفروا خنادقها وبنوا أسوارها وأبراجها وقد اشتهروا بمواهبهم العقلية السامية وبفطرتهم المتوقدة وقد أثبت رولنسن الشهير بالأدلة القاطعة والحجج الدامغة أن الكلدانيين القدماء أخذوا جميع معارفهم عن أهل تلك الجزيرة واقتبسوا منهم جل علومهم ومعلوماتهم كعلم التنجيم والسحر والعرافة والكهانة ونحوها وشهد أيضاً أن عهد ذريتهم يرتقي إلى نسل آدم المذكور في سفر التكوين من التوراة أي منذ بدء العالم وقال غيره إن من هذه البقعة انتشرت عبادة الآلهة الكاذبة والمعبودات الباطلة كآله
стр. 759
البحر العظيم المرسوم على بعض أطلال الكلدانيين المندرسة المسمى هيا أو أواني وكانوا يعتقدون أنه رب الهاوية وسيد البحار وقد دعوا خليج فارس باسمه تيمناً وزعموا أنه مطلق القدرة وفي استطاعته أن يأخذ بيد من يستغيث ويستجير به في ضيقته وبليته وهو الذي علم سكان دجلة والفرات القدماء العلوم والفنون والصنائع والمعارف ولقنهم الآداب ورسم لهم الشرائع والأحكام لكي يعملوا بموجبها إلى غير ذلك. وقد قيل إن الشعب اليهودي اقتبس جل تقاليده من البابليين الذين أخذوها قبلاً من الأمم الساكنة على ضفاف الخليج الفارسي.
يعتقد اليوم جمهور من المؤرخين أن السلالة الصينية لم تنشأ قط من المملكة الصينية المتوسطة بل نزلت من الشعوب والقبائل التي رحلت من ديار البحرين إلى ما بين النهرين
ومنها إلى آسيا الوسطى ومن هناك سارت إلى ضفاف النهر الأصفر وذلك قبل أربعة آلاف سنة أو عشرين قرناً قبل المسيح عندما أخذ مؤرخوهم يدونون الحقائق التاريخية المتينة المكينة بدلاً من الخرافات الواهية الواهنة كما شهد بذلك كونفشيوس ذاته.
من يطالع تواريخهم الخرافية ووقائعهم الخيالية المدونة عن العشرة القرون السابقة لزمان مهاجرتهم ير أن الصينيين الحاليين وجدوا بلادهم مأهولة بالسكان الأصليين وقد قيل إن بعضاً من ذريتهم لم يزل موجوداً حتى يومنا هذا في أقطار الصين البعيدة وبعد سفرهم الشاسع القوا عصا ترحالهم في مشرق البلاد ولا يبعد أنهم شنوا الغارة على سكان تلك الديار وقتلوهم عن بكرة أبيهم واستباحوا أموالهم وأنهم دحروهم إلى ما وراء الجبال
стр. 760
تخلصاً من غدرهم وفتكهم الذريع.
فالرأي القائل إن الصينيين أتوا من بين النهرين رأي لا يقبل النزاع أو الجدال لثبوت صحته ووفرة الشواهد عليه وهاك بعضها قال أحد كتبة الإنكليز الكبار (أمس كنت في دار التحف الأبريطانية ورأيت هناك بعض رسوم رؤوس شياطين البابليين وحتى يومنا هذا يمكننا أن نرى في أغلب بلاد الصين صوراً طبق الأصل تشابهها كل المشابهة) ومن يتدبر التواريخ الصينية ير لأول وهلة كيف أن الصينيين الحاليين عندما توغلوا في البلاد كان السكان الأصليون الذين حاربوهم يدعونهم (نسل الشعر الأسود) وسكان بابل كانوا يلقبون أصحاب المعارف والعقول الرفيعة من أهل الخليج الفارسي الذين وطئوا ديارهم وحلوا ربوعهم (الجزائريين ذوي الرؤوس السوداء)
لقد صرح العالم الفرنساوي تريان دلاكودري أن الكتابات المصورة الصينية القديمة تشابه تماماً خطوط ورسوم سكان بين النهرين القديمة وأن آلهتهم وشعائرهم الدينية تماثل آلهة الشوشنيين ورسوم تقاليدهم ومعارفهم وفنونهم الطبيعية القديمة كعلم الهيئة وعلم الفلك والطب وحفر الترع ومجاري المياه الصناعية الخ لا تفرق البتة عن معارف وفنون البابليين وإن شئت فقل هي بعينها.
إذا استقرينا التواريخ وتصفحنا الكتب القديمة العهد النادرة الوجود
стр. 761
نرى جلياً أن أهل بابل قد استمدوا جل معارفهم إن لم نقل كلها من سكان الخليج العجمي المندرس الربوع المهجور الشواطئ التي نطأها الآن غير مكترثين بها وقد كانت في عصر من العصور الخوالي
مصدر حضارة البشر ومنشأ مدنيتهم فلما أخذ الإنسان يتدرج في معارج العمران هجرها وشرع يطوف في طول البلاد وعرضها ومنذ ذاك الحين أخذ ظل عزها يتقلص رويداً رويدا حتى أصبحت ديارها كما نعاينها الآن بلاقع خالية من آثار التمدن. أما سبب تقدم أهلها وسموهم على غيرهم في ذلك الزمان فهو على ما أظن موقعهم الطبيعي التجاري الذي دفعهم إلى أن يخوضوا غمار المخاطر ويحلقوا في سماء المجد والعرفان والسؤدد ومن هذا القطر نزح أيضاً شعوب وقبائل عديدة راقية جداً منها الطورانيون المذكورون في كتاب العهد القديم باسم الكنعانيين فأنهم اجتازوا بلاد العرب ودخلوا سوريا وأسسوا فيها مدينتي صور وصيداء.
وقد أخبرنا هيرودوتس المؤرخ اليوناني الشهير أنه زار صوراً وتفقد معالمها وجالس شيوخها وخاطب كهنتها في أمر بنائها فأجابوه أن هيكلهم قد بني قبل زيارته إياها بألفين وثلاثمائة سنة وبعد أن برح الطورانيون
стр. 762
أوطانهم اجتازوا بلاد العرب شيئاً فشيئاً كما فعل قبلهم أسلافهم الصينيون عندما رحلوا نحو مشرق الشمس ويظن رولنسن أن ذلك حدث منذ نحو خمسة آلاف سنة. فلنترك هذه المسائل لمن يريد استقصاءها بذاته ثم نعود فنقول: متى بنيت القبور في البحرين؟ وما هو زمن تأسيسها على التحقيق؟ ومن الراقدون فيها؟ إن هذه الأسئلة تظهر لنا كأحجية أما ثيودور بنت فقد أخبرنا أن المدفونين فيها هم من أصل فنيقي هجروا أوطانهم وقطعوا فيا في بلاد العرب وحلوا بهذه الربوع وبنوا على البر بلدة على خط البحرين في موضع بقرب مدينة القطيف الحديثة ربما كان عند رأس الخليج حيث ترى اليوم جزيرة البحرين وكانت مدينة عظيمة فيها سوق تجارية واسعة اسمها (الجرعاء) التي يظنها البعض نفس مدينة أوفير الشهيرة بكثرة ذهبها والغنية بمعادنها وقد جاء ذكرها في العهد القديم من الكتاب الكريم. فهل يا ترى اعتقد سكان الجرعاء أن البحرين بقعة مقدسة التربة حتى ينقلوا إليها جنائز موتاهم ويدفنوهم فيها كما يفعل اليوم الإمامية في نقل جنائزهم إلى كربلاء والمشهد (أي النجف) أو لأنها قريبة من البحر وهي مركز التجارة وتلك المدافن هي قبور أولئك السكان أو أقيمت تلك المقبرة الغريبة قبل أن يبرحوا الوطن ويتوغلوا في قلب بلاد العرب أو قبل أن يمصر أهل الجزيرة أرض الكلدانيين وينشئوا فيها مهجراً
стр. 763
ويقيموا مستعمرة فهذه المسائل لا يستطيع الإنسان أن يبت
فيها رأيه لقدم عهدها وغموض أسرارها.
إن المستر بنت فتح بعض القبور وعثر على بضعة آثار فانتقى منها شيئاً وبعث به إلى المتحفة الابريطانية وبعد أن أمعنت لجنة المعهد نظرها فيها ودققت فحصها قر رأيها على أنها من أصل فنيقي وعليه تدل هذه الآثار على أن القبور قديمة جداً. فإذا سلمنا بتلك الدلائل واعتبرناها صحيحة تكون القبور قد بنيت على الأقل منذ نحو خمسة آلاف سنة هذا إذا كان رولنسن قد ضبط حسابه في تاريخ الهجرة إلى البحر المتوسط.
إن الخط المسماري قديم جداً عند سكان بابل وكان للفنيقيين ضرب من الكتابة تشبه الحروف ولما اكتشفت صناعة الكتابة وأخذ الناس يستعملونها في التدوين والتسجيل تركت الكتابة المسمارية على أن الباحث مهما نقب في تلك المدافن لا يعثر على شيء من قبيل الحفر أو النقش على صخورها وأحجارها مع أن الفنيقيين عندما القوا عصا ترحالهم في البحر المتوسط أخذوا يقلدون المصريين في وضع موتاهم في نواويس ولسوء الحظ لم يوجد ناووس واحد في تلك المدافن ليتخذ منه دليل على تاريخ سالف لزمان الجلاء وهناك أمر آخر يستحق التدبر والتروي وهو أن أحد الباحثين قال حين اكتشف البقعة وتدبر ما فيها أن جميع القبور التي فتحت بجنب (قرية علي) وهي قبور أعلى من سائر القبور التي وراءها بنحو عشرين قدماً هي على رأيه أحدث من غيرها ومما يؤيد ذلك أن هذه القبور قائمة على طرف المقبرة الفسيحة الأرجاء القديمة العهد ويظهر أنها آخر ما شيد وأقيم هناك.
стр. 764
كتب القائد دوراند ما نصه (إن الآكام العالية هي قريبة من قرية علي وهي أكبر من غيرها) إن ما فاه به هذا الكاتب واضح وضوح الشمس في رابعة النهار فنيرخوس الذي تولى قيادة أسطول اسكندر الكبير في سفرته الشهيرة إلى خليج العجم يصف كيف أنه زار مدينة فنيقية في البر وجزيرة تدعى تيرين ويظهر أنها هي التي تسمى اليوم دارين عند العرب وديرين عن الأرمية وهي فرضة بالبحرين وقد رأى هناك قبر ارثرا الذي كان سلطان الخليج ولا يبعد أن يكون اسم الخليج في السابق أي البحر الارثري مشتقاً منه ونيرخوس يصف المدافن بقوله (رابية مرتفعة كثيرة النخل) فهذا الوصف ينطبق أتم الانطباق على إحدى تلك الروابي العالية بقرب (قرية علي) بخلاف سائر الروابي فأنها لا
تنطبق عليها وهي بعيدة عنها أميالاً عديدة بيد أنه لا يوجد الآن نخل وهو ولا شك مات لتقادم عهده.
وهذه الرواية تؤيد أن الآكام الكبيرة بنيت في العهد الأخير والدليل على ذلك أن اسم الشخص المدفون في إحداها ذلك في زمن نيرخوس رفيق اسكندر المكدوني عندما شاهدها. ويظهر إنه لم يبحث أحد في هذا الأثر منذ ذلك الحين حتى قام الضابط دورند الذي رفع بعد ذلك إلى درجة أمير (دوق) وذلك أنه بينما كان يجول في أراضي تلك الجزيرة الموحشة خطر له فجأة أن يفتح أحد تلك المدافن وينقب فيه عله يعثر على شيء يستحق الذكر والعناء ومن الغريب أنه مضى عدة قرون من نيرخوس إلى
стр. 765
زيارة ذلك الضابط الإنكليزي ولم يبحث أحد بحثاً وافياً عن تلك الآثار الغريبة القديمة العهد.
لقد أطلقت العنان لقلمي في موضوع أنا فيه قصير الباع مع أن موضوعاً كهذا زاخر العباب يحتاج إلى أن يلم به خبير بارع. هذا ورولنسن لم يكتب شيئاً مذكوراً عن تلك المدافن ومنزلتها في عالم الآثار القديمة. وكل ما يقوله الأديب عنها هو من باب الرجم وليس عليها كلها شيء من العظمة والأبهة التي ترى في خرائب مصر الهائلة المنقورة في الصخور وأطلال صور وصيداء الخ إلا أن في آثار البحرين مزية لا توجد في غيرها وهي بها تفوقها من عدة وجوه منها أنها تبني في ذهب من يراها ذكراً لا محيى وصوراً تنطبع في مخيلته حتى أنه تنقله إلى الأعصر الخوالي وتضع نصب عينيه حوادث الأيام القديمة جداً ولا أراني أبالغ إذا قلت إنها تذكره بالوقائع التي جرت منذ تأسيس العالم. وعلى كل حال فصحراء البحرين الموحشة الفسيحة الأطراف المملوءة من القبور تؤثر في النفس أكثر مما تؤثره خرائب كرنك وثيبة فهل الآكام التي نحن بصددها هي أقدم من جميع أطلال مصر وبابل ونينوى وفينيقية المندرسة؟ ذلك مما لا أستطيع أن أبت فيه رأياً
стр. 766
لما يحتاج إليه من أعمال الروية ودقة النظر والوقوف التام على كنه الحقيقة ولا أظن أن أديباً من الأدباء يستطيع الإجابة الصادقة عن ذلك بالنظر إلى ما لدينا الآن من قلة الوسائل التي تهدينا إلى الجواب. بيد أن الظواهر تحمل السائح على أن يعتقد أن سذاجة المدافن وخشونتها وعدم إتقان بنائها هي البقعة التي سكنتها القبائل والأمم ذوات الرؤوس السوداء التي وافت بابل من عبر البحر وشيدت معالمها وهذا ما يستدل عليه من آثارهم التي
تركوها للأجيال المقبلة إذ هي أقدم ما صنعته يد بشر على وجه البسيطة بأسرها.
إني لا أتعب القارئ الكريم بشرح دقيق أو وصف مسهب عن قياس المدافن ومساحتها أو عن ماهية ونظام باطنها أو عن الذخائر والآثار الموجودة فيها. فهذه الأمور وغيرها يوفيها حقها من البحث أربابها وأريد بهم الرواد الذين يطوفون البر والبحر للوقوف على مجاهل البلاد وفي يقيني أنهم يتفرغون للفحص والتنقيب عن تلك المقابر العظيمة ولو بعد حين وينشرون عنها أبحاثاً علمية تاريخية وافية بالمراد. وقد عزمت بعد الاتكال على الله أن أصف المدافن ولو على سبيل الاختصار لكي يلم بها المطالع الأديب في الوقت الحاضر فأقول:
(لها تلو)
رزوق عيسى
الشيخ عبد الرحمن السويدي
-
هو أبو الخير الشيخ عبد الرحمن زين الدين ابن الشيخ عبد الله السويدي كان إمام عصره في مصره وقطره ولد في بغداد سنة ١١٣٤هـ - ١٧٢١ - ١٧٢٢م وأخذ العلم عن والده وعن فصيح الهندي وعن ياسين
стр. 767
الهيتي قال العلامة يوسف بن محمد بن يوسف العبادي في كتابه الذي فرغ من تأليفه سنة ١١٩٩هـ المسمى بالجمانات السنية شرح المنظومة السليمانية - من نظم سليمان بك ابن عبد الله بك الشاوي الشاهري الحميري -: (هو أبو الخير عبد الرحمن بن عبد الله. . . السويدي ذو التحقيقات المفيدة والتآليف العديدة مع صغر نفسه وكبر شفقته على أبناء جنسه وله من المصنفات المعتبرة (كذا) كتابه في السير المسمى بالكتيبة. والحاشية على (شرح) الحضرمية لابن حجر (في فقه الشافعية) ونكته على الشبراملسي سماه إرواء المحتسي (من كؤوس الشبراملسي في فقه الإمام الشافعي أيضاً علقها على الحواشي المنسوبة إلى أبي الضياء نور الدين على الشبراملسي التي علقها على نهاية المحتاج.) وشرح الشيبانية. وشرح حانات والده في علم البيان. وشرح الرسلانية (وهي شرح كلمات رسلان في التصوف) وشرح قصيدة للشيخ الأكبر. وشرح مسألة الشعيرة. وحاشية في علم الهيئة. سماها (زينة الأملاك شرح تشريح الأفلاك) والأجوبة الهندية (في الحكمة الإلهية) في علم الحكمة. وحاشية على جزء العبادات من تحفة ابن حجر. ومقامات بديعة. وتاريخ سماه حديقة الزوراء وهو تاريخ
стр. 768
كبير في ثلاثة مجلدات ضخام) وله مكاتبات ومراسلات كثيرة فهو في هذا الزمان خاتمة المؤلفين المحققين لم نعثر على أفضل منه في ما رأينا) اهـ. وله شرح حاشية على شرح القطر للعصامي. وله كتاب كشف الحجب المسبلة شرح التحفة المرسلة. رداً على من ادعى الحلول. وقد طبع في مصر وفي ذيله شرح الصلوات المشيشية أو البشيشية. نسبة إلى عبد السلام بن بشيش أو مشيش وهي أيضاً له. وله شعر ونثر فمن شعره من قصيدة أرسل بها من الشام إلى صديق له في بغداد:
لولاك يا بلد الزوراء لولاك ... ما احرق القلب مني شجو شجواك
سقى أديم الثرى منك الحيا وحيت ... سحب الكرائم في التكريم محياك
واخضر ربعك من دون الربيع ولا ... زالت زهورك في صيف ومشتاك
أقول للواكف المنهل من مقلت ... ي أكفف لتنجو من مجراه جرعاك
شتان ما بين بغداد وجلق مع ... إقعاد حظي فحظي مدمع الباكي
هيهاتُ هيهات أن ينجاب لي أمل ... به أعلل آمالي للقياك
آه وآه فلا أنهي التأوه ما ... دام التفوه في بعدي لمرماك
وقد أعقب ولداً واحداً وهو الشيخ محمد وبنتاً واحدة.
وكانت وفاته في العشرين من شهر ربيع الثاني سنة ١٢٠٠ هـ - ١ شباط ١٧٨٦م ودفن في جوار الشيخ معروف الكرخي. وقد رثاه الفضلاء والأدباء من أهل مصره مثل أخيه الشيخ أحمد. وسليمان بك الشاوي. والشيخ علي أفندي البغدادي، وغيرهم مما يطول ذكره.
كاظم الدجيلي
стр. 769
العمرة عند العراقيين
تمهيد
إذا جاور قوم قوماً آخر يختلف عنه في لبسه وأكله وشربه ونومه وقعوده وقيامه وأمور معيشته ولسانه ونحو ذلك لا يبطأ أن يدخل شيئاً من أحوال جاره في شؤونه، وكلما اعتقد فيه السيادة عليه كثر اقتباسه منه. وهكذا الأمر في أهل العراق. فإنهم لما خالطوا الفرس والترك وسائر الأعاجم أخذوا منهم شيئاً كثيراً مما يتعلق بشؤون ألفتهم ومجتمعهم ولاسيما بما يتعلق بلباسهم. وهانحن نذكر هنا ما يتعلق بعمرة الرجل أي بما يلبسه على رأسه وهي لفظة عربية فصيحة يقابلها عند الإفرنج كلمة فنقول:
١ - العرقجين
بفتح العين والراء المهملتين وإسكان القاف وكسر الجيم المثلثة الفارسية وإسكان المثناة التحتية وفي الآخر نون، لفظة تركية فارسية الأصل مركبة من كلمتين وهما: (عرق) بالمعنى المشهور العربي وهو رشح الجلد. و (جين) الفارسية بمعنى جامع أو لام. ومحصل معناهما: (جامع العرق أو لامه. وبعضهم يزيد على آخره هآء فيقول (عرقجينة) وهو قليل. والمشهور الأول. ويراد بها سكبة أي خرقة تقور للرأس تكون في أغلب الأحايين من نسيج القطن تلبس تحت الطربوش أو الفينة (اسم الطربوش عند العراقيين). وقد تلبس وحدها في المنزل أيام الحر الشديد، أو قد تلبس ويلف عليها العمامة أو توضع عليها الكوفية المعروفة عند العراقيين باسم الكفية: - ولكون هذه العمرة تتخذ لكي تمتص العرق عرفت أيضاً باسم العرقية بفتح الحرفين الأولين. قال صاحب التاج في مستدرك ع ر ق: (العرقية محركة: ما يلبس تحت العمامة والقلنسوة مولدة.) أهـ. وكان أهل العراق أول من اقتبسها عن الفرس لمجاورتهم إياهم
стр. 770
ولشدة حر صعقهم. ثم انتقل بها قوم إلى ديار الشام فتعلم الشاميون منهم اتخاذها ولهذا سموها (عراقية) نسبة إلى العراق. قال في محيط المحيط: العراقية من ملابس الرأس تلبس غالباً تحت الطربوش.) ثم زاد على ذلك قائلاً: والمشهور عند العامة العرقية) وضبطها بإسكان
الراء.
وقد جاءت العرقية في بعض نسخ كتاب ألف ليلة وليلة (راجع طبعة برسلو ٢٦٠: ٩ و٣٢٩: ٤) وقد وردت مرة بصورة عرقية وأخرى بصورة عراقية. على أن (العرقية) أقدم ذكراً في كتب المولدين من (العراقية) فقد جاءت العرقيات في كتاب اللطائف للثعالبي (ص ١١٢ س ١٠) وقال عنها أنها تصنع في طبرستان.
وكان أهل الشام يريدون سابقاً بالعرقية غير ما يريدون بها اليوم. فقد ذكر روجه في كتابه (الأرض المقدسة) ما تعريبه: تلبس المرأة على رأسها نوعاً من التاج يكون من فضة ويسمونه عرقية (بإسكان الراء) ويكون بهيئة مخروط. وقال في ص ٢٠٤: (على رؤوس نساء أمراء البادية تاج من فضة مخروط الشكل يلففن عليه لفافة من الحرير الأسود مطرزة باللآلئ والحجارة الكريمة.) أهـ. فيؤخذ من هذا الوصف أن ما كان يسمى عرقية سابقاً هو المسمى عند اللبنانيين بالطرطور الذي حظر استعماله الكهنة بعد حادثة ١٨٤١ و١٨٤٥. وقد جاءت العرقية بهذا المعنى في كتاب ألف ليلة وليلة قال: وعلى رأسها خوذة بالذهب مطلية، وعرقية فولاذ وزردية. وفي بعض النسخ وردت كلمة بيضة بدلاً من عرقية.
فالعرقية بإسكان الراء لغة أهل الشام. وبفتحها لغة أهل مصر والمغرب وبعض أهل العراق.
وأهل مصر يسمونها أيضاً (طاقية) وقد وردت في كتب المولدين وذكرها ابن بطوطة في رحلته والمقريزي في كتابه الخطط والآثار. ومن أسمائها المعرقة (وزان مدرسة) وكان يعرفها بهذا الاسم بدو ديار الشام قبل نحو قرن. أما اليوم فاللفظة بهذه الصورة مماتة عندهم. ومن أسمائها الحالية
стр. 771
(الحدرية) (بكسر الأول) ويعرفها بهذا اللفظ أهل بادية العراق وبعض سكان مدن العراق كأهالي الشطرة والحي والناصرية أو المركز وسوق الشيوخ والكلمة مشتقة من حدر الجلد العرق: إذا سأل به. فهي والعرقية من معنى واحد وإن اختلف المبنى. وأما لفظة العرقجين فيعرفها أهل مدن العراق الكبيرة كبغداد والبصرة والنجف وكربلاء وبعض أهالي البادية الذي يختلفون إلى المدن.
وتختلف هيئة العرقجين باختلاف أهل المدن وأعمارهم. فمن العرقجينات ما هو طويل محرب كثير النقش والتطريز والتزويق. وهذا تتخذه غالباً الفرس والهنود الموجودون في
العراق. - ومنه ما هو على هيئة نصف كرة. وهذا يلبسه العرب العراقيون وبعض الفرس الموجودين بين ظهرانينا. - ومنه ما هو على شكل مثلث تسميه النساء العراقيات (كاوورية) بكاف فارسية مثلثة يليها ألف بعدها واوان: الأولى مضمومة والثانية ساكنة يعقبهما راء مهملة ثم ياء مشددة ثم هاء نسبة إلى الكاوور وهو عند العراقيين المسلمين اسم النصارى والكفار والمجوس. وقد نسبت إليهم كأنهم هم الذين أول من استعملها على هذه الهيئة. والمسلمون يتخذون هذا النوع من السكبة لأطفالهم خاصة.
٢ - الفينة والطربوش والفيس والفس والشاشية والغفارة
العراقيون يسمون الطربوش (فينة) بفاء مكسورة وياء مثناة تحتية ساكنة ونون مفتوحة وهاء في الآخر. والطربوش هو الاسم الشائع في سائر البلاد العربية اللسان. والفينة تصحيف فينة بفاء مثلثة وهي اسم حاضرة بلاد النمسة لأن أهل هذه الديار كانوا يجلبونها في السابق من تلك العاصمة فأضيفت إليها ثم حذف المضاف على ما هو مستفاض في لغة العرب. أما الطربوش فهو تصحيف سربوش أي غطاء الرأس بالفارسية. قلبت فيها السين تاء على لغة شائعة عندهم (لغة العرب ١: ٢٥٣ و٢: ١٧٦) ثم فخمت التاء فصارت طاءً فقالوا طربوش كما في القتر والقطر وهرت الثوب وهرطه. والمتلئب والمطلئب وغيرها كثير. وأما الفيس فهو كلمة فاس بالأمثلة وفاس قاعدة مراكش. وكان يجلب منها أيضاً هذا النوع من العمرة، فأضيفت إليها. ثم حذف المضاف كما جرى الأمر
стр. 772
في فينة. وبعضهم يقول فس وزان تل. ولم يرد من هذه الألفاظ في كتب المولدين إلا كلمة طربوش. من ذلك في بعض نسخ كتاب ألف ليلة وليلة في قوله وكان عليه كما ذكرنا الطربوش والشاش. - ونظن أن لفظة الفينة قديمة أيضاً في العراق لأن الرحالة الإفرنسي أوليفية المتوفى سنة ١٨١٤ يقول في رحلته في كلامه عن نساء بغداد: وفي زينتهن المألوفة يكون على رؤوسهن فينة سوداء من القطيفة (المخمل) تتدلى إلى الوراء لها عثكولة (بسكولة أو شرابة) من الإبريسم أو من الكلبدون (خيوط الذهب) فإن كانت العثكولة من خيوط الذهب (الكلبدون) فظاهر الفينة يكون مغشى بالقصب (بشريط الذهب) وتثبت هذه الفينة على الرأس بلفافة من شال قشمير.)
وأما لفظة فيس أو الأصح فس فمأخوذة من التركية لأن الترك يلفظون مدينة فاس التي
كانت تصنع فيها هذه العمرة (فس أو فيس) وعوام بغداد يقولون إلى يومنا هذا (فيس رنكى) أي (لون الطربوش) إذا أرادوا أن يعرفوا لوناً من الألوان الحمراء يكون بلون الطربوش.
وفي سابق العهد كان أهل مصر يسمون هذه العمرة (شاشية) كما يعرفها بهذا الاسم أهل المغرب إلى يومنا هذا. وهم يعرفون أيضاً من مراد فاتها الطربوش. - وأما عرب الأندلس فكانوا يسمونها غفارة بكسر الغين وهو أفصح ما جاء في هذا المعنى. قال في تاج العروس: (المغفر كمنبر والمغفرة بهاء أو الغفارة ككتابة: زرد من الدرع ينسج على قدر الرأس يلبس تحت القلنسوة. ويقال: هو رفرف البيضة. . . قال ابن شميل: وربما كان المغفر مثل القلنسوة غير أنها أوسع يلقيها الرجل على رأسه فتبلغ الدرع ثم تلبس البيضة فوقها
стр. 773
فذلك المغفر يرفل على العاتقين. وربما جعل المغفر من ديباج وخز أسفل البيضة. . . . وربما يعنوها وظهروها بديباج أو خز أو بزيون. هكذا ضبطها أبو عبيدة. وحشوها بما كان. وربما اتخذوا فوقها قوساً من نضة. وغير ذلك. انتهى. قلنا: فإطلاق اسم الغفارة على الطربوش فسيح إذاً من باب التوسع ومن باب إبقاء الاسم على مسماه وإن تغيرت مادته فاحفظه تصب إنشاء الله تعالى.
النجف:
محمد باقر الشيبي
نهر الرشادي في الديوانية
فتح هذا النهر في زمن المتصرف خيري بك (سنة ١٣١٩ هـ - ١٩٠١ م) وقد شق من (بحيرة ابن نجم) التابعة لقضاء الشامية. وهو يبعد عن مركز اللواء ثلاث ساعات ولشدة ضيقه لم يجر فيه إلا شيء قليل من الماء. ولما تعين محمد صالح أفندي نائب لواء الديوانية للنيابة في اللواء سنة ١٣٢٦ وتقلد وكالة المتصرفية بلغه أمر النهر فأمر أن يشارف وبعد الإطلاع عليه وجده قابلاً للتوسيع وإرواء ما تحته من الأرضين فأنشأ لجنة لجمع إعانة تقوم بحفره فوسع وكري وجرى فيه الماء الكافي. ثم شوق الأهالي إلى جلب معينات (مكينات) لجر الماء فجلبوا منها نحو ٢٠ منضحة (طرمبة) بخارية وركبوها على النهر.
ولما قدم لواء الديوانية والي بغداد جمال بك (سنة ١٩١٢) أوقفه النائب الموما إليه على النهر ورغبه في تخصيص مال ينفق على توسيعه لتزيد زراعة ما يسقيه وتنمو وارداته فخصص له نحو ألف ليرة. وفي تلك الأثناء تعين متصرفاً للديوانية أحمد مدحت أفندي فلم يلتفت إلى الطريق
стр. 774
المؤدية إلى تحقيق الأمنية ولذا ذهبت الأموال سدى على يده: وفي الآخر انقطع الماء. وكأنه لم يكتف بذلك فحاول أن يغير اسم النهر المسمى باسم جلالة السلطان ويسميه (نهر الخيري) باسم أبيه خيري بك لكونه فتح في زمانه. فإذا كان ما زعمه صحيحاً فلماذا لم يسع بتعميره وتتبع منشآت أبيه.
ولما عزل وتعين في موطنه قيم المقام العسكري عبد الله صبري بك للوكالة ورأى هذا ما آل إليه أمر النهر وتلف الزرع وحاجة الأهالي إلى ماء الشرب وزع الأشغال للمحال على العشائر التابعة لمركز اللواء وسافر بنفسه إلى قضاء الشامية وأشغل الجميع بالحفر والكري وممن ساعده على ذلك مفتي اللواء إسماعيل أفندي آل الواعظ ومدير ناحية (شوفة مليحة) سليم ثابت أفندي الزهاوي. وبعد أيام قلائل تم العمل وجرى الماء في النهر بكفاية وقد وصل إلى الديوانية في أول ذي الحجة (١٠ ت ٢ سنة ١٩١٢) بعد أن أشرف الأهلون على الهلاك من فقد الماء. وقد تليت الخطب والأدعية وأرسلت رسائل التشكر إلى الآستانة والولاية. والذي يجب اليوم أن نوجه إليه الأنظار هو سد منفذ (أم الهايتة) الواقعة في نهاية
بحيرة ابن نجم وبذل العناية بتحكيمه حتى يدوم جري الماء بل يتضاعف وبذلك تعم الفائدة الجميع.
الديوانية:
فؤاد زاده عبد المجيد
عاشوراء في النجف وكربلاء
حبذا لو كان ينتهي تدين الشيعة المفرط إلى هذه الوسيلة تقليلاً لواردات الدولة العثمانية، لكنه يتعدى هذا الحد كما ستراه بعيد هذا حتى يصل إلى
стр. 775
ما يقارب الشطط. لأنه يتجدد في كربلاء في الشهر المحرم من كل سنة وفي الوطن الذي قتل فيه الحسين وأصحابه مشاهد تتفطر لها المرائر ويذوب لها الفؤاد حزناً وكآبة.
والتحمس في الدين يبلغ أوجه في عاشوراء ومحاولة وصف ما يجري في تلك الأيام من العبث. هذا فضلاً عن أن الكاتب لا يستطيع أن يجري قلمه في هذا الميدان بدون أن يشعر بقشعريرة تدب في جسمه كله لهول ما يرى. وإذا تذكرت بجانب هذا المشهد ما سمعت أو رأيت من أعمال بعض الدراويش وتهاويلهم المدهشة لما تصورت شيئاً يذكر.
الشهداء الذين يكونون موضوع هذه الحفلة الهائلة هم أصحاب
следующие страницы →