Полный текст (6 158 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.
стр. 806
حرفه: بسبب الرزايا والبدع الذي بعض المصنفين ادعوا على الموارنة وأهل الشرق.) والأصح التي. ومثل هذه الأغلاط شيء كثار لا تخلو صفحة منه. فيا حبذا لو نزه منها هذا الكتاب الجليل الفذ بل يتيمة الدهر.
ومما نتمنى لهذا الكتاب فهارس هجائية فيها على الأقل أهم المباحث التاريخية أو المتعلقة بالبلاد حتى يظفر بها المطالع إذا ما أراد أن يطلبها في هذه الخزانة عند احتياجه إليها.
هذا ما عن لنا في أثناء تصفح هذا التأليف النفيس ونحن لا ننكر ما استفدنا من مطالعته. وهو جدير بأن تزين به كل مكتبة من أي نحلة كان صاحبها أو من أي صيغة أو ملة كان. وليس السمع كالعيان.
تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره
١. الإعانة الحربية في الصلاحية (من أعمال الموصل)
والإعانة الأدبية فيها.
يوم عالنت دول البلقان دولتنا بالحرب ووصل النبأ للصلاحية اجتمع الأهلون في الثكنة العسكرية وقرأ أحد ضباط القضاء بلاغ الخليفة الأعظم فأظهر الناس وقتئذ على اختلاف طبقاتهم تحمساً يدل على وطنية صادقة وودوا بذل أموالهم ومهجهم بل قرنوا القول بالفعل عندما دعاهم زكي بك الخطيب قيم مقام الصلاحية إلى أن يظهروا مكنونات صدورهم في مجتمعات عامة وخاصة فدلت إعانتهم على تأثرهم الداخلي إذ بلغ مجموع الإعانة ٤٠٠ ليرة عثمانية في مركز القضاء والقرى الملحقة به. والأمل أن يزداد هذا المبلغ حتى يكون ٧٠٠ ليرة. وقد أرسل إلى العاصمة خمسة آلاف قرش صاغ (صحيح) إلى جمعية الهلال الأحمر. وما بقي من الدراهم بعث به إلى رئاسة لجنة الإعانة الحربية في حضارة الولاية.
ومما دل على تقدم روح الرقي في هذا الفضاء أن قيم مقامه توفق لجمع دراهم كافية لاقتناء أثاث للمدرستين الابتدائية والرشدية واستأجر داراً للمدرسة الأخيرة بإعانة أهالي القضاء وبنى بضعة جسور في طريق الصلاحية التي تمر عليه العجلات الجارية بين بغداد وكركوك أو بغداد والموصل. وهذه الجسور معقودة على سواعد ونواصر وسواقي نهر الصلاحية، وفي نية حضرة قيم المقام أن يبنى قناطر أخرى من أموال الأهلين الأسخياء النجباء الذين علموا ما عليهم من الفرائض بوجود حاكم بصير بخير
стр. 807
الأمة ورقيها. حقق الله الأماني وخول لهذه البلاد رجالاً مثل هذا الشهم الهمام! إنه كريم!
(عن رسالة من مكاتبنا)
٢. عجمي بك السعدون في نواحي الزبير
شاع في البصرة أن عجمي بك السعدون عازم على كبسها فارتاع لهذا النبأ المشؤوم أهل البصرة كلهم أجمعون ولا سيما نصاراها ويهوديوها. وبعد أن تهيأ لمهاجمته سكان البصرة بأسلحتهم وعدتهم كذبت الأخبار والأراجيف ورجع كل إلى أشغاله.
(عن كتاب خصوصي)
٣. البوارج الحربية في مياه مسقط
كتب أحدهم من مسقط إلى صاحب جريدة (الدستور) من جرائد البصرة قال: إن البوارج الحربية الإنكليزية في خليج فارس بلغت ٥٠ بين كبيرة وصغيرة؛ وينتظر وصول أسطول فرنسوي إلى مسقط لحسم الخلاف الواقع بين حكومتها ورعايا فرنسا بشأن الأسلحة.
٤. انحباس الأمطار ثم انهمارها
انحبست الأمطار هذه السنة حتى أوائل شهر ك١ ثم أمطرتنا السماء مطراً غزيراً في الثاني والسادس والسابع والرابع والعشرين من الشهر المذكور فأروت الأرضين. لكن لا تسأل عن بغداد في أوقات الأمطار فأن الأوحال تحول دون كل ذي عزم ماضٍ ودون قضاء أشغاله وليس من يهتم بكسحها وتمهيد الطرق للمارين.
٥. البرد
نزل الحر في منتصف شهر ك١ إلى الدرجة ٣ ثم نزل حتى انحط عن الصفر بدرجة واحدة وذلك في الخامس والعشرين منه.
٦. الغلآء
ما زالت أسعار الأطعمة مرتفعة لكثرة ما يصدر منها التجار إلى ديار الغرب. فلقد كانت تباع وزنة الحنطة في السنة الماضية بمائة غرش صاغ (صحيح) وهي تباع اليوم بمائة وخمسين. وقس على ذلك سائر الحبوب كالأرز والشعير والهرطمان والماش والقطاني بأنواعها وكذلك السمن والحطب وكل البياعات. ولا سيما في هذه الأيام أيام الشتاء فأن الفقراء يتضورون جوعاً من حالة الأسعار الحاضرة.
٧. زوار كربلاء والنجف والكاظمية
بلغ عدد زوار كربلاء والنجف والكاظمية في هذا الشهر مائة وعشرين ألفاً ولو وصلت بغداد بهذين البلدين بسكة حديد لكان الربح في مثل هذا الشهر أكثر من مليون مجيدي. ولاستفاد الزوار فائدة تذكر لأن نفقاتهم تقل فيذخرون ما وفروه لأنفسهم لشؤون البيت ولراحة أهله. حقق الله الآمال.
(ملخصة عن الرياض)
٨. ازدياد سكان بغداد بقدوم المهاجرين إليها
سكان بغداد يزدادون سنة بعد سنة حتى أن المسير في الطرق ولا سيما في الأسواق
стр. 808
أصبح صعباً جداً لما هناك من ازدحام المارة وكثرة العجلات والدراجات والخيل وأنواع الدواب. ومما يزيد أهلها عدداً مهاجرة الناس إليها كل سنة في أيام الشتاء. فقد جاءنا هذه الأيام عدد عديد من مهاجري إيران وداغستان. عسى أن الحكومة تسعى بإنشاء أحياء جديدة خارجاً عن البلدة لكي لا يفسد ازدحام السكان هواءها ولكي يرخص كراء الدور فلقد أصبح فاحشاً جداً.
٩. الغوص في خليج فارس
يزداد عدد الغواصين في خليج فارس زيادة عظيمة سنة بعد سنة. ويظهر ذلك بالمقابلة التي ذكرتها الرياض ونظن أن فيها مبالغة عظيمة قالت:
عدد السفن الغواصة في سنة ١٣٢٦هـ (أو سنة ١٩٠٧م) عدد السفن الغواصة في سنة ١٣٣٠هـ (الموافقة لسنة ١٩١٢) ١. ٠٠٠١. ٥٠٠من الكويت٣. ٠٠٠٥. ٠٠٠من البحرين٢. ٠٠٠٢. ٥٠٠من قطر٠. ٣٠٠٠. ٧٠٠من لنجة وفارس٠. ٨٠٠١. ٢٠٠من دبي٠. ٥٠٠٠. ٥٠٠من الشارقة٠. ١٥٠٠. ٢٥٠من أم الاقيوين٠. ٤٠٠٠. ٥٠٠من (أبو ظبي) ٠. ١٠٠٠. ١٥٠من جزيرة دلما٠. ٠٠٠٠. ١٠٠من بلد البوعينين٠. ٠٠٠٠. ٦٠٠من القطيف ودارين١٠٠٠١. ٢٠٠من عدة جزائر وقرى مختلفة٩. ٢٥٠١٤٥٠٠فمن هذين المجموعين ترى أن الزيادة بلغت في هذه السنة ٥٢٥٠ سفينة إلا أن معظم هذه السفن صغيرة ويختلف عدد راكبيها بين عشرة رجال وأربعين رجلاً. فلو فرضنا أن معدل الركاب ٢٠ في كل سفينة فيكون عدد الغواص ٢٩٠ ألف نسمة. منهم نحو ٤٤ ألفاً من عناصر مختلفة وسائر ما بقي عرب أو أعراب. وقد أخذت البوادي بالغياصة في موسمها. وجاراهم أيضاً النجديون. حتى أن بعض الأمراء زاد الضرائب على أمثال هؤلاء خوفاً من كثرة المهاجرة وبقاء الشيوخ بدون أعوان أبطال وجنود شبان مغاوير.
стр. 809
العدد ٢٠ - بتاريخ: ٠١ - ٠٢ - ١٩١٣
طُعيرِيزات
أَوْأَ طلاَل طَيزَنَاباَذ
١ - تمهيد في بقايا طيزناباذ وأخربتها الحالية.
(لغة العرب) في نحو أواخر شهر تشرين الثاني أنفذت لغة العرب حضرة الشاب الأديب إبراهيم حلمي أفندي ليتفقد معالم العريسات ويكتب عنها ما يشاهده ويصفه وصفاً دقيقاً ولما وصل النجف وبحث عن رجل يرافقه إلى طيته لم يجد له دليلاً يرشده إليها مع أنه أقام في الغريين نحو أسبوع، ولما كان اليوم الأخير من مقامه هناك وكان يجالس قيم مقام النجف حضرة الشهم الأديب إبراهيم ناجي بك السويدي ويفاوضه في أمر العريسات ويكاشفه بما في صدره من الأسف والحزن على خفوق مسعاه نهض أحد الأعراب وقال: أني اعلم موقع البلدة التي تنشدها ولما طلب منه أن يرافقه أَبي وتصاعب في الذهاب معه وبعد الإلحاح العظيم والتماس حضرة قائم المقام المرة بعد المرة أَذعن الأعرابي ورافق كاتبنا المذكور، ولما وصل معه على بعد ميل من القادسية قال له: هذه هي العريسات. واراه أطلالا هناك ثم قال له: والأعراب تسميها طعيريزات، ولما انعم النظر حضرة الكاتب
стр. 810
في تلك الدوارس أو الشواخص وفي بعدها عن الكوفة والقادسية تحقق أنها طيزناباذ لا غير، فكتب لنا المقالة الآتية:
٢ - موقع طيزناباد.
طيزناباد مدينة شهيرة من اقدم مدن العرب الجاهلية في ديار عراق العرب وهي بين الكوفة والقادسية على حافة الطريق على جادة الحجاج بينها وبين القادسية ميل وكان يظن أن آثارها طمست ولم يبق لها اثر يذكر بعد أن جر الزمان عليها ذيله فعفى ما كان قد بقي من أطلالها وإذا الأمر على خلاف ما ظنوه
٣ - وصف هذه الأطلال في يومنا هذا
كان مسيرنا إلى طعيريزات عن طريق قضاء (أبو صخير) في شمال شرقي النجف
فأشرفنا عليها بعد أن قطعنا قراب ٩ كيلومترات، وأًهمّ الشواخص القائمة هناك هي تلول وروابٍ يتراوح ارتفاعها بين ١٥ و٢٥ متراً وعلى جوانب تلك التلول آثار أبنية قديمة العهد، وتمتد التلول إلى نحو كيلومترين تبتدئ من موضع اسمه المصعاد وتتقدم إلى ما يقرب من الخورنق
وبين هاتين التلول والهضاب أبنية قد شيدت في عصر الجاهلية الجهلاء وقد عقد بعضها عقداً محكماً قد غارت به الأرض حتى كادت تبتلعه عن آخره، ولا يظهر إلا اثر بناءِ السقف ومعداته الطاباق الصلب وقد شُدَّ
стр. 811
بعضه بعض بالجص القوي وطلي ظاهره بالبورق، قال رفيقي الأعرابي: هذا البناء كان سرداباً بعيد الغور وقد دخله والدي قبل ٣٠ سنة ولما خرج منه كاد يُغشى عليه، وهو لم يخرج منه إلا لأنه أحس بسلب قواه، ولهذا لم يتمكن من رؤية شيء، وبين هاتيك النبوات آثار أسس أبنية بارزة للعيان قد هدمها الأعراب، واستلوا ح
وقد ذكر لي دليلي الأعرابي نقلاً عن أجداده أن هذه الأنقاض جارتها واحداً بعد واحد ونقلوها إلى أراضيهم ليبنوا بها دوراً يتحصنون فيها يسمونها (قلاعاً)، ولم يبقَ من ارتفاع هذه الأبنية إلا نحو متر ونصف وأكثرها بهيئة دعائم مفتولة، ومحيط اكثر هذه الأساطين يتراوح بين المترين وثلاثة أمتار. كانت قبل نحو نصف قرن دوراً فسيحة الإفناء والجنبات، فنقضها أهل البادية انتفاعاً بآجرها وقد مسحنا هذه الأبنية الباقية فوجدنا طولها قراب ٣٥ متراً وعرضها زهاء ٢٨ متراً على شكل مستطيل.
وفي شمالي هذه الدوارس بئر مهجورة بين يديها حوض من الرخام مستطيل ويبلغ طوله نحو مترين في عرض متر، والبئر مملؤَة تراباً، ولا يرى من عمقها سوى مترين ونصف وهي مطوية بالطاباق الحسن، وعلى بعد ما يقارب ٥٠ متراً من غربي هذه البئر قبر قد ابتلعته الأرض ولا يرى منه إلا مقدار ٢٠ سنتيمتراً، وهناك بناء معقود طوله متران ونصف وعرضه متران قوسي الشكل وليس عليه كتابة تدلنا على صاحبه وتشير إلى عهده.
٤ - رأي النجفيين خاصتهم وعامتهم في هذه الأنقاض.
قد اختلف أهل تلك الربوع في حقيقة هذه الأطلال وكل يذهب فيها
стр. 812
مذهباً، ونحن ندون هنا
ما سمعناه حرصاً عليه وخوفاً من أن ينسى:
قال دليلنا الأعرابي أن هذه الشواخص كانت قبل نصف قرن بناءً قائماً يناطح السحب بذهابه صعداً في الهواء، ولم يهدم بل ينسف إلا في هذه السنوات الأخيرة، وذلك أن الفتن اشتدت بين الأعراب وأخذت نارها تشب لأدنى سبب، فأراد بعضهم أن يقوى على أعدائه وخصومه فابتنى قلاعاً اتخذ حجارتها من هذه الأبنية الفخمة الضخمة، وكان على بعضها كتابات ورسوم، ونقوش، ورقم ترشد الباحثين عن دابر مجدها، وسابق عزّها، إلا أن الذي كان يجب عليهم أن يبقوها على حالها، ويعنوا بحفظها لم يعملوا شيئاً في هذا الأمر وذهبت تلك المصانع والمعاهد فريسة الجهل والإهمال.
وسمعنا أحد الأدباء من سكان النجف يقول: إن عهد هذه الأبنية يرتقي إلى شرقون (شرجون) الأول الذي كانت تطوي أيامه في نحو سنة ٣٨٠٠ قبل الميلاد وهو لا يورد لقوله هذا دليلاً تاريخياً، وقال آخر أن الذي عمر هذه الديار هو أحد ملوك دولة حمُّوربيّ وهذا القول أيضاً لا يقوم على سند يعول عليه، وكلا القولين من باب الرجم والحدس، وذكرت جماعة أن باني هذه القصور هو أحد ملوك المناذرة، وقد اختلف في اسمه فمن قائل أنه النعمان الأعور السائح المتنصر الذي عاش قبل أبي قابوس بمائتي سنة، وهم في قولهم هذا يستندون على مواد البناء فأنهم يرون أن مواد بناء الخورنق والسدير تشبه مواد أبنية طعيريزات فإذا ثبت ذلك كان الباني الحقيقي هو النعمان الأعور لأن التاريخ يؤيد هذا الزعم بل هو أشهر من أن يذكر.
стр. 813
على أننا لا نستصوب رأياً واحداً من جميع هذه الآراء فهي كلها جديرة بأن تلقى بين النفايات لا غير، والرأي الحقيقي عندنا أنه من بناء الضيزن الذي قتله سابور ذو الأكتاف بين سنة ٣٢٦ و٣٢٨ للميلاد كما سنذكره في موطنه.
٥ - وحدة الاسمين طعيريزات وطيزناباذ ومرادفاتهما
لا تعرف اليوم طيزناباذ باسمها هذا القديم المشهور. أما الاسم الذي يدور على الألسنة فهو طعيريزات، وما هذه اللفظة إلا تصحيف طيزناباذ وذلك أن العوام استثقلوا اللفظة الدخيلة الوزن والتركيب وأبدلوها بكلمة تقرب منها صوتاً ويسهل عليهم حفظها ويفهمها جميعهم، وذلك أن طعيريزات جمع طعيريزة مصغر طعروزة والطعروزة عندهم أو التعروزة أو
الترعوزة تصحيف الترعوزي وهو القثاء بلسان أهل العراق المعروف بالفرنسوية باسم
стр. 814
وطعيريزات اسم مشهور عند أعراب البادية يعرفه صغيرهم وكبيرهم شابهم وشائبهم، وأما أهل النجف وإن شئت فقل أيضاً أصحاب القوافل التي تتردد بين الجعارة والنجف فأنهم يسمون هذه التلول المار وصفها باسم (أم فيس) أو (أم الطربوش) أي ذات الطربوش وذلك لأن في أعلى تلك الروابي تلاً في أعلاه تراب قائم بصورة دائرة مجصصة الخارج توهم الناظر إليها أنها طربوش أو فيس، وإن سأَلت بعض أبناء النجف عن طعيريزات وعن موقعها فلا يفهمون شيئاً من هذا السؤال لأنهم يجهلون هذا الاسم ويعرفون له اسماً آخر وكذلك القول عن الأعراب، فيجب أن يعاد على أسماع المخاطب المرادفات كلها ليعرف منها ما قد أَلِفه سمعه. هذا ما توفقنا للوقوف عليه وربك فوق كل ذي علم عليم وسوف نشفع هذه المقالة بمقالة أخرى في ضيزناباذ القديمة.
إبراهيم حلمي
٣ - أبو السعود
الشيخ محمد سعيد السويدي
-
١ - ولادته وأخذه العلم
هو أبو السعود محمد سعيد بن عبد الله السويدي كان إماماً في الحديث
стр. 815
حسن السيرة طاهر السريرة سمحاً صفوحاً ولد في بغداد سنة ١١٤١هـ - ١٧٢٨م واخذ العلم عن والده وعن الشيخ عبد القادر المكي الحارثي وعن الشيخ علي الأنصاري وغيرهم وقد أجازه العلامة أبو الفيض الشيخ محمد المرتضى بن محمد الحسيني الواسطي الزبيدي نزيل مصر شارح القاموس والأحياء في سنة ١١٩٤مه - ١٧٨٠م بإجازة له فيها رواية كتابه المقاعد العندية في المشاهد النقشبندية وكذلك أجاز فيها لأخيه الأكبر الشيخ عبد الرحمن وأولاده وأحفاده وأسباطه وللسيد أبي الفضل محمد خليل أفندي المرادي صاحب (كتاب سلك الدرر). . . وقال المجيز في الإجازة التي نحن بصددها في حق المترجم ما نصه: (. . . العلامة محمد سعيد أفندي. . اجتمعت به في دار هجرتي مصر وقد غمرنا بفوائده وأمتعنا بصنوف موائده من كل فن غريب. . . فانتفعنا به في كل ما تلقيناه منه أو عرض عليه بمحضرنا من كتب الآثار النبوية فقد سمعت منه في ما كان يقرره من فوائده أشياء وإن كان كل منا على نيته في ذلك فقد أخذته أنا عنه لأنه المتلقي ذلك عن شيوخه النيل ممن لم ندرك زمانهم. . . كل ذلك في شهور سنة ١١٩٤ ولما ورد مصر ثانياً وتشرفت بالاجتماع به جددت معه المذاكرة في أنواع الفنون. . . وفيه أجزت له سائر مؤلفاتي كشرح القاموس والأحياء وغيرهما من كبير وصغير وجليل وحقير فليثق به الواقف عليه من أهل العلم والأدب. . . وكتب ذلك عاجلاً ظهر يوم الاثنين ثالث محرم سنة ١٢٠٤هـ - ١٧٨٩م.) انتهى نقلا عن خط الزبيدي.
٢ - (مؤلفاته وطرف من أشعاره)
وله من المؤلفات أحكام التقليد وله
стр. 816
إجازات كثيرة وشعر رائق ونثر فائق فمن شعره قوله:
يا ليلة الكرخ عودي لي بذي سلم ... لازال بَدْرُكِ مع ظلماك في سلم
افدي سويعة بشر فيك إذ رجعت ... كرائم المال من خيل ومن نعم
يا ليلة في أراضيك الشموس سمت ... إلى السما فمحت ما فيك من ظلم
جعلت ذكراك ذكري كي اذكر ما ... بي من مذكر تأنيث الجوى السقم
إن لم تعودي وأن العود احمد في ... باقي البقا فبقائي فيه كالعدم
يا ليلة بحمى بغداد ذات حمى ... سقى أديمك هطال من الديم
ومن شعره ما ذكره صاحب سلك الدرر وهي جواب أبيات أرتجلها في مدحه الشيخ عبد الله اليوسفي الحلبي في مجلس أحد أمجاد حلب اسمه عثمان وذلك سنة ١١٨٩هـ قال المترجم:
أني سعيد حيث نلت سعادة ... في رؤيتي لمحاسن الشهباء
اكرم بها وبأهلها فلقد حوت ... حسناً لناظرها جميل بهاء
جلت عن التشبيه إلاَّ قولنا ... هي جنة الدنيا ونور الرائي
فالله احمد حيث بدل سفرتي ... عن تدمر بمدينة حسناء
فأنا السعيد وباغتنام اليوسفي ... قد صرت اسعد إذ بلغت منائي
من درة في شعره من جوهر ... في نثره متلألئ اللألاء
شكراً لمجلس سيدي عثمان مذ ... بجلوسه مستجلب الآلآءِ
اكرم به وبربه وبصحبه ... درت عليه سحائب النعمآء
وله محاورات شعرية غيرها أيضاً جرت بينه وبين اليوسفي المذكور ذكرها المرادي في الجزء الثالث ص ١١٤ - ١١٥ من كتابه سلك الدرر.
стр. 817
وقد توفي في بغداد سنة ١٢٢٣هـ - ١٨٠٨م ودفن في مقبرة الشيخ معروف الكرخي وقد أعقب أربعة أولاد وهم الملا حسين والملا علي والملا عبد الله والملا اسعد.
كاظم الدجيلي
التشوه والتزين عند الحيوانات
ليس الوفاق الغريب الموجود بين الحي وبين ما يجاوره على ما مر بنا سابقاً إلا قطرة من بحر تبدل الحيوان وتنكر زيه ليتوارى عن البصر ويرهب عدوه ويظفر بنجاته، بل هناك أمر آخر، وهو أنه يتزين ويتزخرف ويلبس لكل حالة لبوسها بموجب مقتضى الحال. خذ مثالاً لذلك المتعفرة وهي الدويبة المسماة بالفرنسية فأنها تتمرغ بالتراب والقمامة وتسدل على وجهها نقاباً درنا حتى يظن الناظر إليها أنها رتَيلاء هائلة، لأنها تماثلها بكل حركاتها وسكناتها وسيرها المضطرب. ويحذو هذا الحذو السرطان المعروف برتيلاء البحر. فإنه إذا أراد أن يختفي أثره على سمك اللما خصوصاً والأسماك النهمة عموماً يغرس أصول الفوقس على صدفته ولا تعتم أن تنمو تلك الأصول حتى تصبح رويداً رويداً كالجزة المنتفشة فيتسنى له حينئذٍ أن يختلط بالصخور المغطاة بمثل ذلك النبات.
وبين الحيوانات التي تحوز قصبات السبق في حلبة التغير والتبدل
стр. 818
والتنكر السمك الفوقسي - والاربيان والقريدس الفوقسي - فأنهما يعيشان بين الكلا البحري المعروف بالفوقس وذلك أنهما يتحككان به فيلتصق منه شيء كثير بهما حتى يضحياهما والنبات شيئاً واحداً وإذا اخذ الإنسان بيده واحدة من هذه الأسماك يعسر عليه أن يعرف أين يبتدئ الفوقس وأين ينتهي الحيوان كيف لا وقد أصبح جسمه نحيفاً ضامراً وفيه زوائد طويلة تحاكي الأوراق.
لا يحق لنا أن نكره هذه الحيوانات التي تحاول التنكر والتبدل دفاعاً عن نفسها؛ ولكن تسؤونا روية مثل هذا العمل في غيرها، إذ ترمي إلى غرض ممقوت عند تسترها، وهو أنها لا تفعل ذلك إلا لتهجم على طريدتها وتباغتها فتجرعها حينئذٍ كاس الردى حتى ثمالتها. ولهذا تتخذ المكر والخداع وسيلة للبلوغ إلى مآربها السيئة، فتتزمل برداء لا يستشف منه فساد غريزتها، فتنساب بين أعدائها كالجاسوس الخؤُوْن ولا تخشى طارقاً يداهمها إذا صارت بين خصومها. ومن هذا القبيل ذُبابة الورد وكان الأجدر أن تسمى (رعب الخلايا) فأنها تشبه بصورتها وشكلها الصقيع وهو نوع من الزنابير اسمه بالإفرنجية أو تشبه الزنبور أو السرمان فتدخل مساكن الزنابير وخلايا النحل خلسة ولو كان خفرها قائماً على الباب وقد حفظ مدخله ومخرجه فتبيض هناك راخية البال لا خوف عليها من انتهاك
سرها لكن لا يبطئ أن يخرج من بيضها طوائف من الدعاميص كأنها عساكر جرارة شاكة السلاح فتلقي الموت حواليها.
стр. 819
٢: الجبان يدعي الشجاعة
أن حب الحياة يسوق غالباً بعض الخشاس أي الحيوانات غير المؤذية إلى تقليد هيئة وأخلاق الحيوانات الكثيرة الأذى والضرر. ومن درس أخلاقها، يعجب من تظاهرها بإمارات الشجاعة، مع أن غريزتها على جانب عظيم من الضعف والجبن. ويرى هذا المشهد يومياً في الطبيعة، من ذلك الدويبة المعروفة بالزباء الجاسية وبالإفرنجية فهي تبين لأول نظرة هائلة ويلتبس أمرها على الناظر بغيرها لنحافة خصرها ولون زببها المشرب شقرة ولسمرة حلقاتها فإذا قبضت عليها فأنها لا تؤذيك ومن أجناس هذه الحيوانات الفراشة النحلة المسماة بالإفرنجية أو فهي توجد عادة على أشجار الحور، في شهر حزيران. ومن يرها يحكم وحياً أنها زنبور كبير موذٍ، فأن جسمها مخطط بخطوط صفراء ذهبية، وأجنحتها نحاسية اللون، لكنها لا تضر ضرر النحل والصقيع.
وكثيراً ما يخدع الإنسان بظواهر بعض الحيات فلا يميز السامة منها من غير السامة ويصعب عليه أن يفرق بين الحفث والأفعى ولو كان يعرف بعض الظواهر التي تمتاز بها لأنها على جانب عظيم من الدهاء. وقد عرف ذلك الأقدمون فقال السيد المسيح في التنزيل العزيز (كونوا حكماء كالحيات).
стр. 820
ومن الذين خدعوا بتلك الظواهر أحد المعلمين وكان يدرس في دار التحف بباريس أخلاق الزحافات فأنه قبض ذات يوم على حيةٍ صغيرة ظاناً أنها غير مؤذية ولكن ساء ظنه إذ وجدها أفعى سامة في منتهى الخبث وكادت ترديه لو لم تنكزه إلا نكزة خفيفة.
أن الحيوانات غير المؤذية من هذا النوع متى شعرت بدنو الخطر تنتصب وتتظاهر بأنها تريد لسع عدوّها فيولي الأدبار. وقد عرف العرب ذلك وورد ذكره في كتبهم اللغوية في تعريف الحفاث وهي حية عظيمة تنفخ ولا تؤذي وقد جاء في كتاب فقه اللغة عن كل من العربد والعسود أنه حية تنفخ ولا تؤذي. وقد ذكر الجاحظ في كتاب الحيوان تفصيل ما تفعله هذه الأنواع من الحيات فليراجع في محله.
٣ - الدويبات تتشكل بأشكال الأوراد
لندخلن الآن عالماً جديداً فيه للحشرة المنزلة الأولى من الشان والخطورة أِن الأحياء هنا لا تحاول هذه المرة أن تتشبه بالأحياء أو بالجماد كائناً ما كان تشبهاً قريباً أو بعيداً للذب عن نفسها كما رأَينا فويق هذا، بل تأُخذ صورة بعضها أخذاً محكماً بالغاً حد الإتقان ليس وراءه مزيد لمستزيد.
أن الدويبات والنباتات متكافلة بعضها لبعض في الوقت. فالزهرة تفيد الذبابة برحاقها وبكونها تتخذها كناً لها والذبابة تفيد الزهرة بتلقيحها بما يخرج منها من الذرق وبما يعلق بأرجلها أو بأجنحتها من اللقاح. وإذا أراد الطائر أن يظفر بالدويبة فأنه لا يتجشم مشاق البحث والتفتيش عنها بل يذهب تواً إلى النباتات وهناك يسطو على طريدته فإذا أرادت أن تنجو منه تختفي
стр. 821
وتتنكر ولهذا نراها تبالغ في التشبه بالنبات الذي تسقط عليه فتماثل تارة لحاءً وطوراً ورقة ومرة غصناً وأخرى ثمرة.
فالطائر لا يميز الفراشة المسماة بالمغسقة أو المتقوّبة العروس التي هي فراشة كبيرة تظهر في الغسق وتحط على الحور ساكنة لا تبدي حراكاً وليس فيها ما يكشفها للعيان إذ أن لونها أقتم أو اسمر وفيها بقع وخطوط وعقد تجعلها كقطعة منفصلة من القشرة أو كقشرة متقوبة وكذلك نقول عن الدويبة المسماة الجخدب الشائك التي إذا سقطت على غصن من الأغصان يحسبها الناظر إليها قطعة شوك ليس إلا.
أن عدداً من الديدان مثل ديدان الصفصاف والسندر والخمان والزيزفون وشجرة الكينا تبقى ساعات طوالا متشبثة بالأشجار ببعض جسمها وترخي ما بقي منه منتشراً ممتداً جامداً أتم الجمود الأمر الذي لا يقوم به أشهر جبابرة زماننا ومما يساعدها على اختلاطها بالأغصان سمرة جسمها وانتشار العقد فيه.
стр. 822
وهناك نوع آخر من الدويبات الغريبة تسمى الحشرات الخيالية فأنها لا تبين إلا كجزءٍ مفصول من الشوك الذي تستقر عليه ولا يرى منها أجنحة ولا أرجل وغاية ما يظهر منها شيء كالقضيب فيه أشواك.
إِنّ الدويبة المعروفة بالورقة اليابسة - تتحول تمام التحول إلى ورقة يابسة بحيث أنه لا يمكن تمييزها منها حتى إذا أدركها الجوع نقرض أجنحة بعضها كما تقرض الورقة الحقيقية وهي لا تعلم ما تعمل وموطن هذه الدويبة جزائر أو قيانيا.
هذا وفي الهند وماليزيا نوع من الدويبات تسمى كليمة وهي بهيئة فراشة كبيرة جميلة المنظر تراها إذا صفت تتلون بلون نارنجي وأزرق وإذا أدركها الملل وحطت على الشوك تغيب عن الأبصار كأنها تتعاطى السحر أو تلبس قبع الإخفاء فتباغت الإنسان الدهشة من تلك الحالة ولا يدري أين يتجسس أخبار تلك الفراشة الزاهية ولا في أي موطن يقف لها على أثر؟ إذ أنها عند سقوطها على الشوك تأخذ صورة ورقة اعتراها الذبول وتتعلق بالأشواك ويظهر فيها ثقبان كالثقوب التي تعملها الحشرات في الأوراق.
فسبحان من خلق الطبيعة هذا الخلق البديع إذ جعلها تتفنن في تمثيل ذاتها لتظهر ما فيها من حكمة الوضع فأنها تتخذ من مواد مختلفة صورتين
стр. 823
متماثلتين لا تتميز إحداها عن أختها قيد حبةٍ وما غرضها من ذلك إلا محافظة حشرة صغيرة.
فيا هل ترى والحالة هذه يجوز لنا أن نلفظ كلمة عرض أو اتفاق عند مشاهدة هذه الغرائب؟ إلا تظهر العناية الإلهية فوق كل هذه العجائب تلك العناية التي ترعى مصلحة أحقر الكائنات وحفظ أصغر الموجودات؟ أليس هذه هي العناية الإلهية التي قال عنها السيد المسيح في إنجيله الكريم: انظروا إلى طيور السماء فإنها لا تزرع ولا تحصد ولا تخزن في الاهراء وأبوكم السماوي يقوتها. . . واعتبروا زنابق الحقل كيف تنمو أنها لا تتعب ولا تغزل وأنا أقول لكم أن سليمان في كل مجده لم يلبس كواحدةٍ منها (متى ٢٦: ٦ - ٢٩)
يوسف رزق الله غنيمة
(لغة العرب)
إننا أدرجنا هذه المقالة لا لأننا نسلم بهذه المزاعم الواهنة الواهية، بل لنبين أن مذهب التحول معروف في هذه الديار كما هو معروف في غيرها؛ وقد انتشر بما أبرزته مطابع ديار الشام ومصر من الجرائد والمجلات والرسائل والكتب وغيرها من المطبوعات. على أن هذا المذهب يتداعى اليوم في ديار الإفرنج لقلة صبره على نار التحقيق، إذ لم يرج عندهم ألا بقدر ما يروج الدرهم الزيف عند من لا يعرف كنهه وحقيقته، أو لم يحكه بالمحك ولم يعرضه على نار الامتحان.
أن هذا الرأي أي أن الحيوانات والنباتات تقلد الطبيعة بظواهرها فتتذرع في كل موطن بما يكفيها شر أو أذية أعدائها هو من ألاعيب الخيال والوهم، لا من حقائق العلم المقررة. -
نعم أن أصحاب مذهب التحول يقومون لهذه النظرية ويقعدون لها ويسمونها في اصطلاحهم (محاكاة الطبيعة لكن العلماء الإثبات أصحاب النقد الصادق والخبرة التامة أثبتوا كذب هذا التوهم والتصور. لأننا أن سلمنا مثلا أن أرانب الديار الباردة المغطاة بالثلوج تكتسي بجلود بيضاء الشعر لمشابهتها لون الثلج لكي لا يميزها الصائد من الثلج بخلاف لو كان لونها ارمد مثلاً، فهل يظن أول من تصور هذا الفكر أن الصياد وحده يقتل الارانب؛ أو ليس هناك عوامل أخرى تفني بعض الحيوانات والنباتات؛ وألا كيف انقرضت بعض هذه الكائنات ولم يكن هناك ما نتصور لها اليوم من الأعداء. دع عنك وجود مخلوقات في الأقطار التي يتزيا فيها بعض كائناتها بزي
стр. 824
الطبيعة وهي لا تجاريها بمحاكاتها إياها. وإن وجد عشرة كائناتٍ تتزيا بزي ما يجاورها فأن هناك مئات تخالفها لوناً وشكلا وصورة. وحسبك دليلا على ذلك أن تمد نظرك إلى صحراء أو إلى ضاحية لترى كذب هذا المقال.
ثم أن ما قيل في هذا الرأي هو مجرد تحكم خيال القائل الأول وألا أفتتصور أن أعداء هذه المخلوقات تنظر إلى فريستها كما ننظر نحن اليها، وتتوهم فيها الوهم الذي نتوهمه فيها؟ - ننسب إلى الحيوان والنبات حاجات وشواعر لا بل مشاعر وحواس بشرية كأنها أناس مثلنا إلا أنها بصورة مختلفة عن صورتنا؛ فناشدتك الله يا هذا هل أن كلاب البلاد الباردة وثعالبها وذئابها تنظر إلى تلك الأرانب بالعين التي ينظرها بها هذا المفكر. فلو كان كذلك لجاعت وماتت وانقرضت فالظاهر إذاً أن هذا التنكر لا يردعها عم طلب معيشتها، ولا يصدها عن مطاردة طريدتها. - هذا فضلا عن أن الأحياء الدنيا وجراثيم الأمراض الطفيلية لا تتخيل كل هذه الأمور وتجري في أعنتها بدون أن تلتفت إلى صحة هذه التخيلات أو كذبها.
وعلى هذه السنة التي ذكرناها عن الحيوان بنى هؤلاء المتخيلون سنتهم في النباتات أيضاً. فأنهم ذهبوا إلى أن وجود بعض الأشواك والسلاء في طائفة من الأشجار كالعضاه والرتم والاسل والعرفج والقتاد والقرصعنة هو لوقايتها من آكل الحيوانات إياها. يا سبحان الله! فإن كان الأمر كذلك فلماذا الأغصان العالية أغصان تلك الأشجار التي لا تنالها الدواب لا تنبت بدون سلاء. ولماذا لا ينبت سلاء لسائر أنواع النباتات التي تعتلفها الماشية أو ترعاها حتى لا تبيد ولا تنقرض. فمن ثم يتضح أن النبات ليس بإنسان ولا كالإنسان إذ لا
يمكنه أن يتصرف بالأمور على ما يشاء.
أن الباحثين من أهل الخبرة والتجربة قد اثبتوا أن الجو الذي يكثر فيه الماء يزيل السلاء والأشواك ويحيلها أوراقا والجو الذي تقل فيه الماشية أو لا رطوبة كافية في أرضه تنبت تلك الأشواك أو تحيل أوراق الأشجار سلاء. وعليه تكون اليبوسة سبباً لتكوين الأنسجة الليفية ومن هذه تنشأ الأشواك والسلاء ليس إلا. فنشوءها إذاً لمقاومة السائمة أمر عبث لا حقيقة له هذا وهل حقيقة تخاف السائمة تلك الأشواك. فأننا نرى الجمال تأكل العاقول وأنواع الأشواك وتستطيبها وتستمرئها، بل إذا وجد بجانبها أنبتة غير شائكة فأنها تفضل تلك على هذه. فما جواب أصحاب مذهب التحول على هذا الاعتراض. هذا فضلا عن أن أنواع الدود تنفذ إلى قلب الزهرة وتآكل الحبة أو البزرة فتتلف وحدها من حبوب الأشجار وبزورها مالا تتلفه الدابة عند آكلها الورق. فما عسى أن يكون ذلك السلاح الذي تعده تلك الشجرة لتقارع به تلك الدودة. فهل السلاء يمنعها عن العيث؟
يشبه أصحاب هذا المذهب رجلاً رأى ثياب أهل البلاد الحارة واسعة الأكمام والأردن والأذيال
стр. 825
منفرجة الأسافل ثم شاهد ثياب أهل البلاد المعتدلة متوسطة بين السعة والضيق وتثبت أن أهل البلاد الباردة لا يلبسون إلا الثياب الضيقة التي لا ينفذها الهواء. فقال في نفسه: إن الثوب رأى أن لابسه في البلاد الحارة يحتاج إلى الهواء، فأتسع، ثم رأى أن البرد يقرس الرجل إذا كان عليه ثياب فضفاضة فضاق وتجمع حتى لا يصيب صاحبه البرد. وعلى هذا تبين ذكاء الثوب إذ طابق حالته دائما لحالة البيئة التي وجد فيها.
قلنا: ومن لا يرى سقم هذا الاستدلال؟ أفلو عكس المستدل هذا التعبير أما كان اقرب إلى الصواب. أفليس صاحب الثوب هو الذي رأى مناسبة قطعه على تلك الصور الثلاث المختلفة. تطبيقاً لها على مقتضيات اختلاف حالة الجو؟ فليتأمل العاقل ولينصف في قوله.
وصف مدافن البحرين
وصفاً مفصلاً
كل مدفن يشتمل على غرفتين كبيرتين الواحدة فوق الأخرى مبنية من قطع صخر ضخمة ولا يبعد أنها قد قطعت (من جبل الدخان) الواقع في صحراء بعيدة ويوجد فيها أيضاً على جوانبها غرف ومعابر مسيعة بطين على غاية الإتقان ولا يوجد عقود أو دعائم ويظهر أن الغرف قد بنيت قبل أن تبنى سائر ما يحيط بها من البناء. وهذا البناء محكم مجصص وله طبقات مرصوفة من التراب وصغار الحجارة وكائن هذه المدافن قد أقيمت لمقاومة الدهر وصد آفاته فمحيط أساس أكبر التلال نحو خمسين ذراعاً وقد عثر القائد دورند على هيكل بشري في الغرف السفلى طوله نحو تسع أقدام صغير الجمجمة منخفض الجبين واسع حرف حجاج العين (المحجر) وعندما عرضت الجمجمة للنور والهواء تكسرت كسراً عديدة. إن رؤية بعض عظام الهياكل تدل على أن أصحابها دفنوا وهم جلوس ويظهر لنا انهم كانوا من وجوه الأمة وسراة القوم وكان دفنهم يجري على خلاف ما كانت تدفن العامة على حد ما هو جارٍ اليوم عندنا في دفن البطاركة والمطارنة والملافنة والأساقفة وسائر الرؤساء الروحانيين بيد أن ذلك يحتاج إلى بحث دقيق وفحص كثير وقد اكتشف حديثاً في المنعطفات
стр. 826
قطع من عظام بني آدم. أما في الغرف العليا (الفوقانية) فقد وجد عظام كبيرة عدت من عظام حصان وأيضاً قطع من معدن يشبه الصفر (النحاس الأصفر) والنحاس الأحمر وشقف وخزف خشنة غير مصقولة وقشور بيض النعام وبضع آنية مصنوعة من العاج وتماثيل وغير ذلك من الأدوات المختلفة الأشكال. وفي أراضي غرف بعض المدافن شيء كثير من عظام اليربوع (واليربوع ضرب من الحيوانات يشبه الجرذ ويكثر في صحارى الخليج) وفي تلك القبور مقادير وافرة من العظام الصفراء قد دفنت هناك منذ قرون عديدة وقد نقبت اغلب تلك الغرف تنقيباً دقيقاً طمعاً في العثور على آثار ذات شان جليل ولكن جل ما وجد فيها بقايا سجف وستائر قد تحولت إلى كوم من تراب لطول عهدها وهناك أيضاً قطع أخشاب قد نخرها السوس والديدان.
إما البناء فهائل جداً وجرمه عظيم لكن لم يعثر فيه على الأدوات التي كانت تتخذ في الحفر
والبناء بل ولم يعثر على رسوم أو نقوش أو كتابة بيد أن هناك شقوقا وأخاديد ونوعاً من الخنادق القليلة الغور قد حفرت حول أساس كل مدفن.
أن أول من فتح تلك المدافن وباشر بالحفر والتنقيب فيها هو المنكب (اليوزباشي) الباسل دورند وذلك في سنة ١٨٧٩ ولا تسأل عن الصعوبات والمشقات التي لاقاها في سبيل الوقوف على أثار تلك الديار وقد نال أخيراً بغيته التي كان يتوخاها إذ حصل على معارف وإفادات جمة وذلك بينما هو مجد في عمله وسائر على الخطة التي اختطها باغتته سفينة حربية إنكليزية فساعده ربانها الهمام كل المساعدة ولم يمده فقط بفريق من نوتيته ليساعدوه في التنقيب والتنقير بل عرض عليه أراء جليلة تذلل العقبات والمشاكل وتمهد له السبيل للحصول على ما كان يدور في خلده وقد أشار عليه أن يتخذ وسائل النسف داخل إحدى الغرف المفتوحة ليزيل عنها سطحها ويتسنى له الوقوف التام على محتوياتها ولكن النتيجة لم تأت بالمطلوب لأن سقف الغرفة المذكورة سقط في باطنها وكان في ذلك نهاية أعمال البطل دورند إذ على اثر ذلك دعاه أولو الربط والحل ليتقلد زمام وظيفة أخرى في محل آخر وفي سنة ١٨٨٩ خلفه الفاضل بنت
стр. 827
ومعه عقيلته واخذ بالحفر والتنقيب وقد فتحا مدفنين متوسطي الحجم ومنذ ثماني أو تسع سنوات زار جماعة من علماء بلجكة البحرين وتفقدوا القبور وفتحوا أحدها ولم يتصل بي نتائج أبحاثهم.
وممن عني بالحفر أيضاً عامل بريطانيا العظمى في البحرين المنكب (اليوز باشي) بريدكس وقد حفر بقرب (قرية علي) واشتغل فيها عدة أسابيع وفعل مثل ذلك في (منامة) وكان قد ضرب له في وسط المدافن خيمة يتردد إليها من وقت إلى آخر. وجمع طائفة كبيرة من الرفات وبعض قطع من العظام البشرية وغيرها من الآثار وقد بعث بها إلى دار التحف في لندن.
كم من أمة طرقت ذلك الطريق الوعر والجادة الموعثة ووقف أبناؤها ونخبة من أفرادها حاسري الطرف مشتتي الأفكار لا يبدون حراكاً لما داهمهم من الاضطراب والقلق بخصوص أسرار تلك المدافن المبهمة فخطوات أقدامهم تردد أمام مخيلتنا القرون المنصرمة ودوي آثار أيديهم ترن في آذان الادهار الغابرة وأحدثهم عهداً بها الإنكليز وقد سبقهم إليها البرتغاليون فالعرب فالفرس فالهنود فالرومان فاليونان فالفنيقيون فالبابليون فالكلدانيون
فأصحاب الرؤوس السود الذين هم أول من مد رواق التمدن والعمران البشري على وجه البسيطة وعليه يكون تاريخ بلاد اليونان حديثاً جداً بالنسبة إلى تاريخ مسقط راس العالم الإنساني ولهذا تحسب مملكة الرومان والصين واليابان والهند من ممالك أمس بجانبه هذا وكم من أمة وقبيلة وشعب ولسان ودولة زالت وانقرضت وأمست في خبر كان وأما تلك المدافن فشاخصة قائمة بعزها ومجدها كما كانت منذ أول بنائها إذا أنياب الدهر ومخالب طوارئ الزمان لم تقو على ملاشاتها وافنائها من على سطح الكرة الأرضية وهي واقفة على أركانها الضخمة تسخر بمرور الأيام وكرور الأعوام فسبحان من بيده البقاء والخلود والفناء والوجود. في كل مكان وفي كل زمان!
رزوق عيسى
стр. 828
لعبة البس والهرّ
أو البكرتين والقعود
١ - مدخل البحث
اعرف للأعراب في ديار العراق ونجد ألعاباً كثيرة وها أنا ذا اشرح واحدةً من هذه الألعاب تناسب وقائع الحرب. لأن الذي يتدبرها يراها تتطلب حكمة ودهاءً فطنةً وذكاءً، بل دربة في المحاربات، وحنكة في المعاركات.
٢ - شرح ألفاظ اللعبة
البس عند أعراب نجد: القط الصغير. وفي دواوين اللغة: البس بالفتح الهرة الأهلية الواحدة بسة والعامة تكسر الباء فيها. وأما النجديون فيجعلون حركتها بين الفتح والكسر. والهر عند النجديين القط الكبير عمراً وجثةً. - والبكرتان عندهم تثنية البكرة بفتح والبكرة عندهم الناقة الفتية التي لم يضربها الفحل. وإذا ثنوا اللفظة حركوا الكاف الساكنة بحركة مشتركة بين الفتح والكسر والقعود: القلوص والبكر إلى أن يثني والفصل. وعند النجديين هو القلوص الذي لم يضرب أنثى قط. ولم تستعمل هذه الألفاظ إلا للدلالة على ما يجري عليه موضوع اللعبة.
٣ - بسط بدء اللعب
يجمع أولاً جمعان من اللاعبين متساويا العدد في كلا الطرفين ويقام لكل جمع أو قسم أو حزب رئيس يسمونه (الشيخ) ولا ينتخب الشيخ إلا بين اللاعبين الذين قد اشتهروا بمهارتهم ودهائهم وحسن معرفتهم واغلب ما يكون في الجمع الواحد خمسة أَشخاص وخامسهم الشيخ. وقد
стр. 829
يتجاوز عددهم فيكونون تسعة وتاسعهم الشيخ. ثم يعين كل من الشيخين حاكماً ووزيراً وشاهدين بعيدين عن كل غرض ومحاباةٍ. فإذا تم ذلك يمد الحاكم رداءً ثخيناً أو عباءً متينة كبيرة لا يشف ما وراءها تكون كالحجاب بين قوم وقوم طرفها الواحد بيد الحاكم والطرف الأخر بيد الوزير بحيث لو دنا الواحد من جانب لا يرى الآخر
الموجود في الجانب الثاني من وراء الستار. إما الوزير وإن شئت فسمه بالرقيب فوظيفته الاعتراض على الحاكم وعلى أعمال تنفيذ أمورهِ. وكل ذلك بحضور الشاهدين العدلين اللذين لهما حق المراقبة. وعند الحاجة تكون الأرجحية بجانب الحزب الذي ينضمان إليه إذا وقع في القضية اختلاف أو تعارض أو تنازع.
٤ - الاستعداد
بعد أن يتم كل ما سبق شرحه يستعد الفريقان استعدادهما للحرب السجال فيأخذ كل فرد من أفراد الحزبين حبلاً لا يزيد طوله على ذراعٍ ونصف. وإن لم يكن له حبل يأُخذ عمامتهُ بعد أن يفتلها فتلا نعما لتقوم مقام الحبل أو يتخذ عقاله بدلاً من ذلك ليكون بيده بمنزلة السلاح يضرب به عدوه بدون أن يضر به. وبعد هذا الاستعداد ينضوي كل واحدٍ إلى فريقه الذي يرجع إليه.
٥ - الافتراق والقدوم
يفترق كل من اللاعبين من أي حزب كان فيختفي في مكان لا يراهُ الآخر أو يختفي بحيث إذا جاءه واحد من الفريق الآخر لا يستطيع أن يعرفه (ولهذا لا يكون هذا اللعب إلاَّ ليلاً) وبعد التفرق ولزوم كل حزب مكانه بكمال السكون والتؤدة يمد الحاكم العباءة عرضاً فيقبض هو
стр. 830
على الطرف الواحد والوزير على الطرف الأخر على ما أسلفنا تبيانه. ويقف الشاهدان بجانبي الحاكم عن يمينه وعن يساره. ثم ينادي الحاكم ببدءِ اللعب قائلاً: (ليات من هؤلاء وهؤلاء بكرة وقعود.) فيتقدم حالاً واحد من كل من الفريقين وهو يحبو حبواً بحيث لا يمكن أن تعرف هيئته ولا حركته ويختفي وراء العباءة موجهاً وجهه وأذنه وجميع حواسه إلى جهة الحاكم بالسكون التام والسكوت الكامل.
٦ - الصفير والنفير
وبعد أن يدنو كل واحدٍ من مناوئهِ من الفريق الثاني وراء الستار أو العباءِة لصقاً بلصق لا فارق بينهما سوى هذا الرداء الثخين المتين ينادي الحاكم مكلماً المختفي عن يمينه قائلاً له: (أصفر) فيصفر صفيراً خفيفاً. ثم يلتفت إلى الذي عن شماله ويقول له كما قال للأول: (أصفر) فيصفر أيضاً (وكلاهما على صفرة واحدة) ثم يبتدئ الحاكم بالسؤال فيسأَل أولا
الذي عن اليمين ويقول له: (من جاء ومن وصفر) فيجيبه المسؤول: هذا فلان (ويكون جوابه بصوتٍ خافت لا يسمعه إلا الحاكم) ثم يسأَل الثاني الذي عن اليسار مثل ما سأَل الأول فيجاوبه أيضاً حسبما يعنّ له في خاطره. فإن أصابا في جوابيهما وعرف كل واحدٍ منهما الآخر أرجعهما إلى محليهما. ونادى مناداة ثانيةً اثنين آخرين قائلاً (ليات من هؤلاء وهؤلاء بسّ وهرّ). فيدفع كل شيخ واحداً آخر من تبعته وقد يعيد الأول إيهاماً أو تلبيساً على من يريد إيهامه أو حسبما تقتضيه سياسته وفكرته. وحينئذٍ يجري الحاكم أوامره كما أجراها على من سبقهما. فإن عرف الواحد صاحبه
стр. 831
للمرة الثانية أرجعهما بصوت يسمعه الفريقان قائلاً: (تعرفوا) أو (معارفة) أو نحوهما. وقد تستمر المعاملة بين الفريقين إلى ثلثي الليل أو إلى أن يتعبا فيحكم حينئذٍ الحكم مع الوزير والشاهدين بتغيير أصحاب الفريقين وتأُليف فريقين آخرين يقومان مقامهما. والتعارف تابع لنباهة الأولاد وتوقد خاطر الشيخ وذكاء جماعته.
٧ - ما العمل عند جهل أفراد قوم أفراد القوم الآخر
أن لم يتعارف ممثل الفريق الواحد بصاحبه ممثل الفريق الآخر سواء كان ذلك في المناداة الأولى أو الثانية أو الثالثة فيتبع الحاكم القانون المسنون بين الطرفين. مثال ذلك إن كان الذي جاء عن اليمين عرف الذي جاء عن الشمال والذي جاء عن الشمال لم يعرف الذي جاء عن اليمين فيأُمر الحكمُ البارح (وهو الذي جاء من جانب اليسار) الذي لم يعرف خصمه أن ينصرف إلى أصحاب اليمين ويبقى هناك أسيراً فيقيده واحد من فريق الخصم تقييداً محكماً. ثم يأمر الحاكم أهل الشمال ليتقدم منهم واحد آخر. ويجب أن تعلم أن في حين سوق الأسير إلى محل الأسر يكون الحاكم والوزير قد غطيا بالعباءة ذاك الذي عرف الأسير أو بعبارة أخرى ذاك الذي هو من أصحاب اليمين لكي لا يعرفه أحد ويبقى مجهولاً. فإذا جاء الآتي من أصحاب الشمال وضع رجله وهو واقف على من ستر بالعباءة من أصحاب اليمين. فيمسكه الذي تحت العباءة من رجله مسكاً جيداً. وقد يمسكه بيده أو بعمامته أو بحبله أو ردنه أو بطرف من ثيابه (حسب الشرط الذي عقد بين اللاعبين في بدء اللعب) فإذا تمكن منه يقوم الحاكم وينادي: (هل تمكنت منه أيها
стр. 832
القابض عليه) فيجيبه الماسك بإشارة خفية قد تواطؤا عليها يراد بها أنه قد مسكه مسكاً محكماً. وحينئذٍ يسأَل
الحاكم ذلك الواقف: (من هو هذا الذي مسجى بالرداءِ؟) فيجيبه الواقف جواباً بموجب معرفته فأن عرفه أطلقه وعاد إلى أصحابه وأعيدت اللعبة من جديد ويبقى الأسير في الأسر إلى أن يفكه أصحابه بغلب مثل هذا. أو إلى أن لا يبقى إلاَّ الشيخ. وحينئذٍ يحكم على كل واحدٍ من الغالبين أن يضربه ضربات معلومة معدودة يكثر عددها بقدر ما تطول مدة الأسر. مثلاً: إن يضرب الأول ٢٠ ضربة والثاني الذي يليه ٤٠ وهلم جراً والضارب يضاعف عدد ضربات المضروب الذي سبقه. ثم يهجم سائر الناس من رفقائه على المقبوض ويوالون ضربه إلى أن يتخلص المضروب بقوته من يد القابض عليه (لكن لا يجوز له أن يتخلص من يدي ماسكه بالضرب أو بالعنف بل بنتل نفسه فقط) أو يصدر الشيخ عفواً عنه أما الحاكم فلا يجوز له أن يتدخل بصفة معتمدة (أي رسمية) في حله أو بالنظر إلى حالته ووجاهته إذ بذلك يخالف حقوق الغالبين أهل الفوز والنصر. لكن إذا رأَى المضروب قد أضره الضرب مثلاً أو تأَثر منه تأَثراً يذكر فيجوز حينئذٍ للحاكم أن يأُذن لأحد رفقائه أن ينتصر له ليخلصه من يدي القابض على رجله. وذلك لا يكون إلا من بعد أن يوخذ رأُي الوزير في ذلك أو بعد مناداة الشاهدين معاً بذلك.
فإذا تم كل ذلك تعاد اللعبة والأسير باقٍ في أسره إلى أن يشمله عفو من الشيخ أيضاً لتتم شروط الصلح والسلم. والسلام.
س. د
стр. 833
السبحة في الشرق
السبحة قديمة في ديارنا. وأول من استعملها في الشرق الأدنى اليهود فأنه كانوا يسمونها (ماه بركوت) أي المائة بركة وذلك لأنهم كانوا يسبحون بها الله مائة تسبحة. ولما ظهرت النصرانية أخذها المسيحيون عنهم. ثم جاء الإسلام فاقتبسها الحنفاء من النصارى منذ العصر الأول من نشوء الدين المحمدي. وقد ذكرها الخليل في كتاب العين قال: السبحة: (خرزات يسبح بعددها) وأنت تعلم أن الخليل عاش ٧٤ سنة وتوفي سنة ١٦٠ وقيل ١٧٠ وقيل أيضاً سنة ١٧٥ للهجرة (الموافقة لسنة ٧٧٧ و٧٨٦ و٧٩١ م) ولو كان المسلمون قد اتخذوها في عهده لأشار إليه لكن الظاهر من سكوته عن التنبيه أنها كانت معروفة قبله. وإلا فمن العادة الجارية عند اللغويين أن يشيروا إلى حديث الدخول من ألفاظ اللغة ولهذا نقول أنها كانت معروفة في القرن الأول من الإسلام. والى ذلك يشير صاحب تاج العروس إذ يقول: السبحة: بالضم، خرزات تنظمن في خيط للتسبيح تعدّ. وهي كلمة مولدة قاله الأزهري. قال الفارابي وتبعه الجوهري: السبحة التي يسبح بها. وقال شيخنا: أنها ليست من اللغة في شيء (كذا. قلنا: وفي هذا الكلام نظر) ولا تعرفها العرب (كذا) وإنما حدثت في الصدر الأول إعانة على الذكر وتذكيراً وتنشيطاً. اهـ
стр. 834
وأما الإفرنج فقد أخذوها من نصارى الشرق في الحرب الصليبية الأولى (أي في نحو سنة ٤٩١ هجرية - ١٠٩٧م) نقلها إليهم بطرس الناسك الشهير الذي هو أول من نادى بالحرب الصليبية. ومما سهل دخولها ربوع الغرب أنهم أولجوا في الأديرة رهباناً مساعدين للرهبان القسوس واغلبهم يجهلون القراءة والكتابة فألزموهم باتخاذ السبحة وبعدّ الصلوات الربية عليها والصلاة الربية هي (أبانا الذي في السموات) وكانوا يسمونها يومئذٍ باتنوتر أي (أبانا) ثم غيروا اسمها ودعوها أي قبعية لأنهم كانوا يتخذونها على هيئة إكليل من الورد المنظوم ويضعونها على رؤوسهم. ومهما يكن من أمرها فأن الإفرنج كانوا قد اتخذوا السبحة من مكملات ملابسهم في ذلك الأوان. وكانوا يشدونها بمناطقهم. وقد أوجب بعضهم اتخاذها في كل آن ومكان وتعهدوا لذلك بعهد وسموا أنفسهم (المسبحين) وبالإفرنجية ثم قلَّ اتخاذها وتقلدها رويداً رويداً لا سيما عند من لم يتقيد بنذر رهبانية.
والإنكليز يسمونها كالفرنسويين أي قبعية. والألمانيون يسمونها - أي إكليل ورد. والإيطاليون سموها أولاً أي قبعية لكنهم يسمونها الآن أي إكليل. ومن أسمائها بالعربية المسبح بكسر الأول. وهي لم ترد في دواوين اللغة لكنها وردت في عدة كتب والعوام تستعملها وتفتح الميم. وقد جاءَت في كتاب ألف ليلة وليلة من طبعة الإفرنج ١٦: ٧، ٥. وفي بعض حواشي الزنجاني. وفي تاريخ المقري من طبعة الإفرنج ٥: ١ وفي مدة معاجم فرنسوية عربية. - ويسميها
стр. 835
الإيرانيون هزاردانه أي ألف حبة. ويسميها الترك (التسبيح) وهذه الكلمة مأخوذة من العربية من مصدر سبح. ومن العجب أن الترك يتصرفون بعض الأحيان في لغة العرب على خلاف ما يجري عليه العرب. فإن العرب سموا هذه الخرزات المنظومة سبحة وهي اسم مصدر لفعل سبح المثقل العين. ولم يسموها تسبيحاً وهو المصدر القياسي. أما الترك فأنهم لم يجاروا العرب في اتخاذ ألفاظهم بل كثيراً ما اخذوا منهم الشيء ذاته وسموه باسم عربي آخر كما هو الأمر في التسبيح. وهو غير معروف في لغة العرب وهو وإن كان مصدراً لكنهم لم يستعملوه لهذه الخرزات. وقد جاء في حاشية تاج العروس لمادة س ب ح: (السبحة مولدة، وإطلاق التسبيح عليها غلط. انظر ص ١١٢ من الدرر المنتخبات المشورة.) كذا. قلنا: والأصح من الدرر المنتخبة المنثورة. على أننا لا نجسر أن نخطئ من يستعمل هذه اللفظة بهذا المعنى لأنه جاز لبعضهم أن يسموا الشيء بلفظ (اسم المصدر) لا نرى كيف لا يجوز لغيرهم أن يسموه بلفظ (المصدر) وقد نقل عن العرب ألفاظ كثيرة مسماة بالمصدر كقولهم: التنبيت والتلبيب والتمتين والتقسيط والتنبيه والتودية والتهنية والتزبرة. إلى غيرها وهم في كل ذلك لا يراعون معنى المصدر بل يذهبون في موضعها مذهب الأسماء الصرفة على أننا لا ننكر أن الجري على مصطلح العرب خير من العدول عنه إلى وضع لم تضعه والى الجري في طريق أو نهج لم تألفه. لأنك:
إذا ما أتيت الأمر من غير نهجه. ضللت وإن تقصد إلى النهج تهتدي
стр. 836
أوائل في الأدب مرتبة على سني الوفيات
١ - أبو الأسود الدؤلي (المتوفى سنة ٥٩٩هـ - ٧١٧م) أول من نقط القرآن وأسس النحو.
٢ - أبو اسحق الحضرمي (١١٧هـ - ٧٣٥م) أول من علل النحو على ما قيل.
٣ - حماد الراوية (١٥٥ أو ١٥٨هـ - ٧٧١ أو ٧٧٤م) أول من جمع السبع الطوال أي المعلقات
٤ - الخليل بن احمد (١٦٠هـ - ٧٧٦م) أول من دون اللغة وكتب في العروض وحصر الشعر العربي
٥ - معاذ الهراء (١٨٧هـ - ٨٠٢م) أول من وضع التصريف.
٦ - خلف الأحمر معلم الأصمعي (١٨٧هـ - ٨٠٢م) أول من احدث السماع في البصرة.
٧ - أبو الخطاب الأخفش الأكبر (في نحو أواخر المائة الثانية للهجرة أو أوائل المائة التاسعة للميلاد) أول من فسر الشعر تحت كل بيت.
٨ - أبو جعفر الرؤاسي (هو محمد بن الحسن بن أبي سارة كانت وفاته في نحو عهد وفاة الأخفش الأكبر) أول من ألف في النحو من الكوفيين.
٩ - معمر بن المثنى اللغوي البصري (٢٠٨هـ - ٨٢٣م) أول من صنف في غريب الحديث.
стр. 837
١٠ - هارون القارئ النحوي (وهو هارون بن موسى بن شريك الدمشقي خاتمة الاخافشة توفي سنة ٢٩١ وقيل ٢٩٢ هـ - ٩٠٣ أو ٩٠٤) أول من تتبع وجوه القراءَات وألفها.
١١ - ابن المعتز (٢٩٦هـ - ٩٠٨م) أول من ادخل البديع في علوم الأدب
النجف: ابن الأعرابي
قواعد لغوية
صاحب البستان
أو السرعوفة
سألنا سائل من البصرة ما الاسم العلمي لهذا الطويئر الذي يسميه بعض أعراب العراق باسم (أبي البستان) ويعرفه أهالي الشام بفرس النبي أو جمل اليهود. وما اسمه العربي الفصيح القديم وكيف وصفه الإفرنج؟
قلنا (أبو البستان) هو (صاحب البستان) في سابق العهد. وسمي كذلك لأنه يكثر في البساتين وفي الحقول من ديار العراق وهو يكثر أيضاً بعكس ذلك في المواطن القفرة اليابسة والأرضين الشائكة من ربوع سواحل بحر الروم.
وقد وصفه احسن وصف أبو حاتم السجستاني في كتاب الحشرات قال: صاحب البستان جندب أخضر إنما هو قوائم وذنب وقرنان وليس له كبير جسد. اهـ وهو وصف صادق دقيق لهذا الجندب. واسمه بلغة العلماء وكذلك باليونانية وهو بالفرنسوية وهو يشبه الجرادة كل الشبه بل هو بين الجرادة واليعسوب. ولهذا كثيراً ما يهم الناس في تسميته حتى أن بعضهم يسميه جرادة وله في العربية اسم آخر وهو السرعوفة. وهذه يونانية الأصل من بهذا المعنى. إلا أن العرب عرفوا السرعوفة بالجرادة الطويلة. وسبب هذا
стр. 838
الوهم هو المشابهة الموجودة بين الدويبتين على أن الجراد لا يكون طويلاً متناسب التقطيع وقد وصف علماء الإفرنج هذه الدويبة قالوا هي حشرة من رتبة المستقيمة الأجنحة تعرف بجسدها الطويل (ولهذا قال العرب. هي الجرادة الطويلة. وإلا فالجراد الحقيقي لا يكون طويل الجسم كما قلنا) وبقائمتين مقدمتين طويلتين جداً والسراعيف أو أصحاب البساتين من الحشرات اللواحم وهي تقبض على فريستها بيديها المذكورتين المسننتين أو الشائكتين وتترصد الدويبات مدة ساعات طوال لتهجم عليها إذا دنت منها. وإذا تربصتها أقامت لها بهيئة يخالها الناظر إليها أنها تقيم الأذكار ومنها أحد اسميها عند اليونان الأقدمين وهو (منتس أي متكهنة) ويسميها الفرنسيون المتكهنة الدينية أو المتكهنة لولية أي القديسة المتكهنة المصلية أو المتضرعة إلى - وهي تجعل بيضها في كتلة لزجة مصمغة وتلصقها بالحجارة أو بالرمثة أو العنظوانة (أنبتة شائكة)
وأما اسمها العامي الشامي (فرس النبي) فمأخوذ من هيئته عند ترصده غنائمه الحشرات
فكأنها هيئة فرس في الحضر وأما (جمل اليهود) فمأخوذ من طول قوائمه فهو بين الحشرات كالبعير بين ذوات الأربع. على أن عوام مصر يسمون (جمل الهود أو جمل اليهود) الحرباء لا هذه الدويبة وقد ذكر ذلك فورسكال في كتابه أزهار ديار مصر والعرب ص وص ٢٨ وقد ذكرها بهذا المعنى أيضاً ابن الدريهم في كتابه منافع الحيوان والمؤلف توفي في بغداد سنة ٨٦٣هـ - ١٣٦١م وعدها بين أسماء الحرباء. وذكرها أيضاً بابن سمث في معجمه الكبير السرياني اللاتيني في ص ١٣٦٨ في كلامه عن الحرذون فأورد هناك شيئا عن الورل ثم وصفه قائلا: واعلم أن هذا الوحش هو في أربع قوائم كالحردون أم كحمل اليهود (كذا بحرفه) ناقلا عبارة معجم إيليا برشينايا مطران نصيبين الذي كتب كتابه سنة ١٠٠٨ للمسيح ومن الغريب بعد إيراد هذه النصوص أن يقول رجل مثل دوزي في كتابه الملحق بالمعاجم العربية ص ٢١٨ لا يقال جمل الهود بل جمل اليهود وقد خطأ فريتاغ لكونه قال ذلك فكأنه يجهل لفظة الهود بمعنى اليهود مع
стр. 839
أنها وردت في سورة البقرة ثلاث مرات ومرة في سورة الأعراف ومرتين في سورة هود. فسبحان من لا عيب فيه.
باب المشارفة والانتقاد
١ - نقد فاضل للعدد السابع من لغة العرب
لما كنتم قد فتحتم في مجلتكم باباً للمشارفة أو الانتقاد أستاذنكم بنقد بعض ما رأيته في العدد السابع من مجلتكم فأقول:
ذكر حضرة الأديب إبراهيم حلمي أفندي في كلامه عن مطبعة كامل التبريزي أنها (الآن متروكة لاستغناء الناس عنها بالمطابع البخارية) وهذه العبارة توهم من يقرأها أن في بغداد عدة مطابع بخارية. والحال إنكم تعلمون أتم العلم أن ليس عندنا مطبعة بخارية سوى مطبعة الشابندر.
وجاء في باب (تاريخ وقائع الشهر) ما لخصتموه عن الرياض في بحث الغلاء ما هذا إعادة نصه: (ما زالت أسعار الأطعمة مرتفعة لكثرة ما يصدر منها التجار إلى ديار الغرب فلقد كانت تباع وزنة الحنطة في السنة الماضية بمائة غرش صاغ صحيح وهي تباع اليوم بمائة وخمسين) فالظاهر من هذه العبارة أن محررها يجهل أتم الجهل الأحوال التجارية ومعاملاتها لأن التاجر إذا اصدر الحنطة إلى ديار الغرب بهذا السعر أي ١٥٠ غرشاً لمائة كيلو غرام فأنه لا ينسى ما يلحقها من نفقات الشحن والنقل التي لا تقل عن ٥٠ غرشاً فيا هل ترى في ديار الغرب (ولا اعرف أيها منه) قحط عظيم والناس هلكى من الجوع ليشروا الحنطة بثمن يربح به التاجر ويوافق كيس المشتري أي بأكثر من ٢٠٠ قرش صحيح؟ - والصحيح أن الحنطة كانت ترسل إلى أوربا إذ كان سعر الوزنة ٧٠ غرشاً فما دون. ومذ أن ترقى سعرها أي من رمضان من السنة المنصرمة إلى هذا اليوم لم يرسل أحد حبة إلى تلك الديار. وفضلاً عن ذلك أن التجار مهتمون
стр. 840
بجلب الحنطة من الهند. ولولا رسوم الممكس (الكمرك) عليها وهي ١١ في المائة لكثرت في بغداد. ولذلك قدمت دائرة البلدية تقريراً للولاية في ١٥ ك١ سنة ٣٢٨ (٢٨ ك١ سنة ١٣١٢) طالبة به أن ترفع الرسوم من الذخائر التي ترد من الهند. ومتى ترفع تروا الألوف بل مئات الألوف من الأكياس المملوءة حنطة وأرزاً إلى الولاية. وذلك بعد تكبدهم مصاريف الجلب التي لا تقل عن مصاريف الإرسال المذكورة آنفاً.
ومما يدخل في باب المبالغة أمر الغوص في خليج فارس. ولقد أحسنتم في قولكم (ونظن أن
فيها مبالغة عظيمة).
ورأيت من تحامل الأديب ك، د. على العراق النافي اغلب ما اسند إلى العراقيين في مادة (الجنبرسوري) ما يخالف الحق إذ الحق مع العراق. ولا يعمل ما ذكره الكاتب سوى بعض الأجلاف الذين تمسكوا بالخرافات. فلا يجب أن تلام أمة بفعل حمقاها. - ورأيكم في الأمر أعلى. أعانكم الله وسدد أعمالكم.
بغداد في ١ ك١ سنة ١٩١٣:
ع. ن
٢ - وقائع من أخبار كردستان
للمطران ادي شير
رئيس أساقفة سعود على الكلدان (مستل من المجلة الاسوية الفرنسوية لسنة ١٩١٠) في ٢٥ صفحة بقطع الثمن. طبع في باريس بمطبعة الشعب سنة ١٩١٠
لا ينهض العلم عندنا بل ولا ينشر من قبره إلا بعد أن يتخصص رجال لأبحاث معدودة ويعدون لها العدة اللازمة للتفرغ لها تفرغاً صادقاً. حاصرين لها أوقاتهم وقواهم وإلا فطالما نرى بين ظهرانينا أُناساً ينتفون العلوم نتفاً فأننا نبقى في أخريات أهل البحث والنظر. ولهذا نسر كلما رأينا علماء من هذا القبيل. وهانحن نفتخر بان نعد بين أهل التحقيق المطران ادي شير الكلداني فأنه قد تفرغ للأبحاث التاريخية الشرقية ولغاتها المتعددة
стр. 841
فأصبح ممن يشار إليه بالبنان. وقد وضع عدة تآليف تشهد بما له من البراعة في هذه المواضيع من ذلك هذه الرسالة المذكورة في صدر هذه الأسطر وقد نقلها من الآرامية إلى الفرنسوية ونشرها في اعظم مجلة علمية من مجلات العالم فجاءت تسفر عن محيا كثير من الحقائق التاريخية التي يحرص عليها أهل البحث والتنقيب ويتتبع دقائقها أصحاب نقد الأخبار والتاريخ. ونحن نشكر لسيادته هديته ونتمنى له المثابرة على خطته هذه لما وراءها من الفوائد والعوائد والله لا يضيع اجر المحسنين.
٣ - كتاب قلائد الذهب، في فصيح لغة العرب
تأليف حضرة محمد أفندي دياب المفتش في نظارة المعارف المصرية سابقاً
الجزء الأول
(وهو يشتمل على ما يزيد عن ٥٠٠٠ كلمة لغوية ولها من الشواهد نحو ٥٠٠ بيت شعر و٥٠٠ آية قرآنية و١٥٠ حديثاً و ١٠٠ مثل سائر وغير ذلك من نوابغ الكلم وجوامع الحكم التي تعد بالألوف. - والكلمات المبدوءة أصولها بأحد الأحرف الخمسة الألف والباء والتاء والثاء والجيم يجدها الطالب في هذا الجزءِ. - حقوق الطبع محفوظة للمؤلف - طبع بالمطبعة الكبرى الأميرية ببولاق مصر).
كتاب في متن اللغة حوى على صغر حجمه اغلب موارد الفصحاء وأشهر مشارع البلغاء. ومن محتويات هذا الديوان مقامة أدبية. وعت جميع مشتقات مادة جلل تهون على المطالع حفظ جميع فروع هذا الأصل. وكفى هذا التأليف تقريظاً أن يقال أنه من مؤلفات حضرة محمد أفندي دياب اللغوي
стр. 842
والكاتب البدوي الذي لا تخط أنامله إلا الفصيح ولا يسير من سبل اللغة إلاَّ في الفسيح. على أننا نرى في بعض المواد نقصاً. ولا نريد بقولنا نقصاً أنها غير مستوفية جميع فروع الأصل لأننا إن قلنا هذا نكون قد نسبنا النقص إلى جميع مواد الكتاب؛ بيد أننا نريد بالنقص هنا نقص بعض المعاني المتداولة غير المهجورة كما في بعث مثلاً فأنك لا ترى فيها ذكراً لانبعث الماء: بمعنى سال ولا للبعث بمعنى الجيش مع انهما مشهوران. ومع هذا فأن الكتاب إذا طبعت سائر أجزائه يكون أخف سفراً تتداوله أيدي الأحداث في متن اللغة العربية. أعانه الله على إتمامه.
٤ - الجزء الثالث من قاموس القضاء العثماني
لمؤلفه سليمان أفندي مصوبع المحامي.
حقوق الطبع والترجمة محفوظة للمؤلف طبع في مطبعة العرفان في صيداء (سوريا):
هذا الجزء الثالث من معجم القضاء الذي أشرنا إلى جزءه الأول في مجلتنا هذه (١١٥: ٢ - ١١٦) ونحن كلما طلبنا فيه مادة للبحث عنها نراها جلية البسط فيه جامعة لأنواع الفروع. على أننا ناسف ١: على أن عناوين مواده مكتوبة بالعربية فقط فلو كان بجانبها مرادفتها بالتركية وبالإفرنجية لتضاعفت فائدته. ٢: على أن المواد تطلب فيه بعد تجريد
اللفظة من زوائدها. وهذا لا يكون ألاَّ في كتب اللغة. وإلاَّ فيحسن بمعاجم المصطلحات أن تدون الكلم بالنظر إلى زوائدها. ٣: المواد المكتوبة في أعلى الصفحة غير مطردة الاستعمال فأنه كتب مثلاً في أول ص ٢٤٤ بعد كلمة (الجد) لأن آخر كلمة يدور قطب البحث عنها هي (الجدة) وأما في ص ٢٤٥ فقد كتب بجانب الكلمة (الجدة) مادة (جد)
стр. 843
أيضاً مع أن هناك بحثاً في (الجرائم) فكان يجب أن تعنون المادة بعنوان آخر كلمة يبحث عنها في الصفحة أي بمادة جرم كما هو مشهور. وأما المؤلف فقد خالف بين هذه المصطلحات. ٤: لا يزال الكاتب يذكر في الكتاب ألفاظاً عامية أو تركية الدخول في العربية كلفظة جنحة مثلاً المذكورة في ص ٢٤٥ فأنها دخلت العربية على يد الأتراك لجهلهم أصول العربية. والأصح أن يقال فيها (جناح) بضم الأول. وكقوله في ص ٢٤٦ في خلال عشر سنوات. والأصح عشر سنوات وكقوله في تلك الصفحة: الاحتفاظ عليها والأصح بها. ومن مثل هذه الأغلاط الصرفية والنحوية واللغوية لا تخلو صفحة من الكتاب. عساها أن تصحح في طبعته الثانية.
٥ - طبقات الأمم أو السلائل البشرية
هذا كتاب علمي طبيعي اجتماعي يبحث في أصول السلائل البشرية وكيف نشأت وتفرعت إلى طبقات وانتشرت في الأرض. وما تقسم إليه كل طبقة من الأمم والقبائل وخصائص كل أمة البدنية والعقلية والأدبية ومنشاها ودار هجرتها ومقرها الآن وعاداتها وأخلاقها وآدابها وأديانها وسائر أحوالها.
تأليف جرجي زيدان منشئ الهلال. مطبعة الهلال بالفجالة بمصر سنة ١٩١٢ لصاحب هذا الكتاب الجليل مزية لا تجدها في سائر المؤلفين إلا من باب الندرة. وهذه المزية هي أن جرجي بك ينظر إلى حاجة أبناء الأدب والى ما يتطلبه سواء القراء فيسد الخلل ويرأب الصدع بما تبرزه براعته من الأسفار النفيسة. ومما كان يتشوق إلى الوقوف عليه ويتشوق إلى معرفته الأمم والقبائل والأجيال المبثوثة على هذه البسيطة. فإذا سمع الأديب باسم قوم أو جيل أو عثر على اسمه في كتاب أو مجلة أو صحيفة وأراد أن يعرف موطنه أو إلى أي سلالة ينتمي لا يجد تصنيفاً يبل صداه. فوضع حضرة الكاتب المتفنن هذا السفر الجليل فجاء كالمرهم على الجرح. وقد اشتمل على كل ما ينشد عنه في مثل هذه الضالة. وما
عليك إلا أن تنعم النظر في الأسطر الأولى لتقف على جوف ذلك الفرا.
стр. 844
على أننا نأخذ عليه بعض الأمور منها: ١ - إنه ذكر في محتويات هذا التصنيف (ما تقسم إليه كل طبقة من الأمم والقبائل.) ونظن أنه بالغ في قوله (القبائل) لأن هناك قبائل عديدة لم تسم بأسمائها فضلا عن ذكر أحوالها. أو لم تسمع هذه الأيام بذكر الماليسور والمردة والجيك ونحوهم فأنك لا ترى لهم أثراً في هذا الكتاب. وأما الأجيال المنقرضة فلا تقف لها أيضاً على ذكر مثل الجراجمة والجرامقة وياجوج وماجوج ونحوها التي إذا أردنا تعدادها نثير السأم في صدر القراء. ٢ - إنه خلط الأمور التاريخية الراهنة بالأمور الخرافية المبنية على وهم أو تخيل بعض الباحثين كقوله في ص ١٠ ويقدرون المدة التي استغرقها العصر الجليدي بأكثر من مليون سنة وكقوله تحت الرسم الأول من كتابه ص ١١ بقايا الإنسان محجرة منذ ٢٠٠٠٠سنة. وكقوله ص ١٣ (والعلم يقول بمرور القرون المتطاولة قبل أن بلغ الإنسان حالته المعروفة من التكون البدني والعقلي) فإطلاق العلم هنا على التخيل في غير موطنه. فلو قال: والعلماء الماديون يقولون كذا. . . لأصاب لأن بين العلم الحقيقي والعلم المادي بوناً شاسعاً وبمثل هذه الأقوال يعثر القارئ في جميع الصفحات الأولى من كتابه أي من ١٠ إلى ١٦ وفي بعض اوجه (تاريخ الإنسان قبل التاريخ). ٣ - وضعه بعض الأجيال في غير موضعها كوضعه السوريين ص ٢٣٤ بين أقسام الساميين الكبرى. مع انهم ليسوا من تلك الأقسام في شيء وإنما هم ساميون سكان ربوع الشام وإلا لوجب أن يذكر العراقيين وغيرهم من سكان البلاد المتسعة الأكناف التي كثر فيها اختلاط الأمم المتغلبة عليها وهم في الأصل ساميون. كما وقع مثل ذلك في ديار الشام. ٤ - يجري في ذكر بعض الأعلام مجرى الإفرنج فيها مع أنه في غنى عنها لو جرى مجرى العرب فيها. كقوله القلت ص ٢٤٢ وهم القلط ومنه الكلاب القلطية نسبةً إلى هذا الجيل ومنه في ص ٢٣١ في قوله: (عرب الجنوب: وهم الحميريون والصابئة والأحباش) والأصح السبايون نسبةً إلى سبا لكنه لما نقل عن الإفرنج ويراد بها عندهم الصابئة والسبايون معاً ظن أن المراد هنا الصابئة وهو غلط. وكقوله ص ٢٣٢ الغير ناقلاً كلمة عن الإفرنج والصحيح (الجعز) كما يكتبها هؤلاء
стр. 845
الساميون بحروفهم. على أنه يجوز أن يقال فيهم (الجاز) على لغة جعل العين همزة جاء ذلك في الهلال نفسه (٣٤١: ١٠) كقوله في شرع:
سرا في الامحرية وصرع في الأثيوبية. وهي خلاف اللغة المعروفة عند العرب بالعنعنة: ٥ - يفعل مثل ذلك في الألفاظ اللغوية أي أنه ينقل اللفظة الإفرنجية أو بما تعنيها معنىً حرفياً ويترك اللفظة الفصيحة العربية كقوله في ص ٢٣٣ الذقن حاد والأصح الخد أسيل. وكقوله في تلك الصفحة لون البرنز والأصح لون الشبه. والشبه بهذا المعنى مشهورة في العراق حتى عند أهل البادية. ٦ - في الكتاب أغلاط طبع كثيرة حتى أنه يذكرنا مطبوعات بغداد كما في ص ٢٣٤ في قوله: وأما الساميون فانهم ميالون إلى التجمع والبقاء على حال واحدة. ولا شك أنه أراد التجمد بدلاً من التجمع. والأصح أن يقال الجمود. وكقوله في صفحة ٢٣٢ في المقدمات التمهيدية والأصح التمهيدية وقد عددنا من هذه الأغلاط اكثر من ١٢٠ غلطاً. ٧ - في الكتاب أغلاط نحوية ولغوية كقوله في ص ١٨٠: اصله إنسان تقمص إلى طير والأصح تقمص طيراً أو طائراً. وكقوله ص ١٨٢ ولهم أنف مسلطح. ولو قال سلاطح أي عريض لكان عربياً. ولو قال: (وهم فطس) لأفصح وأفاد أكثر. وكرر كلمة قاصر بمعنى مقصور في مواطن كثيرة. وقد أشرنا إلى غلطه هذا مراراً ولا وجه له في العربية إلا بتكلف ومن باب وجهٍ ضيق أي من باب مجيء فاعل بمعنى مفعول وهذا لا يأتي إلا في الألفاظ التي سمعت عنهم ولا تتعدى. وفي ص ٤٢ وكلتاهما مائتان والأفصح مائتة وكقوله مراراً الفرنساويون والأصح الفرنسويون وكقوله ص ٤٥. إن يقتات أفرادها على الأعشاب. والأصح أن يقتات أفرادها على الأعشاب. وكقوله في تلك الصفحة والمغر وهو يريد المغاور. وتلك خطأ كبير. وكقوله في تلك الصفحة أيضاً نزلوا الشاطئ. وقد نقط الياء وهمزها معاً. والأصح همزها لا غير. ٧ - الفهرس الهجائي الذي في ذيل الكتاب غير وافٍ بالمطلوب. فإن المؤلف ذكر في كتابه مثلاً السكسون والألمانيين أو الجرمانيين والنمسويين والجيك والمجر وغيرهم. فإذا أردت أن تنقر عنها في داخل الكتاب احتجت إلى مطالعة الفهرس وإذا طلبتها في الفهرس فلا تقع عليها.
следующие страницы →