← Джавами‘

Джавами‘ · id 36543

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

الشوكاني

Полный текст (5 091 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

الاستثناء، رجع الاستثناء (١) إلى الجميع، وهذا يعرف ضعف مذهب من قال بالوقف لاختلاف هذه الآيات في رجوع الاستثناء إلى البعض تارة، وإلى الكل أخرى، فإن ذلك لم يكن لأمر يوجب الوقف بل لدليل دل على التخصيص. ومحل النزاع هو حيث لم يدل الدليل على تخصيص بعض الجمل بحكم دون غيره، وكان العطف بالواو، وكان التعاطف بين جمل لا يين مفردات. وقد ذهب إلى الوقف (٢) القاضي أبو بكر الباقلاني (٣)، والغزالي (٤)، وجماعة من المتأخرين، ورجحه غير واحد من المتكلمين في الأصول، وأوردوا من الأدلة على ذلك ما هو خارج عن محل النزاع، غير موجب للتوقف. وقد ذهب القاضي عبد الجبار (٥)، وأبو الحسين البصري (٦) إلى أنه إن ظهر الإضراب عن الجمل الأولى، فهو للأخيرة، وإلا كان للجميع. وهذا أيضًا مذهب ساقط، فإن محل النزاع، وموطن الخلاف، هو حيث لم يرد ما يدل على ما يخالف رجوع القيد إلى الجميع، وهاهنا، الإضراب عن الجمل الأولى هو دليل تعين الأخيرة للقيد المذكور بعدها. وبالجملة، فكل الحجج التي احتج بها من قال: إنه يعود الاستثناء إلى الأخيرة أو إلى البعض تارة، وإلى الكل أخرى، هي حجج خارجة عن محل النزاع، لا ترد على من قال بأنه يرجع إلى الجميع كما هو مذهب الجمهور، وهو الحق الذي لا شك فيه، ولا

стр. 1052

شبهة، والمقام [٦ب] يحتاج إلى بسط طويل إذا أردنا إيراد كل حجة، وتعقبناها. مما يدفعها، ففي هذا الأحمال ما يغني عن التفصيل، وفي هذا الاختصار، ما يكفي عن التطويل. وأما الجواب عن الأمر الثاني، وهو معنى الإصلاح الذي ضمه الله- سبحانه- إلى التوبة، فقد قال جماعة من أصحاب الشافعي وغيرهم: إنه لابد من مضي مدة بعد التوبة، يتبين فيها صدق توبته، وحسن رجوعه. مما يعلمه من الأعمال الصالحة، التي تطابق العدالة، وتوافق التقوى، وقدروا هذه المدة بسنة، لاشتمالها على الفصول الأربعة، التي تؤثر في اختلاف الطبائع كما قالوا في العنين (١)، إنه يؤجل سنة لمده العفة. ولا يخفى أن هذا التأجيل والتقدير بالمدة رأي محض، لم يدل عليه دليل. وقيل المراد بالإصلاح إصلاح التوبة نفسها، بأن يصدرها على وجه حسن غير مشوب بشائبة تخالف الصواب، وهذا مدفوع بعطف الإصلاح على التوبة، فإن ذلك مشعر بأنه مغاير إلا، وأيضا يكون ذكر الإصلاح غير مفيد لفائدة مقبولة، لأن مسمى التوبة. لا يكون إلا بعد كونها صالحة صادرة عن وجه خالص عن الشوائب المخالفة للصواب. وإذا كان معنى التوبة لا يتم إلا إذا، فتفسير الإصلاح. مما هو داخل في معنى التوبة، وتمام مفهوميتها، وصدق اسمها، تفسير خال عن الفائدة، وتكرار عاطل [٧أ] عن ا لجدوى. فالحق أن الإصلاح المدلول عليه بقوله تعالى: ﴿وأصلحوا﴾: هو صدور ما يسمى إصلاحا من أعمال في الصادرة عن التائبين، لأنه يتبين بذلك أن توبته صادرة عن عزم

стр. 1053

صحيح، وندم قد تطابق عليه الظاهر والباطن. وفائدته، أن هذا التائب، لو أظهر بلسانه (١) العزم على عدم المعاودة للقذف. والندم على ما فرط منه، وأفعاله تدل على ما يخالف ذلك، كأن يتوب من قذفه لشخص، واشتغل بالقذف لآخر، أو يقارف أعمالا لا يقارفها من يتوب ويخاف العقوبة، فإن هذا، وإن كان قد جاء. مما يطلق عليه اسم التوبة، ويتسم به مفهومها، باعتبار عبارات لسانه، لكن قد تبين لنا. مما يعقبها من الأعمال التي هي من الإفساد، لا من الإصلاح، أنه كاذب فيها. فإن قلت: إذا ظهر لنا عند صدور التوبة (٢) منه ما يدل على الإصلاح من الأعمال والأقوال، ثم أعرض عن ذلك، وعافى إلى الأعمال التي هي مجانبة للصلاح؟ قلت: قد فعل ما شرطه الله- سبحانه- من التوبة والإصلاح، فذهب عنه اسم الفسق، وزال المانع من قبول الشهادة [٧ب] وهذه الأعمال التي عملها من بعد، وهي مخالفة للصلاح، يلزمه حكمها. فإن كانت موجبة للفسق، ومانعة من قبول الشهادة، كان هذا سببا من أسباب الفسق آخر، ومانعا من الموانع لقبول الشهادة غير المانع الأول. وإن كان غير موجبة لذلك، ولكنها من جملة ما يصدق عليه اسم المعصية فهو عاص بها، وهو غير فاسق، وشهادته مقبولة. وفي هذا المقدار كفاية، والله ولي التوفيق. حرره مؤلفه- غفر الله له- في نهار يوم السبت لعله حادي وعشرون شهر الحجة سنة ١٢٢٤.

стр. 1054

جواب سؤال عن نكتة التكرار في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ تأليف العلامة محمد بن علي لشوكاني حققته وعلقت عليه وخرجت أحاديثه محفوظة بنت علي شرف الدين أم الحسن

стр. 1055

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أحمدك لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك، وأصلي وأسلم على رسولك وإلى رسولك.- قلتم أدام الله فوائدكم- في سؤالكم النفيس ما لفظه: أشكل ما ذكره الزمخشري (١) في تفسير قوله- : ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٢). قال الزمخشري (٣): فإن قلت كيف عطف (أمرت) على (أمرت)، وهما واحد؟ قلت:

стр. 1056

ليس بواحد، لاختلاف جهتيهما إلى آخر ما ذ كره. وقد استشكل السعد هذا الجواب، ولم يسلم مخالفة جهة أحدهما للأخر، ووجه السعد ذلك بتوجيه لم يظهر كلية الظهور فقال: إن معنى الأول الإخبار بأني أمرت، وليس معنى الثاني الإخبار، إنما هو لغرض الإحراز، وهنا التوجيه مشكل أشد إشكالا من الأول، لأن معناه في الأول الإخبار لهم، وهو صريح اللفظ، ثم قال في الثاني: ليس معناه الإخبار بذلك، بل الإخبار أن أمره بالإخلاص لإحراز السبق. وقد صرح الزمخشري (١) أن معنى الأخر وأمرت بذلك لأجل أن أكون أول المسلمين. ثم قال الزمخشري (١) فيما بعد ذلك أن نجعل اللام مزيدة ولا تزاد (٢) إلا مع أن خاصة إلى آخر ما ذكره فأفاد هذا أن الأمر واحد. وقد استشكل الزمخشري العطف أولا فبقي

стр. 1057

الإشكال في هذا الوجه على حاله، لأن مراده: قل إني أمرت أن أعبد الله ... إلخ ، وأمرت أن أكون أول المسلمين، فأعاده المعطوف الأخر تكرارا، وحق المقام: قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين وأن أكون أول المسلمين، على أن اللام مزيدة. وقول الزمخشري (١) أن اللام لا تزاد إلا مع أن خاصة فيقال: قد جاء في قوله- ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ (٢)، وجعلت اللام مزيدة بدون أن في هذا، هذا لفظ السؤال. وأقول: تقرير سؤال الزمخشري- ﵀ أن الفعلين وهما أمرت أمرت متحدان مادة وهيئة ومعنى، فكيف عطف أحدهما على الآخر مع أن متعلق الثاني هو متعلق الأول، لأنه لم يذكر بعده إلا العفة، فتعففه مقدر، وهو معمول الأول كما سيأتي تحقيقه. وتقرير الجواب منه- ﵀ أن الأول مطلق، والثاني مقيد، والمقيد غير المطلق من حيث إنه مقيد، والأول لمحض الإخبار ليس إلا، والثاني للأخبار بالأمر بالإخلاص. ولاشك أن المأمور به غير المأمور له، والأول يفيد الأول، والثاني يفيد الثاني. ولا شك أن هذا من اختلاف الجهة المسوغ للعطف. والسعد وإن ذكر أن اختلاف الجهة مشكل فقد أجاب عنه. مما يزيد ذلك. وقد تبع الزمخشري أئمة التفسير في ذلك، فقال أبو السعود (٣): والعطف لمغايرة الثاني الأول بتقييده بالعلة، والإشعار بأن العبارة المذكورة كما يقتضي الأمر بها لذاتها تقتضيه لما يلزمها من السبق في الدين،

стр. 1058

انتهى، وقال النيسابوري (١): وأمرت لأن أكون ليس بتكرار، لأن اللام للعفة، والمأمور به محذوف يدل عليه ما قبله، والمعنى أمرت بإخلاص الدين، وأمرت بذلك لأجل أن أكون أول المسلمين الخ. وقال البيضاوي (٢): والعطف لمغايرة الثاني الأول بتقييده بالعلة الخ. وقال البقاعي (٣) بعد أن ذكر المعنى، وأطال: فجهة هذا الفعل غير جهة الأول، فلذلك عطف عليه، لأنه لإحراز قصب السبق. والأول لمطلق الإخلاص في العبادة، انتهى. إذا تقرر هذا فاعلم أن استشكال العطف إنما هو مع عدم الحكم بزيادة اللام، لأن الأمر الثاني لم يذكر بعده إلا العلة، ولا لد من معلل، وليس إلا الجملة المذكورة بعد الفعل الأول، وهو قوله تعالى: ﴿أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ (٤) فيكون الكلام على جعل اللام للعلة في قوة أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين، لأن أكون أول المسلمين. ولا شك أنه اتحد ههنا الفعلان وما بعدهما، وهما (أن أعبد) الملفوظ به في الأول، والمقدر في الثاني، فكان الجواب الذي انحل به الإشكال هو ربط الثاني بالعلة المقتضي لاختلاف الجهة، وأما مع القول بزيادة اللام فلا إشكال أصلا، لأن معمول الثاني غير معمول الأول للقطع بأن معمول الأول هو انه يعبد الله مخلصا، ومعمول الثاني هو أنه يكون أول المسلمين. وما أحسن ما قاله ابن الخازن (٥)! ولفظه: وقيل أمره أولا بالإخلاص، وهو من عمل القلب، ثم أمره ثانيا بعمل الجوارح إلى آخر كلامه، وهو متين. فالعطف صحيح ليس فيه إشكال، ولكن السائل- كثر الله فوائده- لعله ظن أن الإشكال في مجرد العطف! لأمرت على أمرت سواء اتحد متعلقهما أو اختلفا. ومنشأ?

стр. 1059

ذلك الظن قول الزمخشري (١)، فإن قلت: كيف عطف أمرت على أمرت، وهما واحد!، انتهى. وليس مراد الزمخشري ما ظنه السائل- أطال الله بقاه- بل مراده ما أسلفنا، إنما اختصر الكلام كما هو عادته، وإلا فبتقدير السؤال الذي أراده الزمخشري وغيره هو أن يقال: كيف عطف الفعل الآخر على الفعل الأول، مع أن معمولهما وهو المأمور به واحد: وهو أن أعبد الله مخلصا له الدين لما أسلفناه مع أن تعقيب الثاني بلام العفة يدل على أن المأمور به مقدر، وهو ما دل عليه المأمور به بعد الأمر الأول، فهو نظير كسوت زيدا حلة، وكسوته إكراما له، فلا يشك من نظر في هذا التركيب أن تقدير الكلام كسوت زيدا حلة وكسوت زيدا حلة إكراما. ولا شك أن الفعلين ومعمولهما في هذا التركيب متحدان، فإذا قال القائل: اتحد المعطوف والمعطوف عليه كان الجواب أنهما اختلفا جهة، لأن الأول مطلق، والثاني مقيد، بخلاف ما إذا قيل: كسوت زيدا خفة، وكصوت عمرا جبة؟ فهذا لا يقول قائل أنه مشكل أبدا، لأن عطف الفعل على الفعل مع اختلاف (٢) معموليهما مما لا تنكر كثرته في لغة العرب. فإذا جعلت اللام في الآية زائدة، وكان معمول أمرت الأول غير معمول أمرت الثاني فقد جعلت اللام في الآية زائدة، وكان معمول أمرت الأول غير معمول أمرت الثاني فلا يحتاج مع ذلك إلى تجشم الجواب، باختلاف الجهة، لأنه قد وقع الاختلاف في متعلق الفعلين كما يقال: ضربت زيدا وضربت عمرا إكراما، فإذا قال قائل: ما المسوغ لعطف ضربت على ضربت؟ قلنا: اختلاف المعمولين بخلاف ما إذا قال ضربت زيدا وضربت إكراما " فالمسوغ اختلاف الجهتين بالإطلاق والتقييد، والمقام غير محتاج إلى التطويل بمثل هذا، ولكن لما كان منشأ الإشكال هو ذلك كما فهمته من كلام السائل حسن التطويل، وإن كان مثل السائل في قوة إدراكه وجودة عرفانه لا يحتاج إلى البعض من ذلك، إنما لعله

стр. 1060

يقف على هذا الجواب من يحتاج إلى بعض إسهاب، ولا سيما مع إيراد الزمخشري للسؤال على تلك الصفة، فإنه لا يفهم منه كل ناظر فيه في بادئ الرأي إلا ما فهمه السائل- عفى الله عني وعنه-. وأما ما أورده في آخر البحث عن كلام الزمخشري في قوله: إن اللام لا تزاد إلا مع أن خاصة، فالجواب أن جواز زيادة اللام لا يختص بأن المذكورة لفظا، بل هو أعم من اللفظ، والتقدير وقد صرح هذا غير واحد من أئمة (١) الإعراب، بل صرح أهل حواشي الكشاف في هذا الموضع بخصوصه بذلك، قال السراج في حاشيته: أي لفظا أو تقديرا ولهذا قوبل بقوله: دون الاسم الصريح (٢) الخ.

стр. 1061

وقال السعد في حاشيته: أما الحكم فهو أن اللام إنما تزاد في متعلق الأمر والإرادة إذا كان أن مع (١) الفعل ظاهرة نحو: أمرت لأن أقوم وأردت لأن أقوم، ومضمرة مثل: أمرت لا سلم، يريدون ليطفئوا نور الله الخ. ومنه ما ذكره السائل يريد الله ليبين لكم. ووجه اختصاص زيادة اللام بفعل الإرادة والأمر مذكور في كتب الفن، انتهى قال

стр. 1062

المجيب. حرر بعد مضي النصف من ليلة التلوث ثاني العقدة الحرام سنة ١٢١٠هـ قلت: وكان نقل الأم لهذا عن خطه بقلم الوالد العلامة القاضي عبد الله عبد الكريم الجرافي -رحمة الله- صبح يوم الجمعة ١٥ رجب سنة ١٣٥٢هـ. ﵏ جميعا

стр. 1063

النشر لفوائد سورة العصر تأليف العلامة محمد بن علي الشوكاني حققته وعلقت عليه وخرجت أحاديثه محفوظة بنت علي شرف الدين أم الحسن

стр. 1064

وصف المخطوط ١ - عنوان الرسالة: (النشر لفوائد سورة العصر). ٢ - موضوع الرسالة: تفسير. ٣ - أول الرسالة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا لا أحصى ثناء عليه، هو كما أثنى على نفسه، والصلاة والسلام على رسوله المصطفى وعلى آله ورضي الله عن صحبه والتابعين لهم بإحسان. وبعد: فلما كانت سورة العصر ... ٤ - آخر الرسالة: وفي. هذا المقدار كفاية لمن له هداية. وحسبنا الله ونعم الوكيل. فرغ منه مؤلفه محمد بن علي الشوكاني غفر الله لهما في نهار السبت لعله سادس عشر شهر شوال سنة (١٢٣٧هـ). ٥ - نوع الخط: خط نسخي جيد. ٦ - الناسخ: المؤلف ﵀. محمد بن علي الشوكاني. ٧ - تاريخ النسخ: السبت / شوال/ ١٢٣٧ هـ. ٨ - عدد الأوراق: صفحة العنوان+ ١٤.٥ ورقة. ٩ - عدد الأسطر في الصفحة: ٢٦ - ٣٠ سطرا. ١٠ - عدد الكلمات في السطر: ١٢ كلمة. ١١ - الرسالة من المجلد الخامس من (الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني).

стр. 1065

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا لا أحصي ثناء عليه، هو كما أثنى على نفسه، والصلاة والسلام على رسوله المصطفى، وعلى آله ورضي الله عن صحبه والتابعين لهم بإحسان. وبعد: فلما كانت سورة العصر على اختصارها، فإذا ليست إلا ثلاث آيات، ولم يكن في القرآن ما يشابهها من السور في الاختصار إلا سورة الكوثر، وسورة النصر، وكانت مشتملة على فوائد جليلة يستفيد ها المبتدئ والمنتهي، ويحتاج إليها المقصر والكامل، أفردتها هذا التفسير المختصر، ليستفيد المطلع عليه ما اشتمل عليه مما تمس الحاجة إليه وحميته: النشر لفوائد سورة العصر. ومن الله استمد الإعانة، وحسن الإثابة. تفسير سورة العصر هي ثلاث آيات، وقد وقع الخلاف هل هي مكية أو مدنية؟ فذهب الجمهور إلى أنها مكية (١)، وخالفهم قتادة (٢) فقال: هي مدنية، والقول الأول أرجح لما أخرجه ابن مردويه (٣) عن ابن عباس أنه قال: نزلت سورة العصر. بمكة، وأيضا المقام مرجعه الرواية لا الرأي، فنقل الأكثرين مرجح على انفراده على تقدير أن المخالف عدد دون عددهم،

стр. 1066

فكيف وهو فرد! وهم الكل. وأيضا الغالب في هذه السور المختصرة كالسور التي هي قبل هذه السورة، والتي هي بعدها أنها مكية، والحمل على الغالب مرجح مستقل كما تقرر في الأصول. وقد كان لهذه السورة شأن عظيم عند السلف- ﵃ فأخرج الطبراني في الأوسط (١)، والبيهقي في الشعب (٢) عن أبي مدينة الدارمي (٣)، وكانت ما له صحبة قال: كان الرجلان من أصحاب محمد ﵌ إذا التقيا لم يتفرقا حتى يقرأ أحدهما على الآخر سورة العصر ثم يسلم أحدهما على الآخر قلت: ولعل الحامل لهم على ذلك ما اشتملت عليه من الموعظة الحسنة من التواصي بالحق والتواصي بالصبر [١أ] بعد الحكم على هذا النوع الإنساني حكما مؤكدا بأنه في خسر، فإن ذلك مما ترجف له القلوب، وتقشعر عنده الجلود، وتقف لديه الشعور، وكأن كل واحد من المتلاقين يقول لصاحبه: أنا وأنت وسائر أبناء جنسنا وأهل جلدتنا خاسر لا محالة إلا أن يتخلص عن هذه الرزية، وينجو بنفسه عن هذه البلية بالإيمان والعمل الصالح، والتواصي بالحق وبالصبر، فيحمله الخوف الممزوج بالرجاء على فتح أسباب النجاء، وقرع أبواب الالتجاء، فإن قلت: كيف وقع منهم تخصيص هذه السورة هذه المزية دون غيرها من السور المختصرة؟ قلت: وجه ذلك ما قدمنا من اشتمالها على ما اشتملت عليه ترهيبا وترغيبا، وتحذيرا وتبصيرا، وإنذارا وإعذارا، بخلاف غيرها من السور، فإنك تجدها غير مشتملة على ما اشتملت عليه هذه. انظر إلى السورة التي قبلها (٤) فإنها خاصة بالتهديد والتشديد على .... .... .... .... .... .... .... .....

стр. 1067

من ألهاهم (١) التكاثر، وانظر إلى السورة التي بعدها فإنها مختصة بالوعيد العظيم، والترهيب الأليم للهمزة (٢) اللمزة، وهكذا سائر هذه الصور المختصرة مع قيام كل واحدة في بابها مقاما يعجز عنه البشر، غير أنها لم تكن كهذه السورة في ذلك الحكم العام بذلك الأمر الشديد المشتمل على أبلغ تهديد، مع أكمل توكيد، ثم تعليق النجاة منه بذلك الأمر الذي هو لب اللباب، وغاية طلبات أولي الألباب. وبالجملة فهو حكم بالهلاك على كل فرد من أفراد النوع إلا إذا لاحظه التوفيق بسلوك تلك الطريق، وسلم من آفات التعويق. وسيأتيك- إن شاء الله- من البيان لهذا الشأن ما هو أعظم برهان. فإن قلت: هل يحسن منا عند الالتقاء الإقتداء بذلك السلف الصالح؟ قلت نعم وإن لم يدل عليه دليل يخصه من المرفوع، لكن قد ورد في عمومات الكتاب والسنة ما يدل على أنه ينبغي لكل فرد من المسلمين أن يدعو أخاه إلى أسباب الهداية، ويزجره عن ذرائع الغواية، ويعظه

стр. 1068

مواعظ الله- سبحانه-، فإن ذلك من النصحية التي يقول رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فيها: " الدين (١) النصيحة" وقد تواترت الأدلة المرشدة إلى المناصحة (٢)، وأيضا ذلك يندرج تحت عمادي هذا الدين اللذين تبنى عليهما قناطره، وترجع إليهما أوائله وأواخره، وهما الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر. إذا وجدنا [١ب] لذلك موضعا، ورأينا له قبولا. ولا أقول أنه يتعين على الأمر الناهي تلاوة هذه السورة، بل أقول أنها من أتم ما يحصل به هذا الغرض، ويتأذى عنده هذا المطلب، وأنت تعلم أن الله - سبحانه- إنما أنزل هذه السورة على عباده ليعملوا بها، ويقوموا. مما اشتملت عليه من

стр. 1069

التواصي بالحق والصبر، وفي تلاوتها. عند تلاقيهم أعظم موعظة، وأتم موقظة. (بسم الله الرحمن الرحيم)، قد وقع الاختلاف (١) بين أهل العلم في البسملة هل هي آية مستقلة في أول كل سورة كتبت في أولها، أو هي بعض آية من أول كل سورة، أو هي آية في الفاتحة فقط دون غيرها من السور، أو أنها (٢) ليست بآية في الجميع، وإنما كتبت للفصل والتبرك؟ فذهب (٣) الجمهور إلى الأول، ومن القراء قراء مكة والكوفة، ومنهم ابن كثير، وعاصم، والكسائي، وقالون، وهو الحق لأن إثباتا في الرسم بلا خلاف يدل عدى أن لها حكم سائر الآيات القرآنية. وإذ انضم إلى ذلك تلاوتها عند تلاوة القران من السلف والخلف، والقراء وغيرهم في أول كل سورة إلا في سورة التوبة، ولا يقدح في ذلك تكرارها في أول كل سورة، فإن تكرار الآيات بلفظها قد وقع في كثير من القران، ولم يستدل مستدل على أن ذلك المكرر آية واحدة وقد أبعد من لم يعدها آية لا من الفاتحة ولا من غيرها كأبي وأنس من الصحابة، ومالك، وأبي حنيفة، والثوري، والأوزاعي من الفقهاء، وكذلك قراء المدينة والبصرة والشام، وهكذا الأوجه لعدها بعض آية، لأن ذلك تحكم يرد عليه الرسم والتلاوة، وكذلك لأوجه لعدها آية واحدة، وكررت للفصل بين السور كما ذهب إليه أحمد بن حنبل، وداود، وبعض الحنفية، لأن هذه دعوى مجردة لا دليل عليها، فإن استدلوا مما أخرجه أبو داود (٤) بإسناد صحيح عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم كان لا يعرف فصل السورة حتى نزل عليه بسم الله الرحمن الرحيم. وأخرجه الحاكم في .... .... ..

стр. 1070

المستدرك (١) فلا دليل في ذلك، فإن دلالتها على الفصل لا يستلزم أنها ليست بآية، لا عقلا، ولا شرعا، ولا عادة. وهكذا لا وجه لعدها آية مستقلة في الفاتحة دون غيرها، لأنه إن استدل بالرسم فالرسم للبسملة في الفاتحة كالرسم لها في غيرها من السور، وإن استدل بغير ذلك فما هو؟ إذا عرفت هذا فقد وقع الاتفاق على أنها بعض آية في سورة النمل، والكلام على هذه [٢أ] الأقوال استدلا وترجيحا وتصحيحا مدون في مواضع بسطه ومتعلق الباء محذوف (٢)، وهو أقرأ، أو أتلو، أو نحو ذلك. مما يناسب ما جعلت التسمية مبدأ له، فمن قدره متقدما كان غرضه الدلالة بتقديمه على الاهتمام بشأن الفعل، ومن قدره متأخرا كان غرضه الدلالة بتأخيره منع الاختصاص مع ما يحصل في ضمن ذلك من العناية بشأن الاسم، والإشارة إلى أن البداية به أهم لكون الترك حصل به، وهذا يظهر ترجيح تقدير الفعل متأخرا في مثل هذا المقام، ولا يعارضه قوله تعالى ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ (٣) لأن ذلك المقام مقام القراءة، وكان الأمر بها أهم. وقد اختلف أئمة النحو (٤) في المقدر هو اسم (٥) أو فعل (٦)! ومن قدر الفعل نظر إلى كون الأصل في العمل، ومن قدر الاسم نظر إلى ما فيه من الدلالة على الدوام والثبات، والاسم أصله سمو حذفت لامه، ولما كان من الأسماء التي بنوا أوائلها على السكون زادوا في

стр. 1071

أوله الهمزة، إذا نطقوا به لئلا يقع الابتداء بالساكن على تقدير إمكان النطق، والاسم (١) هو اللفظ الدال على المسمى كما قاله الجمهور ومن زعم أن الاسم هو المسمى كما قاله أبو عبيدة (٢)، وسيبويه، والباقلاني، وابن فورك، وحكاه الرازي (٣) عن الحشوية (٤) والكرامية (٥) والأشعرية (٦) فقد غلط وجاء. مما لا يعقل، ولا دل عليه نقل، وهو مدفوع بالعقل والنقل كما يقرر في مواطنه، والعلم الضروري حاصل لكل عاقل بأن الاسم الذي هو أصوات مقطعة وحروف مؤلفة غير (٧) المسمى الذي هو مدلوله. وقد ثبت في الصحيحين (٨) وغيرهما (٩) أن لله تسعة وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنة. وقال الله : ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (١٠) وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ (١١) والله علم (١٢) لذات

стр. 1072

الواجب الوجود لم تطلق على غيرها، وأصله إلاه حذفت الهمزة وعوضت عنها أداه التعريف (١) فلزمت، وكان قبل الحذف من أسماء الأجناس يقع على كل معبود بحق أو باطل، ثم غلب على المعبود بحق كالنجم، فإنه في الأصل لكل نجم في السماء، ثم غلب على الثريا، وكذلك الصعق فإنه في الأصل لكل من أصابته الصاعقة، ثم غلب على رجل معروف فهو قبل الحذف من الأعلام الغالبة، وبعد الحذف والتعويض من الأعلام المختصة [٢ب]. والرحمن الرحيم (١) اسمان مشتقان من الرحمة على طريقة المبالغة، كما تدل عليه هاتان الصيغتان، ورحمان أشد مبالغة من رحيم، وفي كلام ابن جرير (٢) ما يدل على أن هذا متفق عليه، ولذلك قالوا رحمان الدنيا والآخرة، ورحيم الدنيا. ويؤيد ذلك ما تقرر عند أهل الفن من أن زيادة البناء (٣) تدل على زيادة المعنى، وهما عربيان عند جمهور أهل اللغة. وقال ابن الأنباري (٤) والزجاج (٥) أن الرحمن عبراني والرحيم عربي، واتفقوا على أن الرحمن لم يستعمل في غير الله- سبحانه- فهو من الصفات الغالبة، والاعتبار. مما وقع من بني حنيفة من إطلاق الرحمن على مسيلمة (٦) الكذاب. قال أبو علي الفارسي:

стр. 1073

الرحمن اسم عام في جميع أنواع الرحمة يختص به الله تعالى، والرحيم إنما هو في جهة المؤمنين. قال الله- سبحانه- وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (١) انتهى. ولا يخفاك أن هذا الدليل الذي أورده لا ينتهض للحجية، لأن كون رحيما بالمؤمنين لا يستلزم أن لا يكون رحيما بغيرهم، والظاهر أنه- سبحانه- رحيم بكل عباده، ولكل مخلوقاته، فهو الذي وسعت (٢) رحمته كل شيء، وهو الذي سبقت رحمته (٣) غضبه. وقد تقرر في علم الإعراب أن فعيلا من صيغ المبالغة فحق المبالغة أن تكون رحيما بكل شيء، ولكل شيء. واعلم أنه قد ورد في فضل البسملة أحاديث فمنها ما أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٤)، والحاكم في المستدرك (٥) وصححه، والبيهقي في شعب الإيمان (٦) عن ابن عباس " أن عثمان بن عفان سأل النبي صلى الله عليه واله وسلم عن بسم الله الرحمن الرحيم فقال: هو اسم من أسماء الله، وما بينه وبين اسم الله الأكبر إلا كما بين سواد العين وبياضها من القرب". وأخرج سعيد بن منصور. . . . . . . . . . . .

стр. 1074

في سننه (١)، وابن خزيمة (٢) في كتاب البسملة، والبيهقي (٣) عن ابن عباس " قال استرق الشيطان من الناس أعظم آية من القران: بسم الله الرحمن الرحيم ". وأخرج الدارقطني (٤) بسند ضعيف عن ابن عمر أن النبي- ﵌ قال: "كان جبريل إذا جاء بالوحي أول ما يلقط علي بسم اله الرحمن الرحيم". وفي الباب أحاديث منها ما هو موضوع، ومنها ما هو ضعيف شديد الضعف. وفي نزولها من عند رب العالمين إلى رسوله المصطفى على لسان أمينة جبريل في أول كل سورة ما يكفى في شرفها وفضلها، وأي شرف وفضل أجل وأعظم من هذا ومع هذا فقد ورد الشرع بالتعبد ها في مواطن كعند الذبيحة (٥)، وعند الوضوء، وعند الأكل (٦)، وكأني الجماع (٧). بل ورد مشروعيتها عند كل [٣أ] أمر يضرع فيه الإنسان ﴿والعصر إن الإنسان لفي خسر﴾. اختلف المفسرون في العصر هذا الذي أقسم الله به، فقيل هو الدهر (٨) لما فيه من العبر التي تظهر فيه على الليل والنهار، مع ما فيها من الدلالة البينة على الصانع- سبحانه-، وعلى توحيده والعرب تطلق على الليل والنهار

стр. 1075

أنها عصر، وعلى كل واحد منهما أنه عصر، ومنه قول حميد (١) بن ثور: ولم ينته العصران: يوم وليلة ... إذا طلبا أن يدركا ما تيمما وأطلقوا على الغداة أنها عصر، وعلى العشي أنه عصر، ومنه قول الشاعر: وأمطله العصرين حتى يملني ... ويرضى بنصف الدين والأنف راغم وأطلقوا العصر أيضًا على العشي، وما بين زوال الشمس إلى غروها. ومنه قول الشاعر: يروح بنا عمرو وقد قصر العصر ... وفي الروحة الأولى الغنيمة والأجر فالعصر يطلق على كل واحد من هذه والأوجه لمن ذهب إلى تخصيص واحد منها دون غيره، كما روي عن قتادة والحسن (٢) أن المراد به في هذه الآية العشي. وروي عن قتادة (٣) أنه آخر ساعة من ساعات النهار. والظاهر في هذه الآية أن المراد به الدهر لعدم التقييد. مما يشعر ببعض الأوقات دون بعض. وقد استبعد قوم وقوع الأقسام منه - سبحانه- بالعصر. مم الدهر فقال مقاتل (٤): المراد به صلاة العصر، وهي الصلاة الوسطي، فقدر مضافًا محذوفا، وقيل هو قسم بعصر النبي- صلى الله عليه واله وسلم- لكونه اشرف العصور، وأفضل أجزاء الدهر. وقال الزجاج (٥): قال بعضهم: معناه ورب العصر. ولا يخفاك أنه لا وجه لشيء من هذه التقديرات، ولله سبحانه أن يقسم. مما شاء من مخلوقاته، ولا يحتاج مثل ذلك إلى التعليل يكون للمقسم به شرفا وفضلا، فالرب سبحانه لا يسأل عما يفعل. وقد أقسم بالعاديات وهي الخيل العادية في الغزو، وأقسم بالمرسلات وهي الرياح في قول جمهور المفسرين، وقيل هي الملائكة،

стр. 1076

وقيل الأنبياء، وقيل السحاب، والأول أولى. وأقسم أيضًا بالعاصفات وهي الرياح الشديدة، وأقسم أيضًا بالناشرات وهي الرياح أيضا. وأقسم أيضًا بالفارقات وهي [٣ب] الرياح. وقيل الملائكة. وأقسم أيضًا بالملقيات ذكرا وهي الملائكة، وأقسم أيضًا بالنازعات غرقا، والناشطات نشطا، والسابحات سبحا. فالسابقات سبقا، فالمدبرات أمرا وهي الملائكة. والعطف مع اتحاد الكل. فتنزيل التغاير الوصف منزلة التغاير الدالي كما في قول الشاعر: إلى الملك الصرم وابن الهمام (١). هكذا لمحال الجمهور من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم. وقال السدي (٢): النازعات هي النفوس حين تغرق في الصدور. وقال مجاهد (٣): هي الموت ينزع النفس. وقال قتادة (٤): هي النجوم تنزع من أفق إلى أفق، وبه قال الأخفش، وأبو عبيدة، وابن كيسان. وقال عطاء وعكرمة: هي القسي تنزع [٤] بالسهام، وإغراق النازع في القوس أن يمده غاية المد حتى تنتهي إلى النصل. وقيل أراد بالنازعات الغزاة الرماة. وأقسم- سبحانه- بالنجم، وأقسم- سبحانه- بالسماوات ذات البروج، وباليوم الموعود، وهو يوم القيامة في قول جميع المفسرين، وبالشاهد والمشهود، والمراد بالشاهد من يشهد في ذلك اليوم من الخلائق التي تحضر فيه والمراد بالمشهود ما يشاهد قي ذلك اليوم من العجائب. وقيل: المراد بالشاهد يوم الجمعة، والمشهود يوم عرفة. قال الواحدي (٥): وهذا قول الأكثر. وحكى القشيري (٦) عن ابن عمر، وابن الزبر أن الشاهد يوم الأضحى. وقال سعيد ابن (٧) جبير: الشاهد يوم التروية، والمشهود يوم عرفة. وقال النخعي (٨): الشاهد يوم

стр. 1077

عرفة، والمشهود يوم النحر. وقيل الشاهد هو الله- سبحانه-، وبه قال الحسن، وسعيد بن جبير لقوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ (١)، وقوله ﴿أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ (٢) وقيل الشاهد محمد- ﵌ لقوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ (٣) وقوله ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ (٤) وقوله: ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (٥) وقيل الشاهد جميع الأنبياء لقوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ (٦) وقيل هو عيسى بن مريم لقوله: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ (٧) وقيل: الشاهد آدم، والمشهود ذريته. وقال محمد (٨) بن كعب: الشاهد الإنسان كقوله: ﴿كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ (٩) وقال مقاتل (١٠) أعضاؤه لقوله: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ النور:٢٤ وقال الحسن (١١) بن الفضل: الشاهد

стр. 1078

هذه الأمة، والمشهود سائر الأمم، لقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ (١) وقيل الشاهد الحفظة، والمشهود بنو آدم. وقيل الأيام والليالي. وقيل الشاهد الخلق يشهدون لله- . ولا يخفاك أن إثبات الشهادة لشيء في الكتاب العزيز، أو في السنة المطهرة لا يدلا على أنه المراد في هذه الآية، فالأدلة التي ذكرها هؤلاء لا تصلح لما أرادوه (٢). وقد ذكرت في فتح القدير (٣) ما أورده هؤلاء المختلفون من الأدلة المروية. من طريق الصحابة عمن بصم، ثم تعقبت ذلك. مما تعقبته، ورجحت ما انهض دليله، فليرجع إليه، فليس هذا المقام مقام بسط الكلام على ذلك. وأقسم- سبحانه- بالسماء والطارق، ثم بين الطارق بقوله: وما أدراك ما الطارق النجم الثاقب. وأقسم- سبحانه- بالفجر وهو الوقت المعروف. وقال قتادة (٤): إنه فجر أول يوم من شهر محرم، لأنها تتفجر منه السنة، ولا وجه لهذا. وقال مجاهد (٥): إنه يوم النحر. وقال الضحاك (٦): فجر ذي الحجة، وقيل: المعنى وصلاة الفجر. وقيل: المعنى: ورب الفجر، ولا وجه لشيء من ذلك. والمراد القول الأول. وأقسم- سبحانه- بالليالي العشر، وهي عشر ذي الحجة في قول الجمهور وقال الضحاك (٧): إنها العشر الأواخر من رمضان. وقيل: العشر الأول من المحرم، والراجح الأول. ولا وجه لشيء مما خالفه. وأقسم- سبحانه- بالشفع والوتر وهما كل شفع

стр. 1079

من الأشياء المخلوقة، وكل وتر منها. وقال قتادة (١): الشفع والوتر شفع الصلاة ووترها. وقيل: الشفع يوم عرفة، ويوم النحر، والوتر ليلة يوم النحر. وقال مجاهد (٢) وعطية العوفي: الشفع الخلق، والوتر الله- سبحانه-، وبه قال محمد بن سيرين (٣)، ومسروق، وأبو صالح، وقتادة، وقال الربيع بن أنس (٤)، وأبو العالية: هي صلاة المغرب، فيها ركعتان، والوتر الركعة. وقال الضحاك (٥): الشفع عشر ذي الحجة، والوتر أيام منى الثلاثة، وبه قال عطاء. وقيل: هما آدم وحواء (٦)، لأن آدم كان وترا فشفع بحواء. وقيل: الشفع درجات الجنة، وهي ثمان، والوتر درجات النار، وهي سبع، وبه قال الحسن بن الفضل وقيل: الشفع الصفا والمروة، والوتر الكعبة. وقال مقاتل: الشفع الأيام والليالي، [٤ب] والوتر اليوم الذي لا ليلة بعده، وهو يوم القيامة. وقال سفيان بن عيينة (٧): الوتر هو الله- سبحانه-، وهو الشفع أيضًا لقوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ (٨) الآية. وقال الحسن: المراد بالشفع والوتر العدد، لأن العدد لا يخلو عنهما. وقيل: الشفع مسجد مكة والمدينة، والوتر مسجد بيت المقدس. وقيل: الشفع حج القران، والوتر الأفراد. وقيل: الشفع الحيوان، لأنه ذكر وأنثى، والوتر الجماد. وقيل الشفع ما سمي، والوتر ما لم يسمم. وقد تعقبت هذه الأقوال في فتح (٩) القدير فقلت: ولا يخفاك ما في غالب هذه الأقوال من السقوط البين، والضعف الظاهر، والاتكال في التعيين على مجرد الرأي الزائف، والخاطر

стр. 1080

الخاطئ. والذي ينبغي التعويل عليه ويتعين المصير إليه ما يدل عليه معنى الشفع والوتر في كلام العرب، وهما معروفان واضحان، فالشفع عند العرب الزوج، والوتر الفرد، فالمراد بالآية إما نفس العدد، أو ما تصدق عليه من المعدودات بأنه شفع أو وتر. وإذا قام دليل يدلا على تعيين شيء من المعدودات في تفسير هذه الآية، فإن كان الدليل يدل على أنه المراد نفسه دون غيره فذاك، وإن كان الدليل يدل على أنه مما تناولته هذه الآية لم يكن ذلك مانعا من تناولها لغيره انتهى. وأقسم- سبحانه- في هذه السورة بالليل إذا أدبر، وأقسم- سبحانه- بالبلد بقوله: ﴿لا أقسم بهذا البلد﴾ (١)، فإن المعنى أقسم هذا البلد، لأن (لا) زائدة كما في قوله- سبحانه-: ﴿لا أقسم يوم القيامة﴾ (٢) قال الواحدي: أجمع المفسرون على أن هذا قسم بالبلد الحرام، وهي مكة، وأقسم- سبحانه- بالوالد وما ولد، فقيل: الوالد آدم، وما ولد أي وما تناسل من ذريته. وقال أبو عمران (٣) الجوني: الوالد إبراهيم، وما ولد ذريته. وقيل: الوالد إبراهيم، والولد إسماعيل ومحمد- صلى الله عليهما وسلم-. وقال عكرمة (٤)، وسعيد بن جبير: ووالد يعني الذي يولد، وما ولد يعني العاقر الذي لا يولد له، وكأنما جعلا ما نافية، وهو بعيد، ولا يصح ذلك إلا بإهمال الموصول أي والذي وما ولد، ولا يجوز إضمار الموصول عند البصريين (٥). وقال عطية العوني (٦): هو عام في كلى والد ومولود من جميع الحيوانات، وهذا أقرب هذه الأقوال إلى الصواب، وقد اختاره ابن جرير (٧). وأقسم- سبحانه صني سورة الشمس والشمس وضحاها، وبالقمر والنهار [٥أ]،

стр. 1081

والليل والسماء والأرض، والنفس وما سواها. وأقسم- سبحانه- في سورة الليل بالليل والنهار، والذكر والأنثى على قراءة ابن مسعود، فإنه قرأ والذكر والأنثى. وأقسم - سبحانه- في سورة الضحى بالضحى والليل. وأقسم- سبحانه- في سورة التين بالتين والزيتون. قال أكثر المفسرين (١): هو التين الذي يأكله الناس، والزيتون الذي يعصرون منه الزيت. وقال ابن زيد (٢): التين مسجد دمشق، والزيتون مسجد بيت المقدس. وقال الضحاك (٣): التين المسجد الحرام، والزيتون المسجد الأقصى. وقال قتادة (٤): التين الجبل الذي عليه دمشق، والزيتون الجبل الذي عليه بيت المقدس. وقال عكرمة (٥) وكعب (٦) الأحبار: التين دمشق، والزيتون بيت المقدس. والمتعين الذي لا ينبغي العدول عنه، ولا يفسر القران بغيره هو تفسير التين بالمعنى (٧) العربي الواضح الجلي، وكذلك الزيتون، وهما معروفان في لغة العرب، لا يختلف في معناها. فالعدول عن هذا المعنى الظاهر الواضح بغير برهان ليس من دأب المشتغلين بتفسير كلام الله- سبحانه-. وقال محمد بن كعب (٨): التين مسجد أصحاب الكهف، والزيتون مسجد إيليا. وقيل (٩) أنه على حذف مضاف: أي ومنبات التين والزيتون. وأقسم- سبحانه- في هذه السورة بطور سينين، وهو الجبل الذي كفم الله عليه موسى.

стр. 1082

وقال مجاهد (١) والكلبي (٢): سينين كل جبل فيه شجر مثمر. وقال الأخفش (٣): طور جبل، وسينين شجر واحدته سينة. إذا تقرر لك أنه- سبحانه- أقسم في كتابه العزيز هذه المخلوقات المتنوعة تقرر لك أن المراد بالعصر هو الدهر كما قررناه، ولا وجه لتقدير مضاف محذوف فيه، ولا في سائر ما أقسم الله- سبحانه- به من مخلوقاته، فإن الله- سبحانه- يقسم. مما شاء منها، ولم يأتنا دليل ولا شبهة دليل أنه لا يقسم إلا. ما له شرف وبما فيه فضيلة ممن حرف المعاني القرآنية الواردة على نمط لغة العرب، لأجل تحصيل شيء في المقسم به يصير به ذا شرف، فقد أخطأ خطأ بينا، وغلط غلطا واضحا، فإنه تلاعب بكتاب الله - سبحانه- لخيال مختل، وتعليل معتل، وتوهم فاسد، وفهم كاسد. فاعرف هذا، وليكن منك على ذكر، فكثيرا ما يقع لأهل العلم الوهم الباطل، ثم يبن عليه ما هو أبطل منه، وينقله عنه من يهاب الرد عليه، [٥ب] فيحرر في كتب التفسير ونحوها من زائف الأقوال، وباطل الآراء ما يضحك منه تارة، ويبكى منه أخرى. والتقليد وإحسان الظن بالأموات هو السبب لكل غلط، والمنشأ لكل جهل، والحامل على ترويج كل باطل. فإن قلت: قد أخرج ابن جرير (٤) عن ابن عباس أنه قال في تفسيره العصر المذكور في هذه السورة أنه ساعة من ساعات النهار. وأخرج ابن (٥) المنذر عنه أيضًا أنه قال: إنه ما قبل مغيسب الشمس من العشي. قلت: قد أخرج (٦) ابن المنذر عنه أيضًا أنه قال إنه الدهر فجمع اختلاف الرواية عنه يرجح ما وافق المعنى اللغوي، ويحمل ما خالفه على المجاز وقد كانت العرب تتجوز في لفظ العصر فيقولون مثلا: العصر الأول، والعصر

стр. 1083

الآخر، وعصر فلان، ولا مشاحة في ذلك. وقد اختلف القراء في قراءة هذه الكلمة فقرأ الجمهور (١): والعصر بسكون الصاد، وقرأ يحي بن سلام بكسر الصاد، وقرأ الجمهور (٢) أيضًا خسر بضم الخاء وسكون السن، وقرأ الأعرج، وطلحة، وعيسى بضم الخاء والسين ورويت هذه القراءة عن عاصم (٣). وأخرج الفريابي (٤)، وأبو عبيد في فضائله، وعبد بن حميد (٥)، وابن جرير (٦)، وابن المنذر (٧)، وابن الأنباري (٨) في المصاحف عن على بن أبي طالب أنه كان يقرأ والعصر ونوائب الدهر إن الإنسان لفي خسر، وإنه فيه إلى آخر الدهر. وأخرج عبد بن حميد (٩) عن ابن مسعود أنه كان يقرأ والعصر إن الإنسان لفي خسر وإنه لفيه إلى آخر الدهر. إن الإنسان لفي خسر. هذا جواب القسم (١٠). والإنسان يعم كل فرد من أفراد هذا النوع، لتحليته باللام المفيدة لذلك، كما هو مقرر في علم المعاني والبيان، وهذا يندفع ما قيل أن المراد بالإنسان هنا الكافر، وما قيل أفم جماعة من الكفار، وهم الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، والأسود بن عبد المطلب بن أسد، وإن كان هؤلاء وغيرهم من رؤساء الكفر، بل وسائر الكفار داخلون في عموم الإنسان دخولا أوليا، وكما يدل عموم الإنسان على الإحاطة واستغراق النوع، كذلك يدلا على ذلك الاستغناء معه. والمراد بالخسر هنا المعنى اللغوي. قال الأخفش (١١): في خسر في ملكة .... .... ...

стр. 1084

وقال الفراء (١): في عقوبة. وقال ابن زيد (٢): في شر. والخسران [٦أ] النقصان وذهاب رأس المال. قيل والمعنى أن كل إنسان في المتاجر والمساعي، وصرف الأعمار في أعمال الدنيا لفي نقص وضلال عن الحق حتى يموت. وقال في الصحاح (٣): خمس في البيع خسرا وخسرانا، وهو مثل الفرق والفرقان، وخسرت الشيء بالفتح، وأخسرته نقصته. وقوله تعالى: ﴿قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا﴾ (٤) واحدهم الأخسر مثل الأكثر، والتخسير الإهلاك، والخناسر الهلاك لا واحد له. قال كعب بن زهير: إذا ما نتجنا أربعا عام كفأة ... بغاها خناسيرا فأهلك أربعا وفي بغاها ضمير من الجد هو الفاعل. يقول: إنه شقي بالجد إذا أنتجت أربع من إبله أربعة أولاد هلكت من إبله الكبار أربع غير هذه، فيكون أكر مما أهاب، والخسار والخسارة، والخيسري الضلال والهلاك انتهى. وقال في القاموس (٥): خسر كفرح وضرب خسرا وخسرا وخسرا وخسرانا وخسارة وخسارا ضل فهو خاسر وخسير وخيسري. والتاجر وضع في تجارته، أو غبن، والخسر النقص كالإخسار والخسران، ﴿إذا كرة خاسرة﴾ (٦) غير نافعة، والخيسري الضلال والهلاك، والغدر واللؤم كالخسار والخسارة، والخناسر والخناسير والخسرواني نوع من الثياب، وخسرويه بلدة بوسط، وخسره تخسيرا أهلكه، والخناسرة الضعاف من الناس، وأهل الخيانة، والخنسائر اللئيم، والخنسر والخنسري من هو في موضع الخسران، والخناسير أبوال الوعول على الكلأ والشجر وسلم بن عمرو الخاسر، لأنه باع مصحفا واشترى

стр. 1085

بثمنه ديوان شعر، أو لأنه حصلت له أموال فبذرها انتهى. أقول: والمناسب للمقام أن يكون الخسر الهلاك للإنسان المذكور لعدم استقامته على الدين، وليس المراد الهلاك الدنيوي بالقتل أو نحوه، بل المراد الهلاك الديني الموجب لمصيره إلى النار، كما يفيد ذلك استثناء الذين آمنوا وعملوا الصالحات. وأيضا المقام مقام الترهيب للعصاة، والترغيب لأهل الإيمان والطاعات، ومجموع ذلك يفيد أن تفسير الخسر بذهاب الدين الموجب للشقاوة الأبدية، وهذا أولى من تفسير الخسر بالنقص، لأن مقام الترهيب والتشديد [٦ب] والمبالغة في الوعيد يقتضي الخسران التام، وهو ذهاب الدين بالمرة، المستلزم لهلاك صاحبه، لا نقصه وذهاب بعضه، وبقاء بعض. ولا يخفى أن هذه الجملة القسمية قد اشتملت على مؤكدات منها القسم، ومنها تصوية جواب القسم بحرف التشبيه، وله مدخلية في تأكيد ما دخل عليه من الكلام، ثم المجيء بالجملة الأسمية، فإنها تدل على الدوام والثبات، ثم تحلية الإنسان باللام (١) الإستغراقية المفيدة للعموم، ثم اللام في قوله ﴿لفي خسر﴾، ثم أبرء في الدالة على أن الخسر قد صار ظرفا له فكأنه منغمس فيه، وهو مشتمل عليه اشتمال الظرف على المظروف، فقد اشتمل هذا الكلام على جميع المؤكدات التي ذكرها أهل البيان. وكل ذلك يفيد أن لزوم هذا الخسر للإنسان ثابت لا محالة، وأنه لا ينفك عنه بحال من الأحوال، ولا يفارقه بوجه من الوجوه إلا إذا تخلص عنه مما تضمنه الاستثناء (٢)، فإنه يخرج به من الظلمة إلى النور، ومن الضيق إلى السعة، ومن الهلاك إلى السلامة، ومن العذاب إلى النعيم، ومن أفار إلى الجشة. إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات، الموصول من صيغ (٣) العموم كما

стр. 1086

تقرر في علم البيان والأصول، فيشتمل كل من حصل له وصف الإيمان وقد اختلف الناس في تفسير الإيمان أصلا فأكثروا وأطالوا في ذلك، وتنوعت كلماتهم، واختلفت رسومهم. والذي ينبغي الاعتماد عليه، والمصير إليه هو ما ثبت عن الصادق المصدوق - صلى الله عليه واله وسلم- في تفسيره وبيان معناه كما في الصحيحين (١) وغيرهما (٢)، فإنه لما سأله السائل عن الإيمان قال: " أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، والقمر خيره وشره ".، وعند هذا البيان النبوي، والتفسير المصطفي يستغنى عن تلك الحدود التي، والرسوم التي اصطلحوا عليها. وإذا جاء فر الله بطل فر معقل. والمراد هنا هو الإيمان الشرعي، لأن الحقائق الشرعية مقدمة على غيرها كما تقرر في علم الأصول، وهو في الشرع التصديق عن كمال اعتقاد، بحيث لا يشوبه شك، ولا حتى شبهة. ولو لم يكن على هذه الصفة لم يكن تصديقا صحيحا، والمراد من التصديق بالله - سبحانه- أن تصدق بوجوده، وأنه الإله الخالق الرازق، المحيى المميت، الحط الدائم، الأحد الصمد، الذي يشاركه مشارك، بل هو المتفرد بالربوبية، والكل من هذا العالم عباده، وتحت حكمه، يصنع فيهم [٧أ] ما يشاء، ويحكم ما يريد، ما شماء كان، وما لم يشأ لم يكن، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، وتصدق بوجود ملائكته على الصفة التي وردت في الكتاب والصنة، وتصدق بأن الله أنزل كتبه على رسله ليبينوا لهم ما شرعه لهم من الشرائع، وأن هذه الكتب التي جاء ها الرسل- صلوات الله عليهم وسلامه- هي من عند الله- ، وأنها كلها حق وصدق وشرع وإن خالف بعضها بعضا، فإن ذلك إنما هو لرعاية مصالح العباد بحسب اختلاف الأوقات والأحوال والأشخاص، وتصدق أيضًا بأن الرسل الذين أرسلهم الله إلى عباده هم رسله حقا، وأنه

стр. 1087

أمرهم بإرشاد العباد إلى ما شرعه لهم من الشرائع، وبينه لهم من المصالح الدينية والدنيوية، لطفا هم، وتوفيقا لهم، وإقامة للحجة عليهم، لئلا يقولوا ما جاءنا من رسول، ولله الحجة البالغة. وتصدق بالقدر خيره وشره، أي بأن ما كان أو سيكون من كبير وصغير، وجليل وحقير، وخير وشر، ونفع وضر هو بتقدير الله- سبحانه- وقضائه، ما شاء كان، وما لم يشاء لم يكن. ليس للعبد في ذلك عمل، ولا له تصرف في نفسه، ولا في غيره، ولا في جليل أموره، ولا في حقيرها، ولا في صغيرها، ولا في كبيرها. بل قدر الله وما شاء فعل. واعلم أن الإيمان بالقدر هو العقبة الكون لم الصعب، فإنه إذا صح للعبد الإيمان به كما ينبغي لم يأسف على فائت كائنا ما كان، لأنه يعلم أن ذلك هو من جهة خالقة ورازقه، ومن هو أرأف به من أبويه، وأحنا عليه من نفسه. ولكن هذه النفوس البشرية المجبولة (١) على السرور بالخير، والنفور عن الشر، فإذا دهمها شيء مما تكره اضطرتجا له، ونفرت عنه، وضاو ذرعها به، وطال همها، وكثر غمها، وذلك جبفة خلقية-، وطبيعة بشرية، فيكون بذلك تكدر العيش، وضيق العطن، ولشوش الحال، ولكنه إذا راجع نفسه وتغفل ما أمر به من الإيمان بالقدر، وأن ذلك من عند الله- هان الخطب، وقل الكرب، وذهب الغم، وارتفع الهم. وما أحسن ما قاله إبراهيم الحربي- ﵀: من لم يمش مع القدر (١) لم يتهن بعيشه، وهاهنا باب يدخل منه من كربه أمر، ومسه خطب يلجأ منه إلى حصن حصين ينجو به من كل شيء يخافه ويحذره، وهو الدعاء (٢) فإنه الترياف النافع، والمرهم الشافي. وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أنه .... .... .... .....

стр. 1088

يرد القضاء (١)، وأنها يحتجان (٢) [٧ب]، وثبت في الأحاديث الصحيحة الاستعاذة من شر القضاء كما في صحيح مسلم (٣) وغيره، وثبت في حديث الحسن (٤) بن على ﵄ في القنوت الذي علمه رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وقني شر ما قضيت. واعلم أنه قد اشتغل كثير من الناس بالسؤال عن سر القدر، واستشكال مباحث من مباحثه، ولوازم من لوازمه، وهؤلاء مع كوهم قد خالفوا ما وردت به السنة المطهرة من النهى عن البحث عن سر القدر، والاشتغال. مما تخيله الأذهان، وتزيرلنه الأوهام لم يقتدوا برسول الله ﵌ الذي أمره الله- سبحانه- بأن يبين للناس ما نزل إليهم، فإنه- ﵌ لما سئل عن ذلك طوى بساط التفصيل والتطويل، والإطناب والتعليل، واكتفى بقوله: " اعملوا وكل أمرء ميسر لما خلق له" (٥).

стр. 1089

واعلم أن هذا الاستثناء (١) الواقع في الآية متصل عند كل من حمل المستثني منه على العموم، وهو الحق. وأما من قال أن المراد به جنس الكفار، أو كفار معينين فهو يجعله منقطعا، والتقدير: ولكن الذين ا منوا وعملوا الصالحات. فإن قلت: ظاهر ما في هذه الآية من العموم شمولها لأهل الفترة الذين لم يبلغهم شيء من شرائع الله- سبحانه-، لأنهم ماتوا ولم يؤمنوا ولا عملوا الصالحات. قلت: هؤلاء وإن دخلوا في عموم الإنسان فقد خرجوا بالعفو عنهم لجهلهم بالشرائع، وعدم تمكنهم من طلبها، ولهذا يقول الله- سبحانه-: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا﴾ (٢). فإن قلت: الأنبياء- صلوات الله عليهم وسلامه- منزهون عن أن ينالهم خسر لما ثبت لهم من العصمة قبل النبوة وبعده. قلت: هم أعلى طبقات العالم، وأكرم جنى بني ادم، وقدوة أهل الإيمان، وأسوة الصالحين، فكما أن أهل الإيمان خارجون من الخسر بإيمانهم فأنبياء الله خارجون عنه باصطفاء الله لهم، مع كون أيمانهم أكمل أيمان، وإيقانهم أشرف إيقان، وإنما يرد هذا السؤال لو كان المستثنى داخلا فيما أسند إلى المستثنى منه، مشاركا له فيما نسب إليه، وليس الأمر كذلك، فإنه إنما شاركه في كونه من أفراده ومن جملة ما يصدق عليه باعتبار العموم لا باعتبار ما نسب إليه، ولهذا قدر الاستثناء أئمة النحو والأصول والبيان بأن معنى جاءني القوم إلا زيدا: القوم المخرج منهم زيد جاءني. وهكذا سائر التراكيب الاستثنائية، فالتقدير فيما نحن بصدده: الإنسان المخرج منه [٨ب] الذين آمنوا وعملوا الصالحات في خسر. فإن قلت: قد ذكرنا أن لله- سبحانه- أن يقسم. مما شاء من مخلوقاته، فهل ثم نكتة في تخصيص الأقسام بالعصر في هذه السورة؟ قلت: دكن أن تكون النكتة أن

стр. 1090

العصر الذي هو الدهر لما كان كثير من الغافلين ينسبون ما ينابهم من السعادة والشقاوة إليه أقسم الله به بلزوم الخسر لهم، وأنهم في خسر لا يتخلصون عنه إلا. مما تضمنه الاستتناء، ومع ذلك فقد ثبت في الصحيح (١): " لا تسبوا الدهر؟ فإن الله هو الدهر ". وفي هذا مخصص للأقسام به ظاهر في فاتحة هذه السورة المشتملة على التهديد ومزيد الوعيد. فإن قلت هل من نكتة في ذكر الإنسان في هذه الآية مع إمكان أن يؤتى مكانه بالناس أو ما يفيد مفاده؟ قلت يمكن أن يقال: إن هذا اللفظ- أعني الإنسان- خاص هذا النوع لا يتناول غيره، ولا يشاركه فيه سواه، بخلاف لفظ الناس، فإنه كما في كتب اللغة (٢) يطلق على الجن كما يطلق على الإنس، وعلى ناس الإبل وهو ساقها. فإن قلت: هل من نكتة في ذكر الخسر دون الهلاك، أو الشقاء، أو العذاب، أو ما يؤدي هذا المعنى؟ قلت: يمن أن يقال أن النكتة في ذكره دلالته على تلك المعاني المتنوعة من الهلاك والنقص، وسائر ما ذكرناه هنالك، فإن ذلك قد يكون أنصب بأحوال الأشخاص المختلفين في إهمال الشريعة بأسرها وهم الكفار، وفي النقص منها وهم العصاة من هذه الأمة، وهذا لا ينافي ما رجحناه فيما تقدم من حملة على الهلاك. فإن قلت: ما وجه المجيء بالموصول في قوله: ﴿إلا الذين آمنوا﴾ وهلا اكتفى. مما هو أخصر فقال: إلا المؤمنين؟ قلت: أبرء بالموصول فيه فوائد ذكرها أهل المعاني، ولو لم يكن منها إلا الدلالة على التعظيم لشأنه، وما أحق المؤمنين بذاك!. وقد دل العطف بقوله: ﴿وعملوا الصالحات﴾ على أول لا بد من .... .... .... .....
следующие страницы →