← Джавами‘

Джавами‘ · id 36543

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

الشوكاني

Полный текст (5 091 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

جواب سؤال يتعلق بما ورد فيما أظهر الخضر تأليف العلامة محمد بن علي الشوطاني حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه محمد صبحي بن حسن حلاق أبو مصعب

стр. 1017

وصف المخطوط ١ - عنوان الرسالة: (جواب سؤال يتعلق بما ورد فيما أظهر الخضر). ٢ - أول الرسالة: بسم الله الرحمن الرحيم. أشكل على السائل ألهمه الله حقيقة الأمر إن شاء الله. وجه الاختلاف في إسناده الإرادة في قوله تعالى حكاية عن الخضر. . . ٣ - آخر الرسالة:. . . تقول لمن توبخه: لك أقول، وإياك أعنى والله أعلم. انتهى لفظ الجواب من خط شيخ الإسلام، وبقية علماء الأنام، محمد بن علي الشوكاني سلمه الله. ٤ - نوع الخط: خط نسخي جيد. ٥ - عدد صفحات الرسالة: ٢ صفحة. ٦ - المسطرة: الصفحة الأولى: (٢٣) سطرا. الصفحة الثانية: (١٠) سطرا. ٧ - عدد الكلمات في السطر: ١٢ كلمة. ٨ - الرسالة من المجلد الرابع من (الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني).

стр. 1018

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أشكل على السائل - ألهمه الله حقيقة الأمر إن شاء الله- وجه الاختلاف في إسناد (الإرادة) في قوله تعالى مع حكايته عن الخضر (١) ﵇ حيث أسند له في بيان

стр. 1019

خرق السفينة إلى نفسه منفردا فقال: " فأردت" (١). وفي بيان قتل الغلام، إلى نفسه بصفة التعظيم والجماعة فقال: " فأردنا" (٢). وفي بيان إقامة الجدار، إلى لفظ (رب) فقال: فأراد ربك" (٣). هذا. والمطلوب من شيخ الإسلام، المتحف بالشريف السلام- سلمه الله- إفادة السائل بالجواب. فالمقصد الفائدة، وطلب الثواب، ومن الله التوفيق، ومنه الوصول إلى غاية التحقيق. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم.

стр. 1020

الحمد لله. الجواب اعلم أنه قد وجد في الخضر ﵇ المقتضي للمجيء بنون العظمة، لما تفضل الله به عليه من العطايا (١) العظيمة، والمواهب الجسيمة التي من جملتها العلم الذي فضله الله به حتى أخبر موسى ﵇ لما سأله: هل في الأرض أعلم منه؟. فقال: عبدنا خضر، كما هو ثابت في الصحيح (٢). كان هذا وجها صبيحا، ومسوغا صحيحا للمجيء بنون العظمة تارة، وعدم المجيء بها أخرى. فقال: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ (٣). وقال: " فأردنا " ملاحظا في أحد الموضعين لما يستحقه من التعظيم، تحدثا بنعم الله - سبحانه- عليه. وفي الموضع الآخر قاصدا للتواضع، وأنه فرد من أفراد البشر، غير ناظر إلى تلك المزايا التي اختصه الله- سبحانه- بها، مع كون ذلك هو الصيغة التي هي الأصل في تكلم الفرد. ومع هذا. ففي تلوين العبارة نوع من الحسن أخر. وهو الافتنان في الكلام، فإنه أحسن تطرية لنشاط السامع، وأكثر إيقاظا كما قيل في نكتة الالتفات (٤).

стр. 1021

ويمكن أن يقال: إن خرق السفينة، لما كان باعتبار تحصيل مسماه أمرا يسيرا، فإنه يحصل بنزع لوح من ألواحها، قال: ﴿(فأردت أن أعيبها)﴾. ولما كان القتل مما تتعاظمه النفوس، ويدخل فاعله الروعة العظيمة، نزل منزلة مالا يقدر عليه إلا جماعة. ويمكن أيضًا وجه ثالث، وهو أن يقال: لما كان خرق السفينة مما يمكن تداركه، بأن يرد اللوح الذي نزعه كان ذلك وجها للإفراد، لأنه يسير بالنسبة إلا ما يمكن تداركه، وهو القتل. وأما قوله: ............................

стр. 1022

﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ﴾ (١) فوجه نسبة الإرادة إلى الرب- سبحانه-، أن هذه الإرادة وقعت على قوله: ﴿أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا﴾ ومعلوم أن ذلك لا يكون من فعل البشر، ولا بإرادته، لأن بقاءهما في الحياة حتى يبلغا الأشد لا يدخل تحت طاقة البشر، ولا تصح نسبته إلى غير الرب- . ولهذا يقول الخضر ﵇: ﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ (٢). هذا ما خطر بالبال عند الوقوف على هذا السؤال. ولم أقف على كلام لأحد من أهل التفسير فيما يتعلق بذلك، ولا أمكن البحث لكتب التفسير. وفي هذه القصة شيء آخر، يحسن السؤال عنه، وهو أنه قال بعد خرق السفينة:

стр. 1023

﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ (١). وقال بعد قتل الغلام: قال ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ﴾ (٢) فزاد لفظ (لك) في الموضوع الآخر دون الموضوع الأول. ويجاب عنه. مما ذكرته في تفسيري (٣) من أن سبب العتاب في الموضع الآخر، لما كان أظهر، وموجبه أقوى، كان ذلك وجها للزيادة. وقيل: زاد لفظ (لك) لقصد التأكيد كما تقول لمن توبخه: لك أقول، وإياك أعني. والله أعلم. انتهى لفظ الجواب من خط شيخ الإسلام، وبقية علماء الأنام، محمد بن علي الشوكاني- سلمه الله-[١ب]

стр. 1024

بحث عن تفسير قوله تعالى: ﴿ثم جعلناه نطفة﴾ (١) تأليف العلامة محمد بن علي الشوكاني حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه محمد صبحي بن حسن حلاق أبو مصعب

стр. 1025

السؤال الحمد لله من أقعدته رئاسة العلم مقاعد الملوك، ووقرته الأكابر وأذعنت له إذعان المملوك، قنطرة الأحكام، شمس الإسلام، درة تاج الإفادة، ثمرة الإجادة المقتطفة بأكف أحلام أرباب السيادة، طارد الهوج (١)، مقيم العوج، من أمات شخص الضلال، فأخره الكاسر لواء من ناوى الحق وأنكره، سلطان أهل الاجتهاد، قائد أعلام معارف النقاد، خذن الأسفار والدفاتر، حافظ السند بظهر قلبه الذاكر، الحجة القائمة على العباد، والفائدة المطلوبة للرشاد، العلامة الأوحد الرباني محمد بن علي الشوكاني عصمه الله عن الزيغ والزلل، وأيقظه عن مخائل الخطأ والخطل، وطهر بتلاوة الكتاب لسانه، ونور بتلاوته جنانة، وحبب إليه معرفة فصله ووصله، وأطلعه على حقائق فضله. وإن الموجب لرفع أكف الأقلام إلى أعز مقام مذاكرة دارت بين بعض الأعلام أجاب فيها الوالد العلامة شرف الدين الحسن بن على حنش (٢) - أدام الله فوائده- وذلك بعد النظر في كثير من كتب التفسير، كالكشاف (٣)، ومفاتيح الغيب (٤)، وغيرهما فلم

стр. 1026

يتعرضوا لتلك الفائدة، وهى في قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾ (١). فالذي تحصل من كتب التفسير أن المراد بالإنسان آدم، وهو قول الأكثر من السلف والخلف، وجعلوا الضمير (٢) في ﴿جَعَلْنَاهُ﴾ لمعنى أخر، وهو من وجد من ذريته. فعلى هذا يكون من باب الاستخدام وفيه التفضيل بخلق العالم الإنساني، وأنه مخلوق من الطين، كآدم وولده من النطفة ليس إلا، ولا يوجد لذلك قسم ثالث. ولكنه ورد علينا خلق عيسى- ﵇، فإنه ليس من الطين، ولا هو من نطفة بل نفخه نفخها الملك حصل منها الولد. وفي الأحاديث (٣) شيء واسع مما يدل على أن الأمر مفروغ منه، وأن

стр. 1027

الولد لا يحصل إلا من نطفة الأب، والآيات فصلت خلق الإنسان من النطفة، والعلقة، والمضغة، وإن شأنه أربعون يوما نطفة، وأربعون مضغة، وأربعون علقة في سبعة أو ثمانية مواضع من كتاب (١) الله، وعيسى- صلوات الله عليه- لم يكن كذلك. وأجاب سيدي الوالد العلامة الشرفي- كثر الله فوائده- بقوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾ (٢).

стр. 1028

وأهل التفسير (١) بنوا على الوقف عند قوله ﴿كمثل آدم﴾، وقوله ﴿خلقه من تراب﴾ استئناف ولم يجوزا كونه صفة، لأنه نكرة والموصوف معرفة، ولا جوزوا كونه حالا، لأن الماضي لا يقع حالا إلا مع [قد] (٢). هذا مفهوم كلامهم، فلذا جعلوه مستأنفا، فعلى كونه مستأنفا هل يصح أن نجعل تلك الجملة- أي خلقه من تراب- قيدا في المثل، ويكون مثل عيسى من تراب كما أن مثل ادم من تراب، والمثل (٣) المراد به

стр. 1029

الصفة كما في قوله: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ (١) أي صفة الجنة وصفة عيسى، كما هو معنى كلام العلامة الشرفي كان الله له سيما مع ما ورد في أن كل شخص يموت ويقبر في التربة التي خلق منها أم لا؟ وجوابكم عمدة السائل- نفع الله بعلومكم- وهذا إلى معلومكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم.

стр. 1030

الجواب أقول- وبالله التوفيق-: قد اختلف أئمة التفسير في مرجع الضمير في قوله- : ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً﴾ فقيل إنه راجع إلى الإنسان، وهو شامل لآدم ولذريته، وهذا على قول من قال: إن الإنسان المذكور في الآية هو آدم، وبه قال ابن عباس (١)، وعكرمة، وقتادة، ومقاتل. وقال الآخرون: الإنسان هاهنا هو ولد آدم، والطن هاهن أيضًا اسم لآدم، والسلالة (٢) هي الأجزاء (٣) اللطيفة المبثوثة في أعضائه، التي لما اجتمعت وحصلت في أوعية المني صارت منيا، وهذا التفسير مطابق لقوله تعالى: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ (٤)، وحينئذ فلا إشكال في مرجع الضمير، وهو لفظ الإنسان، وقيل (٥) أن الإنسان إنما تتولد من النطفة، وهى إنما تتولد عن فضل الهضم الراتع، وذلك إنما تتولد من الأغذية، وهى: إما حيوانية، أو نباتية. والحيوانية تنتهي إلى النجاتية، والنبات إنما يتولد من صفو الأرض والماء؟ فالأنسان بالحقيقة يكون متولدا من سلالة من طين، ثم إن تلك السلالة بعد أن تواردن عليها أطوار الخلقة، وأطوار الفطرة صارت ميتا. قال الرازي (٦): وهذا التأويل

стр. 1031

مطابق لا نحتاج فيه إلى التكليفات. وعلى هذا فالمراد بالإنسان (١) ولد آدم، ومرجع الضمير لفظ الإنسان، وليس في ذلك إشكال، إنما الإشكال على قول من قال: إن المراد بالإنسان ادم، فإنه إذا جعل المرجع لفظ الإنسان باعتبار شموله لآدم ولذريته كما قاله أهل القول الأول، فلا ريب أنه يكون في الكلام استخدام، لأنه قد أريد بلفظ الإنسان آدم وبضميره ما هو أعم منه، أو أريد بلفظ الإنسان ادم، وبضميره ذريته التي يصدق عليها لفظ الإنسان. والذي أوجب تفسير الإنسان بآدم كونه صرح سبحانه بأنه خلقه من طين، وهذا الوصف لا ينطبق إلا عليه، كما أن الخلق من نطفة لا تنطبق إلا على ذريته، وفي هذه الآية. وقد تخلص القائلون بأن المراد بالإنسان ذرية ادم عن التصريح بكونه مخلوقا من طين بأحد الوجهين الفذين قدمنا ذكرهما، فقائل يقول: إن لفظ الطين اسم لآدم، وقائل يقول بالوجه المذكور بعده. وعندي أنه لو قيل: المراد بالإنسان المذكور بالآية هو النوع (٢) الشامل لآدم وغيره ولا شك أنه مخلوق من طين، أما ادم فظاهر، وأما ذريته فلأن المخلوق من المخلوق من الشيء مخلوق من ذلك الشيء، فكل إنسان مخلوق من الطين، لأن فيه جزءا من أبيه الأول المخلوق من الطين حقيقة، ويكون الضمير راجعا إلى الإنسان هذا المعنى، أي: ثم جعلنا هذا النوع نطفة، ولا شك أن هذه خاصة للنوع، ولا يلزم في خاصة النوع أن

стр. 1032

توجد في كل فرد من أفراده، فلا يرد النقض بأن ادم له، يجعل نطفة، وهكذا لا يرد عيسى لذلك. هذا ما ظهر في تفسير مرجع الضمير باعتبار ما أراده السائل، على أن عيسى وإن كان من إحدى الجهتين لا تصدق عليه أنه مخلوق من تراب، ولا من نطفة، ولكنه من الجهة الأخرى وهى جهة الأم يصدق عليه أنه مخلوق من تراب، ومن نطفة، لأنه قد يكون في بطن أمه، وهي مخلوقة من تراب باعتبار أبيها ادم؛ إذ المخلوق من المخلوق من الشيء مخلوق من ذلك الشيء كما قدمنا، وكذلك مخلوقة من نطفة، والأمر ظاهر، وعيسى لما تكون فيما هو مخلوق من تراب، وفيما هو مخلوق من نطفة، صح أن يدخل تحت لفظ الإنسان المذكور في الآية ويتصف بصفاته المذكورة. إذا تقرر لك هذا علمت أن قوله في الآية الأخرى التي ذكرها السائل- كثر الله فوائده- خلقه من (١) تراب إن كان وصفا لآدم- ﵇ فالأمر ظاهر، وإن كان وصفا لعيسى- ﵇ فبالاعتبار الذي أسلفنا. قال الرازي (٢): أجمع المفسرون على أن هذه الآية نزلت عند حضور وفد نجران على الرسول- ﵊ وكان مما أوردوه من شبههم أن قالوا: يا محمد، لما سلمت أنه لا أب له من البشر وجب أن يكون أبوه هو الله تعالى، فقال: إن آدم ليس له أب ولا أم، ولم يلزم أن يكون ابنا لله، فكذا القول في عيسى. هذا حاصل الكلام. قال: وأيضا إذا جاز أن يخلق الله ادم (٣) من التراب فلما لا يجوز

стр. 1033

أن يخلق عيسى من دم مريم، بل هذا أقرب إلى العقل، فإن تولد الحيوان من الدم الذي يجتمع في رحم الأم أقرب من تولدة من التراب اليابس .... انتهى واعلم أن الكلام على ما سأل عنه السائل- كثر الله فوائده- إذا رمنا استقصاء ما يتعلق به طال البحث فلنقتصر على هذا ..... انتهى.

стр. 1034

الإيضاح لمعنى التوبة والإصلاح تأليف العلامة محمد بن علي الشوكاني حققته وعلقت عليه وخرجت أحاديثه محفوظة بنت علي شرف الدين أم الحسن

стр. 1035

وصف المخطوط ١ - عنوان الرسالة: (الإيضاح لمعنى التوبة والإصلاح). ٢ - موضوع الرسالة: تفسير آيات من سورة النور. ٣ - أول الرسالة.: بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد النبيين، وعلى آله الأكرمين وصحبه الراشدين. وبعد: فإنه ورد هذا السؤال من الوالد العلامة المفضال لطف الله بن أحمد جحاف ... ٤ - آخر الرسالة: وهو غير فاسق، وشهادته مقبولة. وفي هذا المقدار كفاية والله ولي التوفيق. حرره مؤلفه غفر الله له في نهار يوم السبت لعله حادي وعشرون شهر الحجة سنة ١٢٢٤ هـ. ٥ - نوع الخط: خط نسخي جيد. ٦ - الناسخ: المؤلف: محمد بن علي الشوكاني. ٧ - تاريخ النسخ: السبت/ ١١/ الحجة سنة ١٢٢٤هـ. ٨ - عدد أوراق الرسالة: (٨) ورقات+ صفحة العنوان. ٩ - عدد الأسطر في الصفحة: (٢٣ - ٢٥) سطرا. ١٠ - عدد الكلمات في السطر: ٩ - ١١ كلمة. ١١ - الرسالة من المجلد الرابع من (الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني).

стр. 1036

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد النبيين، وعلى آله الأكرمين وصحبه الراشدين: وبعد: فإنه ورد هذا السؤال من الولد العلامة المفضال: لطف الله بن أحمد جحاف (١) - لا برح رافلا في حلل الألطاف-. وهذا نصه منظوما: يا بدر أشرق منورا ... وسما على كل الورى إني أتيتك سائلا ... لمهم أمر قد جرى في فتية شهدوا ... على زيد بفاحشة ترى قالوا زنى لكنهم ... دون النصاب وقد سرى فأين لسائلك الذي ... أضحى لفضلك مظهرا بم توبة النفر الذين ... رأوه يفعل منكرا؟ ١١):

стр. 1037

أيكذبون نفوسهم ... في الصدق أم ماذا ترى؟ فالكذب أخبث حلة ... والصدق أظهر مخبرا وأراه لا ينفك عن ... إصراره من أبصرا أقول: هذا السؤال الذي تضمنه هذا النظم المنسجم، في غاية الحسن، لكون الشهادة [للمحدودين] (١) بسبب عدم كمال نصاب شهادة الزنا، [و] (٢) لم يتبين أفم كاذبون في الواقع. ولو كان الحد لكذب، بل لنقص نصاب الشهادة [١أ] وذلك لا يستلزم الكذب لا عقلا، ولا شرعا، ولا عادة. إذا عرفت هذا، فاعلم أن تقرير الكلام على وجه يرتفع به الإشكال، وينتفع به ناظم السؤال، يتوقف على تحقيق مرجع هذا الاستثناء، بعد تحقيق ما اشتمل عليه المستثني منه في الجملة فأقول: اعلم أن قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٣). قد اشتمل على ثلاثة أحكام متعلقة بالقاذف: (الأول): جلده. (الثاني): رد شهادته. (الثالث): فسقه. فالاستثناء المتعقب لما تضمن هذه الثلاثة الأحكام، [وهو] (٤) قوله تعالى: & إِلَّا?

стр. 1038

الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿(١). قد اختلف أهل العلم في مرجعه، ماذا هو؟ هل هو جميع ما دل على تلك الثلاثة الأحكام من تلك الآية، أم بعضها؟. فذهب جع جم، إلى أنه راجع إلى (٢) جميعها. وقرروا ذلك. مما يطول، ولا يتسع المقام لبسطه، وقد جعل هذه الآية مثالا للاستثناء الواقع بعد جمل متعددة، جماعة من المصنفين في أصول الفقه (٣).

стр. 1039

ولكنه يرد على هؤلاء القائلين بأنه راجع إلى جميع الجمل، أن توبة القاذف لا تسقط عنه حد القذف بالإجماع. فلو كان الاستثناء راجعا إلى جميع الجمل لزم سقوط الحد بوجود التوبة، واللازم باطل، فالملزوم مثله. أما الملازمة فظاهرة، وأما بطلان اللازم فبالإجماع إلا ما يروى عن الشجي، وهو مدفوع بالنصوص، وبإجماع أهل العلم. ومن القائلين برجوع الاستثناء الواقع بعد جمل إلى جميعها من غير نظر [١ب] إلى خصوص هذه الآية، مالك، والشافعي، وأصحابهما، وجمهور أهل الأصول وغيرهم (١).

стр. 1040

الشعبي. واختلفوا في رجوعه إلى الحكم الثاني، وهو رد الشهادة المدلول عليه بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ (١). فقال شريح القاضي، وإبراهيم النخعي، والحسن البصري، وسعيد بن جبير، ومكحول، وعبد الرحمن بن زيد بن جابر، وسفيان الثوري، وأبو حنيفة: لا يرجع إليه، وجزموا بأنها لا تقبل شهادة القاذف أبدا (٢) وإن تاب، ولا زال عنه اسم الفسق

стр. 1041

بالتوبة. وذهب جمهور أهل العلم إلى أن الاستثناء يرجع إلى قوله: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ (١). كما يرجع إلى قوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٢). ومن القائلين بعدم رجوع هذا الاستثناء إلى قوله: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ ابن عباس. أخرج عنه أبو داود في ناسخه (٣)، وابن المنذر (٤)، أنه قال: في قوله:﴾ وَالَّذِينَ [٢أ] يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ ﴿الآية. ثم استثنى فقال:﴾ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا. فتاب الله عليهم من الفسوق. أما الشهادة فلا تجوز. وأخرج ابن مردويه (٥) عنه من وجه أخر نحوه. وأخرج ابن جرير (٦)، وابن المنذر (٧)، والبيهقى في سننه (٨)، عنه ما يخالف هذا. وهو أنه قال في تفسير هذه الآية: " فمن تاب وأصلح فشهادته في كتاب الله تقبل ".

стр. 1042

إذا عرفت هذا، فاعلم أنه قد اختلف أهل العلم في كيفية التوبة التي يرتفع عنه بها الفسق عند الجميع، وتقبل بها شهادته عند الجمهور لا عند غيرهم كما سبق. وهذا هو محل السؤال، ومكان الإشكال. فذهب جماعه إلى أن توبته، لا تكون إلا بإكذابه لنفسه تصريحا، ولا يكون تائبا. بمجرد الندم على ما فرط منه، والعزائم على عدم المعاودة لما اقترفه ومن القائلين هذا عمر ابن الخطاب. فأخرج ابن مردويه (١) عنه، أنه قال في تفسيره الآية: " توبتهم إكذابهم أنفسهم، فإن أكذبوا أنفسهم، قبلت شهادتهم ". وأخرج عبد بن حميد (٢) عنه، أنه قال لأبي بكرة في قصة المغيرة المشهورة: "إن تكذب نفسك نجز شهادتك فأبى أن يكذب نفسه، ولم يكن عمر يجيز شهادته ". والقصة مشهورة مروية في السير (٣)، وفي كتب الحديث (٤)، ووافقه على ذلك عطاء. فأخرج عبد الرزاق (٥)، وعبد بن حميد (٦) عنه أنه قال: " إذا تاب القاذف وأكذب نفسه قبلت شهادته ". وبه قال الزهري، وطاووس، ومسروق، والشجي، روى عنهم عبد بن حميد (٧) أنهم قالوا: توبته أن يكذب نفسه.

стр. 1043

وقد حكى هذا النحاس عن أهل المدينة، وبه قال الشافعي، فإنه صرح في كتبه (١) "باب توبة القاذف هي إكذابه نفسه " قال الإصطخري (٢): وهو أن يقول: كذبت ولا أعود [٢ب] إلى ذلك. وقالت طائفة أخرى من أهل العلم: إن توبة القاذف، هي أن يصلح ويحسن حاله، ويندم، ويستغفر، ويعزم على أن لا يعود، ولا يشترط أن يكذب نفسه، لأنه شهد عن علم ويقين وإنما لم يكمل نصاب الشهادة، وهو الحق (٣). ومن القائلين هذا ابن سيرين،

стр. 1044

حكى عنه عبد بن حميد (١) أنه قال: " توبته فيما بينه وبين الله تعالى ". وبه قال سعيد بن جبير، حكاه عنه سعيد (٢) بن منصور، وعبد بن حميد (٣)، وابن المنذر (٤)، وبه قال ابن سريج، حكاه عنه عبد الرزاق (٥) وعبد بن حميد (٦)، وابن المنذر (٧). وبه قال إبراهيم النخعي، حكاه عنه عبد الرزاق (٨)، وعبد بن حميد (٩)، وابن المنذر (١٠)، وابن أبي حاتم (١١). وبه قال مالك، حكاه عنه القرطبي (١٢)، قال: وهو قول ابن جرير (١٣). فإن قلت: أي القولين أقرب إلى الصواب، وأولى بالقبول، وأحق بالترجيح؟ قلت: القول الثاني لوجوه: الأول: أن الله- سبحانه-، لم يذكر في كتابه العزيز، إلا مجرد التوبة، وهي في اللغة: الرجوع من الذنب. قال في الصحاح (١٤): " التوبة: الرجوع من الذنب". وفي الحديث: (الندم توبة) (١٥). وكذلك التوب مثله. وقال الأخفش: التوب: جمع توبة مثل: عومة وعوم، وتاب إلى الله توبة، ومتابا. وقد تاب الله عليه: وفقه الله ". انتهى

стр. 1045

كلام الصحاح. وفيه أن مجرد الرجوع عن الذنب توبة، والمراد برجوعه عنه: اعترافه بأنه قد ظلم نفسه، وجلب عليها الإثم بسبب خروجه عن دائرة الحلال إلى دائرة الحرام، فإذا رجع من دائرة الحرام إلى دائرة الحلال نادما على فعله، عازما على أن لا يعود إليه، فذلك هو الرجوع. وانظر كيف ذكر صاحب الصحاح (١) عقب قوله: التوبة: الرجوع من الذنب، ما هو كالتصريح. بمعنى الرجوع، وكالدليل عليه حيث قال: وفي الحديث: (الندم توبة) (٢). وقال في القاموس (٣): " تاب إلى الله توبا وتوبة ومتابا، وتابة، وتتوبة [٣أ] رجع عن المعصية. وهو تائب، وتواب، وتاب الله عليه، وفقه للتوبة، أو رجع به من التشديد إلى التخفيف، أو رجع عليه بفضله وقبوله، وهو تواب على عباده " انتهى. والكلام فيه كالكلام الذي قدمنا بعد كلام الصحاح. (الوجه الثالث): أن التوبة (٤) في لسان أهل الشرع واصطلاحهم؟ هي أن يجمع المذنب بين ندمه على الذنب، وعزمه على أن لا يعود. فمن جمع بين الأمرين، فهو تائب. ومن تاب، تاب الله عليه، والقاذف إذا ندم على قذفه، وعزم على أن لا يعود إلى شيء من ذلك، فهو تائب، ومن أوجب عليه أن يكذب نفسه، فقد أخذ في حد التوبة قيدا لم يعتبره الله في كتابه، ولا رسوله في سنته، ولا أهل اللغة العربية في لغتهم، ولا أهل الشرع في اصطلاحهم.

стр. 1046

(الوجه الثالث): أن الأمة قد أجمعت على أن التوبة تمحو الكفر. فإذا تاب الكافر تاب الله عليه، وأجمعت على أن ذنب القذف دون ذنب الكفر. بمسافات لا تحصى. فيستفاد من هذين الإجماعين، أن ما يصدق عليه مسمى التوبة في حق القاذف يكون توبة مقبولة، سقط عنه ها إثم القذف. فاعتبار قيد زائد على مسمى التوبة في القذف، [وهو] (١) دون الشرك مخالف لقواعد الشريعة، ولما عليه أهل الإسلام. وليس القاذف بأشد جرما، ولا أكبر ذنبا من الكافر بالإجماع. (الوجه الرابع): أن [الشهداء] (٢) الذين جلدوا بسبب كونهم دون النصاب، لم يكن جلدهم لكونهم كاذبين قي الواقع، بل لكونهم أقدموا على ما يخالف الشرع، وهو شهادتهم [٣ب] وهم دون النصاب، ولم يبح الله لهم ذلك، ولا أجازه، فاستحقوا الجلد ورد الضهادة، وإطلاق اسم الفسق عليهم. فالتوبة: هي اعترافهم بأنهم خالفوا الشرع في هذا الإقدام على الشهادة، وسارعوا إلى هتك عرض المسلم المشهود عليه بدون حقه، واستعجلوا في أمر كان لهم فيه أناة، وندمهم على ما فرط منهم، وعزمهم على أن لا يعودوا إلى ذلك، فإيجاب تكذيبهم أنفسهم هو أمر أخر غير ما تابوا عنه. (الوجه الخامس): أن ما أخبروا به هو عند سامعه في حيز الاحتمال لم يرد دليل صحيح من عقل، ولا نقل بأنه كذب، وجلدهم الذي أقيم عليهم، إنما هو رجوع إلى ظاهر الشرع، لا كونهم كاذبين، فإن هذا لم يتعبدنا الله به، فإلزامهم بأن يخبروا عن أنفسهم أنهم كاذبون، وجعل ذلك شرطا في توبتهم، لا تقبل بدونه، هو غير ما يعتقده من جمع الشهادة؟ لأنها عنده في حيز الاحتمال، وغير ما يعتقده الشاهد، لأنه عند نفسه على بصيرة لولا أنه وقع في الخطأ، بسبب إقدامه عليها مع عدم كمال النصاب.

стр. 1047

ومع كونه غير ما يعتقده سامع الشهادة، وغير ما يعتقده الشاهد، هو أيضًا خلاف ما في الكتاب والسنة ولغة العرب. (الوجه السادس) [٤أ]: أن عمر بن الخطاب- ﵁، وهو في اشتراطه لهذا الشرط في توبة الشهود، مخالف لما كان يتكلم به عند أن يلقى المغيرة بن شعبة وينظر إليه، فإنه كان يقول في غير مرة: "ما ذكرت قصتك إلا خشيت أن ارجم بحجارة من السماء". فهذا منه دليل، وأصعب دليل على أنه لم يقطع بكذب أولئك الثلاثة الذين شهدوا عليه، بل كان الأمر في نفسه محتملا، إن لم يكن عنده احتمال صدقهم أولى، كما يفيده هذا، ولكنه- ﵁ رجع إلى ظاهر الشرع، وهو الواجب عليه، وعلى كل مسلم، وهو المتقرر، في هذه الشريعة الغراء. وأما خشيته بأن يرجم بحجارة من السماء، فليس ذلك لكونه خطأ في الحكم الواقع منه بجلد الشهود الثلاثة، فإنه لم يخطئ بلا خلاف. ولكنه كان يقول هذه المقالة إن صحت عنه تقريعا للمغيرة وتوبيخا. وربما كان سبب قوله لها: إن المغيرة كان مشهورا. بمقارفته هذه المعصية، ولهذا كان يقال له: الأعور الزناء. ومن كان هذه المنزلة من الشهرة. بمقارفته لهذه المعصية، فهو غير عفيف. ولا جلد على القاذف بغير العفيف في الظاهر. فكان عمر- ﵁ يذكر هذا تندما، وتأسفا، حيث لم يدرأ [٤ب] عن الشهود الذين شهدوا عليه حد القذف ثم هذه الشبهة، وفي الأمر سعة. فيمكن [أن يقال] (١): إنه لم يبلغه ما يقال: من عدم عفة المغيرة إلا من بعد الجلد، ويمكن أنه لم يقطع بتلك الشهرة، ولا سيما والذين اشتهرت بينهم هذه المقالة هم أهل ولاية المغيرة، ومن كان كذلك فقد يفتري على أميره الكذب، ويقول الباطل. وعلى كل حال فالأمر في حين الاحتمال، فقد أصاب عمر- أصاب الله

стр. 1048

به- في إقامة الحد على الشهود، ولكنه لم يصب عندي، هو ولا من تابعه من أهل العلم في اشتراطهم في صحة التوبة إكذاب الشاهد لنفسه. (الوجه السابع): أن لا خلاف بين أهل العلم أن من شتم مسلما بأي نوع من أنواع الشتم الذي ليس بقذف: فإن توبته من ذلك لا يشترط فيها إكذابه لنفسه. بل يكفر في ذلك الندم، والعزم على عدم المعاودة، ومن زاد على هذا، قال: وطلب العفو من المشتوم. ومن المعلوم أنه يشتمل الجميع جنس الشتم، فلا وجه لتخصيص بعضه بقيد في صحة التوبة منه دون الآخر. (الوجه الثامن): أخرج عبد الرزاق (١) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله- صلى الله عليه واله وسلم-: " قضى الله [٥أ] ورسوله أن لا تقبل شهادة ثلاثة، ولا اثنين، ولا واحد على الزنا. ويجلدون ثمانين ثمانين، ولا تقبل لهم شهادة أبدا، حتى يتبين للمسلمين منهم توبة نصوح وإصلاح". فلم يعتبر النبي- صلى الله عليه واله وسلم- في هذه التوبة زيادة على ما يصدق عليه هذا المفهوم من إكذاب الشاهد لنفسه، بل هي توبة كسائر التوبات من الذنوب. (الوجه التاسع): أن الكذب ذنب من الذنوب، وكبيرة من الكبائر (٢)، وقد

стр. 1049

اتفقت الشرائع على هذا، ولم تختص به الشريعة الإسلامية وحدها، وإذا كان الكذب ذنبا يوجب العقوبة، فكيف يشترط في توبة الشاهد الذي شهد. مما رأته عينه، ووقع عليه بصره إذ يكذب نفسه فيدخل في ذنب. بمجرد طلبه للخروج من ذنب، والتوبة عنه؟. وهل يحل إلزامه الدخول في ذنب متفق عليه، ومعصية لا خلاف فيها!؟ وهل هذا إلا رأي بعيد عن الصواب، واجتهاد ناء عن الحق!؟. فإن قلت: قد تبين. مما ذكرته ما هو الحق في كيفية هذه التوبة من القذف، وأنه لا يشترط فيها، ما اشترطه عمر بن الخطاب- ﵁ ولا ما اشترطه من تبعه من السلف ومن بعدهم حسبما تقدم تقريره، وبقي أمران: (أحدهما): التصريح. مما هو الراجح لديك في المذاهب السابقة في رجوع الاستثناء [٥ب] إلى جميع تلك الجمل المذكورة في الآية، أو إلى بعضها. (والثاني): أن الله ضم إلى ما ذكره من اشتراط التوبة الإصلاح، فما هو؟ قلت: أما ما أذهب إليه في الاستثناء في هذه الآية وغيرها، فهو رجوعه إلى جميع الجمل السابقة التي لم يتعقب بعضها قبل ورود الاستثناء، أو نحوه من القيود ما يدل على تخصيصه. مما يخالف القيد الآخر. أو يخصص الدليل بعض القيود دون بعض، كما وقع في آية القذف، فإن الاستثناء لا يرجع إلى الجلد، بل يجلد القاذف بعد طلب المقذوف، ومرافعته له إلى الإمام أو الحاكم، وإن تاب. ووجه عدم رجوعه إليها، الدليل في غير قضية من الحدود، فإن المحدودين كانوا يأتون إلى النبي- صلى الله عليه واله وسلم- تائبين عن الذنب الذي قارفوه، في يقيم عليهم الحد حتى قال في المرأة التي رجمها: " لقد تابت توبة، لو تابها صاحب .... ...

стр. 1050

مكس (١) لغفر الله له" (٢). وانضم إلى هذا الدليل إجماع المسلمين قرنا بعد قرن، وعصرا بعد عصر أن التوبة لا تسقط الحد، ولم يرو عن أحد ما يخالف ذلك، إلا ما قدمناه عن الشعبي، وهو مع مخالفته للإجماع مخالف للدليل. وهكذا القول في آية القتل (٣) خطأ، وتخصيص القيد ببعض الجمل المذكورة [٦أ] فيها، هو بدليل دل على ذلك. وأما آية (٤) المحارب، فلما لم يوجد ما يدل على تخصيص بعض جملها بقيد يخالف

стр. 1051

الاستثناء، رجع الاستثناء (١) إلى الجميع، وهذا يعرف ضعف مذهب من قال بالوقف لاختلاف هذه الآيات في رجوع الاستثناء إلى البعض تارة، وإلى الكل أخرى، فإن ذلك لم يكن لأمر يوجب الوقف بل لدليل دل على التخصيص. ومحل النزاع هو حيث لم يدل الدليل على تخصيص بعض الجمل بحكم دون غيره، وكان العطف بالواو، وكان التعاطف بين جمل لا يين مفردات. وقد ذهب إلى الوقف (٢) القاضي أبو بكر الباقلاني (٣)، والغزالي (٤)، وجماعة من المتأخرين، ورجحه غير واحد من المتكلمين في الأصول، وأوردوا من الأدلة على ذلك ما هو خارج عن محل النزاع، غير موجب للتوقف. وقد ذهب القاضي عبد الجبار (٥)، وأبو الحسين البصري (٦) إلى أنه إن ظهر الإضراب عن الجمل الأولى، فهو للأخيرة، وإلا كان للجميع. وهذا أيضًا مذهب ساقط، فإن محل النزاع، وموطن الخلاف، هو حيث لم يرد ما يدل على ما يخالف رجوع القيد إلى الجميع، وهاهنا، الإضراب عن الجمل الأولى هو دليل تعين الأخيرة للقيد المذكور بعدها. وبالجملة، فكل الحجج التي احتج بها من قال: إنه يعود الاستثناء إلى الأخيرة أو إلى البعض تارة، وإلى الكل أخرى، هي حجج خارجة عن محل النزاع، لا ترد على من قال بأنه يرجع إلى الجميع كما هو مذهب الجمهور، وهو الحق الذي لا شك فيه، ولا

стр. 1052

شبهة، والمقام [٦ب] يحتاج إلى بسط طويل إذا أردنا إيراد كل حجة، وتعقبناها. مما يدفعها، ففي هذا الأحمال ما يغني عن التفصيل، وفي هذا الاختصار، ما يكفي عن التطويل. وأما الجواب عن الأمر الثاني، وهو معنى الإصلاح الذي ضمه الله- سبحانه- إلى التوبة، فقد قال جماعة من أصحاب الشافعي وغيرهم: إنه لابد من مضي مدة بعد التوبة، يتبين فيها صدق توبته، وحسن رجوعه. مما يعلمه من الأعمال الصالحة، التي تطابق العدالة، وتوافق التقوى، وقدروا هذه المدة بسنة، لاشتمالها على الفصول الأربعة، التي تؤثر في اختلاف الطبائع كما قالوا في العنين (١)، إنه يؤجل سنة لمده العفة. ولا يخفى أن هذا التأجيل والتقدير بالمدة رأي محض، لم يدل عليه دليل. وقيل المراد بالإصلاح إصلاح التوبة نفسها، بأن يصدرها على وجه حسن غير مشوب بشائبة تخالف الصواب، وهذا مدفوع بعطف الإصلاح على التوبة، فإن ذلك مشعر بأنه مغاير إلا، وأيضا يكون ذكر الإصلاح غير مفيد لفائدة مقبولة، لأن مسمى التوبة. لا يكون إلا بعد كونها صالحة صادرة عن وجه خالص عن الشوائب المخالفة للصواب. وإذا كان معنى التوبة لا يتم إلا إذا، فتفسير الإصلاح. مما هو داخل في معنى التوبة، وتمام مفهوميتها، وصدق اسمها، تفسير خال عن الفائدة، وتكرار عاطل [٧أ] عن ا لجدوى. فالحق أن الإصلاح المدلول عليه بقوله تعالى: ﴿وأصلحوا﴾: هو صدور ما يسمى إصلاحا من أعمال في الصادرة عن التائبين، لأنه يتبين بذلك أن توبته صادرة عن عزم

стр. 1053

صحيح، وندم قد تطابق عليه الظاهر والباطن. وفائدته، أن هذا التائب، لو أظهر بلسانه (١) العزم على عدم المعاودة للقذف. والندم على ما فرط منه، وأفعاله تدل على ما يخالف ذلك، كأن يتوب من قذفه لشخص، واشتغل بالقذف لآخر، أو يقارف أعمالا لا يقارفها من يتوب ويخاف العقوبة، فإن هذا، وإن كان قد جاء. مما يطلق عليه اسم التوبة، ويتسم به مفهومها، باعتبار عبارات لسانه، لكن قد تبين لنا. مما يعقبها من الأعمال التي هي من الإفساد، لا من الإصلاح، أنه كاذب فيها. فإن قلت: إذا ظهر لنا عند صدور التوبة (٢) منه ما يدل على الإصلاح من الأعمال والأقوال، ثم أعرض عن ذلك، وعافى إلى الأعمال التي هي مجانبة للصلاح؟ قلت: قد فعل ما شرطه الله- سبحانه- من التوبة والإصلاح، فذهب عنه اسم الفسق، وزال المانع من قبول الشهادة [٧ب] وهذه الأعمال التي عملها من بعد، وهي مخالفة للصلاح، يلزمه حكمها. فإن كانت موجبة للفسق، ومانعة من قبول الشهادة، كان هذا سببا من أسباب الفسق آخر، ومانعا من الموانع لقبول الشهادة غير المانع الأول. وإن كان غير موجبة لذلك، ولكنها من جملة ما يصدق عليه اسم المعصية فهو عاص بها، وهو غير فاسق، وشهادته مقبولة. وفي هذا المقدار كفاية، والله ولي التوفيق. حرره مؤلفه- غفر الله له- في نهار يوم السبت لعله حادي وعشرون شهر الحجة سنة ١٢٢٤.

стр. 1054

جواب سؤال عن نكتة التكرار في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ تأليف العلامة محمد بن علي لشوكاني حققته وعلقت عليه وخرجت أحاديثه محفوظة بنت علي شرف الدين أم الحسن

стр. 1055

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أحمدك لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك، وأصلي وأسلم على رسولك وإلى رسولك.- قلتم أدام الله فوائدكم- في سؤالكم النفيس ما لفظه: أشكل ما ذكره الزمخشري (١) في تفسير قوله- : ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٢). قال الزمخشري (٣): فإن قلت كيف عطف (أمرت) على (أمرت)، وهما واحد؟ قلت:
следующие страницы →