Полный текст (6 158 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
(الحدرية) (بكسر الأول) ويعرفها بهذا اللفظ أهل بادية العراق وبعض سكان مدن العراق كأهالي الشطرة والحي والناصرية أو المركز وسوق الشيوخ والكلمة مشتقة من حدر الجلد العرق: إذا سأل به. فهي والعرقية من معنى واحد وإن اختلف المبنى. وأما لفظة العرقجين فيعرفها أهل مدن العراق الكبيرة كبغداد والبصرة والنجف وكربلاء وبعض أهالي البادية الذي يختلفون إلى المدن.
وتختلف هيئة العرقجين باختلاف أهل المدن وأعمارهم. فمن العرقجينات ما هو طويل محرب كثير النقش والتطريز والتزويق. وهذا تتخذه غالباً الفرس والهنود الموجودون في
العراق. - ومنه ما هو على هيئة نصف كرة. وهذا يلبسه العرب العراقيون وبعض الفرس الموجودين بين ظهرانينا. - ومنه ما هو على شكل مثلث تسميه النساء العراقيات (كاوورية) بكاف فارسية مثلثة يليها ألف بعدها واوان: الأولى مضمومة والثانية ساكنة يعقبهما راء مهملة ثم ياء مشددة ثم هاء نسبة إلى الكاوور وهو عند العراقيين المسلمين اسم النصارى والكفار والمجوس. وقد نسبت إليهم كأنهم هم الذين أول من استعملها على هذه الهيئة. والمسلمون يتخذون هذا النوع من السكبة لأطفالهم خاصة.
٢ - الفينة والطربوش والفيس والفس والشاشية والغفارة
العراقيون يسمون الطربوش (فينة) بفاء مكسورة وياء مثناة تحتية ساكنة ونون مفتوحة وهاء في الآخر. والطربوش هو الاسم الشائع في سائر البلاد العربية اللسان. والفينة تصحيف فينة بفاء مثلثة وهي اسم حاضرة بلاد النمسة لأن أهل هذه الديار كانوا يجلبونها في السابق من تلك العاصمة فأضيفت إليها ثم حذف المضاف على ما هو مستفاض في لغة العرب. أما الطربوش فهو تصحيف سربوش أي غطاء الرأس بالفارسية. قلبت فيها السين تاء على لغة شائعة عندهم (لغة العرب ١: ٢٥٣ و٢: ١٧٦) ثم فخمت التاء فصارت طاءً فقالوا طربوش كما في القتر والقطر وهرت الثوب وهرطه. والمتلئب والمطلئب وغيرها كثير. وأما الفيس فهو كلمة فاس بالأمثلة وفاس قاعدة مراكش. وكان يجلب منها أيضاً هذا النوع من العمرة، فأضيفت إليها. ثم حذف المضاف كما جرى الأمر
стр. 772
في فينة. وبعضهم يقول فس وزان تل. ولم يرد من هذه الألفاظ في كتب المولدين إلا كلمة طربوش. من ذلك في بعض نسخ كتاب ألف ليلة وليلة في قوله وكان عليه كما ذكرنا الطربوش والشاش. - ونظن أن لفظة الفينة قديمة أيضاً في العراق لأن الرحالة الإفرنسي أوليفية المتوفى سنة ١٨١٤ يقول في رحلته في كلامه عن نساء بغداد: وفي زينتهن المألوفة يكون على رؤوسهن فينة سوداء من القطيفة (المخمل) تتدلى إلى الوراء لها عثكولة (بسكولة أو شرابة) من الإبريسم أو من الكلبدون (خيوط الذهب) فإن كانت العثكولة من خيوط الذهب (الكلبدون) فظاهر الفينة يكون مغشى بالقصب (بشريط الذهب) وتثبت هذه الفينة على الرأس بلفافة من شال قشمير.)
وأما لفظة فيس أو الأصح فس فمأخوذة من التركية لأن الترك يلفظون مدينة فاس التي
كانت تصنع فيها هذه العمرة (فس أو فيس) وعوام بغداد يقولون إلى يومنا هذا (فيس رنكى) أي (لون الطربوش) إذا أرادوا أن يعرفوا لوناً من الألوان الحمراء يكون بلون الطربوش.
وفي سابق العهد كان أهل مصر يسمون هذه العمرة (شاشية) كما يعرفها بهذا الاسم أهل المغرب إلى يومنا هذا. وهم يعرفون أيضاً من مراد فاتها الطربوش. - وأما عرب الأندلس فكانوا يسمونها غفارة بكسر الغين وهو أفصح ما جاء في هذا المعنى. قال في تاج العروس: (المغفر كمنبر والمغفرة بهاء أو الغفارة ككتابة: زرد من الدرع ينسج على قدر الرأس يلبس تحت القلنسوة. ويقال: هو رفرف البيضة. . . قال ابن شميل: وربما كان المغفر مثل القلنسوة غير أنها أوسع يلقيها الرجل على رأسه فتبلغ الدرع ثم تلبس البيضة فوقها
стр. 773
فذلك المغفر يرفل على العاتقين. وربما جعل المغفر من ديباج وخز أسفل البيضة. . . . وربما يعنوها وظهروها بديباج أو خز أو بزيون. هكذا ضبطها أبو عبيدة. وحشوها بما كان. وربما اتخذوا فوقها قوساً من نضة. وغير ذلك. انتهى. قلنا: فإطلاق اسم الغفارة على الطربوش فسيح إذاً من باب التوسع ومن باب إبقاء الاسم على مسماه وإن تغيرت مادته فاحفظه تصب إنشاء الله تعالى.
النجف:
محمد باقر الشيبي
نهر الرشادي في الديوانية
فتح هذا النهر في زمن المتصرف خيري بك (سنة ١٣١٩ هـ - ١٩٠١ م) وقد شق من (بحيرة ابن نجم) التابعة لقضاء الشامية. وهو يبعد عن مركز اللواء ثلاث ساعات ولشدة ضيقه لم يجر فيه إلا شيء قليل من الماء. ولما تعين محمد صالح أفندي نائب لواء الديوانية للنيابة في اللواء سنة ١٣٢٦ وتقلد وكالة المتصرفية بلغه أمر النهر فأمر أن يشارف وبعد الإطلاع عليه وجده قابلاً للتوسيع وإرواء ما تحته من الأرضين فأنشأ لجنة لجمع إعانة تقوم بحفره فوسع وكري وجرى فيه الماء الكافي. ثم شوق الأهالي إلى جلب معينات (مكينات) لجر الماء فجلبوا منها نحو ٢٠ منضحة (طرمبة) بخارية وركبوها على النهر.
ولما قدم لواء الديوانية والي بغداد جمال بك (سنة ١٩١٢) أوقفه النائب الموما إليه على النهر ورغبه في تخصيص مال ينفق على توسيعه لتزيد زراعة ما يسقيه وتنمو وارداته فخصص له نحو ألف ليرة. وفي تلك الأثناء تعين متصرفاً للديوانية أحمد مدحت أفندي فلم يلتفت إلى الطريق
стр. 774
المؤدية إلى تحقيق الأمنية ولذا ذهبت الأموال سدى على يده: وفي الآخر انقطع الماء. وكأنه لم يكتف بذلك فحاول أن يغير اسم النهر المسمى باسم جلالة السلطان ويسميه (نهر الخيري) باسم أبيه خيري بك لكونه فتح في زمانه. فإذا كان ما زعمه صحيحاً فلماذا لم يسع بتعميره وتتبع منشآت أبيه.
ولما عزل وتعين في موطنه قيم المقام العسكري عبد الله صبري بك للوكالة ورأى هذا ما آل إليه أمر النهر وتلف الزرع وحاجة الأهالي إلى ماء الشرب وزع الأشغال للمحال على العشائر التابعة لمركز اللواء وسافر بنفسه إلى قضاء الشامية وأشغل الجميع بالحفر والكري وممن ساعده على ذلك مفتي اللواء إسماعيل أفندي آل الواعظ ومدير ناحية (شوفة مليحة) سليم ثابت أفندي الزهاوي. وبعد أيام قلائل تم العمل وجرى الماء في النهر بكفاية وقد وصل إلى الديوانية في أول ذي الحجة (١٠ ت ٢ سنة ١٩١٢) بعد أن أشرف الأهلون على الهلاك من فقد الماء. وقد تليت الخطب والأدعية وأرسلت رسائل التشكر إلى الآستانة والولاية. والذي يجب اليوم أن نوجه إليه الأنظار هو سد منفذ (أم الهايتة) الواقعة في نهاية
بحيرة ابن نجم وبذل العناية بتحكيمه حتى يدوم جري الماء بل يتضاعف وبذلك تعم الفائدة الجميع.
الديوانية:
فؤاد زاده عبد المجيد
عاشوراء في النجف وكربلاء
حبذا لو كان ينتهي تدين الشيعة المفرط إلى هذه الوسيلة تقليلاً لواردات الدولة العثمانية، لكنه يتعدى هذا الحد كما ستراه بعيد هذا حتى يصل إلى
стр. 775
ما يقارب الشطط. لأنه يتجدد في كربلاء في الشهر المحرم من كل سنة وفي الوطن الذي قتل فيه الحسين وأصحابه مشاهد تتفطر لها المرائر ويذوب لها الفؤاد حزناً وكآبة.
والتحمس في الدين يبلغ أوجه في عاشوراء ومحاولة وصف ما يجري في تلك الأيام من العبث. هذا فضلاً عن أن الكاتب لا يستطيع أن يجري قلمه في هذا الميدان بدون أن يشعر بقشعريرة تدب في جسمه كله لهول ما يرى. وإذا تذكرت بجانب هذا المشهد ما سمعت أو رأيت من أعمال بعض الدراويش وتهاويلهم المدهشة لما تصورت شيئاً يذكر.
الشهداء الذين يكونون موضوع هذه الحفلة الهائلة هم أصحاب
стр. 776
الحسين المقربون الميمونو الطالع. وقد آلوا على أنفسهم أن يضحوا أنفسهم ضحية للإمام ليحصلوا منه على نعمة أو بركة أو حسنة إذا حاماهم أو دافع عنهم وفي أغلب الأحايين يضطر بعض الحاضرين إلى أن يمسكوهم لكي لا يقوموا بمواعيدهم فينجزوها بالحرف الواحد وكثيرون منهم يموتون فدى للحسين لكثرة ما يقاسونه من الأعذبة المبرحة في مثل تلك الأهوال.
وأول شيء يأتونه في مثل تلك الأيام أنهم يحلقون رؤوسهم من الوسط في عرض نحو ١٠ سنتيمترات وهذا الحلق يتجه من الجبهة إلى القفا. فيكون قحف الرأس أجرد ليس عليه ما يدفع أو يخفف غائلة الآلة الجارحة. ثم أنهم يلتحفون بثوب أبيض يميزهم عن سواهم من بين الجمع. إلا أنه لا يبقى مدة طويلة ببياضه الناصع إذ لا يعتم أن يتضرج بالدماء الحمراء القانئة. هذا فضلاً عن أن هذا الثوب هو الكفن الذي يسحبون به إذا ماتوا في أثناء هذه الحفلة الرائعة. ويجعلون بأيديهم سيفاً مشهوراً. وبهذا الزي وهذا السلاح يأخذونهم إلى الصحن
стр. 777
فترى الصحن على رحبه قد غص بمن فيه من تكاتف الجمع وازدحامه هناك. وفي مثل هذا المقام لا في غيره يحق أن يقال: (ضاق الفناء بمن فيه) وبعضهم يحاول أن يرى الواقعة المحزنة أحسن روية فيصعدون إلى الطارمات والمماشي والمشارف والسطوح
وأطورة الدور ليشارفوا المشهد أتم المشارفة. وعدد الزوار المتجمعين في تلك المواطن بين ذكور وإناث لا يقل عن ٢٠ أو ٢٥ ألفاً. وهم في حالة التحمس والتهيج التي ليس وراءها حالة. وفي هذا الصحن يمثل كل ما وقع سابقاً في يوم عاشوراء.
وبينما أنت تنظر إلى هذا الجمع المزدحم ترى في وسطه فرساناً عليهم ثياب بيضاء وتحتهم جياد بيضاء يزيدون الحفلة رونقاً وترتيباً وغايتهم مرافقة أولئك المستشهدين إلى حيثما يذهبون.
فيطوف هؤلاء الناس جميعهم في أنحاء المدينة، ثم يتألبون في
стр. 778
مكان محصور ترى فيه نساء، لعلهن نساء بعض المستشهدين - وقد تحجبن أشد الحجاب ورافقنهم إلى ذلك الموطن وقد تجمع على جدرانه وأطورته طوائف من المتطلعين كأنهم عناقيد من الآدميين - وبعد هذا يبتدئ الاستشهاد.
اصطف المستشهدون على هيئة نصف دائرة، وهم ينتظرون أدنى علامة أي سماع أول آية من الآيات التي ينطق بها الإمام ليضربوا أنفسهم الضربة الأولى. ثم يزداد هياجهم وتحمسهم بما يسمعون من الألحان الدينية ونغمات الأدعية وما يتلفظ به الجمع الحاضر من كلم الحث على الاستشهاد والتشويق إليه. هذا فضلاً عن أنه يحدث ساعتئذ نوع من الجلبة تخيل لهم أنهم سكارى وما هم بسكارى فيضربون إذ ذاك أنفسهم ضرباً أليماً. ثم يتحرك الطواف ثانية تحت رعاية أو مراقبة الفرسان ليجولوا حول المدينة ويروا أنفسهم لأغلب من هناك في البلدة حملاً لهم على رؤية ما فيه إصلاح النفس أو صلاحها.
ها أن الدم يتصبب عبيطاً من جباههم ويتحدر قائناً على وجوههم، فيصبغ ثيابهم البيضاء الناصعة بالأحمر الأرجواني وقد أصبحت رؤوسهم عبارة عن جروح دامية عديدة. ومع ذلك ترى أيديهم المرتجفة المرتعدة تصك الرأس بالسيف صكاً عنيفاً بدون رحمة أو شفقة.
ومن وقت إلى وقت ترى عضلات الساعد قد وهنت فلا تطاوع
стр. 779
الإرادة بل تعصيها فتقف عن الحركة ريثما تجم قواها فترجع إلى الصك أو القرع أو الطرق.
ثم يقف الطواف في إحدى الطرق وعيون المؤمنين ترعى هؤلاء المستشهدين حتى إذا عادت إليهم قواهم، عادوا إلى إعمال تقاهم، وأخذ الناس بالأدعية والصلوات والتشهد واستأنف محبو الحسين بتعذيب أجسادهم بدون أن يشفق بهم أحد أو يحن قلبه عليهم، فينهي
هذه الفاجعة التي يتصدع لها الجلمود، بل بالعكس تراهم جميعهم يحثونهم على طعن أنفسهم طعناً عنيفاً، بل أعنف فأعنف. وروية الدم العبيط يزيدهم إلحاحاً وتنشيطاً ولهذا يتبعونهم ويلازمونهم ملازمة الظل لصاحبه إلى أن يتم الاستشهاد
وبينما يسير الجمع وراء الذين يجودون بأنفسهم تراهم لا يغادرون طريقاً إلا ويسيرون فيه ومثل هذه الفاجعة يقع خارجاً عن المدينة وفي أوانها. وبعد ذلك ترى أعراباً قد سلوا سيوفهم وشرعوا أسنتهم ونشروا ألوية بيضاء رمزاً إلى الصلح يرقصون ويهوسون ويصرخون ويعطعطون ويطلقون طلقات نارية في الهواء. فلما يسمع المستشهدون بذلك الضوضاء يزداد تحمسهم وتهيجهم زيادة لا يصفها يراع واصف فيقرعون رؤوسهم بالسيوف وهم يلهثون لشدة ما وصلوا إليه من إنهاك القوى.
وقد يتفق بعض الأحيان أن يقع واحد منهم خائراً واهناً (كجلمود
стр. 780
صخر حطه السيل من عل). وللحال تمد إليه ألف يد لتنعشه. وقد يكون المغشي عليه قد سقط لضعف حركة في قلبه لا لوهن في عزمه، أو قد وقع لكثرة الجروح التي استنزفت دمه. وقد يتفق أن يموت المستشهد فتكون وفاته من أعظم الحسنات لنفسه ولأصحابه ولأهل بيته ولسكان المدينة كلها جمعاء، لأنه مات في حب الحسين.
ولقد سبق فكرهم بوقوع مثل هذا الحادث قبل جريانه ولهذا ترى مع الجمع المزدحم أناساً من باعة الأكفان يتتبعون القوم أينما ذهبوا حتى إذا اقتضت الحاجة ذلك أظهروا من فورهم. وكل شهيد يسقط في مثل هذه الواقعة يسجى للحال بكفنه المضرج بالدماء ويضجع في تابوت وينقله للحال بعض من حضر بأوجه باشة هاشة وهم يظنون في أنفسهم أنهم من أسعد خلق الله لكونهم شهدوا بأنفسهم وقوع هذا الشهيد الكريم واقتربوا منه، وربما مسوه مساً لطيفاً تبركاً به.
стр. 781
وهانحن أولاء قد قربنا من نهاية الطواف المتهيج، وقد ازداد عدداً بما انضم إليه من كل بيت ودار وشارع وطريق، وقد ازدحموا ازدحاماً عظيماً حتى أن الواحد ليطأ الآخر أو يسحقه بدون أن يشعر بما أتى. وكل ذلك حباً لما يجري بمن جرحوا أنفسهم في هذه الفاجعة العظمى.
ترى هذا البحر المتموج بالخلق يتجه نحو الصحن وقد غص فناؤه بمن فيه من الزوار
والمتحمسين. ولقد ترى في هذا الصحن زهاء ٥٠ ألفاً من النفوس وقد ازدحموا ازدحاماً بل قد رصوا رصاً. دع عنك ذكر من تسلق الجدران وتعلق بالحيطان ونظر من أعلى السطوح وتطلع من أعالي المشارف والأبنية فأنهم لا يحصون.
هنا ترى المستشهدين قد صاروا إلى حالة تمكننا من أن نشبههم بآلات متحركة لا تعمل عن فكر وروية بل عن حركة عصبية اضطرارية أو عن نوبة صرعية وهم يظلون دائبين في عملهم هذا إلى آخر رمق من حياتهم بدون أن يشعروا بشيء أو يروا شيئاً، ويسمعوا شيئاً سوى القعقعة والجلبة التي تصدم آذانهم أو تغويهم فتنميهم عن هذه الدنيا. وهنا لا ترى ربع عدد أولئك الفرسان البيض الذين كنت رأيتهم قبل بضع ساعات. أما الآخرون فأنهم بقوا في الطريق مغشياً عليهم أو مائتين. وأما الحاضرون فإنهم قد صاروا إلى حالة تقشعر لها الأبدان وترتعد لها الفرائص.
وبينما أنت تنظر إلى حواليك إذ براية خضراء تبدو لك في الفضاء
стр. 782
على رمح طويل يهزه هزاً عنيفاً فارس قوي البنية. وهذه العلامة هي إشارة إلى نهاية هذا الاستشهاد والمنظر الفاجع الرائع. وحينئذ يأخذ الجمع بالانقضاض، وما يمضي شيء من الزمن إلا وقد أصبح الصحن أفرغ من فؤاد أم موسى. على أن الحق يلزمنا بأن نقول: إنه يظل في فناء الصحن بعض الصعاليك الذين كانوا يقرعون صدورهم بأيديهم طول مدة الطواف وكان القرع موقعاً على سقطات السيف وهم يفعلون ذلك تأسفاً وتوجعاً على موت الحسين ولا ينقطعون عن إتمام ما شرعوا به عادين كفهم عنه أو وقوفهم في كآبتهم من رابع المستحيلات وهذه الحركة الاضطرارية لا تضرهم ضرراً يذكر.
لم يعرف الشيعة سابقاً الحرية التي يتمتعون بها اليوم في كربلاء فأن التاريخ يشهد على أن العباسيين كانوا قد ضيقوا عليهم أشد التضييق حتى فزع أغلبهم إلى التقية، تخلصاً من البلية. ولولا تشديد العباسيين على العلويين لأصبحت كربلاء محجاً لهم لا مزاراً، بل محجاً يناوئ مكة مناوأة صادقة.
ومع كل ما فعل بهم أعداؤهم لم يحد أبناء الحسين عن محبوبهم ولو قيد ذرة بل أظهر ثباتهم لخصومهم أنهم أرسى من الرصاص بل أرسى من الرواسي. ولقد شاهد الناس ملوكاً وسلاطين لم يكونوا على مذهب الشيعة ومع ذلك زاروا كربلاء كما فعل الشاه اسمعيل
والسلطان سليمان (حليف
стр. 783
الملك الفرنسوي فرنسيس الأول) وعليه أصبح إيمان الإمامية قرين النصر المبين، وصنو الفتح المكين.
كاظم الدجيلي
مشاهير بيوت وقبائل سوق الشيوخ
-
٨ - مشاهير الرجال والبيوت
أغلب بيوت سوق الشيوخ الشريفة أو الكبيرة هي من أبناء نجد. فإنهم يفتحون دورهم للضيوف ويكرمونهم ويحسنون إليهم. ولذا ترى كلمتهم مسموعة عند جميع العشائر ولهم جاه وصيت. ومن رؤوس البيوت الشريفة الشيخ محمد علي أبا الخيل (كذا يقال في حالة الرفع والنصب والجر على سبيل الكلمة الواحدة) وهو من أسرة كان بيدها سابقاً الحكم على بريدة إحدى عاصمتي القصيم. وسليمان أبا الخيل. وسليمان بن حسن المهنا أخو صالح بن حسن المهنا الذي دخل بريدة فقتله غدراً ابن السعود في الأيام الأخيرة. ومحمد العبد الله، وصالح العماري، وإبرهيم العماري وهذان من الرجال الكرام الأجلاء المحترمين وهما من أهل عنيزة.
وإذ لم أجالس أحداً من الحضر لم أعرف واحداً منهم وإن كان فيهم من أهل الفضل وقدم المحتد ما لا ينكره أحد.
٩ - نظرة عامة في البلدة وفي حالتها
البلدية في غاية الانحطاط. وبيوت المدينة حقيرة أمام الناظر وذلك لأن البلدية لا تسعى في هدم ما يجب هدمه وترميم ما يحسن ترميمه وتقويم ما اعوج من طرقها وشوارعها. أما واردات البلدية فأنها لا تزيد على مائتي ليرة لكن لا يصف منها على تنظيف الأزقة وتوسيع الجواد وإنارة المحلات ما يجب صرفه في هذا الوجه.
ويحيط بالبلد سور من الطين (أي سور من الطوف أو الطوفة) وجانب منه مبني باللبن والطاباق. وللبلدة أربعة أبواب تغلق كلها في الليل ما عدا باب النجديين فأنه يبقى مفتوحاً لأنه لا يتجاسر أحد على أن يطأ دارهم أو يخونهم. والبلدة خالية من الأمن في بعض الأحيان وقليلته في أوقات أخرى وهي أمينة
стр. 784
في برهة من السنة معلومة. وسبب ذلك وجود العشائر البادية في حواليها ولا سيما في إبان الفتن. كما وقع ذلك في أيام الاستبداد فأنه قل فيها نفوذ الحكومة واشتدت آنئذ المعضلات والمشكلات وتوالت فيها توالي المطر المدرار.
والذي ساعد على استفحال الشر واستشرائه بين تلك الأقوام سوء تصرف بعض موظفي الحكومة وقلة درايتهم بسياسة تلك البلاد وعشائرها وأهاليها. الأمر الذي حط من ثلثي الثقة بالحكومة عند الرؤساء والأمراء والشيوخ وغيرهم كما ستظهر لك حقائقه وأسبابه في غير هذا الموطن.
١٠ - عشائر سوق الشيوخ
عشائرها من جهة الغرب هي:
١. أهل أو عشائر الكوت وشيخهم قويد وجار الله الحواس [كشداد] وعدد من المسلحين منهم ١٠٠٠ رجل
٢. الشواليش وشيخهم عبد الله الوشاح (كشداد) وعدد حملة الأسلحة عندهم ٣٠٠
عشائرها من جهة بر الشامية:
١ - النواشي ورئيسهم على المطلق وجنودهم ٣٠٠
٢ - حكام ورئيسهم ناصر الياسر وجنودهم ٦٠٠
٣ - البو حميدي ورئيسهم جاسم جولان وجنودهم ٣٠٠
٤ - بنو سالم ورئيسهم وهيب (مصغرة مشددة الياء) وجنودهم ٥٠٠
٥ - الغريافية ورئيسهم الحاج شهل العيسى وجنودهم ٥٠٠
٦ - الشواوشة والدبات [وزان ضمات] ورئيسهم فيصل الياسر وجنودهم ٤٠٠
أهل السورة (كعورة) مزيعل البشارة وجنودهم ٦٠٠
عشائرها من جهة الشرق:
стр. 785
١ - بنو أشرف وهم البوحمدان وبقية آل مشرف (وزان محمد) ٥٠٠
٢ - بنو سد (وزان تل وهي تصحيف أسد) ورئيسهم سالم بن خيون ٤٠٠
٣ - بنو حطيط (كزبير) الشيخ سبت (بالفتح) ٣٠٠
٤ - آل إسماعيل الحاج خشان (كشداد) ٣٠٠
٥ - العمائرة
٦ - الحول (محركة) ينتمون جميعاً إلى بني خيقان ٣٠٠
٧ - الفهود
٨ - البو شامة؟ ٣٠٠
عشائرها الموجودة في غربي منازل بني سد:
١ - البو خليفة محمد الناصح وابن ركاب ٧٠٠
٢ - المؤمنون الميرزا عناية (بكسر الأول) ٦٠٠
٣ - بنو سعيد عيسى الرديني (مصغر ومنسوب) ٦٠٠
٤ - الجويبر ابن جويزع وابن قطان ١٥٠٠
٥ - آل زياد؟ ٥٠٠
عشائر بني خيقان
٢ - آل شميس؟ ٤٥٠
٢ - البو خليفة عبد الله الراضي ٤٠٠
٣ - الرحمة المغشغش ١٥٠٠
٤ - النجيمات زياد ٣٠٠
٥ - آلعبد الله زياد ٣٠٠
٦ - العليان (مصغرة ومشددة الياء) فيصل ١٠٠٠
٧ - العساكرة الحاج مري (بكسر الأول) والحاج دوخي (بضم فسكون) ٢٠٠٠
هذا مجمل العشائر المحيطة بالسوق وهنالك عشائر صغيرة اضربنا عن ذكرها حباً للاختصار كما أن ثم عشائر أخرى لا يعلم إلى أي قضاء راجعة اليوم وإن كانت في السابق عائدة إلى قضاء السوق.
١١ - الأنهار الموجودة بجوار سوق الشيوخ
يسمى الأعراب أنهارهم قراماً مفردها قرمة والكلمة مشتقة عندهم من قرم الساقية أو الجدول إذا كسره بالمسحاة ليجري منه الماء فالقرمة إذاً
стр. 786
الجدول أو النهر الذي يسهل فتحه أو سده عند الحاجة بخلاف النهر فأنه لسعته لا يسهل التصرف به على الوجه المذكور. وهناك أنهر كبيرة يحمل منها جداول صغيرة ونحن نذكر هنا ما وصل إليه علمنا. على أن هنالك نهاراً لا يزيد عرضها على ذراعين ونصف إلى ٣ أذرع ولهذا نضرب صفحاً عن ذكرها. ودونك أسماء الأنهار التي بين المركز أو (الناصرية) وبين سوق الشيوخ.
في الجهة القبلية أو في الشاطئ القبلي.
العقر (كقفل) الحمار (كشداد) المجينينة (تصغير مجنونة) العثمانية، المصغر (كمحمد) السعيدية (مصغرة منسوبة) الخندق، قرمة جار الله، الحوسة (كعورة) الغافلية، المانعية، النغيمشي (مصغرة وبإسكان الياء والميم معاً وياء النسبة)، الفضلية.
والأنهار التي هي في جهة الجزيرة أو في الجهة الشرقية هي:
السديناوية (مصغرة منسوبة) المعيدية (مصغرة منسوبة) قرمة آل بو سوق بدعة (أي قرمة) الحسينات. أبا الرفوس (كذا يلفظنها في حالة الرفع والنصب والجر) الدقمانية، البو بزيم، الهدامية، العرجانية. غليوين (مصغر غليون) المجيحشية. السفحة (وهو نهر عظيم يأخذ أكثر من نصف ماء الفرات)
والأنهار التي تبتدئ من السوق إلى أن يدفع الشط في برق الحمار أو الجزائر من الجهتين هي:
стр. 787
المحولة أو قرمة النواشي أم الطول، العتيبية الطليعة لآل أبو حميد، الاصيبح. الكرمانشية أم نخلة وهذه الأنهر من جهة الشامية.
والأنهر التي تقابل تلك الأنهر من جهة الجزيرة هي:
الرحمانية للنواشي
الرميحية لحكام
الزيادية للزياد
الناطوري للحسن
الحريقاوية للزياد
قرمة بني سعيد للزياد
نهر المومنين للمومنين
أم شكاة؟
الدهلاوية؟
ومن بعد ذلك يتوزع الماء في البحيرات فيقل نفعه ويكثر ضرره. وإذا انتهى الأمر إلى مثل هذه الحالة فالأجدر بنا ختم الكلام. والسلام.
سليمان الدخيل صاحب جريدة الرياض
نحن والدهر
-
عجبت لمن من دهره يتظلم ... وأفعاله مما تظلم أظلم
стр. 788
بأسوائه للنفس يستجلب الأسى ... ويرمي بهن الدهر ظلماً وينقم
ولو أنصف الإنسان ما راح مسنداً ... إلى الدهر جرماً وهو لا الدهر مجرم
ولو مثلما قد قيل للدهر سطوة ... على المرء تقضي بالشقاء وتحكم
لما عاش إنسان بأرغد عيشة ... على رغم دهر بالغنى يتنعم
ولو لم يقاوِ الدهر جزءُ اختيارنا ... لما بعث الله رسولاً يعلم
فما الدهر إلا مسرح وفعالنا ... تمثل فيه ما نرى وتجسم
أرى المرء يشقيه قبيح فعاله ... ويسعده حسن الفعال ويكرم
ولكن أبى الإنسان إلا تحاملاً ... على الدهر فيما قد جنى حين يندم
وذلك طبع راسخ في وجوده ... مدى العمر لا يبلى ولا يتصرم
إبراهيم منيب الباججي
العريسات وأم الغراف
-
كتب إلينا من النجف حضرة الشيخ العلامة محمد رضا أفندي الشبيبي ما هذا نصه: وقفنا على طرف من أخبار العريسات أخذناه عن قطاع تلك الفلوات وطلاع تلك الثنيات فقد رووا لنا أن العريسات موضع على ٨ ساعات من النجف غرباً. وإنه جسيم بناء تحت الأرض ينفذ إليه الداخل من نفق طويل مظلم ينتهي بأبنية متعددة مختلفة. وهناك مسالك كثيرة أشبه شيء بالجواد إلى غير ذلك مما يطول شرحه. وقد ذكروا أن من يريد الوقوف عليه وقوفاً تاماً تلزمه الإقامة فيه لا أقل من يومين، لا يرى فيها نور الشمس ولا يستغني سالك هذه الطريق المؤدية إليه عن إدلاء وخفراء يصحبونه
стр. 789
هذا قليل من كثير من أحوال هذا الأثر الكبير. اهـ
وقد سألنا حضرة المستشرق الأديب لويس ماسنيون عن العريسات وعن رأيه فيها فقال: (إني لا أستطيع أن أبت رأياً بدون أن أشاهدها فلعلها تشبه (أم الغراف) التي كتبت عنها في رحلتي إلى العراق. فراجعها هناك لتقابل بين الموضعين.) فراجعنا ما رواه عن أم الغراف فإذا هو يقول:
(لما وصلت أم الغراف رأيتني أمام أجراف قائمة فيها خروق متتالية على عرض الأجراف وكل ثقب يبعد عن أخيه قراب ١٠ أمتار على علو ونصف قامة الإنسان فوق سطح الحضيض. - ولما صعدت التلعة ودخلت في نقب من تلك الانقاب تحققت أن مدخلها مستطيل أو قائم الزوايا تفضي إلى دهاليز هي دهاليز للموتى أو دهاليز قبور. وكلها متشابهة كأنها أفرغت في قالب واحد. ودونك وصفها:
١: مدخلها فوهة قائمة الزوايا ارتفاعها متر و٦٠ سنتيمتراً وهي مفتوحة على نصف طول قامة الإنسان فتحاً ينظر إلى الجرف القائم.
٢: وقبيل الفوهة بئر من آبار الموتى في سطحه أمت يفاجئك مفاجأة تكسيره متر و٥٠ سنتيمتراً ويبلغ قطره من متر و٥٠ سنتيمتراً إلى مترين.
٣: وبين يدي ذلك دهليزان أو ثلاثة دهاليز تتقاطع ارتفاع كل دهليز من متر و٢٠ سنتيمتراً إلى متر و٦٠ سنتيمتراً تقريباً. وهو يؤدي إلى آبار تشابه البئر الأولى وذلك على
بعد نحو مترين آخرين من الدهليز.
ولهذه الدهاليز حروف حادة.
стр. 790
وإن سألتني عن تاريخ هذه المدافن قلت: إني لم أر هناك عظاماً في البئرين اللتين نظرت فيها نظراً غير بعيد. ولم أجد هناك شقفاً أو خزفاً إلا قطعة واحدة، ولعلها نقلت إلى ذلك الموطن نقلها إليه بعض المتجولين أو الأفاقين.
إن البدو قد نهبوا ما في تلك المقابر وقد فضوا عدة كل بئر باحثين عن كنوز ظنوا أنها فيها.
إنه وإن لم يك هناك ما يرشدني إلى ضالتي فإني أميل إلى أن أجمع بين هذه المدافن وبين مدافن البحرين التي ينبش فيها الآن أثريون من الإنكليز (يكتب المؤلف كلامه هذا في ١٥ نيسان ١٩٠٨)
إن نظام الآبار والفوهات التي وصفناها فويق هذا تبين لي أنها تشبه كل الشبه نظام ما رآه في البحرين سنة ١٩٠٧ حضرة الدكتور جون استروب من جامعة كوبنهاغ.
أما معضلة تاريخها فأنها تبقى في نظري أعقد من ذنب الضب على أني لا أؤكد أن مدافن أم الغراف بقيت مقابر تدفن فيها الموتى إلى عهد فتوحات الإسلام لكني أرى أنه غير مناسب الآن أن يعين لهذه المدافن التاريخ الذي يؤرخ به بعضهم مدافن البحرين (الفنيقية؟ قبل أن يهاجروا إلى فنيقية إلى ما وراء الألف الثاني من الميلاد؟) اهـ كلام الباحث المستشرق.
ونحن ننتظر من أبناء هذه الديار أن يبحثوا عن هذين الموطنين القديمين بل الواغلين في القدم بحثاً نعما لكي يساعدوا علماء الغرب على إماطة اللثام الذي يستر حقيقتها وتاريخ إنشائهما والله المعين على كل حال وفي كل حين.
стр. 791
الطباعة في دار السلام والنجف وكربلاء
-
لم تكن بغداد حتى أواسط القرن التاسع عشر تعرف المطابع أو فن الطبع بل كان العراقي إذا سمع بأن الكتاب الكبير الكثير الصفحات يطبع في يوم أو بعض يوم تأخذه الحيرة ويبقى مبهوتاً مدهوشاً لضعف مداركه وقلة بضاعته في العلم حتى أنه لا يصدق ذلك وربما أنكره وعده من رابع المستحيلات، وليت الأمر وقف عند هذا الحد بل ربما استهزأ بأقوال الواصفين له فن الطباعة وعده من فنون السحر! بيد أن العراقيين لما رأوا ما جلبت الطباعة على أهل مصر الذين سبقوا البلاد العربية من الفوائد الجمة، وما درته عليهم من الذهب الوهاج، ورأوا كثرة الكتب وزهد أثمانها قامت بينهم نهضة علمية غلبت فيها التجارة فدفعتهم بسائق العلم إلى أن يجاروا على الأقل إخوانهم السوريين الذين كانوا أسبق البلاد العثمانية العربية إلى جلب المطابع بعد مصر. وعلى الأخص لما شاهدوا بأعينهم ما جنته الحكومة من الفوائد والثمرات من مطبعتها التي كان جلبها أبو الأحرار مدحت باشا سنة ١٢٨٦هـ ١٨٦٩م. إذ من عادات العراقيين التي قد استحكمت عراها بينهم (وكانت سبباً وحيداً في تأخرهم وعقبة كؤوداً في طريقهم وسيرهم نحو المدنية) أنهم لا يتشبثون بمشروع ولا يعقدون شركة ولا ينشئون محلاً أو غير ذلك إلا بعد أن يشاهدوا ثمراتها وفوائدها بأعينهم ولو أدى الأمر إلى قعودهم وتأخرهم عن مجاراة الأمم الراقية وبعد أن يستثمرها الأجانب ويتمكنوا من رقابهم والاستيلاء على منابع ثروتهم، ومصداقاً لقولنا هذه شركة لنج فأنها قبل أن تعطيها الحكومة امتياز تسيير بواخر في نهر الفرات كانت قد عرضتها على أغنياء بغداد وتجارها مع تساهل عظيم في الشروط بواسطة أحد الولاة فلم يقبلوا وأحجموا عن استثمار ينابيع ثروة بلادهم فلما رأوا ما جادت به على لنج من الريع الكثير والفوائد الجمة قاموا تلك القومة المشهورة وزعزعوا الآستانة باحتجاجاتهم على توحيد الإدارتين النهرية العثمانية والإنكليزية معارضين تسليمها إلى لنج ولكن بعد خراب البصرة!
ولما نظروا الفوائد التي انتفعت بها بغداد من مطبعة الحكومة تهافتوا على جلب المطابع وما يلحق بها من أدوات لطبع الحروف وللطبع على الحجر
стр. 792
ومسابك ومقاطع وآلات تنحيس وصقل وتذهيب وتجليد وإلى الآن ليست مطابعهم على ما يرام أو ليست كافية لما
تحتاج إليه البلاد العراقية المملوءة مكتباتها كتباً وأسفاراً ثمينة لم يرها إلا الأقلون من ذوي الثروة الطائلة وذلك لأن الرجل العراقي إذا أراد أن ينشئ مطبعة يتكبد النفقات والمشاق في سبيل جلبها ما لا يتكبده أخوه السوري وذلك لقرب البلاد السورية من أوروبا ووفرة الطرق والسكك الحديدية فيها وبعد البلاد العراقية عنها وخلوها من سكك حديدية وطرق مواصلات تربطها بالبلاد الراقية وتقربها منها. ولا ريب أن بلاد العراق في أقصى ديار الله. وهذا ما أخرهم عن غيرهم وجعل بينهم وبين غيرهم من الأمم الراقية مراحل كثيرة. وليس بعدهم عن البلاد الراقية هو الذي أخرهم في تكثير المطابع وتحسينها وإتقان صناعتها فقط بل أخرهم عن طلب العلم ومجاراة الشعوب الناهضة والسفر إلى البلاد التي نالت نصيباً وافراً من المدنية لتكاثر مناهل العلم فيها والاستفادة بنبراس كلياتها إذ أن للبعد والقرب من البلاد المتقدمة في عالم الحضارة دخلاً كبيراً في رقي الشعوب وانحطاطها.
أسماء مطابعها ومطبوعاتها
١ - (مطبعة الولاية) - هي أول مطبعة أنشئت في بغداد بل في ديار العراق العربي جلبها من بلاد الإفرنج أبو الأحرار مدحت باشا فاتح متصرفية الاحساء وصاحب المآثر الجليلة والآثار الكثيرة في العراق سنة ١٢٨٦هـ ١٨٦٩م وسماها بالزوراء نسبة إلى بغداد وهي من أسمائها أو أنها سميت باسم الجريدة التي أنشأها سنة ١٢٨٧هـ ١٨٧٠م، وكانت مطبعة راقية فاخرة تدار بالبخار ويمكن أن يقال في وصفها أن أحسن مطبعة في مصر اليوم التي تطبع الجريدة بثمانية أوجه في آن واحد باللولب لا تكاد تضاهيها وكانت أعجوبة زمانها وفريدة أوانها وهي الآن مهجورة أتلفتها يد الكسل والإهمال، وبقيت نسياً منسياً. وكانت تطبع فيها جريدة لزوراء بثماني صفحات باللغتين التركية والعربية وكان محررو القسم العربي فيها من أشهر مشاهير الكتاب ممن كانت كتاباتهم تضاهي كتابات بديع الزمان وابن المقفع وأضرابهم كأحمد بك الشاوي والمرحوم طه أفندي الشواف، ثم جلب للولاية مطبعة ثانية فأصابها ما أصاب رفيقتها الأولى، ولما عين حازم بك والي بيروت
стр. 793
السابق والياً على بغداد سعى بإنشاء مطبعة تقوم مقام مطبعة الولاية الأولى الساقطة فجلب هذه المطبعة الموجودة الآن سنة ١٣٢٣هـ ١٩٠٥م وقد كانت هذه المطبعة الجديدة خاملة الذكر قليلة الفائدة في بادئ الأمر وأوشكت أن تندرس وتصبح في خبر كان لإهمال الولاة لها، لو لم يتح لها الله
حضرة الفاضل محمد رشيد أفندي الصفار صاحب الزهور فضمنها من الحكومة بمائة وخمسين ليرة عثمانية سنوياً وبذل جهده في رقيها فجلب لها حروفاً متنوعة الأشكال من أشهر المعامل في الآستانة وسورية وجلب لها مسبكا فاخراً مع أمهات لسبك حروف جديدة، ويقال فيها على الجملة إنها اليوم من أشهر المطابع في العراق، وفيها ما عدا ذلك مطبعة حجرية تجيد الطبع.
مطبوعاتها - ١ (سالنامه) لسنوات متعددة وهو كتاب تصدره الحكومة في كل سنة باللغة التركية تبحث في عن شؤون الولاية وإعمارها والتبدلات التي تقع فيها وأحوال عشائرها والأراضي القاطنة فيها وكل ما تحتويه الولاية من الآثار القديمة والمعابد العتيقة ولو أن الحكومة تصدره باللغة العربية لعمت فائدته وكثر انتفاع الناس به. (٢) قوانين التجارة (٣) قوانين الأراضي (٤) نشوة الشمول في السفر إلى اسلامبول (٥) نشوة المدام في العود إلى دار السلام (٦) تمام المتون في شرح رسالة ابن زيدون في ٣٢١ صفحة (٧) العلم الموروث في إثبات الحدوث (٨) السيف البارق في عنق المارق (٩) تنبيه الأصدقاء في بيان التقليد والاجتهاد (١٠) أحسن الأجوبة عن سؤال أحد علماء أوربة تأليف العلامة عبد الله وليم كويليام الإنكليزي (١١) تحفة الكرام في خبر الأهرام للإمام السيوطي، وتطبع فيها الآن من الجرائد جريدة الزهور ومن المجلات سبل الرشاد وكانت تطبع فيها سابقاً جريدة التعاون وغيرها.
(مطبعة دار السلام) - سميت بهذا الاسم نسبة إلى مرادف بغداد وقد أنشأ هذه المطبعة صاحب السعادة إبراهيم باشا مدير الأملاك المدورة، وذلك سنة ١٣١٠هـ ١٨٩٢م وهي مطبعة كبيرة كثيرة الأدوات فيها حروف حسنة جميلة تضاهي أحسن المطابع السورية في إتقان طبعها.
مطبوعاتها - (١) كتاب الفوائد الآلوسية على الرسائل الأندلسية
стр. 794
(٢) كتاب بلوغ الإرب في معرفة أحوال العرب للعلامة الشهير محمود شكري أفندي الآلوسي وهو في ثلاثة أجزاء مجموع صفحاتها (١٣٣٠) بقطع الثمن وهذا الكتاب حاز قصب السبق في المجمع العلم في أسوج (٣) دار السلام تقويمي، وهو تقويم تصدره المطبعة باللغة التركية في كل سنة راجع لغة العرب ٢٦٧: ١ و٢٥٩: ٢ وقد طبع فيها كتب فارسية كثيرة ضخمة ومناشير عديدة
ومؤلفات عربية صغيرة الحجم وكبيرتها.
(مطبعة كامل التبريزي) - هي مطبعة حجرية جلبها إلى ديار العراق من بلاد العجم أحد أكابر الفرس الميرزا عباس سنة ١٢٧٨هـ ١٨٦١م وهي الآن متروكة لاستغناء الناس عنها بالمطابع البخارية
مطبوعاتها - (١) كتاب أخبار الأول في آثار الدول (٢) كتاب إشراق التواريخ ليعقوب بن عطا الله الرومي القرماني (٣) كتاب سبائك الذهب في معرفة أنساب العرب لمحمد أمين السويدي (٤) الظرائف واللطائف للشيخ أبي النصر أحمد بن عبد الرزاق المقدسي (٥) المقامة الطيفية لجلال الدين السيوطي.
(مطبعة الفيلق) - هي مطبعة حجرية فاخرة جلبها إلى العراق مدحت باشا الشهير سنة ١٢٨٦هـ ١٨٦٩م. مع مطبعة الولاية للقيام بما يحتاج إليه الفيلق من المنشورات والأوامر والكتب الفنية العسكرية. وأكثر مطبوعاتها لا يطلع عليها إلا كبار الضباط خوفاً من ن يقف عليها أحد فتفشي الأسرار العسكرية،
(المطبعة الحميدية) أنشئت هذه المطبعة سنة ١٣٣٠هـ ١٨٩٢م ومؤسسها عبد الوهاب نائب الباب في بغداد سابقاً وهي الآن متروكة وأكثر آلاتها تحطمت لعدم العناية بها أما مطبوعاتها فخاملة قليلة لا تتجاوز الرسائل الصغيرة وكتب الأدعية وأحسن ما طبع فيها هو كتاب بحر الكلام لسيف الحق أبي النسفي.
(مطبعة بنجور) - مطبعة إسرائيلية أنشأها الحاخام يهوذا بنجور سنة ١٨٨٤م للقيام بطبع الكتب العبرية الخاصة بطائفته وأبناء ملته. وأكثر مطبوعاتها
стр. 795
العربية مناشير تجارية وبطاقات زيارة، ومكاتيب وإعلانات. ولما لم تعترف المعارف بوجودها في العراق إلا في أوائل الدستور بقي ذكرها خاملاً طول تلك المدة ثم جلب لها بعد هذا العهد آلة تدار بالرجل وما نحتاج إليه من أنواع الحروف العربية والفرنسوية والتركية وهي الآن قليلة الأشغال لقلة المنضدين في العراق إذ يعدون على الأصابع لحداثة هذه المهنة في بلادهم.
(مطبعة الآداب) - هي مطبعة جلبتها شركة تألفت من كبار رجال الجعفرية في بغداد سنة ١٣٢٧هـ ١٩٠٩م وهي من أشهر المطابع العراقية ولا تقل اتقاناً عن مطابع سورية وربما ضارعتها في جودة العمل وكثرة الأشغال، وهي في ترق دائم لا ينقصها شيء مما
نفتخر به المطابع الراقية، وذلك بهمة ملتزمها يوسف أفندي فرنسيس الموصلي المشهور بمعرفته بالطباعة.
مطبوعاتها - (١) شواهد القطر وحاشيته للشيخ عبد الرحيم السويدي ص ٣١٥ بقطع الثمن الكبير طبع سنة ١٣٢٩هـ (٢) الهداية في شرح الكفاية للشيخ عبد الحسين آل أسد الله في مجلدين ضخمين (٣) الهيئة والإسلام للعلامة هبة الدين الشهرستاني صاحب مجلة العلم سابقاً ص ٣١٤ سنة ١٣٢٧ وهو في جزءين (٤) جوهرة الكلام في مدح السادة الأعلام وأئمة البيت الكرام (٥) الجاذبية وتعليلها لفيلسوف العراق جميل صدقي أفندي الزهاوي وهو كتاب لم ينسج على منواله أحد حوى مبتكرات وأفكاراً لم تدر في خلد أحد من العلماء (٦) الجزء الأول من تاريخ الإسلام للسيد صدر الدين الصدر ص ١٢٦ (٧) مناظرة الحاتمي والمتنبي (٨) كتاب حقوق الدول باللغة التركية وهو كتاب ضخم (٩) كتاب الإرشاد لمن أنكر النبوة والمبدأ والمعاد لواعظ زاده مصطفى نور الدين أفندي مبعوث الديوانية (١٠) خلاصة المقال في شد الرحال له أيضاً (١١) كتاب زهر الربى في حرمة الربا له أيضاً (١٢) المطالب المنيفة في الذب عن الإمام أبي حنيفة له أيضاً (١٣) رحلة الشتاء والصيف (١٤) شجرة الرياض في مدح النبي الفياض (١٥) رسالة في تحريم الجنائز للشهرستاني صاحب مجلة العلم (١٦) رسالة في العصا (١٧) المجازات النبوية للشريف الموسوي الرضى وهو كتاب عدد صفحاته ٢٨٧. وطبع في المطبعة
стр. 796
أكثر صحف العراق منها مجلة لغة العرب هذه والعلم والحياة وتنوير الأفكار وجريدة الرياض والرصافة والمصباح وصدى بابل والنوادر والمضحكات وغيرها.
(مطبعة الشابندر) - أنشأ هذه المطبعة أحد تجار بغداد محمود أفندي الشابندر سنة ١٣٢٦هـ ١٩٠٧م وهي مطبعة كاملة الأدوات فيها آلتان بخاريتان تطبع كل منها ٣٠٠٠ نسخة في الساعة، وآلة أخرى تدار بالرجل ومطبعة حجرية كبيرة وأدوات كثيرة، وحروف عربية وتركية وفارسية وفرنسوية جميلة، صرف عليها منشئها زهاء ٢٥٠٠ ليرة، وقام لها مديراً إسرائيلياً ينقده راتباً ليس بزهيد مقابل مشارفته مصالحها، وهي لو كانت بيد من يحسن إدارتها ويرعاها حق رعايتها لنالت شهرة بعيد وجارت أرقى مطابع سورية في جودة الطبع وكثرة الأشغال.
مطبوعاتها - (١) الجزء الأول من كتاب عنوان المجد في تاريخ نجد تأليف عثمان بن بشر ص ١٤٢ (٢) الجزء الأول من كتاب الفوز بالمراد في تاريخ بغداد لساتسنا وهو كتاب يفيد من يهمه الوقوف على تاريخ بغداد بعد سقوطها بيد هلاكو وقد جمعه كاتبه من عدة كتب خطية ومطبوعة عربية وأعجمية (٣) شرح قانون الجزاء مع ذيله باللغة التركية لعبد الله وهبي فندي أحد معلمي حقوق الجزاء في مكتب الحقوق في بغداد عدد صفحاته مع ذيله ٧٣٥ جزأين (٤) فصل القضاء في الفرق بين الضاد والظاء ص ١٦٨ سنة ١٣٢٨هـ وقد حاز شهرة في ديار الإفرنج (٥) كتاب التبصرة للمولعي بالخمرة (٦) كتاب الشهاب في الحكم والآداب وكانت تطبع فيها جريدة القسطاس ولوجدان وكرمه ونرمه وغيرها من الجرائد البائدة.
(مطبعة دنكور) - مطبعة إسرائيلية أنشئت سنة ١٣٢٠هـ ١٩٠٢م جلبها من ديار الإفرنج الحاخام عزرا دنكور وهي كاملة الأدوات أخذت في الأيام الأخيرة تسير نحو الرقي، وكانت أدواتها مقصورة على الوفاء بالمقصود أما الآن فهي في رقي مستمر، وتعني عناية خاصة بطبع المناشير التجارية وأغلب مطبوعاتها كتب ورسائل عبرية أكثرها تخص الصهيونيين والدعوة إلى نشر مبادئها، أما مطبوعاتها العربية فقليلة جداً كلها رسائل صغيرة لم نقف على أسمائها، وكانت تطبع بعض الجرائد منها جريدة التفكر لسان حال جمعية الاتحاد العثماني الإسرائيلية.
стр. 797
١٠ - (مطبعة كربلاء) هي أول مطبعة حجرية جلبت إلى بلاد العراق صاحبها أحد أكابر الفرس في كربلا أنشئت في موقع قرب كربلا سنة ١٢٧٣ هـ ١٨٥٦ م في عهد ولاية لمشير محمد رشيد باشا حاكم العراق وكان من ذوي المدارك النيرة محباً للعلوم منشطاً لرجال الأدب، وأكثر مطبوعاتها مناشير تجارية وكتب أدعية ورسائل دينية حاوية لآداب زيارة عتبات أهل البيت ﵃ وليس بين مطبوعاتها كتاب يستحق الذكر غير كتاب مقامات الآلوسي في ١٣٤ صفحة طبع فيها سنة ١٨٧٣ هـ وهي الآن متروكة لخلل ظهر في إدارتها.
١١ - (مطبعة النجف) - تأسست هذه المطبعة سنة ١٣٢٨ هـ ١٩٠٩ م مؤسسها جلال الدين الحسيني صاحب جريدة الحبل المتين الفارسية المنتشرة في كلكتة (الهند) وأما الآن
فهي تحت إدارة السيد محمود أفندي البزدي. وهي مطبعة بخارية جيدة، أما مطبوعاتها فقليلة لم نعرف منها سوى أنها طبعت كتاب اللؤلؤ المرتب في أخبار البرامكة وآل مهلب ص ١٨٨. وتطبع فيها جريدة (نجف) الفارسية.
هذه هي المطابع الموجودة الآن في بغداد وألويتها، وهناك عدة مطابع أخذ امتيازها بعض الفضلاء لم نتعرض لها لأنها لم تفتح لها محلات ولم تبتدئ حتى الآن بالأشغال لعدم وجودها. وفقنا الله لسواء السبيل بمنه وكرمه،
إبراهيم حلمي
عادات العراقيين
(نبذة من عادات العراقيين المسلمين) عنوان كلمة لكاتب عراقي افتتح بها صاحب هذه المجلة الجزء ٥ من سنتها الثانية رأيته فاستوقفني لأني أعتقد أنه خير موضوع إصلاحي يطرقه قلم النقد الأدبي ويا حبذا لو انصرفت إليه زمرة من كتابنا حتى تتمميز العادة النافعة فتؤخذ، من الضارة فتنبذ وعلى الكاتب أن لا يتعدى خطته ويتناسى واجبات بحثه. عليه أن لا يحكم باستقرائه الناقص بنتيجة التام، فيخاطب البريء بلهجة المذنب، ويقدم الدواء لغير ذي
стр. 798
الداء، ولا يضع الهناء موضع النقب. العادة ومن لا يعلم أنها تكون لكل شعب وقطر بل لكل أسرة ودسكرة بل حتى أهل الكوخ الصغير قد يمتاز بعادة لا توجد عند غيره. أو يجوز أن نعاتب الشعب بعادة الأسرة، والقطر بعادة البلد كلا، إنه تحامل ولا عذر وقياس أن يلبس الإحسان ثوب العدوان.
نسمع فيما نسمع أن الإنكليز يتطيرون من لقاء المرأة الحولاء ما لم تبادر بالكلام فحينئذ تزول الطيرة؛ وأنه إذا قص الإنسان شعر رأسه مدة نمو القمر نما وجثل؛ وإذا عزم إنسان على سفر وأكل نصف بصله وترك الباقي كان دليلاً على عدم توفيقه؛ وإذا انقلب الكرسي برجل عزب كان دليلاً على أنه لا يتزوج في تلك السنة وأن إكثار الضحك يعقبه البكاء لا محالة وأنهم يعتقدون بأنه متى احتضر شخص حضر في منزله روح يسمونه (رصد الميت) فيسمع له قرع على الباب أو الحائط أو صوت نحو صوت جر السلاسل فإذا سمع ذلك ثلاث مرات كان الموت بعدها لا محالة. أو يصح لنا أن نقول إن الإنكليز كافة يؤمنون بهذه الخرافات ويخنعون لهذه العادات وهم هم ذوو الرقى في معارفهم، في آدابهم، في جل شؤونهم. نعم ربما يكون في بعض طبقاتهم المنحطة من يتمسك بها.
وعن المصريين أن بعضهم يتوهم شراً لو رأى جنازة في طريقه أو رأى شخصاً أحول في صباحه (سمعت عن الإنكليز مثلها) وأنهم لا يأكلون السمك يوم الأربعاء وبعض نسائهم يعتقدن في المرض المعروف (بمرض الأعصاب) أنه من مس الشيطان وأن فقيرة المصريين إذا أرادت أن تسمي ولدها باسم هيأت ثلاث شمعات وسمت كلا منها باسم وأنارتها ليلا وفي الصباح تسمي ولدها باسم الشمعة التي بقى نورها بعد نوري أختيها.
وفقيرهم يمنع أولاده من ضرب القط ليلا لزعمه أن روحه مفصول من روح الملائكة. وشاهدي من ذكر أمثال هذه الأوهام لمن نعرف فيهم رفعة الفكر والسمو الأدبي إن الأمة مهما بلغت من الرقى فلا تزال تحفظ في أدمغة بعض أفرادها خرافات وخزعبلات فلا يجوز أن نوجه كلمة المؤاخذة إلى قوم بجهل منحطهم فإنه قول يجمع إلى البهتان. إفساد الغرض الصالح على حين أن القائل يروم إصلاح الفاسد. صدر كاتبنا بما قرأت من العنوان مقالته والظاهر أنه يريد بالعراقيين المنسوبين إلى العرق العربي والعجمي وإلا
стр. 799
لخصص وبعد أن تكلم عن عاداتهم ما شاء أخذ يعدد عاداتهم الاعتقادية فقال (جنبر سورى) وأنا لا أنكر على الكاتب ما ذكره هنا ولكني أقول لو استقرأ لما أخطأ فإن كثيراً من أهل البادية في العراق لا يعرف صفر ليعرف ويلاته ونحوسه وكثير من أهل مدنه من لم يسمع هذه العادة والكثير في من سمعها وشاهد إيمان قومه بها من لا يراها إلا خرافة ومما زاد الطين بلة ما استدركه المحشى بقوله ومن عاداتهم في ذلك اليوم أنهم إذا أقبل عليهم صباحه يذهبون قبل طلوع شمسه إلى الشط الخ اللهم إنك تعلم أنى في بلدة عراقية وليس إلى جنبها شط وكثير من مدن العراق وقراه ما هو كبلدي ونقول عن الثانية والثالثة ما قلناه عن الأولى وما سبر شؤون العراقيين وأحاط بها علماً ونظر إلى ما يلزم في الثالثة من المعدات والأسباب على ما ذكره الكاتب حكم أن هذه العادة لا تخرج عن أسوار مدن العراق إن لم نقل عن بعضهم. ويقول الكاتب في الرابعة أن بنات الكرخ يذهبن إلى (الإمام حبيب) وبنات الرصافة (على ما بلغه) إلى الشيخ الخلاني فهل ذلك الإمام وهذا الشيخ في كل مدن العراق؟ بل ألا يلزم ما عدا ذلك أن للقبائل الرحالة العراقية مقاماً سياراً لهذين الرجلين الإمام والشيخ لتقيم لهما مراسم هذه العادة في حلها وترحالها ويظن الكاتب أن السادسة من عادات الجاهلية وأنا أقطع أن البندقية حديثة الاختراع فكيف كانت الجاهلية تتخذ إطلاق الرصاص في الفضاء عادة وربما كانت نبالهم بدل رصاصنا ولهذا كان ظن الكاتب قائلاً وأما الخامسة فهي على الظاهر للعراقيين والمصريين وتعلل بحادث تاريخي هو أن فلكياً أخبر أميراً بحدوث خسوف في ليلة معينة فاتهمه الأمير بالزندقة وأوعده بالموت إن لم ينخسف تلك الليلة وفي الليلة نفسها نام الأمير وانخسف القمر فارتبك الأمر على الفلكي فاحتال لإيقاظه بأن أقنع جيشه بأن
стр. 800
قمرهم يبتلعه حوت في السماء لا محالة وهم إن أرادوا
أن يخلصوا قمرهم فليضربوا طبولهم وليضجوا حتى يخاف الحوت ويذهب فيبقى قمرهم سالماً. ولما فعلوا انتبه الأمير وقد سجل هذا الحادث بعض المؤرخين فهو كائن ولم يزل منذ كان العراقيون أساتذة العالم على ما يقول الكاتب وعلى هذه العدوة نذهب معه فيما ذكره من العادات أجل إن هذه العادات توجد عند البغداديين والكاتب قدر أن العراق هو بغداد وبغداد هي العراق فندد بالعراقيين بتلك الشدة في القول وارتكب إهانة قومه من غير مبيح ذلك خطأ عصمنا الله منه.
النجف: عراقي.
فوائد لغوية
١ - معنى ولك وورك (وزان سبب)
أهالي بغداد يستعملون كثيراً كلمة (ولك) في مخاطباتهم إذا وجهوا كلامهم إلى من هم أدنى منهم. وأهل الموصل يبدلونها بكلمة (ورك أو وراك) وقد اختلف البعض في تأويلها فطلب منا أحد الأدباء رأينا في ذلك.
فنقول: ولك (وزان سبب) والنصارى يكسرون الواو كسراً غير بين وبعض أهل البادية يقول (ويلك) هي كلمة فصيحة مشتقة من الويل كانت مستعملة في القديم عند مخاطبتهم من هو أدنى منهم منزلة ويتخذونها للزجر أو للتهديد في حالة الغضب وللمجاملة والملاطفة في حالة الأنس بالصغار وتقابلها عند الإفرنج أو وأهل الموصل يقولون عوضها (ورك أو وراك) بمد الفتح الثاني: وأهل الحدباء يرون في تأويلها أنها محرفة أو مخففة عن وراءك أي ما وراءك. وهذا التأويل فاسد. لأن استعمال الأقدمين لكلمة (ويلك) في مثل هذا المقام أشهر من أن تذكر. نعم إنهم استعملوا أيضاً وراءك لكن في مقام
стр. 801
السؤال يقولون مثلاً ما وراءك يا هذا؟ أي ما عندك من الأخبار مثلا. لكنهم لم يستعملوها في سياق الكلام بالمعنى الذي أشرنا إليه. فالراء هنا بدل من اللام كما في جلم وأملط واعلنكس والأصل فيها: جرم (أي قطع) وأمرط واعرنكس. وقد صرح اللغويون بأنها لثغة شائعة عندهم (راجع المزهر ٢٧٠: ١)
ومما يدعم هذا الرأي أن عوام الآرميين (أي السريان ونحوهم) يقولون: ولوخ (ولوك أي ويلك) بمعنى ويلك للزجر ولا يقولون وروخ (وروك أي وراءك) وعليه يكون لفظ البغاددة أصح من لفظ المواصلة.
وقد تؤنث هتان اللفظتان وتجمعان فيقال فيهما: ولك وورك، ولكم ووركم.
٢ أصل لفظة يول (محركة الأولين مشددة الآخر)
يكثر أهل الموصل من كلمة (يول) إذا خاطبوا الرجل وقليل من أهل بغداد يستعملونها وقد سئلنا عن أصلها فنجيب:
ذهب الناس في أصلها مذهبين. فريق يزعم أنها مخففة أو مختزلة من ياول (أي يا هذا ول أي اذهب) وجماعة تقول إنها مخففة من قولهم يا ويلك أو يا ويله وهم يريدون بذلك (يا
هذا) ونظن أن كلا الفريقين واهم. وعندنا أن الرأي الأصح أنها مقطوعة أو مخففة من يا وهل بكسر الهاء. والوهل الرجل الضعيف والخائف والفزع ونسبة الضعف إلى الإنسان أمر مشهور وما قول العرب في مثل هذا المقام (يا هذا) إلا لأنهم ينسبون إليه الضعف وتخفيف المكسور العين أي إسكانه أمر مقرر عند النحاة أن في الأسماء وأن في الصفات أو النعوت ولنا رأي آخر وهو عندنا أصح من الآراء الثلاثة المذكورة وهو: إن (ياول) مخففة عريا ولد وأما وجه التخفيف فحدث أنهم أسكنوا اللام وهي لغة في المحركة ولما أسكنوها ضعف صوت الدال حتى أشبه التاء اللاحقة لبعض الألفاظ في الوقف. ثم استغنوا عنها بالحذف لكثرة الاستعمال فصارت كما ترى. ومما يشهد على ذلك أن هذه اللفظة أكثر ما تستعمل لنداء الأولاد أو بعض الرجال الذين هم أدنى منزلة من المنادى أو الأصدقاء الذين لا كلفة بينهم وبين من يكلمهم: ونعرض للقراء رأياً خامساً وهو: إن (ياول) مرخم عن ياولي بتشديد الياء الأخيرة
стр. 802
والولي هنا بمعنى المحب والصديق والعتيق (أي العبد المعتوق) ولهذا جاز استعمالها مع أصدقائك والذين أنعمت عليهم. هذا وإن كان للقارئ غير هذا الرأي فليعرضه على القراء ونحن نشكر له صنيعه سلفاً:
حنا ميخا الرسام
باب المشارفة والانتقاد
١ رواية جل الفرس
نقلها من الفرنسوية (عن الألمانية) إلى العربية مع تصرف محمد دياب بك مفتش اللغة العربية بنظارة المعارف العمومية سابقاً، ثمن النسخة ثلاثة غروش صاغاً (صاغ)، حقوق إعادة الطبع محفوظة لمكتبة الشعب بشارع محمد علي بمصر.
أولع الناس بمطالعة الروايات الخيالية. والغاية من وضع هذه الروايات تهذيب النفوس ودفعها إلى أعلى مراقي العمران وأبعد مطارح الآداب الصادقة. إلا أن بعضهم شغفوا ببعض ما يخالف هذه الغاية المحمودة فأخذوا يطالعون المصنفات التي تؤدي إلى مهاوي الفساد والعار والشنار فتباً لمن غط قلمه في مثل هذا الحبر الأسود في جميع معانيه المادية والأدبية والمجازية وأمامنا هذه الرواية البديعة وضعاً الحسنة سبكاً، الشريفة مغزى، الفصيحة لغة وتعريباً التي تبقى لكاتبها ذكراً حميداً، ولناقلها إلى لغتنا صيتاً بعيداً. كيف لا ومعربها هو حضرة الكاتب البليغ محمد دياب بك.
فنحث جميع من لهجوا بمطالعة هذه التآليف العصرية أن يقرءوا هذه القصة التي قال فيها معربها: (فيها ذكرى واعتبار لمن له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. ولا تظنوا أنها أسطورة موضوعة اخترعها الوهم والخيال بل هي حكاية عن واقع حصل في القرون الوسطى وصورة تشخص قصارى ما يبلغ إليه سوء الأخلاق في الإنسان.)
وقد وقع للمعرب (وقد علمنا من مصدر ثقة أنها للمصحح فأنه أراد أن
стр. 803
يجلي العبارة فأعماها) بعض ألفاظ عامية كنا نود أن يبدلها من غيرها من الكلم الفصيحة السهلة المنال من ذلك الماجريات (ص ٣) بمعنى الأحداث (والإمعان (حاشية ص ٤) بمعنى التدبر وقد وقع له بعض عبارات توخى فيها التعبير الضعيف وترك التعبير الفصيح كقوله في ص ٥: حتى إنه كان ليتألم إذا دعت الحاجة لبقائه في منزله. والأفصح: إلى بقائه. وكقوله ص ٦ البرد القارص والأفصح القارس. وإن كان للقارص وجه للتأويل.
وكقوله فيها: يعترف بخطئه. ورسم الهمزة على الياء والأصح بخطإه بوضع الهمزة تحت الألف. وكقوله هناك: وينصاع إلى ما يلقى إليه بمعنى ينقاد وانصاع لم يرد في كلام فصحائهم بهذا المعنى. وقال في تلك الصفحة وفاوضته الحديث. والذي يقال هو: فاوضه
في الأمر لا فاوضه الحديث على أن هذا الغبار كله أو هذا الهباء لا يضر بجوهر العبارة التي تبقى كالسيف الصقيل في الغمد المتين
٢ سيرة القديس يوحنا الدمشقي الأصلية
تصنيف الراهب مخائيل السمعاني الأنطاكي
نشرها لأول مرة الخوري قسطنطين الباشا الراهب المخلصي بمطبعة القديس بولس حريصا (لبنان) سنة ١٩١٢ بقطع الثمن.
نشر مؤلفات السلف ولا سيما ما تدور أبحاثها على قطب الشرق ورجاله ومشاهيره من أنفع ما يفيد أبناء هذه الديار ويبعث في صدورهم الهمة والإقدام على تحري الأمور الجلائل. وممن يسعى كل السعي في تحقيق هذه الأمنية ناشر هذا الكتاب. فإنه ممن قد أوقف نفسه في سبيل هذا العمل العظيم. ومما نشكره عليه هو أنه يحافظ على إبقاء النص الأصلي بدون أن يعبث به أو يفسده بسوء قراءته إياه. ولهذا نجل الساعي في نشر آثار السلف الصالح ونحض القراء على اقتناء هذا الكنز الثمين الذي لا تزيد صفحاته على ٢٩ صفحة.
٣ نبذة مختصرة في الصحف العربية المصورة
بقلم الفيكونت فيليب دي طرازي.
في ١٣ صحيفة بقطع الثمن الصغير دقيقة الحرف طبعت بالمطبعة الكاثوليكية للآباء اليسوعيين في بيروت ١٩١٢.
عني في هذه الأيام حضرة الفيكونت المذكور بتأليف كتاب شامل لتاريخ
стр. 804
الصحافة العربية منذ نشأته حتى الآن. وهو أمر جليل لا يقوم به إلا رجل جليل، ذو همة بعيدة ونية تسمو إلى تذليل كل المصاعب. بل رجل أمضى عزماً من السيف الذرب واثبت قصداً من الأوتاد والرواسي. ولا حاجة إلى إشارة ما في هذه الرسالة من الفائدة واللذة في الوقوف على محتوياتها وقد أفضى بحث هذا النقاب عن هذه النتيجة وهي:
إن مجموع الصحف المصورة في تركية ٣١ منها ١٧ للمسلمين و١٤ للنصارى وفي القطر المصري ٧٠ منها ٢١ للمسلمين و٤٢ للنصارى و٧ لجمعيات مختلفة وفي تونس ٧ منها ٤
للمسلمين و٢ لليهود و١ لجمعية. وفي أوربا ١٥ منها ٤ للنصارى و١١ لليهود. وفي أميركا ٦ كلها للنصارى. فمجموع المجموع ١٢٩ صحيفة مصورة منها ٤٢ للمسلمين و٦٦ للنصارى و١٣ لليهود و٨ للجمعيات. - فنحنن نشكر للمؤلف هديته هذه النفيسة. ونطلب له من الله العون في إتمام ما بدأ به بمنه وكرمه.
٤ لباب البراهين الجلية. عن حقيقة أمر الطائفة المارونية.
منذ أوائل القرن الخامس إلى أوائل القرن الثالث عشر من القرون المسيحية. وهو درس تاريخي انتقادي في أصل الطائفة المارونية واسمها وديانتها وأحواله. للمطران يوسف دريان النائب البطريركي الماروني في القطر المصري. في ٣٦٠ صفحة بقطع الثمن الكبير.
الجدل والانتقاد على الطريقة الجديدة العصرية حديثا الدخول في لغتنا العربية وأغلب من طرق هذا البحث جاء وفي رأسه خطة. وخطته التشفي مما في صدره من الغيظ والحزازات ولهذا لا ترى عنده من الأسلحة إلا عبارات الهزء والتهكم والألفاظ الفظة أو البذيئة التي تدل كلها على خلو صدره من العلم والأدب والفضل. وفراغ رأسه من مواد البحث ومواضيعه.
على أنك إذا أردت مثالاً ترى فيه غاية العلم والفضل والأدب والتوغل في الأبحاث التاريخية والدينية والمنطقية فعليك بهذا الكتاب الجليل فأن صاحبه قد امتطى غارب هذه الأبحاث وقبض على زمامها بنفس مطمئنة كأنه يجري في سهل لا أمت فيه ولا عقبة وهو كلما رأى أمراً صادقاً بيد خصمه أقر له به
стр. 805
وكلما وجده مخطئاً فيه أشار إلى وهمه من طرف خفي في غاية الأدب والمجاملة.
وقد ختم المؤلف هذا البحث بخاتمة هي آية في الوضوح والجلاء وفي صدرها هذه الألفاظ: (لقد حصحص الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً. وقد ثبت على كل حال أن الطائفة المارونية منذ القرن الثاني عشر أو أواخره على الأكثر قد تربعوا في حضن كنيسة رومية ودخلوا حظيرها المقدس وانضموا إلى غنم رعيتها وأخذوا يسمعون صوت راعيها الأسمى. .) فأنت ترى خلو صدر هذا الكاتب الضليع من كل غاية أو غرض أو تحزب بخلاف بعض من ينتمون إلى طائفتنا هذه فأنك إن استنزلتهم إلى هذا الميدان نزعوا
عنهم للحال كل ما يؤدي بهم إلى معرفة الحق والاهتداء إلى منبعث النور ومنبثق أشعة الصدق. واندفعوا إلى المقارعة بعين تقدح الشرر، وبصدر أضيق من خرت الإبرة. وهم قد ركبوا رأسهم لا تراهم يلوون إلى منعطف ولا يتقون المهاوي التي تحفرها أيديهم المتلطخة بأقذار القذيعة والإفك ولا يتحرجون من ركوب مطايا الضلال وأحرن دواب النفاق والتدليس.
ولهذا فإننا نشكر كل الشكر صاحب هذا السفر الجليل على ما تحف أبناء العربية. ونتمنى لمصنفه هذا الرواج الصادق.
إلا أننا كنا نود أن ينزه الكاتب سفره مما دسه مصححو المسودات أو المنضدون من الأغلاط مثل ذلك ما ورد في ص ١ في قوله: أما علماء الموارنة فهم حريصون أشد الحرص. . وحريص لا يجمع جمعاً سالماً بل بكير على حراص (وزان رمان) وحرصاء وحراص (وزان كتاب) وجاء في ص ٢: مأخوذة عن تقاليد هذه الأمة من وجه التواتر بالرغم عما يعتورها من الخلل. فقوله بالرغم عما. . . من التعبير الإفرنجي وهو وإن كان له وجه في العربية إلا أن الفصحاء يتحاشونه ويقولون: على ما يعتورها أو مع ما يعتورها. أو نحو ذلك. وورد في ص ٣: والعناية في تعريفها. . . والأفصح: والعناية بتعريفها. لأن فعل عني بالشيء وما يشتق منه يتعدى بالباء لا بفي. وإن كان يجوز ذلك من باب التضمين أو من باب التخريج والتوجيه. ومن هذا القبيل ما وقع في ص ٤ فقد جاء هناك ما هذا
стр. 806
حرفه: بسبب الرزايا والبدع الذي بعض المصنفين ادعوا على الموارنة وأهل الشرق.) والأصح التي. ومثل هذه الأغلاط شيء كثار لا تخلو صفحة منه. فيا حبذا لو نزه منها هذا الكتاب الجليل الفذ بل يتيمة الدهر.
ومما نتمنى لهذا الكتاب فهارس هجائية فيها على الأقل أهم المباحث التاريخية أو المتعلقة بالبلاد حتى يظفر بها المطالع إذا ما أراد أن يطلبها في هذه الخزانة عند احتياجه إليها.
هذا ما عن لنا في أثناء تصفح هذا التأليف النفيس ونحن لا ننكر ما استفدنا من مطالعته. وهو جدير بأن تزين به كل مكتبة من أي نحلة كان صاحبها أو من أي صيغة أو ملة كان. وليس السمع كالعيان.
تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره
١. الإعانة الحربية في الصلاحية (من أعمال الموصل)
والإعانة الأدبية فيها.
يوم عالنت دول البلقان دولتنا بالحرب ووصل النبأ للصلاحية اجتمع الأهلون في الثكنة العسكرية وقرأ أحد ضباط القضاء بلاغ الخليفة الأعظم فأظهر الناس وقتئذ على اختلاف طبقاتهم تحمساً يدل على وطنية صادقة وودوا بذل أموالهم ومهجهم بل قرنوا القول بالفعل عندما دعاهم زكي بك الخطيب قيم مقام الصلاحية إلى أن يظهروا مكنونات صدورهم في مجتمعات عامة وخاصة فدلت إعانتهم على تأثرهم الداخلي إذ بلغ مجموع الإعانة ٤٠٠ ليرة عثمانية في مركز القضاء والقرى الملحقة به. والأمل أن يزداد هذا المبلغ حتى يكون ٧٠٠ ليرة. وقد أرسل إلى العاصمة خمسة آلاف قرش صاغ (صحيح) إلى جمعية الهلال الأحمر. وما بقي من الدراهم بعث به إلى رئاسة لجنة الإعانة الحربية في حضارة الولاية.
ومما دل على تقدم روح الرقي في هذا الفضاء أن قيم مقامه توفق لجمع دراهم كافية لاقتناء أثاث للمدرستين الابتدائية والرشدية واستأجر داراً للمدرسة الأخيرة بإعانة أهالي القضاء وبنى بضعة جسور في طريق الصلاحية التي تمر عليه العجلات الجارية بين بغداد وكركوك أو بغداد والموصل. وهذه الجسور معقودة على سواعد ونواصر وسواقي نهر الصلاحية، وفي نية حضرة قيم المقام أن يبنى قناطر أخرى من أموال الأهلين الأسخياء النجباء الذين علموا ما عليهم من الفرائض بوجود حاكم بصير بخير
стр. 807
الأمة ورقيها. حقق الله الأماني وخول لهذه البلاد رجالاً مثل هذا الشهم الهمام! إنه كريم!
(عن رسالة من مكاتبنا)
٢. عجمي بك السعدون في نواحي الزبير
شاع في البصرة أن عجمي بك السعدون عازم على كبسها فارتاع لهذا النبأ المشؤوم أهل البصرة كلهم أجمعون ولا سيما نصاراها ويهوديوها. وبعد أن تهيأ لمهاجمته سكان البصرة بأسلحتهم وعدتهم كذبت الأخبار والأراجيف ورجع كل إلى أشغاله.
(عن كتاب خصوصي)
٣. البوارج الحربية في مياه مسقط
كتب أحدهم من مسقط إلى صاحب جريدة (الدستور) من جرائد البصرة قال: إن البوارج الحربية الإنكليزية في خليج فارس بلغت ٥٠ بين كبيرة وصغيرة؛ وينتظر وصول أسطول فرنسوي إلى مسقط لحسم الخلاف الواقع بين حكومتها ورعايا فرنسا بشأن الأسلحة.
٤. انحباس الأمطار ثم انهمارها
انحبست الأمطار هذه السنة حتى أوائل شهر ك١ ثم أمطرتنا السماء مطراً غزيراً في الثاني والسادس والسابع والرابع والعشرين من الشهر المذكور فأروت الأرضين. لكن لا تسأل عن بغداد في أوقات الأمطار فأن الأوحال تحول دون كل ذي عزم ماضٍ ودون قضاء أشغاله وليس من يهتم بكسحها وتمهيد الطرق للمارين.
٥. البرد
نزل الحر في منتصف شهر ك١ إلى الدرجة ٣ ثم نزل حتى انحط عن الصفر بدرجة واحدة وذلك في الخامس والعشرين منه.
٦. الغلآء
ما زالت أسعار الأطعمة مرتفعة لكثرة ما يصدر منها التجار إلى ديار الغرب. فلقد كانت تباع وزنة الحنطة في السنة الماضية بمائة غرش صاغ (صحيح) وهي تباع اليوم بمائة وخمسين. وقس على ذلك سائر الحبوب كالأرز والشعير والهرطمان والماش والقطاني بأنواعها وكذلك السمن والحطب وكل البياعات. ولا سيما في هذه الأيام أيام الشتاء فأن الفقراء يتضورون جوعاً من حالة الأسعار الحاضرة.
٧. زوار كربلاء والنجف والكاظمية
بلغ عدد زوار كربلاء والنجف والكاظمية في هذا الشهر مائة وعشرين ألفاً ولو وصلت بغداد بهذين البلدين بسكة حديد لكان الربح في مثل هذا الشهر أكثر من مليون مجيدي. ولاستفاد الزوار فائدة تذكر لأن نفقاتهم تقل فيذخرون ما وفروه لأنفسهم لشؤون البيت ولراحة أهله. حقق الله الآمال.
(ملخصة عن الرياض)
٨. ازدياد سكان بغداد بقدوم المهاجرين إليها
سكان بغداد يزدادون سنة بعد سنة حتى أن المسير في الطرق ولا سيما في الأسواق
стр. 808
أصبح صعباً جداً لما هناك من ازدحام المارة وكثرة العجلات والدراجات والخيل وأنواع الدواب. ومما يزيد أهلها عدداً مهاجرة الناس إليها كل سنة في أيام الشتاء. فقد جاءنا هذه الأيام عدد عديد من مهاجري إيران وداغستان. عسى أن الحكومة تسعى بإنشاء أحياء جديدة خارجاً عن البلدة لكي لا يفسد ازدحام السكان هواءها ولكي يرخص كراء الدور فلقد أصبح فاحشاً جداً.
٩. الغوص في خليج فارس
يزداد عدد الغواصين في خليج فارس زيادة عظيمة سنة بعد سنة. ويظهر ذلك بالمقابلة التي ذكرتها الرياض ونظن أن فيها مبالغة عظيمة قالت:
عدد السفن الغواصة في سنة ١٣٢٦هـ (أو سنة ١٩٠٧م) عدد السفن الغواصة في سنة ١٣٣٠هـ (الموافقة لسنة ١٩١٢) ١. ٠٠٠١. ٥٠٠من الكويت٣. ٠٠٠٥. ٠٠٠من البحرين٢. ٠٠٠٢. ٥٠٠من قطر٠. ٣٠٠٠. ٧٠٠من لنجة وفارس٠. ٨٠٠١. ٢٠٠من دبي٠. ٥٠٠٠. ٥٠٠من الشارقة٠. ١٥٠٠. ٢٥٠من أم الاقيوين٠. ٤٠٠٠. ٥٠٠من (أبو ظبي) ٠. ١٠٠٠. ١٥٠من جزيرة دلما٠. ٠٠٠٠. ١٠٠من بلد البوعينين٠. ٠٠٠٠. ٦٠٠من القطيف ودارين١٠٠٠١. ٢٠٠من عدة جزائر وقرى مختلفة٩. ٢٥٠١٤٥٠٠فمن هذين المجموعين ترى أن الزيادة بلغت في هذه السنة ٥٢٥٠ سفينة إلا أن معظم هذه السفن صغيرة ويختلف عدد راكبيها بين عشرة رجال وأربعين رجلاً. فلو فرضنا أن معدل الركاب ٢٠ في كل سفينة فيكون عدد الغواص ٢٩٠ ألف نسمة. منهم نحو ٤٤ ألفاً من عناصر مختلفة وسائر ما بقي عرب أو أعراب. وقد أخذت البوادي بالغياصة في موسمها. وجاراهم أيضاً النجديون. حتى أن بعض الأمراء زاد الضرائب على أمثال هؤلاء خوفاً من كثرة المهاجرة وبقاء الشيوخ بدون أعوان أبطال وجنود شبان مغاوير.
стр. 809
العدد ٢٠ - بتاريخ: ٠١ - ٠٢ - ١٩١٣
طُعيرِيزات
أَوْأَ طلاَل طَيزَنَاباَذ
١ - تمهيد في بقايا طيزناباذ وأخربتها الحالية.
(لغة العرب) في نحو أواخر شهر تشرين الثاني أنفذت لغة العرب حضرة الشاب الأديب إبراهيم حلمي أفندي ليتفقد معالم العريسات ويكتب عنها ما يشاهده ويصفه وصفاً دقيقاً ولما وصل النجف وبحث عن رجل يرافقه إلى طيته لم يجد له دليلاً يرشده إليها مع أنه أقام في الغريين نحو أسبوع، ولما كان اليوم الأخير من مقامه هناك وكان يجالس قيم مقام النجف حضرة الشهم الأديب إبراهيم ناجي بك السويدي ويفاوضه في أمر العريسات ويكاشفه بما في صدره من الأسف والحزن على خفوق مسعاه نهض أحد الأعراب وقال: أني اعلم موقع البلدة التي تنشدها ولما طلب منه أن يرافقه أَبي وتصاعب في الذهاب معه وبعد الإلحاح العظيم والتماس حضرة قائم المقام المرة بعد المرة أَذعن الأعرابي ورافق كاتبنا المذكور، ولما وصل معه على بعد ميل من القادسية قال له: هذه هي العريسات. واراه أطلالا هناك ثم قال له: والأعراب تسميها طعيريزات، ولما انعم النظر حضرة الكاتب
стр. 810
في تلك الدوارس أو الشواخص وفي بعدها عن الكوفة والقادسية تحقق أنها طيزناباذ لا غير، فكتب لنا المقالة الآتية:
٢ - موقع طيزناباد.
طيزناباد مدينة شهيرة من اقدم مدن العرب الجاهلية في ديار عراق العرب وهي بين الكوفة والقادسية على حافة الطريق على جادة الحجاج بينها وبين القادسية ميل وكان يظن أن آثارها طمست ولم يبق لها اثر يذكر بعد أن جر الزمان عليها ذيله فعفى ما كان قد بقي من أطلالها وإذا الأمر على خلاف ما ظنوه
٣ - وصف هذه الأطلال في يومنا هذا
كان مسيرنا إلى طعيريزات عن طريق قضاء (أبو صخير) في شمال شرقي النجف
فأشرفنا عليها بعد أن قطعنا قراب ٩ كيلومترات، وأًهمّ الشواخص القائمة هناك هي تلول وروابٍ يتراوح ارتفاعها بين ١٥ و٢٥ متراً وعلى جوانب تلك التلول آثار أبنية قديمة العهد، وتمتد التلول إلى نحو كيلومترين تبتدئ من موضع اسمه المصعاد وتتقدم إلى ما يقرب من الخورنق
وبين هاتين التلول والهضاب أبنية قد شيدت في عصر الجاهلية الجهلاء وقد عقد بعضها عقداً محكماً قد غارت به الأرض حتى كادت تبتلعه عن آخره، ولا يظهر إلا اثر بناءِ السقف ومعداته الطاباق الصلب وقد شُدَّ
следующие страницы →