← Джавами‘

Джавами‘ · id 36543

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

الشوكاني

Полный текст (5 091 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين وآله الطاهرين، ورضي الله عن صحبه أجمعين. وبعد: فإنه وصل إلينا من الأخ العلامة الذكي الفهامة الفطن اللوذعي محمد بن أحمد (١)، حمد الله مساعيه ونفع بعلمه وكثر فوائده، سؤالات نافعات ومباحث شافيات، فأجبت عليها. بما عندي امتثالا لرسمه، وتصديقا لظنه، كونه وجهها إلي وعنونها باسمي وها أنا أكتب الأسئلة وأعقبها بما فتح الله به من الأجوبة مستعينا بالله ومتكلا عليه. [نص الأسئلة] قال عافاه الله بعد الخطبة: (السؤال الأول): قد نطقت الآيات القرآنية وشهدت الأحاديث النبوية، وأجمعت الأمة المحمدية على وجوب توحيد الله سبحانه بالعبادة وقال عز من قائل عليم: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ (٢)، ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين﴾ (٣)، وكذلك تواترت الأحاديث الواردات وتتابعت الآيات البينات على تحريم الشرك بالله سبحانه في العبادات سواء كان ذلك جليا أو خفيا ﴿من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار﴾ (٤). وقال تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ (٥)، وفي هذا مباحث يتضح بها المعنى ويستقيم عليها

стр. 142

المبنى الأول أن الدعوة لغير الله شرك، وفي التفاسير أن المراد بها العبادة في كثير منها، والمراد بالعبادة التوحيد كما ذكره ابن عباس ﵁ وفي الحديث: إن " الدعاء هو العبادة " (١) وهذا الوصل للحصر أو للتخصيص للاهتمام، وعلى كل تقدير فهو دليل على هذا التقدير. والدعاء له معنيان أحدهما دعاء الطلب (٢) بل قد سمى الله ذلك دينا في قوله تعالى: ﴿فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين﴾ (٣)، وصرف هذه العبادة لغير الله شرك وكفر بدليل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ - إلى قوله- ﴿وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ (٤) فهل هذا [١] الكلام في سبل السلام إلى بلوغ المرام عند جميع الأعلام أم فيه تفصيل واحتمال على قول بعض الرجال، وشأن الكفر المجمع عليه حل الدم والمال بلا إشكال سرا قبل الدعوة أو بعدها على التفصيل فيمن بلغته ومن لم تبلغه، وهل يعذر الجاهل لقولهم إن العمل متوقف على العلم وكذا الوجوب؟ وفي قوله تعالى: ﴿فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون﴾ (٥) هل هذه الجملة حالية أو خبرية وهل الاحتمال يصح دليلا للعذر أم لا لوضوح المحجة، وعدم فهم الحجة ليس بعذر، وكيف شأن المتقدمين على هذه الدعوة النجدية إلى توحيد الإلهية ممن يوجد في كلامه أو في أفعاله ما هو شرك جلي بل وقع ذلك للمصنفين، اللهم إلا أن يقال إن الدعاء ينازع فيه أنه ليس من الشرك الأكبر وأنه لا إنكار في المختلف فيه فاعتقاديات العلميات خلاف الظنيات العمليات فالمراد شيخ الأكابر بإسناد الدفاتر بسط الكلام على الأول من السؤالات والآخر مع النظر فيما يتفرع على كل جملة، والإفادة بما

стр. 143

عليه الجُلَّة في الجملة. أقول هذا السؤال قد اشتمل على أبحاث: الأول: ما ذكره السائل عافاه الله، من كون الدعاء عبادة ليترتب عليه ما رتبه. فاعلم أن الدعاء نوع من أنواع العبادة المطلوبة من العباد ولو لم يكن في الكتاب العزيز إلا مجرد طلبه منهم لكان ذلك مفيدا للمطلوب، أعني كونه من العبادة قال الله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿ادعوني أستجب لكم﴾ (٣) فهذه الآيات البينات دلت على أن الدعاء مطلوب لله من عباده، ثم توعد على عدم الدعاء فقال عز من قائل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ (٤) وهذا القدر [٢] يكفي في إثبات كونه عبادة فكيف إذا انضم إلى ذلك النهي عن دعاء غير الله سبحانه، قال الله : ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ (٥)، وقال تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ﴾ (٦) وقال سبحانه ناعيا على من يدعو غيره ضاربا له الأمثال: ﴿إن الذين تدعون من دون الله عباد﴾

стр. 144

﴿أمثالكم﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ (٢)، فكيف إذا صرح القرآن الكريم بأن الدعاء عبادة تصريحا لا يبقى عنده ريب لمرتاب، قال الله سبحانه: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ -الآية- (٣)، فقد طلب الله سبحانه من عباده في هذه الآية أن يدعوه، وجعل جزاء الدعاء له منهم الإجابة منه فقال: ﴿أستجب لكم﴾ ولهذا جزمه لكونه جوابا للأمر، ثم توعدهم على الاستكبار عن هذه العبادة -أعني الدعاء-. بما صرح به في آخر الآية، وجعل العبادة مكان الدعاء تفسيرا له وإيضاحا لمعناه وبيانا لعباده بأن هذا الأمر الذي طلبه منهم وأرشدهم إليه هو نوع من عبادته التي خص بها نفسه وخلق لها عباده كما قال تعالى: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ (٤). ومع هذا كله قد جاءت السنة المطهرة بما يدل أبلغ دلالة على أن الدعاء من أكمل أنواع العبادة فأخرج أحمد (٥) وأبو داود (٦) والترمذي (٧) وصححه النسائي (٨) وابن ماجه (٩) وابن أبي شيبة (١٠)

стр. 145

والحاكم (١) من حديث النعمان بن بشير قال: قال رسول الله ﷺ : " أن الدعاء هو العبادة " وفي رواية: " مخ العبادة " ثم قرأ رسول الله الآية المذكورة، فهذه الصيغة الشريفة النبوية المصطفوية [٣] قد اشتملت على ثلاثة أشياء (٢)، كل واحد منها يقتضي الحصر. الأول: تعريف المسند إليه. الثاني: تعريف المسند. الثالث: ضمير الفصل. وقد صرح أرباب علم المعاني والبيان والأصول بأن كل واحد آلة من آلاته وأداة من أدواته، وأن وجود أحدها يقتضي الحصر، فكيف إذا اجتمعت جميعا وانضم إليها حرف التأكيد المشعر بأن ما دخل عليه كلام مؤكد، فانظر هذه المبالغة البليغة والعبارة المنادية بأبلغ نداء، المفيدة أكمل إفادة، المشعرة أتم إشعار. فإن قلت: علام كل هذا الحصر. هل على الحقيقي أم على الادعائي؟ قلت: احمله على الادعائي لأنه قد علم من هذه الشريعة أن من أنواع العبادة أمورا كثيرة لو لم يكن من ذلك إلا أركان الإسلام الخمسة: الشهادتان والصلاة والصيام والزكاة والحج فضلا عن غيرها، فأقل ما يفيده الحديث أن الدعاء عبادة كاملة مؤكدة، فمن دعا غير الله طالبا منه أمرا من الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله سبحانه فقد عبد غير الله، ولم يبعث الله سبحانه رسله ولا أنزل عليهم كتبه إلا لإخلاص توحيده

стр. 146

وإفراده بالعبادة: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ (١)، ﴿أن لا تعبدوا إلا الله﴾ (٢)، ﴿أن اعبدوا الله واتقوه﴾ (٣) ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ (٤)، ﴿فإياي فاعبدون﴾ (٥)، ﴿إياك نعبد﴾ (٦)، ﴿إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني﴾ (٧)، ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (٨) [٤] ﴿يأيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم﴾ (٩)، ﴿يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ (١٠)، ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ﴾ (١١)، ﴿وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾

стр. 147

﴿وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (١)، ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ (٢)، ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ (٣)، ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ (٤)، وقد حكى الله سبحانه في سورة الأعراف عن نوح وهود وصالح أن كل واحد قال لقومه: ﴿يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره﴾ (٥). وبالجملة فرسل الله صلوات الله عليهم، وكذلك جميع كتبه المنزلة متفقة على هذه الدعوة، وقد تكفل القرآن الكريم بحكاية جميع ذلك لمن تتبعه، وإذا تقرر هذا فاعلم أن من دعا غير الله طالبا منه أمرا لا يقدر عليه إلا الله سبحانه فقد عبد غيره وشرَّكه معه: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (٦)، ﴿يعبدونني لا يشركون بي شيئا﴾ (٧)، ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا﴾

стр. 148

﴿إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (١)، ﴿قُلْ يَا أَهْل الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [٥] ﴿أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (٢)، ﴿إذ أوى الفتية إلى الكهف﴾ - إلى آخر الآيات- (٣)، ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (٤). البحث الثاني: من مباحث السؤال الأول ما أشار إليه السائل عافاه الله بقوله: وهل يعذر الجاهل. . . إلخ. والجواب أن ما سأل عنه من قوله تعالى: ﴿فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون﴾ (٥) هل الجملة حالية أو خبرية؟ الظاهر فيه أن الجملة حالية (٦)، والمراد أنكم لا تجعلوا لله أندادا في حال علمكم بأنه لا أنداد لله ، وأنه المتفرد بالإلهية والمستحق للعبادة وحده لا شريك له، وهذا يعلمه كل من بلغته الدعوة الإسلامية وصار من جملة المنتمين إلى الإسلام، فلله الحجة البالغة، ولم يكن للعباد على الله حجة

стр. 149

بعد إرسال الرسل وإنزال الكتب ﴿لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل﴾ (١)، ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا﴾ (٢)، وقد فسرها ابن مسعود (٣) بأن المراد لا تجعلوا لله أكفاء من الرجال تطيعونهم في معصية الله وروي ذلك عن ابن عباس (٤)، وقال الله في موضع آخر: ﴿ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله﴾ (٥). فإن قلت: قد يجهل بعض المسلمين بعض أسباب الردة الموجبة لوقوعه في الكفر، ويجهل بعض أنواع الشرك، بل قد يجهل ذلك كثير من أهل العلم حتى ينبه عليه فينتبه، كما يعرف ذلك من عرف أحوال الناس. ويدل على ذلك ما أخرجه الإمام أحمد في المسند (٦) من حديث أبي موسى قال: خطبنا رسول الله ﷺ ذات يوم فقال: "يا أيها الناس اتقوا هذا الشرك فإنه أخفى من دبيب النمل " فقيل له: فكيف نتقيه وهو أخفى من دبيب النمل يا رسول الله، قال: " قولوا اللهم إنا نعوذ بك أن نشرك بك شيئا نعلمه ونستغفرك لما لا نعلمه ".

стр. 150

وقد روي من وجه آخر من حديث أبي بكر الصديق عن رسول الله ﷺ أنه قال: "الشرك أخفى فيكم من ديب النمل"فقال أبو بكر: وهل الشرك إلا من دعا مع الله إلها آخر؟ فقال رسول الله ﷺ [٦] " الشرك أخفى فيكم من دبيب النمل، ثم قال: ألا أدلك على ما يذهب عنك صغير ذلك وكبيره؟ قل: اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم ". رواه من هذا الوجه أبو بكر الموصلي (١) ورواه أيضا الحافظ أبو القاسم البغوي (٢) من حديث أبي بكر الصديق بلفظ: " الشرك أخفى في أمتي من دبيب النمل على الصفا " فقال أبو بكر: يا رسول الله فكيف النجاة والمخرج من ذلك؟ قال: ألا أخبرك بشيء إذا قلته برئت من قليله وكثيره وصغيره وكبيره؟ قال: بلى يا رسول الله، قال: " قل اللهم إني أعوذ بك أن أشرك ما أعلم وأستغفرك لما لا أعلم. قلت: إذا كان من جملة أنواعه ما هو أخفى من دبيب النمل كما نطق به الصادق المصدوق فمعلوم أن يجهله غالب الخاصة فضلا عن العامة، ولهذا قال أبو بكر الصديق ﵁ لما سمع ذلك من النبي ﷺ وهل الشرك إلا من دعا مع الله إلها آخر فأجاب عليه رسول الله ﷺ بقوله: " الشرك أخفى فيكم من دبيب النمل " مؤكدا لقوله السابق. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في تفسير (٣) قوله تعالى: ﴿فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون﴾ أنه قال: " الأنداد أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ظلمة الليل، وهو أن يقول وحياتك يا فلان وحياتي وتقول لولاك ما كلمته وما كان هذه المنزلة

стр. 151

من الخفاء وعدم الظهور فلا يطلع على كثير منه إلا من تدبر الكتاب العزيز كلية التدبر وتفكر في آياته أكمل التفكر، ونظر في السنة المطهرة أبلغ النظر، وتتبع ما ورد عن المصطفى ﷺ أتم التتبع. وكثيرا ما نرى من له في العلم نصيب وفي الفهم حظ يقع في نوع من الأنواع التي جاءنا النص النبوي بأنها من الشرك، ويستعمله ذاهلا عن كونه كذلك بعد العلم به بوجه من الوجوه أو جاهلا له مع علمه بكثير من المعارف العلمية، وها نحن نقص عليك بعضا من تلك الأمور التي ورد بها النص حتى يتبين لك صحة ما ذكرناه ويتقرر لك ما سنقرره في هذا المقام، ونحرره من الكلام إن شاء الله [٧]. فمن ذلك ما ورد في تعليق التمائم أنه من الشرك كما أخرجه أحمد في المسند (١) من حديث عقبة بن عامر مرفوعا وكذلك تعليق الخيط في اليد للحمى كما أخرجه ابن أبي حاتم (٢) عن حذيفة وأخرج أحمد (٣) وأبو داود (٤) من حديث ابن مسعود: سمعت رسول

стр. 152

الله ﷺ يقول: " إن الرقى والتمائم والتولة شرك " وكذلك ما ورد في ذات أنواط، حيث قال بعض الصحابة: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط- وهي سدرة كان المشركون يعلقون بها أسلحتهم-، فقال رسول الله ﷺ : " الله أكبر، قلتم- والذي نفسي بيده- كما قالت بنو إسرائيل: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ " أخرجه الترمذي (١) وصححه من حديث أبي واقد الليثي، وكذلك الحلف بغير الله، أخرجه الترمذي (٢) وحسنه والحاكم (٣) وصححه من حديث

стр. 153

[ابن] (١) عمر أن رسول الله ﷺ قال: " من حلف بغير الله فقد أشرك " وكذلك أخرج مالك في الموطأ (٢) أن رسول الله ﷺ قال: " اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " ومن ذلك ما أخرجه أحمد (٣) من حديث قبيصة عن أبيه أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: " إن العيافة والطَّرْق والطيرة من الجبت " وأخرجه أيضًا أبو داود (٤) والنسائي (٥) وابن حبان (٦)، وأخرج النسائي (٧) من

стр. 154

حديث أبي هريرة: "من عقد عقدة ثم نفث فيها فقد سحر، ومن سحر فقد أشرك ". وأخرج أهل السنن (١) والحاكم (٢) وصححه من حديث أبي هريرة أيضًا قال: قال النبي

стр. 155

صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " من أتى كاهنا أو عرافا فصدقه فقد كفر بما أنزل على محمد ". وثبت في الصحيحين (١) وغيرهما (٢) من حديث زيد بن خالد قال: صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح على إثر سماء، فلما انصرف أقبل على الناس بوجهه فقال: " هل تدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: [٨] أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر. فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي كافر بالكواكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي مؤمن بالكواكب ". وأخرج مسلم (٣) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : يقول الله : " أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه ". وأخرج أحمد (٤) عن أبي

стр. 156

سعيد مرفوعا: " ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم من المسيح الدجال؟ قالوا: بلى، قال: الشرك الخفي يقوم الرجل فيزين صلاته لما يرى من نظر رجل ". وأخرج النسائي (١) من حديث ابن عباس عن النبي ﷺ "أن رجلا قال ما شاء الله وشئت" فقال: " أجعلتني لله ندا قل: ما شاء الله وحده "، وأخرج أحمد (٢) من حديث عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : " من ردته الطيرة عن حاجة فقد أشرك " قالوا يا رسول الله ما كفارة ذلك؟ قال: " أن يقول أحدكم: اللهم لا خير إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك ولا إله غيرك". وبالجملة فالأحاديث في هذا الباب كثيرة وقد أوردت منها شطرا صالحا في رسالتي المسماة " الدر النضيد في إخلاص التوحيد" (٣) وتكلمت على أطرافها وما يستفاد منها بما فيه كفاية، وليس المراد هنا إلا بيان ما قصدنا بيانه من أن في بعض أنواع ما يطلق عليه اسم الشرك خفاء ودقة من غير نظر إلى كونه شركا أكبر أو أصغر، فمن وقع في شيء من هذه الأنواع أو ما يشابهها جاهلا فلا شك أن أتي من تقصيره في طلب علم الشرع وسؤال أهله ولكنه يجب على من أتاه الله من علمه وارتضاه لحمل دينه أن يبين لهذا الجاهل ما شرعه الله لعباده مما جهله وخفي عليه علمه وفاء بما أخذه الله على الذين أوتوا الكتاب من البيان للناس وأن لا يكتموه (٤) عنهم، فإن نزع ذلك الجاهل بعد البيان عن

стр. 157

الغواية ورجع من طريق [٩] الضلالة إلى طريق الهداية فقد وفى العالم بما أوجبه الله عليه من البيان والتعليم، ووفى الجاهل بما أوجبه الله عليه من التعلم، وإن أبى إلا اللجاج والمشي على جادة الاعوجاج انتقل معه ذلك العالم من طريقة التليين إلى طريقة التخشين، فإن أصر واستكبر وصمم على غيه وضلاله، واختار العمى على الهدى، وكان ما وقع فيه وجادل عنه من الشرك الأكبر الذي يخرج صاحبه به من فريق المسلمين إلى زمرة المشركين فالسيف هو الحكم العدل. فإن قلت قد جعل بعض أهل العلم كفر هؤلاء القبوريي ن الذين يعكفون على قبور من يعتقدونه من الأموات عكوف أهل الجاهلية على أصنامهم فيدعونهم مع الله أو من دونه ويستغيثون بهم ويطلبون منهم ما لا يقدر عليه إلا الله من الكفر العملي لا الكفر الجحودي، واستدل على ذلك مما ورد في الأحاديث الصحيحة من كفر تارك الصلاة كقوله ﷺ : "بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة" (١) وكما ورد فيمن ترك الحج من قوله سبحانه: ﴿ومن كفر فإن الله غني عن العالمين﴾ وكقوله تعالى: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾ (٢) ونحو ذلك من الأحاديث الواردة

стр. 158

في كفر من أتى امرأة حائضا أو كاهنا أو عرافا أو قال لأخيه يا كافر، ومن ذلك ما عقده البخاري في صحيحه (١) من كتاب الإيمان في كفر دون كفر، وجعل هذا من الكفر الذي لا يضاد الإيمان من كل وجه. وروي عن ابن القيم نحوا مما قاله وجعل ما نقله عنه مؤيدا لكلامه- قلت: ... ليس هذا بصحيح ولا مستقيم فإن من يدعو الأموات ويهتف بهم عند الشدائد ويطوف بقبورهم ويطلب منهم ما لا يقدر عليه إلا الله [١٠] لا يصدر منه ذلك إلا عن اعتقاد كاعتقاد أهل الجاهلية في أصنامهم هذا إن أراد من الميت الذي يعتقده ما كان تطلبه الجاهلية من أصنامهم من تقريبهم إلى الله فلا فرق بين الأمرين؛ وإن أراد استغلال من يدعوه من الأموات بأن يعطيه ما لا يقدر عليه إلا الله فهذا أمر لم تبلغ إليه الجاهلية فإنهم قالوا ما حكاه الله عنهم: ﴿ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى﴾ (٢) ولم يدَّعوا لأصنامهم أنهم يستقلون بإيصالهم إلى ما يطلبونه دون الله فهذا هو شرك الجاهلية الذي بعث الله لأجله رسله وأنزل فيه كتبه وقاتلتهم الأنبياء عليه. وأما الخلق والرزق والموت والحياة ونحو ذلك فالجاهلية يقرون في جاهليتهم وقبل بعثة الرسل التفهم بأن الله سبحانه هو المستقل بذلك: ﴿ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله﴾ (٣)، ﴿ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن خلقهن﴾

стр. 159

﴿العزيز العليم﴾ (١)، ﴿قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون﴾ (٢)، ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ (٣)، ﴿تالله إن كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين﴾ (٤)، ﴿هؤلاء شفعاؤنا عند الله﴾ (٥)، وكانوا يقولون في تلبيتهم: " لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك" (٦) وأما ما نقله ذلك القائل عن ابن القيم فغير صحيح فإن كلامه في كتبه مصرح بخلاف ذلك فإنه صرح في شرح المنازل (٧) بأن هذا [١١] الذي يفعله أهل القبور هو من الشرك الأكبر بل قال بعد تقسيم الشرك إلى أكبر وأصغر ما لفظه: " ومن أنواعه -أي الشرك الأكبر- طلب الحوائج من الموتى والاستغاثة بهم والتوجه إليهم، وهذا أصل شرك العالم -إلى آخر كلامه- ". وقد أطلنا الكلام في " الدر النضيد" (٨) على قول هذا القائل فحكينا كلامه أولا ثم ذكرنا تناقضه في

стр. 160

نفسه ومخالفته للصواب، وعدم صحة ما نقله عن غيره ونقلنا كلام ابن القيم من مؤلفاته، وذكرنا ما قاله أهل العلم في هذه المسألة في مؤلفاتهم المشهورة، وإطباقهم على ما قدمنا ذكره وليس هذا مقام بسطه فلسنا بصدد تقدير المسألة على الوجه الذي ينبغي تحريره بل بصدد جواب ما سأل عنه السائل عافاه ألله مما اشتمل عليه سؤاله. وبالجملة فإخلاص التوحيد لله وقطع علائق الشرك كائنة ما كانت لا تحتاج إلى أن تنتقل فيه أقوال الرجال أو يُستَدل عليه بالأدلة فإنه الأمر الذي بعث الله لأجله رسله وأنزل فيه كتبه، وفي هذا الإجمال ما يغني عن التفصيل ومن شك في هذا فعليه بالتفكر في القرآن الكريم فإنه سيجده من أعظم مقاصده وأكثر موارده، فإن عجز عن ذلك فلينظر في سورة من سوره، فإن قال أريد منك مثالا أقتدي به وأمشي على طريقته وأهتدي إلى التفكر الذي أرشدتني إليه بتقديم النظر فيه فنقول ها نحن نقرب لك المسافة ونسهل عليك ما استصعبته. هذه فاتحة الكتاب العزيز التي يكررها [١٢] كل مصل في كل صلاة ويفتتح بها التالي لكتاب الله والمتعلم له فإن فيها الإرشاد إلى إخلاص التوحيد في ثلاثين موضعًا: الأول: قوله تعالى: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ فإن علماء المعاني والبيان ذكروا أنه يقدر المتعلق متأخرا ليفيد اختصاص البداية (١) باسم الله تعالى لا باسم غيره، وفي هذا المعنى ما لا يخفى من إخلاص التوحيد. الثاني والثالث: وفي الاسم الشريف أعني لفظ (الله) ، فإن مفهومه كما حققه علماء هذا الشأن الواجب الوجود المختصر بجميع المحامد فكان في هذا المفهوم إشارتان إلى إخلاص التوحيد: أحدهما تفرده بوجوب الوجود، وثانيهما اختصاصه بجميع المحامد ما يستفيد من الاسم الشريف الذي أضيف إليه لفظ اسم هذان الأمران (٢).

стр. 161

الرابع: تحلية الرحمن باللام فإنها من أدوات الاختصاص سواء كانت موصولة كما هو شأن آلة التعريف إذا دخلت على المشتقات، أو لمجرد التعريف كما تكون إذا دخلت على غيرها من الأسماء والصفات وقد أوضح هذا المعنى أهل البيان. مما لا مزيد عليه. الخامس: اللام الداخلة على قوله الرحيم، والكلام فيها كالكلام في الرحمن. السادس: اللام الداخلة على قوله ﴿الحمد لله﴾ فإنها تفيد أن كل حمد له لا يشاركه فيه غيره، وفي هذا أعظم دلالة على إخلاص توحيده (١). السابع: لام الاختصاص الداخلة على [١٣] الاسم الشريف، وقد تقرر أن الحمد هو الثناء باللسان على الجميل الاختياري لقصد التعظيم فلا ثناء إلا عليه ولا جميل إلا منه ولا تعظيم إلا له، وفي هذا من أدلة إخلاص التوحيد ما لا يقادر قدره. الثامن والتاسع والعاشر والحادي عشر والثاني عشر: قوله ﴿رب العالمين﴾ فإن لفظ الرب باعتبار معناه اللغوي مشعر أتم إشعار بإخلاص توحيده هذا باعتبار معناه الإفرادي دون الإضافي ثم في معناه الإضافي دلالة أخرى؛ فإن كونه رب العالمين يدل على ذلك أبلغ دلالة. ثم في لفظ العالمين معنى ثالث فإن العالم هو اسم لمن عدا الله ، فيدخل في هذا كل شيء غير الله سبحانه فلا رب غيره وكل من عداه مربوب. ثم في تعريفه باللام معنى رابع لمثل ما قدمنا، فإذا تفيد زيادة الاختصاص. وتقرير ذلك المفهوم في هذا الموضع، ثم في صيغة الجمع معنى خامس بزيادة تأكيد وتقرير، فإن العالم إن كان اسما لمن عدى الله لمن يكن جمعه إلا بمثل هذا المعنى، وعلى فرض انهدامه باللام فهو لا يقتضي ذهاب هذا المعنى المستفاد من أصل الجمع. الثالث عشر والرابع عشر: قوله: ﴿الرحمن الرحيم﴾ وتقرير الكلام فيهما كما سلف.

стр. 162

الخامس عشر والسادس عشر قوله: ﴿مالك يوم الدين﴾، فإن لفظ مالك، ومعناه الإفرادي من غير نظر إلى معناه الإضافي يفيد استحقاقه بإخلاص توحيده، ثم في معناه الإضافي إلى يوم الدين معنى ثان، فإن من كان له الملك [١٤] في مثل هذا اليوم الذي هو يوم الجزاء لكل العباد، وفيه يجتمع العالم أولهم وآخرهم، سابقهم ولاحقهم، جنهم وإنسهم وملائكتهم، فيه إشارة إلى استحقاقه إخلاص توحيده. السابع عشر: ما يُستفاد من نفس لفظ (الدين) من غير نظر إلى كونه مضافًا إليه. الثامن عشر: ما يستفاد من تعريفه، فإن في ذلك زيادة إحاطة وشمول فإن ذلك الملك إذا كان في يوم هو يوم الدين الذي يشتمل على كل دين كان من له هذا الملك حقيقا بأن يخلص العباد توحيده، ويفردوه بالعبادة كما تفرد بملك يوم له هذا الشأن. فإن قلت: هذان المعنيان الكائنان في لفظ الدين باعتبار أصله وباعتبار تعريفه قد أخذا في المعنى الإضافي حسبما ذكرته سابقا. قلت: لا تزاحم بين المقتضيات، ولا يستنكر النظر إلى الشيء باعتبار معناه الإفرادي تارة، وباعتبار معناه الإضافي أخرى، وليس ذلك بممنوع ولا بمحجور عند من يعرف العلم الذي يستفاد منه دقائق العربية وأسرارها وهو علم المعاني والبيان. التاسع عشر والموفي عشرين والحادي والعشرين: قوله ﴿إياك نعبد﴾ (١)، فإن تقديم الضمير معمولا للفعل الذي بعده يفيد اختصاص العبادة به، ومن اختص بالعبادة

стр. 163

فهو الحقيق بإخلاص توحيده، ثم مادة الفعل أعني لفظ (نعبد) يفيد معنى آخر: ثم المجيء بنون الجماعة الموجبة لكون هذا الكلام صادرا عن كل من تقوم به العبادة من العابدين كذلك فكانت الدلالات في هذه الجملة ثلاثا. الأولى: في إياك مع النظر إلى الفعل الواقع بعده. الثانية: ما يفيده مادة (نعبد) مع ملاحظة كونها واقعة لمن [١٥] ذلك الضمير عبارة عنه وإشارة إليه. الثالثة: ما تفيده النون مع ملاحظة الأمرين المذكورين، ولا تزاحم بين المقتضيات. الثاني والعشرون والثالث والعشرون والرابع والعشرون: قوله: ﴿وإياك نستعين﴾ (١) فإن تقديم الضمير معمولا لهذا الفعل له معنى، ثم مادة هذا الفعل لها معنى آخر، فإن من كان لا يستعان بغيره لا ينبغي أن يكون له شريك، بل يجب إفراده بالعبادة وإخلاص توحيده؛ إذ وجود من لا يستعان به كعدمه. وتقرير الكلام في الثلاث الدلالات كتقريره في إياك نعبد فلا نعيده. الخامس والعشرون والسادس والعشرون والسابع والعشرون: قوله: ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾ فإن طلب الهداية منه وحده باعتبار كون هذا الفعل واقعا بعد الفعلين (٢) اللذين تقدم معمولهما فكان له حكمهما، وإن كان قد تغير أسلوب الكلام في الجملة حيث لم يقل نستهدي أو نطلب الهداية حتى يصح أن يكون ذلك الضمير المتقدم المنصوب معمولا له تقديرا، لكن مع بقاء المخاطبة وعدم الخروج عما تقتضيه لم يقطع النظر عن ذلك الضمير الواقع على تلك الصورة لتوسطه بين هذا الفعل، أعني (اهدنا)

стр. 164

بين من أسند إليه. ثم في ضمير الجماعة معنى يشير إلى استحقاقه سبحانه إخلاص التوحيد على الوجه الذي قدمناه في الفعلين السابقين، ثم في كون هذه الهداية هي هداية الصراط (١) المستقيم- التي هي الهداية بالحقيقة ولا اعتبار بهداية إلى صراط لا استقامة (٢) فيه- معنى ثالث يشير إلى ذلك المدلول. الثامن والعشرون: قوله: ﴿صراط الذين أنعمت عليهم﴾ فإن من يهدي إلى هذا الصراط الذي هو صراط [١٦] من أنعم الله عليهم يستحق أن لا يشتغل بغيره ولا ينظر إلى سواه، لأن الإيصال إلى طرائق النعم هو المقصود من المشي، والمراد بحركات السائرين وذلك كناية عن الوصول إلى النعم أنفسها؛ إذ لا اعتبار إلى طرائقها من دون وصول إليها فكان وقوع الهداية على الصراط المستقيم نعمة بمجردها؛ لأن الاستقامة إذا تصورت عند تصور الاعوجاج كان فيها راحة بهذا الاعتبار، فكيف إذا كان ذلك كناية عن طريق الحق؟ فكيف إذا كان حقا موصلا إلى الفوز بنعم الله سبحانه! التاسع والعشرون: قوله: ﴿غير المغضوب عليهم﴾ (٣) ووجه ذلك أن الوصول إلى النعم قد يكون منغصا مكدرا بشيء من غضب المنعم سبحانه، فإذا صفا ذلك عن هذا الكدر وانضم إلى الظفر بالنعمة الظفر بما هو أحسن منها موقعا عند العارفين، وأعظم قدرا في صدور المتقين، وهو رضا رب العالمين كان في ذلك البهجة والسرور ما لا يمكن

стр. 165

التعبير عنه ولا الوقوف على حقيقته ولا تصور معناه، وإذا كان المولي لهذه النعمة والمتفضل بها هو الله سبحانه، ولا يقدر على ذلك غيره ولا يمكن منه سواه، فهو المستحق لإخلاص توحيده وإفراده بالعبادة. الموفي ثلاثين: قوله: ﴿ولا الضالين﴾ ووجهه أن الوصول إلى النعم مع الرضا قد يكون مشوبا بشيء من الغواية، مكدرا بنوع من أنواع المخالفة وعدم الهداية، وهذا باعتبار أصل الوصول إلى نعمة من النعم مع رضى المنعم بها، فإنه لا يستلزم (سلبها كون المنعم عليه على ضلالة) (١) لا باعتبار هذه النعمة الحاصلة [١٧] من هذا المنعم . ولما كان الأمر في الأصل هكذا كان في وصول النعم إلى المنعم عليه من المنعم بها- مع كونه راضيا عليه غير غاضب منه إذا كان ذلك الوصول مصحوبا بكون صاحبه على ضلاله في نفسه- (٢) قصورا عن وصولها إلى من كان جامعا بين كونه واصلا إلى النعم فائزا برضا المنعم خالصا من كدر كونه في نفسه على ضلالة وتقرير الدلالة من هذا الوجه على إخلاص التوحيد كتقريرها في الوجه الذي قبله. فهذه ثلاثون دليلا مستفادة من سورة الفاتحة باعتبار ما يستفاد من تراكيبها العربية مع ملاحظة ما يفيده ما اشتملت عليه من تلك الدقائق والأسرار التي هي راجعة إلى العلوم الآلية وداخلة فيما تقضيه تلك الألفاظ بحسب المادة والهيئة والصورة مع قطع النظر عن التفسير بمعنى خاص كما قاله بعض السلف، أو وقف عنده من بعدهم من الخلف. فإن قلت هذه الأدلة التي استخرجتها من هذه الصورة المباركة وبلغت بها إلى هذا العدد وجعلتها ثلاثين دليلا على مدلول واحد، لم نجد لك فيها سلفا ولا سبقك بها غيرك. قلت: هذه شكاة ظاهر عنك عارها، واعتراض غير واقع موقعه ولا مصادف محله فإن

стр. 166

القرآن عربي، وهذا الاستخراج لما ذكرناه من الأدلة هو على مقتضى اللغة العربية [١٨] وبحسب ما يقتضيه علومها التي دونها الثقات ورواها العدول الأثبات وليس هذا من التفسير بالرأي الذي ورد النهي عنه والزجر لفاعله، بل من الفهم الذي يعطاه الرجل في كتاب الله كما أشار إليه علي بن أبي طالب (١) ﵁ في كلامه المشهور، وما كان من هذا القبيل فلا يحتاج فيه إلى سلف. وكفى بلغة العرب وعلومها المدونة بين ظهراني الناس وعلى ظهر البسيطة سلفًا. البحث الثالث من مباحث السؤال الأول: قوله: وكيف شأن المتقدمين على هذه الدعوة النجدية إلى توحيد الألوهية ممن يوجد في كلامه أو في أفعاله شرك ... إلخ؟ والجواب أنه ينبغي أن يعلم السائل عافاه الله أولا بأن أهل العلم ما زالوا في كل زمان ومكان يرشدون الناس إلى إخلاص التوحيد وينفرونهم عن الوقوع في نوع من أنواع الشرك، ويذكرون ذلك في مصنفاتهم المشتهرة بأيدي الناس، ولكن لما كان الشرك أخفى من دبيب النمل كما قاله الصادق المصدوق ﷺ خفي ذلك على كثير من أهل العلم ووقعوا في أمور منه جاهلين عن ذلك، وسرى ذلك الذهول إلى تحرير شيء مما فيه ذلك في المصنفات وفي أشعار كثير من الأدباء، خصوصا المتصدين لمدح الجناب النبوي ثم المشتغلين بممادح بعض الخلفاء الراشدين، ثم سائر الملوك والسلاطين، فإنه يقع لهم في بعض الأحوال ما يقشعر منه الجلد ويجف له القلب، ويخاف من حلول غضب الله على قارئه فضلا عن قائله، ولا سبب لذلك إلا ما عرفناك من الذهول في بعض الأوقات، والغفلة تارة والجهل أخرى مع ما قد انضم إلى ذلك مما هو أوكد الأسباب في قبح هذه الأبواب، وهو ما زينه الوسواس الخناس لكثير من الناس: من تشييد [١٩] القبور ورفع سمكها واتخاذ القباب عليها وتزيين بعضها بالستور الفائقة وإيقاد الشموع عليها

стр. 167

واجتماع الناس عندها، وإظهار الخضوع والاستكانة وسؤال الحوائج، والدعاء من صميم القلب ثم ورث الأخر الأول، وتبع الخلف السلف، واقتدى اللاحق بالسابق، فتفاقم الأمر وتزايد الشر وعظمت المحنة، واشتدت البلية، وصار في كل قطر من الأقطار بل في كل مدينه من المدائن بل في كل قرية من القرى جماعة من الأموات يعتقدهم الأحياء ويعكفون على قبورهم وينتسبون إليهم، وصار ذلك عندهم أمرا مأنوسا مألوفا تنبسط إليه نفوسهم وتقبله عقولهم وتستحسنه أذهانهم، فيولد المولود ويكون أول ما يقرع سمعه عند فهم الخطاب هو النداء لأهل تلك القبور من أبويه وغيرهما، وإذا عثر صرخ من يراه باسم واحد من المعتقَدين في ذلك المكان، وإذا مرض نذر من يحب شفاءه بجزء من ماله لذلك الميت، وإذا أراد حاجة توسل إلى صاحب ذلك القبر برشوة يبذلها للعاكفين على قبره المحتالين على الناس به، ثم يكبر ذلك المولود وقد ارتسم في فكره وتقرر عنده ما يسمعه من أبويه لما في ذلك من التأثير في طبع الصغير، ولهذا قال الصادق المصدوق ﷺ : " كل مولود يولد على الفطرة وأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه" (١). فاعرف هذا وافهم هذا السر المصطفوي، فإن الصبي ينطبع بطبع من يتولى تربيته ويسري إلى أخلاقه ما هو من أخلاق أبويه، إن خيرا فخير وإن شرا فشر، ثم ينفصل هذا الصغير عن أبويه ويفارق عشه الذي دب فيه ودرج منه، فيجد الناس على ذلك الأمر الذي سمع أبويه عليه وقد يكون أول ممشى يمشيه ومكان يعرفه [٢٠] بعد مكانه الذي ولد فيه هو قبر من تلك القبور المعتقَدَة، ومشهد من هذه المشاهد التي ابتلي الناس بها فيجد عنده الزحام والضجيج والصراخ والنداء من أبيه ومن هو من أمثاله وأكبر منه فينضم إلى ذلك الاعتقاد الذي قد تلقنه من أبويه ما يوجب تأكيده وتأييده وتشديده،

стр. 168

ولا سيما إذا وجد ذلك القبر قد بنيت عليه المباني النفيسة وصبغت جدرانه بالأصبغة الفائقة، ونصبت عليه الستور الرفيعة، وفاحت بجوانبه روائح العود والند والعنبر، وسطعت بنواحيه أشعة السرج والقناديل والشموع، وسمع سدنته العاكفين عليه المحتالين على الناس به يعظمون الأمر ويهولونه ويمسكون بيد زائريه والوافدين إليه ويدفعون في أقفيتهم فإنه عند هذا يتعاظم اعتقاده ويضيق ذهنه عن تصور ما يستحقه ذلك الميت من عظم المنزلة ورفيع الدرجة فيقع حينئذ في بلية لا ينزعها من قلبه إلا توفيق الله وهدايته ولطفه وعنايته أو السيف الذي هو آخر الأدوية وأنفع العقاقير. وإذا اشتعل هذا الذي نشأ على هذه الصفة بطلب العلم وجد غالب أهله قد اتفقوا على اعتقاد ذلك الميت وتعظيم شأنه وجعلوا محبته من أعظم الذخائر عند الله، وطعنوا على من خالفهم في شيء من باطلهم بأنه لا يعتقد الأولياء ولا يحب الصلحاء، ورموه بكل حجر ومدر وألصقوا به كل عيب، فيزداد لذلك الميت محبة وفيه اعتقادا، وعلى فرض وجود فرد من أفرادهم يلهمه الله الصواب ويهديه إلى الحق ويرشده إلى فهم ما جاء عن الشارع من النهي عن رفع القبور (١) وتجصيصها والكتب عليها والتسريج لها والأمر بتسوية ما هو مشرف منها والزجر عن جعلها مساجد وأوثانا [٢١] ثم فهم كون الدعاء عبادة والعبادة مختصة بالله ، والمنع من دعاء غير الله في السراء والضراء وتعظيم من سواه والالتجاء إليه في الخير والشر كائنا من كان من غير فرق بين الأنبياء والخلفاء الراشدين وسائر الصحابة ومن بعدهم من طوائف المسلمين. فهذا الفرد النادر والغريب الشاذ قد يكتم ما أمره الله به من البيان للناس إما بعذر

стр. 169

مسوغ أو بالتفريط فيما أوجبه الله، محبة للسلامة وميلا إلى الراحة والدَّعة واستبقاء للجاه بين العامة والسواد الأعظم من الناس، فيكون علمه محنة له ونقمة عليه، ويكون وجوده كعدمه بل يكون الضر بوجوده أكثر لأنه ربما يدخل بداخلهم ونُطق الموافقة لهم فيعتقدون أنه معهم وفي عدادهم فلا يقبلون من أمثاله ويحتجون عليهم بموافقته، وما أقل من يصدع بالحق ويقوم بواجب البيان من أهل العلم، ولهذا ينزع الله البركة من علومهم ويمحقها محقا لا يفلحون بعده. وهذا الذي يتصدى للصدع بالحق والقيام بواجب البيان لا يوجد في المدينة الكبيرة بلى الأقطار الواسعة إلا الفرد بعد الفرد، وهم مكثورون بالسواد الأعظم مغلوبون بالعامة ومن يلتحق بهم من الخاصة، فقد يتأثر من قيام ذلك الفرد النادر بعض الواقعين في أمر من الأمور لإخلاص التوحيد، وقد لا يتأثر عنه شيء. فمن هذه الحيثية خفي على بعض أهل العلم ما خفي من هذه الأمور ووقع في مؤلفاتهم وأشعارهم ما أشار إليه السائل، وقد صاروا تحت أطباق الثرى وقدموا على ما قدموا من خير أو شر، ولم يبق لنا سبيل إلى الكلام معهم والنصح لهم، ولكن يتحتم علينا بيان بطلان ذلك الذي وقعوا فيه، واشتملت عليه مؤلفاتهم وأشعارهم، والإيضاح للأحياء [٢٢] بأن هذا الذي قاله فلان في كتابه الفلاني أو في قصيدته الفلانية واقع على خلاف ما شرعه الله لعباده، ومخالف لما جاءت به الأدلة، ومستلزم لدخول من عمل به في باب من أبواب الشرك ونوع من أنواع الكفر، والتعريض بذلك في الرسائل التي يكتبها من أوجب الله عليهم البيان والتحذير منه بأبلغ عبارة، والزجر عنه بأوضح بيان حتى يعلم الناس ما فيه، ويتحامَوا الوقوع في شيء منه إن بقي لرجوعهم إلى الحق سبيل. وعلى فرض عدم الرجوع إلى الحق فقد قامت عليهم حجة الله وخلص العالم عن الفرض الذي أوجبه الله عليه وبرئت ذمته وظهرت معذرته. واعلم أن هذه البدعة العظيمة والمحنة الكبرى التي طبَّقت المشرق والمغرب ووقع فيها السلف والخلف، أعني الاعتقاد في الأموات إلى حد يخدش في وجه الإيمان ويفت في

стр. 170

عضد الإسلام أسها ورأسها تشييد القبور والتأنق في بناء القباب عليها، والمبالغة في التهويل على زوارها بكل ما يوجب الروعة ويحصل المهابة ويؤثر التعظيم من الأمور التي قدمنا الإشارة إليها، ولا ينكر أحد من العقلاء أن هذا الأمر من أعظم محصلات الاعتقادات الفاسدة وموجبات الوقوع في البلايا المخالفة لإخلاص التوحيد، ومن شك في هذا ولم يقبله عقله وكابر الوجدان فعليه بالتتبع والاستقراء، وأقرب من هذا أن يعمد إلى بعض العامة ويسأله عن ذلك ويكشف ما عنده منه فإنه سيجد ما ذكرناه عند كل فرد من أفرادهم. وعند تحرير هذه الأحرف ذكرت واقعه ذكرها أهل التاريخ مع بعض الخلفاء العباسيين وهي: أنه قدم على أحدهم رسول من بعض أهل الممالك النائية فاحتفل ذلك الخليفة بجمع أعيان مملكته وأكابرها وجعلهم في الأمكنة التي سيمر الرسول بها ثم أوقف خاصته وهم جمع جم بإيوان كبير قد بالغ في تحسين فرشه وستوره [٢٣] وتأنق في كل أموره وجعل نفسه في مكان يشرف على ذلك الإيوان على صفة في غاية التهويل والتعظيم فما زال ذلك الرسول يدخل من مكان إلى مكان ويمر بجماعة جماعة حتى وصل إلى ذلك الإيوان، فوجده فوق ما قد مر به فامتلأ مهابة وروعة وتعاورته أسباب التعظيم والتهويل من كل جهة وطرقته موجبات الجلالة من كل باب وأقيم بذلك الإيوان رجلان من خدمه الخاص يمسكان بعضديه فلم ينفسوا من خناقه ولا أبلعوه ريقه حتى انفتحت طاقات ذلك المنزل الذي فيه الخليفة وقد نصبت فيه الآلات البراقة من الذهب والفضة والأحجار النفيسة من الجواهر المعدنية وسطعت فيه المجامر وفاحت روائح الأطياب الملوكية وظهر وجه الخليفة وعليه من الثياب ونحوها ما هو الغاية في الحسن والنهاية في البهاء، فعند أن وقعت عين هذا الرسول المسكن على ذلك الخليفة قال للممسكين بيده، أهذا الله؟ فقالا له: بلى هذا خليفة الله. فانظر أرشدك الله إلى أي حالة بلغ بهذا المسكين ما رآه من التهويل والتعظيم وانظر الحكمة البليغة في ما ورد عن الشارع من الزجر عن رفع القبور وتجصيصها وتسريجها

стр. 171

ونحو ذلك، وإني لأكثر التعجب من تلقي هذه الأمة المرحومة لما ورد عن نبيها الصادق المصدوق ﷺ من النهى عن ذلك والزجر عنه والتحذير منه بعكس ما ينبغي وخلاف ما يجب، مع مبالغته في ذلك كلية المبالغة، حتى كان من آخر ما قاله في مرضه الذي قبضه الله فيه: " لا تتخذوا قبري مسجدا، لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " (١)، ثم كان أول ما فعلته الأمة من العمل بهذه السنة الصحيحة والقبول لها أن وضعوا [٢٤] على قبره الشريف هذه العمارة، وكان الشروع فيها قبل انقضاء القرن الذي هو خير القرون بعد قرن الصحابة ﵃، ثم انفتح باب الشر إلى جميع أقطار الأرض، وطبق مشارقها ومغاربها وبدوها وحضرها. فإن لله وإنا إليه راجعون. ومن عظيم اهتمامه ﷺ هذا الأمر أنه بعث بهدم القبة المشرفة أميرا من أهله هو علي بن أبي طالب ﵁، كما ثبت في الصحيح (٢) أن عليا قال لأبي الهياج: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ "أن لا تدع قبرا مشرفا إلا سويته ولا تمثالا إلا طمسته" والأحاديث في هذا الباب وفي منع الكتابة والتجصيص والتسريج كثيرة ثابتة من طريق جماعة من الصحابة قد استوفيتها في كثير من مؤلفاتي. وفي هذا المقدار كفاية لمن له هداية، وبه يعرف جواب ما سأل عنه السائل كثر الله فوائده في البحث الثالث من مباحث السؤال الأول، وعلى الله في جميع الأمور المعول. وحاصله أن الذي يجب علينا عند الوقوف على شيء مما فيه ما لا يجوز اعتقاده من مؤلفات المتقدمين أو أشعارهم أو خطبهم أو رسائلهم أن يُحكم على ذلك الموجود بما يستحقه ويقتضيه، ونوضح للناس ما فيه، ونحذرهم عن العمل به والركون إليه، ونكل أمر قائله إلى الله مع التأول له بما يمكن، وإبداء المعاذير له بما لا يرده الفهم ويأباه العقل ولم يكلفنا الله سبحانه غير هذا ولا واجب علينا سواه.

стр. 172

قال السائل عافاه الله: السؤال الثاني: عن الراجح لديكم في مسألة خلق الأفعال حسنها وقبيحها وخيرها وشرها هل يكون ذلك لله تعالى اختراعا وإبداعا وقوعا وإيقاعا لعموم الآيات في ذلك وشمول الأحاديث فيما هنالك، خصوصا ما في صحيح مسلم (١) من ذلك مما يطول سرده بل في جواب سؤال جبريل أعظم دليل، وفي صحيح البخاري (٢) في تفسير سورة والليل إذا يغشى [٢٥] عن علي ﵁ حديث: قد أحطتم به علما أم يكون ذلك الفعل من العبد خلقا وحقيقة لا كسبا وصورة لإضافته إليه في كثير من الآيات، وبجواز تخصيص تلك العمومات بغير القبيح السيئ، مع أن دلالة العموم ظنية وإن كانت كلية، ولقيام الحجة على المكلف باستقلاله وعدم بطلان المحجة في إلجائه وأعماله، وهاهنا نكتة تحصل يتقاصر عندها البهتة، وهى أن القائلين بالأول يقولون إن خلافه فيه إثبات شركاء لله يتصرفون بغير إذن الله وأن الإنكار والخلاف (٣) إنما هو من جهة التحسين والتقبيح العقليين في الثواب والعقاب، ولا دخل له في هذا الباب. ثانيا المخصِّص من السنة والكتاب: والقائلين (٤) بالثاني يقولون إن خلافه فيه الإجبار (٥) وإبطال الشرائع وإلزام الحجة على الشارع، فإن يخلص الفريق الأول من هذا بالكسب وهو العزم المصمم كما قاله بعض أهل التحقيق، أو صرف العبد قدرته وإرادته إلى الفعل على قول بعضهم- وإن حكى ابن السبكي عن أبيه أن الناس غير مكلفين. بمعرفة الكسب لصعوبته- عارضهم الفريق الثاني وقالوا (٦) هل الكسب خلق الله أم لا؟

стр. 173

إن قلتم لله فهو المذهب الأول، أو للعبد وافقتم قولنا، فليتفضل عين الزمان وإنسان الأعيان بالبيان. وقد ورد النهي عن الخوض في القدر والأمر بالإمساك عند ذلك لكن كان الأمر قبل ذلك عند المبتدي أنه واجب عليه كما أن علم الكلام مذموم، والشافعي (١) ﵀ حذر منه جدا، ونقل ابن عبد البر أنه ليس من العلم، وأن أهله ليسوا من العلماء وكان الإنسان يرى أنه أولى الواجبات إلا من عصمه الله. نعم- دمتم في النعم- حديث افتراق الأمة على ثلاث وسبعين فرقة (٢) الذي رواه أبو داود وسكت عليه [٢٦] عن معاوية بن أبي سفيان، هل يدل على هذا الافتراق قديما وحديثا أم على زمان مخصوص؟ وقد ثبتت النجاة للصحابة ﵃ فهل يدل على أنهم لم يختلفوا في الأصول أصلا إن كان كذلك فليت شعري من وافقهم من الطائفتين أم كل منهم وافق بعضا فيكون اختلافهم حقا (٣)، وهذا يرده ظاهر الحديث، وهنا مسألة مستطردة من الغصون المتعددة عن الراوي هنا الذي هو معاوية وحروبه مع علي ﵁ وما جرى في تلك الوقائع ما يقولون في ذلك؟ وهل عدالة جميع الصحابة مسلمة وكذلك إذا خرج أحد أصحاب السنن عن شخص ورووا عنه كفعل البخاري عن مروان هل هو تعديل أم لا، وهل مسألة الجرح والتعديل يصح فيها التقليد لبعد الزمان أم تجب المعرفة على كل إنسان لكل إنسان، وإلا لم يجز الاحتجاج به، وهذا يثبت وجوب الاجتهاد على كل فرد من العباد، وبعضهم يقول هذا متعسر أو متعذر، ومنهم من يقول إنه واجب متيسر فما الراجح عندكم في هذا بخصوصه، وما دليله بمنصوصه جزاكم الله خيرا.

стр. 174

أقول هذا السؤال قد اشتمل على أبحاث: الأول: السؤال عن مسألة خلق الأفعال وما تشعب عنها من الشعب التي أشار السائل عافاه الله إلى بعض منها في سؤاله. واعلم أن هذه المسألة قد طالت ذيولها وتنوعت مسالكها وتباينت طرائقها وتفرق الناس فيها فرقا وتحزبوا بسببها أحزابا وتكلموا فيها فأنفق كل متكلم مما عنده وأخذ من الأدلة ما قوي له ورجَّح ما ترجح له، وجملة الأقوال فيها (١) أربعة عشر قولا منها لأهل السنة والأشعرية أربعة أقوال وللمعتزلة ثمانية أقوال، وللجبرية الخلص قولان. ولا حاجة بنا إلى ذكر هذه الأقوال وتقرير أدلتها والكلام عليها ودفع ما يستحق الدفع منها، فذلك كله معروف في كتب هذا الشأن، وقد أفرد هذه المسألة جماعة من المحققين بالتصنيف، وراقم الأحرف غفر الله له قد أفردها بمؤلف جمعه [٢٧] في أيام شبابه عند الشغف بالنظر في كل مقال والوقوف على حقيقة كل ما ينسب إلى العلم ويدون في كتب أهله ولما كان سؤال السائل عافاه الله عن الراجع عند المجيب غفر الله في هذه المسألة فأقول: الراجح عندي فيها السكوت وإمرار الأدلة الواردة فيها الدالة عليها بمطابقة أو تضمن أو التزام كما وردت، وعدم التعرض لشيء من مباحثها ولا التكلف لشيء منها بالتأويل وإخراجه عن معناه الحقيقي. وهذا السكوت الذي رجحته وإن كان يعده بعض المتكلفين جهلا فأنا به راض، والجهل في كثير من المواطن خير من تكلف العلم بها والدخول في مضايق لم يتعبد الله بها أحدا من عباده. ومن لم يسعه ما وسع خير القرون ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم في هذه المسألة ونظائرها فلا وسع الله عليه. على أني لم أرجح هذا الترجيح وأقف في هذا الموقف إلا بعد أن قطعت في هذه المسألة وما شابهها من مسائل هذا العلم شطرا من عمري وأضعت فيه بعض أوقاتي، وأفردت

стр. 175

أمهات مسائله بالتأليف ورجحت في كل مسألة منها قولا من الأقوال ونصرت مذهبا من المذاهب بحسب ما بلغت إليه القدرة ودلت عليه الأدلة التي غلب الظن بأنها أرجح من الأدلة المقابلة لها. ثم لم أبعد من طريقة الإنصاف في شيء منها ولا خرجت عما يوجبه الحق الذي كنت أعتقده حقا بعد أن جردت نفسي عن التعصب لمذهب من المذاهب أو قول من الأقوال أو عالم من العلماء، ثم لما فرغت من تحرير هذه المسائل وتقريرها واستوفيت في كل بحث من المباحث ما كنت أظن أنه قد فاق على كثير من التصانيف المتقدمة قرعت الباب الذي كان يدخل منه خير القرون ثم الذين يلونهم [٢٨] ثم الذين يلونهم بعد أن ألقيت عن كاهلي حملا ثقيلا وأراحني الله من عناء طويل، وقال وقيل، وهذيان ليس له تحصل ففتح الله لي ذلك الباب الذي لازمت قرعه ودخلت منه إلى بيت فيه برد اليقين وطمأنينة الحق فطاحت تلك الدقائق التي كنت فيها وذهبت عني إلى حيث يعوي الذئب. وما أحسن ما قاله القائل: وكيف ترى ليلى بعين ترى بها ... سواها وما طهرتَها بالمدامع وتلتذ منها بالحديث وقد جرى ... حديث سواها خروة للمسامع ولله در الشاعر الآخر حيث يقول: ألا إن وادي الجزع أضحى ترابه ... من المس كافورا وأعواده رندا وما ذاك إلا أن هندا عشية ... تمشت وجرَّت في جوانبه بُردا البحث الثاني من مباحث السؤال الثاني: قوله عافاه الله: نعم -ودمتم في النعم- حديث افتراق الأمة على ثلاث وسبعين فرقة إلخ، والجواب عنه أن حديث معاوية هذا الذي سأل عنه السائل وقال إنه أخرجه أبو داود (١)، هو أخرجه في سننه في كتاب السنة منه، وإسناده هكذا: حدثنا أحمد بن

стр. 176

حنبل، ومحمد بن يحيى بن فارس قالا: حدثنا أبو المغيرة: حدثنا صفوان [ح] وحدثنا عمرو بن عثمان: حدثنا بقية: حدثني صفوان: حدثني أزهر بن عبد الله الحرازي قال أحمد: عن أبي عامر الهوزني عن معاوية بن أبي سفيان أنه قام فينا فقال: ألا إن رسول الله ﷺ قام فينا فقال: " ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملة وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة وهي الجماعة "، زاد ابن يحيى وعمرو في حديثيهما وإنه سيخرج في أمتي أقوام تجارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكلب لصاحبه، وقال عمرو: الكلب بصاحبه لا يبقى من عرق ولا مفصل إلا دخله. انتهى. فهذا الحديث قد رواه أبو داود (١) من طريقتين إحداهما من طريق أحمد بن حنبل ومحمد بن يحيى عن أبي المغيرة عن صفوان، والثانية من طريق عمرو بن عثمان عن بقية [٢٩] عن صفوان، ثم تفرد به صفوان عن أزهر عن الهوزني. فأما أحمد بن حنبل فهو الإمام الجليل الحافظ الذي اتفق الموالف والمخالف على توثيقه، وروى عنه أهل الصحيحين وغيرهما وهو أجل قدرا من أن يحتاج إلي تعديل وأرفع محلا من أن يتكلم فيه متكلم بل هو إمام الجرح والتعديل وإمام الحفظ والإتقان، وأما محمد بن يحيى بن فارس فهو الذهلي (٢) الإمام الجليل الثقة الثبت الحافظ وأما أبو المغيرة فهو عبد القدوس (٣) بن الحجاج الخولاني أبو المغيرة الحمصي الثقة المشهور أخرج حديثه الشيخان وسائر أهل الأمهات، وأما عمرو بن عثمان فهو القرشي مولاهم الحمصي فقد وثقه ابن حبان وقال في التقريب (٤) صدوق، وأما بقية فهو ابن الوليد الكلاعي أبو محمد

стр. 177

الحمصي أحد الأعلام قال النسائي (١): " إذا قال حدثنا وأخبرنا فهو ثقة " وقال ابن عدي (٢) إذا حدث عن أهل الشام فهو ثبت وقال الجوزجاني (٣): إذا حدث عن الثقات فلا بأس به، قلت هو هاهنا قد صرح بالتحديث فقال حدثني صفوان وحدث عن شامي وهو صفوان، وروى عن ثقة وهو أيضًا صفوان فحصل الشرط الذي ذكره هؤلاء الأئمة الثلاثة أعني النسائي وابن عدي والجوزجاني، وقد أخرج له مسلم (٤) فرد حديث وقال في التقريب (٥): صدوق كثير التدليس عن الضعفاء. قلت قد صرح بالتحديث فذهبت مظنة التدليس. وعلى كل حال فهو لم يتفرد بل تابعه أبو المغيرة وهو ثقة كما تقدم، وأما صفوان فهو ابن عمرو السكسكي (٦) الحمصي. قال عمرو بن علي: ثبت وقال أبو حاتم: ثقة وقد أخرج له مسلم (٧) فرد حديث. وقال في التقريب (٨): ثقة، وأما أزهر بن عبد الله الحرازي فكذا وقع في سنن أبي داود (٩) وجزم البخاري (١٠) بأنه ابن سعيد وهو الحرازي الحميري الحمصي قال في التقريب (١١) صدوق تكلموا فيه للنصب وقال في الخلاصة (١٢) صدوق انتهى.

стр. 178

وقد روى عنه مع أبي داود الترمذي والنسائي وليس ممن يحتج به لا سيما في مثل هذا الأمر العظيم. وهذه الصيغة أعنى قولهم إنه صدوق هي من صيغ التليين كما أشار إليه أهل علم اصطلاح الحديث، وأما أبو عامر الهوزني فهو عبد لله بن لُحَي- بضم اللام وفتح المهملة- الحمري الهوزني بفتح الهاء والزاي بينهما واو: أبو عامر الحمصي وثقه العجلي (١) وقال في التقريب (٢) ثقة مخضرم. إذا عرفت هذا فرجال إسناد الحديث كلهم ثقات إلا بقية بن الوليد وأزهر بن عبد الله الحرازي، فأما بقية فلم يتفرد كما عرفت، وأما أزهر فقد [٣٠] تفرد كما عرفت، وهو ضعيف فيكون هذا الحديث ضعيفا، ولكن قد ورد هذا الحديث بدون الزيادة أعني قوله ثنتان وسبعون في النار ... إلخ، من حديث أبي هريرة عند أبي داود (٣) قال: حدثنا وهب بن بقية عن خالد عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " افترقت اليهود على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة، وتفرقت النصارى على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة " وقد أخرج هذا الحديث (٤) الترمذي وابن ماجه وقال الترمذي حسن صحيح. انتهى. ووهب بن بقية المذكور في الإسناد شيخ أبي داود هو الواسطي، أخرج حديثه مسلم ووثقه أبو زرعة وقال في التقريب (٥) ثقة، وأما خالد فهو ابن عبد الله بن عبد الرحمن بن يزيد المزني مولاهم أبو الهيثم أو أبو محمد الواسطي الطحان. قال أحمد كان ثقة. قلت: وقد اتفق على إخراج حديثه الشيخان وغيرهما من أهل الأمهات. وقال في التقريب (٦)

стр. 179

ثقة ثبت، وأما (محمد بن عمرو (١) فلعله جلجلة)، وقد وثقه أبو حاتم (٢) وأخرج حديثه الشيخان وغيرهما من أهل الأمهات، وأما أبو سلمة فهو عبد الله (٣) بن عبد الرحمن بن عوف الزهري ثقة إمام، أخرج حديثه الشيخان وغيرهما من أهل الأمهات، فتقرر بهذا أن رجال حديث أبي هريرة رجال الصحيح، فيكون أصل الحديث أعني افتراق الأمة إلى تلك الفرق صحيحا ثابتا. وأما الزيادة التي في الحديث الأول فضعيفة كما تقدم تقريره فلا يقوم بها حجة في حكم شرعي ولو على بعض المكلفين فكيف في مثل هذا الأمر العظيم الذي هو حكم بالهلاك على هذه الأمة المرحومة التي شرفها الله واختصها بخصائص لم يشاركها فيها أمة من الأمم السابقة وزادها شرفا وتعظيما وتحليلا بأن جعلها شهداء على الناس، وأي خير في أمة تفترق إلى ثلاث وسبعين في قرة وتهلك جميعها فلا ينجو منها [٣١] إلا فرقة واحدة! ولقد أحسن بعض الحفاظ حيث يقول: " وأما زيادة: كلها هالكة إلا واحدة فزيادة غير صحيحة القاعدة، وأظنها من دسيس بعض الملاحدة وكذلك أنكر ثبوتها الحافظ ابن حزم (٤)، ولقد جاد ظن من ظن أنها من دسيس أهل الإلحاد والزندقة فإن فيها من التنفير عن الإسلام والتخويف من الدخول فيه ما لا يقادر قدره، فيحصل لواضعها ما يطلبه من الطعن على هذه الأمة المرحومة، والتنفير عنها كما هو شأن كثير من المخذولين الواضعين للمطاعن المنافية للشريعة السمحة السهلة كما قال الصادق المصدوق ﷺ : " بعثت

стр. 180

بالحنيفية السمحة السهلة" (١)، وقال الله : ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ (٢) وقال ﷺ : " بشروا ولا تنفروا ويسروا ولا تعسروا " (٣) وها أنا سأضرب لك مثلا وهو أنك لو رأيت جماعة من الناس قد جمعوا في مكان من الأرض عددهم اثنان وسبعون رجلا وقال لك قائل ادخل مع هؤلاء فإن واحدا منهم سيملك ما طلعت عليه الشمس وستضرب أعناق الباقين أجمعين وربما تفوز أنت من بينهم بالسلامة فتعطى تلك المملكة فهل ترضى أن تكون واحدا منهم داخلا بينهم والحال هكذا؟ أو لا تدري من هذا الواحد الذي سيفوز بالسلامة ولا سيما إذا رأيت كل واحد منهم يدعي لنفسه أنه الفائز بالسلامة والظافر بالغنيمة لمجرد الأمنية والدعوى العاطلة عن البرهان [٣٢]. فإن قلت: إن قوله في هذا الحديث في الفرقة الناجية وهى "الجماعة" وقوله في
следующие страницы →