← Джавами‘

Джавами‘ · id 36543

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

الشوكاني

Полный текст (5 091 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

وصف المخطوط (أ): ١ - عنوان الرسالة: (بحث في الصلاة في مكان أو مسجد فيه قبر). ٢ - موضوع الرسالة: في "الحديث". ٣ - أول الرسالة: (بسم الله الرحمن الرحيم، وبه نستعين، أحمدك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك، وأصلي وأسلم على رسولك وحبيبك وعلى آله الأطهار الأخيار وبعد: فإنه: ... ). ٤ - آخر الرسالة: ... إلى هنا انتهى المراد، وفيه كفاية لمن له هداية. حرره الحقير محمد بن علي الشوكاني غفر الله لهما في نهار يوم السبت لعله سادس شهر جمادى الأولى سنة ١٢٠٩. ٥ - نوع الخط: خط نسخي جيد. ٦ - الناسخ: المؤلف: محمد بن علي الشوكاني. ٧ - عدد الصفحات: ٧ صفحات. ٨ - عدد الأسطر في الصفحة: (٢٢ - ٣٠) سطرًا ٩ - عدد الكلمات في السطر: (١١ - ١٣) كلمة. ١٠ - الرسالة من المجلد الثالث من "الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني".

стр. 1577

وصف المخطوط (ب): ١ - عنوان الرسالة: (بحث في حديث لعن الله اليهود لاتخاذ قبور أنبيائهم مساجد). وهو العنوان الذي اعتمدته. ٢ - موضوع الرسالة: في "الحديث". ٣ - أول الرسالة: بسم الله الرحمن الرحيم، وبه نستعين، أحمدك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك، وأصلي وأسلم على رسولك وحبيبك، وعلى آله الأطهار الأخيار، وبعد: فإنه وصل من سيدي العلامة ٤ - آخر الرسالة: في تحويل الأحكام الشرعية بإجماع المسلمين، إلى هنا انتهى المراد، وفيه كفاية لمن له هداية، انتهى من تحريره القاضي النحرير عمدة الإسلام، وعمادهم محمد بن علي الشوكاني حفظه الله، وحفظه الله في نهار السبت لعله ٤\ شهر جمادى أولى سنة ١٢٠٩. ٥ - نوع الخط: خط نسخي جيد. ٦ - عدد الصفحات: ٧ صفحات. ٧ - عدد الأسطر في الصفحة: (١٤ - ٢٦) سطرًا. ٨ - عدد الكلمات في السطر: (١٤) كلمة. ٩ - الرسالة من المجلد الثالث من "الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني".

стр. 1578

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وبه نستعين، أحمدك لا أحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك، وأصلي وأسلم على رسولك وحبيبك، وعلى آله الأطهار الأخيار، وبعد: فإنه وصل من سيدي العلامة جمال الكمال، كمال الجمال علي بن محمد بن (١) شمس الدين - لا برح على بقاء تردي الليالي في نعم تفوت عد العادين - سؤال عن حديث: لعن اليهود لاتخاذ قبور أنبيائهم مساجد، ولفظه: والمطلوب منكم والمعول عليكم أولا النظر في صحة الحديث، ثم بعد الصحة النظر في الهيئة التي لعنوا على فعلها، هل كانت السجود إلى القبر، أو كانوا يعتقدون الصلاة عند قبورهم قربة إلى الله - عز جل -، أو كان الواقع كالموجود في قبور الأئمة أن يكون القبر في مؤخر القبة أو في جانب منها، ويستدبره المصلي، أو يجعله في جانب منه. ثم بعد ذلك هل يقتضي الحديث الحظرية أو التنزيه فقط؟ فالباعث على ذلك أنها وقعت مذاكرة عن الصلاة في قبة سيدي محمد بن الحسن في الروضة، وقبره في مؤخر القبة في الجانب الأيمن. انتهى المقصود من السؤال.

стр. 1579

وأقول: الجواب بعون الله الملك الوهاب ينحصر في أبحاث أربعة: الأول: في الكلام على طرق الحديث المسئول عنه. الثاني: في الكلام على متنه. الثالث: في العلة التي لأجلها ورد ذلك الحديث. الرابع: في حكم الصلاة في المكان الذي فيه قبر. أما الكلام عن الأول فاعلم أن هذا الحديث مما وقع الاتفاق بين جميع علماء الحديث على صحته، ولم يتكلم أحد منهم عليه بما يقتضي تضعيفه، ويغلب في ظني أنه متواتر (١) المعنى، وذلك لأنه رواه عن النبي ﵌ جماعة من الصحابة، منهم: أبو هريرة، أخرج حديثه الشيخان (٢)، وأبو داود (٣)، والنسائي (٤)، وعائشة

стр. 1580

أخرج حديثها أيضًا الشيخان (١)، والنسائي (٢)، وابن عباس أخرجه أيضًا الشيخان (٣)، والنسائي (٤). وله حديث آخر من طريق أخرى عند أبي داود (٥) والترمذي (٦)، وحسنه، وجندب بن عبد الله البجلي عند مسلم (٧) والنسائي (٨)، وأسامة بن زيد عند أحمد (٩)

стр. 1581

والطبراني (١) بإسناد جيد. وعن أمير المؤمنين عند البزار (٢)، وعن زيد بن ثابت عن الطبراني (٣) بإسناد جيد، وعن ابن مسعود عند الطبراني (٤) أيضًا بإسناد جيد، وعن أبي عبيدة بن الجراح عند البزار (٥)، وعن أبي سعيد عند البزار (٦) أيضًا، وفي إسناده عمر بن صهباء، وهو ضعيف.

стр. 1582

وعن جابر (١) عن ابن عدي؛ فهؤلاء أحد عشر صحابيًا. وقد رواه جماعة كثيرون من التابعين يزيدون على عدد الصحابة بأضعاف مضاعفة، ثم رواه من التابعين [١] عالم، ورواه بعد ذلك من لا يمكن حصره، إذا انفرد هذا فقد رواه من أهل كل عصر من لا سبيل إلى تجويز تواطئهم على الكذب، وما كان كذلك فهو المتواتر (٢) على ما هو المذهب المختار في الأصول. وأما الكلام الثاني، وهو ما يتعلق بمتن الحديث فاعلم أن له ألفاظًا منها: "لعن الله اليهود والنصارى؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد". ومنها: "قاتل الله اليهود؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد". ومنها: "اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد". ومنها: "أن من كان قبلكم يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، فلا تتخذوا القبور مساجد، إني أنهاكم عن ذلك". واللفظ الأول أخرجه الشيخان (٣)، وأهل السنن (٤) من حديث أبي هريرة، واللفظ الثاني أخرجه أيضًا أبو داود (٥) وغيره من حديثه، واللفظ الثالث أخرجه مالك في الموطأ (٦) من حديث عطاء بن يسار، واللفظ الرابع (٧) أخرجه مسلم والنسائي من

стр. 1583

حديث جندب. وللحديث ألفاظ أخرى. ولا يخفى على من له علم بمدلولات الألفاظ أن اللعن والدعاء عليهم بالمقاتلة من الله، واشتداد غضبه عليهم من أعظم الأدلة على التحريم. وقد تقرر في الأصول (١) أن النهي بمجرده حقيقة في التحريم؛ فلفظ: أنهاكم كاف في استفادة التحريم مع عدم وجود الموجب للصرف إلى الكراهة. ولم يوجد هاهنا، إنما وجد ما لو انفرد عن النهي لكان قاضيًا بالتحريم، وهو اللعن والدعاء بالغضب ونحوهما. وقوله: اتخذوا جملة مستأنفة على سبيل البيان الموجب اللعن، كأنه قيل: ما سبب لعنهم؟ فأجيب بقوله: اتخذوا. وقد استشكل ذكر النصارى فيه؛ لأن اليهود لهم أنبياء بخلاف النصارى، فليس بين عيسى ﵇ وبين نبينا ﵌ نبي غيره، وليس له قبر. وأجيب أيضًا بأن الجمع في قوله أنبيائهم باعتبار المجموع من اليهود والنصارى، لا باعتبار طائفة اليهود وحدها وطائفة النصارى وحدها، وقيل الأنبياء وكبار (٢) أتباعهم، فاكتفى بذكر الأنبياء تغليبًا.

стр. 1584

ويؤيد هذا حديث جندب (١) السابق بلفظ: كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد. والمراد بالاتخاذ أعم من أن يكون ابتداعًا واتباعًا؛ فاليهود ابتدعت، النصارى اتبعت. ولا ريب أن النصارى تعظم قبور كثير من الأنبياء الذين تعظمهم اليهود، والمساجد جمع مسجد، قال في القاموس (٢) والمسجد معروف، ويفتح جيمه، والمفعل من باب نصر بفتح العين اسمًا كان أو مصدرًا إلا أحرفا كمسجد، ومطلع، ومشرق، ومسقط، ومفرق، ومجزر، ومسكن، ومرفق، ومنبت، ومنسك، ألزموها كسر العين، والفتح جائز وإن لم نسمعه. وما كان من باب جلس فالموضع بالكسر والمصدر بالفتح نزل منزلا أي نزولاً، وهذا [٢] منزله بالكسر؛ لأنه بمعنى الدار. انتهى. وكلام أهل الصرف مثل هذا الكلام، كما وقع في شافية ابن الحاجب (٣) أن ما كان مضارعه مفتوح العين أو مضمومها فهو على مفعل، بفتح العين ومن مكسورها. والمثال على مفعل بكسرها إلا مواضع جاءت على خلاف القياس. إذا تقرر هذا فمعنى اتخاذهم (٤) لقبور أنبيائهم مساجد أن يعمروا عليها أو حولها مكانًا يصلى فيه، وإن لم

стр. 1585

يكن السجود على نفس القبر لأن المسجد يطلق على المكان الذي يصلى في بعضه، مثلا تقول: المسجد الفلاني مسجد فلان، إذا كان يصلي فيه، وإن لم يقع السجود في جميع أجزائه. وعلى هذا يقال لمن بنى حول القبر مسجدًا، وجعل القبر في موضع منه أن جعل القبر مسجدًا، هذا باعتبار عدم الفرق بين مسجد بفتح الجيم وبكسرها. وأما على ما روي عن سيبويه (١) أن المسجد بفتح الجيم لمكان السجود، وبكسرها للمكان المعروف؛ فإن كان لفظ مساجد في الحديث جمعًا لمسجد بكسر الجيم فالكلام كما تقدم، وإن كان جمعًا لمسجد بفتح الجيم فالمحرم إنما هو اتخاذ القبر نفسه مكانًا يسجد عليه، فيكون عمارة المساجد في القبور من ذلك القبيل، من غير فرق بين كون القبر في جهة القبلة أو في غيرها، هذا ما يتعلق بمتن الحديث من الكلام.

стр. 1586

وأما الكلام على البحث الثالث؛ وهو بيان العلة التي لأجلها ورد النهي فقال العلماء: إنما نهى (١) النبي ﵌ عن اتخاذ قبره وقبر غيره مسجدًا خوفًا من المبالغة في تعظيمه، والافتتان به، وربما أدى ذلك إلى الكفر كما جرى لكثير من الأمم الخالية، ولما احتاجت الصحابة ﵃ والتابعون إلى الزيادة في مسجد رسول الله ﵌ حين كثر المسلمون، وامتدت الزيادة إلى أن دخلت بيوت أمهات المؤمنين وفيها حجرة عائشة التي دفن فيها رسول الله ﵌ وأبو بكر، وعمر بنوا على القبر حيطانًا مرتفعة مسندين حوله لئلا يظهر في المسجد، فيصلي إليه العوام، ويؤدي إلى المحذور، ثم بنوا جدارين من ركني القبر (٢) الشماليين حرفوهما حتى التقيا، بحيث لا يتمكن أحد من استقبال (٣) القبر. وقد حمل بعضهم الوعيد على من كان في ذلك الزمان لقرب العهد بعبادة الأوثان، وهو تقييد بلا دليل، لأن التعظيم والافتتان لا يختصان بزمان دون زمان، أو مكان دون مكان، فعليه البرهان. وقد قيل إنه يؤخذ من قوله: كانوا يتخذون [٣] قبور أنبيائهم مساجد كما في بعض أحاديث الباب، ومن قوله: والمتخذين عليها المساجد كما في بعض آخر أن محل الذم على ذلك أن تتخذ المساجد على القبور بعد الدفن لا لو بني

стр. 1587

المسجد أولاً، وجعل القبر في جانبه ليدفن فيه، واقف المسجد أو غيره، فليس بداخل في ذلك. قال العراقي (١) والظاهر أنه لا فرق، فإنه إذا بني المسجد لقصد أن يدفن في بعضه أحد فهو داخل في اللعنة، بل يحرم الدفن في المسجد، وإن شرط أن يدفن فيه لم يصح الشرط لمخالفته لمقتضى وقفه مسجدًا انتهى. إذا تقرر ما حكيناه عن العلماء من أن العلة في زجره ﵌ عن اتخاذ قبره مسجدًا هي خشية الافتتان (٢) لاح من ذلك المنع من عمارة المساجد في مكان فيه قبر، والمنع من القبر في جانب من جوانب المسجد من غير فرق بين القبلة وغيرها، لأن ذلك كله مما يدعو إلى المبالغة في التعظيم التي هي ذريعة (٣) الافتتان.

стр. 1588

ولهذا ترى كثيرًا من العامة إذا رأى قبرًا في مسجد، أو في شهدٍ مرغ فيه خده والتمسه مرة بعد مرة، ولا سيما إذا كان فيه زخرفة، أو عليه أعواد منقوشة، أو ثياب ملونة؛ فإن العامي الغليظ إذا أراد على تلك الصفة ظن أنه النافع الضار، كما وقع مثل ذلك في كثير من الأقطار. ومن ههنا يظهر سر مبالغته ﵌ في الزجر عن اتخاذ القبور مساجد، وتكرير ذلك مرة بعد أخرى، بل ما زال ينهى عن ذلك إلى أيام مرضه. وقد أخرج مسلم (١) عن جندب بن عبد الله البجلي قال: سمعت رسول الله ﵌ قبل أن يموت بخمس وهو يقول: "إن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد". الحديث، بل وقع منه النهي ﵌ عن مجرد رفع القبور لتلك العلة، كما في حديث أبي الهياج (٢) عن علي ﵇ قال: أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﵌: "لا تدع تمثالا إلا طمسته، ولا قبرًا إلا سويته" رواه الجماعة (٣) إلا البخاري. وعن جابر قال: نهى رسول الله ﵌ أن يجصص القبر، وأن

стр. 1589

يقعد عليه، وأن يبنى عليه". رواه أحمد (١)، ومسلم (٢)، والنسائي (٣)، وأبو داود (٤)، والترمذي (٥)، وصححه (٦) ولفظه: "نهى النبي ﵌ أن تجصص القبور، وأن يكتب عليها، وأن يبنى عليها وأن توطأ". وفي لفظ النسائي (٧) نهى أن يبنى أو يزاد عليه، أو يجصص، أو يكتب عليه". وكل هذا إنما هو لسد ذرائع (٨) ما نشأ عن ذلك من المفاسد التي يبكي لها الإسلام. من ذلك ما يسمع به كل أحد من جماعة كثيرة من سكان تهامة، فإنه لم يدعوا شيئًا مما كانت الجاهلية تفعله [٤] بالأصنام إلا فعلوه، بل زادوا على ذلك؛ فإن الجاهلية قالوا: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى، وهؤلاء القبوريون (٩) قالوا: نعبدهم ليضروا وينفعوا،

стр. 1590

ويحيوا ويميتوا، وغير ذلك. ولا شك أن دخول القبب والمشاهد والمساجد المعمورة على القبور تحت الأحاديث القاضية بالمنع من رفع القبور وزخرفتها ثابت بفحوى الخطاب. لا يقال أن قوله ﵌: "اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد" (١)

стр. 1591

يدل على أن النهي لذلك، فمهما لم تحصل العبادة لم يحصل تحريم جعل المساجد على القبور؛ لأنا نقول: هذا الحديث مع كونه مرسلا كما سلف ليس فيه إلا وقوع الدعاء منه ﵌ بأن لا يجعل قبره وثنًا يعبد، وذلك لا يستلزم أن يكون هو العلة في الزجر عن اتخاذ القبور مساجد. ولو سلم ذلك لم يكن دليلا على جواز جعل المساجد على القبور؛ لأن جعلها كذلك وسيلة للعبادة، أو ما في حكمها، وذريعة إلى تلك العلة المدعاة. وما كان وسيلة إلى محرم فهو محرم، وكل محرم يجب تركه. فتلك الوسيلة يجب تركها وهو المطلوب. وأما الكلام على البحث الرابع، وهو في حكم الصلاة في الموضع الذي فيه قبر فاعلم أن حديث: "جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا" (١) حديث صحيح يدل على جواز الصلاة في جميع المواضع إلا ما خصصه حديث صحيح، والمخصص من ذلك مواضع. واختلف في عددها، منها المقبرة والمراد بها المكان الذي يقبر فيه. وقد أخرج أحمد (٢)، وأبو داود (٣)، والترمذي (٤) ..................

стр. 1592

وابن ماجه (١) أن النبي ﵌ قال: "الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام"، وأخرجه أيضًا الشافعي (٢)، وابن خزيمة (٣)، وابن حبان (٤)، والحاكم (٥). قال الترمذي (٦): وهذا حديث فيه اضطراب. رواه سفيان الثوري عن عمرو بن يحيى، عن أبيه مرسلاً، قال: وكان عامة روايته عن النبي ﵌ مرسلة، ورواه حماد بن سلمة عن عمرو بن يحيى، عن أبيه عن أبي سعيد ورواه محمد بن إسحاق عن عمرو بن يحيى عن أبيه قال: وكان عامة روايته عن أبي سعيد، وكأن رواية الثوري أصح وأثبت. وقال الدارقطني في العلل (٧): المرسل المحفوظ، ورجح البيهقي (٨) المرسل، وقال النووي (٩): هو ضعيف، وقال صاحب الإمام (١٠): حاصل ما علل به الإرسال، وإذا كان الواصل له ثقة فهو مقبول. قال الحافظ (١١) وأفحش ابن دحية (١٢) فقال في كتاب

стр. 1593

التنوير له: لا يصح من طريق من الطرق، كذا قال، ولم يصب. انتهى. والحديث صححه الحاكم في المستدرك، وابن حزم الظاهري، وأشار ابن دقيق العيد [٥] في الإمام (١) إلى صحته. وفي الباب عن علي ﵇ عند أبي داود (٢)، وعن عمر عند الترمذي (٣) وابن ماجه (٤)، وعن عمر عند ابن ماجه (٥)، وعن أبي مرثد الغنوي عند مسلم (٦)، وأبي داود (٧)، والترمذي (٨)، والنسائي (٩)، ولفظه: "لا تصلوا ولا تجلسوا عليها"، وعن جابر وعبد الله بن عمرو، وعمران بن الحصين، ومعقل بن يسار، وأنس بن مالك، جميعهم عند ابن عدي في الكامل (١٠)، وفي إسناد حديثهم عباد بن (١١) كثير، وهو

стр. 1594

ضعيف، ضعفه أحمد، وابن معين. قال ابن حزم (١): أحاديث النهي عن الصلاة إلى القبور والصلاة في المقبرة أحاديث متواترة، ولا يسع أحدًا تركها، قال العراقي (٢) إن أراد بالتواتر ما يذكره الأصوليون من أنه رواه عن كل واحد من رواته جمع يستحيل تواطؤهم على الكذب في الطرفين والواسطة، فليس كذلك؛ فإنها أخبار آحاد، وإن أراد بذلك وصفها بالشهرة فهو قريب. وأهل الحديث غالبًا إنما يريدون بالمتواتر المشهور انتهى. وفيه أن المعتبر في التواتر (٣) هو أن يروي الحديث جمع عن جمع يستحيل تواطؤهم على الكذب لا أن يرويه جمع كذلك عن كل واحد من رواته؛ فإنه بما لم يعتبره أهل الأصول إلا أن يريد لكل واحد من رواته كل رتبة من رتب رواته. فهذه الأحاديث تدل على المنع من الصلاة في المقبرة، وإلى القبور. وقد ذهب إلى ذلك أحمد بن حنبل (٤)، ولم يفرق بين المنبوشة وغيرها، ولا بين أن يفرش عليها شيء يقيه من النجاسة أم لا؟ ولا بين أن يكون في القبور، أو في مكان متفرد عنها كالبيت. وإلى ذلك ذهبت الظاهرية. قال ابن حزم (٥): وبه يقول طوائف من السلف، فحكي عن خمسة صحابة النهي عن ذلك؟ وهم علي، وعمر، وأبو هريرة، وأنس، وابن عباس، وقال: ما نعلم لهم مخالفًا من الصحابة، وحكاه (٦) عن جماعة من التابعين: إبراهيم النخعي، ونافع بن جبير بن مطعم، وطاووس، وعمرو بن دينار، وخيثمة، وغيرهم.

стр. 1595

وقوله: لا نعلم لهم مخالفًا في الصحابة إخبار عن علمه، وإلا فقد حكى الخطابي في معالم (١) السنن عن عبد الله بن عمر أنه رخص في الصلاة في المقبرة. وحكي أيضًا عن الحسن أنه صلى في المقبرة. وقد ذهب إلى تحريم الصلاة على القبر من أهل البيت ﵈ المنصور بالله، والهادوية (٢). وصرحوا بعدم صحتها إن وقعت فيها، وإن وقعت بينها فمكروهة فقط. وذهب الشافعي (٣) إلى الفرق بين المقبرة المنبوشة وغيرها فقال: إذا كانت مختلطة بلحم الموتى وصديدهم، وما يخرج منهم لم تجز الصلاة فيها للنجاسة (٤)؛

стр. 1596

فإن صلى رجل في مكان ظاهر منها أجزته. وإلى مثل ذلك ذهب أبو طالب، وأبو العباس، والإمام يحيى، وقال الرافعي: أما المقبرة فالصلاة مكروهة فيها بكل حال. وذهب الثوري، والأوزاعي، وأبو حنيفة إلى كراهة الصلاة في المقبرة، ولم يفرقوا كما فرق الشافعي (١) ومن معه بين المنبوشة وغيرها. وذهب مالك إلى جواز الصلاة في المقبرة وعدم الكراهة. والأحاديث ترد عليه. وقد احتج له بعض أصحابه بأنه ﵌ صلى على قبر المسكينة (٢) السوداء، وهذا من أعجب ما يتفق لمن لا عناية له بعلم الرواية. والحاصل أن اسم المقبرة يصدق على المكان الذي هو موضع للقبر وإن اتسع من غير فرق بين ما فيه قبر واحد أو قبور متعددة، قال في القاموس (٣): القبر مدفن الإنسان، الجمع قبور، والمقبرة مثلثة الباء، وكمكنسة موضعها. انتهى. والمراد بالمكان الذي يصدق عليه اسم المقبرة هو ما كان له حائط، أو حدود معلومة، أو نحو ذلك مما يمتاز به عن غيره، فإذا جعلت مثلا قطعة من الأرض للقبر فيها، ثم دفن

стр. 1597

فيها ميت واحد قيل لها مقبرة لغة وعرفا. والمسجد الذي فيه قبر من هذا القبيل، وغلب اسم المسجد عليه لا يرفع صدق اسم المقبرة عليه، وإلا لزم أن المقبرة إن سميت باسم خاص غير اسم المقبرة مثل خزيمة مثلا التي هي مقبرة صنعاء أن لا يثبت لها حكم المقبرة، واللازم باطل فالملزوم مثله. أما الملازمة فظاهرة، وأما بطلان اللازم فلأن الأسماء لا تأثير لها في تحويل الأحكام الشرعية بإجماع المسلمين. إلى هنا انتهى المراد، وفيه كفاية لمن له هداية. [حرره الحقير محمد بن علي الشوكاني غفر الله لهما في نهار يوم السبت لعله سادس شهر جمادى الأولى سنة ١٢٠٩] (١). [انتهى من تحريره القاضي النحرير عمدة الإسلام وعمادهم محمد بن علي الشوكاني حفظه الله، وحفظه الله في نهار السبت لعله ٦ شهر جمادى أول سنة ١٢٠٩] (٢).

стр. 1598

إتحاف المهرة بالكلام على حديث: "لا عدوى ولا طيرة " تأليف محمد بن علي الشوكاني حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه محمد صبحي بن حسن حلاق أبو مصعب

стр. 1599

وصف المخطوط: (أ): ١ - عنوان الرسالة: (إتحاف المهرة بالكلام على حديث: "لا عدوى ولا طيرة"). ٢ - موضوع الرسالة: في "الحديث". ٣ - أول الرسالة: بسم الله الرحمن الرحيم، ما قولكم - رضي الله عنكم - وبارك للمسلمين في أوقاتكم وشكر سعيكم فيمن ابتلي بنحو الجمرة من الأمراض التي تعتقد العامة أنها معدية وأريد بيع ملبوسه هل يجب. ٤ - آخر الرسالة: أمام محراب قبة المهدي عباس، محمد بن قاسم بن أحمد أبو طالب غفر الله له ولوالديه ولجميع المؤمنين آمين. وصلى الله على سيدنا محمد الأمين وعلى آله الطاهرين وأصحابه الراشدين عدد ما خلق من شيء. ٥ - نوع الخط: خط نسخي جيد. ٦ - الناسخ: محمد بن قاسم بن أحمد أبو طالب. ٧ - تاريخ النسخ: ٢٢ شهر الحجة الحرام سنة ١٣٤٩. ٨ - عدد الصفحات: ١٢ صفحة. ٩ - عدد الأسطر في الصفحة: (١٧ - ٢١) سطرًا. ١٠ - عدد الكلمات في السطر: (١٢ - ١٤) كلمة. ١١ - الرسالة من المجلد الأول من "الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني".

стр. 1600

[عنوان الرسالة من المخطوط (أ)]

стр. 1601

وصف المخطوط (ب): ١ - عنوان الرسالة: (إتحاف المهرة بالكلام على حديث: "لا عدوى ولا طيرة"). ٢ - موضوع الرسالة: في "الحديث". ٣ - أول الرسالة: ما قولكم رضي الله عنكم وشكر سعيكم فيمن ابتلي بنحو الجمرة من الأمراض التي تعتقد العامة أنها معدية وأريد بيع ملبوسه ... ٤ - آخر الرسالة: للأحاديث الصحيحة فالحق ما أسلفناه من الجمع بين العام والخاص والله أعلم. انتهى من تحرير المجيب محمد بن علي الشوكاني غفر الله لهما في صبح يوم الخميس لعله سادس عشر شهر جمادى الآخرة سنة ١٢٠٩ هـ. ٥ - نوع الخط: خط نسخي معتاد. ٦ - المسطرة: الأولى: (٧) سطرًا. الثانية: (٢١) سطرًا. الثالثة - العاشرة: (٢٦) سطرًا. الرابعة: (٣) سطرًا. ٧ - عدد الكلمات في السطر: (١٦) كلمة. ٨ - الرسالة من المجلد الأول من "الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني".

стр. 1602

[صورة الصفحة الأولى من المخطوط (ب)

стр. 1603

[صورة الصفحة الثانية من المخطوط (ب)

стр. 1604

[صورة الصفحة الأخيرة من المخطوط (ب)

стр. 1605

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ما قولكم رضي الله عنكم [وبارك للمسلمين في أوقاتكم] (١) وشكر سعيكم فيمن ابتلي بنحو الجمرة من الأمراض التي تعتقد العامة أنها معدية وأريد بيع ملبوسه هل يجب على المتولي لذلك البيان. وهل يجوز له بيعه إلى من يعلم أو يظن أنه يبيعه غير مبين لجهل أو جرأة. وهل عموم أدلة (لا عدوى) (٢) وحديث: "فر من المجذوم (٣) كما تفر من الأسد" (٤) وما حكم إنكار أبي هريرة لحديث لا عدوى وبناه على (لا يورد) وما رطانته بالحبشية؟ جزيتم خيرًا، وما حال الحديثين فإن البخاري علق حديث المجذوم وقال في حديث لا يورد وعن أبي سلمة ولم يذكر له سندًا [١] إلا أن يكون سنده لحديث لا عدوى لكون أبي سلمة فيه [كل السؤال إلى هنا يتلوه الجواب] (٥).

стр. 1606

إتحاف المهرة بالكلام على حديث لا عدوى ولا طيرة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله. تحقيق ما هو الحق في جواب هذا السؤال يتوقف على تنقيح الكلام في الأحاديث الواردة في نفي العدوى والطيرة على العموم والجمع بينها وبين ما ورد مخالفًا لها. فأقول وبالله أستعين: حديث "لا عدوى ولا طيرة" أخرجه الشيخان (١) من حديث أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵌: "لا عدوى ولا طيرة ولا صفر ولا هامة"، فقال أعرابي: ما بال الإبل تكون في الرمل كأنها الظباء فيخالطها البعير الأجرب فيجربها قال: "فمن أعدى الأول؟ ". قال معمر: قال الزهري (٢) فحدثني رجل عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله ﵌ يقول: "لا يوردن ممرض على مصح"، قال: فراجعه الرجل فقال: أليس قد حدثتنا أن النبي ﵌ قال: "لا عدوى ولا طيرة ولا صفر ولا هامة" قال: لم أحدثكموه. قال الزهري: قال أبو سلمة قد حدثت به وما سمعت، أبو هريرة نسي حدثنا قط غيره، هذا لفظ أبي داود (٣) ولهذا يتبين ما وقع في رواية أخرى (٤) أن أبا هريرة لما قيل له قد حدثتنا أن النبي ﵌ قال: "لا عدوى" .. الحديث. رطن بالحبشية فإن هذه الرطانة (٥) هي إنكار التحديث كما وقع مبينًا في هذه الرواية وقد روى

стр. 1607

حديث لا عدوى، مسلم (١)، وأبو داود (٢) ومن طريق العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة وأخرجه أيضًا أبو داود (٣) من طريق أبي صالح عن أبي هريرة. وأخرجه أيضًا مسلم (٤) من طريق جابر بلفظ قال رسول الله ﵌: "لا عدوى ولا طيرة ولا غول". وأخرجه البخاري (٥) ومسلم (٦) وأبو داود (٧) والترمذي (٨) وابن ماجه (٩) من حديث أنس أن النبي ﵌ قال: "لا عدوى ولا طيرة، ويعجبني الفأل الصالح، والفأل الصالح الكلمة الحسنة". وأخرجه أبو داود (١٠) من حديث سعد بن مالك أن رسول الله ﵌

стр. 1608

يقول: "لا هامة ولا عدوى ولا طيرة" فهذا الحديث قد رواه [٢] عن أبي هريرة غير أبي سلمة، ورواه عن النبي ﵌ غير أبي هريرة كما بيناه. وأيضًا الإنكار إذا وقع من راوي الحديث بعد أن رواه عنه الثقة لا يكون قادحًا كما تقرر في علوم الحديث (١) لاحتمال النسيان فكيف إذا رواه عنه الثقات، فكيف إذا شاركه فيما رواه غيره، وإذا تقرر فالعدوى والطيرة المذكورتان في هذه الأحاديث نكرتان في سياق النفي، والنكرة الواقعة كذلك من صيغ العموم كما تقرر في الأصول (٢) فكأنه ﵌ قال: ليس شيء من أفراد العدوى والطيرة ثابتًا. ومما يقوي هذا العموم ما أخرجه أبو داود (٣) والترمذي (٤) وصححه وابن ماجه (٥) من حديث ابن مسعود عن رسول الله ﵌ قال: "الطيرة شرك

стр. 1609

ثلاث مرات وما منا إلا .. ولكن الله يذهبه بالتوكل". قال الخطابي (١) قال محمد بن إسماعيل يعني البخاري: كان سليمان بن حرب ينكر هذا ويقول: هذا الحرف ليس قول النبي ﵌ وكأنه قول ابن مسعود. وحكى الترمذي (٢) عن البخاري عن سليمان بن حرب نحو هذا وأن الذي أنكره هو "وما منا إلا". قال المنذري (٣) أما الصواب ما قاله البخاري وغيره أن قوله: وما منا إلا إلخ من كلام ابن مسعود مدرج. قال الحافظ أبو القاسم الأصبهاني (٤) والمنذري (٥) وغيرهما في الحديث إضمار أي وما منا إلا وقد وقع في قلبه شيء من ذلك يعني قلوب أمته وقيل: معناه ما منا إلا من يعتريه التطير وسبق إلى قلبه الكراهة فحذف اختصارًا واعتمادًا على فهم السامع. ويؤيد هذا المعنى ما أخرجه أحمد (٦) ومسلم (٧) من حديث معاوية بن الحكم السلمي قال: "قلت يا رسول الله إني حديث عهد بالجاهلية وقد جاء الله بالإسلام فإن منا رجالا يأتون الكهان (٨)، قال: فلا تأتهم، قال: ومنا رجال يطيرون، قال: ذلك شيء يجدونه في

стр. 1610

صدورهم فلا يصدنكم" الحديث. قال النووي في شرح مسلم (١) معناه أن كراهة ذلك يقع في نفوسكم في العادة، ولكن لا تلتفتوا إليه ولا ترجعوا عما كنتم عزمتم عليه قبل هذا. انتهى. وإنما جعل الطيرة في هذا الحديث من الشرك لأنهم كانوا يعتقدون أن التطير يجلب لهم نفعًا أو يدفع عنهم ضررًا إذا عملوا بموجبه فكأنهم أشركوه مع الله تعالى، ومعنى إذهابه بالتوكل أن ابن آدم إذا تطير وعرض له خاطر من التطير أذهبه الله بالتوكل والتفويض إليه وعدم العمل بما خطر من ذلك، فمن توكل سلم من ذلك ولم يؤاخذه الله بما عرض له من التطير. وأخرج أبو داود (٢) عن عروة بن عامر القرشي قال: ذكرت الطيرة عند النبي ﵌ فقال [٣]: "أحسنها الفأل ولا ترد مسلمًا، فإن رأى أحدكم ما يكره فليقل: اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت ولا يدفع السيئات إلا أنت ولا حول ولا قوة إلا بك". قال أبو القاسم الدمشقي: ولا صحبة (٣) لعروة القرشي تصح. وذكر البخاري وغيره أنه سمع من ابن عباس فعلى هذا يكون حديثه مرسلاً. وقال النووي في

стр. 1611

شرح (١) مسلم: وقد صح عن عروة بن عامر الصحابي ﵁ ثم ذكر الحديث وقال في آخره: رواه أبو داود بإسناد صحيح انتهى. وأخرج أبو داود (٢) من حديث قطن بن قبيصة عن أبيه قال: سمعت رسول الله ﵌ يقول: "العيافة والطيرة والطرق من الجبت". العيافة (٣) هي زجر الطير والتفاؤل بها كما كانت العرب تفعل ذلك والطرق الضرب بالحصى، وقيل: هو الخط في الرمل. وفي كتاب أبي داود (٤) أن الطرق الزجر والعيافة الخط، والجبت كل ما عبد من دون الله، وقيل: هو الكاهن والشيطان. وقوله: لا صفر ولا هامة في الأحاديث السابقة قيل: أن الصفر حية (٥) في البطن تصيب الإنسان إذا جاع فتؤذيه وكانت العرب تزعم أنها تعدي. وقيل هو تأخير المحرم إلى صفر وهو النسيء الذي كانت تفعله الجاهلية فأبطلهما الإسلام. وقيل: إنه شهر صفر لأنهم كانوا ينتكبون فيه من الشروع في الأعمال كالنكاح والبناء والسفر. والهامة كانت الجاهلية تزعم أنه إذا قتل قتيل وقف على قبره طائر لا يزال يصيح يقول: اسقوني اسقوني حتى يقتلوا قاتله.

стр. 1612

ومن الأحاديث الدالة على عدم جواز التطير، ما أخرج أبو داود (١)، والنسائي (٢) من حديث بريدة أن النبي ﵌ كان لا يتطير من شيء، وكان إذا بعث غلامًا سأل عن اسمه فإذا أعجبه (٣) اسمه فرح به ورئي بشر ذلك في وجهه، وإن كره اسمه رئي كراهة ذلك في وجهه. وظاهر ما أسلفنا من الأحاديث أنه لا يجوز اعتقاد ثبوت العدوى في شيء ولا التطير من أمر من الأمور، ولكنه قد ورد ما يعارض ذلك في الظاهر كحديث الشريد بن مؤيد الثقفي عند مسلم (٤) والنسائي (٥) وابن ماجه (٦) قال: كان في وفد ثقيف رجل مجذوم فأرسل إليه النبي ﵌: أنا قد بايعناك فارجع. وأخرجه البخاري في صحيحه (٧) تعلقًا من حديث سعيد بن مثنى قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﵌: "لا عدوى ولا طيرة ولا هام ولا صفر، وفر من المجذوم كما تفر من الأسد". ومن ذلك حديث: "لا يورد ممرض على مصح" المتقدم (٨).

стр. 1613

قال القاضي (١) عياض: قد اختلفت الآثار عن النبي ﵌ في قصة المجذوم فثبت عنه الحديثان المذكوران، وعن جابر أن النبي ﵌ ⦗٤⦘ أكل مع مجذوم، وقال له: كل ثقة بالله ﵎ وتوكلا عليه (٢). وعن عائشة قالت: كان لنا مولى مجذوم فكان يأكل في صحافي ويشرب في أقداحي وينام على فراشي (٣). قال: وقد ذهب عمر (٤) وغيره من السلف إلى الأكل معه ورأوا أن الأمر باجتنابه منسوخ، والصحيح الذي قاله الأكثرون. ويتعين المصير أنه لا نسخ بل بحث الجمع بين الحديثين وحمل الأمر باجتنابه والفرار منه على الاستحباب والاحتياط، وأما الأكل معه ففعله لبيان الجواز وأنه أعلم. كذا في شرح مسلم (٥) للنووي. والحديث الذي أشار إليه بأنه ﵌ أكل مع المجذوم أخرجه أبو داود (٦) والترمذي (٧) وابن ماجه (٨).

стр. 1614

قال الترمذي (١) غريب لا نعرفه إلا من حديث يوسف بن محمد عن المفضل بن فضالة وهذا شيخ بصري والمفضل بن فضالة شيخ مصري أوثق من هذا وأشهر وروى شعبة هذا الحديث عن حبيب بن الشهيد عن ابن بريدة: أن عمر أخذ بيد مجذوم. وحديث شعبة أشبه عندي وأصح انتهى. قال الدارقطني (٢) تفرد به مفضل بن فضالة البصري أخو مبارك عن حبيب بن الشهيد عنه يعني عن ابن المنكدر. وقال ابن عدي الجرجاني: لا أعلم [أحدًا] (٣) يرويه عن حبيب بن الشهيد غير مفضل بن فضالة وقالوا تفرد بالرواية عنه يونس بن محمد انتهى والمفضل بن فضالة (٤) البصري كنيته أبو مالك. قال يحيى بن معين: ليس بذاك، وقال النسائي: ليس بالقوي وقال أبو حاتم (٥) يكتب حديثه، وذكره ابن حبان في الثقات (٦). قال القاضي (٧) عياض: قال بعض العلماء (٨) في هذا الحديث وما في معناه - يعني حديث الفرار من المجذوم - دليل على أنه يثبت للمرأة الخيار في فسخ النكاح إذا وجدت زوجها مجذومًا أو وجدت به جذامًا. قال أيضًا، قالوا: ويمنع من المسجد والاختلاط بالناس. قال: وكذلك اختلفوا (٩) في أنهم إذا كثروا هل يؤمرون أن يتخذوا لأنفسهم موضعًا منفردًا خارجًا عن الناس ولا يمنعون من التصرف في منافعهم وعليه أكثر الناس، أم لا يلزمهم التنحي.

стр. 1615

قال (١) ولم يختلفوا في القليل منهم يعني في أنهم لا يمنعون قال: ولا يمنعون من صلاة الجمعة مع الناس ويمنعون من غيرها. قال: ولو استضر أهل قرية بمن جذم لمخالطتهم في الماء فإن قووا على استنباط ماء آخر من غير حرج ولا ضرر أمروا به وإلا استنبطه لهم آخرون، أو قاموا من يستقي لهم وإلا فلا يمنعون. قال النووي في شرح مسلم (٢) في الكلام على حديث لا يورد ممرض على مصح قال العلماء: الممرض صاحب الإبل المراض والمصح صاحب الإبل الصحاح. فمعنى الحديث لا يورد صاحب الإبل المراض إبله على إبل صاحب الإبل الصحاح لأنه ربما أصابها المرض بفعل الله تعالى وقدره [٥] الذي أجرى به العادة فيجعل لصاحبها ضررًا بمرضها، وربما حصل له ضررًا أعظم من ذلك باعتقاد العدوى بطبعها فيكفر. والله أعلم. انتهى. وأشار إلى نحو هذا الكلام ابن بطال (٣) وقال: النهي ليس للعدوى بل للتأذي بالرائحة الكريهة ونحوها حكاه ابن رسلان في شرح السنن. وقال ابن الصلاح (٤) وجه الجمع أن هذه الأمراض لا تعدي بطبعها لكن الله سبحانه جعل مخالطة المريض للصحيح سببًا لعداية مرضه ثم قد يتخلف ذلك عن سببه كما في غيره من الأسباب. قال الحافظ ابن حجر في شرح (٥) النخبة: والأولى في الجمع أن يقال إن نفيه ﵌ للعدوى باق على عمومه، وقد صح قوله: لا يعدي شيء شيئًا. وقوله ﵌ لمن عارضه بأن البعير الأجرب يكون بين الإبل
следующие страницы →