стр. 1471
← Джавами‘ следующие страницы →
Джавами‘ · id 36543
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
الشوكاني
Полный текст (5 091 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.
стр. 1472
» لا يلقى ذلك الكلام إلا مؤمن «.
وأخرج من حديثها (١) - أيضا-: "أن رجلا قال: يا رسول الله! إني أحدث نفسي بالشيء، لو تكلمت به لحبطت أجري؟ فقال: الله أكبر، الله أكبر، الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة".
وأخرج أحمد (٢)، وأبو داود الطيالسي (٣) والطبراني في الكبير (٤)، والبيهقي في "الشعب" (٥) من حديث ابن عباس قال: قال رسول الله- ﵌ لما سئل عن الوسوسة-: "الحمد لله، إن الشيطان قد أيس أن يعبد بأرضي هذه ولكن قد رضي منكم بالمحقرات من أعمالكم".
وأخرج الطبراني في "الكبير" (٦) من حديث معاذ قال: "قلت يا رسول الله! إنه ليعرض في نفسي الشيء، لأن أكون حممة أحب إلي من أن أتكلم به ... " فذكر نحو ما تقدم.
وأخرج .......................................................................
стр. 1473
الديلمي (١) عن معاذ مرفوعا:» إن إبليس له خرطوم كخرطوم الكلب واضعه على قلب ابن آدم، يذكره الشهوات واللذات، ويأتيه بالأماني، ويأتيه بالوسوسة على قلبه ليشككه في ربه، فإذا قال العبد: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، وأعوذ بالله أن يحضرون، إن الله هو السميع العليم، خنس الخرطوم عن القلب «.
والأحاديث في هذا الباب كثيرة، بالغة حد التواتر.
وقد دلت على أمور: منها أن للشيطان قدرة على تشكيك الإنسان حتى يشككه في خالقه، ويخطر بباله -بوسوسته- أن يقول في نفسه: من خلق الله؟ فانظر إلى أي مرتبة بلغ اللعين في الوسوسة؟ خيل إلى الإنسان أن خالقه مخلوق؟ وتشعب في ذهنه من وسوسته أن خالق هذا الرب الذي خلق الخلق [٥ أ] من ذا هو؟ وناهيك بهذا المبلغ الذي بلغه اللعين، والمكان الذي وصل إليه.
ثم أرشد ﵌ هذا الذي وسوس له الشيطان، وأدخله في هذا الشك العظيم، والممارة- الكبيرة أن يقول: آمنت بالله (٢) ورسوله، وأن يستعيذ (٣) بالله
стр. 1474
من الشيطان، ويكف نفسه عن الانقياد لوسوسته.
ومن الأمور التي دلت عليها هذه الأحاديث أن النبي ﵌ سمى هذه الوسوسة: "صريح (١) الإيمان" وفي لفظ أنها: "محض (٢) الإيمان".
وإنما سماها "محض الإيمان" و"صريح الإيمان" لأن الشيطان لم يقدر من المؤمن إلا على ذلك، وهو شيء مغفور، متجاوز عنه، ولم يطمع فيه بأن يقبل ما يوسوس به إليه، أو يتأثر له، أو يقدح به في دينه.
كلا، ومن لم يكن ثابت الإيمان؛ فإن الشيطان اللعين ينقله من رتبة إلى رتبة، ومن درجة إلى درجة، حتى يزيغ عن الدين، ويدخل في سبيل الملحدين، ويؤيد هذا قوله في الحديث السالف لا يلقي ذلك الكلام إلا مؤمن، فكان عدم التأثر لها: "محض الإيمان" و"صريح الإيمان".
ويمكن أن يقال: إنما كان ذلك: "محض الإيمان" و"صريح الإيمان" لوقوع المدافعة من المؤمن عن أن يتكلم بشيء مما وسوس به إليه الشيطان، وسوله له،
стр. 1475
وأخطره على قلبه.
ولهذا قال قائل الصحابة: لأن يسقط من عند الثريا أحب إليه من أن يتكلم بما وسوس به إليه الشيطان، كما في حديث عائشة، فقال رسول الله- ﵌ في جواب ذلك:» ذاك محض الإيمان «(١).
وقال قائلهم: إني أحدث نفسي بالشيء، لو تكلمت به: لأحبطت أجري (٢): كما في الحديث الآخر.
وكما قال معاذ: قلت: يا رسول الله! إنه ليعرض في نفسي الشيء؛ لأن أكون حممة أحب إلي من أن أتكلم به.
فالمؤمن إذا بلغ من تحفظه إلى هذا الحد، حتى يكون سقوطه من الثريا إلى الثرى، أخف عنده من التكلم به، وصار احتراقه بالنار التي يكون حممة أيسر عنده من ذلك، فلا رتبة أعلى من هذه الرتبة من الإيمان، ولا صلابة في الدين أقوى من هذه الصلابة؛ فيستحق إيمان من كان كذلك أن يكون "محض الإيمان" و"صريح الإيمان".
ويؤيد ما ذكرناه أولاً ما تقدم في حديث (٣) ابن عباس: أن النبي ﵌ لما سئل عن الوسوسة؟ قال: «الحمد لله، إن الشيطان قد أيس أن يعبد بأرضي هذه، ولكن قد رضي منكم بالمحقرات».
فإن هذا يدل على أن مجرد عدم تأثير الشيطان في المؤمنين بشيء من الإغواء والتسويل، إلا مجرد الوسوسة التي خاطر من خواطر القلب المغفورة، من النعم التي أنعم الله بها على عباده.
ولهذا حمد الله النبي ﵌ على ذلك؛ فإن الشيطان الرجيم هو القائل: ﴿فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين﴾ (٤)
стр. 1476
[٥ ب].
فإذا لم يكن له سبيل على المؤمنين، إلا بأن يوسوس لهم وسوسة لا وجود لسمع من معناها في الخارج، ولا تبرز في قول، ولا فعل، فذلك من أعظم النعم التي ينبغي شكر الله عليها، ومن أعظم الأدلة الدالة على قوة إيمان العبد، وصلابته في الدين؛ فإنه قد نجا بإيمانه الذي تفضل الله به عليه من جميع مكائد الشيطان، وسلم من كل نزغاته، التي توجب الإثم، ويطلق عليها اسم الذنب، ولم يقدر على شيء منه، إلا مجرد الوسوسة المغفورة، المعفو عن صاحبها.
ومثل هذا قوله ﵌ في الحديث السابق لما سمع قول القائل: إني أحدث نفسي بالشيء، لو تكلمت به لأحبطت عملي. فقال:﵌: «الله أكبر، الله أكبر، الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة».
فإن هذا الحديث يدل أبلغ دلالة على أن الشيطان لا يقدر على المؤمن إلا مجرد الوسوسة، وذلك من النعم العظيمة؛ لأن كيد اللعين كيد عظيم وتسلطه على بني آدم تسلط شديد، فإذا رد الله كيده إلى محض الوسوسة، فقد سلم المؤمن منه، ونجا. ولا يكون من هذا القبيل، إلا خلص المؤمنين، فمن بلغ إلى هذه الرتبة العلية، وهي أنه قد سلم من كيد الشيطان العظيم، ورد اله كيد اللعين إلى الوسوسة؛ فذاك "صريح الإيمان" و"محض الإيمان".
فقد اتضح لك بهذا ما يرفع عنك الإشكال، ويدفع الاضطراب. وقد كررنا في هذا الجواب بعض التكرير؛ بقصد الإيضاح؛ لأن المقام من أعظم المقامات التي تشكل على أهل العلم، ويسألون عنها.
ولا أظن أنه بقي في صدر من تأمل ما حررناه هاهنا خرج، ولله الحمد.
وإذا عرفت هذا، فاعلم أن الواقع من عمر ﵁ في الحديبية، ليس إلا مجرد استشكال وقوع الصلح على تلك الكيفية، وقال: لم نعط الدنية في ديننا مع كوننا على الحق، وعدونا على ......................................
стр. 1477
الباطل (١)؟.
ويتم إلى ذلك السؤال عما وعدهم به رسول الله- ﵌ من فتح مكة، فلما تبين له وجه المصلحة في ذلك الصلح، ثم تبين له أن النبي ﵌ لم يعين لهم وقت فتح مكة في ذلك العام، قنع وارتفع ما حصل له من الإشكال.
فليس الواقع معه إلا مثل ما يقع لمن يستشكل بحثا من الأبحاث العلمية، ويسأل عنه من يرجو عنده الفائدة.
وإذا كان قد وقع مع الصحابة ما ذكرنا من الوسوسة التي يحب أحدهم أن يسقط من الثريا إلى الثرا، ولا يتكلم بها، ويحب الآخر أن يحترق حتى يصير حممة، ولا يتكلم بها، وجعل النبي ﵌ ذلك "محض الإيمان" و"صريح الإيمان" فكيف يستبعد من عمر أن يشكل (٢) عليه مثل ذلك الأمر، ويسأل عنه؟ وبهذا يتضح للسائل -كثر الله فوائده- جواب ما سأل عنه من قول الخليل ﵇: ﴿قال بلى ولكن ليطمئن قلبي﴾ (٣).
ويظهر وجه قول بعض السلف: "إن هذه الآية أرجى آية في القرآن [٦ أ] ويتضح ما استشكله (٤) من قول عمر ﵁.
قال السائل -كثر الله فوائده- وكذلك ما يقول في رجل معه علة السلس، فإن بكر بالخروج إلى صلاة الجمعة اعتراه الحدث لطول المدة، وإن تأخر إلى حين دخول الإمام، أو إلى فراغه من الخطبة فاتته الفضيلة، ولكنه إذا تأخر هذا التأخر صلى بطهارة كاملة؟.
وهل شهود الخطبة واجب أم لا؟ انتهى.
стр. 1478
أقول: قد تقدم في العام الأول من السائل -كثر الله فوائده- سؤال في أحكام السلس، وما يتعلق بها، ويتفرع عليها.
وأجبنا على ذلك جوابا، ربما يستفاد منه جواب هذا، فليراجعه إن شاء.
ولا شك أن مجرد التبكير إلى صلاة الجمعة فضيلة، وسنة حافظ عليها السلف، وأرشد إليها رسول الله ﵌ حتى فضل أجر المبكرين وثوابهم على حسب اختلافهم في التبكير، فقال: فيما ثبت عنه في "الصحيح" (١)» من اغتسل يوم الجمعة، ثم راح في الساعة الأولى، فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية، فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة، فكأنما قرب كبشا أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة، فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة، فكأنما قرب بيضة؛ فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر».
فهذا المبتلى بعلة السلس؛ إذا كانت العلة مطبقة مستمرة، لا يمكن تأدية الفرض إلا مع خروج شيء من ذلك، كان حكمه حكم الصحيح الذي لا علة معه في طهارته، وثيابه، وبدنه، وصلاته في أول الوقت.
وذلك الخارج عفو لا يبطل به وضوءه، ولا يتنجس به ثوبه الذي سيصلي فيه تلك الفريضة، ولا بدنه، ولا غير ذلك.
وقد أوضحنا هذا في الجواب الذي حررناه العام الأول على السائل -كثر الله فوائده- وأما هذه المسألة التي وقع السؤال عنها؛ فإن كان يثق من نفسه أنه إذا ترك التبكير وحضر مع حضور الإمام، لم يخرج شيء من الخارج، فترك التبكير أولى له.
стр. 1479
وإن كان معذورًا -في الواقع- لكن إذا قدر على تأدية الصلاة بطهارة كاملة مع انقطاع الخارج منه، فذلك متحتم لازم، لأن الطهارة فريضة من فرائض الصلاة المتعينة على كل مصل، إذا كان متمكنا من ذلك غير معذور عنه.
وأما ما سأل عنه -عافاه الله- من كون شهود الخطبة واجبًا أم لا؟
فلم يتقرر لهذا بدليل صحيح معتبر ما يدل على وجوب الخطبة في الجمعة حتى يكون شهودها واجبًا.
والفعل الذي وقعت المداومة عليه لا يستفاد منه الوجوب، بل يستفاد منه أن ذلك المفعول على الاستمرار سنة من السنن المؤكدة.
فالخطبة في الجمعة سنة من السنن المؤكدة، وشعار من شعائر الإسلام [٦ ب] لم تترك منذ شرعت إلى موته ﵌، ولا أقيمت صلاة جمعة بغير خطبة.
وهكذا ما بعد عصره، في جميع الأقطار إلى هذا العصر لم تترك في قطر من أقطار المسلمين، ولا أهملت في عصر من العصور الإسلامية.
وأما كونها واجبة مفترضة، فلم يأت في كتاب الله سبحانه ولا في سنة رسول الله ﵌ ما يدل على ذلك، ولا بلغ إلينا ما يفيد الوجوب.
وقد استدل بعض أهل العلم بقوله تعالى: ﴿فاسعوا إلى ذكر الله﴾ (١) وأن السعي إذا كان مأمورًا به، كان المسعو إليه أولى بالوجوب؟
ويجاب عن هذا: بأن الذكر المأمور بالسعي إليه هو صلاة الجمعة، كما في أول الآية: ﴿إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله﴾. فالمسعو إليه هو الصلاة، والصلاة هي ذكر الله.
واستدل بعض القائلين بوجوب الخطبة بقوله ﵌: (صلوا كما رأيتموني
стр. 1480
أصلي» (١).
وهذا استدلال غير صحيح؛ فإن النزاع في الخطبة، وليست بصلاة فكيف يستدل عليها بهذا الحديث؟
ولعل هذا المستدل قد علق بذهنه ما يقوله بعض الفقهاء من أن خطبة الصلاة كركعتين، فحقق هذا التشبيه، وجزم بأنها ركعتان، ثم استدل عليها فغلط غلطا متكررًا، وخبط خبطا شديدًا، وغفل عن كون القائل من الفقهاء إنما قال: إنها كركعتين، ولم يقل: إنها ركعتان والذي حمل هذا القائل على أنها كركعتين شيء لا يقع في ذهن متيقظ، ولا ينفق على محقق.
وذلك أنه لما استقر في ذهنه أن صلاة الجمعة بدل عن الظهر، وأن الظهر أربع ركعات، ظن أن البدل لا بد أن يكون كالمبدل في العدد؛ فجعل الخطبة منزلة منزلة ركعتين، فجاء بجهل مرتب على جهل.
وتكلم بباطل متفرع على باطل! وهكذا من توغل في الرأي، وجعله مرجعا للمسائل الشرعية؛ فإنه يأتي بمثل هذه الخرافات المخزية!.
وبالجملة، فلا شيء من كتاب، ولا سنة يدل على أن الخطبة واجبة من واجبات الشريعة، وفريضة من فرائضها!.
ولو كان طول الملازمة يستفاد منه الوجوب، لكانت نوافله ﵌ وأذكاره التي داوم عليها، ولم يخل بها واجبة! واللازم باطل بإجماع المسلمين فالملزم مثله.
وبيان الملازمة: اتصاف الخطبة، وهذه النوافل، والأذكار بكون كل واحدة منه وقعت الملازمة له، والمداومة عليه، والمواظبة على فعله، وبيان بطلان اللازم: إجماع المسلمين أجمعين -إلا من لا يعتد بخلافه- أن تلك النوافل التي واظب النبي ﵌، والأذكار التي كان يحافظ عليها، غير واجبة [٧ أ]!.
стр. 1481
واعلم أن من تأمل فيما وقع لأهل العلم في هذه العبادة الفاضلة التي افترضها الله عليهم في الأسبوع، وجعلها شعارا من شعائر الإسلام -وهي صلاة الجمعة- من الأقوال الساقطة، والمذاهب الزائفة، والاجتهادات الداحضة قضى من ذلك العجب!.
فقائل يقول: الخطبة كركعتين، وأن من فاتته لم تصح جمعته! وكأنه لم يبلغه ما ورد عن رسول الله- ﵌ من طرق متعددة يقوي بعضها بعضا، ويشد بعضها من عضد بعض "أن من فاتته ركعة من ركعتي الجمعة، فليضف إليها أخرى، وقد تمت صلاته" (١).
стр. 1482
ولا بلغه غير هذا الحديث من الأدلة!
وقائل يقول: لا تنعقد الجمعة إلا بثلاثة مع الإمام!
وقائل يقول: بأربعة معه!
وقائل يقول: بستة!
وقائل يقول: بتسعة!
وقائل يقول: باثني عشر!
وقائل يقول: بعشرين!
وقائل يقول: بثلاثين!
وقائل يقول: لا تنعقد إلا بأربعين!
وقائل يقول: بخمسين!
وقائل يقول: لا تنعقد إلا بستين!
وقائل يقول: بثمانين!
وقائل يقول: بجمع كثير من غير تقييد!
وقائل يقول: إن الجمعة لا تصح إلا في مصر جامع وحدده بعضهم بأن يكون الساكنون فيه: كذا وكذا من آلاف!
وآخر قال: أن يكون فيه جامع، وحمام!
وآخر قال: أن يكون فيه كذا!
وآخر قال: أن يكون فيه كذا!
وآخر قال: إنها لا تجب إلا مع الإمام الأعظم؛ فإن لم يوجد، أو كان مختل العدالة بوجه من الوجوه، لم تجب الجمعة، ولم تشرع!
стр. 1483
ونحو هذه الأقوال التي ليس عليها أثارة من علم، ولا يوجد في كتاب الله، ولا في سنة رسول الله ﵌ حرف واحد يدل على ما ادعوه من كون هذه الأمور المذكورة شروطا لصحة صلاة الجمعة أو فرضا من فرائضها أو ركنا من أركانها!
فيا لله العجب! ما يفعل الرأي بأهله! وما يخرج من رءوسهم من الخزعبلات الشبيهة بما يتحدث الناس به في مجامعهم، وما يجرونه في أسمارهم من القصص، والأحاديث الملفقة، وهي من الشريعة المطهرة بمعزل! يعرف هذا كل عارف بالكتاب والسنة وكل متصف بصفة الإنصاف، وكل من ثبت قدمه، ولم يتزلزل عن طريق الحق بالقيل والقال.
ومن جاء بالغلط، فغلطه رد عليه، مضروب به في وجهه. والحكم بين العباد هو كتاب الله، وسنة رسوله، كما قال سبحانه: ﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول﴾ (١).
﴿إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا﴾ (٢).
﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما﴾ (٣).
فهذه الآيات، ونحوها، تدل أبلغ دلالة، وتفيد أعظم فائدة أن المرجع مع الاختلاف إلى حكم الله ورسوله [٧ ب].
وحكم الله هو كتابه. وحكم رسوله -بعد أن قبضه الله إليه- هو: سنته ليس غير
стр. 1484
ذلك.
ولم يجعل الله لأحد من العباد -وإن بلغ في العلم إلى أعلى مبلغ، وجمع منه ما لم يجمعه غيره- أن يقول في هذه الشريعة بشيء لا دليل عليه من كتاب ولا سنة.
والمجتهد -وإن جاءت الرخصة له بالعمل برأيه عند عدم الدليل- فلا رخصة لغيره أن يأخذ بذلك الرأي كائنا من كان. والبحث في هذا يطول جدا. وقد جمعت فيه مصنفين مطولا ومختصرا -ولله الحمد-.
حرره مؤلفه في يوم الأربعاء الثالث من شهر ذي القعدة من شهور سنة ١٢٢٨ حامدًا لله شاكرا له مصليا مسلما على رسوله [٨ أ].
стр. 1485
الأبحاث الوضية في الكلام على حديث (حب الدنيا رأس كل خطية)
تأليف
محمد بن علي الشوكاني
حققته وعلقت عليه وخرجت أحاديثه
محفوظة بنت علي شرف الدين
أم الحسن
стр. 1486
وصف المخطوط (أ):
١ - عنوان الرسالة: (الأبحاث الوضية في الكلام على الحديث: "حب الدنيا رأس كل خطية").
٢ - موضوع الرسالة: في "الحديث".
٣ - أول الرسالة: بسم الله الرحمن الرحيم: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الأمين وآله الطاهرين وصحبه الراشدين. وبعد: فإنه ورد إلي سؤال من عالم مفضال هو لطف الله بن أحمد جحاف ..
٤ - آخر الرسالة: " .... وفي هذا المقدار كفاية لمن له هداية. والله ولي التوفيق، حرر في أوائل ليلة الخميس لعله في شهر جمادى الآخرة سنة (١٢١٧ هـ) بقلم مؤلفه الحقير محمد بن علي الشوكاني. غفر الله ذنوبه وستر عيوبه".
٥ - نوع الخط: خط نسخي معتاد.
٦ - عدد الصفحات: ١٦ صفحة.
٧ - عدد الأسطر في الصفحة: (٢١ - ٢٤) سطرا.
٨ - عدد الكلمات في السطر: (١١ - ١٢) كلمة.
٩ - الناسخ: المؤلف محمد بن علي الشوكاني.
١٠ - الرسالة من المجلد الثالث من "الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني".
стр. 1487
الأبحاث الوضية في الكلام على حديث حب الدنيا رأس كل خطية
[صورة عنوان الرسالة من المخطوط (أ)]
стр. 1488
[صورة الصفحة الأولى من المخطوط (أ)].
стр. 1489
[صورة الصفحة الأخيرة من المخطوط (أ)].
стр. 1490
وصف المخطوط (ب):
١ - عنوان الرسالة: (سؤال عن حديث حب الدنيا رأس كل خطية).
٢ - موضوع الرسالة: في " الحديث ".
٣ - أول الرسالة: قال ﵁: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الأمين، وآله الطاهرين وصحبه الراشدين، وبعد: فإنه ورد إلي سؤال من بعض الأعلام ولفظه. . .
٤ - آخر الرسالة: لكن الخطر فيه دون الخطر في حب ما هو من الدنيا كالمال والبنين والشهوات والشرف، وفي هذا المقدار كفاية لمن له هداية، والله ولي التوفيق، والحمد لله أولا وآخرًا، وصلى الله على خير خلقه محمد وآله وصحبه وسلم.
٥ - نوع الخط: خط نسخي جيد.
٦ - عدد الصفحات: (١٤) صفحة.
٧ - عدد الأسطر في الصفحة: (١٨ - ٢٣) سطرا.
٨ - عدد الكلمات في السطر: (١٠ - ١٢) كلمة.
٩ - الرسالة من المجلد الثالث من " الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني ".
стр. 1491
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الأمين، و [على] (١) آله الطاهرين وصحبه الراشدين، وبعد:
فإنه ورد إلي سؤال من [عالم مفضال هو لطف الله بن أحمد حجاف (٢) - لا برح من الله في خفي الألطاف (٣) -]، ولفظه:
ورد [في (٤)] حديث أخرجه البيهقي (٥) وغيره مرفوعا، وبعضهم صحح رفعه قال:
стр. 1492
قال رسول الله ﵌: " حب الدنيا رأس كل خطيئة "، فأشكل علينا استدلالهم به من وجوه:
الأول: أنهم جعلوا محبة الدنيا أصلا في الخطايا مع أن حبها أمر جبلي، فكيف يمكن أن يزيل الإنسان ما ركزه الله في طبيعته من حبها؟ وهل هي إلا فتنة جعلها الله؟
الثاني: نسألكم: ما المراد بالدنيا؟ إن قال: المراد بها متاعها من منقول وغيره، فهذا غير مسلم لأن الدنيا غير متاعها، وإن قال: هو من تسمية الحالية والمحلية [أو (١)] المظروف والظرف فهو مجاز، فنقول: الأصل الحقيقة، وأيضا لا بد من قرينة ترد من الشارع تدل
стр. 1493
على أن المراد بذلك المجاز، والآيات [القرآنية] (١) تشهد بأن المراد بالدنيا هي الحياة الأولى كما دل على ذلك: ﴿من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها﴾ [١ أ] ﴿نوف إليهم أعمالهم فيها﴾ (٢)، ﴿تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة﴾ (٣)، ﴿وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور﴾ (٤)، والآيات (٥) في ذلك كثيرة.
الثالث: إن قام الدليل على أن المراد هنا المعنى المجازي - وما أظنه يقوم - فنقول بعد ذلك كله: [قد] (٦) سلمنا أنه المراد، لكن نحكم بأنها سبب لوقوع المفاسد والطغيان كثيرًا، فتكون محرمة وجمعها قبيح، لكن لا يخفى أن تحريم المسبب لا يستلزم تحريم السبب في أمثلة كثيرة، كما لو تسبب عن السمر خروج وقت [صلاة] (٧) الضحى، فإنه لا يقضى بتحريم ذلك السبب، فما بقي إلا أن المراد تحريم حب الحياة وقبحها لئلا يرد علينا شيء، وذلك مجرى [١] على التساهل بالآخرة، وليس ذلك من قبيل المسبب المحرم اللازم منه تحريم سببه، بل ذلك السبب نفسه قد صح عن الشارع تقبيحه، فكان [بالدليل] (٨)، والمقصود إظهار الفائدة. انتهى السؤال.
стр. 1494
[الجواب]
والجواب - بمعونة الوهاب - ينحصر في أبحاث خمسة:
الأول: الكلام على الحديث المسئول عنه فنقول: قال الحافظ السخاوي في " المقاصد الحسنة في الأحاديث الدائرة على الألسنة " (١): أخرجه البيهقي (٢) في الحادي والسبعين من الشعب بإسناد حسن إلى الحسن البصري [رفعه] (٣) مرسلا، وأورده في الفردوس (٤) بلا إسناد عن علي [﵁] (٥) [رفعه] (٦)، وهو عند البيهقي أيضًا في الزهد (٧)، وأبي نعيم في ترجمة البلوي من الحلية (٨) من قول عيسى ابن مريم ﵇، وعند ابن أبي الدنيا في مكائد الشيطان له من قول مالك بن دينار [١ ب]، وعند [ابن يونس (٩)] في ترجمة سعد بن مسعود التجيبي من تاريخ مصر له من قول سعد هذا، وجزم ابن تيمية (١٠) بأنه من قول جندب البجلي ﵁.
قال السخاوي: وبالأول يرد عليه وعلى غيره ممن صرح بالحكم [عليه] (١١) بالوضع؛ لقول ابن المديني: مرسلات الحسن البصري إذا رواها عنه الثقات صحاح، ما أقل ما
стр. 1495
يسقط منها! وقال أبو زرعة: كل شيء يقول الحسن: قال رسول الله ﵌ وجدت له أصلا ثابتا ما خلا أربعة أحاديث، وليته ذكرها، وقال الدارقطني: في مراسيله ضعيف، وللديلمي عن أبي هريرة [رفعه] (١): (الآفات تصيب أمتي حبهم الدنيا وجمعهم الدنانير والدراهم، لا خير في كثير ممن جمعها إلا من سلطه الله على هلكتها في الحق).
قلت: فعلى هذا يكون الحديث مرسلا قويا؛ لأنه قد تقوى بما تقدم ذكره، ولا ينافي رفعه وقف من وقفه على بعض الصحابة، أو على من بعدهم، فقد يتكلم الصحابي أو التابعي بالحديث [٢] النبوي من دون أن يرفعه، إما لإخراجه مخرج الأمثال المرسلة، أو [لكون] (٢) المقام ليس مقام [الرواية] (٣)، أو [لكون] (٤) الحديث مشتهرا شهرة تغني عن رفعه، وعلى كل حال فمعناه صحيح، وقد ورد ما يشهد له ويقويه كحديث: (الدنيا ملعونة وملعون ما فيها، إلا ذكر الله [وما والاه] (٥) أو عالم أو متعلم)، وهو في السنن (٦).
стр. 1496
وحديث: (الدنيا خضرة حلوة، وإن الله مستخلفكم فيها، فناظر كيف تعملون؟) أخرجه مسلم (١)، والنسائي (٢)، وغيرهما (٣) من حديث أبي سعيد الخدري.
وأخرجه العسكري (٤) من حديث [٢ أ] أبي هريرة بلفظ: " الدنيا حلوة خضرة، من أخذها بحقها بورك له فيها، ورب متخوض في مال الله ورسوله له النار يوم القيامة "، وأصله في البخاري (٥) بلفظ: " إن رجالا يتخوضون في مال الله. . . ".
وفي البخاري (٦) أيضًا من حديث حكيم بن حزام أن النبي ﵌ قال له: " يا حكيم إن هذا المال خضرة حلوة، فمن أخذ بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه ".
وقد روي من حديث ميمونة عند أبي يعلى (٧) والطبراني (٨)،
стр. 1497
والرامهرمزي (١) في الأمثال، وعن عبد الله بن عمرو عند الطبراني (٢).
وأخرج أحمد (٣) من حديث عائشة بلفظ: " الدنيا دار من لا دار له، ولها يجمع من لا عقل له "، قال السخاوي (٤): ورجاله ثقات.
وأخرج مسلم (٥) من حديث أبي هريرة: " الدنيا سجن المؤمن، وجنة الكافر "، وقد روي من حديث ابن عمرو عند البزار (٦).
ومن حديث ابن [عمرو (٧)] عند الطبراني (٨)، وأبي نعيم (٩)، وأخرجه أيضًا من حديثه
стр. 1498
стр. 1499
وأخرجه مسلم (١)، والنسائي (٢)، وابن ماجه (٣) من حديث عبد الله بن عمرو: " الدنيا متاع، وخير متاعها المرأة الصالحة ".
وأخرج في مسند الفردوس (٤) عن ابن عمر مرفوعا: " الدنيا منظرة الآخرة، فاعبروها ولا تعمروها ".
وأخرج العقيلي في " الضعفاء " (٥) من حديث طارق بن أشيم: " نعمت الدار الدنيا لمن تزود منها لآخرته "، وهو عند الحاكم في مستدركه (٦)، وصححه وتعقبه الذهبي بأنه منكر.
والأحاديث في هذا الباب [٣] كثيرة جدا، ولا يخفى ما في هذه الأحاديث التي سقناها من الدلالة على صحة معنى حديث: " حب الدنيا رأس كل خطيئة " (٧)، فإن ما كان
стр. 1500
من هذه الأحاديث وغيرها متضمنا لذم الدنيا والتنفير منها ففيه دليل على أنها لا تكون محلا للمحبة، وأن حبها وهي بهذه المثابة وسيلة للخطيئة، وما كان منها متضمنا لمدحها أو إباحة الانتفاع بها فهو مقيد يفيد مسوغ للتناول، وليس فيه ما يفيد أنها محل للمحبة.
وبالجملة فالأدلة الواردة في ذم البخل كتابا (١) وسنة (٢) تدل على صحة معنى هذا
стр. 1501
الحديث المسئول عنه؛ لأن البخل بمتاع الحياة الدنيا لا تكون إلا من محب لها، متهالك عليها، وهكذا الأدلة الدالة على ذم التكاثر والجمع والكنز والمنع لما يجب [٢ ب] في المال، فإنها تفيد صحة معنى الحديث المسئول عنه؛ لأن كل ذلك لا يصدر إلا من محب للدنيا، وهكذا الأدلة الواردة في الترغيب في الزهد (١)، والترهيب من مقابله هي تفيد هذا
стр. 1502
المفاد.
стр. 1503
وهكذا إذا تدبر الإنسان المعاصي الشرعية التي ثبت النهي عنها فإنه يجدها لا محالة ناشئة عن حب الدنيا؛ إذ المعاصي بأسرها لا تكون إلا لمحبة المال، أو لمحبة الشرف، أو لقضاء شهوة جسمانية أو نفسانية، والمحبة لكل هذه أو لبعضها هي من محبة الدنيا بلا شك ولا شبهة.
ومن أعظم ما يشهد لمعنى حديث: " حب الدنيا رأس كل خطيئة " (١) الأحاديث الواردة في ذم حب الشرف والمال كحديث: " ما ذئبان ضاريان " (٢)، وهو حديث
стр. 1504
صحيح، وإذا قد ثبت عنه ﵌ ذم حب الشرف والمال، والتنفير عنه، والتنويه بأنه مرجع المعاصي وأصل الخطايا، فهو مفيد لصحة معنى حديث: " حب الدنيا رأس كل خطيئة " (١)، والاختلاف في العموم [٤] والخصوص لا يقدح في هذه [الإفادة] (٢).
وبالجملة فيغني عن هذا كله ما في كتاب الله العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه في ذم الدنيا، والتنفير منها، وإيضاح أنها ظل زائل، وأنها وإن كانت موجودة فهي بالعدم أشبه، وإن ظن ظان أن في متاعها نفعا فهو إلى الضر أقرب، فمن ذلك قوله : ﴿وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور﴾ (٣)، وقوله: ﴿تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة﴾ (٤).
وقوله: ﴿إنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما وفي الآخرة عذاب شديد﴾ (٥).
стр. 1505
وقوله: ﴿زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير﴾ [٣أ] ﴿المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب﴾ (١).
وقوله تعالى: ﴿زين للذين كفروا الحياة الدنيا ويسخرون من الذين آمنوا﴾ (٢).
وقوله تعالى: ﴿وما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وزينتها وما عند الله خير وأبقى أفلا تعقلون﴾ ﴿أفمن وعدناه وعدا حسنا فهو لاقيه كمن متعناه متاع الحياة الدنيا ثم هو يوم القيامة من المحضرين﴾ (٣).
وقوله [تعالى (٤)]: ﴿بل تؤثرون الحياة الدنيا والآخرة خير وأبقى﴾ (٥).
وقوله تعالى: ﴿واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدرا﴾ (٦).
وقوله [تعالى (٧)]: ﴿المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا﴾ (٨).
وقوله تعالى: ﴿وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو وللدار الآخرة خير للذين﴾
стр. 1506
﴿يتقون أفلا تعقلون﴾ (١).
وقوله [تعالى (٢)]: ﴿وفرحوا بالحياة الدنيا وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع﴾ (٣).
وقوله تعالى: ﴿يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار﴾ (٤)، والآيات القرآنية [٥] في هذا الباب كثيرة جدا، فالاستكثار منها تحصيل للحاصل، وليس المراد إلا الإشارة لما فيه تصحيح لمعنى حديث: " حب الدنيا رأس كل خطيئة ".
البحث الثاني: في بيان ماهية الدنيا لغة وشرعا.
فأما في اللغة فقد فسرها أئمة اللغة (٥) في مؤلفاتها بأنها ضد الآخرة، وأنها صفة للدنو، وهو القرب، وضدها أيضًا القصوى، وهي البعيدة، ومنه: ﴿إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى﴾ (٦)، أي: بالعدوة الدانية إليكم، وهم بالعدوة [٣ ب] القاصية عنكم، فلما كانت الدنيا قريبة من أهلها بمعنى أنهم متلبسون بزمنها ومكانها ومتاعها قبل تلبسهم بالآخرة سميت دنيا، وأصلها دنوي بالواو كما صرح به أهل اللغة (٧) والصرف،
стр. 1507
ولهذا يقال في النسبة: دنياوي ودنيوي.
وأما في الشرع فالآيات القرآنية تفيد تارة أنها مقابل الآخرة كما في قوله تعالى: ﴿الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة﴾ (١)، وقوله [تعالى (٢)]: ﴿وفرحوا بالحياة الدنيا وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع﴾ (٣)، وقوله [تعالى (٤)]: ﴿يا قوم إنما الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار﴾ (٥)، وقوله تعالى: ﴿يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما﴾ (٦)، وقوله تعالى: ﴿من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب﴾ (٧).
وقوله تعالى: ﴿وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو وللدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون﴾ (٨) [٦]، وقوله تعالى: ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة﴾ (٩).
وقوله تعالى: ﴿والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا﴾
стр. 1508
﴿حسنة ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿وآتيناه في الدنيا حسنة وإنه في الآخرة لمن الصالحين﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿بل تؤثرون الحياة الدنيا والآخرة خير وأبقى﴾ (٣)، وقوله تعالى: ﴿تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة﴾ (٤)، إلى غير ذلك من الآيات.
ومن الآيات القرآنية ما يفيد [٤ أ] أن الحياة الدنيا هي المتاع العاجل، والأفعال الصادرة من أهلها كقوله تعالى: ﴿وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور﴾ (٥)، وقوله تعالى: ﴿إنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد﴾ (٦)، وقوله تعالى: ﴿وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو وللدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون﴾ (٧)، وقوله تعالى: ﴿يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع﴾ (٨).
ومن الآيات القرآنية ما يفيد أن المتاع العاجل والأفعال الصادرة هي غير الدنيا؛ وذلك لأنها تارة تضاف إلى الدنيا، وتارة تضاف إلى الحياة الدنيا، والمضاف غير المضاف إليه، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة﴾ (٩).
стр. 1509
وقوله تعالى: ﴿زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا﴾ (١)، فجعل هذه الأمور متاعا، وأضافه إلى الحياة الدنيا، فأفادت الإضافة أنه غيرها، وكذلك إضافة العرض إلى الدنيا، وكذلك قوله تعالى: ﴿وما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وزينتها وما عند الله خير وأبقى أفلا تعقلون أفمن وعدناه وعدا حسنا فهو لاقيه كمن متعناه﴾ [٧] ﴿متاع الحياة الدنيا﴾ (٢).
وقوله تعالى: ﴿المال والبنون زينة الحياة الدنيا﴾ (٣)، وقوله تعالى: [و] (٤) ﴿قال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة الدنيا﴾ (٥).
وقوله تعالى: [قل] (٦) ﴿إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون متاع في الدنيا ثم إلينا مرجعهم﴾ (٧).
وقوله تعالى: ﴿يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم متاع الحياة الدنيا﴾ (٨).
وقوله تعالى: ﴿فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم﴾ [٤ ب] ﴿إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا﴾ (٩)، وقوله تعالى: ﴿ليس له دعوة في ...............
стр. 1510
﴿الدنيا﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها﴾ (٣)، ومن الآيات القرآنية ما يفيد أن متاع الدنيا منها لا أنه هي، ولا هو غيرها، كقوله تعالى: ﴿ولا تنس نصيبك من الدنيا﴾ (٤).
وبالجملة فالآيات القرآنية في هذا المعنى كثيرة جدا يطول الاستقصاء لها، وكذلك الأحاديث النبوية فإنها واردة مورد هذه الآيات، وهكذا الأشعار العربية والتراكيب اللغوية.
وهاهنا تحقيق يستفيد منه اللبيب ما لا ينكره فهمه، ولا يخالفه علمه، وبه يحصل الجمع بين جميع ما أشرنا إليه وذكرنا بعضه، وهو أنا نقول: إن هذا [الموجود (٥)] الخارجي (٦) المتشخص إما جسم أو هو جوهر أو عرض، والجسم إما أن يكون ناميا أو غير نام، [والنامي (٧)] أن يكون حيوانا أو غير حيوان، وكل نوع من هذه الأنواع يختص باسم يتميز به عن الآخر كالتراب والماء والنار والهواء، ثم منها [٨] ما هو بسيط، ومنها ما هو مركب مع غيره، والمراد من هذا التقسيم أن هذه الموجودات