Полный текст (6 158 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.
стр. 946
في عهد السلطان عبد الحميد لتزرع تلك الأراضي بعد انحسار الماء عنها فنشف اغلب ذلك البحر وزرع جانب منه فانتفع به بعض الناس. وفي الجانب الغربي من البلدة المذكورة سفوح وشعاب عليها آثار تدل الباحث على أن هناك كانت المياه تتلاطم. وهذا ما يؤيده تاريخ علم طبقات الأرض الذي يصرح بأن البحر كان ينقطع عند تلك الصخور القديمة. وقد نبه على ذلك علماء الإفرنج في كتبهم التي تبحث عن هذه الديار وقد سبقهم إلى ذكر هذه الحقيقة العرب. قال ياقوت في مراصد الاطلاع في مادة الحيرة: (أنها على ثلاثة أميال من الكوفة على النجف. زعموا أن بحر فارس كان يتصل بها).
وليس في النجف نفسه ما يرشد الباحث إلى أن الناس سكنوه قبل الإسلام والظاهر أن اغلب من توطنه جاء إليه بعد الحنيفية بقليل لوجود قبر على بن أبي طالب فيه ومجاورة محبيه له. ولما كان الماء من أول واجبات الحياة بل وقوامها الأعظم. وتلك الأرض خالية منه سعى كثيرون في نقل الماء إليها بوسائل مختلفة منهم بالقرب ومنهم بالآنية ومنهم بحفر الأنهر وشق القنى. وممن ذكر التاريخ اسمهم بالشكر والمديح بنو بويه فانهم طلبوا الماء في
أعماق الصخور فثقبوها حتى بلغوا أحشاءها وحفروا فيها آباراً واسعة بعيدة الغور حتى وصلوا فيها إلى ٦٠ متراً ولكن لما رأوا أن الماء لم ينبط وأنه وراء تلك الصخور بمئاتٍ من الأذرع وبقيت تلك الجباب الفارغة من أبين الأدلة على ما لبني بويه من بعيد الهمة وفي نحو سنة ٦٦٢هـ - ١٢٦٣م حفر علاء الدين عطاء الملك الجويني عامل بغداد من قبل هولاكو نهراً شقه من الفرات إلى النجف وما أبطأ أن ردمته الرياح الساقيات.
ولما اخذ الصفويون يشيدون بعض المباني والمعاهد والدور المكينة في النجف وانشئوا الصحن والحضرة على الطراز الحالي تضاعف سكان البلدة لكثرة ما جاءها من العملة والصناع ولتحسن سكناها فقدم إليها زرافات من الأمامية لمجاورة تلك البقعة فاضطر الشاه إسماعيل إلى حفر فقر سنة ٩١٤هـ - ١٥٠٨م
стр. 947
سموها (قناة) لكي تمد السكان بالماء الكافي للشرب وهي نفس القناة التي كان حفرها علاء الدين عطاء الملك الجويني وسماها (نهر الشاه) إلا أنه لم يجيء عذبا سائغاً لأن ماء الفرات كان يختلط بماء الآثار فيأخذ منه شيئاً من الملوحة ويصبح أجاجاً فيضر ولا ينفع.
وقد قال أحد سواح الفرنسيس في صدد ماء النجف وحفر قناةٍ له ما هذا تعريبه: إن أرض (مشهد علي) في غاية النشف واليبوسة حتى انه لا يمكن للإنسان أن يتصورها. ولا يرى هناك الرائي إلا مشاهد هائلة وأكواماً من الرمال تلهبها الشمس لهيباً في أيام القيظ. وكان يضطر سكان هذا الموطن سابقاً إلى أن يذهبوا إلى الفرات ليأخذوا منه الماء. لكن منذ مدة ١٥ سنة (أي في سنة ١٧٩٣م - ١٢٠٨هـ) ابتنى أخ ملك المغول قناةً كلفته مبالغ باهظة ومع كل ذلك لم يتمكن البناة من أن يجعلوها على ما كان في خاطرهم لكثرة ما ينتاب المدينة من زوابع الرمال التي تثيرها الرياح إثارة شديدة وتذريها بعد ذلك حتى إنها كانت تردمها ردماً لولا أن الموكلين بحفظها يعنون بتنظيفها كل سنةٍ.
ولهذا بقيت مسألة جر ماء النجف من الفرات من اعقد المسائل بل اعقد من ذنب الضب فلما رأى ذلك صاحب المكرمة علامة عصره أبو الطائفة الجواهرية الشيخ محمد حسن، انتدب المثرين وأهل اليسار من الفرس ليشقوا نهراً يروي الظمأى ويسقي الأرضين ويلطف حرارة الهواء ويفرش الأرض بساطاً من الخضرة فأمطر عليه أهل المال الأصفر الرنان تلبيةً لطلبه وشرع يشق النهر وكان العملة مئاتٍ بل ألوفاً وكان هو يقوم بينهم
وينشطهم في أتعابهم بأنواع الوسائل وهم يفرغون كل جهدهم في تحقيق أمانيه باتخاذ
стр. 948
ضروب الآلات والأدوات لتفتيت الحجارة وقلع الصخور من مواطنها واستعملوا لهذه الغاية البارود الناسف وبذلوا كل ما في ذراعهم من القوة وما في قلبهم من الشغف بالأئمة ليخرجوا الأمنية من عالم الخيال إلى عالم المثال حتى بلغوا في سعيهم ما لم يبلغه من سبقهم. ثم جاءوا بحراقة ركبها الشيخ وكان الجمهور المثالب على ضفتي النهر يصفقون لكونهم ظفروا بما لم يظفر به أجدادهم من علو الهمة وبعد الغاية وكانت مياه الفرات تتدفق وتتدافع وتتصافق كأنها تشترك بهذا الفرح وتهنئ الفائزين بفوزهم المبين ومازالت الحراقة تسير والماء يحملها حتى وصلت باب النجف فإذا الأرض أعلى من مشق النهر فوقفت لوقوف الماء. وتولى الفرحين من الحزن والكآبة ما لا يصفه قلم واصف وبقيت فوهة ذلك النهر مفغورة فغر فم الأخرس يحاول النطق ولا يستطيع وأخذت السافيات تدفن فيه الآمال بل القلوب ولم يبق من ذاك المشروع الكبير إلا الأثر وهو يسمى اليوم (كري الشيخ) (وتلفظ غالباً بالجيم المثلثلة المكسورة وكسر الراء والياء) ذهب قوم وجاء قوم آخرون وودوا من جديد تحقيق جر الماء إلى النجف فجاء السيد (أسد الله) وهو من كبار بيوتات أصفهان ونحت في باطن الأرض سوهقة (أي كاريزاً) وركب عليها طاحونتين. وارصد لهذه المبرة ما يكفل بقاءهما من المبالغ لإصلاح ما يقع في مشروعه من الخلل على توالي الأيام. ولكن ما لبث أن دخل في خبر كان كما دخل غيره فيه.
وفي أيام السلطان الخليع عبد الحميد خان خط نهر ضيق في الجهة الشمالية من البلدة وسمي (بالحيدرية) ولم يفد اكثر ما أفاد غيره. لأن كثبان الرمال كانت تنهال على مشقه عند هبوب الرياح فكانت تردمه ويصبح كأنه سنام البعير. فلا يمكن للماء أن يتعداه فلما انتبه أولياء الأمر لهذا الحادث الذي لا محيد عنه غرسوا أشجاراً على مجاريه لتقف في وجه الرمال وتصدها عن مهاجمتها له وتكون بمنزلة الأسداد ولبث الموكلون بهذا الشان يتعهدون أشجار الصفصاف بالسقي حتى كلوا وملوا فذبلت ويبست وعاد كل شيء إلى حالته الأولى وأصبحت تلك السوهقة في حمارة القيظ مقر الدويبات والحشرات ومستنقعاً تغزر فيه الأقذار والأدران. وأصبح ماؤها ضاراً لا نافعاً بل أصبحت كبدن المسلول أو
стр. 949
المحموم تارةً يعرق فيسيل رشحه فيغدو ذاك الماء مع ما يرسب فيه عصيدة وحلة لا اسم
لها ولا وصف. وطوراً يضطرم ذاك البدن فيجف قطره فيصبح صلصالا لا تعرف حقيقته.
فمما تقدم بسطه يتبين للقارئ أن لا علاج لهذا الداء العضال سوى أمر واحد وهو أن يتفقد الأرض أحد المهندسين البارعين ويخطط فيها نهراً يختلف غور حفره باختلاف ارتفاع الأرض وانحدارها ويقيم على فغرته آلة بخارية تغترف الماء. من الفرات وتدفعه دفعاً عنيفاً إلى مندفقه. ويقوم بالنفقات أحد الرجال الأغنياء أو إحدى الشركات ينشئها أبناء النجف وحينئذٍ تتحقق الأمنية فيسقى النجفيون ماء سلسبيلا ومحقق هذه الأمنية يجلب لنفسه كل محمدة فيجمع فيها شرف البويهي والجويني والصفوي والمغولي والجواهري والأصفهاني والعثماني فيفوز بقصب السبق وحده دون غيره وبخدم الوطن خدمة لم يسبقها سابق ولا يوجد اليوم في النجف رجل كبير محب خير الأمة مثل السيد العظيم الاقتدار جواد الكليددار فأنه اخذ على نفسه أن يؤسس شركة تجلب قساطل (أي أنابيب) من حديد ويحصل ما في الصدور من دواعي السرور على ما أشرنا إليه قبيل هذه السطور وقد منحتها بلدية مركز الولاية الرخصة بجلب الآلات والأنابيب وسائر الأدوات وتتعهد الشركة بدفع ربع الربع إلى البلدية فتكون الخطة على الوجه الأتي تقريباً:
تجلب ثلاث معاون بخارية (مكائن) قوة كل واحدة منها ٦٠ حصاناً. اثنتان منها تشتغلان والثالثة تبقى واقفة تشغل عند الحاجة إليها عند تضرر إحدى الدائبتين. وقيمة كل معينة من هذه المعاون ٧٠٠ ليرة عثمانية. ويحتاج إليها من الأنابيب ١٠. ٠٠٠ متر يكون قطر الأنبوب ١٢ قيراطاً (أي أنجاً) أو ٣٠ سنتيمتراً ونصفا وقيمة كل متر من هذه القساطل ليرة عثمانية. وعليه تبلغ النفقات من أول غرش يصرف إلى آخره نحو ١٥. ٠٠٠ ليرة أو ٣٤٥. ٠٠٠ فرنك. وإن بالغت في النفقات فلا تقل إنها تتجاوز نصف مليون فرنك وهو مبلغ لا يذكر
стр. 950
بالنسبة إلى النتائج التي يأتيها من أحياء الموات والموتى. وإذا أبت الشركة أن تتمم ما تعهدت بالقيام به فأن السيد جواد الكليددار ذو ثروة طائلة يستطيع أن يصرف وحده المبلغ المذكور بدون أن يصيب يسره أدنى خلل. حقق الله الأماني. وابعد عن أولي العزم أنواع التراخي والتواني!
فوائد شتى
أول إنجيل عربي طبع في حلب الشهباء
إدعاماً لما ذهبنا إلينا من قدم وجود المطبعة في حلب الشهباء نقول: إننا رأينا عند يعقوب أفندي نعوم سركيس إنجيلاً مطبوعاً في حلب وقد جاء في آخر مقدمته: (اثناسيوس برحمة الله تعالى البطريرك الانطاكي وساير المشرق سابقاً) والكتاب خال من أرقام الصفحات وهذا الكلام يقع في الصفحة ٦ منه وقد ناب عن الأرقام كتابة أول كلمة الوجه التالي في أخر الصفحة خارجا عن الإطار. وقد ورد في آخره: (طبع حديثاً بمحروسة حلب المحمية سنة ١٧٠٦ مسيحية)
فوائد لغوية
معنى المراجل في قولهم: سوى أو عمل مراجل طلع أو بين أو روى (أي أرى) مراجل. وقع حديث بين أديبين مسلم ونصراني. فقال المسلم لصاحبه: هل فكرت في معنى قول وطنيينا: فلان سوى أو عمل مراجل، طلع أو بين أو روى (أي أرى أو اظهر) مراجل؟ التي يرادفها عند الفصحاء: (تظاهر بالعظمة أو بما يكسبه فخراً أو عزاً أو كبرياء أو تفتح في الكلام أو تطاول به فتحة أو أراه ما يفتخر به؟ - قال: لا - قال: إن هذه العبارة ترتقي إلى عهد الانكشارية فانهم كانوا إذا أرادوا مقاتلة العدو اتخذوا المراجل وهي القدور (أو الدسوت) الكبيرة وأخرجوها معهم لكي لا يحتاجوا في الطريق إلى طلب الطعام من أهل البادية أو من غيرهم
стр. 951
ولإشباع من ينضوي إليهم وأرهاباً للعدو. فكانت تلك المراجل دلالة على سعة حالهم ورفاهية عيشهم. هذا ولم يكونوا يفعلون ذلك الفعل في ولاية بغداد فقط بل في جميع المواطن التي كانوا يحتلونها أو يوجدون فيها قال البستاني في دائرة المعارف في مادة انكشارية (٥٣٩: ٤): (فكنت تسمع في ساحة (آت ميدان) أصول طبول الانكشارية العظيمة وترى (المراجل) مصفوفة بالترتيب أمام القشلة لأجل جمع المتفرقين من الانكشارية من بيوتهم ودكاكينهم). فلما شاع ذلك عن الانكشارية أصبح إخراج المراجل إلى الخارج بمعنى اطلاع العساكر وما تأكل فأن كان ما يخرج كثيراً اقتضى إخراج مراجل كثيرة ودل ذلك على قوة عظيمة. وإن كانت المراجل قليلة دلت على عساكر قليلة وقوة ضعيفة. ثم انتقلت العبارة إلى المعنى المتعارف أي بمعنى اظهر ما
تتفتح به وما تتطاول به فتحة. واكثروا من ضم كلم إليها مختلفة المباني مؤتلفة المعاني فقالوا: صاحب مراجل وأبو مراجل وطلع (أي أطلع) مراجلك ورويني (أي ارني مراجلك) إلى غيرها.
فلما أتم الأديب كلامه أذعن صاحبه لهذا التأويل ثم قال هذا لذاك: لقد أحسنت في الإفادة فهل تعلم أنت ما أصل معنى. (ضربة راشدي أو محمودي) بمعنى صفعه أو لطمه لطمة قال: لا. قال النصراني هذا الذي أراه:
٢ - معنى ضربه راشدي أو محمودي
الراشدي هو عند أهل العراق لحن أو مقام عالي النغمة واكثر ما يعرف في بغداد. ودونه علواً (المحمودي). فإذا قيل: (ضربه راشدي) فكأنه قيل: لطمه لطمةً يسمع صوتها كما يسمع الراشدي أو المحمودي أي من بعيد أي لطمة قوية وقد يبدلون كلمة (ضرب) بألفاظ أخرى مرجعها كلها إلى هذا المعنى كقولهم: شرفه أو جرخه براشدي أو داره براشدي (أي أدار صفحة وجهه بصفعته لقوتها) إلى آخر ما هناك. فلما وقف الأديب المسلم على ذلك قال: لقد توافينا في التأويل. وما علينا إلا أن نعرض ألفاظنا على أصحاب الحكم والتعليل، ليبدوا رأيهم ويظهروا ما فيها من دبير وقبيل.)
قلنا: فأن كان لأحد القراء غير هذا الرأي فليبده والله الموفق لسواء السبيل. ي. ن. س
стр. 952
٣ - الجزمة بمعنى الخف والموق
سألنا سائل: هل الجزمة كلمة عربية الأصل وإن لم تكن فبأي لسان هي وما الذي يقابلها في العربية؟
قلنا: الجزمة بجيم مثلثة فارسية وعربها المولدون المتأخرون بالجيم العربية هي لفظة تركية الأصل يقابلها بالعربية (الخف) وبالفارسية (موزة) التي عربها الأقدمون بصورة (الموق) قال ذلك صاحب (بهار عجم) وصاحب (برهان قاطع) وذكر ذلك بشواهد عديدة فلوس صاحب المعجم الفارسي اللاتيني الكبير.
والظاهر من وصف العرب للموق أن الموق غير الخف. فالموق هو الجزمة حقيقةً. والخف ما يلبس تحته. قال في تاج العروس: (الموق: خف غليظ يلبس فوق الخف.
فارسي معرب. قال الصاغاني: وهو تعريب موكه. هكذا قال. والمشهور (موزه). . . وقال ابن سيده: الموق: ضرب من الخفاف. اهـ وقال في الخف: (الخف واحد الخفاف التي تلبس في الرجل. ويجمع أيضاً على أخفاف. . . . وفي الصحاح والعباب: اغلظ من النعل. وفي الأساس: أطول من النعل. وهو مجاز). اهـ.
وأهل بغداد يسمون الخف: يميناً أو يمنيةّ نسبةً إلى اليمن لأنه كان يؤتى بأحاسنها من تلك الديار. أو لأن اغلب المشتغلين بها كانوا من اليمن. ويجمعونها على يمنيات. واشتغال اليمانيين بالصنائع من قديم الزمان لأعراق حضارتهم. قال الأصمعي: افتخر إبراهيم بن مخرمة يوماً بين يدي السفاح باليمن. وكان خالد بن صفوان حاضراً. فلما أطال عليه قال خالد بن صفوان: وبعد فما منكم إلا دابغ جلد، أو ناسج برد، أو سائس قرد، أو راكب عرد، دل عليكم هدهد، وغرفتكم جرد، وملكتكم أم ولد. فسكت وكأنما ألجمه.
باب المكاتبة والمطارحة
ارسطاطاليس بن نيقوماخوش الجهراشي
سأل مستفيد من بغداد مجلة المشرق: من هو (ارسطاطاليس بن نيقوماخوش الجهراشي)، الذي ورد ذكره في طبقات الأمم لصاعد الأندلسي الذي توليتم طبعه في المشرق (٦٦٩: ١٤) فأجاب ل. ش. هذا الجواب: (المشرق ٨٠: ١٦)
стр. 953
(قد أثبتنا في ذيل المشرق هناك أن اسم الجهراشي قد التبس علينا وذكرنا أنه من المحتمل أن المؤلف أراد (الاسطاغيري) نسبةً إلى اسطاغيرا وطن أرسطو. فقام صاحب لغة العرب (١٨٩: ١) ليفند هذا الرأي. وتأول له تأويلات غريبة كقوله: إن الجهراشي تعريب أي الشيخ أو نسبةً إلى أحد آلهة اليونان أو نسبة إلى مدينة غرسته مدينة يونانية. وكل ذلك لا أصل له ولا فصل. والصواب أن (جهراش) مدينة في حوران واسمها جرش أو جهراش فنسب إليها صاحب طبقات الأمم نيقوماخوش أبا ارسطاطاليس وذلك غلط بل خلط منه لأنه وجد عالم من جرش اسمه نيقوماخوش الجرشي أو الجهراشي كان رياضياً وفيلسوفاً في القرن الأول بعد المسيح فظن صاحب طبقات الأمم أنه والد ارسطو. وبذلك سقطت تأويلات صاحب لغة العرب.) ثم أن هذا (المستفيد البغدادي) نقل لنا هذا الكلام وقال: وانتم ما رأيكم في هذا القول؟
قلنا: أول ما نلاحظه على المستفيد أن كلام حضرة ل ش في تأويله الأول (المشرق ٦٦٩: ١٤) يختلف عن قوله هنا فأنه قال هناك: (لعله يريد الاسطاغيري) ولم يصرح أنه التبس عليه بخلاف ما يقول هنا. فلو لم يكن من كلامنا فائدة إلا هذه لكفت
ثانياً: إن تأويلنا لا تخرج عن الغرابة وإن صح كلام حضرة ل ش لأننا أن وصفنا ارسطوطاليس بالشيخ وشيخ العلم فهذا من ارجح الأمور وأظهرها للعيان. وكذلك لو كان آخر سمي بهذا الاسم. فوصفنا إياه بالإمامة في العلم أمر طبيعي. وكذلك إذ ألهنا علمه فقلنا ارسطو الجهراشي فذلك على حد ما قالوا: (أفلاطون الإلهي) ومثله لو نسبناه إلى موطن ولادته جهراشته (لا غرسته كما عربها)
ثالثاً: وأما القول بأن الجهراشي هنا هي نسبة إلى جهراش وجهراش هي جرش فهناك عدة أسباب تمنعنا عن قبول هذا الرأي الغريب بل الغريب كل الغرابة منها: إن صاعداً
الأندلسي يعدد في كتابه اعظم فلاسفة اليونان إذ يقول: (اعظم هؤلاء الفلاسفة عند اليونان قدراً خمسة فأولهم زماناً. بندقليس (أي انبدقليس) ثم فيثاغورس ثم سقراط ثم أفلاطون ثم ارسطاطاليس بن نيقوماخوش)
стр. 954
فهل يمكن أن يعد هذا الجرشي بين هؤلاء الخمسة أو أن يبدل واحداً شهيراً مثل ارسطو بأخر خامل الذكر لم يعرف من أمره شيء سوى جرشي الأصل. وأن ذلك لغريب فيا للأسف! (ما إمامة من هند)
ثانياً: إن الأندلسي يقول صريحاً: ارسطاطاليس بن نيقوماخوس هو الجهراشي (لا ارسطوطاليس الجرشي. فهذا ليس بابن نيقوماخوش ولا هو من فلاسفة اليونان الخمسة المشاهير فأين هذا من ذاك فيا للأسف (أريها السها، وتريني القمر)
ثالثاً: من إقرار حضرة ل ش بلدة جرش من حوران. فهي إذاً ليست من بلاد اليونان (وإن كانت من سجمها) فهل يعقل أن كاتباً مثل صاعد الأندلسي يخلط هذا الخلط ويتوهم في ارسطاطاليس بن نيقوماخوش أنه من حوران. وهو أشهر من أن يذكر بأنه من اليونان. أو ينسب أباه إلى مدينة في حوران، ويهذي هذا الهذيان، الذي لا ينطق به أصغر الصبيان. إن هذا من الغرابة في مكان. وهل تخلط الدرة بالذرة. فيا للأسف! (أراد أن يعرب فأعجم)
رابعاً: لم يأت اسم المدينة (جرش) بصورة جهراش في لغة من اللغات ولا من صرح بذلك عند العرب. هذا فضلاً عن أن بين (جرش) (وجهراش) بوناً بيناً. وإذا كان تصحيح الأمور مبنياً على التقول والتحكم لم يبق شيءٌ عسراً. وتمهدت جميع العقبات. وإلا فيجب على المؤول أن يقول لنا أين ورد لفظ جهراش بمعنى جرش. وأي عربي قديم نطق بذلك. يا للأسف! (سكت الفا، ونطق خلفا).
خامساً: لو سلمنا أن جهراش وجرش شيء واحد فأن سائر الاعتراضات تبقى اعقد من ذنب الضب. اللهم إلا أن يخطئ الجميع، وينسب إلى نفسه الرأي البديع. وحينئذ يا للأسف! وهل (يعقد في مثل الصؤاب، وفي عينيه مثل الجرة)
سادساً: لو سلمنا أنه مصيب في قوله فأي غرابة ترى يا هذا أن وصفنا أحد الارسطو طاليسيين (بشيخ في العلم. أو بالمتأله في العلم) ولا سيما إذا كان من الفلاسفة فأنت ترى أن لا غرابة في ما ذهبنا إليه. وأنت مخير في اتباع ما يبدو ولك أو يحلو لأن الأطيار تقع على أشكالها. قلنا: (وبذلك سقطت تأويلات صاحب المشرق).
стр. 955
باب المشارفة والانتقاد
١ - مكتب
وقع بيدنا العدد الأول من رسالة موقوتة تطبع في بغداد في مطبعة دنكور اسمها (مكتب). لصاحبها ومديرها المحامي يونس أفندي وهبي. والغالب على عبارتها التركية وفيها نحو ثلاثة عواميد عربية. والباقي (أي ١٣ عموداً) باللغة العثمانية يخالطها شيء من الفرنسوية وهي تصدر نهار كل جمعة وتباع نسختها بعشرين بارة. وقد ذكر صاحبها أنها (علمية فنية تاريخية فلسفية). وهذه الرسالة لا تنفع إلا أبناء المكاتب التركية. إذ المقالات العربية فيها قليلة مع أننا في بلاد عربية وأغلاط الطبع فيها كثيرة حتى أن مطالعتها تصبح لهم بمنزلة كتاب جفر لا رسالة تعلم وتفهم. ونحن نذكر لك شاهداً لتحكم أنت بنفسك عنها قال في ص ١٢ وهو يذكر مثلاً فرنسوياً بهذه الصورة:
وقال في ما يقابلها بالعربية:
يغوص البحر من طلب الآلي ... ومن رام العلى سهر الليالي
ففي السطر الفرنسي ثلاثة أغلاط وهي:
وفي السطر العربي غلط واحد وهو اللآلى. وقس على هذا ما بقي ونحن نأمل من صاحبها أن يدقق في تصحيح المسودات لكي لا تبدو الرسالة الأسبوعية مشوهة بهذه الصورة الشنيعة. وأن يختار لها كاتباً عربياً يكتب فيها ليكثر قراء هذه الرسالة في سائر المكاتب البغدادية بل العراقية.
٢ - منتخب الأعمال
رسالة في ٢٠ صفحة لمحمد علي الحسيني وهي مختارات في الصلوة والصيام مطبوعة في النجف بمطبعة الحبل المتين.
٣ - (الجزء الأول من) موعظة السالكين
للسيد محمد علي الشاه عبد العظيمي مطبوع في المطبعة المذكورة سنة ١٣٢٩ في ١٣٨ صفحة وهو كتاب ديني كالأول.
стр. 956
٤ - غرفة المعجزات في جزءين
كتاب ديني لمحمد علي الحسيني مطبوع في النجف في المطبعة المذكورة.
٥ - هذه وجيزة في فضايل (كذا)
الضيافة وما يتبعها وفي آداب الآكل والشرب وما يناسبه. وفي الأخر: منظومة في آداب الآكل والشرب.
رسالة في ٥٢ صفحة تأليف السيد محمد علي الشاه عبد العظيمي طبعت في مطبعة الحبل المتين في النجف سنة ١٣٣٠.
٦ - الغرى أو در النجف
الغرى مجلة نجفية فارسية العبارة ظهر منها عددان بهذا الاسم ثم برزت باسم (در النجف) لصاحبها اغا محمد محلاتي. وقد صدر منها أعداد السنة الأولى. وهي تطبع بمطبعة علوى.
٧ - الدين والإسلام أو الدعوة الإسلامية
لمؤلفه محمد حسين آل كاشف الغطا النجفي. طبع على نفقة الشركة العراقية. - طبعة ثانية - في مطبعة العرفان في صيدا سنة ١٣٣٠.
كتاب يدل عنوانه على فحواه وهو من قلم رجل ينتمي إلى بيت علم رفيع العماد، مشهور في النجف بين الحاضر والباد، وقد قال المؤلف في آخر كلامه تحت عنوان (ذكرى وبيان) ص ز: (لا ابتغي من الكتاب والأفاضل الثناء عليه، والإطراء فيه، وتصفيف الأقوال الضخيمة (كذا وهو يريد الضخمة ولعله فعل ذلك للمزاوجة) والمقالات الضافية الفخيمة. في تقريضه وتوصيفه. (كذا. ولم يرد وصف مشدداً في كلامهم ولعله فعل ذلك للتسجيع) بل بغيتي منهم ورغبتي إليهم. إن ينظروا إليه نظراً مجرداً. ويضعوه في محكمة التمحيص والتدقيق عارياً. فيذكرون (أي فيذكروا) (فضلاً منهم) ما له وما عليه. وما يستحقه على الواقع والحقيقة بنفسه (؟) من مدح أو ذم. ويعرفوني محاسنه ومساوئه (أي مساوئه) فالإنسان مهما كان أعمى عن عيوبه. واصم بنفسه (؟) عن سيئاته. وأني لا محالة اعتد ذلك منهم على فضلاً. . . .) فإجابةً لصلبه ولما امتاز به صاحب هذا الكتاب من رسوخ القدم في العلم وثباته في التحقيق وإن انتقده الناقد نذكر هنا بعض ما في سفره من المحاسن
والمساوئ فنقول:
стр. 957
أما مساوئ الكتاب فأولها أنه أطال مقدمة الكتاب لبسط رأيه في سبب تأليفه والدواعي إلى وضعه. وأهل هذا العصر يخالفون أهل العصور المتوسطة فأن أبناء زماننا يحرصون على أوقاتهم ويحبون أن يقعوا على ما يتطلبونه بدون أن يضيعوا أوقاتهم في نشده بين تضاعيف السطور الكثيرة. وهذا ما كان يفعله كتاب العرب في أول عهدهم بالكتابة والعود إليه احمد. ولهذا لو أوجز في الكلام لكان احسن.
٢: لا يجدر بالمؤلف أن يمدح كتابه أو عبارته أو نفسه وإنما يدع ذلك إلى القراء والمطالعين وأصحاب الرأي والحكم. فقد قال مثلا ص ١٨: وما صدني ذلك عن امتلاك شيء من ملكة الإنشاء. ولا عاقني عن الانتظام في سلك من يقتدر على البيان والإفصاح عما شاء. وقال واصفاً كتابه ص ٢٥:. . . ببراهين بينة متقنة، مكسوة (؟) بالعبارات الرشيقة، والفقر الأنيقة، التي تقرب البعيد، وتسهل الشديد. جامعة بين الرصانة والرقة. والوضوح والقوة، وفصاحة الكلام. والأفصاح عن المرام، متوخياً جهدي تجنب ما يوجب التعقيد من الإصلاحات الفلسفية، والمجادلات الكلامية. بمألوف من البيان مأنوسه، وواضح من القول يعيد معقول الفكر كمحسوسه. كل ذلك تسهيلاً لمطالبها. وطلباً لانتفاع العالم والعامي بها. حسب جهدي وطاقتي، وما في مزجات (كذا أي مزجاة) بضاعتي. . .)
وقال في ص ز من الأخر: (فأني على أمل وثيق أن يجد مطالع هذا الكاتب ما يرتاح الفكر إلى النظر فيه. وتنبسط النفس إلى المطالعة مطاويه لسهولة عباراته وسلاسة مجاريه. .) ومثل هذه الأقوال كثير في تضاعيف هذا الكتاب.
٣: أنه ينحى على أهل الغرب باللائمة ويعامل صالحهم وفاسدهم معاملة واحدة بدون تمييز ولا نظن أن هذا من الحق في شيء. كقوله مثلاً في ص ١٦ و١٧: ولو سألتني ما سبب ضعف الدين في المسلمين لقلت زخارف الدنيا ونفوذ الروح الغربية التي دخلت فيهم. . . فليس كل ما يأتينا من روح الغربيين مذموماً؛ فلهم من المحاسن ما لا ينكره أحد مهما كان من المتهورين ولهذا يحسن بالكاتب أن يقيد عند الحاجة ولا يطلق. ولا سيما لأنه سبق فقال في ص ٤: نفذت
стр. 958
الروح الغربية في جسد الشرق وجسم العالم الإسلامي فانتزعت منه كل عاطفة شريفة وإحساس روحي، وشرف معنوي ومجد باذخ، واستقلال ذاتي. . . . لا جرم إننا إذا طالبناه بالبراهين المؤيدة لهذا الكلام فأنه لا يأتينا إلا بمثل ما أتى به في مطاوي
الكتاب. وهي ليست من الأدلة الدامغة. هذا ولو اكتفى بالإشارة إلى ما يريد مرةً واحدة لكفى؛ لكن التكرار ينشئ الضجر في صدر القارئ.
٤: قد يأتي بعض الأحيان باعتراض محكم المعنى والمبنى ويجيب عنه بجواب لا يقابله قوة ومتانة كقوله ص ١٧: (ولو قلت: ما الذي أوجب سكوتهم (أي سكوت مصلحي الإسلام والآمرين منهم بالمعروف) وإغضاءهم (كذا) عن تمزيق دينهم بترقيع دنياهم. فلا هذا ولا ذاك. قلت: حسبك (في فمي ماء وهل ينطق من في فيه ماء). قلنا ولو لم ينبه الخاطر إلى هذا الأمر لكان اجدر به ولا سيما لأنه يعرض بمن لا يجدر بهم هذا التعريض. أو لعل ما يتوهم فيهم الظن لا يصدق فيهم بل في غيرهم.
٥: علم المؤلف أن بين المسيحيين زعانفة (والزعانفة غير مخصوصين بدين دون آخر بل هم في جميع الأديان) غالت وتطرفت في الطعن على شرف الإسلام (ص ٢٢) ولكن لا نرى موجباً لأن يتعرض للرد عليهم ص ٢٣ فالرعاع من الناس يعرض عنهم ولا يلتفت إليهم إذ هم بمنزلة الغثاء في مسيل الماء ولا سيما لأنهم لم يخصوا المسلمين بالثلب بل أطلقوا ألسنتهم على النصارى إطلاقاً لا يعرف له قيد ولا حكم. وعليه لا نرى من الحق أن يسموا نصارى وهم ينكرون ذلك على أنفسهم. نعم انهم نصارى منشأ واصلاً لكنهم ليسوا بهم عقيدة وعملاً. فالرد عليهم من العبث.
٦: ربما استعمل ألفاظاً حديثة الوضع لكن في غير مواطنها كَقوله ص ٢٤: (انظر بالمجهر الكبير إلى زوبعة في الكوز وعاصفة في الوجود تريد أن تأتي على كافة الأديان. . .) فالمجهر مهما عظم لا يتخذ لينظر به إلى زوبعة أو عاصفة إلا بتكلفٍ.
٧: الكتاب مشحون بأغلاط صرفية ونحوية ولغوية إذ لا تخلو صفحة منها. ففي أول صفحة منه وهي ص ٢ ترى: الآنات بمعنى الآناء أي الساعات وهي غير
стр. 959
مألوفة وغير معروفة. وفيها (لا تتصرف أفكار أغياره إلا إليه) وتصرف بمعنى صرف أو الصرف لم ينقل عنهم. وكذلك تجول بمعنى جال وضبط توطد بشد الطاء وضمها. ومقتضى المعنى هنا كسر الطاء المشددة. وقال: تلبد الأمل. وضبطها بضم التاء وفتح اللام. فلينظر ما يراد بهذا الفعل هنا. وفيها: ولا ربوة غدر ألا افترءتها. وهذا المعنى غريب ونحن في غنى عنه. إلى آخر ما جاء هناك. وهو في هذه الصفحات الأولى يتوخى السجعات فيضطر إلى
ركوب ما لا تحمد عقباه. ونحن في غنى عن مثل هذا التقييد ولا سيما في كتب غايتها الإفهام لا الإيهام والعبارة المألوفة لا المعقدة.
٨: إن الألفاظ الأعجمية من علمية وجنسية جاءت مصحفة تصحيفاً شنيعاً لا يهتدي إليها إلا بعد الروية ولا غرو أنه نقلها عن بعض من لا يحسن اللغة الإفرنجية. كما في الارنج والجوري أو الشامبنزيه وهو يريد الاوران اوتان - والغورلا والشمبنزي (ص و) وذكر العلامة نيوتن باسم ينوتن ولعلها من غلط الطبع ولني جاءت لينيه وكلاهما في ص ز وسط الكتاب.
٩: كثيراً ما يستعمل المؤلف ألفاظاً تدل على الدعاء بالشر وهي اليوم ليست من آداب هذا العصر كقوله في ص ٤٠:. . . فما لبثوا أن تمادى فيهم الغرور وطغى بهم طوفان الجهل حتى قال قائلهم سل الله أسلة لسانه كما سل عقله بيد شيطانه (أنا قد قتلنا إلهنا واسترحنا). . ومثل هذا التعبير كثير في هذا الكتاب. على أن هذه الأمور لا تنزع من الكتاب مزيته فأننا إذا اعتبرناه من جهة تفنيده للمذاهب الجديدة الواهية كمذهب الماديين والدهريين وأصحاب مذهب تنازع البقاء والنشوء والارتقاء والدروينية والتعطيل والإلحاد ونحوها. فأنه بمنزلة الصاعقة لهم. طالع مثلاً الفصل الأول من هذا السفر الجليل فانك تراه يتكلم عن إثبات الصانع جل صنعه ببراهين بينة قريبة المثال. هذا فضلاً عما هناك من الحقائق الأخرى كاليقين بوجود النفس مقارن لليقين بوجود الإله. (ص ٦٥) وكالنفس هي التي تدرك قبل كل شيء والمادة التي تدرك أبداً. (ص ٦٦) وككلامه في بذاءة الملحدين وصلابة أوجههم (ص ٦٧) إلى غيرها
стр. 960
من الأبحاث الجليلة والتي لا تعد. وإنما عددنا بعض معايب هذا السفر الخطير عملا بقول المفكر الكبير:
كفى المرء نبلا أن تعد معايبه
تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره
١ - مرض الغنم
وقع داء في الغنم منذ أوائل شهر شباط ولا سيما في الغنم الموجودة في جوار قضاء خراسان. وقد سافر إلى المحل المذكور فاروقي أفندي مفتش بياطرة الولاية ليطلع على هذا المرض وقد تحقق بعد الفحص انه حاصل من قلة الأمطار. وقد مات بهذا المرض اكثر من عشرين بالمائة وليس له علاج آخر سوى كثرة العشب والكلا. وقد وقع مثل هذا الداء في غنم قضاء (بدرة) (بادورايا)
(عن الزهور)
٢ - مرض خيل الجند
وقع مرض شديد في خيل الجند الخيالة في أوائل الشهر المنصرم فاتلف منها ٣٢ جواداً. وبعد أن عالجها بياطرة الجند انقطع عنها الداء. وقد أمر أصحاب الفن قتل جميع الكلاب التي كانت بجوارها وكان يظن بها أنها من نواقل العدوى (عنها).
٣ - منع إخراج الحبوب والتمر
قدم مجلس بلدية بغداد عريضة بتاريخ ١٨ كانون الثاني من هذه السنة إلى مجلس الولاية طالبة جعل التمر من عداد ما يمنع إخراجه من بغداد حفظاً لحياة الفقير فالمع المجلس الأخير بهذه الرغبة إلى نظارة الداخلية فلبت طلب المجلسين بل ورفعت المكس عما يجلب إلى الولاية من الحبوب إلى الحاصلات الجديدة.
٤ - رجفة في بغداد
أرجفت الأرض فشعرنا بهزتها نهار السبت ١ آذار في نحو الساعة التاسعة مساءً ودامت الزلزلة ٣ ثوانٍ والظاهر أن كثيرين لم يشعروا بها لأنهم كانوا قد ناموا
стр. 961
(صورة النبذة بحرفها)
بيان مقتصر شرح ما حدث بأيام عبد الله باشا والي بغداد، الذي هو أول مملوك الذي اشتراه سليمان باشا
بعد أن صار يسير العجم وكان جاعله جبقجي وبعده تقدم إلى وقت الذي قتل فيه سليمان باشا الزغير حصل على الوزارة بواسطة عبد الرحمن باشا الكردي في سنة ١٢٢٥هـ (١٨١٠م). في تاريخ سنة ١٢٢٧ في شهر ربيع الثاني صار تنافر فيما بين اسعد بك ابن سلمان باشا وبين طاهر اغا كيخية عبد الله باشا واستبان إلى البيك نية الغدر من الكهية والدليل لذلك ضبط أملاكه الموهوبة له من أبوه ولذلك خرج بإحدى الأيام إلى التنزه وصار قاصداً الهزيمة وعدم الرجوع إلى بغداد وحين شاع الخبر حالاً توجه أناس من قبل الوزير عبد الله باشا على تحصيله وأرسل له الأمان لكي يحضر إلى بغداد وتواسط هذه المادة باليوز الإنكليز الموجود يومئذ في بغداد وهو مستر ريج بما أنه صاحب جاه واعتبار عند الوزير المشار إليه وفي أوائل شهر جمادي الأول جاء اسعد بك ودخل بغداد وتوجه إلى مواجهة الوزير ومعه مستر ريج الذي اخذ من الوزير عهد الأمان عليه وبقي مدة في بغداد ومستأ من طرف الوزير ولكن طاهر آغا الكهية لازال يظهر منه إشارات البغض على اسعد بك وحين شعر بذلك وتأكد بأن الكهية قاصد قتله خرج من بغداد في شهر شعبان سنة ١٢٢٧ وتوجه إلى عند حمود آل سعدون شيخ المنتفق وقصده بالحماية. والمذكور بما أنه قديم في المشيخة من زمان أبو اسعد بك سليمان باشا قبل الولد بكل إكرام ومحبة وكان قد سبق قبله جاسم بك ابن الشاوي منهزما من الوزير وجاء إلى عند حمود لأنه لم يجد له مكان يلتجئ فيه سوى هذه العشيرة وشيخها حمود الذي مع أنه كفيف حسن تدبير وعقله لا يوصف وحين بلغ عبد الله باشا حصول اسعد بك عند حمود زعل الكهية هيجه بالغضب وكتبوا إلى حمود يطلبوه منه بالمعاتبة بأنه يكفيك ضبط أراضي البصرة وأثمارها ومنع أيراد الميري عليها ومدة سنتين ما قدمتوا لنا الذي عليكم بل الذين يشردون من طرفنا تحميهم وتلفيهم عندك فنحن نسمح لكم عن كلما فعلتموه من تعطيل إيراداتنا ونروم أن تسلمونا جاسم بك شاوي واسعد بك ابن سليمان باشا.
فكان جواب حمود إلى الوزير أن جميع ما حررته من جري تعطيل إيرادكم والمحصول
стр. 962
العدد ٢٤ - بتاريخ: ٠١ - ٠٦ - ١٩١٣
عريسات
١ - تمهيد
اختلفت الرواة في عريسات وموقعها ووصفها اختلافاً تاماً وقد وصفها بعضهم أنها مدينة تحت الأرض والبعض الأخر أنها معابد للأقدمين وقال آخرون أنهم رأوا في بعض مغاورها إيواناً فيه محراب إسلامي ومنبر، إلى غير ذلك.
ولما لم نقف على الحقيقة لم نر بداً من هذا الأثر النفيس بأنفسنا فرحلنا من بغداد إلى النجف في يوم الأربعاء ١١ من ربيع الثاني سنة ١٣٣١هـ - ١٩ آذار سنة ١٩١٣م. ثم وردنا لنجف بعد مدة ١٨ يوماً وقد زرنا في خلال تلك المدة المحمودية، والدير وتل أبو حبة (سبارة) والمدائن، والإسكندرية
стр. 963
والمسيب، وسدة الهندية، وكربلاء، وشفاثا، وقصر الاخيضر وقبر احمد
стр. 964
ابن هاشم، والقبور القديمة التي بقربه، وقصر
الخراب وعين التمر وقصر البردويل
стр. 965
وقصر شمعون في شفاثا وطربريق، والحلة، وكوبرش (قصر بختنصر في بابل) وبرس، والكفل، والنجف.
٢ - الطريق المؤدية من النجف إلى عريسات
في يوم الاثنين ٣٠ شهر ربيع الثاني رحلنا صباحاً من النجف قاصدين عريسات وكان دليلنا الخريت رجلاً من أهل محلة العمارة إحدى محلات النجف اسمه هجول بن احمد سران وقد قضى هذا الرجل مقدار ٤٠ سنة في عريسات لطب ذرق الخفاش وبيعه لأهل الحدائق والبساتين ولم تزل هذه مهنته حتى اليوم ولذا تراه من اعرف الناس بمتايهها الباطنة لكثرة أنتيابه إليها والى دهاليزها العديدة.
стр. 966
خرجنا من باب المشهد الكبير (أي من باب النجف) الذي هو تجاه الشمال الشرقي ثم سرنا مع السور متجهين إلى الغرب ثم انحرفنا إلى الجنوب الغربي وبعد مسافة ربع ساعة عارضنا في طريقنا تل ممتد يسمونه جبلاً وهذا التل هو الذي فيه عريسات ثم اخترقناه وملنا معه إلى الشمال الغربي وبعد مسافة ٤٥ دقيقة رأينا عن يمين الطريق على حافته آثار أنقاض تسمى (قصر الفتحة) وهو في جنوبي فرجة من تل عريسات لأن التل هناك
ينحني شيئا قليلا وذك الانحناء يسمونه (فتحة) وبعد مسافة ساعة يلوح لك عن يسار الطريق على بعد ساعة منه (قصر الرهيمة) وبعد مسافة ٧ دقائق مررنا بأثر أنقاض عن يسار الطريق يسمى (قصر الدكاكين) وهو ربوة يبلغ ارتفاعها عن الأرض نحو ٣ أمتار ومحيطها زهاء ٢٠٠ مترٍ وبعد ٧ دقائق ملنا عن الطريق إلى اليمين مسافة ٣٠ متراً ثم مررنا بوادٍ بين تلين عظيمين علو كل منهما نحو ١٠ أمتار وفيهما (الدكاكين) التي نسب القصر إليهما والدكاكين عبارة عن مساطب متوالية تتفرع إلى دهاليز وأظنها مقابر قديمة وإنما سميت بهذا الاسم لأن العرب رأوا وضعها كبعض الدكاكين التي عندهم اليوم فظنوها
стр. 967
كذلك فأطلقوا عليها هذا الاسم وقد رأينا في ركن جانب منها كتابة حميرية مكتوبة بالحبر الأسود وعدد الدكاكين نحو الأربعين وهي متقاربة تبعد الواحدة عن الأخرى زهاء ٣ أمتار وعرض الواحدة قراب مترٍ أو مترٍ ونصف متر وطولها يتفاوت بين الأربعة الأمتار والعشرة وهي منحوتة نحتا في الحجارة في أعلى جانبي الوادي وبعضها في الجانب الأخر من الجبل الذي هو تجاه الشمال وينفذ بعضها إلى الجهة الأخرى ويمر يميناً ويساراً. وبعد مسافة ٢٠ دقيقة وقفنا على (أم الغرف) وهي أشبه شيء بالدكاكين إلا أنها أكبر واعمق وعددها ١١ ثلاث منها في أعلى الجبل الذي وجهه تجاه الشمال وثمان في صفحة الجبل التي هي تجاه الجنوب و٤ فقط من هذه أل ١١ يوصل إليها بطريق أما الباقي منها فلا سبيل إلى وصولها ويبلغ عرض كل واحدة من الأربع التي صعدنا إليها نحو مترين في غور سبع أمتار في سمك ٣ أمتار وهي مقابلة للجنوب ويتفرع منها ثلاث طرق مثلها أيضاً ورائحتها كريهة جداً لكثرة ذرق الخفاش الذي فيها وهناك كثير من كسر الصخور الصغار التي يسميها الأعراب (رضماً) (بالتحريك وهو فصيح ولكن يراد بفصيحه الصخور العظيمة) وفي اغلب جدرانها سواد أشبه بالسناج (أي بسواد دخان السراج) وليس فيها أثر كتابة قطعا وهي منجورة نجراً (أي منحوتة نحتا) في الحجارة (والنجر من اصطلاح الأعراب) وفيها زوايا منحوتة أيضا وعند سفح الجبل الذي فيه أم الغرف على بعد ١٥ متراً ماء تحت الأرض يبض من عين هناك لا ترى ولم يقف الأعراب عليها إلى الآن وقد شربنا منها فكان عذباً إلا أن فيه طعم عفونة لقلة الاستقاء منه وعدم تجدد الهواء هناك.
ثم جاوزناه فسرنا متجهين إلى الشمال الغربي وبعد مسافة ١ ساعة وردنا عين ماء تسمى
(عين السطيح) يبلغ محيطها نحو ١٢ متراً وماؤها حلو وهي واقعة جنوبي الجبل أو التل على بعد ٢٠٠ مترٍ منه وفي جنوبيها على بعد ٢٠ متراً عين أخرى مثلها. ثم ملنا إلى ركن بارزٍ من التل وقطعنا التل من هناك متجهين إلى الغرب وبعد مسافة ١٠ دقائق رقينا أرض السطيح
стр. 968
وهي أرض ذات صخور وافهار تعلو الأرض قراب مترين ومحيطها مسافة نصف ساعة ثم بعدها كان على طريقنا التل السالف الذكر وسرنا معه متجهين إلى الشمال الغربي وعندما انحدرنا من أرض السطيح رأينا على بعد ٦٠ متراً إلى الشمال الغربي منها تلاً يبلغ علوه ٧ أمتار ومحيطه ١٦٠ متراً يسمى (تل السطيح) وفي شماليه على بعد ٦٠ متراً تل أصغر منه بقليل يسمى أيضاً (تل السطيح) وفي كليهما صخور وافهار.
وفوق أرض السطيح إلى الشمال الغربي على مسافة نصف ساعة محل في خشم الجبل يسمى (الرهيميات) - ويسمي الأعراب انف الجبل خشماً تصحيف الخيشوم الفصيح وهو بمعناه - وفي جنوبي الصطيح على بعد ٤٠ دقيقة (قصر الرهبان)
٣ - : الوصول إلى عريسات
ثم سرنا من أرض السطيح وبعد مسافة ساعة وربع وقفنا على عريسات
стр. 969
عند العصر وهي في الجبل الذي لازم طريقنا من سور النجف حتى وردناها. وعند وصولنا إليها دخلنا مغارة من مغاورها وهي التي تسمى (أبو سبعين) ولما دخلناها وعلمنا أن الوقت لا يساعدنا على الاطلاع عليها في وقت وجيز لأن الشمس كانت قد قاربت الغروب عزمنا على المسير إلى قصر الرهبان (اعني القلعة الحديثة) للمبيت فيه والرجوع في اليوم الثاني إليها. فنزلنا ذلك اليوم ضيوفا على رئيس القلعة (حمود العكاشي) وهو من أهل النجف وعند الصباح من يوم الثلاثاء عدنا إليها. وقبل وصولنا إليها مقدار نصف ساعة عارض طريقنا (وادي النعمان) الذي كان يحميه النعمان بن المنذر وهو الذي يمر أمام قصر الاخيضر أيضا مما يلي الشمال ثم عبرناه وسرنا حتى وردنا عريسات ودخلنا تلك المغارة التي دخلناها عصر أمس ودليلنا هجول السالف الذكر فكانت مدة دخولنا وخروجنا في مغارة (أبو سبعين) ساعتين وعشر دقائق وقد أنهكنا النصب قبل استقصاء طرقها ثم استرحنا هنيهة ودخلنا مغارات أخرى في شرقيها وغربيها ولما علمنا أن التجول في عريسات على الطريقة العلمية - التي لا تغادر صغيرة ولا كبيرة إلا تحصيها وتصفها - يستغرق على
الأقل مدة شهر وليس لدينا من المؤونة والمعدات ما يلزم ركبنا وخيلنا ورجعنا وقد أجلنا التجول فيها إلى وقت آخر واليك وصف عريسات كما شاهدناه وسمعناه.
٤ - وصف عريسات نفسها
عريسات عبارة عن دهاليز غائرة كالمغاور عديدة تتجاوز المائة عدداً وهي واقعة في أعلى الجبل أو التل وأبوابها مقابلة للقبلة ويتفاوت علو أبوابها تفاوتاً بيناً فأعلى ما يكون منها نحو مترٍ ونصف مترٍ وأدناها قراب ٨٠ سنتيمتراً وكذلك يتفاوت بعد أبواب بعضها عن بعض نحو المتر والمترين والثلاثة الأمتار والمغاور صفان أو طبقتان عليا وسفلى وبين الطبقة والطبقة نحو ٤ أمتار واكثر أبواب الصف الأعلى لا طرق إليها ولا يمكن وصولها إلا بسلم. واكثر تلك المغاور
стр. 970
تتفرع إلى طريقين وثلاث وأربع وخمس طرق ما عدا (أبو سبعين) السالف الذكر ومسافة الطرق المذكورة نحو مترين و٤ و٧ ١٠ أمتار لا غير.
والتل الذي فيه عريسات يبلغ نحو ١٢ متراً وهو دليل الخارج من النجف إلى عريسات لأنه يمتد مع الطريق إلى عريسات كما ذكره. وجميع مغاور عريسات منحوتة في حجر ذلك التل أو الجبل نحتا وليس ثم أثر بناء بالطاباق أو اللبن أو الجص أو غير ذلك البتة.
٥ - وصف ما شاهدناه داخل عريسات
إذا دخلت مغارة من مغاور عريسات وتقدمت فيها إلى الأمام مقدار ١٠ أمتار يعتريك في الحال دوار (دوخة في الرأس) وضيق في النفس وذلك مما تشمه من الرائحة الكريهة رائحة بول الخفاش وذرقه الذي تمر عليه المئات من السنين ولا يمر عليه الهواء. والدخول في مغاور عريسات بدون ضياء بعيد التحقيق أو محال لأنك إذا جاوزت باب المغارة وتقدمت إلى الأمام مقدار عشرة أمتار صرت في ظلمة لا يبصر فيها العقاب. وإذا انطفأ سراجك وأنت داخل عريسات، فلا بد لك من الوقوف في مكانك حتى تسرجه (تعلقه) لأنك لا تدري أين تضع قدمك أفي البحر أم في النار.
دخلنا عريسات وفي يد كل منا شمعة مسرجة (وقد اخبرنا جماعة من أهل النجف أن السراج ينطفئ فيها لانحباس الهواء هناك فوجدناه خلاف ذلك). ولنكتف الآن بوصف ما في داخل مغارة (أبو سبعين) عن باقي المغاور لأنا قد قلنا فيما سبق أن اكثر تجوالنا فيها.
وهي واقعة على حد المغاور المقابلة للقبلة في طرف الشمال الغربي منها.
سرنا في دهاليز أو ديماس يبلغ سمكه دون القامة بقليل ووجهنا إلى الشمال الشرقي وبعد مسافة ٢٠ متراً ملنا إلى طريق عن يسار طوله مقدار ٢٥ متراً وبعدما سلكناه رجعنا القهقرى لأن لا منفذ فيه ثم سرنا ووجهنا أيضا إلى الشمال الشرقي وقد اخذ ارتفاع الدهاليز أو الدياميس يقل ويضيق وتتفرع الطرق فكنا كلما مشينا خمسة أمتار أو ١٠ أمتار وجدنا طريقين إحداهما عن اليمين والأخرى عن اليسار وفي وسط الطريق التي تتفرع إلى أربع طرق أو ثلاث طرق نقرة
стр. 971
شبيهة بالبئر منحوتة نحتا بسيطا تتصل حافاتها بجوانب الطرق الأربع فلا بد للسالك وقتئذٍ من أن يتعداها طفراً. على أن بعضها لا يمكن تعديها طفراً لعرض فمها. وأن عزم السالك على عبورها فلا حيلة له سوى التثبت عند وضع رجله على حافتها لأنها ملساء وليس فيها موضع يضع الإنسان فيه قدمه. - وقد سقط أحد أصحابنا في إحداها ولولا حضورنا لتعسر عليه الخروج آنئذٍ - أما عمق تلك الحفر فيختلف إذ يبلغ عمق بعضها قامة وبعضها دون القامة بنصف ذراع وبعضها أعلى من القامة واعمق ما فيها يبلغ بين ٢ و٣ أمتار لا غير وقد القينا في الحفر العميقة منها حجارة لنعلم ما في قعرها فسمعناها وقعت على كسر أحجار (رضم) ولم نجد فيها ماء البتة بخلاف ما روي لنا أن في بعضها ماء فتحققنا أن الخبر ليس كالخبر.
ثم مررنا في تلك الطرق المتفرعة ذات اليمين وذات الشمال وكلما سلكنا طريقاً منها وجدنا فيها طرقاً أخرى تتفرع منها فنسلكها ونترك تلك الطريق الأولى وإذا صدنا حائط ينتهي إليه طريقنا رجعنا القهقري وسلكنا الطريق الأولى التي ذكرناها آنفا.
أما عرض الطرق وسعتها وكيفية وضعها فبعضها لا يمكن السلوك فيها إلا حبواً كما يحبو الطفل لقرب سمائها من أرضها وبعضها لا يسلك فيها الماشي إلا كالراكع في الصلاة أو كالمنحني انحناء بحيث تقف البيضة على ظهره وبعضها يرتفع بعلو القامة أو ما يقرب من القامة ولم نجد فيها أعلى من القامة إلا قليلاً - وبعضها لا يمكنك أن تمشي فيها والطريق أمامك ولكن تمشي مجانباً (صفحاً) ويكون وجهك أمام الجدار.
أما تحتها فهو بسيط جداً يظنه الرائي لأول وهلة نحتاً طبيعياً لخلوه من دقة الصناعة والهندسة وفي كثير من أرضها وجدرانها وسقوفها سلوع (شقوق أو فطور) طبيعية تدخل
فيها يد الإنسان وأرضها وجدرانها وسقوفها غير مستوية وكلها مضلعة (مركنة أي ذات أركان بارزة) إلا بعض السقوف (وهي قليلة) فأنها مقوسة ولم نشاهد فيها أثر كتابة أو نقوش وأن كان ثم شيء منها فلا يمكن الاهتداء إليه لأن جميع الجدران والسقوف مغشاة ببول الخفاش وتعسر أزالته أو كشطه بدون آلة واعتناء في مدة مديدة ولم نسمع فيها أيضا سوى وطوطة الخفاش وقد شاهدنا في أثناء الطريق عظام حيوانات غير مفترسة. وبعد مسافة
стр. 972
نصف ساعة نزلنا في نقرة واقعة في وسط فسحة بين مفرق أربع طرق يبلغ محيطها نحو ٦ أمتار وعرض فم النقرة على قدر جسم الإنسان الذي هو ليس بالسمين ولا بالضعيف وعمقها ٣ أمتار تقريباً ومن هناك سلكنا في طريق تتفرع منه طرق متعددة كما وصفنا وقد نزلنا في حفرة عند منتهى إحدى تلك الطرق يبلغ عمقها ثلاثة أمتار ومحيطها ٦ أمتار فوجدنا فيها كثيراً من كسر الحجارة (رضماً) وبين تلك الرضام عظم زند إنسان لا غير عليه وسخ كثير. وما زلنا نخرج من دهليز ونسلك في آخر حتى مللنا. - وفي أثناء مرورنا شاهدنا ضياء الشمس فسألنا الدليل من أين هذا الضياء فقال هذا من مغارة بابها من الجهة الأخرى من التل أو الجبل (أي تجاه الشمال) - ثم سرنا ووجهنا إلى القبلة وإلى الجنوب الغربي حتى مررنا بحفرة لها باب كأبواب مغاور عريسات في الجدار الذي عن اليسار من الدهليز وأطلنا من الباب عليها لننظر ما فيها فلم نتحقق شيئاً لأنها واسعة وعميقة ومظلمة جداً وليس هناك طريق للنزول فيها بدون سلم ويبلغ طولها نحو ٤ أمتار في سمك ذلك في عرض مترين وفيها كثير من كسر الأحجار الصغيرة والكبيرة ثم جاوزناها وسرنا متوجهين إلى الجنوب أيضا وبعد مسافة بين ٢٠ و٣٠ متراً أفضينا إلى باب مغارة على البر تجاه الجنوب وهي غير المغارة التي دخلنا منها أولاً وهي واقعة شرقيها نحو ١٥ متراً وفي تلك المسافة أبواب أربع مغاور فسألنا الدليل هل أبواب هذه المغاور تؤدي إلى الدهاليز التي سلكناها فقال نعمٍ تؤدي إليها فكانت إذاً أبواب المغاور التي تؤدي إلى دهاليز (أبو سبعين) سبعةً: ستة منها مقابلة للجنوب وواحدة في الجانب الآخر من الجبل أو التل مقابل للشمال وهو الذي أشرنا إليه آنفا.
أما مسافة تلك الدهاليز فهي من ٣ أمتار إلى ١٠ أمتار إلى ١٥ إلى ٢٥ متراً وليس فيها طرق سوية غير ٦ طرق والباقي تميل يميناً وشمالاً. وقد سألنا الدليل كيف حالة عريسات
في الصيف والشتاء فقال في أيام الحر كصبارة الشتاء وفي أيام البرد كحمارة القيظ وسألناه أيضاً هل وجدت فيها شيئاً فقال
стр. 973
وجدت في بعض حفائرها جوزاً فلما كسرته وجدته فارغاً. ووجدت أيضاً في وسط حفرة من تلك الحفر جسم إنسان ميت قائم على قدميه. ولما مسسته بيدي انقلبت عظامه رماداً فكان إذاً هامداً. ولم أجد فيها (يعني في عريسات) من الحيوانات والأحناش سوى هر البر (بزون البر) والعقارب. ثم بعد ما استرحنا هنيهة دخلنا بعض المغاور الواقعة في شرقي وغربي مغارة (أبو سبعين) كما أسلفنا ذكرها وبين تلك المغاور التي سلكناها مغارة واقعة في غربي كهف (أبو سبعين) على بعد ١٥ متراً منها تقريباً. مشينا بعدما جاوزنا بابها في دهليز طوله مسافة ١٠ أمتار في عرض دون الذراع ووقفنا على حفرة واسعة الفوهة عميقة لا يمكن مجاوزتها قفزاً وأمامها طريق واسع يبلغ عرضه نحو ٢٤ متراً في طول سبعة أمتار في علو مترين ونصف متر وسقفه مبسوط (مركن) النحت ولم ندر ما فيه لأنا لم نتمكن من الوصول إليه كما ذكرنا من أمر الحفرة الوقعة بينه وبين الدهليز الذي نحن فيه ولم يكن لدينا شيء نضعه عليها كالجسر ونمر عليه فلم يكن لنا بد من الرجوع فرجعنا كما جئنا صفر الأيادي من الإطلاع على ما فيه. هذا ما شاهدناه داخل عريسات والذي خفى عنا أكثر مما ظهر لنا والله اعلم.
٦ - . موقع عريسات الجغرافي وأبعادها عما يجاورها
عريسات واقعة في الشمال الغربي من النجف أو مشهد علي بن أبي طالب (عم) على بعد ٦ ساعات للراكب و٧ للراجل وفي غربي أم الغرف على بعد ٢ أو ٣ ساعات وفي الشمال الغربي من السطيح على بعد ساعة وربع الساعة وفي غربي الرهيميات على بعد ثلاثة أرباع الساعة وفي الشمال الغربي من قصر الرهبان على بعد ساعة وربع الساعة وتقابل الحياضية من الشمال على بعد ساعتين تقريباً وفي جنوبي خان الحماد (الواقع في منتصف الطريق المؤدية من كربلاء إلى النجف) مقابلة له على بعد بين الثلاث الساعات والأربع الساعات فهذه حدود عريسات المتداولة الأسماء عند أهل تلك الأطراف وقد جرينا جريهم في مصطلحاتنا وعباراتنا.
٧ - . ما كانت عربسات
يستدل من كيفية وضع عريسات وهيئتها أنها كانت مدافن (قبور) قوم تقادم عصرهم وطوت حديثهم الدهور والذي يساعد على هذا القول هو ما رأيناه
стр. 974
من مغاورها المسدودة الأبواب بالحجر الكبير - الذي لا يزحزحه أربعة رجال حتى اليوم وهي علامة القبور القديمة وهذه المغاور أو الكهوف المسدودة الأبواب واقعة تجاه الجنوب الشرقي وهي أربع مغاور فقط ولا يمكن الوصول إليها إلا بسلم لأن ليس ثمة طريق تؤدي إليها وهي في أعلى الجبل وتعلو عن الأرض بين ٧ أمتار و١٠ أمتار والحجر الذي سدت به أبواب تلك المغاور منحوت على قدر الباب كأنه صب في قالب ومنه يظهر أن وضعه قديم.
وقد سمعنا كثيرين من معمري الأعراب يقولون أن عريسات كانت في القديم محبساً للنعمان بن المنذر والبعض منهم قال كانت عريسات محبساً لبختنصر. وقد حدثني العالم الفاضل الثقة الشيخ محمد صالح الجزائري النجفي أنه سمع كثيراً من معمري الأعراب يقولون بهذا القول أيضاً والله اعلم بالحقائق. ولعل علماء العاديات يكشفون لنا عن غامض سرها وخفي أمرها وربك علام الغيوب.
(كاظم الدجيلي)
بعض آراء في معنى بغداد
١ - الفاتحة
ذكرت لغة العرب ٣٩٢: ١ أسماء بغداد وما يرادفها واللغات التي وردت فيها وهانحن نورد بعض الآراء في تفسير هذه اللفظة فنقول:
٢ - آراء المصريين في معناها.
١ - ذهب حضرة الدكتور وليم هارصون إلى أن بغداد محرفة عن (بعل جاد) ومعناها معسكر البعل وقد شرح هذا الرأي في بحث مسهبٍ وأبان أنها كانت معسكراً للجيش البابلي ومحط ذخائره ومعداته الحربية أما نحن فلا نوافقه على رأيه هذا لأن بعل جاد كانت مدينة مشهورة واقعة في شمالي فلسطين اللهم إلا أن تكون مدينتان قد تسمتا باسم واحد كما وقع ذلك في بعض المدن بيد أن ذلك يفتقر إلى إثبات.
٢ - قال الأستاذ الفرد ولصن بغداد تحريف (بعل داد) أي مدينة إله الشمس وتأييداً لما ذهب إليه قال: كان أهل المشرق
стр. 975
في الأزمنة الغابرة يعبدون الأجرام السموية فعبد الشنعاريون أي البابليون والكلدانيون القدماء والفنيقيون والكنعانيون الشمس والقمر فكان البعل عندهم الإله الشمس وعشتروت الآلهة القمر وعليه لا يبعد من أن تكون مدينة بغداد بنية أولاً لعبادة البعل ثم أرصدت له وسميت باسمه.
٣ - وقال العلامة ج. لسترانج يظهر أن أسم بغداد مركب من لفظتين قديمتين فارسيتين وهما بغ أي الله وداد أي أسس فيكون مؤدى معناها (مدينة مؤسسها الله).
٤ - وكتب عمانوئيل أناويس قائلاً (إن الإفرنج نقلوا إلى لغتهم أسم بلطشاسر مصحفاً بصورة بغدا سار. والظاهر أنهم أخذوا هذه الأسماء من اليونان وهؤلاء من الأرمن والأرمن من الفرس فهي إذاً فارسية الأصل والظاهر أن الفرس كانوا يقلبون اللام غيناً فيما نقلوه قديماً عن السريان (وقد نقلوا عن السريان كلمات كثيرة فأخذها منهم الأرمن وجروا مجراهم) فأسم صنم الفرس القديم بغ مصحف عن (بل) الإله الكلداني - وعليه يكون أسم مدينة بغداد لفظاً كلدانياً في الأصل وهو (بلداد) ومعناه بل حبيبي. وربما كان هذا أصلح
الآراء في أسم بغداد.
٥ - ارتأى أحد سياح الإنكليز المدعو بولص هملتون الذي جاب أغلب ديار العراق. إن بغداد هي تصحيف (بلداد) أي بطش بل فداد لفظة آرامية قديمة معناها فتك وقد ذهب إلى أنه جرى في هذه البقعة ملحمة عظيمة يشيب لهولها الأطفال فيها أنتصر نبوخدنصر على أعدائه فشتت شملهم وألقى الرعب في قلوبهم حتى هلكوا عن أخرهم فتذكاراً للفتح المبين والنصرة الباهرة بنيت المدينة ودعيت باسم الصنم (بل) إكراماً له وتيمناً به. ودونك ما جاء في تاريخ الخلفاء العباسيين تأليف العلامة لسترانج ادعاماً لرأي الكاتب.
إن السر هنري رولنصن الشهير
стр. 976
زار بغداد وتفقد معالمها عام ١٨٤٨م وأتفق أن في قيظ تلك السنة نضبت مياه أغلب الجداول والآبار ونقصت مياه دجلة نقصاناً فاحشاً حتى أن كثيراً من الأبنية التي كانت قد غمرتها المياه وحجبت عنها أشعة الشمس الساطعة قروناً عديدة ظهرت بجبروتها وعظمتها تسخر بتيارات دجلة وأمواج عبابه.
وبينما كان المذكور ذات يوم يجول في شاطئ الجانب الغربي من بغداد (أي الكرخ) عثر على متراس فسيح مبني بالآجر البابلي وكانت كل لبنة منه مختومة باسم نبوخدنصر وألقابه وفتوحاته.
٦ - صرح أحد مؤرخي الإنكليز الكبار الذي يركن إلى قوله: إن مدينة بغداد قديمة جداً ولا يعرف معنى أسمها على التحقيق وربما يرتقي عهد بنائها إلى حموربي المعاصر لإبراهيم الخليل وهو المذكور في سفر التكوين من التوراة باسم أمرافل كما أثبت ذلك أحد العلماء الفرنسويين بأدلة لامعة لا محل لإيرادها هنا.
٣ - قدم بغداد
ظهر مما تقدم إيضاحه أن بغداد كانت مدينة شهيرة قبل عصر الخلفاء بأزمنة لا يعرف قدمها على التحقيق وعلى كل حال ليس معنى اسمها كما أوله كثيرون من كتبتنا القدماء حسبما عن لهم وأوحت إليهم مخيلتهم وربما شك البعض في حقيقة قولي ولا يصدق أن مدينة بغداد الحديثة بنيت على أنقاض القديمة فلدي براهين تاريخية مكينة لا تقبل الرد بل تؤكد كل التأييد ما ذهب إليه فهاكها على سبيل الاطلاع.
أولاً ورد في بعض الرقم الآشورية والجداول الجغرافية أسم يشابه كل المشابهة أسم بغداد
على عهد حكومة الملك أشور بن هبل -
стр. 977
المعروف أيضاً عند الأثريين وعلماء التاريخ باسم سردنيال
ثانيا أنبأتنا التواريخ التي بأيدينا أنه في العصر الأخير من دولة الساسانيين كانت بغداد الواقعة على الجانب الغربي من دجلة بقعة مخصبة جداً وزاهية زاهرة بأنواع الورود وأصناف الرياحين
ثالثاً كان يقام في بغداد من قديم الزمان سوق كسوق عكاظ في غرة كل شهر للبيع والشراء وقد ذاع صيته في أربعة أقطار المسكونة حتى أنه في أوائل فتوحات العرب أوفد خالد بن الوليد (الملقب بسيف الله قائد الجيش في عصر الخليفة أبي بكر الصديق) شرذمة من جيشه يقودها أحد الأمراء الأبطال ليدخل بغداد ويغزو سوقها الغني بجواهره الثمينة وقد توقفت تلك الحملة في غزوتها لأن الغزاة باغتوا المدينة. وأغاروا على سوقها فحملوا شيئاً كثيراً من الذهب والفضة وكروا راجعين بتلك الغنيمة الباردة إلى الأنبار حيث كان القائد العام معسكراً بجيشه الجرار وهذه الحادثة وقعت سنة ١٣ هـ الموافقة ٦٣٤ م
رابعاً جاء في صفحة ٤٥٤ من تاريخ (قيام وسقوط الخلافة العربية) للعلامة السر وليم مور ما معناه: (طاف المنصور بلاد تلك الأرجاء حتى تخوم الموصل ليختار له بقعة تلائم الغرض الذي كان يتوخاه فعثر أخيراً على موضع في الجانب الأيمن (الشرقي) من دجلة يبعد نحو خمسة عشر ميلاً عن المدائن وكان بالقرب منه دير يقطنه فريق من الرهبان مع رئيسهم فلما سئلوا عن ذلك المحل أطنبوا في مدحه)
стр. 978
خامساً ورد في الصفحة ٩ من تاريخ بغداد في زمن الخلفاء العباسيين تأليف الفاضل لسترانج ما نصه (إن المنصور ساح سياحات عديدة في نية أن يعثر على بقعة حسنة ليتخذها عاصمة جديدة لمملكته فأخذ يجول في ضفاف دجلة من جرجرايا إلى الموصل حتى بدا له محل واقع بقرب بارما الكائنة وراء تخوم الموصل حيث يخرق دجلة جبل حمرين ولكن لم يطب ذلك الموضع للخليفة لأنه كان قاحلاً جداً وعليه قفل راجعاً إلى أنحاء بغداد فرأى هناك قرية للفرس على ضفاف دجلة فيها بضعة أديرة يقطنها جماعة من الرهبان واغلبهم من النساطرة فاستخبر منهم عن حال القطر فعرفوه أنه يفوق سائر أقطار العراق باعتدال مناخه وجودة هوائه وعذوبة مائه وحسن مناظره الطبيعية التي تشرح
الخاطر وتبهج الناظر فضلاً عن طيب لياليه الباردة حتى في أشد حرارة القيظ وخلوه من مستنقعات تكون مباءة للبعوض ومنبتاً لجراثيم الوباء) فحملته هذه الأقوال على أن يلقي عصا ترحاله في ذلك الإقليم السليم ويصمم على بناء مدينة جديدة تكون عاصمة لبين النهرين وذلك في عام ١٤٥هـ - ٧٦٢م.
فمن هنا يظهر بأجلى بيان أن بغداد مدينة قديمة وقد بنيت الحديثة بجنب تلك أن لم تكن على أنقاضها فلينصفنا المطالع الكريم، إذا لم يرق في عينه شاهدنا هذا القويم، وفوق ذي كل علمٍ عليم.
٤ - الزوراء
لم تسم بغداد على ما أظن بالزورآء لأن الأبواب الداخلة كانت مزورة عن الأبواب الخارجة ولا لانحراف محرابها عن القبلة ولا على ما قال ياقوت في المشترك لأن الزورآء أسم لدجلة ببغداد وسميت بذلك لميلها وانحرافها بل السبب الأصلي عندي هو لأن يوم تأسيسها كان موافقاً لطالع القوس كما أنبأتنا به بعض التواريخ. وللزوراء جملة معان في العربية منها القوس والقدح الخ. بل ربما سميت بذلك لأنها بنيت مدورة كالقدح وكان قصر الخليفة في وسطها كإناء من فضة على
стр. 979
شاطئ دجلة كما نشاهد حتى يومنا هذا استدارة أطلال سور المدينة وخندقها. وهاك ما جاء في الصحيفة ٤٣٣ من تاريخ أخبار الدول وآثار الأول: (ليس في الدنيا مدينة مدورة غيرها (أي الزوراء). بيد أن حمد الله المؤرخ الفارسي أحد كتاب القرن الثامن للهجرة الموافق للرابع عشر من التاريخ المسيحي ذهب إلى أنها لفظة آرية لا يعرف معناها لخفائه عن إفهام أهل تلك الأيام.
٥ - مدينة السلام
أما سبب تسمية بغداد بمدينة السلام فليس لأن دجلة كان يقال لها وادي السلام فاستحسن المنصور أن يسميها دار السلام فقط بل أيضاً لأن مؤسسها الكبير أراد أن يزيل عنه بهذا الاسم الجديد وصمة الأراجيف التي صوبها إليه أعداؤه الذين كانوا يدعون إنها سميت الزوراء تهكماً واستهزاء كأنهم يريدون أن يلمحوا إلى ما بها من الزور أو التزوير.
٦ - الخاتمة
أزف كلمتي هذه إلى القارئ الأديب قائلاً أن بغداد سميت بأسماء عديدة مختلفة لغايات شتى وليس بلا داعٍ ولا من باب الاتفاق.
هذا ورجائي الوطيد ممن له وقوف تام على تاريخ بغداد أن ينتقد مقالي هذا أن رآني قد حدت عن محجة الصواب وزغت عن منهج الحقيقة بشرط أن يكون بأدلة ساطعة وبراهين لامعة حتى لا تفوتني الغاية التي أنشدها. والله الموفق.
رزوق عيسى
كتاب مقاييس اللغة
-
١ - مؤلفه
هو أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكريا القزويني من أئمة اللغة في القرن
стр. 980
الرابع للهجرة صاحب المجمل في اللغة والمصنفات الكثيرة أستاذ بديع الزمان وشيخ الصاحب بن عباد كان واسع الاطلاع بعيد النظر جاء في اليتيمة: إنه من أعيان العلم بهمذان ومن أفراد الدهر يجمع إتقان العلماء وظرف الكتاب والشعراء اهـ توفي عام (٣٩٥هـ - ١٠٠٤م) في الري ودفن فيها ولم أقف على تاريخ مولده
٣ - الكتاب
مقاييس اللغة كتاب لم ينسج على نوله ولا ألف على شكله فيما أطلعت عليه من كتب اللغة - عيناً أو خبراً - جاء فيه ابن فارس بالمبدع وبرهن به على إمامته في اللغة ودقة بحثه ولطافة ذوقه في القياس والاستنتاج. أما نهجه في هذا المؤلف فهو أنه يذكر للمادة معنى يسميها أصلاً أن اجتمعت فروعها بأصل واحد وإلا فأكثر حسب اجتهاده تكون كل فروعها راجعة إليه يذكر الفروع. وهذا الكتاب مع ما ستعرفه من حسنه لم يشتهر بين أرباب اللغة ولا عرفه الكثير منهم حتى ولا ممن اعتنى منهم بمعرفة كتب اللغة خصوصا؛ كما أن الكثير ممن ترجم
стр. 981
ابن فارس لم يذكره في مؤلفاته وهذا دليل على قلة نسخه وقد رتبه ترتيب حروف الهجاء الشرقي لا المغربي ولا الطبيعي أي الابتداء بأقصى حروف الحلق إلى مثله من الشفة على الأوائل فهو يذكر الحرف وما يثنيه مضاعفاً كان أو غير مضاعف أولاً ثم ما يثلثه وأما ما هو على أربعة أو خمسة فمذهبه فيه أنه منحوت من الثنائي أو الثلاثي ولذا خصه بباب على حدة بعد فراغه من التراكيب الثنائية والثلاثية ذكر فيه كيفية نحته. مثال ذلك في باب الهمزة الهمزة مع ب إلى ي ثم الهمزة مع ب وما يثلثهما إلى ي ومع ث كذلك إلى أن تتم الحروف وهاأنا ذاكر خطبته وآخره وشيئا من فصوله لتكتمل المعرفة به قال (بعد البسملة) الحمد لله وبه نستعين وصلى الله على محمد وآله أجمعين أقول وبالله التوفيق: للغة العرب مقاييس صحيحة وأصول تتفرع منها فروع وقد ألف
الناس في جوامع الكلم ما ألفوا ولم يعربوا في شيء من ذلك عن مقاييس ولا أصل من تلك الأصول والذي أومأنا إليه باب العلم جليل وله خطر عظيم وقد صدرنا كل أصل بالأصل الذي يتفرع منه حتى تكون الجملة الموجزة شاملة للتفصيل ويكون المجيب عما يسأل عنه مجيباً عن الباب المبسوط بأوجز لفظ وأقربه وبناء الأمر في سائر ما ذكرناه على كتب مشتهرة عالية (أقول) وهي كتاب العين وكتابا أبي عبيدة وهما غريب الحديث وغريب المصنف وكتاب المنطق وكتاب الجمهرة وقد ذكر أسانيد روايته لها ومن رجال بعضها أبوه فارس وجده زكريا وقد أضربت عنها لعدم الفائدة في ذكرها قال وهذه الكتب الخمسة معتمدنا فيما استنبطناه من مقاييس اللغة وما بعد هذه فمحمول عليها وراجع إليها فأول ذلك باب الهمزة وقال في آخره
стр. 982
وقد ذكرنا ما شرطنا في صدر الكتاب أن نذكره وهو شطر من اللغة العربية صالح فأما الإحاطة بجميع كلام العرب فمما لا يقدر عليه إلا الله أو نبي من أنبيائه يوحي الله ذلك إليه أقول وذكر هذا المعنى بعينه في كتابه الصاحي قال في باب العين: وما بعدها في المضاعف والمطابق أل ع وأل ف أصلان صحيحان أحدهما الكف عن القبيح والآخر دال على قلقه في الشيء فالأول العفة: الكف عما لا ينبغي ورجل عف وعفيف وقد عف يعف عفة وعفافة وعفافا والأصل الثاني. العفة بقية اللبن في الضرع وهي أيضا العفافة قال الأعشى:
لا تجافى عنه النهار ولا تع ... جوه إلا عفافة أو فواق
ويقال تعاف ناقتك أي أحلبها بعد الحلبة الأولى ودع فصيلها يتعففها كأنه يرتضع تلك البقية وعففت فلاناً سقيته العفافة فأما قولهم جاء على عفاف ذلك أي أبانه فهو من الإبدال والأصل أفانه وقد مر وقال أيضا في ذا الباب أل ع س ب كلمات ثلاث كل واحدة منفردة بمعناها لا يكاد يتفرع منها فالأولى طروق الفرس وغيره والثانية عسيب الذنب والثالثة نوع من الأشياء التي تطير فالأول العسب قالوا هو طروق الفرس ثم حمل على ذلك حتى سمي الكرى الذي يؤخذ على الضراب عسبا وفي الحديث أنه ع نهى عن عسب الفحل فالعسب الكري الذي يؤخذ على العسب سمي باسمه للمجاورة قال زهير: (ولولا عسبه لرددتموه) ومنه قول كثير:
يغادرون عسب الوالقي وناصح ... تخص به أم الطريق عيالها
يصف خيلا وأنها أزلقت أجنتها تعباً والآخر عسيب الذنب وهو العظيم الذي فيه منبت الشعر وشبه عسيب النخلة وهي الجريدة المستقيمة به تشابهها في طريقة الامتداد والاستقامة يقال عسيب واعسبة وعسب قال:
بين الأشيا تسا ... مى حوله العسب
وعسيب الريشة مشبه بعسيب النخلة والكلمة الثالثة اليعسوب يعسوب النحل يعنون ملكها وقال أبو ذويب:
تنمى بها اليعسوب حتى أمرها ... إلى مألف رحب المباءة عاسل
والجمع يعاسيب قال:
زرقا أسنتها حمرا مثقفة ... أطرافهن مقبل لليعاسيب
стр. 983
وزعموا أن اليعسوب ضرب من الحجل أيضا وضرب من الجراد ومما ليس من هذا الباب. عسيب أسم جبل يقول فيه امرؤ القيس:
أجارتنا أن المزار قريب ... وإني مقيم ما أقام عسيب
وقال في حرف الباء: باب ما جاء من كلام العرب على أكثر من ثلاثة أحرف أولها ب اعلم أن للرباعي والخماسي مذهبا في القياس يستنبطه النظر الدقيق وذلك أن اكثر ما تراه منحوت ومعنى المنحوت أن تؤخذ كلمتان وتنحت منهما كلمة واحدة تكون آخذة منهما جميعا بحظ والأصل فيما ذكره الخليل من قولهم: حيعل الرجل إذا قال: (حي على) ومن الشيء الذي كأنه متفق عليه قولهم عبشمي قال:
(وتضحك مني شيخة عبشمية)
فعلى هذا الأصل بنينا ما ذكرنا من مقاييس الرباعي فنقول: إن ذلك على ضربين أحدهما المنحوت الذي ذكرنا والآخر الموضوع وضعا لا مجال له في طريق القياس وسنبين ذلك بعون الله فما جاء منحوتاً من كلام العرب في الرباعي وأوله ب (بلعوم) مجرى الطعام في الحلق وقد تحذف الواو فيقال (بلعم) وغير مشكل أنه مأخوذ من بلع إلا أنه زيد عليه ما زيد لجنس من المبالغة ثم قال بعد ذكر ألفاظ كثيرة ومن ذلك: البرقش وهو طائر وهو منحوت من كلمتين من برقشت الشيء إذا نقشته ومن البرش وهو اختلاف اللونين ثم قال الباب الثالث من الرباعي الذي وضع وضعا البهصلة المرأة القصيرة اهـ هذا ما أردت نقله منه
وبه الكفاءة لم أراد معرفته وقد علمت أن الكتاب كتاب اجتهاد واستنباط فربما يخطأ ابن فارس في اجتهاده وربما أصاب كل الإصابة ولو أردت أن أذكر خطأه لوجب علي أن أعمل كتاباً في ذلك.
٣ - نسختنا التي بين أيدينا
طولها ٣٦ سنتمتراً وعرضها ١٩ وطول المكتوب منها ٢٥ وعرضه
стр. 984
١٤ في كل صفحة ٢١ سطراً وعدد أوراقه ٤٩٧ وقد خرقتها الأرضة ولكن لم تؤثر في نفس الكتابة كثيراً والظاهر أن في خبرها شيئاً لا تستطيع الأرضة أكله هي كثيرة الغلط لا ينتفع بها إلا من مارس هذا الفن وأخذ بأطرافه. وكاتبها لم يذكر تاريخ الفراغ من نسخها إلا أن المتدبر العارف بتاريخ الخط العربي يحكم بأنها كتبت بعد الألف وهي بخط واحد والظاهر أنها كتبت في الهند وبقيت ثمة زماناً لما عليها من الخواتيم الواسعة الكبيرة التي يمتاز بها الهنود ولأسماء مالكيها الهندية ويظهر لي أنها كتبت على نسخة مخطوطة بالخط الكوفي لأن جنس أغلاطها يدل على ذك وذلك أن ناسخها على ما أظن لا يحسن قراءة الخط الكوفي فتشتبه عليه الحروف ومن يحسن قراءة الخط الكوفي يستطيع أن يستخرج أكثر أغلاطها إذا علم ما قلناه.
النجف: عراقي
في معترك الحياة
إن الزمان قلوب ... يحار فيه الليب
آناً يطيب وآناً ... تراه ليس يطيب
والناس فيه ضروب ... والخلق منهم عجيب
هذا تردى الأماني ... وذا أردته الكروب
وذا غنى مهنا ... وذا فقير كئيب
وذا صحيح معافى ... وذا عليل يلوب
وذا ضعيف يقيم ... وذا قوي يجوب
وذاك يسعى فيحظى ... وذا تراه يخيب
стр. 985
وذاك يرمي فيحظى ... وذا تراه يصيب
وذاك موصول شملٍ ... وذا معنى غريب
وذا يعمر دهراً ... وذاك طفلاً يغيب
وذا لئيم بخيل ... وذا كريم وهوب
وذا يعيش قنوعاً ... وذا حريص كسوب
وذا حليم صبور ... وذا جزوع غضوب
وذا وفي صدوق ... وذاك جاف كذوب
وذا قبيح بغيض ... وذا مليح حبيب
وذا جبان يروع ... وذا شجاع يريب
وذاك طلق المحيا ... وذا عبوس قطوب
وذا ذليل غبي ... وذا نبيل أريب
وذاك غر جهول ... وذا عليم أديب
وذا الكن عي ... وذا قؤول خطيب
هذى الحياة وفيها ... أمر الإله عجيب
فأختر لنفسك منها ... ما الذكر فيه يطيب
إبراهيم منيب الباجه جي
عمل الطاباق في العراق
١ - مدخل البحث
سافرت في شهر كانون ٢ سنة ١٩١١ متوجهاً نحو العراق لمهمة صناعية واتخذت طريق البر مسلكاً لي. وتمكنت في أثناء إقامتي في الأقطار التي هبطتها من أن أبحث عن حاصلات هذه الديار من صناعية وزراعية فشاهدت فيها من الشؤون التجارية ما لا ينكره أحد وأن مجاري الحياة تتدفق في بغداد.
وفي المدة التي قضيتها في عدة مواطن من العراق وهي مدة ستة أشهر جمعت في المواضع التي يعتمد عليها من الإفادات المدققة بخصوص مقدار ونوع المواد التي تنفق كل سنة ما لا يشك في صحته وكذلك فعلت بما يتعلق بقيمتها وكلفتها
следующие страницы →