مأمور بأن يحكم فيها بحكم الله (١) ، فلا يحكم بإقرار ولا شهادة ولا يمين ولا بقول حتى يعلم أن هذه الأمور يصح جعلها حجة للحكم، ولا يكون ذلك إلا بانتهاض دليلها، وخلوصه عن شوائب القدح والنقض والمعارضة، فإذا ثبت له ذلك بالبرهان الذي تقوم به الحجة فالبحث عما عداه يسير؛ لأنه يعرف مثلا عدالة الشهود (٢) بمجرد التزكية وعدم المعارضة لها بالجرح، ويعرف حال الخصمين في الورع والوقوف على رسوم الشرع، وعدم التهور في الدعاوى الباطلة، أو إنكار ما يجب التخلص عنه بالبحث عن حالهما، وذلك إنما هو بعد ثبوت حكم الاستجابة بذلك المستند [١ ب].
فلو قدرنا أنه أجهد نفسه في البحث عن أحوال الشهود، أو عن حال الخصمين قبل
стр. 1542
أن يعلم أن حكم الله في تلك الخصومة كذا، وأنه لا يصلح مستندا للحكم إلا بشرط كذا، كان إجهاد نفسه في البحث عن حال الشهود أو الخصومة مع جهله لحكم الله سبحانه في تلك الحادثة ضائعًا لا يستحق المصيب فيها أجرين، ولا المخطئ أجرًا، بل هذا القاضي هو أحد قضاة النار كما ورد بذلك الدليل الصحيح (١)؛ لأنه لا يخلو عن أحد أمرين: إما الحكم بالحق وهو لا يعلم بأنه الحق، أو الحكم بالباطل وهو يعلم بخلافه، فكان من قضاء النار في كلا حالتيه.
فإن قلت: أريد إيضاح الكلام في المقام بما يحصل به الانفهام، قلت: افرض هذه الحادثة في رجل ادعى على آخر مالا، ثم جاء بشاهد، وأعوزه أن يأتي بشاهد آخر، وطلب من الحاكم أن يحلفه حتى يقوم يمينه مقام الشاهد الآخر، فهاهنا يجب على الحاكم أن يقدم البحث، ويجهد نفسه في الفحص عن حكم الله سبحانه في الحادثة، حتى يعلم قيام الحجة التي تصلح مستندا للحكم بالشاهد الواحد واليمين (٢)، وذلك هو يحق له البحث وإجهاد النفس بإمعان النظر فيه، وإشباع الفحص عنه والبحث عما عداه من عدالة الشاهد وحال الخصمين، فهو شيء تفرع عن كون ذلك المستند صالحًا للحكم به، فلو ذهب يجهد نفسه في البحث عن حال الشاهد، أو نحو ذلك قبل أن
стр. 1543
يعلم جواز الحكم بالشاهد الواحد واليمين أو عدم جوازه، لكان سعيه ضائعًا وبحثه ذاهبًا، واجتهاده في ذلك لا يعود عليه بفائدة؛ لأنه اشتغل بالنظر [٢ أ] في شيء تفرع عن أصل، وهو لا يدري بالأصل.
فانظر أصلحك الله ما هو الأمر الذي ينبغي أن يحمل عليه قوله ﵌: " إذا اجتهد الحاكم " (١)، وعلى كل حال فالمقام مقام البحث عن حكم الله سبحانه في الحادثة، والحاكم المذكور في الحديث هو الحاكم المأمور بأن يحكم بما شرعه الله لعباده فيها، فأي معنى لحمل اجتهاده على البحث عن أمور لا تعلق لها بالحكم إلا من جهة كونها راجعة إليه، ومتفرعة عنه.
ثم انظر ما وقع في حديث معاذ لما بعثه النبي ﵌ قاضيًا، فإنه ﵌ قال له: " بم تحكم؟ قال: بكتاب الله سبحانه، قال: فإن لم تجد؟ قال: فبسنة رسول الله ﵌، قال: فإن لم تجد؟ فقال: أجتهد رأيي " (٢).
стр. 1544
فانظر كيف كان الأمر المهم عند بعث هذا الصحابي للقضاء؟ هو السؤال له للإرشاد لا للاسترشاد عن مستند ما يحكم به لا عن غيره، وهكذا كان ﵌ يأمر من يبعثه من القضاة والولاة، وكذلك كان يرشد إلى ذلك معظم الخلفاء الراشدون (١) من يبعثونه، ثم انظر قول هذا الصحابي العظيم: أجتهد رأيي، فإن المراد بلا
стр. 1545
شك ولا شبهة أن يجتهد رأيه في مستند الحكم، فيستخرجه من قياس أو نحوه على ما في الكتاب والسنة، فهذا هو الاجتهاد الذي قال فيه ﵌: " إذا اجتهد الحاكم فأصاب " (١) إلى آخر الحديث.
فالحاصل أن هذا الحديث إن كان عاما كما ذكرناه سابقا، فالاجتهاد في مستند الحكم داخل فيه دخولا أوليا؛ لأنه الفرد الكامل الذي لا ينبغي أن يراد سواه إلا طريق التبع كالبحث عن حال الشهود والخصوم، مع أنه لا يبحث عن ذلك لذاته [٢ ب]، بل ليعلم الحاكم وجود المستند الذي ثبت عن الشارع، فإن النظر في الشهادة ليس إلا لمعرفة
стр. 1546
حصول الأهلية وقدر وجود المانع، فيثبت عند ذلك أن مستند الحكم هو الشهادة التي قد علم الحاكم باجتهاده أنها مستند للحكم تقوم بها الحجة الشرعية.
وإن كان الحديث غير عام بل يطلق فما شأن دلالة الأفعال؟ فالمقتضى حمله على الاجتهاد في مستند الحكم على حسب ما قررناه سابقا، والنظر في حال الشهود والخصوم ليس بمقصد مستقل، بل هو متفرع عن المستند ومكمل له، ولا يحمل الحديث على غير ذلك مما لا مدخل له في مستند الحكم، وما هو فرع عنه؛ لأنه على فرض أن له نفعًا في الجملة كالبحث مع المدعى عليه من الحاكم بما يتأثر عنه الإقرار هو سياسة عرفية لا شرعية؛ لأنه لا يتم ذلك إلا بنوع من المحادثة له، والفتل في الذروة والغارب منه (١)، والمداهاة له، ولم نتعبد بذلك، فكيف يحمل عليه قول الشارع!.
وفي هذا المقدار كفاية، والحمد لله أولا وآخرًا.
حرره محمد بن علي الشوكاني غفر الله لهما [٣ أ].
стр. 1547
(٥٠) ١٣/ ٥
جواب عن سؤال خاص بالحديث " لا عهد لظالم " وهل هو موجود فعلا من عدمه ؟
تأليف
محمد بن علي الشوكاني
حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه
محمد صبحي بن حسن حلاق
أبو مصعب
стр. 1548
وصف المخطوط:
١ - عنوان المخطوط: (جواب عن سؤال خاص بالحديث: " لا عهد لظالم "، وهل هو موجود فعلا من عدمه؟)
٢ - موضوع الرسالة: في " الحديث ".
٣ - أول الرسالة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وعلى آله الأكرمين وصحبه الأفضلين، وبعد: فإنه وصل من سيدي العلامة حسنة الآل. . .
٤ - آخر الرسالة:. . . قال الله : ﴿يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم﴾، وفي هذا كفاية. انتهى ما أفاده شيخنا القاضي العلامة البدر الشوكاني عافاه الله وكثر فوائده، آمين.
٥ - نوع الخط: خط نسخي معتاد.
٦ - عدد الصفحات: (٥) صفحات.
٧ - عدد الأسطر في الصفحة: (٢٣ - ٢٦) سطرًا
٨ - عدد الكلمات في السطر: (١٢ - ١٤) كلمة.
٩ - الرسالة من المجلد الخامس من (الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني).
стр. 1549
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وعلى آله الأكرمين، وصحبه الأفضلين.
وبعد:
فإنه وصل من سيدي العلامة، حسنة الآل وفرد الكمال يحيى بن مطهر (١) - كثر الله فوائده - سؤال، هو أنه بحث عن الذي يزعم كثير من الناس أنه حديث، وهو قولهم: " لا عهد لظالم (٢) " (٣) فلم يجده، ثم قال: فهل عندكم علم بوجوده ولو على ضعفٍ؟ وإلا أفدتم بما يستفيد به من يخشى اغتراره بذلك من أهل العلم أو غيرهم، فإن الأمر عظيمٌ، وقد كرر الله سبحانه الأمر بالوفاء في مواضع من كتابه العزيز، منها قوله عز من قائل: ﴿وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون﴾ (٤)، وقوله تعالى: ﴿وأوفوا بعهد الله إذا .....................
стр. 1550
عاهدتم﴾ (١)، وقوله: ﴿ولا تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا﴾ (٢)، وقوله: ﴿وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا﴾ (٣)، والأحاديث في ذلك لا تخفى.
وفي حديث أبي هريرة عند أبي داود (٤) والنسائي (٥): " ولا تحلفوا بالله إلا وأنتم صادقون "، قال بعض الشراح: قوله: وأنتم صادقون يدل على تحريم الحلف على الشيء وهو يعتقد كذبه، فإن هذه هي اليمين الغموس (٦) المحرمة، انتهى.
فإذا كان هذا فيما يعتقد كذبه فكيف ما يعتقد صدقه ويحلف عليه ثم ينكث؟ فأحسنوا بالإفادة - أحسن الله إليكم - وبينوا معنى " لا عهد " هل المراد نفي الذات؟ فقد وقع كما وقع الفخر في حديث " أنا سيد ولد آدم ولا فخر " (٧)، قيل: المعنى: ولا فخر أكمل ......................
стр. 1551
منه (١)، أو ما يلازمها نحو يجب الوفاء به، أو يوجب الحنث فما المخصص، فالأدلة الصحيحة على أن كل عهد يجب الوفاء به أو التكفير عنه، وذلك كما يكون إتيانه عملا (٢) من أعمال البر، وهو معنى: ﴿ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم﴾ (٣) في وجه، وعلى فرض صحة هذا الحديث فهو لا يقوى لمعارضة غيره، ثم هل المراد بالظالم الحالف بمعنى أن حلفه وفجوره من جملة الظلم أو المراد المحلوف له؟ قال الله سبحانه: ﴿ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار﴾ (٤) والركون الميل
стр. 1552
اليسير، وهو يشمل الأحوال حتى المجالسة والزيارة، فضلا عن المداهنة والرضى بالأعمال، فكيف يقبل عهده فضلا أن يتعهد له؟ وثلاث من كن فيه [١ أ] كن عليه: الثالثة: النكث، قال تعالى: ﴿فمن نكث فإنما ينكث على نفسه﴾ (١)، وقد ورد أن خلف الوعد ثالث النفاق إشارة إلى حديث: " آية المنافق (٢) ثلاث "، فكيف بنكث العهد؟ وفي الكشاف (٣) حديث رواه لا أدري صحته: " أسرع الخير ثوابًا صلة الرحم، وأعجل الشر عقابًا البغي واليمين الفاجرة " (٤) انتهى، فأحسنوا بالإفادة لا برحتم، انتهى السؤال.
وأقول - حامدًا لله، مصليًا مسلمًا على رسوله وآله -: إن الجواب عن هذا السؤال
стр. 1553
النفيس يتحصل في أبحاث:
البحث الأول: إن هذا اللفظ - أعني: " لا عهد لظالم " - لم يكن من كلام النبوة، ولا من كلام أحد من الصحابة، ولا من كلام أحد من أهل العلم الذين هم أهله، وإنما هو جرى في هذه الديار على ألسن كثير من العوام، فاستروح إليه من يريد الغدر في عهده، والنكث في عقده، والحنث في يمينه، وهو استرواح إلى الباطل البحت، وركون على السراب، وتشبث بالهباء، وكل من لديه أدنى علم وأحقر عرفان يعلم أن هذه العهود والعقود التي شدد الله سبحانه في كتابه العزيز في الوفاء بها، ويهدد ويوعد من نكث عهده وغدر في عقده في مواضع كثيرة، منها ما ذكره السائل - كثر الله فوائده - هي واردة في معاهدة المشركين ومعاقدة الكافرين، لا خلاف في ذلك، كما تدل عليه أسباب النزول، وأهل الشرك هم أهل الظلم الكامل البالغ إلى أعلى المبالغ، ولهذا يقول الله سبحانه: ﴿إن الشرك لظلم عظيم﴾ (١) ولا شك أن الاعتبار بعموم اللفظ (٢) لا بخصوص السبب، فتشمل الآيات والأحاديث المعاهدة للمسلمين، والمعاقدة لأهل الظلم منهم، بل تناولها للمعاهدة للمسلمين هو من باب فحوى الخطاب وقياس الأولى؛ لأن المسلم أولى أن يحفظ عهده والوفاء بعقده من المشرك، وإذا لم يسوغ شرك المشرك وظلمه النقض لعهده، والغدر بعقده وعدم الوفاء له، فكيف يجوز ذلك في عهد المسلم وعقده؟ وبالجملة فهذا معلوم بأدلة الكتاب (٣) والسنة وبإجماع المسلمين
стр. 1554
أجمعين، لا يعرف عن أحد منهم في ذلك خلاف، وكما اتفقوا على تحريم الغدر وترك الوفاء بالعهد فقد اتفقوا على أن الأحاديث الصحيحة الواردة [١ ب] في أن الغدر في العهد من خصال المنافقين، وأنه يدخل عهد المسلم للمسلم تحت ذلك دخولا أوليا، وكذلك اتفقوا على أن ما ورد في الأحاديث الصحيحة أنه ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة (١)، ويقال: هذه غدرة فلان، يتناول عهد المسلم للمسلم تناولا أوليا لا شك في هذا ولا ريب، والحاصل أن الوفاء بالعهود، وعدم جواز نكثها، والمخالفة لمضمونها، هو قطعي من قطعيات الشريعة.
ولو نتبع ما في الكتاب العزيز والسنة المطهرة من ذلك لجاء في مؤلف مستقل، يعلم ذلك كل من له علم بالكتاب والسنة، فكيف يتمسك من يؤمن بالله واليوم الآخر بهذه الفرية التي ليس فيها مرية، وتعارض بها قطعيات الشريعة التي هي فيها كالجبال الرواسي؟ فلو قدرنا أن لهذا اللفظ المكذوب والكلام الموضوع وجهًا يعرف به لم يحل لمؤمن أن يتمسك به، أو يعارض به ما هو قطعي من قطعيات الشريعة، بل لو قدرنا أنه قد خرج من مخرج صحيح أو حسن لم يحل نصبه في مقابلة آيات القرآن الكثيرة العدد، الوافرة المدد، والأحاديث المتواترة تواترًا، لا يخفى هذا إلا على من لا يدري بما في الكتاب والسنة، فكيف وهذا اللفظ باطل باطل قد تبرمت عنه المؤلفات في الأحاديث الموضوعة المكذوبة، فضلا عن مجاميع السنة ومسانيدها؟ وفي هذا المقدار من هذا البحث كفاية، فإن
стр. 1555
الكلام إنما نحتاج إليه على شيء له وجود ونسبة إلى الصحة أو الحسن أو الضعف، فكيف نحتاج إليه على شيء لا وجود له إلا على ألسن العوام الذين يجري على ألسنهم كل زور وفحشٍ وخطلٍ من القول وباطل من الكلام!.
البحث الثاني: اعلم أن العهد قد يظن كثير من الناس أن المراد به اليمين لا غير، وهو ظن فاسد وتخيل مختل، فالعهد يطلق في الغالب على الأمان، وأكثر الآيات والأحاديث واردة في العهد بهذا المعنى، وورد بمعنى [٢ أ] الوصية، ومنه حديث علي بن أبي طالب ﵁: " إنه لعهد النبي الأمي أن لا يجني إلا مؤمن " (١) الحديث.
وحديث عبد بن زمعة حيث قال: " في ابن وليدة زمعة، وهو ابن أخي عهد إلي فيه " (٢)، ومن ذلك حديث: " تمسكوا بعهد ابن أم عبد " (٣)، أي: ما يوصيكم به، ويطلق أيضًا على الذمة.
стр. 1556
ومنه حديث: " لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده (١) بكافر " (٢)، وكذلك حديث: " من قتل معاهدًا " (٣)، وورد بمعنى اليمين، ومنه حديث: " وأنا على عهدك ووعدك " (٤)، أي: على ما عاهدتك عليه من الإيمان بك، وفي كونه معنى اليمين وردت آيات وأحاديث.
قال في الصحاح (٥): العهد: الأمان واليمين والموثق والذمة والحفاظ والوصية، وقد عهدت إليه: أي: أوصيته، ومنه اشتق العهد الذي يكتب للولاة، ويقول: علي عهد الله لأفعلن كذا، ثم قال: وعهدته مكان كذا: أي: لقيته، وعهدي به قريب، وقول الشاعر (٦):
стр. 1557
وليس كعهد الدار يا أم مالك ... ولكن أحاطت بالرقاب السلاسل
أي: ليس الأمر كما عهدت، ولكن جاء الإسلام فهدم ذلك، وفي الحديث: " إن كرم العهد من الإيمان " (١)، أي: رعاية المودة، انتهى.
قال في النهاية (٢): ويكون بمعنى اليمين والأمان والذمة والحفاظ والرعاية والحرمة والوصية، ولا تخرج الأحاديث الواردة فيه عن أبي أحد هذه المعاني، انتهى.
وذكر في القاموس (٣) هذه المعاني، وزاد منها التقدم إلى المرء في الشيء والتوحيد، قال: ومنه: ﴿إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا﴾ (٤).
والحاصل أنه ورد استعمال العهد في جميع هذه المعاني، في بعضها بكثرة، وفي بعضها بقلة، والسياقات والأسباب ترشد إلى ما هو المراد، وما ورد في الكتاب والسنة من الأمر بالوفاء بالعقود فالمراد بها العهود، قال في الصحاح (٥): والمعاقدة المعاهدة، وكذا سائر كتب (٦) اللغة.
البحث الثالث: الجواب عن قوله - عافاه الله -: وبينوا معنى لا عهد، فيقال: قد قدمنا أن هذا الكلام لم يصح بوجه من الوجوه، بل هو باطل مكذوب موضوع، فالتعرض لبيان معناه شغلة بلا فائدة، وإن كان ولا بد من بيان ما يريد به من يتكلم به من العوام [٢ ب] فهم يريدون (٧) أنه إذا وقع من الحلف لمن يزعم أنه ظالم فإن هذا العهد كلا عهد، ووقوعه في الخارج لا حكم له، بل كأن لم يكن.
стр. 1558
البحث الرابع: الجواب عن قوله - كثر الله فوائده - حاكيًا عن غيره أن معنى: " أنا سيد ولد آدم ولا فخر " أن المعنى لا فخر أكمل منه، فيقال: هذا المعنى لم يكن المقصود من هذا الحديث الصحيح، بل المقصود منه أنه ﵌ أخبر الناس عن هذه المزية التي جعلها الله له، وهي السيادة العامة (١) الثابتة على جميع ولد آدم، وإنه لم يقصد بذلك إلا إخبارهم بما من الله به عليه وشرفه به، لا أنه مقدر بذلك الفخر، فإنه منهي عنه بالكتاب والسنة، فكيف يصدر عنه؟ (٢)
البحث الخامس: الجواب عن قوله - كثر الله فوائده -: هل المراد بالظالم الحالف، بمعنى أن حلفه وفجوره من جملة الظلم، أو المراد المحلوف له إلخ؟ فيقال: مرادهم بهذا الكلام المكذوب الباطل أنهم إذا حلفوا لمن يعتقدون أنه ظالم فإن هذه اليمين لا تلزمهم، ولا تثبت عليهم حكمًا، ولا يتعلق لهم إرادة للمعنى الأول؛ لأنهم إنما يريدون تخليص أنفسهم عما أخذ عليهم من اليمين أو الأمان أو البيعة أو نحو ذلك.
البحث السادس: الجواب عن قوله: " ثلاث من كن فيه كن عليه " إلخ، فيقال: لم يكن هذا اللفظ حديثًا ولا مرويًا عن صحابي، ولكن قال بعض العلماء: ثلاث يعود
стр. 1559
وبالها على فاعلها: النكث فإن الله تعالى يقول: ﴿فمن نكث فإنما ينكث على نفسه﴾ (١)، والمكر فإن الله تعالى يقول: ﴿ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله﴾ (٢)، والخدع فإن الله تعالى يقول: ﴿يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم﴾ (٣)، وها هنا رابعة وهي البغي، قال الله : ﴿يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم﴾ (٤)، وفي هذا كفاية.
انتهى ما أفاده شيخنا القاضي العلامة البدر الشوكاني عافاه الله، وكثر فوائده، آمين [٣ أ].
стр. 1560
فوائد في أحاديث فضائل القرآن
تأليف
محمد بن علي الشوكاني
حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه
محمد صبحي بن حسن حلاق
أبو مصعب
стр. 1561
وصف المخطوط:
١ - عنوان الرسالة: (فوائد في أحاديث فضائل القرآن).
٢ - موضوع الرسالة: في "الحديث".
٣ - أول الرسالة: بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. وصل من الصنو العلامة عماد الإسلام محمد بن إسماعيل بن عبد الكريم بن علي من ذرية الإمام شرف الدين الساكنين في حصن كوكبان.
٤ - آخر الرسالة: غفر الله له ولآبائه ولمشايخه في الدين ولجميع إخوانه المؤمنين وصلى الله وسلم على سيد البشر، وآله الغرر وصحبه الدرر آمين.
٥ - نوع الخط: خط نسخي معتاد.
٦ - الناسخ: محمد بن محمد بن أحسن الأخفش.
٧ - عدد الصفحات: (٨) صفحات.
٨ - عدد الأسطر في الصفحة: (٢٣) سطرًا.
٩ - عدد الكلمات في السطر: (١٢) كلمة.
١٠ - الرسالة من المجلد الخامس من "الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني".
стр. 1562
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. وصل من الصنو العلامة عماد الإسلام محمد بن إسماعيل بن عبد الكريم بن علي من ذرية الإمام شرف الدين الساكنين في حصن كوكبان، المحروس إلى المولى العلامة الشهير المحقق الخطير الحافظ الكبير، شيخ الإسلام وبدره المشرق التام المستمد من بحر علومه القاصي والداني شمس الدين محمد بن علي الشوكاني، لا زالت بحار علومه زاخرة ولا برحت سماء تحقيقه ماطرة ولفظ السؤال:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي جعل العلماء ورثة الأنبياء، وزين بهم الأرض كما زين بالنجوم السماء، وجعلهم قدوة يقتدى بهم ويعمل بقولهم وأمر تعالى في محكم التنزيل بسؤالهم فقال وقوله الحق المبين: ﴿فسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾ (١).
نعم. أتم الله عليكم النعم. المرفوع إلى جناب سيدي عز الإسلام والقدوة لمن اقتدى من الخاص والعام، العالم العلامة، والحجة الفهامة، محمد بن علي الشوكاني نوره الله بنور المعاني وجزاه عن المسلمين خيرًا والسلام عليه ورحمة الله وبركاته وصلى الله وسلم على محمد وآله.
والمسؤول عنه حكم الأحاديث الواردة في فضائل القرآن العظيم وسوره وآيات منه، هل أحاديث ما ورد صحيحة واردة عن رسول الله ﵌ لأن السيد العلامة محمد بن إبراهيم الوزير رحمه الله تعالى ذكر في كتاب التنقيح (٢) في باب الموضوع من الأحاديث عن زين الدين العراقي (٣) تعداد الكذابين حسبة وتقربًا إلى الله تعالى فمن
стр. 1563
أولئك أبو عصمة نوح بن مريم المروزي (١) قيل لأبي عصمة [١ أ]: من أين لك عن عكرمة عن ابن عباس ﵁ في فضائل القرآن سورة سورة وليس عن أصحاب عكرمة هذا؟ فقال رأيت الناس قد أعرضوا عن القرآن واشتغلوا بفقه أبي حنيفة ومحمد بن إسحاق فوضعت هذا الحديث حسبة، وكان يقال لأبي عصمة هذا نوح الجامع (٢).
قال أبو حاتم ابن حبان "جمع كل شيء إلا الصدق" (٣). قال الحاكم (٤) وضع حديث فضائل القرآن. وروى ابن حبان في مقدمة تاريخ الضعفاء عن ابن مهدي (٥) قال: قلت لميسرة بن عبد ربه: من أين جئت بهذه الأحاديث: من قرأ كذا فله كذا قال وضعتها أرغب الناس فيها، وهكذا حديث أبي (٦) الطويل في فضائل سور القرآن سورة
стр. 1564
سورة فروينا عن المؤمل بن إسماعيل: حدثني به شيخ بكذا، فسرت إليه فقلت من حدثك قال حدثني شيخ بالبصرة وهو حي فسرت إليه فقال حدثني شيخ ببغداد فسرت إليه فأخذ بيدي وأدخلني بيتًا فإذا فيه قوم من المتصوفة فيهم شيخ فقال هذا حدثني. فقلت يا شيخ من حدثك؟ قال لم يحدثني به أحد ولكنا رأينا الناس قد رغبوا عن القرآن فوضعنا لهم هذا الحديث فيصرفون قلوبهم إلى القرآن.
قال زين الدين (١): وكل من أودع حديث أبي المذكور تفسيره كالثعلبي والواحدي والزمخشري مخطٍ انتهى.
قال وذكر عن بعض الثقات أنه قال: لم أعجب من فلان وفلان - يعدد المفسرين - ولا الزمخشري إذ لم يكونوا من أهل الحديث، إنما عجبت من أبي بكر بن داود (٢) حيث أودع كتابه حديث فضائل القرآن وهو يعلم أنه حديث محال لكن شره المحدثين حملهم على تنفيق أحاديثهم ولو بالأباطيل انتهى.
فتحققوا نوركم الله هل هذا يقدر مع ما هم عليه من المعرفة لما جاء عن رسول الله ﷺ ولما جاء في الكذب وسيما للزمخشري فهل يقدر هذا مع أن ابن خلكان قد ذكر من مصنفاته ما عدده ومن جملتهن كتاب الغريب في الحديث (٣) فهل يقدر كذبهم في هذه المواضع [١ ب] فهذا مشكل وبتنويركم إن شاء الله تعالى ينجلي وهل يلتفت إلى هذا مع نسبة زين الدين لأن ذلك يقتضي القدح في جناب بعضهم البعض من جهة أن الآخر لم يصح عنده ما قال الآخر، لا من جهة كونه كذب على النبي ﷺ . نعم نوركم الله وكيف يكون حكم الحديث المورد في كتاب إرشاد الغبي الذي لفظه وسمعت عن النبي ﷺ
стр. 1565
أنه قال من بلغه عن الله ﵎ ما فيه ثواب فعمل به أعطاه الله تعالى. ولكن هذا الحديث لم يسند إلى أحد الرجال الثقات، ولا إلى أحد الكتب المصححة فهل هذا من الأحاديث الصحاح أو يكون من جملة المكذوب فيهن؟ نعم.
وإذا كان صحيحًا فهل يقدر ما أورد محمولا عليه؟ وإذا قد صح فما يكون حكم الراوي هل يروي ما كان محمولا على هذا الحديث إذا قد صح وجائز له أن يسنده إلى النبي ﵌ أم لا يسنده بل يطلق. ومما يلحق بهذا سؤال عن الأحاديث الواردة في طلب العلم الشريف، وفي العلم هل هي صحيحة لا ريب في صحتها أم هي من جملة المكذوب فيهن، وعن الأحاديث الواردة فيمن قرأ سورة البقرة أو آية الكرسي (١) في بيت لا يدخله شيطان ثلاثة أيام إذا صحت على ما صحت على ما يحمل الشيطان يراد به كل شيطان أو مخصوصين لأن الأحاديث التي وردت أنه حال قيام العبد إلى الوضوء يقوم ملك وشيطان وكذا حال الصلاة لأنه إذا الوضوء في البيت أو الصلاة يقدر امتناعهم، وكذا الأحاديث الواردة في التفكر هل هي صحيحة؟ وأن تفكر ساعة خير من عبادة ألف سنة، وإذا هي صحيحة فعلام تحمل هل يراد بها الساعة الفلكية أم ساعة عرفية التي تطلق على اللحظة نعم حماكم الله تعالى كيف يكون تقدير الحديث الذي ذكر في عدة الحصن الحصين الذي هو: "لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون ويستغفرون فيغفر الله لهم" (٢) على ما [٢ أ] يحمل لأن ظاهره الإغراء من الله تعالى بالذنوب أو كيف يحمل حماكم الله تعالى وكيف يكون حكم العوام والنساء الذين يقرؤن القرآن من غير معرفة حله وحرامه ولا معانيه ولا تأمل، بل قد لا تحصل معهم لذة لتلاوته، فهل لهم الأجر الوارد في جميعه من غير نقص شيء مما قد صح عن رسول الله ﵌ أم لا يكون لهم شيء فهل يكون لهم أجر على مجرد درسه أم لا، وهل يأثم من كان هكذا
стр. 1566
وهجره عن الدرس من غير أنه ينساه بل يقلل في درسه أم لا لأنه لا يخفاكم ما قاله في النهاية لفظه وفي الحديث: "لا يعذب الله سبحانه قلبًا وعى القرآن" إيمانًا به وعملاً، وأما من حفظ ألفاظه وضيع حدوده فهو غير واع له.
وعن الحسن قال قد قرأ هذا القرآن عبيد وصبيان لا علم لهم بتأويله، وإنما حفظوا حروفه وضيعوا حدوده حتى إن أحدهم ليقول: والله لقد قرأت القرآن فما أسقطت منه حرفًا، وقد والله أسقطه كله ما يرى للقرآن عليه أثر في خلق ولا عمل، والله ما هو إلا يحفظ حروفه وأضاع حدوده لا كثر الله تعالى في الناس من هؤلاء هذا لفظه فأحسنوا بجواب حاوٍ لكل مسألة إلى رأسها لتكمل الفائدة، وحاو لجميع المسئولين عنه جزاكم الله تعالى خير الدارين ويكون من غير عجل ليحصل جواب شافٍ يعمل به ويعتمد عليه، ويكون حجة على من أراد فعل ما جزمتم بعدم صحته من غير عجل، ومن غير إهمال ولا أن يحتاج السائل إلى معاودتكم للجواب بل ميعاد لا اختلاف فيه فالمؤمن إذا قال صدق، وليكمل لكم الأجر إن شاء الله تعالى وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، والله الهادي إلى الصواب ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم انتهى السؤال بلفظه وحروفه [٢ ب].
ويتلوه الجواب النافع الحاسم القاطع مع المولى البدر الطالع المشرق الصادع الجدل البارع الموجز الجامع كثر الله علومه ووسع منطوقه ومفهومه، وأعاد على العالمين من بركات أياديه ما ينتفع به الأولون، ويكشف به أعاديه، ولفظ الجواب منقول بحروفه من خط يده الكريمة:
стр. 1567
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى آله الطاهرين وصحبه المكرمين.
وبعد:
فإنها وصلت هذه الأسئلة من السائل - كثر الله فوائده -، فأقول: أما أحاديث فضائل القرآن سورة سورة فلا خلاف بين من يعرف الحديث أنها موضوعة مكذوبة وقد أقر واضعها أخزاه الله بأنه الواضع لها، وليس بعد الإقرار شيء. ولا اغترار لمثل ذكر الزمخشري (١) ﵀ لها في آخر كل سورة فإنه - وإن كان إمام اللغة والآلات على اختلاف أنواعها - فلا يفرق في الحديث بين أصح الصحيح، وأكذب الكذب، ولا يقدح ذلك في علمه الذي بلغ فيه غاية التحقيق، ولكل علم رجال وقد وزع الله سبحانه الفضائل بين عباده، والزمخشري (٢) نقل هذه الأحاديث من تفسير الثعلبي (٣) وهو مثله في عدم المعرفة بعلم السنة وقد أوضحت الكلام على هذا في مؤلفي الذي سميته الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة (٤)، وما ذكره السائل من أن للزمخشري مؤلفًا في غريب (٥) الحديث فليس ذلك بمناف لما ذكرناه من عدم علمه بفن الحديث لأن المعرفة بفن الحديث هي تمييز الحديث الصحيح من الحسن من الضعيف من الموضوع، وقد صنف في علم غريب الحديث جماعة من أهل العلم [٣ أ] من أولهم الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام وهو إمام كبير في علم السنة من أقران ابن معين وابن مهدي وعلي بن المديني، وهكذا صنف جماعة ممن بعده في ذلك، والزمخشري ﵀ هو إمام اللغة الذي لا
стр. 1568
يجارى ولا يبارى، فتصنيفه في غريب الحديث (١) واقع من الخبير به فقد يشتمل تصنيفه في هذا على ما لا يشتمل عليه تصانيف من تقدمه ولا سيما وهو ممن تكلم في تمييز حقائق اللغة من مجازاتها، وجعل في ذلك مصنفًا (٢) لا يقدر عليه غيره، والحديث الذي ذكره العنسي في إرشاده بلفظ من بلغه عن الله سبحانه ما فيه ثواب إلخ. في إسناده متروك وقد رواه ابن عبد البر وصرح بضعفه، وكذلك رواه البغوي، وأقول ليس هذا الحديث ضعيفًا فقط بل موضوع مكذوب لا يحل لمسلم أن يرويه عن النبي ﵌ إلا لبيان أنه موضوع فقد أخطأ من قال إنه يجوز التساهل في الأحاديث الواردة في فضائل الأعمال، وذلك لأن الأحكام الشرعية متساوية الأقدام لا فرق بين واجبها ومحرمها ومسنونها ومكروهها ومندوبها فلا يحل إثبات شيء منها إلا بما تقوم به الحجة وإلا فهو من التقول على الله بما لم يقل، ومن التجري على الشريعة المطهرة بإدخال ما لم يكن فيها، وقد صح تواترًا أن النبي ﵌ قال: "من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار" (٣).
فهذا الكذاب الذي كذب على رسول الله ﵌ محتسبًا للناس بحصول الثواب لم يربح إلا كونه من أهل النار، فإن أبا معمر عباد .......................
стр. 1569
ابن عبد الله (١) المذكور في إسناد هذا الحديث متروك لا تحل الرواية عنه بحال.
وأما سؤال السائل عافاه الله تعالى عن الأحاديث الواردة في طلب العلم فمنها الصحيح (٢) ومنها الحسن (٣) ومنها الضعيف (٤) مرة، وأشمل كتاب في ذلك كتاب العلم لابن عبد البر، وقد ذكرت في كتابي (٥) المشار إليه جميع ما فيه ضعف منها، وما ليس
стр. 1570
بصحيح فمن [٣ ب] أراد استيفاء ذلك نظر فيه.
وأما سؤال السائل عافاه الله عن الأحاديث الواردة فيمن قرأ سورة البقرة إلخ. فأقول قد ورد في بعض السور وبعض الآيات ما هو صحيح (١) وما هو حسن (٢) وما هو ضعيف (٣) واستوفيت ذلك في ..............................................
стр. 1571
تفسيري (١) في أوائل السور التي ورد فيها ذلك.
وأما التي لم يرد فيها شيء فلم أذكر في أوائلها شيئًا، فمن أحب معرفة ذلك راجعه فإن استيفاءه يحتاج إلى مؤلف.
وكذلك استيفاء ما ورد في طلب العلم وما ذكره السائل عافاه الله من السؤال الوارد في آية الكرسي (٢) وأنه لا يدخل البيت الذي تقرأ فيه شيطان فهو حديث صحيح من دون تقييد بقوله ثلاثًا، وهو من أحاديث عدة الحصن (٣) وقد تكلمت عليه في شرحها وظاهره العموم فلا يدخل البيت شيطان لا من الموسوسين في صدور الناس ولا من الموسوسين في الطهارات ولا من غيرهم.
وأما سؤال السائل عافاه الله عن أحاديث التفكر فحديث: "فكر ساعة خير من
стр. 1572
عبادة ستين سنة". رواه أبو الشيخ (١) عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا وفي إسناده عثمان بن عبد الله (٢) القرشي وإسحاق بن نجيح (٣) الملطي وهما كذابان والمتهم به أحدهما وقد رواه الديلمي (٤) من حديث أنس من وجه آخر ولا يصح ويغني عن هذا الكذب ما في الكتاب العزيز (٥) من الإرشاد إلى التفكر.
وما سأل عنه السائل عافاه الله عن المراد بالساعة في الحديث فالمراد بها في اللغة (٦) والشرع اللحظة لا الساعات التي اصطلح غير أهل الشرع المقدرة لليوم والليلة بأربع
стр. 1573
وعشرين ساعة.
وأما سؤال السائل عافاه الله عن حديث لو لم تذنبوا إلخ. فهو حديث صحيح (١) ووجه تفسيره صبيح فإن المراد [٤ أ] أن هذا النوع الإنساني ليس بمعصوم عن (٢) مقارفة الذنوب ولهذا جعل الله سبحانه في الآخرة دار نعيم وهي الجنة ودار عذاب وهي النار، فلو فرضنا أن هذا النوع لا يذنب منهم أحد لكانوا غير بني آدم، ولجاء الله سبحانه بقوم يطيعون ويعصون كما سبق به قدر الله ، وخلق لهم الجنة والنار لكن هؤلاء بنو آدم هم الذين يطيعون ويعصون فلم يخلق الله سبحانه خلقًا يكونون في الدنيا غيرهم وفاءً بما جرى به قلم القضاء الرباني.
وأما سؤاله عافاه الله عن الذي يقرأ القرآن ولا يعرف معناه كالعوام فنقول: الأجر على تلاوة القرآن ثابت، لكنه إذا كان يتدبر معانيه ويمكنه فهمه فأجر مضاعف، وأما أصل الثواب لمجرد التلاوة (٣) فلا شك فيه والله سبحانه لا يضيع عمل عامل (٤) وتلاوة كتابه سبحانه من أشرف الأعمال لفاهمٍ وغير فاهمٍ، وإذا أضاع أحدٌ ما اشتمل عليه القرآن من الأحكام أثم من جهة الإضاعة لا من جهة التلاوة.
стр. 1574
حرره المجيب محمد بن علي الشوكاني غفر الله له صبح يوم الثلاثاء خاتمة شهر جمادى الآخرة من شهور سنة ١٢٤٤ انتهى لفظ الجواب بحروفه المنقولة من خط اليد الطولى التي لم تشب بقصر، ولكنها صاغت الدرر ونظمتها في سلك من الذهب الأحمر، وقلدها سوالف الجيد الأنور، والعنق الأزهر، فتزينت بهذه الحلية فرائد المعاني وتساجلن الثناء شكرًا للحافظ الشوكاني برغم أنف كل حاسد وشاني، بقلم الناقل الحقير أخي القصور والتقصير محمد بن محمد بن أحسن الأخفش غفر الله له ولآبائه ولمشائخه في الدين، ولجميع إخوانه المؤمنين وصلى الله وسلم على سيد البشر وآله الغرر وصحبه الدرر آمين.
стр. 1575
بحث في حديث "لعن الله اليهود لاتخاذهم قبور أنبيائهم مساجد " (١)
تأليف
محمد بن علي الشوكاني
حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه
محمد صبحي بن حسن حلاق
أبو مصعب
стр. 1576
وصف المخطوط (أ):
١ - عنوان الرسالة: (بحث في الصلاة في مكان أو مسجد فيه قبر).
٢ - موضوع الرسالة: في "الحديث".
٣ - أول الرسالة: (بسم الله الرحمن الرحيم، وبه نستعين، أحمدك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك، وأصلي وأسلم على رسولك وحبيبك وعلى آله الأطهار الأخيار وبعد: فإنه: ... ).
٤ - آخر الرسالة: ... إلى هنا انتهى المراد، وفيه كفاية لمن له هداية. حرره الحقير محمد بن علي الشوكاني غفر الله لهما في نهار يوم السبت لعله سادس شهر جمادى الأولى سنة ١٢٠٩.
٥ - نوع الخط: خط نسخي جيد.
٦ - الناسخ: المؤلف: محمد بن علي الشوكاني.
٧ - عدد الصفحات: ٧ صفحات.
٨ - عدد الأسطر في الصفحة: (٢٢ - ٣٠) سطرًا
٩ - عدد الكلمات في السطر: (١١ - ١٣) كلمة.
١٠ - الرسالة من المجلد الثالث من "الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني".
стр. 1577
وصف المخطوط (ب):
١ - عنوان الرسالة: (بحث في حديث لعن الله اليهود لاتخاذ قبور أنبيائهم مساجد). وهو العنوان الذي اعتمدته.
٢ - موضوع الرسالة: في "الحديث".
٣ - أول الرسالة: بسم الله الرحمن الرحيم، وبه نستعين، أحمدك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك، وأصلي وأسلم على رسولك وحبيبك، وعلى آله الأطهار الأخيار، وبعد: فإنه وصل من سيدي العلامة
٤ - آخر الرسالة: في تحويل الأحكام الشرعية بإجماع المسلمين، إلى هنا انتهى المراد، وفيه كفاية لمن له هداية، انتهى من تحريره القاضي النحرير عمدة الإسلام، وعمادهم محمد بن علي الشوكاني حفظه الله، وحفظه الله في نهار السبت لعله ٤\ شهر جمادى أولى سنة ١٢٠٩.
٥ - نوع الخط: خط نسخي جيد.
٦ - عدد الصفحات: ٧ صفحات.
٧ - عدد الأسطر في الصفحة: (١٤ - ٢٦) سطرًا.
٨ - عدد الكلمات في السطر: (١٤) كلمة.
٩ - الرسالة من المجلد الثالث من "الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني".
стр. 1578
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وبه نستعين، أحمدك لا أحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك، وأصلي وأسلم على رسولك وحبيبك، وعلى آله الأطهار الأخيار، وبعد:
فإنه وصل من سيدي العلامة جمال الكمال، كمال الجمال علي بن محمد بن (١) شمس الدين - لا برح على بقاء تردي الليالي في نعم تفوت عد العادين - سؤال عن حديث: لعن اليهود لاتخاذ قبور أنبيائهم مساجد، ولفظه: والمطلوب منكم والمعول عليكم أولا النظر في صحة الحديث، ثم بعد الصحة النظر في الهيئة التي لعنوا على فعلها، هل كانت السجود إلى القبر، أو كانوا يعتقدون الصلاة عند قبورهم قربة إلى الله - عز جل -، أو كان الواقع كالموجود في قبور الأئمة أن يكون القبر في مؤخر القبة أو في جانب منها، ويستدبره المصلي، أو يجعله في جانب منه. ثم بعد ذلك هل يقتضي الحديث الحظرية أو التنزيه فقط؟ فالباعث على ذلك أنها وقعت مذاكرة عن الصلاة في قبة سيدي محمد بن الحسن في الروضة، وقبره في مؤخر القبة في الجانب الأيمن. انتهى المقصود من السؤال.
стр. 1579
وأقول: الجواب بعون الله الملك الوهاب ينحصر في أبحاث أربعة:
الأول: في الكلام على طرق الحديث المسئول عنه.
الثاني: في الكلام على متنه.
الثالث: في العلة التي لأجلها ورد ذلك الحديث.
الرابع: في حكم الصلاة في المكان الذي فيه قبر.
أما الكلام عن الأول فاعلم أن هذا الحديث مما وقع الاتفاق بين جميع علماء الحديث على صحته، ولم يتكلم أحد منهم عليه بما يقتضي تضعيفه، ويغلب في ظني أنه متواتر (١) المعنى، وذلك لأنه رواه عن النبي ﵌ جماعة من الصحابة، منهم: أبو هريرة، أخرج حديثه الشيخان (٢)، وأبو داود (٣)، والنسائي (٤)، وعائشة
стр. 1580
أخرج حديثها أيضًا الشيخان (١)، والنسائي (٢)، وابن عباس أخرجه أيضًا الشيخان (٣)، والنسائي (٤).
وله حديث آخر من طريق أخرى عند أبي داود (٥) والترمذي (٦)، وحسنه، وجندب بن عبد الله البجلي عند مسلم (٧) والنسائي (٨)، وأسامة بن زيد عند أحمد (٩)