← Джавами‘

Джавами‘ · id 36543

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

الشوكاني

Полный текст (5 091 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

علي متعمدًا؛ فليتبوأ مقعده من النار" وتحت حديث: "من روى عني حديثًا يظن أنه كذب؛ فهو أحد الكاذبين" وهو في الصحيح (١)، ويغنيه عن هذا أن يرجع إلى المؤلفات الموضوعة في تراجم الرجال، وفي ما نقل عن أئمة الجرح والتعديل المعتبرين، فإن لذلك مؤلفات معروفة قد صنفها جماعة من الحفاظ، ونقلوا عن الأئمة الكبار ... ما يستغني به الباحث عن الحديث، فإنهم ألفوا مؤلفات في رجال الصحيحين، ثم في رجال جميع [١٨] الأمهات الست، وفي رجال غيرها مما يلتحق بها من المسانيد وغيرها، فذكروا ما قيل في كل رجل منهم من جرح وتعديل، ورجحوا بحسب الإمكان، ثم تكلموا على نفس الأسانيد التي رويت بها الأحاديث في جميع هذه الكتب المتقدمة وغيرها، وأبانوا حال كل إسناد ورجاله وما فيه من شذوذ وعلة، وأبانوا حال كل متن وطرقه، واختلاف ألفاظه، وزيادته ممن له فهم ومعرفة، وكتب يمكنه البحث عن حال كل حديث، والوقوف على كلام الأئمة المعتبرين فيه أمكنه أن يعرف حال الحديث الذي يريد معرفته، وقد صنفوا هذا الفن على كل مسلك يظن فيه أنه أقرب إلى تناول من يتناوله، فتارة يصنفون على أبواب الفقه، وتارة يجمعون حديث كل صحابي حتى يفرغون منه، ثم يتبعونه بحديث صحابي آخر. وتارة يجمعون متون الأحاديث على ترتيب حروف المعجم، فالحمد لله الذي قرب مسافات الاجتهاد للمتأخرين بما لم يكن مثله للمتقدمين. فإن الإمام من الأئمة المتقدمين كان يرحل للحديث الواحد أو لتفسيره، وفي الأزمنة المتأخرة صارت السنة جميعها مجموعة في الدفاتر مع تفسيرها وما يستفاد منها، والكلام على رجالها، وقد يضم إلى ذلك اختلاف الأئمة في المسائل المستفادة من

стр. 1367

الحديث، وذكر الراجح والمرجوح، كما يقع في كثير من شروح الحديث المبسوطة، فإن المطلع على شيء منها يستفيد جميع هذه الفوائد المذكورة بالوقوف على الحديث وشرحه في مصنف من المصنفات، حتى لا يحتاج بعده إلى غيره [١٩] وهذا معلوم لكل من له علم لا من لا علم له، فإنه لا يدري بشيء من هذا، وهو الجاني على نفسه بما أحرمها من العلم، كما تجده في غالب طلبة العلم في هذه الأزمنة. وما أشار إليه السائل - كثر الله فوائده - من أن العلامة الأخير محمد بن إسماعيل الأمير ذكر في مؤلفه المسمى بورقات (١) النظر إن التوثيق ليس عبارة عن التعديل، بل الموثق هو الصادق الذي لا يكذب، وإن كان غير عدل وإن العدالة في اصطلاحهم أخص من التوثيق، فأقول قد علم مما سبق من اصطلاح أئمة الحديث المتقدمين كعبد الرحمن بن مهدي، وأحمد بن حنبل أن الثقة لا يطلق إلا على مثل أولئك الأئمة، وعلم أيضًا من اصطلاح من بعدهم ما يخالف ما ذكره السيد ﵀ وهذا ابن حجر وهو من حفاظ القرن التاسع يقول: إن الثقة هو العدل الضابط كما تقدم نقل ذلك عنه، ولا يصح أن يقال: إن السيد محمد أراد بيان المعنى اللغوي للثقة، لأنه قال في اصطلاحهم أي اصطلاح أهل الحديث: ولو كان ذلك بيانًا للمعنى اللغوي؛ لكان غير صحيح، فإن الثقة في اللغة (٢) المؤتمن، والعدل (٣) هو المستقيم في أموره المتوسط فيها، وهما مختلفان صدقًا ومفهومًا. وأما في الاصطلاح فقد عرفت معنى الثقة (٤). وأما العدل فهو اصطلاحا من حصلت له العدالة (٥)، وهي ملكة في النفس يمنعها عن اقتراف الكبائر والرذائل، فالثقة أخص؛ لأن العدل مع زيادة الضبط، أو مع زيادة أنه إمام مقتدى به، متفرد في العلم والعمل.

стр. 1368

فالحاصل أن العدل والثقة في اللغة يطلقان على الكافر كما يطلقان على المسلم إذا كانا متصفين [٢٠] بذلك المعنى اللغوي. وأما في الشرع فلا يصدقان إلا على ثقات المسلمين وعدولهم. فلا أدري ما وجه ما حكم به الأمير ﵀ من أن العدل أخص من الثقة، وأن الثقة قد لا يكون عدلًا. ثم قال السائل - كثر الله فوائده -: هل ثم فرق بين قولهم: سنده جيد، وبين قولهم: سنده صحيح، وسنده قوي؟ أقول: قد صرحوا بما يفيد جواب هذا السؤال، فإنهم قالوا: إن قولهم جيد الحديث، أو حسن الحديث هو من المرتبة الرابعة من مراتب التعديل (١)، كما ذكر ذلك زين الدين العراقي (٢)، فيكون على هذا جيد الحديث بمنزلة قولهم: حسن الحديث، وكذلك قولهم: إسناد جيد بمنزلة إسناد حسن، ولهذا قرن زين الدين العراقي بين جيد الحديث، وحسن الحديث، وجعلهما جميعًا من الألفاظ المستعملة في أهل المرتبة الرابعة. ولعل قوي الحديث هو كجيد الحديث، لأن اللفظين جميعًا يستعملان في رجال الحسن، فهكذا يكون وصف الإسناد بالجودة كوصفه بالقوة، فظهر بهذا أن قولهم: جيد

стр. 1369

الحديث، وقوي الحديث، وإسناد جيد، وإسناد قوي هما دون قولهم: صحيح الحديث وإسناد صحيح، وإن الفرق ما بين الجودة والقوة، وما بين الصحة هو الفرق بين الحديث الصحيح والحسن، والإسناد الصحيح والحسن، والكلام في ذلك معروف. انتهى تحرير الجواب في ليلة الأحد لعله خامس وعشرون شهر جمادى الآخرة سنة ١٢١٧. بقلم المجيب: محمد بن علي الشوكاني - غفر الله لهما -[٢١].

стр. 1370

مناقشة للجواب - في البحث - السابق من القاضي العلامة: محمد بن أحمد مشحم ﵀. حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه محمد صبحي بن حسن حلاق أبو مصعب

стр. 1371

وصف المخطوط: ١ - العنوان: مناقشة للجواب السابق. ٢ - موضوع المناقشة: في مصطلح الحديث. ٣ - أول المناقشة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وبه نستعين وصلى الله وسلم على سيدنا محمد الأمين وآله الميامين، وقفت على ما حرره المولى العلامة الإمام المجمع على جلالته بين علماء الإسلام. . . ٤ - آخر المناقشة: إذا شاهد المولى من العبد زلة فعادته عنها التغافل والصفح، نفع الله بعلومه المسلمين، ونصر بها سنة سيد المرسلين - اللهم صلى وسلم على سيدنا محمد وآله آمين. حرره في رجب سنة ١٢١٧ هـ. ٥ - نوع الخط: خط نسخي جيد. ٦ - عدد الصفحات: (١٤) صفحة. ٧ - المسطرة: (٢١ - ٢٣) سطرًا. ٨ - عدد الكلمات في السطر: (١١ - ١٢) كلمة.

стр. 1372

ترجمة صاحب المناقشة: القاضي محمد بن أحمد مشحم. محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن جار الله مشحم الصعدي الأصل الصنعاني المولد والمنشأ. ولد سنة ١١٨٦ هـ، وقرأ الفقه على السيد العلامة الحسين بن يحيى الديلمي والفقيه العلامة سعيد بن إسماعيل الرشيدي، وشيخنا العلامة أحمد بن محمد الحرازي، وولاه الإمام المنصور بالله القضاء الصنعاني بصنعاء. قال الشوكاني في ترجمته في "البدر الطالع" رقم: (٤١٥) وكان قبل ارتحاله من صنعاء إلى تلك الجهة يكثر الاتصال بيننا، ويجري من المباحث العلمية في أنواع العلم أشياء كثيرة، وبيني وبينه مودة أكيدة. ومحبة زائدة وما زالت كتبه تصل من هنالك تارة بمسائل علمية وتارة بمطارحة أدبية. ثم قال الشوكاني وأخذ عني فنون الحديث، ثم مرض مرضًا طويلًا وانتقل إلى رحمة الله في شهر رجب سنة ١٢٢٣ هـ. البدر الطالع رقم: (٤١٥) والضوء اللامع (٧/ ٣٩ رقم: ٨٢) نيل الوطر (٢/ ٢٣٥).

стр. 1373

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، وبه نستعين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد الأمين، وآله الميامين. وقفت على ما حرر المولى العلامة الإمام المجمع على جلالته بين علماء الإسلام - حفظ الله معاليه، وأحمد مساعيه، وأسعد لياليه وأيامه، وأمضى في البسيطة أحكامه - فسرحت النظر في رياضه، وكرعت من معين حياضه، وبقيت في النفس أشياء أوردتها على سبيل الاستفسار، وتطفلت بها على هذه الحضرة السامية المقدار، سائلًا العفو عن الزلل، والصفح عن الخطأ والوجل الخطل، مع أني - والله - أوردت ما رددت الكلام فيه على شدة وجل من تكثير الكلام، وتكدير الخاطر الشريف، بما شملته هذه الأرقام، ولكني راجعت نفسي بأنها إن بقيت على ما جهلته، ولم يتبين الصواب؛ بقيت على جهل عظيم، لا يرتضيه أولو الألباب، فتجاسرت بإرجاع المذاكرة واتكلت على سعة الخاطر الكريم، ومحبته لإيضاح الحق بأي طرق التعليم، وتمثلت ما قيل: في انقباض وحشمة فإذا ... صادفت أهل الحياء والكرم أرسلت نفسي على سجيتها ... وقلت ما قلت غير محتشم فأقول: حاصل ما استشكله السائل أولًا: التصحيح للحديث لمجرد وجدان ثقة رجال إسناده في كتاب من كتب الجرح والتعديل، أو النص من إمام على ثقتهم، مع أنهم اعتبروا في رسم الصحيح أمورا خمسة تضمنها قول النخبة (١) وخبر الآحاد بنقل عدل تام الضبط، متصل السند، غير معلل ولا شاذ هو الصحيح لذاته. وكان يتصور لي في جواب هذا الإشكال أمران، الاتصال فالأصل عدم الشذوذ والعلة لندورهما، فيصح مع ذلك التصحيح لوجدان كون الرواة ثقات أو [١] النص من إمام على ثقتهم، لأن

стр. 1374

الحافظ إذا أطلق على هذا السند، كون رجاله ثقات، وكان له علة فيبعد أن لا يذكرها بأن يقول: رجاله ثقات وله علة مثلًا، وهذا قد يسلم فيما نص على ثقة رجاله حافظ. إنما الشأن فيمن وقف في هذه الأزمان على ثقة رواة حديث في كتاب من كتب الجرح والتعديل، ولم يكن من أهل الحفظ والإتقان، حتى يعلم مخالفة راوي الحديث لمن هو أوثق منه، أو يعلم بعلة قادحة. أما من رزقه الله حفظًا واسعًا، وتمكنًا فلا فرق بينه وبين الأوائل إلا بتقدم العصور (١) ولسنا - بحمد الله تعالى - ممن يفضل بتقدم العصر، ولكن

стр. 1375

الشأن في وجدان هذا الحافظ المتقن، مع أن معي وقفة فيما أطلق الحافظ على حديث ثقة رواته، ولم يذكر له علة، فإنه يحتمل أنه لم يجد له علة، ويحتمل أنه لم يبحث حتى يعلم أن له علة، أو لا علة له. وهذا هو ما أشرت إليه في السؤال بقولي: بقي الكلام في السلامة من الشذوذ والعلة، وما قيل إن الشذوذ والعلة نادران، يعني فيصبح مع ندورهما التصحيح، فندورهما لا يصح معه الحكم بالصحة انتهى. وذلك لأن السلامة من الأمرين إذا كانت معتبرة فلا بد من التصريح بها، لأن عدم الأمرين معتبر، وأما إذا لم يحصل

стр. 1376

التصريح بعد هذا فهو باقٍ على التجويز. وذلك مناف لاعتبار السلامة في الحد. لا يقال أنه يجوز وجدان حافظ آخر لعلة لهذا الحديث، فلا يكون صحيحًا، لأنا نقول: فتح باب هذا التجويز يغلق باب التصحيح بالمرة. وإنما الواجب أن يبحث الحافظ فيصرح بأني لا أعلم له علة، وليس بشاذ، أو يصرح بالصحة، لأن تصريحه بصحة الحديث في قوة الإخبار بخمس جمل، وهو عدالة الناقلين، وتمام ضبطهم، واتصال سندهم، والسلامة من الشذوذ [٢] والعلة. ثم أيد ما كنت أفهمه من أن العلة والشذوذ وإن كانا نادرين؛ فلا يصح الحكم بالصحة، هذا ما قاله إمام الفن ابن حجر (١) أنه لا يلزم من كون رجال الحديث ثقات أن يكون صحيحًا. والحاصل أن من وقف على توثيق بعض الحفاظ لرواة حديث. فقال: الحديث صحيح، فإما أن ينسب تصحيح إلى ثقة أو إلى ذلك الحافظ الذي نص على ثقة رواته. إن نسبته إلى الحافظ، فقد نقول عليه ما لم يقله، وحمله ما لم يتحمله، فإنه إنما أخبر بعدالة الرواة وضبطهم لا غير. فيتحمل شذوذ الحديث أو وجود علة له. ويحتمل أن ذلك الحافظ قد بحث فلم يجده شاذًا ولا علة له، ويحتمل أنه لم يبحث. وإما أن ينسب تصحيحه إلى نفسه، فإن كان مع أهليته وقوة معرفته قد بحث حتى كان الحديث لديه تصحيحه إلى نفسه، فإن كان مع أهليته وقوة معرفته قد بحث حتى كان الحديث لديه سالمًا من العلة والشذوذ؛ فلا مانع له من التصحيح، وإن كان لم يقف إلا على مجرد توثيق الحافظ للرواة كما هي مسألة السؤال لم يجز له التصحيح، لأن من أجاز التصحيح (٢) اشترط أهلية المصحح بأن يكون متمكنًا قوي المعرفة، وهذا الاشتراط إنما هو ليتمكن من معرفة علة الحديث، وسلامته من الشذوذ، وإلا فلا فائدة لهذا الاشتراط أصلًا، بل كل من وقف على توثيق رجال سند صحيح الحديث، سواء كان متمكنًا قوي المعرفة أولًا. وهذا شيء لم يقله أحد من أهل العلم إن شاء الله تعالى. فهذا الأمر الذي كان

стр. 1377

يتصور لي في جواب هذا الإشكال. الأمر الثاني: أن الحد المذكور ليس مجمعًا عليه من أهل العلم، وهذا أشرت إليه في السؤال بقولي: وقد يقال إن السلامة من الشذوذ والعلة ليس مجمعًا عليهما، فلا يرد الإيراد إلا على من اعتبر القيود جميعًا، أما من لم يعتبر إلا البعض كالعدالة والضبط فلا يرد، فيصح على قوله التصحيح لمجرد كون رجاله ثقات، وهذا صحيح لو كان من يعتمد التصحيح لهذه الطريقة مخالفًا في هذه الشروط المعبرة في الصحيح انتهى. وأنا إلى الآن لم أجد أحدًا من أهل الاصطلاح خالف في اشتراط الضبط والسلامة من الشذوذ والعلة. أما الضبط فإن الخطابي (١) وإن لم يشترطه فيما نقله [٣] عن أهل الحديث. فقد رد عليه المحققون بأن لا بد من اشترط عندهم، بل وعند الأصوليين أيضًا. وتأول آخرون كلامه بدخول الضبط تحت عبارته، وقال بعضهم فيما وقفت عليه الآن: أن السلامة من الشذوذ داخلة تحت الضبط؛ لأن مخالفة الثقات منافية للضبط. قلت: وعلى هذا فيدخل تحت الضبط السلامة من العلل القادحة، لأن وجدانها في الحديث مناف لضبط راويه، ولكن في هذا كله نوع تكلف كما لا يخفى. وأما السلامة من الشذوذ والعلة فهما وإن لم يذكرا في الصحيح عند بعض المحدثين فذكر المعلل (٢) والشاذ (٣) من جملة الأقسام المنافية للصحيح مشعر بأنه يعتبر سلامته عنهما، لا سيما والعلل مقيدة بالقادحة. وقد ذكر ابن دقيق العيد أن السلامة من الشذوذ والعلة زادها المحدثون في الحد، وهذه رواية عنهم مقبولة، وأيدها قول الزين في الألفية (٤)، وأهل هذا الشأن قسموا السنن إلى صحيح، وسقيم، وحسن، ثم حد الصحيح بما نقله في الجواب - كثر الله فوائده - فإن ظاهره أن هذا الحد هو المعتبر عند أهل الحديث قاطبة، أو عند المعتبرين منهم، بحيث لو كان أحد المشاهير منهم مخالفًا في اعتبار - أي هذه الشروط - لم يصح للزين نسبته هذا

стр. 1378

الحد إليهم، وكذلك الكتب المؤلفة في هذا الشأن، فإنها مصرحة باعتبار هذه القيود، وما منهم أحد صرح بأنه لا يعتبر في التصحيح إلا ثقة الرواة والاتصال فقط غير الخطابي. وقد علم رده. فهذا تحقيق ما استشكله الخاطر السقيم في التصحيح، وإنما أعدته لأرتب عليه ما استشكلته في الجواب عنه، فإنه مع سعة فجاجه وتلاطم أمواجه بهرني مبدؤه، وحيرني منتهاه فأوجب تكرار المقال، وإنما "شفاء العي السؤال (١) ". ولا ريب أن ما كان رجاله ثقات معمول به، لأنه خبر أحادي يجب قبوله كما تقرر في الأصول. إنما الكلام في كونه صحيحًا على مقتضى الاصطلاح الحديثي، ولا ملازمة بين [٤] وجوب العمل بالحديث وصحته بالمعنى الاصطلاحي، وهذا ما استشكله السائل من الجواب. قوله - كثر الله فوائده - يعني الضبط والسلامة من الشذوذ والعلة. لعل هنا سبق فلم، فإن كلام ابن دقيق العيد (٢) إنما هو في السلامة من الشذوذ والعلة فقط. قوله كثر الله فوائده: ولكنه قد قال ابن الصلاح (٣) ﵀ في بعض كتبه إلى قوله بل فيهم من يقول: إن الصحيح قد يكون موجود بعض هذه الأمور لما خفي أن ظاهر كلام ابن الصلاح هو ما ذكره - كثر الله فوائده - ولكنه محتاج إلى تبين هذه الأمور التي يوجد الصحيح بدونها من هذه الأمور الخمسة، وتعيين من قال به من أئمة الحديث،

стр. 1379

فإن هذا الكلام المنقول عنه لا يؤخذ منه مذهب لقائل فيسند إليه، ولا يعرف منه الشروط التي اعتبرها بعض المحدثين فيكون اصطلاحًا يمشى عليه؛ حتى يجاب السائل أن هذا التصحيح على رأي فلان وفلان. فإنهم لا يعتبرون في التصحيح الاتصال ولا السلامة من الشذوذ والعلة القادحة: وأما فهمه لزين (١) الدين والسيد الوزير - رحمهما الله - (٢) في كلام ابن الصلاح فهو مجمل، لكن الظاهر في عبارته ما ذكره مولاي - حفظه الله - وأما ما نقله زين الدين (٣) عن ابن دقيق العيد (٤) ﵀ من قوله: ولو قيل في هذا الحديث الصحيح المجمع على صحته: هو كذا وكذا؛ لكان حسنًا؛ لأن من لا يشترط مثل هذه الشروط لا يحصر الصحيح في هذه الأوصاف، ومن شرط الحد أن يكون جامعًا انتهى. فقد كان يظهر لي فيه أن ابن دقيق العيد أراد المجمع عليه بين الفقهاء، وأهل الحديث، فإنه قال أولًا: إن السلامة من الشذوذ والعلة زادها أصحاب الحديث، وفيهما نظر على مقتضى نظر الفقهاء. وقال آخر: إذ لو قيل في هذا إلخ لمعناه حينئذ إن هذا الحد للمجمع عليه بين المحدثين والفقهاء. أما المحدثون فلاشتراطهم السلامة من الأمرين، وأما الفقهاء فإنهم لا يشترطونها لكن الحديث السالم عن الشذوذ [٥] والعلة صحيح عندهم بالطريق الأولى، وهكذا عبارة الزين (٥) مشعرة بهذا. فإن عقب مناقشة ابن دقيق العيد (٦) باصطلاح الفقهاء بقوله: قلت قد احترزت بقولي قادحة عن العلل التي لا تقدح في صحة الحديث، فظاهر هذا أنه إنما زاد قادحة في الحد لتخرج العلل التي تعلل بها المحدثون غير جارية على أصول الفقهاء، فصار الحد بهذه الزيادة جامعًا بين اصطلاح المحدثين والفقهاء فإن العلل القادحة وإن كانت مجهولة في الحد لا يتصور من الفقهاء أن لا يعتبروا عدها في صحة الحديث كما لا يخفى.

стр. 1380

وأما ابن الصلاح فإنه وإن لم يذكر القادحة في الحد لكنه ذكر القادحة بعد سطر منه، فدل على اعتبارها عنده في الحد، فعرف بهذا أن هذا الحد للمجمع عليه بين الفقهاء والمحدثين. ثم كلام ابن دقيق العيد (١)، الذي ناقش به الحد مناقشة، وهو أنه نظر على اشتراط الشرطين على مقتضى نظر الفقهاء، ولم يذكر في مستند النظر إلا أمرًا واحدًا وهو قوله: فإن كثيرًا من العلل، وأما الشذوذ فلم يتعرض له. هل يجري التعليل به على أصول الفقهاء أو لا؟ إلا أن يقال: إنه قد يجعل الشذوذ من جملة العلل. قوله حفظه الله: إذا تقرر أن هذا حد للصحيح المجمع عليه لا لكل صحيح. أقول: لا سند لهذا الكلام فيما مر إلا كلام ابن الصلاح، وهو مع كونه محتملًا لما فهمه زيد الدين، والسيد من أن ذلك التقييد إنما هو لإخراج بعض المعتزلة، ولا استدلال بالمحتمل فيه ما ذكرته أولًا. وأما ما أيده به من كلام الخطابي (٢) فقد قرر - كثر الله فوائده - أن رواية ابن دقيق العيد عن المحدثين زيادة مقبولة [٦] وأما ما قاله ابن دقيق العيد (٣)، من أن هذا حد للمجمع عليه فالظاهر أنه أراد بين الفقهاء والمحدثين كما يشعر به كلامه السابق. قوله حفظه الله: مع ما بين الكلامين من الاختلاف، فإن زين الدين اشترط الضبط وابن حجر (٤) اعتبر تمامه. أقول: كان يظهر لي أولا أن اعتبار ابن حجر لتمام الضبط زيادة رواها عن أهل الاصطلاح، والزيادة مقبولة كما قاله مولانا - دامت فوائده - فيما قاله ابن دقيق العيد (٥) ولكني راجعت كلامه فوجدته موافقًا للزين، فإنهما معًا متفقان على أنه يعتبر في الحسن الضبط، ولكنه دون رتبة ما يعتبر أنه في رواة الصحيح،

стр. 1381

فقد اتفقا على حصول أصل الضبط في الحسن، فالصحيح لا بد أن يكون المعتبر فيه من الضبط رتبة فوق أصله، فعبر عنها ابن حجر بتمام الضبط. وقال في الحسن. فإن خف - الضبط أي قل فقد قابل بين تمام الضبط وقلته، فالمراد بالتام كثير الضبط، وكثير الضبط تتفاوت رتبه، ولهذا عقبه بقوله: وتتفاوت رتبه (١). وأما الزين (٢) فإنه اعتبر في الصحيح الضبط، واعتبر في الحسن ما رجحه ابن الصلاح (٣) من أنه قسمان: الأول: الذي لا يخلو رجال إسناده من مستور لم تتحقق أهليته، غير أنه ليس مغفلًا كثير الخطأ إلخ. الثاني: أن يكون من المشهورين بالصدق والأمانة غير أنه لا يبلغ درجة رواة الصحيح. ولا يخفى أن القسمين المذكورين قد اعتبر فيهما من الضبط حصول أصله. فالمعتبر في الصحيح إذن رتبة فوق أصله، فغاية ما صنعه ابن حجر بيان المراد، وتهذيب الحد. وعلى هذا لا مخالفة بين زين الدين وابن حجر من هذا الوجه، وهو الأول. الوجه الثاني: وحق المخالفة التي أبداها - حفظه الله - قوله: وكذلك اعتبر زين الدين في نظمه السابق أن تكون العلة قادحة، ولم يعتبره ابن حجر، إن كان قد ذكره في الشرح فقال: والمعلل لغة ما فيه علة، واصطلاحًا ما فيه علة خفية [٧] قادحة انتهى. ولا يخفى أن إهماله لقيد قادحة في الحد يوجب الخلل فيه إلى قوله: لا بيان المعاني اللغوية. أقول: حد ابن (٤) حجر، هو قوله: وخبر الآحاد بنقل عدل تام الضبط، متصل السند، غير معلل ولا شاذ هو الصحيح لذاته، ولم يذكر فيه لفظ علة حتى يحتاج إلى وصفها بالقادحة، بل ذكر المعلل. والمعلل عندهم ما حرره في شرحه كما نقله - حفظه الله -،

стр. 1382

فلا يرد عليه أنه أهمل ذكر القادحة، لأنه اكتفى بلفظ المعلل اصطلاحًا كما اكتفى بالعدل، وتام الضبط والشاذ، وإلا لوجب ذكر حدود هذه جميعًا في حد الصحيح. وعلى هذا ففي حد ابن حجر زيادة على حد الزين - رحمهما الله -، وهي قوله: خفية. فإن الزين لم يذكر إلا قادحة، فلعل الزين اكتفى بالإطلاق لأنه لا بد في الصحيح من سلامته من الخفية والجلية. ومن اعتبر سلامته من الخفية فالجلية عنده من باب أولى. قوله - كثر الله فوائده - وإنه مما اختلف فيه حد زين الدين وابن حجر أن ابن حجر صرح بأن ذلك حد الصحيح لذاته بخلاف زين الدين (١) فإنه جعل ذلك حدا لمطلق الصحيح من غير تقييد بالصحيح لذاته. فكان بين الحدين المذكورين اختلافات ثلاثة. أقول: لا خفاء أن حد الزين إنما هو للصحيح لذاته لا لأمر خارج، أما أولًا فإنه الذي ينصرف إليه لفظ الصحيح عند الإطلاق، وأما ثانيًا: فالصحيح لغيره قد ذكره فيما بعد بقوله: والحسن المشهور بالعدالة ... والصدق راويه إذا أتى له طرق أخرى نحوها من الطرق ... صححته كمتن لولا أن أشق وهذا معنى قول ابن (٢) حجر في الحسن، وبكثرة طرقه يصحح، فلا مخالفة من هذا الوجه. قوله كثر الله فوائده: وقد صرح ابن حجر بما يفيد ما ذكرناه فقال: وتتفاوت رتبه إلخ. أقول إن كان المراد ما ذكره - حفظه الله -[٨] من كون ما جمع القيود الخمسة هو الصحيح المجمع عليه بين المحدثين، وإنه قد يكون الحديث صحيحًا عند البعض مع عدم واحد منها أو اثنين، فلم يظهر لي أن هذا الكلام المنقول من النخبة يفيده، وقد عقب - حفظه الله تعالى - بكلام ابن حجر هذا بقوله: وهو أي كلام ابن حجر يفيد أن

стр. 1383

الصحيح مراتب، وأن تمام الضبط وتمام العدالة إنما هو تعريف للأصح لا للصحيح، فقد يكون الحديث صحيحًا بدون قيد التمامية في الأمرين المذكورين، وهكذا السلامة من كل علة، فإنها رتبة للصحيح فوق رتبة ما هو سالم من العلة القادحة، لا من مطلق العلة مع كونه صحيحًا. أقول الذي أفاد كلامه: أن الصحيح مراتب، وأن تمام الضبط معتبر في الصحيح. ولكن التمام قابله بالعلة في حد الحسن، فالمراد به الكثرة ولا يخفى أن الكثرة متفاوتة فقال: إن ما كان في الدرجة العليا من العدالة والضبط كان أصح مما دونه، ثم قال: ودونها في الرتبة كرواية بريد بن عبد الله. ودونها كسهيل بن أبي صالح عن أبيه، ثم قال (١) فإن الجميع يشملهم اسم العدالة والضبط، وهذا قد يشعر بأن المعتبر إنما هو الضبط في حد الصحيح لا كثرته المعبر عنها بتام الضبط، لكن ما بعده بسطرين يبين أن المعتبر عنده الضبط، فإنه قال (٢) وفي التي تليها يعني الرتبة الثانية من قوة الضبط ما يقتضي تقديمها على الثالثة، وهي أي الثالثة مقدمة على رواية من بعد ما ينفرد به حسنًا انتهى. ولا يخفى أن الذي يعد ما ينفرد به حسنًا لا بد فيه من اعتبار الضبط، وإنما هو أقل رتبة من رجال الصحيح، فقد تبين أن كلام ابن حجر يفيد أن المعتبر من الضبط في الصحيح فوق حصوله أصله. وهو التمامية التي عبر بها في متنه، وإلا لكان المعتبر في الحسن والصحيح نوعًا واحدًا من الضبط، وذلك باطل. ويبين من كلامه أيضًا أن الضبط أربع مراتب: الثانية والثالثة والرابعة في الصحيح [٩] بأنواعه. والأولى منها في الحسن. قوله نفع الله بعلومه: مما يؤيد هذا أنه قد اتفق المصنفون أن الصحيح مراتب إلى قوله حفظه الله: وعلى كل تقدير فليس التصحيح لما في الصحيحين إلا لكون الرواة من الثقات وقد عرفت أيهما أعلى (٣) مراتب الصحيح. أقول قد تضمن هذا الكلام الجزم بأن تصحيح أحاديث الصحيحين ليس إلا لثقة

стр. 1384

الرواة، واتصال السند من غير اعتبار السلامة من الشذوذ والعلة، وهكذا تصحيح من صحح من الأئمة لوجود شرطهما أو أحدهما لا مستند له إلا ثقة الرجال، واتصال السند فقط. قال حفظه الله: وهذا عين ما قاله الخطابي (١). أقول على هذا الكلام مؤاخذات. الأول: أنه مخالف لجميع الكتب المصنفة في الاصطلاح، فإنهم حدوا الصحيح بأنه ما جمع القيود الخمسة ثم قالوا: وهو مراتب: أعلاها ما في الصحيحين، ثم كذا، ثم كذا، وهذا تصريح منهم أن الصحيحين جمعت أحاديثها هذه القيود الخمسة. الثاني: أن المعترضين اعترضوا على البخاري ومسلم بأحاديث ذكروها معلة وشاذة. فلو كان السلامة من الشذوذ والعلة ليس من شرطهما، لكان دفع تلك الأحاديث بأسهل دفع، وهو أن يقال: هذه الأحاديث لا ترد. لأن السلامة من المعل ليس من شرطهما. الثالث: أنه قال الحافظ ابن (٢) حجر في بيان تفضيل صحيح البخاري على صحيح مسلم: وأما من حيث التفضيل فقد قررنا أن مدار الحديث الصحيح على الاتصال، وإتقان الرواة، وعدم العلل. وعند التأمل يظهر أن كتاب البخاري أتقن رجالًا، وأشد اتصالًا، ثم ما يتعلق بالاتصال والإتقان. وقال: وأما [ما] يتعلق بعدم العلة وهو الوجه السادس. فإن الأحاديث التي انتقدت عليهما إلخ. وقال [١٠] في الفصل الثامن (٣) في سياق الأحاديث المنتقدة في الجواب على سبيل الإجمال بعد نقل ما قاله مسلم: عرضت كتابي على أبي زرعة، فكلما أشار أن له علة تركته، فإذا عرف ذلك وتقرر أنهما لا يخرجان من الحديث إلا ما لا علة له، أو فيه علة (٤)، إلا أنها غير مؤثرةٍ

стр. 1385

عندهما إلخ انتهى، وهذا معنى اشتراط السلامة من العلة القادحة. الرابع: أنه قال ابن الصلاح في شرط مسلم: شرط مسلم في صحيحه أن يكون متصل الإسناد بنقل الثقة عن الثقة من أوله إلى منتهاه، غير شاذ ولا معلل انتهى. فهذا التصريح من أئمة الحديث شرط البخاري ومسلم السلامة من الشذوذ والعلة. وقد تبين بهذا أن المراتب الست التي لا بد فيها من السلامة من العلة والشذوذ وأما ما نص على صحته إمام فالعبرة بما اشترطه؛ فيبقى الكلام فيما إذا وقف في هذه الأزمان على حديث صحيح الإسناد لثقة رجاله بالنص على ذلك من إمام، أو لوجدانهم في كتب الجرح والتعديل ثقات. فأما على رأي ابن الصلاح فقد سد باب التصحيح والتحسين (١) لضعف أهله المتأخرين. والذي رآه النووي (٢) وتبعه المحققون أنه لا بأس بالتصحيح، لكن لمن قويت معرفته، وتمكن، وهذان الشرطان ليس إلا ليأمن من أن يكون الحديث سالمًا أو معللًا، وإلا فلا فرق بين المتمكن وغيره. ومع هذا فقد قال بعض المحققين (٣): الأحوط أن يقال: صحيح الإسناد لاحتمال علة خفيت عليه، وهذا ما يرشد أن السلامة من العلل أمر معتبر في الباب. وقال ابن حجر (٤) في مسألة ما لو اقتصر حافظ معتمد على قوله: صحيح الإسناد الذي لا أشك فيه أن الإمام منهم لا يعدل عن قوله: صحيح إلى قوله: صحيح الإسناد إلا لأمر ما قلت: وقوله: رجاله ثقات بالأولى. قوله حفظه الله: وليس بيد من جزم بصحة ما في الصحيحين أو أحدهما أو ما هو على شرطهما أو أحدهما إلا بمجرد اتصال السند، وكون الرجال ثقات إلخ. أقول: تقدم أن الظاهر أن شرط البخاري ومسلم السلامة من [١١] الشذوذ والعلة

стр. 1386

القادحة، فما كان على شرطهما لا بد فيه من السلامة من ذينك الأمرين. قوله حفظه الله: وبهذا يتقرر أن نوع المعلل الذي منشؤه الوهم لا يرتفع عن الحديث الذي قد صححه إمام من الأئمة. أقول: لا ريب أن فتح هذا الباب يغلق باب التصحيح بالمرة. ولكن ليس المعتبر في ذلك إلا البحث من ذلك الحافظ، فإذا حكم بصحة فقد تضمن إخباره عن نفسه بأنه ليس الحديث شاذًا ولا معلًا. فيكون الحديث صحيحًا، فإن وجدت له علة فذاك أمر آخر. والتصحيح والتحسين إنما هو باعتبار الظاهر. فقوله حفظه الله تعالى: فلا بد من المصير إلى أمرين إلخ ما أفاده - كثر الله فوائده - مشعر أن السلامة من العلة والشذوذ معتبرة. ولا كلام لنا فيما صححه إمام من الأئمة، إنما كلامنا في تصحيح الحديث لمجرد ثقة ناقليه، أما معنى يجب مع تمكنه وقوة معرفته فلا كلام في صحة التصحيح. منه قوله - نفع الله بعلومه - ولنذكر هاهنا ما يدفع إشكال السائل، فإن محل استشكاله هو تصحيح من صحح لمجرد كون الإسناد صحيحًا، أو رجاله ثقات، فتقول ما قاله الزين (١) ﵀ إلخ. أقول هذا الكلام مما يشعر أيضًا باعتبار السلامة من الشذوذ والعلة عند المحدثين، لكن هل يجري كلامهم فيما لو وقف في هذه الأزمان على ثقة رجال إسناد في كتب الجرح والتعديل، فإن كلامهم إنما هو فيما أطلقه حافظ معتمد، ثم لا يخفى أن في هذا الكلام شيء، وهو أن قولهم إن صحيح الإسناد دون صحيح المتن يشعر بعدم الصحة، وإن كان بمعنى يقاربها، فظاهر لفظه دون يقضي بانتفاء الصحة، وقول ابن الصلاح الظاهر فيما أطلق المصنف المعتمد أنه صحيح الإسناد صحته في نفسه؛ لأن الظاهر عدم الشذوذ والعلة مشعر بتساوي الأمرين، فإن جعل أن المراد قبول الحديث من غير نظر إلى صحته كما يفيده لفظ وأقبله إن كان يعود إلى الحديث. فصريح عبارة ابن الصلاح أنه صحيح في نفسه عملًا بالظاهر، فهل يصح

стр. 1387

أن يقال: فيه أن التصحيح كله باعتبار الظاهر، ولكن الظهور مراتب، فما صرح بين الصحة مطلقًا فهو أظهر مما صرح فيه بصحة إسناده، وهل قول الحافظ ابن حجر في هذا المقام الذي لا أشك فيه [١٢] إن الإمام منهم لا يعدل عن قوله: صحيح إلى قوله: صحيح الإسناد إلا لأمر ما. انتهى. توقف في صحة ما هذا شأنه أم لا؟ ثم هل قولهم: صحيح الإسناد، ورجاله ثقات سواء؟ فإن الحسن لا بد أن يكون راويه عدلًا ضابطًا، وإطلاق الثقات محتمل أن يكونوا بلغوا من الضبط إلى ما يعتبر في الصحيح، فيكون الحديث صحيحًا أو لا فيكون حسنًا. قوله حفظه الله: ولا يخفاك أن اعتراضه أي الزين على الخطابي (١) بأنه لم يشترط الضبط غير صحيح، هذا ولم أفهم مراده وقوله: وانظر كيف استدرك عليه بالشذوذ والعلة، ولم يصرح بأنه لا بد من اعتبار ذلك! هلا قيل ذكرهما في الألفية (٢) تصريح باعتبارهما. وقد وقف العبد حال بحثه في هذه المذاكرة على كلام للحافظ ابن (٣) حجر ﵀ في اعتبار السلامة من الشذوذ في حد الصحيح. فرأيت نقله هنا، وإن كان غير لائق بي، لكن رأيته موافقًا لما يلمح إليه نظر المجيب نفع الله بعلومه: قال (٤) ﵀ بعد تفسيره الشاذ بأن مخالفة الثقة لأرجح منه وهو مشكل، لأن الإسناد إذا كان متصلًا، ورواته كلهم عدولًا ضابطين فقد انتفت عنه العلل الظاهرة. ثم إذا انتفى كونه معلولًا فما المانع من الحكم بصحته لمجرد مخالفة أحد رواته لمن هو أوثق منه، أو أكثر عددًا لا يستلزم الضعف بل يكون من باب صحيح وأصح؟ قال: ولم أر مع ذلك عن أحد من أئمة الحديث اشتراط نفي الشذوذ المعبر عنه بالمخالفة، وإنما الموجود في تصرفاتهم تقديم بعض ذلك على بعض في الصحة،

стр. 1388

وأمثلة ذلك موجودة في الصحيحين وغيرها. فمن ذلك أنهما أخرجا قصة جمل (١) جابر من طرق، وفيها اختلاف كثير في مقدار الثمن، وفي اشتراط ركوبه. وقد رجح (٢) البخاري الطرق التي فيها الاشتراط على غيرها مع تخريجه للأمرين، ورجح أيضًا كون الثمن أوقية مع تخريجه ما يخالف ذلك. ومن ذلك أن مسلمًا (٣) أخرج فيه حديث مالك عن الزهري عن عروة عن عائشة في الاضطجاع قبل ركعتي الفجر، وقد خالفه عامة أصحاب الزهري كمعمر، ويونس (٤)، وعمرو بن الحارث (٥)، والأوزاعي، وابن أبي ذئب، وسعيد وغيرهم عن الزهري، فذكروا الاضطجاع بعد ركعتي الفجر، ورجح جمع منهم من الحفاظ روايتهم على رواية مالك ومع ذلك فلم يتأخر أصحاب [١٣] الصحيح عن إخراج حديث مالك في كتبهم. وأمثلة ذلك كثيرة، ثم قال: فإن قيل: يلزم أن يسمى الحديث صحيحًا ولا يعمل به، قلنا: لا مانع من ذلك فليس كل صحيح

стр. 1389

يعمل به بدليل المنسوخ. قال: وعلى تقدير التسليم إن المخالف المرجوح لا يسمى صحيحًا، ففي جعل انتفائه شرطًا في الحكم للحديث بالصحة كون ذلك نظر، بل إذا وجدت الشروط المذكورة أولا حكم للحديث بالصحة، ما لم يظهر بعد ذلك أن فيه شذوذا؛ لأن الأصل عدم الشذوذ، وكون ذلك أصلًا بلا خور، ففي عدالة الراوي وضبطه، فإذا أثبت عدالته وضبطه كان الأصل أنه حفظ ما روى حتى يتبين خلافه انتهى. وقوله حفظه الله: لا أدري ما وجه ما حكم به الأمير (١) ﵀ من أن العدل أخص من الثقة، وأن الثقة قد لا يكون عدلًا. وجهه ما صرح به في هذه الرسالة من توثيقهم غير العدول، وذلك أنهم وثقوا أهل البدع والأهواء مع كون البدعة منافية للعدالة عندهم. فمن جملة من وثقوه كما قاله أبو معاوية الضرير. قال الحاكم احتجابه، وقد اشتهر عنه الغلو قال الذهبي (٢) غلو التشيع، وقد وثقه العجلي، وأخرج الشيخان (٣) لأيوب بن عائذ بن مدلج وثقه ابن معين (٤) وأبو حاتم (٥) والنسائي (٦)، والعجلي (٧) .... .... .... ....

стр. 1390

وزاد أبو داود (١) وكان (٢) مرجئا، وساق جماعة انتهى. فعلى هذا لكلامه وجه (٣)،

стр. 1391

وهو يناقض ما صرح به أئمة الفن من أن الثقة العدل الضابط فيحتاج إلى الجمع بينهما. إذا شاهد المولى من العبد زلة ... فعادته عنها التغافل والصفح نفع الله بعلومه المسلمين، ونصر بها سنة سيد المرسلين. اللهم صل وسلم على سيدنا محمد وآله آمين. حرره في رجب سنة (١٢١٧ هـ) [١٤].

стр. 1392

القول المقبول في رد خبر المجهول من غير صحابة الرسول ﷺ تأليف محمد بن علي الشوكاني حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه محمد صبحي بن حسن حلاق أبو مصعب

стр. 1393

وصف المخطوط (أ): ١ - عنوان الرسالة: (القول المقبول في رد خبر المجهول). ٢ - موضوع الرسالة: في مصطلح الحديث. ٣ - أول الرسالة: بحث في رد خبر المجهول. قال ﵁: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على رسوله وآله، ورضي الله عن الصحابة الراشدين، وبعد فإنه وقف الحقير أسير التقصير محمد بن علي الشوكاني غفر الله لهما على ما دار من المذاكرة. . ٤ - آخر الرسالة:. . . . والامتثال منهم في البعض الآخر وإلى هنا انتهى الكلام على هذه المسألة وفيه كفاية لمن له هداية والصلاة والسلام على خير الأنام وآله وصحبه الأعلام. ٥ - نوع الخط: خط نسخي جيد. ٦ - عدد الصفحات: (٢١) صفحة. ٧ - عدد الأسطر في الصفحة: (١٨ - ٢٥) سطرًا. ٨ - عدد الكلمات في السطر: (٩ - ١١) كلمة. ٩ - الرسالة من المجلد الأول من "الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني".

стр. 1394

وصف المخطوط (ب): ١ - عنوان الرسالة: (القول المقبول في رد خبر المجهول من غير صحابة الرسول) وهو الذي اعتمدناه. ٢ - موضوع الرسالة: في مصطلح الحديث. ٣ - أول الرسالة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسوله وآله، ورضي الله عن الصحابة الراشدين وبعد: وقف الحقير أسير التقصير محمد بن علي الشوكاني غفر الله لهما على ما دار من المذاكرة ٤ - آخر الرسالة: ... لمن له هداية، والصلاة والسلام على خير الأنام وآله وصحبه الأعلام. فرغ من تحريره جامعه في نهار يوم الأحد لثلاث خلت من شهر ربيع الأول سنة (١٢٠٦) وكان فراغي من نقله من نسخة المصنف ليلة الخميس ليلة رابع شهر شعبان سنة (١٢٠٨) هـ. ٥ - نوع الخط: خط نسخي واضح. ٦ - عدد الصفحات: (١٦) صفحة. ٧ - عدد الأسطر في الصفحة: (٢٤ - ٢٩) سطرًا. ٨ - عدد الكلمات في السطر: (١٠ - ١٢) كلمة. ٩ - تاريخ النسخ: يوم الخميس لعله رابع شهر شعبان سنة (١٢٠٨). ١٠ - الرسالة من المجلد الأول من "الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني".

стр. 1395

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [القول المقبول في رد خبر المجهول بحث في رد خبر المجهول قال ﵁] (١): بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسوله وآله، ورضي الله عن الصحابة الراشدين وبعد، [فإنه] (٢) وقف الحقير أسير التقصير محمد بن علي الشوكاني غفر الله لهما على ما دار من المذاكرة بين مولاي العلامة صارم الإسلام إبراهيم بن محمد بن إسحاق (٣) حفظه الله وبين سيدي العلامة شرف الإسلام الحسين بن يحيى الديلمي (٤) عافاه الله في قبول [خبر] (٥) مجهول الحال في الشهادة على رؤية

стр. 1396

هلال رمضان (١) فمولانا صارم الإسلام جزم بعدم قبوله واعتذر عن حديث قبوله ﷺ للأعرابي قبل اختباره والعلم بعدالته بإبراز الفرق بين مجهول الصحابة وغيرهم. وسيدي شرف الدين جنح إلى القبول ميلًا منه إلى ما ذكره العلامة الإمام محمد بن إبراهيم الوزير في عواصمه (٢) وتنقيحه (٣) وسيأتي الكلام عليه، والذي لاح للخاطر الفاتر والنظر القاصر عدم قبول المجهول مطلقًا إلا أن يكون صحابيًا كما جزم به مولانا الصارم حفظه الله. ولما كانت هذه المسألة أعني قبول المجهول بأقسامه، وعدم قبوله مطلقًا أو مقيدا ببعض الأقسام، والفرق بين مجهول الصحابة وغيرهم وعدمه من أهم المسائل التي يقبح جهل ما هو الحق فيها من القاصر والكامل لانبناء قناطر من قواعد الدين عليها واحتياج كل ناظر وباحث في غالب الحالات إليها، ولذلك وصى العلامة ابن الإمام في شرح الغاية بالمبالغة في البحث وإمعان النظر في قبول مجهول الصحابة وعدمه مع أن ذلك ليس من عاداته في ذلك الكتاب، فقال: وهذه المسألة تنبني عليها أكثر الأحكام الشرعية فلا ينبغي [١ أ] لمجتهد أن يقتصر على أول نظر بل يبالغ في [١] البحث والطلب حتى يدرك ما هو الحق من هذه الأقوال فإنه من سلم من داء التقليد والعصبية إذا حقق نظره في هذه المسألة علم حقها من باطلها علمًا يقينيا. انتهى. وأنت تعلم أن الكلام هنا فيما هو أعم من مجهول الصحابة فالحاجة إلى تحقيق ما هو الحق فيه أشد وأشد، لا سيما وقد اشتهر على ألسن العامة وبعض الخاصة في هذه الأعصار أن من ظاهره الإسلام فظاهره الإيمان حتى سرى داء هذه الكلمة إلى كثير من

стр. 1397

أرباب القضاء والفتيا لما تلقوها وقبلوها وجعلوا عليها مدار إصدار المقبول وإيراده، ولم يفرقوا بين مجهول ومجهول، ولا بين حقوق الله وحقوق العباد، مع مخالفة ذلك لصرائح نصوص أئمتهم في مختصرات كتبهم ومطولاتها بل [مع] (١) مخالفة ذلك لإجماعهم، بل لإجماع الأمة في بعض الأقسام كما سيأتيك بيانه، فكأنهم تلقنوا هذه الكلمة المخالفة لدليل العقل والنقل من أم الكتاب، ولهذا ترى كثيرًا منهم يظنها من الضروريات التي لا ينكرها إلا المكابرون، وحال بينهم وبين معرفة ما هو الحق فيها أولا ومذاهب الأئمة ثانيًا القصور عن مدارك الاجتهاد التي لا يجوز إحرازها إلا الأفراد، والتقصير عن مراجعة أقول الأئمة التي تتجلى لمن وقف عليه كل ظلمة وغمة، فقد صار العالم بهذا الشأن المحدود من فرسان ذلك الميدان عند وقوفه على ما يصدر من أرباب الولايات في هذه القضية من الخبط والخلط كما قيل [شعرًا] (٢): كأنني بينهم ضفدع ... يصيح وسط الماء في اليم إن نطقت أشرقها ماؤها [٢] ... أو سكتت ماتت من الغم فلنتكلم في هذه المسألة بقدر ما تبلغ [إليه] (٣) الطاقة، ولعله لا يخفى بعده الصواب إن شاء الله مبتدئين بنقل [كلام] (٤) أئمة الأصول، فإن عليهم في مثل هذه [١ ب] المسألة تدور رحا القبول، ولنجعل البحث الأول في رد رواية المجهول مطلقًا وهو أعم من مسألة السؤال، وإبطال الأعم يستلزم إبطال الأخص تكثيرًا للفائدة إن فرضنا أن الإخبار برؤية الهلال (٥) من قبيل الرواية، وإن فرضنا أنه من قبيل الشهادة كما يشهد بذلك صريح الأحاديث فلا شك أن الشروط المعتبرة ......................

стр. 1398

في (١) الرواية معتبرة في الشهادة بل الأمر في الشهادة أشد وسنتكلم بعد ذلك في خصوص مسألة السؤال فنقول: قال ابن الحاجب في مختصر (٢) المنتهى ما لفظه: مسألة: مجهول (٣) الحال لا يقبل (٤) وعند أبي حنيفة (٥) قبوله، وقال المحقق ابن الإمام في الغاية وشرحها ما لفظه

стр. 1399

: فمن لا تعرف عدالته ولا مقابلها بأن يكون مجهول الحال، لا تقبل روايته على المختار، وهو قول الجمهور من العلماء، ثم قال بعد أن ذكر الدليل على عدم القبول خلافًا لأبي حنيفة. وقال صاحب الفصول: وهو قول محمد بن منصور وابن زيد والقاضي في العمدة وابن فورك (١)، وقال الإمام المهدي (٢) في المعيار (٣) وشرحه ما لفظه: مسألة: الأكثر من الأصوليين - العدلية (٤) والأشعرية (٥) - لا يجوز أن يقبل خبر مسلم مجهول العدالة أي لم

стр. 1400

يعرف حال عدالته، وقالت الحنفية (١): بل يجب أن تقبل، وحكاه الحاكم عن الشافعي (٢)، وحكى الفخر [٣] الرازي في المحصول (٣) عن الشافعي أنه لا يقبل، وهذه الحكاية هي الأظهر، ثم قال: والصحيح عندنا ما عليه الأكثر، ومن ثم قلنا: المجهول لا يؤمن من فسقه فلا يظن صدقه، وحصول الظن معتبر، ثم احتج على ذلك وطول. وقال السبكي في جمع الجوامع (٤): فلا يقبل المجهول باطنًا وهو [المستور] (٥) خلافًا لأبي حنيفة وابن فورك وسليم الرازي، ثم قال (٦): أما المجهول باطنًا أو ظاهرًا فمردود إجماعًا وكذا مجهول العين، ولا [ينافي] (٧) ما قاله ابن [أبي] (٨) شريف في حاشيته حاكيًا عن المصنف في شرح المختصر من أن حكاية ابن الصلاح (٩) ثم النووي (١٠) ثم العراقي في ألفيته (١١) رد المجهول باطنًا وظاهرًا عن الجماهير [٢أ] يتضمن إثبات خلاف فيعارض حكاية الإجماع؛ لأن غاية ذلك عدم العلم منهم بالإجماع، ومن علم حجة على من لم يعلم، وناقل الإجماع ناقل للزيادة التي لم تقع منافية للأصل فقبولها واجب وإجماعًا ودعوى أن الاقتصار على الرواية عن الجمهور تتضمن إثبات خلاف ممنوعة، والسند أن عدم العلم بالإجماع ليس علمًا بالعدم، على أنه قد سبق صاحب الجمع إلى حكاية ذلك الإجماع على رد [خبر] (١٢) المجهول باطنًا وظاهرًا: الأبياري بالباء الموحدة ثم التحتانية حكاه عن

стр. 1401

السبكي في شرحه على المختصر (١) وأيضًا جزم السبكي بحكاية الإجماع مطلقًا من غير تردد كما فعل في "جمع الجوامع" (٢) مشعر بعدم صحة ذلك التضمن الذي ظنه في شرحه للمختصر (٣) إذا عرفت هذا علمت أن "جمع الجوامع" (٤) مقيد لإطلاق خلاف أبي حنيفة ومن معه في مجهول الحال مطلقًا كما وقع في مختصر المنتهى، وغاية السول، والمعيار وغيرها بمجهول الحال في الباطن وهو المستور فيكون هو محل الخلاف، فاتضح بهذا أنه لم يقل بقبول مجهول الحال مطلقًا أحد، وأيضًا قد قيد بعضهم قول أبي حنيفة ومن معه بقبول المجهول بمجهول الصحابة، فإن صح ذلك ارتفع الخلاف من البين وكان المجهول مطلقا سواء كان مجهول حال أو عين غير مقبول من غير الصحابة بالإجماع، إلا أنه يعكر على هذا ما وقع من السيد العلامة للإمام محمد بن إبراهيم الوزير في العواصم والقواصم (٥) والتنقيح (٦) [عن] (٧) حكاية الخلاف في المجهول مطلقًا، فإنه قال في التنقيح (٨) في مجهول العين وهو من لم يرو عنه إلا راو واحد وفيه أقوال، الصحيح الذي عليه أكثر العلماء من أهل الحديث وغيرهم أنه لا [٤] يقبل. والثاني: أنه يقبل مطلقًا وهو قول من لم يشترط في الراوي غير الإسلام. والثالث: إن كان المتفرد بالرواية عنه لا يروي إلا عن عدل قبل مثل ابن مهدي ويحيى بن سعيد القطان ومالك ومن ذكر بذلك معهم وإلا لم يقبل. والرابع: إن كان مشهورًا في غير العلم بالزهد أو النجدة قبل وإلا فلا. وهو قول ابن عبد البر كما سيأتي [٢ ب] إن شاء الله تعالى. والخامس: إن زكاه أحد من أئمة الجرح والتعديل مع رواية واحد عنه قبل وإلا فلا، وهو اختيار أبي الحسن بن القطان في بيان

стр. 1402

"الوهم" (١) "والإيهام". قلت: [والسادس] (٢) إن كان صحابيًا قبل وهو مذهب الفقهاء وبعض المحدثين وشيوخ الاعتزال، ثم قال (٣) في مجهول الحال ظاهرًا وباطنًا وفيه أقوال: الأول أنه لا يقبل حكاه ابن الصلاح (٤) وزين الدين (٥) عن الجماهير. والثاني يقبل مطلقًا، والثالث إن كان الراويان عنه لا يرويان إلا عن عدل قبل، وإلا فلا. ثم قال في مجهول الحال باطنًا فهذا يحتج به بعض من رد القسمين الأولين وبه قطع الإمام سليم بن أيوب الرازي (٦) إلخ .. كلامه وفيه مخالفة لإطلاق أرباب الأصول وغيرهم والذي رأيناه في كتب الاصطلاح التي اعتمدها السيد ﵀ واختصر التنقيح منها أن تلك الأقوال التي ذكرها في مجهول العين وجعلها باعتبار القبول إنما هي باعتبار رفع اسم الجهالة لا باعتبار القبول كما صنع إلا في مجهول الصحابة ولا ملازمة بين ارتفاع جهالة العين وبين القبول فإنه لا بد بعد ارتفاع جهالة العين من معرفة العدالة ظاهرًا وباطنًا أو ظاهرًا فقط كان ذلك الارتفاع مستلزمًا للقبول لما كان [الحكاية] (٧) الخلاف في المجهول بالمعنيين الآخرين فائدة ألا ترى أن القائلين برد مجهول الحال ظاهرًا وباطنًا وهم جميع الأمة كما حكاه صاحب الجمع (٨) أو الجماهير كما حكاه ابن الصلاح (٩) وزين الدين (١٠)

стр. 1403

والقائلين برد مجهول الحال ظاهرًا وهم من عدا [أبو] حنيفة (١) ومن معه [٣ أ] يجعلون عدالة الظاهر والباطن، أو الظاهر فقط شرطًا في قبول الرواية وذلك أمر وراء ارتفاع جهالة العين، فتلك الأقوال التي ذكرها صاحب التنقيح (٢) وجعلها [موجبة] (٣) إلى القبول لا تتم إلا أن تكون باعتبار من يقول إن جهالة الحال مطلقًا لا تقدح في قبول الرواية، وقد عرفت من الكلام السالف الإجماع على أنه غير مقبول وأن خلاف أبي حنيفة (٤) ومن معه إنما هو باعتبار مجهول الحال في الباطن، وكذلك حكايته لتلك الأقوال الثلاثة في مجهول [٥] الحال ظاهرًا وباطنًا، فإن ابن الصلاح (٥) والزين (٦) في منظومته وعليهما عول السيد ﵀ في جمع ذلك الكتاب (٧) لم يذكرا إلا أن الرد مذهب الجماهير، وقد عرفت فيما سبق أن هذه العبارة لا تستلزم إثبات خلاف وأن غايتها عدم العلم بالإجماع فيقبل ناقله. ولا شك أن السيد (٨) -رحمه الله تعالى- من بحور العلم وأوعيته فربما وقف على ما لم نقف عليه، ولكنه إذا عارض حكايته للخلاف حكاية الإجماع من مثل السبكي ومن معه؛ كان المقام من مجالات النظر ومحارات الفكر على أن المسألة من أصلها باعتبار اضطراب الأقوال والأدلة فيها من معارك الأبطال. ثم إن السيد (٩) ﵀ قال إن ظاهر المذهب يعني مذهب الزيدية قبول هذا المسمى

стр. 1404

عندهم بالمستور قال بل [قد] (١) نص على قبوله وسماه هذه التسمية الشيخ أحمد في الجوهرة [ولا] (٢) أعلم أن أحدًا من الشارحين اعترضه والأدلة تناوله سواء رجعنا إلى العقل وهو الحكم بالراجح لأن [٣ ب] صدقه راجح، أو إلى السمع وهو قبول النبي ﷺ لمن هو كذلك كالأعرابيين في الشهادة بالفطر من رمضان (٣) والأعرابي (٤) بالشهادة بالصوم في أوله إلخ. كلامه. [وأقول] (٥) لا نسلم أن المستور عند أصحابنا هو المستور باصطلاح المحدثين أعني مجهول الحال باطنًا بل هو بمعنى المستور من موجبات الجرح. . .

стр. 1405

[وأقول] (١) ولو سلم أن المستور عندهم هو المستور باصطلاح المحدثين لم يستلزم نص صاحب الجوهرة على قبوله نص جميعهم عليه، ولا ترك الاعتراض عليه الرضي بقوله وعدم النص على خلافه، وكتب أهل البيت طافحة بعدم قبول مجهول الحال ومجهول العدالة وهو أعم من مجهول الظاهر والباطن فقط، فكيف يكون نص صاحب الجوهرة على قبوله دليلًا على أنه المذهب. وأما تلك الحجة العقلية فممنوعة لأن مناط الرجحان انتفاء المانع، ولم ينتف، وأما الحجة السمعية فهي أخص من الدعوى لأن غايتها قبول مجهول الصحابة، ونحن نقول بموجبها، وقد ذكر السيد ﵀ في آخر التنقيح (٢) أن الزيدية يقبلون المجهول سواء عندهم في ذلك الصحابي وغيره. قال ذكر ذلك [السيد] (٣) عبد الله بن زيد (٤) في "الدرر المنظومة" وهو أحد قولي المنصور بالله ذكره في (هداية [المسترشد] (٥) وهو أرجح احتمالي أبي طالب (٦) في (جوامع الأدلة) وأحد احتمالية في "المجزئ" وهذا المذهب مشهور عن الحنفية، والزيدية مطبقون [٤أ] على قبول مراسيل (٧) الحنفية فقد دخل عليهم حديث
следующие страницы →