← Джавами‘

Джавами‘ · id 36543

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

الشوكاني

Полный текст (5 091 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

﴿يتقون أفلا تعقلون﴾ (١). وقوله [تعالى (٢)]: ﴿وفرحوا بالحياة الدنيا وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع﴾ (٣). وقوله تعالى: ﴿يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار﴾ (٤)، والآيات القرآنية [٥] في هذا الباب كثيرة جدا، فالاستكثار منها تحصيل للحاصل، وليس المراد إلا الإشارة لما فيه تصحيح لمعنى حديث: " حب الدنيا رأس كل خطيئة ". البحث الثاني: في بيان ماهية الدنيا لغة وشرعا. فأما في اللغة فقد فسرها أئمة اللغة (٥) في مؤلفاتها بأنها ضد الآخرة، وأنها صفة للدنو، وهو القرب، وضدها أيضًا القصوى، وهي البعيدة، ومنه: ﴿إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى﴾ (٦)، أي: بالعدوة الدانية إليكم، وهم بالعدوة [٣ ب] القاصية عنكم، فلما كانت الدنيا قريبة من أهلها بمعنى أنهم متلبسون بزمنها ومكانها ومتاعها قبل تلبسهم بالآخرة سميت دنيا، وأصلها دنوي بالواو كما صرح به أهل اللغة (٧) والصرف،

стр. 1507

ولهذا يقال في النسبة: دنياوي ودنيوي. وأما في الشرع فالآيات القرآنية تفيد تارة أنها مقابل الآخرة كما في قوله تعالى: ﴿الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة﴾ (١)، وقوله [تعالى (٢)]: ﴿وفرحوا بالحياة الدنيا وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع﴾ (٣)، وقوله [تعالى (٤)]: ﴿يا قوم إنما الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار﴾ (٥)، وقوله تعالى: ﴿يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما﴾ (٦)، وقوله تعالى: ﴿من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب﴾ (٧). وقوله تعالى: ﴿وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو وللدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون﴾ (٨) [٦]، وقوله تعالى: ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة﴾ (٩). وقوله تعالى: ﴿والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا﴾

стр. 1508

﴿حسنة ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿وآتيناه في الدنيا حسنة وإنه في الآخرة لمن الصالحين﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿بل تؤثرون الحياة الدنيا والآخرة خير وأبقى﴾ (٣)، وقوله تعالى: ﴿تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة﴾ (٤)، إلى غير ذلك من الآيات. ومن الآيات القرآنية ما يفيد [٤ أ] أن الحياة الدنيا هي المتاع العاجل، والأفعال الصادرة من أهلها كقوله تعالى: ﴿وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور﴾ (٥)، وقوله تعالى: ﴿إنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد﴾ (٦)، وقوله تعالى: ﴿وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو وللدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون﴾ (٧)، وقوله تعالى: ﴿يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع﴾ (٨). ومن الآيات القرآنية ما يفيد أن المتاع العاجل والأفعال الصادرة هي غير الدنيا؛ وذلك لأنها تارة تضاف إلى الدنيا، وتارة تضاف إلى الحياة الدنيا، والمضاف غير المضاف إليه، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة﴾ (٩).

стр. 1509

وقوله تعالى: ﴿زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا﴾ (١)، فجعل هذه الأمور متاعا، وأضافه إلى الحياة الدنيا، فأفادت الإضافة أنه غيرها، وكذلك إضافة العرض إلى الدنيا، وكذلك قوله تعالى: ﴿وما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وزينتها وما عند الله خير وأبقى أفلا تعقلون أفمن وعدناه وعدا حسنا فهو لاقيه كمن متعناه﴾ [٧] ﴿متاع الحياة الدنيا﴾ (٢). وقوله تعالى: ﴿المال والبنون زينة الحياة الدنيا﴾ (٣)، وقوله تعالى: [و] (٤) ﴿قال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة الدنيا﴾ (٥). وقوله تعالى: [قل] (٦) ﴿إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون متاع في الدنيا ثم إلينا مرجعهم﴾ (٧). وقوله تعالى: ﴿يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم متاع الحياة الدنيا﴾ (٨). وقوله تعالى: ﴿فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم﴾ [٤ ب] ﴿إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا﴾ (٩)، وقوله تعالى: ﴿ليس له دعوة في ...............

стр. 1510

﴿الدنيا﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها﴾ (٣)، ومن الآيات القرآنية ما يفيد أن متاع الدنيا منها لا أنه هي، ولا هو غيرها، كقوله تعالى: ﴿ولا تنس نصيبك من الدنيا﴾ (٤). وبالجملة فالآيات القرآنية في هذا المعنى كثيرة جدا يطول الاستقصاء لها، وكذلك الأحاديث النبوية فإنها واردة مورد هذه الآيات، وهكذا الأشعار العربية والتراكيب اللغوية. وهاهنا تحقيق يستفيد منه اللبيب ما لا ينكره فهمه، ولا يخالفه علمه، وبه يحصل الجمع بين جميع ما أشرنا إليه وذكرنا بعضه، وهو أنا نقول: إن هذا [الموجود (٥)] الخارجي (٦) المتشخص إما جسم أو هو جوهر أو عرض، والجسم إما أن يكون ناميا أو غير نام، [والنامي (٧)] أن يكون حيوانا أو غير حيوان، وكل نوع من هذه الأنواع يختص باسم يتميز به عن الآخر كالتراب والماء والنار والهواء، ثم منها [٨] ما هو بسيط، ومنها ما هو مركب مع غيره، والمراد من هذا التقسيم أن هذه الموجودات

стр. 1511

المشاهدة قد سميت بأسماء، ثم ما كان منها في جهة السفل [فهي] (١) الأرض، وما كان منها في جهة العلو فهو السماء، ولكل نوع من الأجسام والأعراض الكائنة في الحيزين اسم يخصه ويتميز به عن غيره، فهذه الموجودات الخارجية هي بالنسبة إلى الموجودات التي ستكون في الآخرة دنيا؛ لأنها دنت منا، أي: قربت، وتلك أخرى [٥ أ] لأنها تأخرت عنا، أي: بعدت، وهكذا ما يوجد من المأكولات والمشروبات والملبوسات وسائر ما يستمتع [به] (٢) في هذه الدار يقال له: دنيا؛ لأنها دنت ودنا الانتفاع بها بالنسبة إلى المأكولات والمشروبات [والملبوسات] (٣) ونحوها التي ستكون في الدار الآخرة؛ لأن هذه لما كانت قريبة وتلك بعيدة كانت هذه دنيا وتلك أخرى، وهكذا الحياة الكائنة في هذه الدار فإنها دنيا لدنوها بالنسبة إلى الحياة الكائنة في الآخرة، ولهذا وصفها الله سبحانه بالحياة الدنيا أي: القريبة، وهكذا الأزمان والأكوان الكائنة في هذه الدار، فإنها دنيا لأنها دنت [بالنسبة] (٤) إلى الأكوان [والأزمان] (٥) الكائنة في الآخرة. إذا عرفت هذا فقد تطلق هذه الصفة - أعني الدنيا - على جميع هذه الأشياء، وذلك إذا قوبلت بالآخرة كما قدمنا تحقيقه [٩]، وقد تطلق هذه الصفة على بعض هذه المذكورات كالحياة الدنيا، وقد يضاف بعض هذه المذكورات إلى الدنيا كمتاع الدنيا من باب إضافة الشيء إلى أصله أو إلى جنسه كخاتم حديد ورطل زيت ورجل القوم، ومن ذلك: " الدنيا ملعونة، وملعون ما فيها " (٦)، فإنه أطلقها على بعض ما تطلق عليه، وجعل البعض الآخر كالمغاير لها من جهة كونه مظروفا لها، والظرف غير المظروف،

стр. 1512

مع أنه يصدق على الأشياء المظروفة أنها دنيا كما تقدم، فمعنى قوله ﵌: " حب الدنيا رأس كل خطيئة " (١) أن حب هذه الأشياء التي هي دانية إلينا رأس كل خطيئة؛ إذ لا يوجد ذنب من الذنوب ولا خطيئة من الخطايا إلا وهي راجعة إلى حب هذه الأشياء [٥ ب]. فإن من جملة الدنيا الشهوات الجسمية والنفسية، فإنها بالنسبة إلى شهوات الآخرة دنيا، فكل مستلذ للحواس والأعضاء فهو دنيا لقربه منا وبعد مستلذات الحواس والأعضاء الكائنة في الآخرة عنا. ومن جملة الدنيا الأفعال والأقوال الكائنة في هذه الدار، فإنها بالنسبة إلى الأفعال والأقوال الكائنة في الآخرة دنيا، وليس من حق الدنيا أن تكون جميعها شرا محضا، بل فيها ما هو خير كالأفعال والأقوال التي هي طاعات وعبادات، وإليها يتوجه ما ورد في مدح الدنيا كحديث: " لا تسبوا الدنيا، فإنها مطية الآخرة " (٢)، وفي لفظ: " مزرعة الآخرة " (٣) [١٠]، وحديث ....................

стр. 1513

" الدنيا ملعونة [و (١)] ملعون ما فيها إلا ذكر الله أو عالم أو متعلم " (٢)، وبهذا التقرير يتضح الصواب، وينكشف عن وجه السؤال كل جلباب. البحث الثالث: في جواب ما أورده السائل [كثر الله فوائده] (٣) من الوجوه فقال: الوجه الأول: كيف تكون الدنيا أصل الخطايا مع أن حبها أمر جبلي؟ فنقول: [إن] (٤) الأمر الجبلي هو محبة الحياة، وما لا يمكن حفظها إلا به، وأما محبة التكاثر المفضي إلى التكالب على الدنيا، وكذلك محبة الشرف والرياسة والعلو والظفر من كل شيء بأحسنه، فهذا إنما هو [في] (٥) جبلة الطبائع الشيطانية لا الطبائع الإنسانية، فإذا كان الشخص مفتونا بحب شيء من ذلك فهو الذي أرخى عنان نفسه حتى تفلتت

стр. 1514

عليه في شعاب الأماني وهضاب التسويف؛ فصار مقهورًا بتفريطه، مستعبدا بترخيصه، ولو زجرها بزواجر التقوى، وربطها برباط القنوع، وضربها بعصا الزهد، لكان قاهرا لها لا مقهورا بها، وحاكما عليها لا محكوما عليه منها. وفي هذا العالم الإنساني من صلحاء العباد من هو لما ذكرناه شاهد صدق، وهذا يجده كل عاقل من نفسه، فإنه إذا استرسل في شهوة من الشهوات، أو خلى بين نفسه وبين لذة من اللذات، وجد من نفسه ميلا إليها ورغوبا فيها لم يكن قد وجده قبل ذلك. على أنه لو قال قائل: إن حب ما لا تتم الحياة إلا به في هذه الدنيا [٦ أ] ليس هو أمرا [١١] جبليا، بل هو أمر دعت إليه الضرورة، فإن الحياة ما دامت لا بد لصاحبها من تناول ما يسد به رمقه، ويدفع به جوعته، ويزيل به ضرورته، وهذا أمر دعت إليه الضرورة؛ لأنه محبوب حبا جبليا، فإنه لو كان كذلك لم يعف الإنسان شيئا من ذلك، مع أنه إذا تناول ما يكفيه من طعام أو شراب أو نكاح لم يكن ذلك محبوبا إليه في تلك الحال، فتناول ما دعت إليه الضرورة من الدنيا مما هو سائغ، وليس بقبيح عقلا، ولا شرعا، لو فرضنا أنه من حب الدنيا لا من ضرورة الحاجة إليه لكان مأذونا فيه بالأدلة الثابتة في الكتاب (١) والسنة (٢) القاضية بأن ذلك مأذون فيه، فيكون الحب الذي هو رأس كل خطيئة ما زاد على ذلك. فحاصل هذا الجواب هو أنا نمنع أن يكون الإنسان مجبولا على محبة شيء من الدنيا،

стр. 1515

وما توجبه الضرورة من سد الجوعة ونقع الغلة ليس من المحبة في شيء، بل ذلك أمر أوجبته الضرورة، ولو سلمنا أن هذا القدر الذي تدعو إليه الضرورة متلازم هو والمحبة لم يرد الاعتراض بذلك، فإن الشارع قد أذن فيه، وإنما الممنوع المذموم ما تتسبب عنه الخطايا، وهو ما زاد على ذلك. البحث الرابع: في جواب ما أورده السائل [عافاه الله] (١) من قوله: ما المراد بالدنيا؟ إن قال: المراد بها متاعها. . . إلى آخر ما ذكره. ونقول: الجواب على هذا قد أسلفناه في البحث الثاني مستكملا مطولا [١٢] على وجه لا يبقى بعده إشكال، فلا نطول بإعادته، بل يرجع السائل إليه ليندفع ما أورده. البحث الخامس: في الجواب عن قول السائل [كثر الله فوائده] (٢) أن تحريم المسبب لا يستلزم (٣) تحريم السبب، إلى آخر كلامه. لعله يريد [٦ ب] أن الخطايا المتسببة عن حب الدنيا وإن كانت محرمة فإن ذلك لا يستلزم تحريم حب الدنيا الذي هو السبب، وهذا الكلام إنما [يرد] (٤) لو قال النبي ﵌: حب الدنيا حرام لأنه رأس كل خطيئة، ولم يقل هكذا، بل قال: " حب الدنيا رأس كل خطيئة " (٥)، ولم يذكر حكم الحب، فكان الأنسب بسياق السؤال أن يسأل السائل [عافاه الله] (٦): هل الحب حلال أم حرام؟ إن قيل: إنه حرام لكونه سببا للخطايا فتحريم المسبب لا يستلزم تحريم السبب، وهذا البحث يعود إلى الكلام على وسائل الحرام، هل هي حرام أم لا؟ والخلاف في ذلك مشهور معروف.

стр. 1516

وأما قوله: [كما] (١) لو تسبب عن السمر خروج وقت صلاة الضحى فإنه لا يقضي بتحريم ذلك السبب. فهذا التمثيل غير مطابق لما هو مثال له، فإن كلامه في [أن] (٢) تحريم المسبب لا يستلزم تحريم السبب، وهذا المسبب - أعني خروج وقت الضحى - ليس من المسببات المحرمة حتى يقال: لا يستلزم تحريمه تحريم سببه، فإن فوات صلاة الضحى ليس من المحرمات، والأولى التمثيل بسبب يفضي إلى [مسبب] (٣) محرم كالاستمتاع [١٣] بمكان من بدن الحائض، هو حول فرجها، وكان المستمتع لا يملك إربه، بل يتدرج من الحلال إلى الحرام، ولولا التلبس بهذا السبب وهو الاستمتاع بما هو حول الحمى لم يقع في الحمى، فهذا يصلح للتمثيل به للوسائل إلى الحرام. وقد صح حديث: " الحلال بين، والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات، والمؤمنون وقافون عند الشبهات، فمن تركها فقد استبرأ لعرضه ودينه، ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه " (٤)، والأمثلة للوسائل إلى الحرام كثيرة جدا يمكن إيراد صور منها في كل باب من أبواب العبادات والديانات والمعاملات. وأما قوله [كثر الله فوائده] (٥): فما بقي إلا تحريم حب الحياة وقبحها. فيقال: وأي دليل دل على تحريم حب الحياة؟ إن كان [٧ أ] لكونه وسيلة إلى الخطايا فهذا محل الخلاف في الوسائل، وإن كان من حديث: " حب الدنيا رأس كل خطيئة "

стр. 1517

فليس ما يفيد تحريم الحب، اللهم إلا أن يقال: إن الحب للدنيا لما كان رأسا للخطايا، والرأس جزء من الذات، بل هو أعظم أجزائها، كان هذا الحب جزءا من الخطيئة التي هي المعصية، والخطيئة حرام، فجزؤها حرام. ثم حمل الدنيا في قوله: " حب الدنيا رأس كل خطيئة " (١) على حب الحياة هو تخصيص بلا مخصص، أو تقييد بلا مقيد، فإنك قد عرفت مسمى الدنيا لغة وشرعا بما حررناه سابقا، ثم حب الحياة وطول العمر قد كان من مقاصد جماعة من الأنبياء، وجمهور من الصلحاء والعلماء، وهو كما يكون وسيلة للشر لأهل العصيان يكون وسيلة للخير لأهل الطاعات، وهو إن كان [١٤] من الدنيا كما قررناه سابقا لكن الخطر فيه دون الخطر في حب ما هو من الدنيا كالمال والبنين والشهوات والشرف. وفي هذا المقدار كفاية لمن له هداية ... والله ولي التوفيق. [حرر في أوائل ليلة الخميس، لعله ثاني شهر جمادى الآخرة سنة ١٢١٧ هـ، بقلم مؤلفه الحقير محمد بن علي الشوكاني غفر الله ذنوبه، وستر عيوبه] (٢). [والحمد لله أولا وآخرًا، وصلى الله على خير خلقه محمد وآله وصحبه وسلم، بلغ مقابلته على الأم] (٣).

стр. 1518

(٤٧) ١١/ ٥ سؤال عن معنى بني الإسلام على خمسة أركان وما يترتب عليه تأليف محمد بن علي الشوكاني حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه محمد صبحي بن حسن حلاق أبو مصعب

стр. 1519

وصف المخطوط (أ): ١ - عنوان الرسالة: (سؤال عن معنى " بني الإسلام على خمسة أركان " وما يترتب عليه). ٢ - موضوع الرسالة: في " الحديث ". ٣ - أول الرسالة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، هذا سؤال من الحقير عبد الله بن محمد الكبسي إلى مولانا المالك الندي العلامة شيخ الإسلام محمد بن علي الشوكاني، حفظه الله، وبارك لنا في إمامته. . . ٤ - آخر الرسالة:. . . فهؤلاء فرطوا فيما أوجب الله عليهم من التعليم، كما فرط الجاهلون فيما أوجب الله عليهم من التعلم، وفي هذا المقدار كفاية والحمد لله أولا وآخرا. ٥ - نوع الخط: خط نسخي معتاد. ٦ - عدد الصفحات: (٦) صفحات. ٧ - عدد الأسطر في الصفحة: (٢٥ - ٢٨) سطرا. ٨ - عدد الكلمات في السطر: (٩ - ١١) كلمة. ٩ - الرسالة من المجلد الخامس من (الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني).

стр. 1520

وصف المخطوط (ب): ١ - عنوان الرسالة: سؤال عن معنى بني الإسلام على خمسة أركان وما يترتب عليه. ٢ - موضوع الرسالة: في " الحديث ". ٣ - أول الرسالة: سؤال عن معنى بني الإسلام على خمسة أركان وما يترتب عليه، وما المراد في بناء الإسلام على خمسة أركان؟ هل يصير له حكم البناء القائم؟ ٤ - آخر الرسالة: كما فرط الجاهلون فيما أوجب الله عليهم من التعلم، وفي هذا المقدار كفاية لمن له هداية، والحمد لله أولا وآخرًا، وصلى الله على خير خلقه محمد وآله وصحبه. ٥ - نوع الخط: خط نسخي جيد. ٦ - عدد الصفحات: (٤) صفحات. ٧ - عدد الأسطر في الصفحة: (٢٢ - ٢٨) سطرا. ٨ - عدد الكلمات في السطر: (١٢ - ١٣) كلمة. ٩ - الرسالة من المجلد الخامس من (الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني).

стр. 1521

[سؤال: عن معنى بني الإسلام على خمسة أركان وما يترتب عليه، وما المراد في بني الإسلام على خمسة أركان؟ هل يصير له حكم البناء القائم على أركان إذا اختل البعض منها اختل الأصل؟ فإذا كان هذا المراد فأصل الإسلام كلمة التوحيد المحتوية على النفي والإثبات، فهل لا بد لكل مكلف من معرفة قول لا إله إلا الله واستحضار هذا المعنى والموجب لهذا الاستشكال إنما ينبعث أشياء: منها ما صار خلقا وعادة عند تشييع الجنازة، فتنطلق طائفة بالنفي وتقتصر عليه، وطائفة بالاستثناء فقط، ثم قوله ﷺ : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، فهل يكون ذلك في سائر الأركان كالصلاة والزكاة والحج؟ فما حكم من تركها؟ وهل يثبت حكم الإسلام لمن أتى بالبعض منها؟ هذا حاصل السؤال] (١).

стр. 1522

[بسم الله الرحمن الرحيم] الحمد لله رب العالمين، هذا سؤال من الحقير عبد الله بن محمد الكبسي إلى مولانا المالك البدر العلامة شيخ الإسلام محمد بن علي الشوكاني حفظه الله وبارك لنا في إمامته، والسؤال هو عن معنى حديث بني (١) الإسلام على خمسة أركان (٢) وما يترتب عليه، وما المراد من بناء الإسلام على خمسة؟ هل يصير له حكم البناء القائم على أركان إذا اختل (٣) البعض منها اختل أصل البناء، فإذا كان هذا هو المراد فأصل الإسلام وأساسه كلمة التوحيد المحتوية على النفي والإثبات، فالمنفي كل فرد من أفراد حقيقة الإله غير مولانا جل وعلا، ولا ثبت في تلك الحقيقة فرد واحد وهو مولانا جل وعلا، فلا توجد تلك الحقيقة

стр. 1523

لغيره، فهذا التركيب الشريف في قولنا: لا إله إلا الله هو نفي الإلهية عن كل شيء، وأنها نهايته، فهل لا بد لكل مكلف من معرفة قولنا لا إله إلا الله، واستحضار هذا المعنى عند التلفظ بها أصلاً والموجب لهذا الاستشكال أني تتبعت أشياء، منها ما صار خلقا وعادة عند تشييع الجنائز من التهليل، فتنطق طائفة بالنفي وتقتصر عليه، والطائفة الأخرى تنطق بالاستثناء فقط، وأنكرت ذلك أنا وغيري مرارا، ولا أحد فهم وجه الإنكار، وقوله ﵌: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها " (١). ومن حقها فيهم اشتملت عليه [١ ب]، وإذا كان الأمر في هذا الركن المشتمل على التوحيد على هذه الصفة فهل يكون ذلك في سائر الأركان (٢)، فالصلاة الواجبة أو ما لا تصح إلا به قطعا لا يتم الإسلام إلا بها، فما حكم من تركها مستمرا، أو في بعض الأحيان، أو ترك ما لا يتم إلا به قطعا، وكذلك الزكاة والصوم والحج؟ فهل يثبت حكم الإسلام لمن

стр. 1524

أتى بالبعض وترك البعض الآخر؟ فمن تفضلاتكم وعميم إحسانكم الإفادة على كل واحد من الخمسة الأركان، وفيمن أتى بالأكثر منها وترك الأقل، مثل أن يأتي بالصلاة والصوم والحج ويقول الشهادة ويترك الزكاة مثل ثعلبة (١) بن حاطب، أو تساهل بالصلاة وأتى بالأركان الأخرى، وهل يستوي التارك لركن واحد هو والتارك للجميع أصلا؟ والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته (٢). [ويتلو ذلك جواب مولانا العلامة البدر شيخ الإسلام محمد بن علي الشوكاني كثر الله فوائده، وبارك للكافة في أوقاته آمين، بما لفظه:] (٣)

стр. 1525

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ معنى قوله ﵌: بني الإسلام على خمسة أركان أن هذه الخمسة هو التي عليها عمدة الإسلام، لا يتم إلا باجتماعها، فهو من باب الاستعارة تشبيها للأمر المعنوي وهو الإسلام بالأمر الحقيقي الموجود في الخارج وهو الشيء المبني، فكما أن الأبنية الموجودة في الخارج لا تتم إلا بما لا بد منه [٢ أ] كذلك الإسلام لا يتم إلا بهذه الأمور الخمسة، وقد أشار إلى هذا المعنى الحقيقي الشاعر بقوله: والبيت لا ينبني إلا بأعمدة ... ولا عمود إذا لم ترس أوتاد وقد أشار إلى معنى هذا الحديث ما صح عنه ﵌ في الصحيحين (١) وغيرهما من طرق أنه لما سئل عن الإسلام فقال: " أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ﷺ ، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم [١] رمضان، وتحج البيت "، فأخبر ﵌ أن ماهية الإسلام هي هذه الخمسة، ومما يؤيد أنه لا يتم الإسلام إلا بالقيام بهذه الأركان ما ثبت عنه [﵌] (٢) من الحكم بكفر من ترك أحدهما كما في قوله ﵌: " بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة " (٣)، ومثل قوله تعالى: ﴿ومن كفر فإن الله غني عن العالمين﴾ (٤)، ومثل ما صح عنه ﵌ في الصحيحين (٥)

стр. 1526

وغيرهما من طرق أنه قال: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، ويصوموا رمضان، ويحجوا البيت "، ثم عقب (١)، ذلك بأن من جاء بهذه فقد عصم ماله ودمه، فأفاد ذلك أن دم من لم يقم بهذه غير معصوم، وكذلك ماله، ولا يكون ذلك إلا لعدم خروجه من دائرة الكفر إلى دائرة الإسلام [إلا بها] (٢) [٢ ب]، وكذلك أجمع الصحابة [﵃] (٣) على قول أبي بكر الصديق ﵁: (والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة) (٤)، فقاتل هو والصحابة ﵃ المانعين من الزكاة وحدها، وحكموا عليهم بالردة، وسموا قتالهم قتال أهل الردة وأما ما [ذكر] (٥) السائل عافاه الله من أنه [هل] (٦) يجب تصور معنى لا إله إلا الله؟ فهذا التركيب يفهمه كل عربي لا يخفى على أحد كما يفهم معنى قول القائل: ما في الدار إلا زيد، وما جاءني إلا عمرو، وهذا يكفي في القيام بكلمة الشهادة التي هي مفتاح باب دار الإسلام وأعظم ركن من أركانه، وإذا قالها الكافر وجب الكف عنه حتى يشرح الله صدره للإسلام، فيقوم ببقية الأركان، ولهذا ثبت عنه ﵌ أنه قال لأسامة بن زيد ﵁ لما قتل كافرا بعد أن قال: لا إله إلا الله، واعتذر بأنه قالها تعوذا من القتل، فقال له ﵌: " أقتلته بعد أن قال: لا إله إلا الله؟ "، ثم كرر عليه ذلك حتى تمنى أسامة [﵁] (٧) ما تمناه، وفي قصة أخرى أنه قال ﵌: " ما أمرت أن أفتش عن قلوب الناس " (٨) أو

стр. 1527

كما قال. وأما ما ذكره السائل [عافاه الله] (١) من أنه قد يقول بعض من يحمل الجنازة بالنفي فقط ثم يجيبه الآخر بالإثبات، فلا يخفى [٢] أن هؤلاء لهم عذر واضح، وهو أنهم قد جعلوا أنفسهم بمنزلة الشخص الواحد، فكأن مجموع النفي والإثبات [قائم] (٢) بكل واحد منهم، وهم لا يريدون غير هذا، ولو قيل للنافي: كيف قلت: لا إله فقط، فإن ذلك يستلزم نفي إلهية الرب سبحانه؟ لقال: لم أرد هذا [٣ أ]، بل أردت أنه الإله وحده اكتفاء بالاستثناء الواقع من الآخرين، فهذا اللفظ وإن كان مستنكرا (٣) وبدعة، ولكنه لا يستلزم ما فهمه السائل، والعمدة على ضمائر القلوب ومقاصد النفوس، ومثل هذا في الابتداع ما يلهج به كثير من المتصوفين (٤) في أنه يهمل اللفظ الدال على النفي، ويقتصر على اللفظ الدال على الاستثناء تحرجا منه عن مدلول [بلفظ] (٥) النفي الشامل، وهو جهل منه، فإن الكلام بتمامه

стр. 1528

[و] (١) لا يتم إلا بمجموع النفي والإثبات، وهو شأن كل استثناء (٢) متصل، ومع هذا فتعليم الشارع لأمته أن يقولوا: لا إله إلا الله، يدحض كل شبهة، ويرفع كل جهل، وقد جاء بذلك القرآن الكريم في غير موضع، فهذا المتصوف الجاهل تحرج عن تعليم الله [ ] (٣) ورسوله ﵌، وظن بجهله أنه قد جاء بما هو أولى من ذلك، مع أنه جاء بكلام غير مفيد وتركيب ناقص، وليس بمعذور كما عذر الجماعة الذي يقول أحدهم بالنفي والآخر بالإثبات؛ لأن أولئك قد نزلوا أنفسهم منزلة الشخص الواحد وأما قول السائل: فهل يكون ذلك في سائر الأركان ... إلخ؟ فنقول: نعم لا بد أن يأتي بكل واحد منها على الصفة المجزية التي لا اختلال فيها، باعتبار ما هو الواجب الذي لا تتم الصورة الشرعية إلا به، فإن انتقض من ذلك ما يخرج [ما] (٤) جاء به عن الصورة الشرعية [٣ ب] فهو بمنزلة من ترك ذلك من الأصل، لكنه إذا كان ذلك لجهله بالوجوب عليه وترك التعلم لما يلزمه فهو من هذه الحيثية [أثم بترك] (٥) واجب التعلم [٣] معذور بالجهل، فلا يكون كمن ترك عالما عامدا؛ لأن جهله بوجوب التعلم مع ظنه بأن الذي افترضه الله عليه هو ما فعله على تلك الصورة الناقصة يدفع عنه معرة الكفر، ولا يدفع عنه معرة الإثم، وقد ثبت أن بعض أهل الكفر تكلم بكلمة (٦) الشهادة،

стр. 1529

ثم عرض الجهاد فجاهد وقتل، فأخبر النبي ﵌ بأن الله [تعالى] (١) أدخله الجنة ولم يصل ركعة، فجعل اشتغال هذا بواجب الجهاد عذرا، والجاهل لو علم أن صلاته الواجبة لا تتم بالصلاة التي جاء بها على الصورة الناقصة لجاء بالصورة التامة، وبادر إلى تعلمها، لكن اجتمع تفريط أهل الجهل [عن] (٢) التعلم، وتفريط أهل العلم عن التعليم، فاشتركت الطائفتان في الإثم؛ لأن الله سبحانه أوجب على العلماء أن يعلموا، وأخذ [الله] (٣) عليهم الميثاق، فذلك كما في قوله: ﴿وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه﴾ (٤)، وفي الآية الأخرى: ﴿إن الذين يكتمون﴾ (٥) إلى آخر الآية (٦) المصرحة باستحقاقهم للعنة الله ولعنة اللاعنين. فهؤلاء فرطوا فيما أوجب الله عليهم من التعليم، كما فرط الجاهلون فيما أوجب الله عليهم من التعلم، وفي هذا المقدار كفاية [لمن له هداية] (٧)، والحمد لله أولا وآخرا [٤ أ]، [وصلى الله على خير خلقه محمد وآله وصحبه] (٨).

стр. 1530

(٤٨) ١٤/ ٥ الأذكار (جواب على بعض الأحاديث المتعارضة فيها) تأليف محمد بن علي الشوكاني حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه محمد صبحي بن حسن حلاق أبو مصعب

стр. 1531

وصف المخطوط: ١ - عنوان الرسالة: (الأذكار: جواب على بعض الأحاديث المتعارضة فيها). ٢ - موضوع الرسالة: في " الحديث ". ٣ - أول الرسالة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: من قال حين يصبح. . . ٤ - آخر الرسالة:. . . وفي هذا كفاية، والله ولي التوفيق، كتب من خط المجيب محمد بن علي الشوكاني غفر الله له، حرر في النصف من شهر شعبان الكريم سنة ١٢٤٣، تمت بحمد الله. ٥ - نوع الخط: خط نسخي معتاد. ٦ - عدد الصفحات: (٢) صفحة. ٧ - عدد الأسطر في الصفحة: (٢٩ - ٣٢) سطرا. ٨ - عدد الكلمات في السطر: (١٧ - ٢٠) كلمة. ٩ - الرسالة من المجلد الخامس من (الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني).

стр. 1532

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: " من قال حين يصبح وحين يمسي: سبحان الله وبحمده مائة مرة، لم يأت أحد يوم القيامة بأفضل مما جاء به إلا أحد قال مثل ما قال، أو زاد عليه " رواه مسلم (١)، وأبو داود (٢)، والترمذي (٣)، والنسائي (٤)، وعنه ﵁ أن رسول الله ﵌ قال: " من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، في يوم مائة مرة كانت له عدل عشر رقاب، وكتب له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حرزا (٥) من الشيطان الرجيم يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا أحد عمل أكثر من ذلك " رواه الجماعة (٦) إلا أبا داود، كثر الله فوائدكم، ونفع المسلمين والإسلام بعلومكم، وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته. أشكل على محبكم تعارض هذين الحديثين في الأفضلية، فأفشوا الغليل بما سنح من الجواب الشافي - كتب الله ثوابكم -، وإذا بسطتم الجواب لتتم الفائدة ويزول الإشكال فالأجر مضاعف - كتب الله ثوابكم -.

стр. 1533

الجواب من سيدنا العلامة شيخ الإسلام وشفاء الأوام العالم الرباني محمد بن علي الشوكاني - مد الله مدته، وأكثر إفادته -: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الجواب - وبالله الاستعانة، وعليه التوكل -: إن الحديثين صحيحان، وقد دل كل واحد منهما على أن فاعل أحدهما قد جاء بما يعظم أجره ويكثر ثوابه، حتى أنه لا يؤجر أحد من العباد فيما جاء به من الأذكار أو سائر القربات التي شرعها الله سبحانه لعباده بمثل أجره إلا من جاء بما جاء به، وهو أن يقول كما قال، فالذي ذكر الله سبحانه فقال: لا إله (١) إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء

стр. 1534

قدير، مائة مرة لا يؤجر أحد من العباد بمثل أجره، إلا من قال كما قال، والذي ذكر الله سبحانه (١) فقال حين يصبح وحين يمسي: سبحان الله وبحمده مائة مرة، لا يؤجر أحد من العباد بمثل أجره إلا من قال كما قال، ولا إشكال في ذلك بالنسبة إلى من لم يذكر الله تعالى بأحد الذكرين؛ لأنه لم يأت بما وقع النص عليه في الحديثين أن الذاكر بأحدهما لا يؤجر أحد من العباد بمثل أجره؛ لأنه خارج عن الأحد الذي ذكر الله سبحانه بأحد الذكرين، فلم يقل كما قال الذاكر بأحد الذكرين، فلا يستحق مثل أجره، وأما باعتبار الشخصين الذاكر كل واحد منهما بأحد الذكرين دون الآخر، فقد جاء كل واحد منهما بما يستحق به من الأجر أن لا يعطى أحد مثلما أعطي من الثواب إلا من قال مثل قوله، فالذاكر بقوله: سبحان الله وبحمده حين يصبح وحين يمسي مائة مرة، لم يذكر بقوله: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير.

стр. 1535

والذاكر بقوله: لا إله إلا الله إلخ، لم يذكر بقوله: سبحان الله وبحمده إلخ، مع استحقاق كل واحد منهما لأجر لا يظفر به إلا من قال مثل قوله، ولم يقل أحدهما بما قاله الآخر، بل قال بما يساويه في المبالغة في الثواب إلى حد لا يماثله أحد، ولا يحصل لغيره إلا من قال مثل قوله، فلا بد من الجمع بين الحديثين بأن يقال: الذاكر بأحد الذكرين مخصص من عموم الحديث الآخر، فالذاكر بأحدهما قد حصل له من الأجر بالنسبة إلى جميع الذاكرين من العباد ما لا يحصل لواحد منهم إلا من قال مثل قوله، فيدخل كل فرد من أفراد العباد تحت هذا العموم الشمولي إلا من قال بالذكر المذكور، أو بما يساويه، وهو الذكر الآخر. فعرفت أن كل واحد من الذاكرين شامل لجميع الذاكرين مخصص تخصيصا متصلا بمن قال مثل قوله، ومخصص تخصيصا منفصلا بمن قال بالذكر الآخر المساوي له، وهو أن يعطى أجرًا [١ أ] لا يناله إلا من قال مثل قوله، وإيضاح هذا التخصيص أن يقال بأحد الذكرين قد تساوى القائل بالذكر الآخر في حصول المزية له، وهي أنه لا ينال مثل أجره إلا من قال مثل قوله، فيكون كل واحد منهما مستثنى من العموم الآخر، فالذاكر بالتسبيح خارج عن العموم المذكور في التوحيد، والذاكر بالتوحيد خارج عن العموم المذكور في التسبيح، وعموم حديث كل واحد منهما إنما هو بالنسبة إلى غيرهما، وهما مخصصان بخروج كل واحد منهما عن عموم الحديث الآخر، فيقال: الذاكر هذا التسبيح قد فضل على كل ذاكر إلا على الذاكر هذا التوحيد، والذاكر بهذا التوحيد قد فضل على كل ذاكر إلا على الذاكر بهذا التسبيح، فلم يبق حينئذ بين الحديثين (١) تعارض بالنسبة إلى

стр. 1536

كل ذاكر بهما لخروجه من عمومه بالتخصيص المنفصل الواقع في الحديث الآخر. هذا على تقدير أن المبالغة في كل واحد منهما إلى حد لا يأتي بمثل أجره لا من قال مثل قوله يوجب الاشتراك بينهما في أن أجر كل واحد منهما بمنزلة عظيمة، ومزية جليلة محدودة هذا الحد، وقد فعل كل واحد منهما ما يقتضي ذلك، فالمصير إلى التخصيص لا بد منه، أما لو فرضنا أن اتحادهما في تلك المزية لا توجب تساويهما، بل أجر كل واحد منهما مختص بالذكر الذي جاء به، فتكون مزية المسبح بالنسبة إلى المسبحين، ومزية الموحد بالنسبة إلى الموحدين، فلا تعارض بين الحديثين، بل أجر ذلك المسبح بذلك التسبيح قد فضل كل متعرب، ويدخل في ذلك الموحد؛ لأنه لم يأت بذكر التسبيح، وأجر الموحد قد فضل كل متعرب، ويدخل في ذلك المسبح بذلك التسبيح؛ لأنه لم يأت بذكر التوحيد، فعرفت بهذا أن لك في الكلام على الجمع بين الحديثين وجهين يزول الإشكال بكل واحد منهما. ونوضح هذا من الوجهين بمثال يرتفع عنده الإشكال، فنقول مثلا: لو خرج على السلطان خارجان، كل واحد منهما في جيش، فبعث لحربه أميرين، مع كل واحد منهما

стр. 1537

جيش، فقال السلطان لكل طائفة من طائفتي الجيشين المبعوثين مع الأميرين: من جاء منكم برأس أحد الخارجين علينا أعطيه من الجائزة ما لا أعطيه أحدًا، فهذا الكلام يحتمل أن يريد السلطان أن من جاء برأس واحد من الخارجين أعطاه من الجائزة ما لا يعطيه أحدا من الناس الخارجين مع الأميرين، ويحتمل أن يريد ما لا يعطيه أحدا من الناس الخارجين مع كل أمير من الأميرين خطابا لكل واحد من الرجلين المرغبين في العطية. وعلى المثال الأول يحصل التعارض بين الرجلين، ويجمع بين الكلامين بأن المراد في ترغيب كل واحد منهما بالنسبة إلى من عدا الآخر الذي رغب بمثل ترغيبه، وعلى المثال الثاني لا تعارض؛ لأن كل واحد من الرجلين وعد بأن يعطى من الجائزة ما لا يعطى أحد من القوم الذي هو منهم مع أميره وجيشه، وفي هذا كفاية، والله ولي التوفيق. كتب من خط المجيب محمد بن علي الشوكاني - غفر الله له -، حرر النصف من شهر شعبان الكريم سنة ١٢٤٣، تمت بحمد الله [ا ب].

стр. 1538

(٤٩) ١٩/ ٥ بحث في الكلام على حديث " إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن اجتهد وأخطأ فله أجر واحد " تأليف محمد بن علي الشوكاني حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه محمد صبحي بن حسن حلاق أبو مصعب

стр. 1539

وصف المخطوط: ١ - عنوان الرسالة: (بحث في الكلام على حديث " إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن اجتهد وأخطأ فله أجر واحد "). ٢ - موضوع الرسالة: في " الحديث ". ٣ - أول الرسالة: اعلم أن حديث: " إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن اجتهد فأخطأ فله أجر " قد ظن بعض أهل العلم أنه لا يصح الاستدلال به على رفع الإثم عن المجتهد المخطئ، وثبوت الأجر له. . . ٤ - آخر الرسالة:. . . والمداهاة له ولم نتعبد بذلك، فكيف يحمل عليه قول الشارع؟ وفي هذا المقدار كفاية، والحمد لله أولا وآخرًا، حرره محمد بن علي الشوكاني غفر الله لهما. ٥ - نوع الخط: خط نسخي جيد. ٦ - عدد الصفحات: (٥) صفحات. ٧ - عدد الأسطر في الصفحة: (١٧ - ٢٢). ٨ - عدد الكلمات في السطر: (١٠ - ١١). ٩ - الناسخ: محمد بن علي الشوكاني ١٠ - الرسالة من المجلد الخامس من (الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني).

стр. 1540

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ اعلم أن حديث: " إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن اجتهد فأخطأ فله أجر " (١) قد ظن بعض أهل العلم أنه لا يصح الاستدلال به على رفع الإثم عن المجتهد المخطئ، وثبوت الأجر له، زاعما أن المراد بالاجتهاد هنا هو بذل الجهد في البحث عن الخصومة الواردة عليه كالبحث مثلا عن عدالة الشهود، وعن حال المدعي والمدعى عليه، ونحو ذلك مما يتعلق بالخصومة، وروي نحو هذا عن العلامة المقبلي (٢). وأقول: قد تقرر في علم المعاني والبيان (٣) - وهو العلم الباحث عن دقائق العربية وأسرارها - أن حذف المتعلق مشعر بالتعميم، وهنا قد حذف المتعلق، فيكون معناه البحث عن كل ما يتعلق بالخصومة من الأمور التي ينبغي البحث عنها، وإن أهم هذه الأمور وأولاها بالبحث هو حكم الله (٤) في تلك الحادثة التي وردت فيها الخصومة؛ لأن الحاكم

стр. 1541

مأمور بأن يحكم فيها بحكم الله (١) ، فلا يحكم بإقرار ولا شهادة ولا يمين ولا بقول حتى يعلم أن هذه الأمور يصح جعلها حجة للحكم، ولا يكون ذلك إلا بانتهاض دليلها، وخلوصه عن شوائب القدح والنقض والمعارضة، فإذا ثبت له ذلك بالبرهان الذي تقوم به الحجة فالبحث عما عداه يسير؛ لأنه يعرف مثلا عدالة الشهود (٢) بمجرد التزكية وعدم المعارضة لها بالجرح، ويعرف حال الخصمين في الورع والوقوف على رسوم الشرع، وعدم التهور في الدعاوى الباطلة، أو إنكار ما يجب التخلص عنه بالبحث عن حالهما، وذلك إنما هو بعد ثبوت حكم الاستجابة بذلك المستند [١ ب]. فلو قدرنا أنه أجهد نفسه في البحث عن أحوال الشهود، أو عن حال الخصمين قبل

стр. 1542

أن يعلم أن حكم الله في تلك الخصومة كذا، وأنه لا يصلح مستندا للحكم إلا بشرط كذا، كان إجهاد نفسه في البحث عن حال الشهود أو الخصومة مع جهله لحكم الله سبحانه في تلك الحادثة ضائعًا لا يستحق المصيب فيها أجرين، ولا المخطئ أجرًا، بل هذا القاضي هو أحد قضاة النار كما ورد بذلك الدليل الصحيح (١)؛ لأنه لا يخلو عن أحد أمرين: إما الحكم بالحق وهو لا يعلم بأنه الحق، أو الحكم بالباطل وهو يعلم بخلافه، فكان من قضاء النار في كلا حالتيه. فإن قلت: أريد إيضاح الكلام في المقام بما يحصل به الانفهام، قلت: افرض هذه الحادثة في رجل ادعى على آخر مالا، ثم جاء بشاهد، وأعوزه أن يأتي بشاهد آخر، وطلب من الحاكم أن يحلفه حتى يقوم يمينه مقام الشاهد الآخر، فهاهنا يجب على الحاكم أن يقدم البحث، ويجهد نفسه في الفحص عن حكم الله سبحانه في الحادثة، حتى يعلم قيام الحجة التي تصلح مستندا للحكم بالشاهد الواحد واليمين (٢)، وذلك هو يحق له البحث وإجهاد النفس بإمعان النظر فيه، وإشباع الفحص عنه والبحث عما عداه من عدالة الشاهد وحال الخصمين، فهو شيء تفرع عن كون ذلك المستند صالحًا للحكم به، فلو ذهب يجهد نفسه في البحث عن حال الشاهد، أو نحو ذلك قبل أن

стр. 1543

يعلم جواز الحكم بالشاهد الواحد واليمين أو عدم جوازه، لكان سعيه ضائعًا وبحثه ذاهبًا، واجتهاده في ذلك لا يعود عليه بفائدة؛ لأنه اشتغل بالنظر [٢ أ] في شيء تفرع عن أصل، وهو لا يدري بالأصل. فانظر أصلحك الله ما هو الأمر الذي ينبغي أن يحمل عليه قوله ﵌: " إذا اجتهد الحاكم " (١)، وعلى كل حال فالمقام مقام البحث عن حكم الله سبحانه في الحادثة، والحاكم المذكور في الحديث هو الحاكم المأمور بأن يحكم بما شرعه الله لعباده فيها، فأي معنى لحمل اجتهاده على البحث عن أمور لا تعلق لها بالحكم إلا من جهة كونها راجعة إليه، ومتفرعة عنه. ثم انظر ما وقع في حديث معاذ لما بعثه النبي ﵌ قاضيًا، فإنه ﵌ قال له: " بم تحكم؟ قال: بكتاب الله سبحانه، قال: فإن لم تجد؟ قال: فبسنة رسول الله ﵌، قال: فإن لم تجد؟ فقال: أجتهد رأيي " (٢).

стр. 1544

فانظر كيف كان الأمر المهم عند بعث هذا الصحابي للقضاء؟ هو السؤال له للإرشاد لا للاسترشاد عن مستند ما يحكم به لا عن غيره، وهكذا كان ﵌ يأمر من يبعثه من القضاة والولاة، وكذلك كان يرشد إلى ذلك معظم الخلفاء الراشدون (١) من يبعثونه، ثم انظر قول هذا الصحابي العظيم: أجتهد رأيي، فإن المراد بلا

стр. 1545

شك ولا شبهة أن يجتهد رأيه في مستند الحكم، فيستخرجه من قياس أو نحوه على ما في الكتاب والسنة، فهذا هو الاجتهاد الذي قال فيه ﵌: " إذا اجتهد الحاكم فأصاب " (١) إلى آخر الحديث. فالحاصل أن هذا الحديث إن كان عاما كما ذكرناه سابقا، فالاجتهاد في مستند الحكم داخل فيه دخولا أوليا؛ لأنه الفرد الكامل الذي لا ينبغي أن يراد سواه إلا طريق التبع كالبحث عن حال الشهود والخصوم، مع أنه لا يبحث عن ذلك لذاته [٢ ب]، بل ليعلم الحاكم وجود المستند الذي ثبت عن الشارع، فإن النظر في الشهادة ليس إلا لمعرفة
следующие страницы →