Полный текст (6 158 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.
стр. 911
٦ - راتب ابن السعود
أبلغت الحكومة العثمانية مشاهرة الأمير عبد العزيز ابن السعود إلى ١٥٠ ليرة عثمانية
٧ - قتل ناظم باشا والي بغداد السابق
ناظم باشا يعد من ولاة بغداد الكبار وقد أقرت الحكومة بفضله فقلدته أمراً ذا خطر في المملكة وهو منصب نظارة الحربية وقيادة الجيش العامة. وقد أنبانا البرق انه قتل في الأستانة في ٢٤ من الشهر الماضي وقتل معه اثنان من حاشيته. ودفنوا جميعهم بأبهة عظيمة.
٨ - مجتمعات المسلمين لخير الدولة
اجتمع المسلمون نهار الجمعة ٧ شباط في جامع الشيخ معروف الكرخي وكان عدد العلماء المدعوين ٣٣ وطلبوا إلى الله قهر أعداء الدولة. واحتشدوا أيضاً في الثكنة نهار الاثنين في ١٠ شباط وفي ١٩ منه أيضاً لهذه الغاية عينها.
٩ - دعاء الإسرائيليين لنصر الدولة
اجتمع الإسرائيليون صباح ١١ شباط في اعظم كنيس لهم ليطلبوا إلى الله نصر الدولة العثمانية فشهد الحفلة أكابر الإسرائيليين وسراتهم وفقراؤهم من رجال ونساء من شبان وشابات من أطفال وشيوخ وممن حضر الأدعية والي الولاية ووكيل آمر الموقع ورؤساء الدواوين العسكرية والملكية وبعد الصلاة انتثر عقد المجتمعين بكل هدوء وسلام.
١٠ - الدعاء في بيعة الكلدان
في نهار الجمعة ١٤ شباط اجتمع الكلدان في كنيستهم الكبيرة وتضرعوا إلى الله أن يوفق الدولة في مساعيها وأن يدفع عنها كل الضرر حقق الله الآمال.
١١ - تخلية سبيل مشايخ عشيرة آل فتلة
ظهر اليوم للعيان بأدلة ناصعة أن مشايخ آل فتلة أبرياء مما اتهموا به وحالما اتضح الأمر لأصحاب الحل والربط أطلقوا من سجنهم في ١٣ شباط بإرادة سنية ونحن نهنئهم بهذا الفوز المبين ونطلب لهم إلى الله أن يحفظهم من كل ضرر ومن كيد الكائدين والمفسدين.
стр. 912
١٢ - سفر المسيو بولس ب. يوينوي
في ١٥ شباط غادر مدينتنا الزارع العالم الأديب المسيو بولس ب يوينوي وهو شاب فاضل عارف بالزراعة حق المعرفة وقد أتى ديار العراق وما والاها ليبحث عن النخل وغرسه والعناية به. وقد أتى باسم جمعية تهتم بغرس النخل في بستان معروف باسم بساتين الهند الغربية في التادنا (من ديار كاليفرنية) وقد اخذ من بغداد ١٣٠٠ تالة اغلبها من الزهدي (الازاذ) وهو يأخذ مثل هذا المقدار من البصرة. ويشتري أيضاً مقادير عظيمة من ديار مصر والجزائر مراكش وتونس. وقد غرس الأميركيون قبل ٢٥ سنة شيئاً من نخل العراق فجاء على احسن ما يرجى ويؤمل. حتى أن حجم الجذوع زاد هناك عن حجمه هنا بكثير. وقد ألف الرجل المذكور مقالات في هذا الموضوع ونشرها في المجلات الأميركية. ولابد أننا نتعرض لذكرها. وقد علق في مذكرته أشياء كثيرة عن غرس هذا الصنف من الأشجار وله نية أن يدون كل تلك الفوائد في سفر ضخم. ويجمع أيضاً كل ما كتبه العرب في السابق. وقد أقام عندنا مقدار سبعة أسابيع مع أخيه. وكان أخوه قد سبقه
بأسبوعين إلى البصرة. أوصلهما الله إلى ديارهما بسلام!
١٣ - زيادة دجلة وضعف الأسداد
أخذت دجلة بالزيادة بعد تساقط الأمطار في هذا الشهر وفي الشهر المنصرم. والناس يخافون الطغيان لأن الاسداد غير محكمة الصنع. أعاذنا الله من الغرق.
ألفاظ عوام العراق
آشكاره
بمعنى واضح وبين وجلي تركية الأصل وهي كثيرة الاستعمال بمعناها الأصلي واغلبهم يقولون: اشكراه بتقديم وتأخير في الحروف.
آغا أو آقا
كلمة مشهورة واغلبهم يتلفظون بها بالهمز لا بالمد.
آغر آغر
تركيتان يستعملهما بعضهم بمعناهما أي رويداً رويداً
اقتارمة أو آقطارمة أو اخطرمة
هو النقل والكلمة من أصل تركي. أستعملها أصحاب المراكب. ويريدون بها نقل البضائع من مركب إلى مركب
стр. 913
العدد ٢٢ - بتاريخ: ٠١ - ٠٤ - ١٩١٣
الكتابة في العراق
١ - تمهيد
اثبت اليوم علماء البحث والتنقيب أن الكلدانيين سكان وادي الرافدين دجلة والفرات هم اسبق الأقوام إلى وضع الكتابة على طريقة الأهجئة أو المقاطع. ثم ما عتم أن انتشر أسلوبهم بين اظهر الآشوريين لسهولته فاستطار بين الأجيال المنبثة في شمالي أرمينية وشرقيها. ثم بين الأمم المتوطنة ديار ماذية وشوشن وفارس. ولم يزل في انتشار، وامتداد وعيار، حتى عصور النصرانية الأول.
стр. 914
هذا مجمل ما يقال في هذا الباب الواسع المجال، أو في هذا الموضوع الخطير البال. ولهذا يتمثل لك خيال وادي السلام بصورة شيخ جليل هو أبو الكتابة والكتب والكتبة، بيده قلم تتساقط منه رشاش مدادهِ على الطاباق والرق والورق والجدران ما خلد ذكر أمهات مدن العراق ابد الدهر. ومن هذه الحواضر (أور) (التي تعرف اليوم باسم المقير وهي مهجر إبراهيم الخليل) وأريدو (أي أبو شهرين ومعناها ذو البلدتين) واوروك (الوركاء) ونبور (نفر) وأما (جوخي) ومارو (أم العقارب) ونيسي (دريهم أو دليهم) ولجش أي تلو (المقصورة) عن تل اللوح وسبارة أو سفارة (البو حبة) ولارسا (سنكرة) وبورسبا (برس نمرود أو البرس) وكوثي ربَّا (حبل أو تل إبراهيم) ودور كوريجالزو (عقرقوف) والكوفة وبغداد والأنبار والحيرة وسامرا وغيرها مما يطول تعدادهُ.
ولجميع هذه المدن بل ولكل واحدة منها حصة وافرة من آداب لغة العرب القديمة والمخضرمة والحديثة والعصرية. ولهذا لا نغالي إن قلنا: العراق منبعث أنوار العلم ومصدر معارف البشر وملتقى الأقوام المتنورة وملتقط أنباء المؤرخين والأخباريين والأثريين والباحثين والمستقرين أصحاب التحقيق والتدقيق. تشهد على ذلك أوراقهم ومهارقهم ودفاترهم وأسفارهم ومؤلفاتهم صغيرها وكبيرها حتى أنها اكتظت منها.
ظل العراق حافلاً بالعرب الأولين حتى جاء الإسلام فكان العراقيون احفظ الأقوام باللغة الفصحى من غيرهم بها، وهي تلك اللغة لغة البطحاء وأم القرى، لغة قريش
стр. 915
القبيلة الشريفة الكريمة السمحة ذات الجود والقرى.
العراق وأن لم يكن صاحب هذه اللغة ومنشئها إلاًَّ انه أبو آدابها؛ فهو الذي أفرغها في قالب لغة علمية وفسح لها موطناً بين سائر اللغات أخواتها وضرائرها، فكان هو أول مدرسة لها، بل مدرسة النبوغ، وأصبح يضم بين أحنائه وترائبه طوائف فنون الكتابة والكتاب وبين هؤلاء تجد النابغة الفذ، والمترجم النقاد، والخطيب المفوهّ، والكاتب المجيد، ذلك الكاتب الذي يجمع إلى كتابة الرسائل تصنيف الأسفار الضخمة وإنشاء صحف القضاء، ودواوين الجند، واوارجة الخراج، وجرائد المساحين، ودفاتر الشرطة.
الكتابة هي مبدأُ تلك الحياة العقلية، وجرثومتها العلمية. ولهذا يحسن بنا أن نحصر الكلام في دائرتها لكي لا يتسع الخرق علينا نقول:
٢ - تطورات الخط أو أدوار الكتابة
للكتابة العربية تطورات شتى تنقلت فيها من حالٍ إلى حالٍ، وتلك الأطوار لا تشمل حياتها المادية فقط، بل حياتها الأدبية والعقلية وأشهرها ثلاثة مواقف وهي: موقف في الحيرة قبل ظهور الإسلام بردح من الزمن، وموقف في الكوفة، وموقف في بغداد والثلاثة كلها جمعاء عراقية صميمة كما ترى.
٣ - الموقف الأول وهو طور الخط الحيري أو الانباري أو
الجزم
أما شهادة المؤرخين على الموقف الأول فقد نطق بها كثيرون من مؤرخي العرب الأقدمين، إلاَّ أننا نجتزئ بذكر شهادة أقدمهم وهو البلاذري فقد قال في كتابه فتوح البلدان (ص ٤٧١ من طبعة الإفرنج) ما هذا نقله (حدثني عباس بن هشام بن محمد بن السائب الكلبي عن أبيه عن
стр. 916
جده وعن الشرقي بن القطامي قال: اجتمع ثلاثة نفر من طيىء ببقة وهم: مرامر بن مرة واسلم بن سدرة وعامر بن جدرة فوضعوا
стр. 917
الخط وقاسوا هجاء العربية على هجاء السريانية، فتعلمه منهم قوم من أهل الانبار، ثم تعلمه أهل الحيرة من أهل الانبار. وكان بشر بن عبد الملك أخو اكيدر بن عبد الملك بن عبد الجنّ الكندي ثم السكوني صاحب دومة الجندل يأتي الحيرة فيقيم بها الحين، وكان نصرانياً، فتعلم بشر الخط العربي من أهل الحيرة، ثم أتى مكة في بعض شانه فرآه سفيان بن أمية بن عبد شمس، وأبو قيس بن عبد
مناف بن زهرة بن كلاب يكتب فسأَلاه أن يعلمهما الخط فعلمهما الهجاء. ثم أراهما الخط فكتبا ثم أن بشراً وسفيان وأبا قيس أتوا الطائف في تجارة فصحبهم غيلان بن سلمة الثقفي فتعلم الخط منهم وفارقهم بشر ومضى إلى ديار مضر فتعلم الخط منهُ عمرو بن زرارة بن عدس فسمي عمرو الكاتب ثم أتى بشر الشام فتعلم الخط منه ناس هناك وتعلم الخط من الثلاثة الطائيين أيضاً رجل من طابخة كلب فعلمه رجلاً من أهل وادي القرى، فأتى الوادي يتردد فأقام بها وعلم الخط قوماً من أهلها.) اهـ
ومما تقدم بسطه ترى انه من الصواب سمي هذا الخط بالخط الحيري أو الانباري إشارة إلى معدن نقله أو وضعه أو تعلمه.
ويسمى أيضاً: (الجزم) إلاَّ أن العرب قالوا في سبب تسميته به قولاً جمعوا فيه الصحة إلى الضعف وقد لخصه صاحب القاموس بهذه الكلم: (الجزم هذا الخط المؤلف من حروف المعجم لأنهُ جزم أي قطع عن خط
стр. 918
(حمير) فقوله جزم أي قطع عن خط آخر صحيح إِلاَّ أنه لم يصب في تعيين اسم هذا الخط بخط حمير. فالأصح الموافق للاكتشافات العصرية ولأقوال العرب أنفسهم هو أن يقال لأنه جزم عن خط السريان أي الاسطرنجيلي.
وأما الخط المسند أو خط حمير فهو خط آخر لا مشابهة ولا مناسبة له مع الجزم. والمسند عبارة عن حروف تكتب منفصلة بعضها عن بعض. وإنما نسب إلى حمير لما كان لملوكهم من النفوذ العظيم في العرب أو لأنه كان خاصاً بحمير فقط ومنهم اقتبسه سائر الناس في ديار الحبش وغيرها من البلاد المجاورة لليمن.
ولم تكن قريش تعرف المسند بل كانت تكتب بالجزم قبيل الإسلام ولذلك قال رجل كندي من أهل دومة الجندل يمن على قريش:
لا تجحدوا نعماء بشر عليكم ... فقد كان ميمون النقيبة أزهرا
أتاكم بخط الجزم حتى حفظتم ... من المال ما قد كان شتى مبعثرا
فأجريتم الأقلام عوداً وبداة ... وضاهيتم كتاب كسرى وقيصرا
وأغنيتم عن مسند الحيّ حميراً ... وما كتبت في الصحف أقلام حميرا
وما زال ذلك الخط يعرف بالجزم قبل الإسلام حتى اختط المسلمون (كوفة الجند) فأصبحت قاعدة تلك البلاد. فاستعمله أهلها فنزع منه لقبه الأول واشتهر بالكوفي. وهذا هو دوره
الثاني.
إلاَّ أنه اشتهر في ذلك العصر خط آخر هو أصل الخط النسخي المعروف في عصرنا هذا وهو الخط الذي كان يظن أنه من وضع ابن مقلة على أن مكتشفات المستشرقين والعرب العصريين فندت هذا القول القائل وقد
стр. 919
ظهر للعيان أن للخط النسخي مشابهة عظيمة للخط النبطيّ الذي كان معروفاً عند تجار النبط في جوار سلع والبتراء ونواحيهما. وهذا الاكتشاف يحدو بنا إلى أن نقول أنه كان قبل ظهور الإسلام خطان عند العرب: خط له مشابهة كلية للآرامي الاسطرنجيلي وهو المعروف بالجزم وكان يكتب به العرب المجاورون لديار العراق. وخط كان له مناسبة بينة لخط الأنباط وهو الخط النسخي. وكان يكتب به العرب المجاورون لديار الشام وكان يعرف بالخط الجليل (عن القلقشندي) وقد أشار إلى وجود هذا القلم الأخير ابن النديم في كتابه إذ يقول: أول من وضع الخط العربي. . . قوم من العرب العاربة نزلوا في عدنان بن ادّ. . . فلما استعربوا وضعوا الكتاب العربي. . .)
وأما وجود مثال من الخط العربي النسخي قبل الهجرة فظاهر مما يحرز في دار الكتب الخديوية وقد كتب على البردي أو على الخشب أو على نحوهما مما لا يبقي ريباً في هذه الحقيقة التي أصبحت في قيد الحقائق المكينة التي لا تتزعزع. ونسبته إلى ابن مقلة خطأ اللهم ألاّ أن يقال لأنه حسنه وصوره على أبدع صورة فيجوز ذلك من باب التوسع في وضع معاني الألفاظ لا من باب الحقائق التاريخية المقررة.
٤ - الموقف الثاني وهو طور الخط الكوفي
كانت الغاية من وضع الخط تقييد ما يراد إثباته على تراخي أستار الأزمان أو اطلاع آخر على فكر الكاتب أن كان بعيداً عنه أو قريباً منه أن زماناً وأن مكاناً فكان رسم الحروف أو نقشها أو حفرها ليس من الشان في شيء. وكان كاتب النعمان بن المنذر وغيره من زعماء العرب لا يعرفون
стр. 920
إلاَّ خط رسائل الملوك ورقعهم المنفذة إلى العمال. ولم تكن كتابتهم كتابة تدوين العلوم لأنها كانت يومئذٍ تابعة لحالة أدب العرب وكان اغلب العرب عهدئذٍ لا يعنون بشؤون العمران والتمدن إلا عرب اليمن فانهم كانوا أرقى حالاً وحضارةً من سواهم.
فلماذا دان العرب بالإسلام وانتشر في البلاد هو والقائمون به واحتاج المسلمون إلى مجاراة
الأمم الراقية المعاصرة لهم رفضوا تلك السذاجة والبداوة وطرقوا بابي التدوين والتأليف ولا سيما من احتل منهم ديار الشام والعراق ومما اضطروا إلى وضعة كتب القضاءِ ودواوين الخراج لوجود الذميين في بلادهم وتقييد ما يؤخذ منهم لكي لا يعودوا إلى أخذه ثانية حفظاً لذمتهم من مال الظلم والخداع.
لبثت الكتابة بعيدة عن الترجمة في بادئ الأمر لأن العرب لم يكونوا قد احتكوا بعد بأمم العالم احتكاكاً تاماً. بل كانوا في بدءِ الاختلاط لا يعرفون الحضارة ولا ضخامتها الزاهرة فصح لنا أن نسمي الخط الكوفي (بخط الفتوح والانتشار) لا خط الفن والعلم لأن حظه من ذلك الاسم أوفى وأوفر. ألم تزل اغلب الآثار العربية الإسلامية في شرق البلاد وغربها بالخط الكوفي كما أن اغلب المخطوطات القديمة هي بالخط النسخي الذي حسنه ابن مقلة فصار خط العلم والأدب، خط الإنشاء والتحرير، خط التنميق والتحبير. وهذا هو طور الكتابة الثالث.
الموقف الثالث وهو طور الخط النسخي
قد تقدم القول على أن النسخي كان معروفاً قبل الإسلام لكنه لم يكن
стр. 921
شائعاً إلا في شمالي جزيرة العرب من جهة ديار الشام. فلما اخذ العرب بالتبسط في العمران ورأوا صعوبة الخط الكوفي، ولا سيما عدم انقياده لسرعة الكتابة إجابة لسرعة الخاطر، عدل الناس عنه إلى الخط النسخي وكان ذلك في أواخر خلافة بني أمية وأوائل خلافة بني عباس على ما نقله القلقشندي في كتابه (صبح الأعشى في كتابة الإنشاء) المطبوع منه الجزءُ الأول في مصر القاهرة. ثم قال: (أن كثيراً من كتاب زماننا يزعمون أن الوزير أبا علي بن مقلة (المتوفى سنة ٣٢٨هـ - ٩٣٩م) هو أول من ابتدع ذلك وهو غلط. فأنا نجد من الكتب بخط الأولين فيما قبل المئتين ما ليس على صورة الكوفي بل يتغير عنه نحو هذه الأوضاع المستقرة قال أبو جعفر النحاس في صناعة الكتاب: يقال أن جودة الخط انتهت إلى رجلين من أهل الشام يقال لهما: الضحاك واسحق بن حماد وكانا يخطان (الجليل) (قلنا هو هذا الخط النسخي في أول عهده نقلا عن الأنباط). قال صاحب إعانة المنشئ: وكان الضحاك في خلافة السفاح أول خلفاء بني العباس وإسحاق بن حماد في خلافة المنصور والمهدي. . . وانتهت رئاسة الخط بمصر إلى طبطب المحرر جودةً وأحكاماً. . . وكان أهل مدينة
السلام يحسدون أهل مصر على (طبطب) و (ابن عبد كان) يعني كاتب الإنشاء لابن طولون. ويقولون: بمصر كاتب ومحرر ليس لأمير المؤمنين بمدينة السلام مثلهما.
قلت (أي القلقشندي) ثم انتهت جودة الخط وتحريره على راس الثلاثمائة إلى الوزير أبي علي محمد بن مقلة وأخيه أبي عبد الله. قال صاحب
стр. 922
إعانة المنشئ: وولدا طريقة اخترعاها؛ وكتب في زمانهما جماعة فلم يقاربوهما وتفرد أبو عبد الله (بالنسخ)؛ والوزير أبو علي (بالدرج). وكان الكمال في ذلك للوزير وهو الذي هندس الحروف وأجاد تحريرها وعنه انتشر الخط في مشارق الأرض ومغاربها. . . ثم اخذ عن ابن مقلة محمد ابن السمسماني ومحمد بن أسد وعنهما اخذ الأستاذ أبو الحسن علي بن هلال المعروف بابن البواب المتوفى سنة ٤١٣هـ - ١٠٢٢م وهو الذي اكمل قواعد الخط وتممها واخترع غالب الأقلام التي أسسها ابن مقلة. . . وممن اخذ عنه محمد بن عبد الملك وأخذت الشيخة المحدثة الكاتبة زينب الملقبة بشهدة ابنة الابري. وعنها اخذ أمين الدين ياقوت. اهـ
ثم نبغ بعده أبو الدر ياقوت بن عبد الله الرومي الحموي المتوفى سنة ٦٢٢هـ (١٢٢٥م) ووليه أبو الدر ياقوت المستعصمي المتوفى سنة ٦٩٨هـ (١٢٩٩م) ومنذ ذاك الحين اشتهرت الأقلام المختلفة ونبغ بكتابتها ورسمها جماعة منهم عبد الصيرفي ويحيى الصوفي والشيخ احمد السهروردي وغيرهم يطول ذكرهم على غير طائل.
الشيخ محمد سعيد السويدي
-
الشيخ محمد سعيد بن احمد بن عبد الله السويدي ولد في سنة ١١٨٠هـ - ١٧٦٦م. وكان أحد مرشدي الطريقة النقشبندية. وقد برع في العلوم سيما في التصوف منها واخذ الطريقة فيه عن الشيخ خالد. والعلم عن والده وعمه الشيخ عبد الرحمن وغيرهما ودرس مدة مديدة في مدرسة
стр. 923
جامع داود باشا في جانب الكرخ قرب مقام الخضر. وله مؤلفات منها: كتاب إيصال الطالب للمطلوب في التصوف. منه قوله عن لسان القوم في مدح النبي (ص).
علامات إخلاص الثناء لها رفع ... لجزم انخفاض السؤل أو نصب المنع (؟)
علانية ينجاب في مظهر الخفا ... سناها إذا في المصطفى خصها السمع
عنان العلى عهدا لولا شافع الملا ... مزيح البلى محيي البلا لو بلا النفع
وكانت وفاته في سنة ١٢٤٦ هـ - ٢ آذار: ١٨٣١م ودفن في جوار الشيخ معروف الكرخي ولم يعقب سوى ولدين وهما الشيخ نعمان واحمد.
٨ - الشيخ محمد امين السويدي
-
هو أبو الفوز محمد أمين بن علي بن محمد سعيد بن عبد الله السويدي.
стр. 924
ولد في أواخر سنة ١٢٠٠هـ - ١٧٨٦م واخذ العلم عن والده وعن الشيخ علي الموصلي وعن فحول زمانه واشتغل بالتأليف في حياة والده وهو ابن خمس وعشرين سنة فألف التآليف المفيدة وهو اكثر السويديين تصنيفاً. منها: كتاب الجواهر واليواقيت في معرفة القبلة والمواقيت. وكتاب التوضيح والتبيين شرح كتاب والده العقد الثمين في العقائد. وكتاب الكوكب الزاهر في الفرق بين علمي الباطن والظاهر. وكتاب الصارم الحديد في عنق صاحب سلاسل الحديد رداً على الأثني عشرية. وكتاب معين الصعلوك شرح السير والسلوك في التصوف. وكتاب سبائك الذهب في انساب العرب وقد طبع على الحجر في بغداد سنة ١٢٨٠ وكتاب المواهب الإلهية شرح قصيدة البوصيرية مع تخميسها لوالده. وكتاب قلائد الفرائد شرح المقاصد للإمام النووي. وكتاب السهم الصائب في الرد على من طعن في حضرة الشيخ
خالد وكتاب فتح المنان في مواعظ شهر رمضان وكتاب مختصر التحفة الأثني عشرية للحافظ غلام مليح الدهلوي. وكتاب شرح تاريخ ابن كمال باشا. وشرحان على مقاصد الإمام النووي أحدهما مطنب والآخر موجز. وشرحان على متن التعرف في الأصلين والتصوف واحد مطول والآخر مختصر سمي المطول منهما وقلائد الدرر في شرح رسالة ابن حجر. وكتاب التحفة المرضية مختصر الترجمة العبقرية. وله رسائل في كثير من الفنون منها: رسالة في إجازة الوقف مدة طويلة. ورسالة على عبارة الدر في الأوقات المنهية للصلوة فيها. ورسالة على عبارة من تفسير الإمام البغوي في بحث
стр. 925
الحمد. ورسالة في شرح تاريخ معمي. ورسالة في الانتقاد على ما في الأحياء من الأحاديث. ورسالة في الواجب. ورسالة تشتمل على ثلاثة أجوبة في النحو والكلام والفلسفة. ورسالة عن سوال بعض الصوفية في بحث الاقتداء. ورسالة في حل لغز بهاء الدين. ورسالة في حل لغز في الموم. ورسالة في حل عبارة القاموس في بحث ورد الإبل. ورسالة في حل لغز في الماشة. وله أرجوزة في هجو الفلاسفة وردهم. وله مقامات بليغة وشرح الغاز عالية. ورسالة في المولد النبوي. ورسائل أخرى في كثير من المسائل الفقهية غاب عنا أسماؤها وله شعر منه قصيدة في مدح النبي (ص) مطلعها:
سما في امتداح المصطفى الفكر والحدس ... وراق رقيق الشعر واتقد الحس
وكانت وفاته في سنة ١٢٤٤هـ - ١٨٢٨م وقد قرأت في بعض المجاميع أنه توفي سنة ١٢٤٦هـ - ١٨٣٠م في قرية بريدة إحدى قري نجد ودفن فيها وذلك عند رجوعه من الحج ولم يعقب ابناً.
٩ - الشيخ عبد الرحيم السويدي
-
هو عبد الرحيم بن محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله السويدي. ولد في بغداد سنة ١١٧٥هـ - ١٧٦١م واخذ العلم عن أبيه وعن عمه الشيخ علي. وعن الشيخ محمد الكردي وعن غيرهم من فطاحل زمانه. وكان سلفي العقيدة له اليد الطولى في سائر العلوم سيما في الحديث منها. وله مؤلفات منها: كتاب أقوم المسالك في شرح كتاب عمدة السالك في فقه
الإمام الشافعي. وحاشية وشواهد على شرح قطر الندى في النحو وقد طبعت مع
стр. 926
الأصل في بغداد سنة ١٣٢٩هـ ورسالة في علم الكلام وله شعر منه قوله من قصيدة في الإمام علي بن أبي طالب (ع).
حثثنا عتاق الخيل تستبق الطرفا ... فاكرم به سيراً واكرم به طرفا
فلما توسطنا الطريق أنار من ... منار علي نيرٌ قط لا يخفى
فصرنا نقد البيد طياً لنشرها ... خطاً ما خطت بل خط في اجرها لفا (الخ)
وكانت وفاته في بغداد سنة ١٣٢٧هـ - ١٨٢١م ودفن داخل جامع الشيخ معروف الكرخي.
١٠ - الشيخ سليمان السويدي
-
هو سليمان بن محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله السويدي. اخذ العلم عن الشيخ احمد السويدي والشيخ رسول بن احمد الشهير بالشوكي والشيخ عبد الرحمن الكردي وغيرهم. وله مؤلفات منها: كتاب الفوائد السنية شرح مختلطات الشمسية ورسائل لم تحضرنا أسماؤها. توفي في بغداد سنة ١٢٣٠هـ - ١٨١٤م ودفن في مقبرة الشيخ معروف الكرخي ولم نعثر على تاريخ ولادته.
هذا ما حصلنا على جمعه من مآثر السويديين وأحوالهم وقد جمعنا جميع ما نشرناه من عدة مجاميع متفرقة وكتب وعلى ما علمنا أننا لم نترك من مؤلفاتهم سفراً إلا ذكرناه ولم نبق من رجال السويديين أحداً من الذين ألفوا إلاّ دوناه سوى رجلٍ واحدٍ منهم لم يعرف بالتأليف إلا أنه عرف بالفضل والنبل والتقوى وهو الشيخ نعمان بن محمد سعيد بن احمد بن عبد الله السويدي وهو والد حضرة العالم الفاضل الجهبذ السري الشيخ يوسف أفندي السويدي
стр. 927
أحد أعضاء مجلس ولاية بغداد الحالي. ومن أحفاد الشيخ نعمان: الأدباء الفضلاء إبراهيم ناجي أفندي قائم مقام النجف الحالي وعارف حكمت أفندي قائم مقام الكوت الحالي وعلي ثابت أفندي كاتب معية (أي حاشية) الولاية وسليمان توفيق أفندي طالب في مكتب الحقوق في باريس وكلهم أولاد الشيخ يوسف أفندي السويدي. حفظهم الله جميعاً ووفقهم لما فيه نفع الأمة والوطن.
وكان الشيخ نعمان المتقدم الذكر اسمر اللون طويل القامة من السالكين في الطريقة النقشبندية.
وكانت ولادته سنة ١٢١٥هـ - ١٨٠٠م وقد توفي صبيحة يوم الثلاثاء قبل طلوع الشمس لسبع عشرة ليلة خلت من شهر رجب سنة ١٢٧٩هـ - ١٠ كانون الثاني ١٨٦٣م ودفن في مسجد الشيخ معروف الكرخي قريباً من الحرم عن يمين الداخل إليه. عطر الله ثراه واكرم مثواه.
كاظم الدجيلي
كتب القراءة
وطريقة التدريس عند الشيعة في العراق
١ - مدخل البحث
العلوم التي يدرسها الشيعة في العراق اغلبها دينية، وغير الديني منها قليل قارئوه. وربما قرأ أحدهم علماً من الرياضي كالحساب ليفهم به مسألة فقهية حق معرفتها.
٢ - كثرة كتب الدين عندهم وسببها
يقدرون الكتب الدينية اكثر من غيرها، كما أن للعالم الديني مؤثراً قوياً في تكييف اجتماعهم، فهو مقدس الإرادة اكثر من كل وازع. وقد اكثروا
стр. 928
من تصنيف هذه الأسفار لفرط عنايتهم بأمور معادهم ولشدة مقاومتهم لمن ناوأهم في القرون الخالية. وأنت تعلم أن المقاومة تستثير القوى الكامنة. ولذا يشتد الضعيف عندما يحاول غيره أن يقهره ويذله.
٣ - مدن دور العلم
ولا بد لهم (ولا يزال ذلك إلى الآن) مدينة يسمونها (دار العلم) يهاجرون إليها من أطرافهم الشاسعة لدرس هذه العلوم. فاصفهان وحلب والحلة وقم (كن دور علم)، والنجف هي الآن من دور العلم لهم. فهم يتهافتون إليها من البلد النازح ولعلنا نكتب شيئاً عنها في دفعةٍ أخرى.
٤ - كتب التدريس وكتب القراءة
ومن كتبهم هذه ما يدرسونه، ومنها ما يرجعون إليه. وكتب القراءة ما برحت في تغير وتبديل. وبالأخص كتب الفقه والأصول. فأن المجتهد إذا أصبح ذا نفوذ وعمت كلمته درس كتابه وأشاعه على نسبة ما له من المنزلة. فأن استحسنه أهل عصره بقي وإن مات مصنفه. وإلا مات بموته.
أما الشرائع وشرح اللغة لنجم الدين المحقق ولزين الدين الشهيد الثاني من كتب الفقه فأنها قاومت كل جديد وقتلت من نازعها فعمرت وغمرت.
٥ - أسلوب التدريس
التدريس يكون أما في الكتاب بأن يشرح الأستاذ للتلميذ عبارته ويوضح غامض معناه فيسمونه (القراءة السطحية). وأما أن يتواطأ الأستاذ والتلامذة على كتاب مخصوص وينظرون مسئلة معينة منه ثم يأتي مجلس الدرس الأستاذ والتلامذة فيجتمع هؤلاء حول ذاك فيلقى عليهم نفس المسئلة يعرض عليهم رأيه فيها ولا ينفضون إلا وقد تبين لهم الأمر فيسمونه (الحضور الخارجي) والطالب ما لم يفرغ من كثير من (السطوح) لا يستفيد من هذه الدروس. واليوم لا يدرسون هذا التدريس إلا الفقه والأصول.
٦ - العلوم التي يدرسونها
أما العلوم التي يدرسونها في هذا العصر فأول ما يقرءونه النحو والصرف والكتب التي يقرأها عرب الشيعة في ذين العلمين غير ما يقرأها فرسهم.
стр. 929
أما كتب العرب فأول ما يقرأ الطالب: كتاب الاجرومية، وهو متن صغير في النحو لابن آجروم المتوفى سنة ٧٢٣هـ (١٣٢٣م) والتصنيف حسن جداً. لكن الأطفال قد مسخته وشوهت ديباجته بما أضافوا إليه وما نقصوا منه لما انتهت نوبته إليهم. وبالجملة ليس لابن آجروم في كتابنا الحاضر إلا ترتيبه إذ لا تكاد تجد نسختين منه متفقتين في ما تحتويان من المسائل.
ومن بعده (شرح قطر الندى) لابن هشام وهو كتاب جامع لكثير من أبواب النحو. والشيعة تقرأه منذ أزمان طوالٍ. فقد قرأه الشيخ يوسف البحراني على علي بن عبد الصمد سنة ١١٣٧هـ (١٧٢٤م) كما في لؤلؤة البحرين والروضة لابن شفيع.
ومن بعده (شرح الخلاصة) لابن الناظم وهو كتاب طويل يخسر فيه الطالب شطراً من عمره على غير جدوى. وقد قرأه ومتنه الشيعة من قديم. ففي إجازات البحار وفي منبع الإفادات تاج الدين عبد العلى قرأ علي محمد بن مكي الشهيد الأول كتاب الخلاصة لابن مالك سنة ٧٧٠هـ (١٣٦٨م) وهو يرويه عن مصنفه. وكذا الشيخ يوسف البحراني قرأ الشرح لابن الناظم سنة ١١٣٨ هـ (١٧٢٥م) على أستاذ قرأه على آخر إلى المصنف. وفي السلسلة عدة من الشيعة كما في اللؤلؤة.
والكتاب إذا قرأه عالم عصره يعلم أنه كتاب يدرس فيه. ومع هذا الشرح يقرءون شرح
النظام في الصرف وقد يقرءون قبله كتاباً صغيرة في التصريف والصرف إلا أن الطالب لا يحتاج إلى قراءتها إن أتقن ما تقدم لما فيه من القواعد التصريفية والصرفية التي تكون كمدخل لهذين التاليفين. أما إذا أنهى الخلاصة فقد قرأ شيئاً كثيراً من الصرف فأن في آخرها باباً له. والواجب أن لا يقدم النحو عليهما. إلا أن عادتهم على خلافه.
ومن بعد هذا يأخذون كتاب المغني لابن هشام ويقرءون من الباب الأول وشيئاً من الثاني واكثر الرابع واكثر ما في هذه الأبواب ليس من النحو في شيء. فالباب
стр. 930
الأول معجم صغير في اللغة ذو خطة مخصوصة وأما الثاني والثالث فكل ما فيهما جدال ونزاع ونقض وإبرام وعلل باردة يتعلم الطالب منها الجدل العملي اكثر من النحو. وقد قرأه الشيعة من قبل كما جاء في عدة من إجازات علمائهم. ومنهم الشهيد الأول قرأه وهو يرويه عن مصنفه.
وكانوا قبله يقرءون (النكت) في النحو وقد قرء على ابن زهرة سنة ٥٨٣هـ (١١٨٧م) (واللمع) لابن جني وقد قرء على علي محمد بن مكي سنة ٧٧٠هـ (١٣٦٨م) (والكتاب) لسيبويه وقد قرء على محمد بن إبراهيم وهو يرويه عن مصنفه.
وأما الفرس منهم فيقرءون (جامع المقدمات) وهو مجموعة كتب فيه (عوامل) الملا محسن (والنموذج) للزمخشري (والصمدية) وغيرها من كتب التصريف والصرف والنحو. ثم شرح السيوطي لخلاصة ابن مالك. ثم شرح الجامي. فلا يفرغ هذا العربي والفارسي إلا وقد دفنا شبابهما في أعماق مغالطات واعتراضات قليلة الجدوى. وبعد هذا كله لا ترى هذين العلمين الآليين في دماغيهما إلا كالسيف في يد الخطيب.
ومن عجيب أمر علم النحو أن لكل من المصري والتركي والهندي طريقة خاصة غير طريقة الأخر.
ثم يشرع الطالب في علم المنطق ولا يقرأ من كتبه عندهم إلا حاشية الملا عبد الله وشرح الشمسية لقطب الدين. وإذا أراد التوسع قرأ شيئاً من شرح المطالع. وهذان الشرحان من الكتب التي كانوا يقرءونها سابقاً فقد قرأهما عبد الصمد والد البهائي على الشهيد الثاني سنة ٩٥٩هـ (١٥٥١م) وكثير من علمائهم. وكانوا يقرءون (الجوهر النضيد) للعلامة ابن المطهر. - وهذا العلم قد حرمه جماعة من المسلمين حتى شاع بينهم: (من تمنطق فقد
تزندق)
ويقرءون مع هذا العلم بعض الرسائل الفقهية كالتبصرة للعلامة، والرسالة التي يضعها عالم الوقت لمقلديه ويسمونها (رسالة عملية) وبعد هذا يقرءون علم المعاني والبيان. ولا يقرءون من كتبه إلا المطول للتفتازاني واكثر الطلبة لا يقرأ
стр. 931
علم البديع منه وكان سلفهم يقرأ في هذا العلم (الفوائد الضيائية) وشرحها للمرتضى. وشرح المفتاح للسيد الشريف. والمطول. وهذا الأخير قرأه بن أبي جمهور الاحسائي سنة ٩٠٠هـ (١٤٩٤م) والشيخ يوسف البحراني كما في إجازتيهما وغيرها من علمائهم.
ولي كلمة أقولها في هذا الكتاب وهي: إن عبارته أشكل من معناه، وفيه من النحو وفلسفته والمنطق وأدلته وغيرهما من العلوم اكثر مما فيه من علمي المعاني والبيان.
ومعه يقرأ كتاب الشرائع في الفقه للمحقق وهو الكتاب المشهور عند الشيعة ذو الحواشي والشروح الكثيرة. ثم يشرع في أصول الفقه وأول كتاب يقرءونه منه (كتاب المعالم) للشيخ حسن وقد يقرأ قبله (المبادئ والمعارج) وكتاب المعالم فصيح العبارة سهل المأخذ يقرأ منذ أن صنف إلى اليوم. ثم الكتاب الأول من (القوانين) للميرزا القمي ويقرءون معه (شرح اللمعة) في الفقه. وهذا في المنزلة عندهم كالشرائع. ثم كتاب الرسائل في الأدلة العقلية للشيخ مرتضى الأنصاري. وهو العمدة في كتب الأصول. ويقرءون معه من كتب الفقه أما (الرياض) وأما (كتاب المكاسب) لهذا الشيخ. والرسائل والمكاسب كتابا نظر واجتهاد لا يتقنهما الطالب إلا بعد الكد والاشتغال الكثير. أما اليوم فقد شاع بينهم (كتاب الكفاية) للشيخ الأعظم الملا كاظم الخراساني. والكفاية كتاب رغب مشتغلوهم فيه لاختصاره وكثر مسائله وجودة مطالبه وصحتها. وهو جزءان: جزء في مباحث الألفاظ وآخر في الأدلة العقلية وقد قرأه عدة من المشتغلين وتركوا كتاب القوانين وقد طبع طبعة خامسة في إيران وبغداد. وفي ظني أنه بعد سنين يكون عليه المدار في علم الأصول. إلا أن عبارته مغلقة إلى الغاية ولو حرر هذا الكتاب وأفرغت مسائله في عبارات سهلة لما قرء غيره من كتب الأصول.
٧ - حضور الدروس
إن كان الطالب من ذوي الاجتهاد والتحصيل حضر الدروس الخارجية
стр. 932
فقهية كانت أو أصولية من حين قراءته للمعة والقوانين وألا حضرها بعد أن يفرغ من درس كتاب
القراءة. ويبقى إلى أن يحصل على ملكة استنباط الفروع من الأصول وعند ذلك يكون مجتهداً.
٨ - كلمتي الأخيرة
هذه هي الآن طريقة التدريس وكتب القراءة عند الشيعة في العراق وقد يقرءون كتاب شرح التجريد للقوشنجي. أو شرحه من علم الكلام للعلامة. ولما لم تتوقف مرتبة الاجتهاد على درس هذا العلم لم يكن من العلوم التي يجب قراءتها على الطالب. والشيعة كانت تقرأ قبلاً كتب أخبار أئمتهم الأربعة: الكافي، والاستبصار، ومن لا يحضره الفقيه، والتهذيب. حتى أني لم اقرأ إجازة من إجازات علمائهم السالفين إلا ورأيت المجاز قرأ على المجيز هذه الكتب أو أجازه روايتها عنه إلا ما ندر والنادر كالعدم. أما اليوم فلا يقرأ منها شيء. وكذا قل عن كتب التفسير فقد كانوا يقرءون سابقاً (مجمع البيان). أما هذه الأيام فلا يقرءونها. وكذا علم التجويد فقد رأيت عدة من علمائهم كانوا يقرءون (الشاطبية)
وغيرها من كتبه أما اليوم فقليل قارئوه.
النجف: عراقي
عش وحيداً
تجرد ما استطعت وعش وحيدا ... إذا ما رمت أن تحيى سعيدا
أرى الإنسان في دنياه يشقى ... إذا هو لم يعش فيها فريدا
فأن سدت الورى وافاك هم ... لأنك قط لا ترضى العبيدا
وإن تك بينهم عبداً ذليلاً ... تجد مولاك جباراً عنيدا
فإرضاء الخلائق ليس سهلاً ... ولو أفنيت دونهم الوجودا
لأن الخلق مختلفون طبعاً ... وطبعاً أن ترى فيهم جحودا
محال أن ترى في الدهر خلاً ... وفياً عن ودادك لن يحيدا
فكم من صاحب لي بعد عهد ال ... مودة والاخا نكث العهودا
وصفو العيش تلقاه إذا ما ... تركت الأهل والخل الودودا
وجبت الكائنات وأنت حر ... إلى حينٍ به تلقى اللحودا
وليس بضائر إن قيل هذا ... غدا متوحشاً عنا شرودا
إبراهيم منيب الباجه جي
стр. 933
المرأة المسلمة والتربية
لا ريب في أن المرأة أدرى من الرجل في التفكير في المستقبل؛ وليس المراد بها المرأة العديمة التربية والعلم، التي يكون منها دثور البيت لا تعميره ومنبع التعاسة والشقاء في الأولاد لا سعادتهم، بل نريد بها المرأة الأديبة صاحبة التربية الحسنة ذات الأخلاق الفاضلة فهذه هي التي يجدر بها الالتفات، هذه هي التي تستحق أن تحل في قلب الرجل، وأما إذا كانت عديمة الآداب والمعرفة منحملة عن مكانة الشرف والإنسانية فليست هي متعة وظيفتها النسائية ولهذا إذا رأينا عدم اعتناء الرجل بالمرأة الجاهلة وعدم استشارته إياها فذلك لما كسبت يداها.
وعليه كل امرأة أرادت أن تحفظ وظيفتها النسائية يجب عليها درس العلوم والآداب (قال نبي الإسلام) العلم فريضة على (كل مسلم ومسلمة) ويجب انتباه الأبوين إلى ذلك لأن الشيء الذي يحط قدر ابنتهما عن حالق ليس إلا الجهل.
أن التهذيب والتربية الصحيحة من الأمور الضرورية للأم لأن عليها قوام البيت وتربية نشئها الصغار قابلون لأن يتخلقوا بأخلاق كثيرة وأدنى سجية يعتادها ترسخ في أطباعه فإذا كان يحفظ خصالاً رديئة وتربية فاسدة وقد نشأ وبلغ (درجة الرجولة)، فلا يمكن أن تجتث تلك من أصولها وتزول عنه فإذا ترك والحالة هذه ونشأ على تلك الأخلاق الفاسدة والطباع المنحطة يفسد بفساده الكون فنتج أن تعليم المرأة أمر ضروري اكثر من تعليم الرجل.
المرأة العاقلة هي الحارس الأمين على الأولاد ومن الواجب اعتبارها كثيراً (لأن على ركبتيها تربية العالم) وعليها مدار الكون فالأب هو عضو القوة والعمل ونائب الأسرة (العائلة) ورئيسها فعلى الأب أن يقيدها في الأمور الخارجية ويجتهد على حفظها وعزها وأما المرأة فوظيفتها: المثابرة على الأمور الداخلية وغرس الآداب والسلام في قلوب من يحيط بها ويحوم حولها.
стр. 934
إن الرجل بقطع النظر عن المرأة غير كامل، كما أن المرأة ناقصة بدون الرجل ولا يكمل كل واحد منهما إلا إذا اجتمعا ويتقلد كل منهما وظيفته المنوطة به بدون اختلاس وظيفة الأخر.
أن البارئ قد أعطى كلا منهما خصائص ومميزات وبنى لكل جسماً يوافق استعمال
وظيفته: أعطى الرجل القوة والحماسة والجسارة والأقدام والثبات والوقار والأشغال الطبيعية الشاقة وأعطى المرأة اللطف وحركة الأفكار والإحساس الدقيق السريع والشعور الحي والحياء وقواها على الأعمال البيتية. فسعادة الرجل والمرأة أن يشغل كل منهما حيزه بدون اختلاس في الوظائف وتبادل في الأعمال وإذا تبادلا الأعمال والأشغال يحصل الاضطراب ويضمحل البناء ويخرب البيت وهذه كلها من النتائج اللازمة لتلك المقدمة وهاأنا امثل لك ذلك:
أن الرجل لو أعطي الحياء والمرأة أعطيت الجسارة فماذا يحدث في بيتهما؟ قلنا لاشك انه يتلاشى.
فآداب النساء هي عيوب للرجال نوعاً ما. فعلى المرأة أن تحفظ هذه المواهب وتمشي على سننها فالمرأة الأديبة الكاملة ليست هي الصامتة التي لا تبدي كلاماً قط؛ إنما المرأة الأديبة من كان حديثها بغاية العذوبة والرقة والظرف ومع ذلك لا يمكننا أن نقف على (الحقيقة) بالاختبار الشخصي أو الشفاهي إذا ليس الاختبار وحده علامة راهنة لمعرفة الآداب فيها بل أن أكبر علامة راهنة تكشف لنا الحقيقة فيها هي خصال أسرتها (عائلتها) وخصوصاً الوالدة فأن أخلاق الأباء تتصل بالبنين - وأما الآداب فأنها أيمر وراثي إذ تنتقل من الأباء إلى البنين.
أن الذين لهم عيال وليس لهم روابط قوية تربطهم بالآداب المحكمة هم اقرب إلى الرذائل منهم إلى الفضائل فلذلك يجب أن نتفكر بمستقبل هذه العائلة وأول فكر يخطر بهذا الخصوص هو الخطوة الأولى في الحياة وفي السير إلى المجد والشرف والارتقاء فالرجل الذي يفتكر في عائلته رجل شريف والعائلة التي تهتم بفردها عائلة شريفة ومن سلب هذه الحالة فأن الشرف بوادٍ وهو بواد.
نحن لا نبحث عن معنى العائلة اللغوي بتاتاً فهي جماعة صغيرة تتألف من والد ووالدة من بنين وبنات فلا جل أن يكون لها شرف ينبغي أن تكون الرابطة قوية
стр. 935
ينبغي أن نتذكر دائماً فنبث فيها التربية الصحيحة (ينبغي لكتابنا وعلمائنا ومدرسينا) أن يأتوا بالأساليب المهذبة للعائلات لتصلح في المستقبل تربية النشء الجديد وعلى الأخص البنات (والقرآن المجيد) يتكفل ببيان هذا المعنى فأنه (يوصي بالوالدين إحساناً وبالبنين تربية حسنة).
أن اعظم شيء فيما أظن يقوي روابط العائلات هو التذكر أنه لا يليق بالحي إلا أن يكون عضواً نافعاً غير مهمل فمتى اعتقد المرء هكذا بنفسه تذكر أنه يجب عليه أن يصلح ما لديه من ولدٍ وزوجة ليجعلهم نافعين صالحين فأنا إذا أكثرنا النصح والتأليف والكتابة بهذا الصدد يكون مستقبلنا احسن من ماضينا لأن ماضينا غير محمود، ماضي الجهل، ماضي لعب الأطفال بالأزقة والطرق، ماضي جهل البنات بتدبير المنزل، ماضي جهل الوالدين بحفظ صحة الأبناء.
أما المستقبل فيكون خيراً بفضل تقوية هذه الروابط واحب أن اذكر أن هذه الروابط لما كثرت في (أمة الإنكليز) كانت من الرقي والحياة بمكان لم يتسن لشعب أو أمة أن ينال مثله فالأمة الإنكليزية هي على ما تعلمون في سير حثيث إلى الأمام فانظروا كيف يجب أن تتعلم البنات، كيف يجب أن يتهذبن، ولكن يجب أن يحدد تعليم البنات، لأن الكلمة مطلقة المعنى فينبغي أن لا ترسل إرسالاً بل تحدد تحديداً.
بناتنا يجب أن يتعلمن تدبير المنزل، يجب أن يتعلمن القواعد العربية والتاريخ، يجب أن يكن ضليعات في اللغات الأجنبية، فأنها تساعد على التربية الصحيحة والأخلاق الفاضلة وتعين على التبصر في الحقيقة.
أن التعلم رابطة طبيعية إذا أهملناها أهملنا أنفسنا وإذا أتممناها نكون قد أخذنا لها قوة تدفع بها كيد من يريد كيدنا؛ فلو فككت هذه الرابطة وجعلتها في بعد عنك أصبحت كالعدم بالنسبة إليها وأنت وكل أحد يعلم مقدار ضعف الإنسان واحتياجه إلى التعليم والتهذيب فمن تذكر ضعفه ونقصه علم قيمة التهذيب والتعليم.
لا ينبغي أن نلقي سمعاً للذين يقولون (أن بقاء الأولاد وعلى الأخص البنات على هذه الحالة هي خير وأبقى) لا ينبغي أن نلفت إليه بل ينبغي أن نلقي سمعاً إلى من يقول أن بقاء البنات على ما هن عليه الآن، عثرة في سبيل تقدمهن وارتقائهن، عثرة في
стр. 936
سبيل مصالحهن وتثقيف عقولهن، عثرة في سبيل كل ما يرفعهن إلى مكانة الارتقاء.
كيف هؤلاء يقولون أن هذا التعليم مانع من الترقي؛ ويا ليتهم يأتوننا بمثال يصح أن يقال أنه مانع من الارتقاء.
لماذا ينقم البسطاء السذج على البنات المتهذبات تهذيبهن؟ لماذا يسوؤهم ذلك؟ ولأي شيء
ينكرون عليهن التعليم واكثر ما حوته الأماكن والأقطار من البنات عالمات ومتعلمات وليس بيننا إلا بعض الأقطار الفاسدة، العديمة التربية، الساقطة الأخلاق، المنحطة الطباع، التي نبذت التعليم ظهرياً وحرمته على البنات بتاتاً.
أن هذه الأحلام والوساوس ناشئة من الضعف الأخلاقي، ناشئة عن ضعف في التربية، من نقص في العلم؛ لا بل من قلة شعور وإحساس ولا أغلو إذا قلت أنها ناشئة عن عدم تدين كيف وقد سبق ما تكلفه (القرآن المجيد) والسير النبوية.
لا يعرف هؤلاء المتشدقون من تاريخ الإسلام شيئاً؛ هؤلاء نسوا أن للإسلام تاريخاً وعلوماً يضمن هذه المعاني ويكفل هذه الروح لو درسوا حقيقتها حادوا عن تلك الجادة المستقيمة.
نحن لا نقول أن العلم وحده هو العلاج لهذا الداء لأنا نأتي بكلام غير صريح ولا يؤيده العقل؛ أذن فلنعمل على التربية مع العلم وأن ما نراه من سقوط العائلات وضعف الروابط منشأه فقد العمل مع العلم ليس إلا، منشأه عدم الاهتداء إلى الطريق الواضحة، طريق الخير والصلاح، طريق السعادة والنجاح.
إذا عرفت أن سقوط البنت وعدم الالتفات إلى ما يصلحها ويرفعها إلى مكانة الشرف ويجلسها على كرسي السعادة هو سقوط عائلتها فلا شك انك تعرف أن الآداب والعيوب وراثية تنتقل بالوراثة. فالابنة الأصيلة تكون دائماً ذات حسب وشرف نفس فهي محمودة الفعال بحيث إذا كانت تريد أن تفعل منكراً ترى يداً غير منظورة تمنعها عن فعله. وكذلك تنظر إلى أمثالها فترى أنهن لم يفعلن ما كانت مزمعة أن تفعله فتقتدي بهن والاقتداء بفعل المعروف يساعد على ترك المنكر وكذلك خوفها من أن أحداً من أهلها يقف على حقيقة أمرها فيسوئها ذلك وقد يكون فعلها المنكر ضرراً محضاً يقع على رأسها.
فكل هذه أسباب تمنع الابنة الأصيلة عن فعل القبيح وتساعدها على حفظ
стр. 937
شرفها فتتحمل من الرجل السيئ الطباع والخلق ما يصدر منه ولا تبدي في ذلك كلاماً لم يجاورها.
ونريد بالابنة الأصيلة من تربت ونشأت في حجر عائلة لم يسمع عنها قط أمر قبيح ولسنا نريد بها الشريفة الغنية لأنا نشاهد أحيانا أن بعض العائلات وإن كان منسوبا إليهم الشرف قد يفعلون أفعالاً غير لائقة بشرفهم كما نرى من الأغنياء من لا يربون تربية حسنة.
أذن لا يدخل الشرف والغنى في التربية، بل الشرف والغنى في الأدب إذ بدون الآداب
ينحط الشرف ويتلاشى الغنى والحاصل أن خصال العائلة هي الأمر العظيم وأن أهم عضو رئيسي في العائلة الذي يقتضي له الاعتبار والالتفات هو الأم لأنها تنقل عيوبها إلى الأولاد بسهولة اكثر من الرجل لشدة اتصالها بهم وممازجتها إياهم سيما وهم في دور الطفولية التي يكون فيها المخ طرياً فترسم فيه العيوب بسرعة والأم توصل عيوبها إلى ابنتها اكثر من الولد لأن اكثر حياتهما معاً فكما أن الأم تورث ابنتها الحياة تورثها أيضاً الخصال.
ومن المتحقق أن الوداعة والتعقل وجميع الخصال الحميدة تبرز من عائلات مخصوصة كما أن قلة الأدب والشقاوة والرذالة والنذالة وجميع الخصال القبيحة تصدر من عائلات مخصوصة أيضاً ولا سيما من عائلة الأم لأن العرب تقول (ولد الحلال يشبه العم والخال) وفي المثل العامي (ثلثين الولد من خاله)
أنا كثيراً ما نشاهد أن الرجل إذا احب الاقتران بزوجة فأن أول ما ينظر إليه هو الجمال الذي هو حسن صورة أعضاء الجسم وتقاطيعه سيما الوجه بحيث يكون كل منها في غاية الظرف بالنسبة إلى الذوق البشري في الهيئة البشرية وهذا الجمال يميل إليه الإنسان ميلاً طبيعياً لأن من خواصه حب الجمال. والحاصل أن للجمال شاناً خطيراً مودعاً في قلب الإنسان.
أما العاري منه فلا يحوم حوله طائر الغرام. فيا أيها السامع تأمل واحكم واقرأ واعجب ومثل نفسك كأنها في رياض تفتحت ازهارها، وتنوعت ثمارها، وأينعت أغصانها وأشجارها، وغرد قمريها وهزارها فاختالت لديك حسناء ممشوقة القوام، مدنرة المحيا، بسامة الثغر، دعجاء العينين، قوسية الحاجبين، دجوجية الشعر أو هي
стр. 938
كالتي قال فيها واصفها:
لها مقلة كحلا وخد مورد ... كان أباها الظبي أو أمها مها.
فما يداهمك عندما ترى أول وهلة صاحبة تلك الصفات؟ أما يستفزك الشوق؟ فتقف على قدميك بقوة غريبة مدهشة وترى قوة كهربائية تجذبك نحو تلك المحاسن المسبوكة في تلك الذات اللطيفة وتنتظر منها أمراً كي تفدي نفسك دونها؟ الست بعد هذا الميل الغريب تتقدم وتساجلها بالكلام فتعرض عليها كل ما يهمها. فإذا كان جوابها: (تنح عني واتركني وشأني) وماذا يعنيك من أمري؟ فماذا يكون أثره عليك؟ ماذا يا ترى تكون احساساتك الأولى؟ أظن
انك تفقد نصفها وأما النصف الأخر فيبقيك جالساً على قدميك أمامها نصف ساعة وأنت تتأمل في وجهها وتراه عبوسا يضطرب من اقل كلمة وتظهر عليه هيئة الغضب في كل لحظة، تراها مفتخرة بنفسها متعجرفة خفيفة العقل متلاعبة جاهلة. . .
وإذا أوردت لها نوادر مضحكة وحكايات عقلية ترى وجهها (على حالته الأولى وفي سمته الأول) لا يتغير عما هو عليه فكأنه قطعة دم جامدة لا تتحرك أو صخرة صماء. وإذا ابتدأت أن تخبرك، ترى في أخبارها فتوراً أو برودة بل عدم تعقل لا بل قلة أدب. فماذا يكون من احساساتك عندما تشاهد ذلك؟ وما تظن بهذا الجمال الباهر العقول؟ وأظنك تفضل خروجها من رياضك على مكنها وأنت تنظر إليها فتشاهد بعد زمان عكس ما شعرت به أولا ومع ذلك فجمالها باق فما الذي غير حالك وجرح عواطفك؟ أظن الذي جرحك كونها خالية من الفضائل عارية من التربية.
صور نفسك مرة ثانية بهذه الرياض وتلك الأزاهير وهاتيك المياه والبساتين وقد وافتك فتاة أخرى إلا أنها بمنظر معتاد وتقدمت إليك بوجه هش بش خاضعة رأسها خافضة عينيها خجلا وحياء وكلمتك بصوت خافت وحديث مملوء من الرقة والعذوبة نظيفة الجسد والثياب لطيفة الحركات فصيحة المنطق موزونة الكلام أن سألتها أجابتك جواباً يشف عن المعاني الرقيقة فماذا تكون احساساتك عند ذلك؟ لا اشك أن تلك الشواعر المضطربة والعواطف
стр. 939
المجروحة في المرة الأولى عند نظرك الفتاة الأولى تتحول وتتنقل إلى هذه الثانية وتسامرها وتساجلها بالكلام المليح وتحول نظرك عن تلك الأولى.
فنتج عن ذلك أن الجمال الحقيقي هو خلاف الجمال المعروف والجمال الحقيقي هو اعتبار الهيئة الباطنة لا جمال الصورة فالوجه البشوش اللطيف فيه كل الجمال وهو الذي يحبه المحبون فالبشاشة واللطف يدلان غالباً على قلبٍ سليم خالٍ من الغش والسوء.
أما الوجه العبوس المضطرب فيدل على قلبٍ مملوء من الحقد والاعوجاج لا يخامره سوى الأفكار المحزنة، فمهما كانت تقاطيع الوجه فليس لها اعتبار إذا كانت خالية من الوداعة والبشاشة.
أن ذوات الجمال الصوري جاهلات متعجرفات قد عودهن الأباء منذ نعومة أظفارهن التربية الفاسدة والأخلاق الذميمة وحب الذات حتى أن اغلبهن يخفن على جمالهن فلا يلتفتن
إلى علم ولا فضل ولا أدب ولا شغل فيبقين جاهلات أميات مغفلات. وقصارى الأمر نهتف بلسان الدين وننطق بلهجة صادقة ونقول أن من الواجب انتباه الأبوين إلى تربية أولادهما تربية حسنة وأن يحترزا من وقوع أبناءهما في حبالة الجهل المظلم وأن يعوداهم طهارة الوجدان وصدق اللسان والأفعال الحميدة فأنها هي الجمال الحقيقي وأن لا يقفا عقبات في سبيل ما يصلحهم كما نشاهد مثل ذلك في أباء هذا العهد. وعسى أن لا يدوم هذا المانع حباً للدين والوطن والخير العام!
النجف:
محمد باقر الشبيبي
الاشتيار
أو جمع العسل في ديار الكرد
١ - توطئة
بلاد كثرت خيراتها، اشتهرت بخصبها، ووفرت حاصلاتها، وامتازت عن غيرها، بكثير من جلائل الأمور الزراعية، حتى باتت البلاد الراقية تحسدها على ما منحها الله من جودة التربة، وحسن المناخ، وغزارة المياه، وما أودعته فيها الطبيعة من الأسرار، ولكن أين الرجال العاملون الذين وهبهم الله شعوراً
стр. 940
ورحمة بالأقوام ليستفيدوا منها، ويشاطروا البلاد الراقية في زراعتها، وتأخذهم الغيرة على منافسة الأمم المتمدنة في جليل الأمور وحقيرها، حتى يأمن مجتمعهم نوائب الدهر وصولاته، لا بل ليرفعوا منزلة وطنهم فوق السماكين، أجل! أن هذه البلاد التي توفر فيها كل شيء لفي حاجة شديدة إلى رجال غير يعملون لمصلحة اوطانهم، ويحسنون استعمال ما فيها من القوى المادية والأدبية، فيسعون إلى تقويم مرافق البلاد الاقتصادية، بيد أن ذلك لا يكون إلا بالالتفات إلى الزراعة التي هي مصدر الحضارة ومادة الشعب إذ من ينابيعها تدفقت الثروة على الأمم من قبلنا وتتدفق عليهم من بعدنا، ولهذا عنوا بها عناية كبيرة ولو جاراهم أهل بلادنا لما مضى ردح من الزمن إلا وأصبحت ديارنا في مقدم الأوطان رقياً وحضارة والذي نوجه إليه أنظار القراء ورجالنا هو العسل في بلاد الكرد وكيفية اشتياره أو جمعه هناك فأنه والحق يقال من أهم الأمور الزراعية وأخطرها، فلو أن من بيدهم الحل والعقد أرسلوا إلى تلك الربوع رجالاً درسوا في معاهد أوربا الزراعية الكبرى صناعة جنى الشهد ثم جاءوا إلى أصقاع الكرد فعلموهم كيفية اشتياره على الأصول الحديثة، والقواعد الفنية المتبعة عند الأمم الناهضة لحصلت الأمة في وقت قصير على فوائد جمة، ولكانت تلك المواطن في حالة هي أرقى منها اليوم من الوجهة الاقتصادية، ولا بأس إذا لمحنا بمقالنا هذا إلى ما يفعله الأكراد عند جنيهم العسل على الطريقة المتبعة عندهم منذ القديم، ليقيس أهل الفن والخبرة على ما يجري من هذا القبيل بين الأقوام الراقية، والأقوام الباقية على فطرتها في الصناعة.
٢ - أقسام العسل وقيمه
ينقسم العسل إلى قسمين من حيث جودته ولذته: (الشهدة) وهو الذي استخرج منه الشمع، أو الذي لا اثر له فيه، و (الخام، أو عسل بكورة) وهو الذي لم يستخرج منه الشمع، واحسن عسل في ديار الكرد (عسل تيارية) - وهي بلدة تبعد عن الموصل أربعة أيام - ويأتي بعده في الجودة واللذة واللطافة (عسل رواندوز) وبعد هذا (عسل الجزيرة) - جزيرة ابن عمرو - وأثمانه
стр. 941
تختلف في بغداد بكثرة الوارد منه إليها وقلته، وجودة الموسم ورداءته، فعسل التيارية إذا قلت كمية الوارد منه ربما تجاوز ثمن الكيلو غرام ٦ غروش صحيحة، وإذا كان الوافد منه كثيراً ربما تنزلت قيمته إلى ٥ غروش فما دون وعسل رواندوز على قلة الوارد منه يساوي ثمن الكيلو غرام منه ٤ غروش وعند كثرته يهبط سعره إلى ٣ وعسل الجزيرة إذا كان موسمه جيداً والمحاصيل وافرة تهبط قيمة الكيلو إلى ٢٢ وقد بيع منه في أسواق بغداد في ربيع سنة ١٩٠٨ ب ٣، وأما إذا كان الموسم رديئاً فتتصاعد أثمانه إلى ٣.
وقد أمدنا أحد تجار العسل في بغداد بما جاء الحاضرة من العسل على طريق الموصل قال: كثرة العسل وقلته تابعتان بالطبع جودة الموسم ورداءته واليك معدل الوارد منه في خمس سنوات على وجه التقدير بالكيلو غرام:
سنة ١٩٠٨سنة ١٩٠٩سنة ١٩١٠سنة ١٩١١سنة ١٩١٢٢٥. ٠٠٠٣٠. ٠٠٠١٨. ٠٠٠٢٨. ٠٠٠٢٤. ٠٠٠ عسل تيارية١٥. ٧٠٠١٤. ٢٠٠١٦. ٨٠٠١٢. ٨٨٠١٠. ٧٥٠ راوندوز٦. ٠٠٠٧. ٩٠٠١٠. ١٠٠٩. ٤٥٠٥. ٤٦٠ الجزيرة٤٦. ٧٠٠٥٢. ١٠٠٤٤. ٩٠٠٥٠. ٣٣٠ ٤٠. ٢١٠فأنت ترى أن منفوقات سنة ١٩٠٩ اكثر بكثير من منفوقات سائر السنين وارداً السنوات هي سنة ١٩١٢، إذ أن منفوقاتها لا تكاد تذكر بجانب منفوقات السنين السابقة، ومنشأ ذلك - على ما قيل - ظهور دويبة كثيرة الشبه بالذبابة أكلت النحل فأبادت أكثره في بعض القرى، وعسل التيارية مشهور بشدة بياضه ولطاقته فهو احسن ما يكون في ربوع الكرد، ولا يستخرج منه شمع كثير، وأما عسل راوندوز فلا يؤكل إذ لا يستخرج منه الشمع ومثله عسل الجزيرة فهما إذا يكونان مائعين بعكس العسل التياري الذي هو عبارة عن قطعة واحدة صلبة.
стр. 942
٣ - كيفية جمع العسل أو الاستشيار
للأكراد مهارة عجيبة بجمع العسل واستشياره متبعة عندهم منذ العهد العهيد إلا أنها ويا للأسف بدون قواعد فنية. وخبرة علمية ولسوء تدبيرهم يعرضون نحلهم للهلاك ولو أنهم زادوا على عنايتهم بدويبات النحل وشغفهم بترتيبها اتخاذ الوسائل العلمية لذلك لتضاعفت حاصلاته وكثرت خيارته والنحل هناك قسمان: أهلي وجبلي. فالأهلي هو الذي يصطاده الاهلون من مغاور العسل في كهوف الجبال والأودية فيولد عندهم ويستدرون عسله ويستفيدون منه كما يستفيد الزارع من حدائقه وحقوله والفلاح من ماشيته وأنعامه. ولهذا السبب ترى في تلك المواطن أسراً كثيرة لا شغل لها إلا تربية النحل وخدمته وهم من عسله يرتزقون بل قل يعيشون عيشة مرضية وكثيراً ما نرى هناك أناساً أضحوا أغنياء من ذوي الأملاك والمزارع والقرى من وراء ذلك وكيفية تربيتهم النحل وجنيهم عسله يكون على الوجه الآتي:
أن كل من يملك ١٠٠٠ نحلة فاكثر يضعها في خلية (سلة) يشبه راقود أي (حب) يكون قطرها الأسفل غالباً قراب ٤٥ سنتيمتراً ويتراوح قطرها الأعلى بين ١٥ و٢٠ سنتيمتراً ويكون طولها متراً، وهي في اكثر الأوقات معمولة من عيدان (الطرفاء) يطلى ظاهرها بالطين الأحمر ويجعلون لكل خلية ثقبين: الواحد وهو الكبير في قاعدتها أو أسفلها والأخر وهو الصغير في قمتها أو أعلاها ومن هذا تدخل النحلة إلى داخل القفير فتعسل فيه؛ ويكون عسلها على قطر الخلية الأسفل فيجيء بشكل نصف دائرة، ويتراوح ثخنه بين ٣٥ و٤٠ سنتيمتراً وعندما يعلم صاحب الدويبات أن الكوارة ملئت عسلاً يأتي فيفتح الباب من قاعدتها ويأخذه وهو على تلك الحالة ويدع شيئاً قليلاً تأكل منه الدويبات ويطلق على مجموع الدويبات في العسالة اسم (شلح) وهو الثول بالعربية الفصحى وللدويبات في كل سلة رئيسية أو ملكة وكان العرب يظنون أنها ذكر واسمه عندهم اليعسوب والخشرم إلا أن البعض منهم ظنوا أنها أنثى كما صرح به ابن سيده في كتابه المخصص. والنحل - تتبع الملكة إلى حيث حلت وارتحلت، وأما أوقات تعسيلها فيبتدئ من آذار - (مارس) إلى حزيران - (يونيو)، أي
стр. 943
طول أيام الربيع.
٤ - النحل الجبلي أو البري
النحل الجبلي هو خلاف الأهلي ومأواه الجبال والوهاد وكيفية الوصول إلى مكمنه ومحل تعسيله يكون على الصورة الآتية: لما كان هذا النحل يأوي إلى أشجار الجوز والتين الكبار يخرق في جذوعها ثقوباً صغيرة يدخل منها فيجوفها ويعسل فيها فكان هم الأكراد ترصدها على عيون الماء فإذا أتت النحلة لترد الماء راقبوا حركاتها وامتطوا ظهور خيولهم السريعة الجري ولحقوا بها مسرعين وهي طائرة حتى تدخل الشجرة التي تأوي إليها فيأتي الأكراد ويحفرون حفرة أمام الشجرة التي فيها مباءة النحل ويوقدون فيها ناراً حامية، ويدون مثقب الشجرة بخلية وحينما يعلو الدخان ويتصاعد وينفذ قسم منه داخل الشجرة تهيج النحل وتموج فتروم التخلص من الدخان الذي يكاد يخنقها فلا تجد طريقاً غير الثقب فتخرج منه منذهلة فتقع في الخلية فيصيدها الأكراد، وإذا علموا أن جوف الشجرة خلا من النحل شقوا ساقها واستخرجوا العسل من باطنها. وفي بعض الأحيان يأوي النحل إلى مغاور في الجبال فيأتي الأكراد إليها ويخاطر أحدهم بنفسه فيغطي بدنه كله بجلد من جلود المعز ولا يبقي من جسمه إلا عيناه فينزل إلى تلك المغارة ورفقاؤه يدلون له دلواً فيملأه لهم عسلاً شهداً فيجرونه ويضعونه في ظروف ويكرر هذا الفعل مراراً إلى أن ينفذ ما في داخلها وإذا أراد الخروج شد حبل الدلو في وسطه وجره أصحابه إلى خارج.
وهناك علامات غير هذه وهي انهم يستدلون على وجود العسل والنحلة في الأشجار بالدب والدب مغرم بالعسل وهو يعرف الشجرة المملوءة عسلاً من الفارغة منه، فيأتي إليها ويمتص من ثقبها العسل فإذا رآه الأكراد قريباً من إحدى الأشجار علموا أنها مملوءة عسلاً فيطردون الدب ويتخذون لاصطياد النحل واستخراج العسل تلك الحيلة التي وصفناها آنفاً.
٥ - حقائق عن النحل
حكى لنا الذين أخذنا عنهم ما كتبناه حقائق نورد بعضاً منها إيقافاً للقارئ عليها قال: إن مرعي دويبة النحل أثمار التين وسائر الفاكهة والأزهار
стр. 944
بجميع أنواعها. ولذة العسل تابعة لمناخ الإقليم وجودة أثمار أشجاره، وكلما كان الإقليم جيد الهواء، عذب الماء، كثير الأشجار والأزهار، ازداد العسل حلاوة ولذة ورونقا، وأي قسم من أثمار كل إقليم يغلب على غيره بأثماره تجد طعمه ورائحته فيه، ولذلك تشم في عسل شهرزور وكركوك رائحة البرتقال
لأن النحلة ترعى هناك فقاحه، وهكذا قل عن كل قطر فأن القطر الذي يغلب فيه ورد البنفسج مثلا على بقية الأزهار يشم من عسله رائحة تشبه رائحة البنفسج وقس على ذلك بقية المواطن، قال: وخلايا العسل توضع في غرفة مسدودة الأبواب والمنافذ فيها ثقوب صغار تروح منها النحلة وتغدو، ويكون أمام الغرفة أشجار، وفي بعض الأحايين تغضب على أصحابها وتطير وتجعل الشجر الذي أمام غرفتها وكراً لها فتقف على غصن منها مجتمعة فيأتي صاحبها متخفياً ويقطع ذلك الغصن بمنشاره ويأخذ الغصن ويدخله بسرعة في مشوارة كان أعدها لمثل ذلك الوقت فيحبس النحل فيها، وربما عمل غير ذلك، وهو أن يأتي بعميرة طلى ظاهرها وباطنها بالدبس ثم يلقيها على الأرض فيتهافت عليها النحل لأنه يميل إلى الحلوى فيدخلها من باب مفتوح وللحال يسده صاحبها.
وقيل إذا غضبت النحل ولم تر أمام غرفتها شجرة تأوي إليها حلقت في الجو فلا تنزل في وكرها ومأواها إلا بعد أن يدق لها صاحبها بالطاسات أو بشيء يسمع له دوي في الفضاء، ومما يذكره عن النحلة إنها إذا لسعت الإنسان تورم جلده وربما هيجت فيه القيء لأن لسعها كلسع العقرب، وإذا اجتمعت النحلة على عصفور قتلته. والزنبور المعروف في العراق يقتل النحلة ويأكلها.
٦ - عسل هوزومير
هوزومير قرية تبعد عن شرقي زاخو يومين وهناك نهر يسمى (الهيزل) يدفع ماءه في الخابور بالقرب من زاخو والخابور يصب ماءه في دجلة بالقرب من قرية (بيش خابور) وهذا النهر يمر بين جبلين شامخين وفي الجانب الأيمن منه في أعلى قمة الجبل مغارة عزيزة المنال لا يمكن الوصول إليها وهي مملوءة عسلاً شهداً فيتخذ الأكراد هذه الوسيلة الآتية لاستخراج العسل منها وهي انهم يمدون
стр. 945
جسراً على الماء فيصلون إلى اسفل المغارة وهناك يمدون آنية وقدرواً كثيرة وبعد أن يفعلوا ذلك يعودون إلى الجبل الأيسر المقابل للمغارة فيرمون من موطنهم حجارة تسقط على ما هناك من الخلايا الظاهرة المملوءة عسلاً وتدهور ما فيها من الشهد في الآنية المعدة لقبوله آنية وضعت عند أسفل فوهة المغارة فإذا تم ذلك أتى الأكراد واخذوا ما وقع فيها ويقولون أن عسل تلك المغارة من ألذ ما يكون في ربوع الكرد، ومما هو جدير بالذكر أن أولئك الناس يستخرجون العسل من تلك المغارة من
مدة ٢٠٠ سنة على تلك الصورة وهو لا ينفذ وربك
عليم فوق كل ذي علم.
إبراهيم حلمي
الماء في النجف
النجف لم تسم بهذا الاسم ألا لعلوها عما يجاورها من الأرضين. لأن النجف في اللغة الأرض المستديرة المشرفة على ما حولها وتعلو هذه المدينة عما حواليها لا يصل إليها ماء البتة لأنها غير راكبة على نهر ولا على مجرى ماء عذب وأرضها كلسية البنية في بعض الإنحاء ورملية التركيب في الجهات الأخرى. وهي تبعد عن الشريعة (وهي فرضة من فرض الفرات الواقعة في جانبها الشرقي) ستة كيلومترات ويرتفع سطحها عن مصب النهر المذكور ٣٤ متراً. ومن هذا الوصف المجمل يتضح لك أن النجفيين قاسوا من أعذبة العطش أمرها وذلك منذ العهد الأول من سكنى الناس إياها أي منذ بدء الإسلام إلى يومنا هذا.
وقد كانت مياه الفرات تتدفق في سابق الزمن في موضع قريب من هذه المدينة فتتجمع فيه فنشأ هناك بحيرة عرفت باسم (بحر النجف) ولكون الأرض رملية كانت تلك المياه تمتزج بها فيجيء الماء ملحاً وقد سد منفذه
стр. 946
في عهد السلطان عبد الحميد لتزرع تلك الأراضي بعد انحسار الماء عنها فنشف اغلب ذلك البحر وزرع جانب منه فانتفع به بعض الناس. وفي الجانب الغربي من البلدة المذكورة سفوح وشعاب عليها آثار تدل الباحث على أن هناك كانت المياه تتلاطم. وهذا ما يؤيده تاريخ علم طبقات الأرض الذي يصرح بأن البحر كان ينقطع عند تلك الصخور القديمة. وقد نبه على ذلك علماء الإفرنج في كتبهم التي تبحث عن هذه الديار وقد سبقهم إلى ذكر هذه الحقيقة العرب. قال ياقوت في مراصد الاطلاع في مادة الحيرة: (أنها على ثلاثة أميال من الكوفة على النجف. زعموا أن بحر فارس كان يتصل بها).
وليس في النجف نفسه ما يرشد الباحث إلى أن الناس سكنوه قبل الإسلام والظاهر أن اغلب من توطنه جاء إليه بعد الحنيفية بقليل لوجود قبر على بن أبي طالب فيه ومجاورة محبيه له. ولما كان الماء من أول واجبات الحياة بل وقوامها الأعظم. وتلك الأرض خالية منه سعى كثيرون في نقل الماء إليها بوسائل مختلفة منهم بالقرب ومنهم بالآنية ومنهم بحفر الأنهر وشق القنى. وممن ذكر التاريخ اسمهم بالشكر والمديح بنو بويه فانهم طلبوا الماء في
أعماق الصخور فثقبوها حتى بلغوا أحشاءها وحفروا فيها آباراً واسعة بعيدة الغور حتى وصلوا فيها إلى ٦٠ متراً ولكن لما رأوا أن الماء لم ينبط وأنه وراء تلك الصخور بمئاتٍ من الأذرع وبقيت تلك الجباب الفارغة من أبين الأدلة على ما لبني بويه من بعيد الهمة وفي نحو سنة ٦٦٢هـ - ١٢٦٣م حفر علاء الدين عطاء الملك الجويني عامل بغداد من قبل هولاكو نهراً شقه من الفرات إلى النجف وما أبطأ أن ردمته الرياح الساقيات.
ولما اخذ الصفويون يشيدون بعض المباني والمعاهد والدور المكينة في النجف وانشئوا الصحن والحضرة على الطراز الحالي تضاعف سكان البلدة لكثرة ما جاءها من العملة والصناع ولتحسن سكناها فقدم إليها زرافات من الأمامية لمجاورة تلك البقعة فاضطر الشاه إسماعيل إلى حفر فقر سنة ٩١٤هـ - ١٥٠٨م
стр. 947
سموها (قناة) لكي تمد السكان بالماء الكافي للشرب وهي نفس القناة التي كان حفرها علاء الدين عطاء الملك الجويني وسماها (نهر الشاه) إلا أنه لم يجيء عذبا سائغاً لأن ماء الفرات كان يختلط بماء الآثار فيأخذ منه شيئاً من الملوحة ويصبح أجاجاً فيضر ولا ينفع.
وقد قال أحد سواح الفرنسيس في صدد ماء النجف وحفر قناةٍ له ما هذا تعريبه: إن أرض (مشهد علي) في غاية النشف واليبوسة حتى انه لا يمكن للإنسان أن يتصورها. ولا يرى هناك الرائي إلا مشاهد هائلة وأكواماً من الرمال تلهبها الشمس لهيباً في أيام القيظ. وكان يضطر سكان هذا الموطن سابقاً إلى أن يذهبوا إلى الفرات ليأخذوا منه الماء. لكن منذ مدة ١٥ سنة (أي في سنة ١٧٩٣م - ١٢٠٨هـ) ابتنى أخ ملك المغول قناةً كلفته مبالغ باهظة ومع كل ذلك لم يتمكن البناة من أن يجعلوها على ما كان في خاطرهم لكثرة ما ينتاب المدينة من زوابع الرمال التي تثيرها الرياح إثارة شديدة وتذريها بعد ذلك حتى إنها كانت تردمها ردماً لولا أن الموكلين بحفظها يعنون بتنظيفها كل سنةٍ.
ولهذا بقيت مسألة جر ماء النجف من الفرات من اعقد المسائل بل اعقد من ذنب الضب فلما رأى ذلك صاحب المكرمة علامة عصره أبو الطائفة الجواهرية الشيخ محمد حسن، انتدب المثرين وأهل اليسار من الفرس ليشقوا نهراً يروي الظمأى ويسقي الأرضين ويلطف حرارة الهواء ويفرش الأرض بساطاً من الخضرة فأمطر عليه أهل المال الأصفر الرنان تلبيةً لطلبه وشرع يشق النهر وكان العملة مئاتٍ بل ألوفاً وكان هو يقوم بينهم
وينشطهم في أتعابهم بأنواع الوسائل وهم يفرغون كل جهدهم في تحقيق أمانيه باتخاذ
стр. 948
ضروب الآلات والأدوات لتفتيت الحجارة وقلع الصخور من مواطنها واستعملوا لهذه الغاية البارود الناسف وبذلوا كل ما في ذراعهم من القوة وما في قلبهم من الشغف بالأئمة ليخرجوا الأمنية من عالم الخيال إلى عالم المثال حتى بلغوا في سعيهم ما لم يبلغه من سبقهم. ثم جاءوا بحراقة ركبها الشيخ وكان الجمهور المثالب على ضفتي النهر يصفقون لكونهم ظفروا بما لم يظفر به أجدادهم من علو الهمة وبعد الغاية وكانت مياه الفرات تتدفق وتتدافع وتتصافق كأنها تشترك بهذا الفرح وتهنئ الفائزين بفوزهم المبين ومازالت الحراقة تسير والماء يحملها حتى وصلت باب النجف فإذا الأرض أعلى من مشق النهر فوقفت لوقوف الماء. وتولى الفرحين من الحزن والكآبة ما لا يصفه قلم واصف وبقيت فوهة ذلك النهر مفغورة فغر فم الأخرس يحاول النطق ولا يستطيع وأخذت السافيات تدفن فيه الآمال بل القلوب ولم يبق من ذاك المشروع الكبير إلا الأثر وهو يسمى اليوم (كري الشيخ) (وتلفظ غالباً بالجيم المثلثلة المكسورة وكسر الراء والياء) ذهب قوم وجاء قوم آخرون وودوا من جديد تحقيق جر الماء إلى النجف فجاء السيد (أسد الله) وهو من كبار بيوتات أصفهان ونحت في باطن الأرض سوهقة (أي كاريزاً) وركب عليها طاحونتين. وارصد لهذه المبرة ما يكفل بقاءهما من المبالغ لإصلاح ما يقع في مشروعه من الخلل على توالي الأيام. ولكن ما لبث أن دخل في خبر كان كما دخل غيره فيه.
وفي أيام السلطان الخليع عبد الحميد خان خط نهر ضيق في الجهة الشمالية من البلدة وسمي (بالحيدرية) ولم يفد اكثر ما أفاد غيره. لأن كثبان الرمال كانت تنهال على مشقه عند هبوب الرياح فكانت تردمه ويصبح كأنه سنام البعير. فلا يمكن للماء أن يتعداه فلما انتبه أولياء الأمر لهذا الحادث الذي لا محيد عنه غرسوا أشجاراً على مجاريه لتقف في وجه الرمال وتصدها عن مهاجمتها له وتكون بمنزلة الأسداد ولبث الموكلون بهذا الشان يتعهدون أشجار الصفصاف بالسقي حتى كلوا وملوا فذبلت ويبست وعاد كل شيء إلى حالته الأولى وأصبحت تلك السوهقة في حمارة القيظ مقر الدويبات والحشرات ومستنقعاً تغزر فيه الأقذار والأدران. وأصبح ماؤها ضاراً لا نافعاً بل أصبحت كبدن المسلول أو
стр. 949
المحموم تارةً يعرق فيسيل رشحه فيغدو ذاك الماء مع ما يرسب فيه عصيدة وحلة لا اسم
لها ولا وصف. وطوراً يضطرم ذاك البدن فيجف قطره فيصبح صلصالا لا تعرف حقيقته.
فمما تقدم بسطه يتبين للقارئ أن لا علاج لهذا الداء العضال سوى أمر واحد وهو أن يتفقد الأرض أحد المهندسين البارعين ويخطط فيها نهراً يختلف غور حفره باختلاف ارتفاع الأرض وانحدارها ويقيم على فغرته آلة بخارية تغترف الماء. من الفرات وتدفعه دفعاً عنيفاً إلى مندفقه. ويقوم بالنفقات أحد الرجال الأغنياء أو إحدى الشركات ينشئها أبناء النجف وحينئذٍ تتحقق الأمنية فيسقى النجفيون ماء سلسبيلا ومحقق هذه الأمنية يجلب لنفسه كل محمدة فيجمع فيها شرف البويهي والجويني والصفوي والمغولي والجواهري والأصفهاني والعثماني فيفوز بقصب السبق وحده دون غيره وبخدم الوطن خدمة لم يسبقها سابق ولا يوجد اليوم في النجف رجل كبير محب خير الأمة مثل السيد العظيم الاقتدار جواد الكليددار فأنه اخذ على نفسه أن يؤسس شركة تجلب قساطل (أي أنابيب) من حديد ويحصل ما في الصدور من دواعي السرور على ما أشرنا إليه قبيل هذه السطور وقد منحتها بلدية مركز الولاية الرخصة بجلب الآلات والأنابيب وسائر الأدوات وتتعهد الشركة بدفع ربع الربع إلى البلدية فتكون الخطة على الوجه الأتي تقريباً:
تجلب ثلاث معاون بخارية (مكائن) قوة كل واحدة منها ٦٠ حصاناً. اثنتان منها تشتغلان والثالثة تبقى واقفة تشغل عند الحاجة إليها عند تضرر إحدى الدائبتين. وقيمة كل معينة من هذه المعاون ٧٠٠ ليرة عثمانية. ويحتاج إليها من الأنابيب ١٠. ٠٠٠ متر يكون قطر الأنبوب ١٢ قيراطاً (أي أنجاً) أو ٣٠ سنتيمتراً ونصفا وقيمة كل متر من هذه القساطل ليرة عثمانية. وعليه تبلغ النفقات من أول غرش يصرف إلى آخره نحو ١٥. ٠٠٠ ليرة أو ٣٤٥. ٠٠٠ فرنك. وإن بالغت في النفقات فلا تقل إنها تتجاوز نصف مليون فرنك وهو مبلغ لا يذكر
стр. 950
بالنسبة إلى النتائج التي يأتيها من أحياء الموات والموتى. وإذا أبت الشركة أن تتمم ما تعهدت بالقيام به فأن السيد جواد الكليددار ذو ثروة طائلة يستطيع أن يصرف وحده المبلغ المذكور بدون أن يصيب يسره أدنى خلل. حقق الله الأماني. وابعد عن أولي العزم أنواع التراخي والتواني!
فوائد شتى
أول إنجيل عربي طبع في حلب الشهباء
إدعاماً لما ذهبنا إلينا من قدم وجود المطبعة في حلب الشهباء نقول: إننا رأينا عند يعقوب أفندي نعوم سركيس إنجيلاً مطبوعاً في حلب وقد جاء في آخر مقدمته: (اثناسيوس برحمة الله تعالى البطريرك الانطاكي وساير المشرق سابقاً) والكتاب خال من أرقام الصفحات وهذا الكلام يقع في الصفحة ٦ منه وقد ناب عن الأرقام كتابة أول كلمة الوجه التالي في أخر الصفحة خارجا عن الإطار. وقد ورد في آخره: (طبع حديثاً بمحروسة حلب المحمية سنة ١٧٠٦ مسيحية)
فوائد لغوية
معنى المراجل في قولهم: سوى أو عمل مراجل طلع أو بين أو روى (أي أرى) مراجل. وقع حديث بين أديبين مسلم ونصراني. فقال المسلم لصاحبه: هل فكرت في معنى قول وطنيينا: فلان سوى أو عمل مراجل، طلع أو بين أو روى (أي أرى أو اظهر) مراجل؟ التي يرادفها عند الفصحاء: (تظاهر بالعظمة أو بما يكسبه فخراً أو عزاً أو كبرياء أو تفتح في الكلام أو تطاول به فتحة أو أراه ما يفتخر به؟ - قال: لا - قال: إن هذه العبارة ترتقي إلى عهد الانكشارية فانهم كانوا إذا أرادوا مقاتلة العدو اتخذوا المراجل وهي القدور (أو الدسوت) الكبيرة وأخرجوها معهم لكي لا يحتاجوا في الطريق إلى طلب الطعام من أهل البادية أو من غيرهم
следующие страницы →