← Джавами‘

Джавами‘ · id 36543

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

الشوكاني

Полный текст (5 091 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

[بسم الله الرحمن الرحيم] سؤال عن عدالة (١) جميع الصحابة هل هي مسلمة أم لا؟ قال (٢) ﵁: الجواب: إن لأهل العلم في هذه المسألة أقوالًا. الأول: ذهب إليه الجمهور (٣) أنهم كلهم عدول ﵃ وأرضاهم. الثاني: أنهم كغيرهم وبه قال الباقلاني (٤). الثالث: أنهم عدول [١أ] إلى حين ظهور الفتن بينهم وهو قول عمرو بن عبيد (٥). الرابع: أنهم عدول إلا من ظهر فسقه (٦)، وهو قول المعتزلة وجماعة من الزيدية، والحق ما ذهب إليه الأولون لمخصصات يتعسر حصرها، منها: أن الله سبحانه قد تولى تعديلهم بقوله: ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس﴾ (٧) وبقوله تعالى: ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطًا﴾ (٨) أي عدولًا. وبقوله تعالى: ﴿لقد رضي الله عن المؤمنين﴾ (٩)

стр. 1437

ونحو ذلك. وكذلك تولى رسول الله ﷺ تعديلهم بقوله: «خير القرون قرني» الحديث وهو في الصحيح (١) ومثل حديث: «لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه» وهو في الصحيح (٢) أيضًا. وقوله: «أصحابي كالنجوم» (٣) وقوله: «لا تمس النار رجلًا رآني» (٤) على ما فيهما من المقال. والأحاديث في هذا المعنى كثيرة. وورد في البعض منهم خصائص تخصه كما ورد في أهل بدر: «إن الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» (٥). على أن المطلوب من الحكم بعدالة الجميع هنا ليس هو إلا قبول الرواية من غير بحث عن حال الصحابي، ومرجع القبول على ما هو الحق عندي هو صدق اللهجة والتحرز عن الكذب، ولم يفش في خير القرون الكذب، بل ولا في القرن الذي يليهم ولا في الذي يليه كما ثبت في حديث: «خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يفشو الكذب» (٦). وبالجملة فالقول بعدالة الجميع [١ب] أقل ما يستحقون من المزايا التي وردت بها الأدلة الصحيحة، ويقال في جواب القوال الثاني، بأن جعلهم كغيرهم إهمال لمزاياهم وإهدار لخصائصهم (٧) وطرح لكثير من الآيات والأحاديث الصحيحة، ويقال في جواب القول

стр. 1438

الثالث بأن تقييد ثبوت العدالة إلى وقت ظهور الفتن لا يتم بعد تسليم أنهم دخلوا فيها صانهم الله جراءة لا على بصيرة ولا تأويل. وذلك مما لا ينبغي إطلاقه على آحاد الناس مع الاحتمال. فكيف بالواحد من الصحابة؟ فكيف بجميعهم؟ ثم ليت شعري ما يقول صاحب هذا القول أعني عمرو بن عبيد (١) في البدريين الداخلين في تلك الحروب، فإن الله قد غفر لهم ما قارفوه من الذنوب، ولعله لا يجد عن هذا جوابًا، وهو مع هذه من رءوس أهل البدع ومن المتهمين في الدين، ومما يحقق تصميمه على هذه المقالة في الصحابة أنه كان يقول لو شهد عندي علي وطلحة والزبير على تافه ثفلٍ ما قبلت شهادتهم (٢). فانظر هذه الجرأة العظيمة من هذا المبتدع الجاهل للشرع وأهله، ويقال لأهل القول الرابع أن ما ذكرتم من ظهور الفسق لا نسلم وجوده على الحقيقة، وإنما هو بحسب الأهواء

стр. 1439

والدعاوي الفارغة والقيام في مراكز المذاهب، فذلك لا يضرنا ولا ينفعكم، وأيضًا أن ذلك الموجب للفسق إن كان لا يعود إلى ما يتعلق بالرواية والحفظ فلا اعتداد به [٢ أ] لما قدمنا لك من الاعتبار بصدق اللهجة وحفظ المروي وعدم الدخول في بدعة من البدع توجب التهمة لذلك الراوي بالدعاء إلى مذهبه. وجميع الصحابة ﵃ منزهون عن جميع ذلك لا يخالف إلا من قد غلت في صدره مراجل الرفض. قال السائل: كذلك إذا أخرج أصحاب السنن عن شخص ورووا عنه كفعل البخاري (١) عن ..........................

стр. 1440

مروان (١) هل هو تعديل أم لا (٢)؟.

стр. 1441

والجواب أنه إذا كان لذلك الراوي شرط معروف فيمن يروي عنه، وكان من أهل التحري والإتقان والخبرة الكاملة في الفن، وصرح بأنه لا يروي إلا عمن حصل فيه ذلك الشرط كان الظاهر وجود الشرط المذكور في جميع رواته، فإن كان المجتهد يرى أن ما جعله ذلك الراوي شرطًا تحصل به مفهوم العدالة عنده وفي اجتهاده فلا بأس، فذلك وإن لم يكن للراوي شرط معروف، أو كان ولكن لا يراه المجتهد المطلع على ذلك محصلًا لمفهوم العدالة فلا يكون ذلك تعديلًا، فلا بد من هذا التفصيل وتقييد أحوال المختلفين في هذه المسألة به فاعرفه، قال السائل: وهل مسألة الجرح والتعديل يجوز فيها التقليد أم لا (١)؟ أقول: ينبغي أن يعلم السائل أن التقليد هو قبول رأي الغير دون روايته من دون مطالبة بالحجة، وتعديل المعدل للراوي ليس من الرأي في ورد ولا صدر، بل هو من الرواية [٢ب] بحال من يعدله أو يجرحه؛ لأنه ينقل إلينا ما كان معلومًا لديه من حال الراوي، وهذا بلا شك من الرواية لا من الرأي، فلا مدخل لهذه المسألة في التقليد، وقد أوردها بعض المتأخرين لقصد التشكيك على المدعين للاجتهاد زاعمًا أنهم لم يخرجوا عن التقليد من هذه الحيثية، وأنت خبير بأن هذا التشكيك باطل نشأ من عدم الفرق بين الرواية والرأي، ومن هاهنا يعرف السائل بأن الاجتهاد متيسر لا متعذر ولا متعسر، والهداية بيد الله ، وقد أوضحت هذه المسألة في مؤلفاتي بمباحث مطولة (٢) لا يتسع المقام لبسطها، وأطال وأطاب الكلام في شأنها الإمام محمد بن إبراهيم الوزير رحمه الله تعالى

стр. 1442

في كتابه العواصم والقواصم (١) في الذب عن سنة أبي القاسم ﷺ ، فليرجع إليه فإنه كتاب يكتب بماء الأحداق في صفحات الخدود الرقاق، وقد أوضحت ما يحتاج إليه المجتهد من العلوم في الكتاب الذي سميته "أدب الطلب ومنتقى الأرب" (٢) بحسب ما ظهر لي وقوي لدي، والله سبحانه أعلم، والصلاة والسلام على خير الأنام وآله وصحبه الأعلام آمين آمين آمين آمين.

стр. 1443

رفع البأس عن حديث النفس والهم والوسواس تأليف محمد بن علي الشوكاني حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه محمد صبحي بن حسن حلاق أبو مصعب

стр. 1444

وصف المخطوط: ١ - عنوان الرسالة: (رفع البأس عن حديث النفس والهم والوسواس) , ٢ - موضوع الرسالة: في الحديث. ٣ - أول الرسالة: بسم الله الرحمن الرحيم، أحمدك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك، وأصلي وأسلم على رسولك وآله وصحبه، وبعد: فإنه ورد سؤال من الشيخ العلامة علي بن محمد بن محمد بن عبد الوهاب -كثر الله فوائده- وهذا لفظه: ٤ - آخر الرسالة: ... والبحث في هذا يطول جدًا. وقد جمعت فيه مصنفين مطولًا ومختصرًا- ولله الحمد. حرره مؤلفه في يوم الأربعاء الثالث من شهر القعدة من شهور سنة (١٢٢٨ هـ) حامدًا لله شاكرًا له مصليًا مسلمًا على رسوله. ٥ - نوع الخط: خط نسخي معتاد. ٦ - عدد الأوراق: (٨). ٧ - المسطرة: (٢٨ - ٣٢) سطرًا. ٨ - عدد الكلمات في السطر: (١٢ - ١٣) كلمة. ٩ - الناسخ: محمد بن علي الشوكاني. ١٠ - تاريخ النسخ: الأربعاء \٣ \ ذي القعدة \١٢٢٨ هـ. ١١ - الرسالة من المجلد الرابع من "الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني".

стр. 1445

[بسم الله الرحمن الرحيم] أحمدك: لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك. وأصلي وأسلم على رسولك وآله وصحبه، وبعد: فإنه ورد سؤال من الشيخ العلامة علي بن محمد بن عبد الوهاب (١) -كثر الله فوائده- وهذا لفظه: عرض لي إشكال في قوله ﷺ : "إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت بها أنسفها (٢) ما لم

стр. 1446

تتكلم أو تعمل به" (١): ما هو هذا المغفور؟ هل هو شيء يستقر في القلب (٢)، ويريده الإنسان أم هو خاطر يمر على القلب لا يستقر (٣)، ولا يريده الإنسان؟ فإن كان الأول: فكيف من نوى الردة مثلًا -والعياذ بالله- ولم يرتكب موجبها من قول أو فعل؟ وكذلك من عزم على فعل ذنب من الذنوب في حينه أم معلقًا على وصول شيء ونحو ذلك؟ وكذلك من دخل في عبادة من صلاة أو صيام أو طهارة (٤) ثم نوى إبطالها والخروج منها من غير فعل يوجب البطلان؟ فإن قلتم إنه يكفر ويأثم وتبطل عبادته، فما قولكم في من نوى الطلاق أو العتاق

стр. 1447

بقلبه، لكن لم يتكلم بموجبه -إن فرقتم في الحكم بين هذه المسائل- فما وجه الفرق مع أن ظاهر الحديث لا يقتضي التفرقة؟، وإن كان المراد من الحديث الخاطر الذي يمر على القلب لا يستقر فيه، ولا يريده الإنسان، فما هو الحرج المرفوع المعفو لهذه الأمة دون غيرها؟ وما معنى قول من قال من السلف في قوله: ﴿وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي﴾ (١) الآية. حيث قال: إنها أرجى آية في القرآن (٢)؟

стр. 1448

وكذلك ما وقع في نفوس بعض الصحابة ﵃ يوم الحديبية (١) كعمر، وغيره. وقد طالعت كلام كثير من أهل العلم من شراح الحديث، وغيرهم في معنى هذا الحديث، فما وجدت في كلامهم ما يدفع الإشكال. فالمسئول منكم -أدام الله النفع بكم- تحرير الجواب، وتبين ما هو الصواب؟ وكذلك ما يقول في رجل معه علة السلس، فإن بكر بالخروج إلى صلاة الجمعة اعتراه الحدث لطول المدة، وإن تأخر إلى حين دخول الإمام أو إلى قريب من الخطبة فاتته الفضيلة، ولكنه إذا تأخر هذا التأخر صلى بطهارة؟ وهل شهود الخطبة واجب أم لا؟. انتهى السؤال. وأقول -مستعينا بالله ومتكلًا عليه، مصليًا مسلمًا على رسوله وآله وصحبه- إن قوله ﷺ : «إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها، ما لم يتكلموا أو يعملوا به» كما في حديث أبي هريرة الثابت في الصحيح (٢) يدل على مغفرة كل ما وقع من حديث النفس؛ فإن لفظ "ما" من صيغ العموم (٣)، كما صرح به أهل اللغة، وأهل المعاني والبيان. فهذا اللفظ في قوله: «إن الله غفر لأمتي كل ما حدثت به أنفسها». وهكذا ما ثبت في لفظ آخر في الصحيح (٤) وغيره من حديث أبي هريرة: «إن الله تجاوز لأمتي ما

стр. 1449

حدثت به أنفسها» فإنه في قوة: "كل ما حدثت به أنفسها". وهكذا بقية الألفاظ في الصحيح وغيره؛ فإنها دالة على العموم؛ مفيدة لعدم اختصاص التجاوز والمعرفة: [١ أ] ببعض حديث النفس دون بعض. ويؤيد ذلك ما في الحديث الثابت في "الصحيح": أنها لما أنزلت على رسول الله ﷺ : ﴿لله ما في السماوات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير﴾ (١) فإن هذه الآية لما نزلت اشتد على أصحاب رسول الله ﷺ ذلك، فأتوا رسول الله ﷺ ثم بركوا على الركب، فقالوا: أي رسول الله! كلفنا من الأعمال ما نطيق: الصلاة، والصيام، والجهاد، والصدقة. وقد أنزلت عليك هذه الآية، ولا نطيقها؟ قال رسول الله ﷺ : «أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: ﴿سمعنا وعصينا﴾ بل قولوا: ﴿سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير﴾» فقالوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير. فلما اقترأها القوم، وذلت بها ألسنتهم، أنزل الله في أثرها: ﴿آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه، والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، لا نفرق بين أحد من رسله، وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير﴾. فلما فعلوا ذلك، نسخها الله تعالى، فأنزل : ﴿لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾ -قال نعم- ﴿ربنا ولا تحمل علينا إصرًا كما حملته على الذين من قبلنا﴾ -قال: نعم- ﴿ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به﴾ -قال نعم- ﴿واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولنا فانصرنا على القوم الكافرين﴾ (٢)

стр. 1450

قال نعم- هذا لفظ حديث أبي هريرة الثابت في "الصحيح" (١) وفي حديث ابن عباس الثابت في الصحيح (٢) أيضًا بلفظ: "قد فعلت" مكان: "قال: نعم" في هذه المواضع، ولا يخفاك أن الحرج الذي رفعه الله في الآية الأولى ونسخه وغفره لأمته، هو التسوية بين إبداء ما في النفس أو إخفائه، ولفظ الآية يقتضي العموم، لأن قوله: ﴿أو تخفوه﴾ الضمير يرفع إلى قوله: ﴿ما في أنفسكم﴾ ولفظ "ما" من صيغ العموم -كما قدمنا- لأنها الموصولة، ثم رفع الله عنهم هذا التكليف، ولم يحملهم ما لا طاقة لهم به. ولفظ: ﴿ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به﴾ يقتضي العموم؛ لأن "ما" في: ﴿ما لا طاقة لنا به﴾ هي الموصولة أو الموصوفة أي: لا تحملنا الشيء الذي لا طاقة لنا به أو شيئًا لا طاقة لنا به، فقال: نعم أو قال: قد فعلت. وهكذا يصح أن تكون "ما" في "ما حدثت به أنفسها" موصوفة، كما يصح أن تكون موصولة، أي: الشيء الذي حدثت به أنفسها أو شيئًا حدثت به أنفسها. وهكذا في: ﴿وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه﴾ كما صح أن تكون "ما" موصولة يصح أن تكون موصوفة؛ أي: إن تبدوا الشيء الذي في أنفسكم أو شيئًا في أنفسكم أو تخفوا الشيء الذي في أنفسكم أو شيئًا في أنفسكم (٣). فتقرر لك بهذا أن الشيء الذي تجاوز الله لهذه الأمة من حديث النفس هو كل ما

стр. 1451

يصدق عليه أنه حديث نفس، كائنًا ما كان سواء استقر في النفس وطال الحديث لهابه أو قصر، وسواء بقي زمنًا كثيرًا أو قليلًا، وسواء مر على النفس مرورًا سريعًا أو تراخى فيها، فالكل [١ ب] مما غفره الله لهذه الأمة وشرفها به وخصها برفع الحرج فيه، دون سائر الأمم، فإنها كانت مخاطبة بذلك مأخوذة به، ولا يقال: كيف خوطبت الأمم المتقدمة بمجرد الخواطر التي تمر بأنفسهم من حديث النفس مع كون ذلك من تكليف ما لا يطاق، ولا تقدر على دفعه الطبائع البشرية؟ لأنا نقول: ﴿ويفعل الله ما يشاء﴾ (١)، و ﴿يحكم ما يريد﴾ (٢)، ﴿لا يسأل عما يفعل وهم يسألون﴾ (٣). فظهر لك بهذا أن كل ما يصدق عليه حديث النفس، فهو مغفور، عفو، متجاوز عنه، كائنًا ما كان على أي صفة كان، فلا يقع به ردة، ولا يكتب به ذنب، ولا تبطل به عبادة، ولا يصح به طلاق، ولا عتاق (٤) ولا شيء من العقوبة، كائنا من كان، فإن

стр. 1452

الرجل الذي حدث نفسه ولم يعمل ولا تكلم قد غفر الله له ذلك الحديث الذي حدث به نفسه بالردة إلى غاية هي العمل أو التكلم، فإن حصل منه العمل وذلك بأن يفعل فعلًا يقتضي الردة أو تكلم بما يقتضي الردة صار مرتدًا أو لزمته أحكام المرتدين. وهكذا بقية ما سأل عنه السائل. وما يؤيد هذا ويدل عليه الحديث الثابت ...........................

стр. 1453

في "الصحيح" (١) من حديث ابن عباس، عن رسول الله ﷺ فيما يروي عن ربه: «إن الله كتب الحسنات والسيئات، ثم بين ذلك فمن هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله له حسنة كاملة، وإن هم بها فعملها كتبها الله له عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وإن هم بسيئة يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، وإن هم بها فعملها كتبها الله سيئة واحدة». وفي حديث أبي هريرة الثابت في "الصحيح" (٢) عن رسول الله ﷺ قال: «قال الله : "إذا هم عبدي بحسنة ولم يعملها كتبتها له حسنة فإن عملها كتبتها عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف، وإن هم بسيئة ولم يعملها لم أكتبها عليه، فإن عملها كتبتها سيئة واحدة".» وفي لفظ من حديث أبي هريرة الثابت في "الصحيح" (٣) قال: قال رسول الله ﷺ : «قال الله : "إذا تحدث عبدي بأن يعمل حسنة، فأنا أكتبها حسنة ما لم يعمل، فإذا عملها، فأنا أكتبها بعشر، فإذا تحدث بأن يعمل سيئة، فأنا أغفرها له ما لم يعملها، فإذا عملها فأنا أكتبها له مثلها». وفي لفظ من حديثه الثابت في "الصحيح" (٤) أيضًا: قال: "قالت

стр. 1454

الملائكة (١) رب! ذاك عبدك يريد أن يعمل سيئة -وهو أبصر به- فقال: ارقبوه: فإن عملها فاكتبوها له بمثلها، وإن تركها فاكتبوها له حسنة، إنما تركها من جراي (٢) -أي من أجلي- وألفاظ الأحاديث في هذا الباب كثيرة، وفيما ذكرناه كفاية، فإن قوله: «لا وإن هم بسيئة فلم يعملها» يدل على أن كل ما هم به الإنسان -أي هم كان- سواء كان حديث نفس أو عزم أو إرادة أو نية لا يؤاخذ به حتى يعمله، كما يدل على ذلك إطلاق السيئة وعدم تقييدها. وكما يفيده جعل العمل مقابلًا للهم، فإنه يدل على أنه إذا لم يعمل بالسيئة، فهو من قسم الهم (٣).

стр. 1455

وأيضًا: يدل أعظم دلالة ذكر حرف الشرط في قوله: "فإن عملها" فإن هذه الصيغة تفيد أنه لا مؤاخذة بالسيئة (١) حتى يعملها، وبهذا يرد على من جعل القصد، والعزم (٢)، وعقد القلب أمورًا زائدة على مجرد الهم [٢أ]. وأما ما روي (٣) عن بعض أهل العلم من الفرق بين ما استقر من أفعال القلوب، وما لم يستقر، وأنه يؤاخذ بما استقر منها، لا بما لم يستقر، وأن حديث: «إن الله تجاوز

стр. 1456

لأمتي ما حدثت به أنفسها، ما لم تكلم به أو تعمل» محمول على ما لم يستقر فلا يخفاك (١): إنه لا وجه لهذا التأويل المتعسف، والتفرقة بين ما يشمله الحديث ويدل عليه، بإدخال بعضه تحت حكم العفو والتجاوز، وإخراج بعضه عن ذلك الحكم وجعله مما لم يتناوله التجاوز عن حديث النفس، مع كونه منه! وفي هذا التعسف ما لم تلج إليه ضرورة، ولا قام عليه دليل. وقد استدل بعض القائلين بالتفرقة المذكورة بقوله سبحانه: ﴿فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التي فطر الناس عليها﴾ (٢) وجعل هذه الآية دليلًا على تأويل حديث التجاوز عن حديث النفس، وتخصيصه بما لم يستقر في الحديث! ولا يخفاك أنه لا دلالة في الآية على ما استدل به لا بمطابقة، ولا تضمن، ولا التزام! وبيان ذلك: أن قوله: ﴿فأقم وجهك للدين﴾ (٣) إن أريد به معناه الحقيقي، فليس فيه الأمر بمجرد الإقامة للوجه، وذلك عمل جارحة لا عمل قلب، وإن كان المراد بإقامة الوجه: الكناية عن الإتيان بأمور الدين التي شرعها الله لعباده، فهي: أقوال وأفعال، لا حديث نفس! وإن كان محل الاستدلال الذي زعمه هذا المستدل هو قوله في الآية: ﴿فطرت الله التي فطر الناس عليها﴾ (٤): فليس في ذلك إلا أن كل مولود يولد على الفطرة، وهذه الفطرة (٥) هي الخلقة التي خلقها الله عليها، والطبع الذي طبعه عليه، وليست من حديث النفس في ورد ولا صدر!. ولهذا إنها توجد مقارنة للولادة والمولود، لا حديث نفس له، ولا اعتقاد، ولا قصد، ولا نية! وكذلك بعد الولادة بأيام طويلة حتى يبلغ حد التمييز.

стр. 1457

ومثل هذا قول النبي ﷺ في الحديث الثابت في "الصحيح" (١) «كل مولود يولد على الفطرة، ولكن أبواه يهودانه، وينصرانه، ويمجسانه». فإن هذه هي الفطرة التي ذكرها الله في تلك الآية. وإذا تقرر لك أن هذا معنى الآية، علمت أنه لا يصح الاستدلال بها على هذا المدلول الذي لا تدل عليه بمطابقة، ولا تضمن، ولا التزام! وكيف تجعل هذه الدلالة التي هي أخفى من السها (٢) مرجحة على دلالة الحديث التي هي أوضح من شمس النهار، وموجبة لتأويله وقصره على بعض مدلوله، وإخراج بعضه، مع ما فيه من العموم الشامل المفيد لتلك الغاية التي هي العمل أو التكلم، فإن هذه الغاية بمجردها دلت على أنه حديث النفس هو شيء مغاير للقول والعمل، فكل ما لم يخر من الخواطر القلبية إلى التكلم أو العمل به، فهو حديث نفس من غير فرق بين المستقر منها [٢ب] وغير المستقر على ما بيناه. وأوضح من هذا الحديث دلالة على المطلوب حديث (٣): "من هم بسيئة، فإن عملها كتبت عليه سيئة، وإن لم يعملها لم تكتب عليه". وفي رواية صحيحة (٤):

стр. 1458

"كتبت له حسنة" (١) فإن هذا الحديث يدل على أكمل دلالة، وينادي بأعلى صوت أن الهم مغفور بجميع أقسامه. ما لم يعمل به ولا أصرح، وأوضح من قوله: "ما لم يعملها"، فإن عملها كتبت عليه سيئة" (٢). فإن التقييدين "ما لم يعملها" ثم المجيء بالشرطية، وجعل الكتب لها عليه جزاء لعملها في غاية الوضوح. فهل أوضح من هذا وأنطق من دلالته؟! فكيف يقال: إن هذا محمول على ما لم يستقر (٣) دون ما استقر من حديث النفس؟ وما الذي يفيد أن هذا الاستقرار قد خرج من الخواطر القلبية والأحاديث النفسية إلى حيز الأفعال الجوارحية؟ وما الموجب لهذا التأويل المتعسف والتخصيص المتعنت؟ وما المقتضي لتخصيص هذا الكلام النبوي، والعبارة المحمدية؟! فإن هذا من التقول على الله بما لم يقل، ومن إثبات الإثم على العباد،

стр. 1459

والمؤاخذة لهم بما صرحت الشريعة المطهرة بأنه عفو. وقال بعض هؤلاء العالمين بالفرق بين ما استقر من حديث النفس وما لم يستقر بأنه يمكن إدخال الحديث المستقر تحت قوله: "ما لم تعمل"! وما أبعد هذا! وأن العمل والتكلم هما قسيم حديث النفس ومقابلاه، كما في حديث: "الهم بالسيئة" وهما أيضًا الغاية التي ينتهي عندها التجاوز! وكل عربي أو فاهم للغة العرب يفهم من هذا التركيب المذكور في الحديث، وهو أنه لو قال قائل: قد تجاوزت عن كل من حدث نفسه بشتمي ما لم يتكلم بالشتم أو يعمل عملًا يدل عليه. فإن كل من يفهم لغة العرب يفهم أن كل ما لم يتكلم به من الشتم ولا عمل عملًا يدل عليه، داخل تحت عموم ذلك التجاوز دخولًا ظاهرًا وواضحًا. فإن قال قائل: إذا حدث نفسه حديثًا كثيرًا بالشتم، ولم يتكلم به ولا عمل عملًا يدل عليه فقد صار ذلك من جملة العمل الذي يدل على الشتم! فإن بطلان هذا ما يفهمه الصبيان. وهكذا لو قال قائل: من هم بشتمي ولم يشتمني لم أؤاخذه، فإن شتمني وأخذته فإن كل من يفهم لغة العرب يعلم أن المؤاخذة ليست إلا على الشتم الصراح الذي تسمعه الآذان أو تراه الأعين، وأن كل ما لم يبرز إلى الخارج منه عفو مغفور، غير مؤاخذ به. فإن قال قائل: إنه إذا استقر ذلك الهم في نفسه كان بمنزلة الشتم الصراح باللسان! كان بطلان هذا الكلام مما يفهمه الصبيان. ومما يزيدك بصيرة، ويطلعك على بطلان هذا الاستدلال، أن جعل حديث النفس أو الهم من العمل سيلزم منه الدور أو التسلسل في مثل قوله ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات» (١) فإن النية: هي القصد، وعقد القلب.

стр. 1460

وقد جعلت في الحديث من محصلات الأعمال، فلو جعلت من جملة الأعمال، لكانت محصلة لنفسها، ومحصلة، وهذا ظاهر لا يلتبس على من له فهم. فعرفت بهذا بطلان ما قاله المخصصون للمستقر من حديث النفس بالمؤاخذة، وأنه ليس في أيديهم أثارة من علم، بل مجرد رأى بحت لا وجه له، ولا دليل عليه، ولا ملجئ إليه، ولا مسوغ له. ثم يقال لهذا القائل: ماذا تريد بكون الخواطر المستقرة من حديث النفس مخالفة لغير ما هو مستقر منها، وزائدة عليها؟ [٣أ] فإنه إن قال: إن كونها زائدة على الهم يقتضي المؤاخذة بها!. فكلامه باطل؛ فإن الصادق المصدوق ﷺ قد حكى لنا عن ربه: أنه لا يؤاخذ إلا إذا عملها. ولا شك ولا ريب أن القصد (١)، والعزم، وعقد القلب، والنية -لو فرضنا- أنها أمور زائدة على مجرد الهم لم تكن بها مؤاخذة، لأنها ليست بعمل. والمؤاخذة إنما هي العمل، ولا يخالف في ذلك مخالف من أهل اللسان، ولا من أهل الشرع. وإن قال: إن كونها زائدة لا يقتضي المؤاخذة بها، ولكنها تتميز عن الهم بكونها زائدة عليه! فيقال له: لا فائدة في هذا أصلًا، فإنها إذا كانت مغفورة لا يؤاخذ الله العبد بها، فذلك هو المطلوب، والتفرقة ضائعة باعتبار ما نحن بصدده، وقد دلت الأحاديث أن المؤاخذة (٢) ليست إلا بالعمل كما دلت الأحاديث المصرحة بأن الله غفر لهذه الأمة ما حدثت به أنفسها، وبأن المؤاخذة ليست إلا بالعمل أو التكلم.

стр. 1461

ومن أعظم الأدلة وأوضحها ما في حديث ابن عباس هنا: «وإن هم بسيئة فلم يعملها كتبها الله له حسنة» (١) وفي اللفظ الآخر: من حديث أبي هريرة: «وإن تركها فاكتبوها له حسنة» (٢). فإن هذا يدل على أن الله يكتب لمن هم بالسيئة، ولم يعملها، حسنة. ومعلوم أن القاصد، والعازم، والناوي، والمريد للسيئة لم يعملوها، فهم في عداد من يكتب له بتلك السيئة التي قصدها، أو عزم عليها، أو نواها، أو أرادها حسنة، لأنه لم يعملها، ولأنه تركها بلا شك ولا شبهة. فاندفع ما جاء به الفارقون بين الهم، وبين تلك الأمور، ولم يشتمل كلامهم على فائدة يعتد بها فيما نحن بصدده. واعلم أنه قد زعم قوم من علماء الكلام أن العزم (٣) إن شارك الفعل للمعزوم عليه، كان مؤاخذًا به ومعاقبا عليه! قالوا: فمن عزم على أن يستخف بنبي من الأنبياء، أو بكتاب من الكتب المنزلة، كفر بمجرد هذا العزم، وإن لم يفعل فعلًا، ولا قال قولًا! هذا معنى كلامهم، وهو كلام ساقط، وتفرقة باطلة، ليس عليها أثارة من علم نقل ولا عقل! وبيان ذلك أن الغاية التي أثبتت الأدلة المؤاخذة بها هي العمل أو التكلم. وهذا العازم لم يعمل، ولا تكلم. فالقول بالمؤاخذة له: قول بلا دليل، بل قول مخالف للدليل مخالفةً واضحةً ظاهرةً. والذي حملهم على هذا خيال مختل وشبهة داحضة، وهو أنهم ظنوا أن هذا العازم على ما ذكروه، وقد

стр. 1462

عزم على ما لا يجوز (١)، وأن ذلك موجب للمؤاخذة! وهذا غلط ظاهر، فإنه لا شك أنه قد عزم على ما لا يجوز، لكن الذي لا يجوز هو ما عزم عليه، والنزغة الشيطانية، فإن الشرع قد جاءنا بأنها عفو مغفورة، ما لم يعمل أو يتكلم. وهذا لم يعمل، ولا تكلم. وليس عزمه بعمل، ولا كلام باتفاق أهل اللغة والشرع، وهذا هو المعنى الذي فهمه السلف الصالح من هذه الأحاديث. ورحم الله الأمام الشافعي، فإنه قال في "الأم" (٢) كل ما لم يحرك به لسانه فهو حديث النفس الموضوع عن بني آدم. انتهى. ولم يصب من تأوله، كما لم يصب من تأول الأحاديث [٣ب]. فقد تبين بجميع ما ذكرناه جواب ما سأل عنه السائل -كثر الله فوائده- وأن الحرج المغفور لهذه الأمة هو ما كان من تكليف غيرهم من العقوبة على حديث النفس وما تخفيه الضمائر، وما تهتم به القلوب من غير فرق بين ما استقر وطال أمد لبثه وتردد في النفس، وتكرر حديثهما به، وبين ما مر بها وعرض عرضًا يسيرًا، فإنه مغفور لنا، ومعاقب به من قبلنا كما قدمنا ذكره. ولا يشكل هذا التقرير الذي قررناه، بما ورد في مواضع مخصوصة مما يدل على المؤاخذة بشيء من الأفعال القلبية من دون عمل ولا تكلم، فإن ذلك يقصر على موضعه، ويخص بسببه، ويكون ما ورد منها مخصصًا لهذه العمومات التي ذكرناها،

стр. 1463

وذلك كقوله سبحانه: ﴿ومن يرد فيه بإلحاد بظلم﴾ (١) الآية. فإنها تدل على المؤاخذة بمجرد الإرادة في الحرم أو في البيت الحرام لشيء من المعاني التي تصدق عليها أنها ظلم للنفس أو ظلم للغير إذا كانت تلك الإرادة متعلقة بما هو إلحادٌ من ذلك. فهذه الآية لو حملناها على ظاهرها (٢)، ولم نتأولها بوجه من وجوه التأويل، لورودها مخالفة للأدلة القطعية الدالة على عدم المؤاخذة بما تخفيه القلوب، وتضمره السرائر حتى يعمل أو يتكلم به. لكان الواجب على قصرها على المورد الذي وردت فيه، وتخصيصها بالمكان الذي خصها به الدليل، فيقال: إن المؤاخذة. بمجرد الإرادة لما هو إلحاد بظلم خاص بالحرم أو البيت الحرام، فتقصر على محلها، وموردها، ومكانها، وليس فيها ما يقتضي كل الأحوال، أو الأزمنة، أو الأمكنة. فإن قلت: فهل نجعل من هذا القبيل الوارد مخالفًا لتلك الأدلة العامة ما ثبت في "الصحيح" من قوله ﷺ : «إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار. قيل: يا رسول الله! هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: إنه كان حريصًا على قتل .............................

стр. 1464

صاحبه» (١)؟. قلت: لا أجعله من هذا القبيل؛ لأن هذا المقتول لم يكن منه مجرد الحرص فقط، بل قد فعل في الخارج فعلًا هو عمل ظاهر، وهو أخذه لسيفه وملاقاته لصاحبه قاصدًا لقتله عازما على سفك دمه، فهو داخل تحت قوله: "ما لم يعمل أو يتكلم" وهذا قد عمل، وداخل تحت قوله: «ومن هم بالسيئة لم تكتب عليه حتى يعملها». وهذا قد أردف القصد بالعمل. وعلى تسليم أن هذا العمل الذي عمله، وهو حمله للسيف وملاقاته لصاحبه ليقتله لا يكون عملًا؛ لأنه لم يعمل العمل المقصود، وهو القتل ولا سيما بعد قوله فيه: «إنه كان حريصًا على قتل صاحبه» فإنه ﵌ جعل السبب الموجب للنار هو مجرد الحرص فقط، فيكون هذا الحديث مما خصصت به تلك العمومات، ولا معارضة بين عام وخاص، بل الواجب بناء العام على الخاص بالاتفاق (٢). والوجه ظاهر في تخصيص الحرص على قتل المسلم بالمؤاخذة به، وإخراجه من تلك

стр. 1465

العمومات لما في إراقة دم المسلم من عظم الذنب الذي لا يماثله فيه غيره من الذنوب التي يرتكبها المسلمون بعد الإسلام مما ليس بشرك. ولأجل هذا اختلف السلف في قبول توبة القاتل [٤أ] اختلافًا طويلًا (١) على ما هو

стр. 1466

معروف في كتب التفسير، وفي كتب شروح الحديث. وكما أن تخصيص المؤاخذة بالحرص على القتل وإخراجه من تلك العمومات لما ذكرنا؛ فكذلك أيضًا تخصيص المؤاخذة (١) بالإرادة بإلحاد بظلم في البيت الحرام أو في الحرم له وجه ظاهر واضح، وهو كون ذلك المريد في ذلك المكان المقدس المطهر الذي هو محل للطاعات، لا للمعاصي. ولهذا ورد في الترغيب في الطاعات فيه، ومضاعفة ثوابها (٢) ما ورد. وورد أيضًا- في الترهيب عن المعاصي (٣) فيه، وكثرة إثمها ما ورد، مما هو معروف. فإن قلت: هل يكون من هذا القبيل المخصص لتلك العمومات ما ورد في شأن أهل القرية التي أصبحت كالصريم، فإن الله عاقبهم بمجرد قولهم: ﴿أن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين﴾ (٤). قلت: ليس من هذا القبيل؛ فإنهم قد تكلموا بما عزموا عليه، كما حكى الله عنهم في قوله: ﴿فانطلقوا وهم يتخافتون أن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين﴾ (٥).

стр. 1467

وقد سبق تقييد تلك المعلومات بعدم العمل أو التكلم كما أسلفنا، وهؤلاء قد تكلموا بما عزموا فعوقبوا لأجل تكلمهم لا لأجل عزمهم. قال السائل -كثر الله فوائده- وما معنى قول من قال من السلف في قول الله تعالى: ﴿وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي﴾ (١) الآية. حيث قال إنها أرجى آية (٢) في القرآن؟. وكذلك ما وقع في نفوس بعض الصحابة ﵃ يوم الحديبية (٣) كعمر وغيره؟. وقد طالعت كلام كثير من أهل العلم من شراح الحديث، وغيرهم في معنى الحديث، فما وجدت في كلامهم ما يدفع الإشكال؟. أقول: وجه قول بعض السلف: إنها أرجى آيةٍ؛ أن الله سبحانه لم يؤاخذ نبيه وخليله إبراهيم ﵇ بطلب الطمأنينة؛ فإذا طلبها الواحد منا أو اختلج في خاطره شيء من الوسوسة الشيطانية؛ لم يكن مؤاخذا بذلك بالأولى. ولهذا قال نبينا ﷺ كما ثبت عنه في "الصحيح" (٤) «نحن أحق بالشك .........................

стр. 1468

من (١) إبراهيم ". فإذا كان نبينا ﵌ أحق بطلب الطمأنينة من إبراهيم الخليل، فنحن أيضًا -أيتها الأمة- أحق بذلك منه. وليس في هذا -والعياذ بالله- ما يقدح في دين طالب الطمأنينة أو يثلم في إيمانه؛ لأنه طلب شيئا طلبه أنبياء الله عليهم الصلاة والسلام. فأين نحن منهم؟ وملائكة الله -سبحانه- تتنزل عليهم في الوقت بعد الوقت، والحين بعد الحين، ويرون من براهين الله سبحانه ما لا يمكننا الوقوف عليه، ولا الوصول إلى بعضه. وقد ورد في الأحاديث الكثيرة الصحيحة في الوسوسة، ما هو معروف، فلنذكر بعضه هاهنا: فأخرج أحمد (٢) ومسلم (٣) من حديث أنس مرفوعا:» إن أحدكم يأتيه الشيطان فيقول: من خلقك؟ فيقول: الله. فيقول: من خلق الله؟ فإذا وجد أحدكم ذلك فليقل: آمنت بالله ورسوله [٤ ب]؛ فإن ذلك يذهب عنه «.

стр. 1469

وأخرج نحوه أحمد (١)، من حديث عائشة. وأخرج البخاري (٢) من حديث أنس مرفوعا:» لن يبرح الناس يتساءلون: هذا الله خالق كل شيء؛ فمن خلق الله؟ «. وأخرج نحوه البخاري (٣)، ومسلم (٤)، من حديث أبي هريرة مرفوعا، وزاد،» فإذا بلغه فليستعذ بالله، ولينتبه «. وأخرج نحوه الطبراني في "الكبير" (٥) من حديث ابن عمر مرفوعا. وأخرج نحوه ابن أبي الدنيا في "مكائد الشيطان" (٦) عن عائشة مرفوعًا. وأخرج أيضًا نحوه: مسلم (٧)، وأبو داود (٨) من حديث أبي هريرة مرفوعا. وأخرج البخاري (٩)، ومسلم (١٠)، وغيرهما من حديث عائشة:» أن النبي - صلى

стр. 1470

الله عليه وآله وسلم - سئل عن الوسوسة؟ فكبر ثلاثًا، وقال: ذاك صريح الإيمان ". وأخرج مسلم (١)، وغيره (٢) من حديث أبي هريرة قال: "جاء أناس من أصحاب رسول الله ﵌ إلى رسول الله، فقالوا: إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به؟ قال: وقد وجدتموه؟ قالوا: نعم. قال: ذاك صريح الإيمان". وأخرج مسلم (٣) وغيره (٤) عن عبد الله بن مسعود قال: "سئل النبي ﵌ عن الوسوسة؟ فقال: تلك محض الإيمان". وأخرج أحمد (٥) من حديث عائشة: "أن الناس سألوا رسول الله، عن الوسوسة التي يجدها أحدهم، لأن يسقط من عند الثريا أحب إليه من أن يتكلم به؟ قال؟ ذاك محض الإيمان". وأخرج نحوه: الجماعة (٦) من حديث ابن مسعود، وفيه: "ذاك صريح الإيمان". وأخرج نحوه مسلم (٧)، وأبو داود (٨) من حديث أبي هريرة، والطبراني في "الأوسط" (٩) من حديث ابن عباس.

стр. 1471

وأخرج -أيضًا- الطبراني في "الأوسط" (١) من حديث أم سلمة مرفوعا- بلفظ:

стр. 1472

» لا يلقى ذلك الكلام إلا مؤمن «. وأخرج من حديثها (١) - أيضا-: "أن رجلا قال: يا رسول الله! إني أحدث نفسي بالشيء، لو تكلمت به لحبطت أجري؟ فقال: الله أكبر، الله أكبر، الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة". وأخرج أحمد (٢)، وأبو داود الطيالسي (٣) والطبراني في الكبير (٤)، والبيهقي في "الشعب" (٥) من حديث ابن عباس قال: قال رسول الله- ﵌ لما سئل عن الوسوسة-: "الحمد لله، إن الشيطان قد أيس أن يعبد بأرضي هذه ولكن قد رضي منكم بالمحقرات من أعمالكم". وأخرج الطبراني في "الكبير" (٦) من حديث معاذ قال: "قلت يا رسول الله! إنه ليعرض في نفسي الشيء، لأن أكون حممة أحب إلي من أن أتكلم به ... " فذكر نحو ما تقدم. وأخرج .......................................................................

стр. 1473

الديلمي (١) عن معاذ مرفوعا:» إن إبليس له خرطوم كخرطوم الكلب واضعه على قلب ابن آدم، يذكره الشهوات واللذات، ويأتيه بالأماني، ويأتيه بالوسوسة على قلبه ليشككه في ربه، فإذا قال العبد: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، وأعوذ بالله أن يحضرون، إن الله هو السميع العليم، خنس الخرطوم عن القلب «. والأحاديث في هذا الباب كثيرة، بالغة حد التواتر. وقد دلت على أمور: منها أن للشيطان قدرة على تشكيك الإنسان حتى يشككه في خالقه، ويخطر بباله -بوسوسته- أن يقول في نفسه: من خلق الله؟ فانظر إلى أي مرتبة بلغ اللعين في الوسوسة؟ خيل إلى الإنسان أن خالقه مخلوق؟ وتشعب في ذهنه من وسوسته أن خالق هذا الرب الذي خلق الخلق [٥ أ] من ذا هو؟ وناهيك بهذا المبلغ الذي بلغه اللعين، والمكان الذي وصل إليه. ثم أرشد ﵌ هذا الذي وسوس له الشيطان، وأدخله في هذا الشك العظيم، والممارة- الكبيرة أن يقول: آمنت بالله (٢) ورسوله، وأن يستعيذ (٣) بالله

стр. 1474

من الشيطان، ويكف نفسه عن الانقياد لوسوسته. ومن الأمور التي دلت عليها هذه الأحاديث أن النبي ﵌ سمى هذه الوسوسة: "صريح (١) الإيمان" وفي لفظ أنها: "محض (٢) الإيمان". وإنما سماها "محض الإيمان" و"صريح الإيمان" لأن الشيطان لم يقدر من المؤمن إلا على ذلك، وهو شيء مغفور، متجاوز عنه، ولم يطمع فيه بأن يقبل ما يوسوس به إليه، أو يتأثر له، أو يقدح به في دينه. كلا، ومن لم يكن ثابت الإيمان؛ فإن الشيطان اللعين ينقله من رتبة إلى رتبة، ومن درجة إلى درجة، حتى يزيغ عن الدين، ويدخل في سبيل الملحدين، ويؤيد هذا قوله في الحديث السالف لا يلقي ذلك الكلام إلا مؤمن، فكان عدم التأثر لها: "محض الإيمان" و"صريح الإيمان". ويمكن أن يقال: إنما كان ذلك: "محض الإيمان" و"صريح الإيمان" لوقوع المدافعة من المؤمن عن أن يتكلم بشيء مما وسوس به إليه الشيطان، وسوله له،

стр. 1475

وأخطره على قلبه. ولهذا قال قائل الصحابة: لأن يسقط من عند الثريا أحب إليه من أن يتكلم بما وسوس به إليه الشيطان، كما في حديث عائشة، فقال رسول الله- ﵌ في جواب ذلك:» ذاك محض الإيمان «(١). وقال قائلهم: إني أحدث نفسي بالشيء، لو تكلمت به: لأحبطت أجري (٢): كما في الحديث الآخر. وكما قال معاذ: قلت: يا رسول الله! إنه ليعرض في نفسي الشيء؛ لأن أكون حممة أحب إلي من أن أتكلم به. فالمؤمن إذا بلغ من تحفظه إلى هذا الحد، حتى يكون سقوطه من الثريا إلى الثرى، أخف عنده من التكلم به، وصار احتراقه بالنار التي يكون حممة أيسر عنده من ذلك، فلا رتبة أعلى من هذه الرتبة من الإيمان، ولا صلابة في الدين أقوى من هذه الصلابة؛ فيستحق إيمان من كان كذلك أن يكون "محض الإيمان" و"صريح الإيمان". ويؤيد ما ذكرناه أولاً ما تقدم في حديث (٣) ابن عباس: أن النبي ﵌ لما سئل عن الوسوسة؟ قال: «الحمد لله، إن الشيطان قد أيس أن يعبد بأرضي هذه، ولكن قد رضي منكم بالمحقرات». فإن هذا يدل على أن مجرد عدم تأثير الشيطان في المؤمنين بشيء من الإغواء والتسويل، إلا مجرد الوسوسة التي خاطر من خواطر القلب المغفورة، من النعم التي أنعم الله بها على عباده. ولهذا حمد الله النبي ﵌ على ذلك؛ فإن الشيطان الرجيم هو القائل: ﴿فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين﴾ (٤)
следующие страницы →