شرح (١) مسلم: وقد صح عن عروة بن عامر الصحابي ﵁ ثم ذكر الحديث وقال في آخره: رواه أبو داود بإسناد صحيح انتهى.
وأخرج أبو داود (٢) من حديث قطن بن قبيصة عن أبيه قال: سمعت رسول الله ﵌ يقول: "العيافة والطيرة والطرق من الجبت".
العيافة (٣) هي زجر الطير والتفاؤل بها كما كانت العرب تفعل ذلك والطرق الضرب بالحصى، وقيل: هو الخط في الرمل. وفي كتاب أبي داود (٤) أن الطرق الزجر والعيافة الخط، والجبت كل ما عبد من دون الله، وقيل: هو الكاهن والشيطان.
وقوله: لا صفر ولا هامة في الأحاديث السابقة قيل: أن الصفر حية (٥) في البطن تصيب الإنسان إذا جاع فتؤذيه وكانت العرب تزعم أنها تعدي. وقيل هو تأخير المحرم إلى صفر وهو النسيء الذي كانت تفعله الجاهلية فأبطلهما الإسلام.
وقيل: إنه شهر صفر لأنهم كانوا ينتكبون فيه من الشروع في الأعمال كالنكاح والبناء والسفر. والهامة كانت الجاهلية تزعم أنه إذا قتل قتيل وقف على قبره طائر لا يزال يصيح يقول: اسقوني اسقوني حتى يقتلوا قاتله.
стр. 1612
ومن الأحاديث الدالة على عدم جواز التطير، ما أخرج أبو داود (١)، والنسائي (٢) من حديث بريدة أن النبي ﵌ كان لا يتطير من شيء، وكان إذا بعث غلامًا سأل عن اسمه فإذا أعجبه (٣) اسمه فرح به ورئي بشر ذلك في وجهه، وإن كره اسمه رئي كراهة ذلك في وجهه.
وظاهر ما أسلفنا من الأحاديث أنه لا يجوز اعتقاد ثبوت العدوى في شيء ولا التطير من أمر من الأمور، ولكنه قد ورد ما يعارض ذلك في الظاهر كحديث الشريد بن مؤيد الثقفي عند مسلم (٤) والنسائي (٥) وابن ماجه (٦) قال: كان في وفد ثقيف رجل مجذوم فأرسل إليه النبي ﵌: أنا قد بايعناك فارجع.
وأخرجه البخاري في صحيحه (٧) تعلقًا من حديث سعيد بن مثنى قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﵌: "لا عدوى ولا طيرة ولا هام ولا صفر، وفر من المجذوم كما تفر من الأسد". ومن ذلك حديث: "لا يورد ممرض على مصح" المتقدم (٨).
стр. 1613
قال القاضي (١) عياض: قد اختلفت الآثار عن النبي ﵌ في قصة المجذوم فثبت عنه الحديثان المذكوران، وعن جابر أن النبي ﵌ ⦗٤⦘ أكل مع مجذوم، وقال له: كل ثقة بالله ﵎ وتوكلا عليه (٢).
وعن عائشة قالت: كان لنا مولى مجذوم فكان يأكل في صحافي ويشرب في أقداحي وينام على فراشي (٣). قال: وقد ذهب عمر (٤) وغيره من السلف إلى الأكل معه ورأوا أن الأمر باجتنابه منسوخ، والصحيح الذي قاله الأكثرون.
ويتعين المصير أنه لا نسخ بل بحث الجمع بين الحديثين وحمل الأمر باجتنابه والفرار منه على الاستحباب والاحتياط، وأما الأكل معه ففعله لبيان الجواز وأنه أعلم. كذا في شرح مسلم (٥) للنووي. والحديث الذي أشار إليه بأنه ﵌ أكل مع المجذوم أخرجه أبو داود (٦) والترمذي (٧) وابن ماجه (٨).
стр. 1614
قال الترمذي (١) غريب لا نعرفه إلا من حديث يوسف بن محمد عن المفضل بن فضالة وهذا شيخ بصري والمفضل بن فضالة شيخ مصري أوثق من هذا وأشهر وروى شعبة هذا الحديث عن حبيب بن الشهيد عن ابن بريدة: أن عمر أخذ بيد مجذوم.
وحديث شعبة أشبه عندي وأصح انتهى. قال الدارقطني (٢) تفرد به مفضل بن فضالة البصري أخو مبارك عن حبيب بن الشهيد عنه يعني عن ابن المنكدر.
وقال ابن عدي الجرجاني: لا أعلم [أحدًا] (٣) يرويه عن حبيب بن الشهيد غير مفضل بن فضالة وقالوا تفرد بالرواية عنه يونس بن محمد انتهى والمفضل بن فضالة (٤) البصري كنيته أبو مالك. قال يحيى بن معين: ليس بذاك، وقال النسائي: ليس بالقوي وقال أبو حاتم (٥) يكتب حديثه، وذكره ابن حبان في الثقات (٦).
قال القاضي (٧) عياض: قال بعض العلماء (٨) في هذا الحديث وما في معناه - يعني حديث الفرار من المجذوم - دليل على أنه يثبت للمرأة الخيار في فسخ النكاح إذا وجدت زوجها مجذومًا أو وجدت به جذامًا. قال أيضًا، قالوا: ويمنع من المسجد والاختلاط بالناس. قال: وكذلك اختلفوا (٩) في أنهم إذا كثروا هل يؤمرون أن يتخذوا لأنفسهم موضعًا منفردًا خارجًا عن الناس ولا يمنعون من التصرف في منافعهم وعليه أكثر الناس، أم لا يلزمهم التنحي.
стр. 1615
قال (١) ولم يختلفوا في القليل منهم يعني في أنهم لا يمنعون قال: ولا يمنعون من صلاة الجمعة مع الناس ويمنعون من غيرها. قال: ولو استضر أهل قرية بمن جذم لمخالطتهم في الماء فإن قووا على استنباط ماء آخر من غير حرج ولا ضرر أمروا به وإلا استنبطه لهم آخرون، أو قاموا من يستقي لهم وإلا فلا يمنعون.
قال النووي في شرح مسلم (٢) في الكلام على حديث لا يورد ممرض على مصح قال العلماء: الممرض صاحب الإبل المراض والمصح صاحب الإبل الصحاح.
فمعنى الحديث لا يورد صاحب الإبل المراض إبله على إبل صاحب الإبل الصحاح لأنه ربما أصابها المرض بفعل الله تعالى وقدره [٥] الذي أجرى به العادة فيجعل لصاحبها ضررًا بمرضها، وربما حصل له ضررًا أعظم من ذلك باعتقاد العدوى بطبعها فيكفر. والله أعلم. انتهى.
وأشار إلى نحو هذا الكلام ابن بطال (٣) وقال: النهي ليس للعدوى بل للتأذي بالرائحة الكريهة ونحوها حكاه ابن رسلان في شرح السنن.
وقال ابن الصلاح (٤) وجه الجمع أن هذه الأمراض لا تعدي بطبعها لكن الله سبحانه جعل مخالطة المريض للصحيح سببًا لعداية مرضه ثم قد يتخلف ذلك عن سببه كما في غيره من الأسباب.
قال الحافظ ابن حجر في شرح (٥) النخبة: والأولى في الجمع أن يقال إن نفيه ﵌ للعدوى باق على عمومه، وقد صح قوله: لا يعدي شيء شيئًا.
وقوله ﵌ لمن عارضه بأن البعير الأجرب يكون بين الإبل
стр. 1616
الصحيحة فيخالطها فتجرب، حيث رد عليه بقوله: "فمن أعدى الأول" يعني أن الله سبحانه ابتدأ في الثاني كما ابتدأه في الأول. قال: وأما الأمر بالفرار من المجذوم فمن باب سد الذرائع لئلا يتفق للشخص الذي يخالطه شيء من ذلك بتقدير الله تعالى ابتداءً لا بالعدوى المنفية فيظن أن ذلك بسبب مخالطته ويعتقد تأثير العدوى فيقع في الحرج فأمر بتجنبه حسما للمادة انتهى. وقد ذكر مثل هذا في فتح الباري (١) في كتاب الجهاد منه.
والمناسب للعمل الأصولي أن تجعل الأحاديث الواردة بثبوت العدوى في بعض الأمور أو الأمر بالتجنب أو الفرار مخصصة لعموم حديث (لا عدوى) ما ورد في معناه كما هو شأن العام والخاص فيكون الوارد في الأحاديث في قوة لا عدوى إلا في هذه الأمور، وقد تقرر في الأصول أنه يبنى العام على الخاص مع جهل التاريخ. وادعى بعضهم أنه إجماع.
والتاريخ في هذه الأحاديث مجهول ولا مانع من أن يجعل الله سبحانه في بعض الأمراض خاصية يحصل بها العدوى عند المخالطة دون بعض (٢)، وقد ذهب إلى نحو هذا
стр. 1617
مالك وغيره كما سيأتي في الكلام على الطيرة، وإذا تقرر هذا فالمتوجه على من علم بأن هذا الثوب ونحوه كان لمجذوم أو من مرضه يشبه مرضه في العدوى - أنه لا يبيعه إلا بعد البيان للمشتري أو بعد أن يغسله غسلا يزول به الأثر الذي يخشى تعديه إلى الغير أو التأذي برائحته، ولا شك أن البيع بدون بيان نوع من الغرر الذي ثبت النهي عنه في الأحاديث (١) الصحيحة للقطع بأن الغالب من الناس ينفر من السلعة التي يقال أنها لمجذوم أو نحوه أشد النفور ويمتنع من أخذها ولو بأدون الأثمان، وهذا معلوم مشاهد موجود في الطباع، وخلاف ذلك لا يوجد إلا في أندر الأحوال ولا اعتبار [٦] بالنادر فأي غرر أعظم من هذا، وأي خدع أشد منه؟.
стр. 1618
وقد تقدم ما حكاه القاضي عياض (١) عن أكثر الناس أن المجذومين يتخذون لأنفسهم موضعًا منفردًا عن الناس، ولا شك أن التضرر بذلك أخف من التضرر بلبس ثيابهم والأكل والشرب في أوانيهم، ومن حاول الجمع بين الأحاديث بغير ما ذكرناه كلامه أيضًا غير مخالف لهذا فإنه إذا كان الأمر بالفرار من المجذوم لأجل التأذي برائحته فالتأذي شابه كذلك، وهكذا إذا كان الأمر بالفرار منه لأجل سد الذريعة فربما كان عدم البيان ذريعة إلى الاعتقاد نحو أن يصاب من اشترى ثوب المجذوم ونحوه بمثل عاهته ثم يعلم بعد ذلك أن الثوب الذي لبسه كان لمجذوم، فإنه ربما كان سببًا لحصول الاعتقاد.
وكما ورد ما يعارض عموم الأحاديث القاضية بنفي العدوى ورد أيضًا ما يعارض الأحاديث القاضية بنفي الطيرة على العموم، فأخرج البخاري (٢) ومسلم (٣) وأبو داود (٤) والترمذي (٥) والنسائي (٦) عن ابن عمر قال: قال النبي ﵌: "الشؤم في الدار والمرأة والفرس". وفي رواية لمسلم (٧) "إنما الشؤم في ثلاث: المرأة والفرس والدار". وفي رواية (٨) له: "إن كان الشؤم في شيء ففي الفرس والمسكن والمرأة". وفي رواية (٩) له أيضًا: "إن كان الشؤم في شيء ففي الرتع والخادم والفرس".
стр. 1619
قال في الفتح (١) وفي رواية عثمان بن عمر: لا عدوى ولا طيرة، إنما الشؤم في ثلاثة، قال مسلم (٢) لم يذكر أحد في حديث ابن عمر: لا عدوى ولا طيرة، إلا عثمان ابن عمر.
قال الحافظ (٣) ومثله في حديث [سعيد بن أبي وقاص] (٤) الذي أخرجه أبو داود (٥) ولكن قال فيه: وإن يكن الطيرة في شيء الحديث.
وأخرج أبو داود (٦) والحاكم (٧) وصححه من حديث أنس قال رجل: يا رسول الله إنا كنا في دار كثير فيها عددنا كثير فيها أموالنا فتحولنا إلى دار أخرى فقل فيها عددنا، وقلت فيها أموالنا، فقال رسول الله ﵌: "ذروها ذميمة".
وأخرج مالك في الموطأ (٨) عن يحيى بن سعيد: جاءت امرأة إلى رسول الله ﵌ فقالت: دار سكناها والعدد كثير والمال وافر فقل العدد وذهب المال، فقال: "دعوها فإنها ذميمة". وله شاهد من حديث عبد الله بن شداد بن الهاد أحد كبار التابعين أخرجه عبد الرزاق (٩) بإسناد صحيح.
قال النووي (١٠) اختلف العلماء في حديث: الشؤم في ثلاث، فقال مالك ﵀ هو على ظاهره وإن الدار قد يجعل الله ﵎ سكناها سببًا للضرر أو الهلاك، وكذا
стр. 1620
اتخاذه المرأة المعينة أو الفرس أو الخادم قد يحصل الهلاك عنده بقضاء الله تعالى.
وقال الخطابي (١) قال كثيرون هو في معنى [٧] الاستثناء من الطيرة أي الطيرة منهي عنها إلا أن يكون له دار يكون صحبتها أو فرس أو خادم فليفارق الجمع بالبيع ونحوه. وطلاق المرأة. وقال آخرون شؤم الدار ضيقها وسوء جيرانهم وأذاهم وشؤم المرأة عدم ولادتها وسلاطة لسانها وتعرضها للريب، وشؤم الفرس أن يغزى عليها، وقيل: حرانها وغلاء ثمنها، وشؤم الخادم سوء خلقه وقلة تعهده لما فوض إليه، وقيل المراد بالشؤم هنا عدم الموافقة.
قال القاضي عياض (٢) قال بعض العلماء: لهذه الفصول السابقة في الأحاديث ثلاثة أقسام: أحدها: ما لم يقع الضرر به ولا اطردت به عادة خاصة ولا عامة فهذا لا يلتفت إليه وأنكر الشارع الالتفات إليه، وهو الطيرة. والثاني: ما يقع عنده الضرر عمومًا لا يخصه ونادرًا لا يتكرر كالوباء فلا يقدم عليه ولا مخرج منه.
والثالث يخص ولا يعم كالدار والفرس والمرأة فهذا يباح الفرار منه انتهى.
وقال ابن قتيبة (٣) وجهه أن أهل الجاهلية كانوا يتطيرون فنهاهم النبي ﵌ وأعلمهم أنه لا طيرة فلما أبوا أن ينتهوا بقيت الطيرة في هذه الأشياء الثلاثة.
قال الحافظ (٤) فمشى ابن قتيبة على ظاهره ويلزم على قوله: أن من تشاءم بشيء منها نزل به ما يكره. قال القرطبي (٥) ولا يظن به أن يحمله على ما كانت عليه الجاهلية تعتمده بناء على أن ذلك يضر وينفع بذاته، فإن ذلك خطأ وإنما عنى به أن هذه الأشياء هي أكثر ما يتطير الناس به فمن وقع في نفسه منها شيء أبيح له أن يتركه ويستبدل به
стр. 1621
غيره انتهى.
وقد ورد في رواية البخاري (١) في النكاح بلفظ: ذكروا الشؤم فقال: إن كان في شيء (٢) ففي .. ولمسلم (٣) إن يك من الشؤم شيء حق وفي رواية (٤) أخرى: "إن كان الشؤم في شيء"، وكذا في حديث جابر عند مسلم (٥) وكذا في حديث سهل بن سعد عند البخاري (٦) في كتاب الجهاد وذلك يقتضي عدم الجزم بذلك بخلاف ما في حديث ابن عمر (٧) بلفظ: "الشؤم في ثلاث" وبلفظ آخر: "إنما الشؤم في ثلاث" ونحو ذلك مما تقدم.
قال ابن العربي (٨) معناه إن كان خلق الله الشؤم في شيء فيما جرى من بعض العادة فإنما يخلقه في هذه الأشياء.
قال المازري (٩) محل هذه الرواية إن يكن الشؤم حقًا فهذه الثلاث أحق به بمعنى أن النفوس يقع فيها التشاؤم بهذه أكثر مما يقع بغيرها. وروى أبو داود (١٠) في الطب عن ابن القاسم عن مالك أنه سئل عن حديث الشؤم في ثلاث فقال: كم من دار سكنها أناس فهلكوا، قال المازري (١١) فيحمله مالك على ظاهره، والمعنى أن قدر الله ربما اتفق به ما
стр. 1622
يكره عند سكنى الدار فيضر ذلك [٨] كالسبب فيتسامح في إضافة الشيء إليه اتساعًا.
وقال ابن العربي (١) لم يرد مالك إضافة الشؤم إلى الدار وإنما هو عبارة عن جري العادة فيها فأشار إلى أنه ينبغي للمرء الخروج عنها صيانة لاعتقاده عن التعلق بالباطل.
وقيل: معنى الحديث أن هذه الأشياء يطول تعذيب القلب بها مع كراهة أمرها وملازمة السكنى والصحبة ولو لم يعتقد الشؤم فيها فأشار الحديث إلى الأمر بفراقها ليزول التعذيب.
قال الحافظ (٢) وما أشار إليه ابن العربي في تأويل كلام مالك أولى، وهو نظير الأمر بالفرار من المجذوم مع صحة نفي العدوى، والمراد بذلك حسم المادة وسد الذريعة؛ لئلا يوافق شيء من ذلك القدر فيعتقد من وقع له أن ذلك من العدوى أو من الطيرة فيقع في اعتقاد ما نهي عن اعتقاده فأشير إلى اجتناب مثل ذلك، والطريق فيمن وقع له ذلك في الدار مثلا أن يبادر إلى التحول منها لأنه متى استمر فيها ربما حمله ذلك على اعتقاد صحة الطيرة والتشاؤم.
قال ابن العربي (٣) وصف الدار بأنها ذميمة يدل على جواز ذكرها بقبح ما وقع فيها مرضه أن يعتقد أن ذلك كان منها، ولا يمنع ذم المحل المكروه وإن كان ليس منه شرعًا.
وقال الخطابي (٤) معناه إبطال مذهب الجاهلية في التطير فكأنه قال: إن كانت لأحدكم دار يكره سكناها أو امرأة يكره صحبتها أو فرس يكره سيره فليفارقه.
وقيل: إن المعنى في ذلك ما رواه الدمياطي (٥) بإسناد ضعيف في "الخيل" إذا كان الفرس ضروبًا فهو مشؤوم، وإذا حنت المرأة إلى زوجها الأول فهي مشؤومة وإذا كانت
стр. 1623
الدار بعيدة من المسجد فلا يسمع فيها الآذان فهي مشؤومة. وقيل: كان ذلك في أول الأمر ثم نسخ بقوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ (١)، حكاه ابن عبد البر (٢).
قال الحافظ (٣) والنسخ لا يثبت بالاحتمال لا سيما مع إمكان بجمع، وقد ورد في نفس هذا الخبر نفي التطير ثم إثباته في الأشياء المذكورة، وقيل: يحمل الشؤم على معنى قلة الموافقة وسوء الطبائع، وهو كحديث سعد بن أبي وقاص رفعه "من سعادة المرء المرأة الصالحة والمسكن الصالح والمركب الهنيء، ومن شقاوة المرء المرأة السوء والمسكن السوء والمركب السوء". أخرجه أحمد (٤) وهذا تخصيص معنى الأجناس المذكورة دون بعض، وبه صرح بن عبد البر (٥) فقال: يكون لقوم دون قوم وذلك بقدر الله.
وقال المهلب (٦) ما حاصله: أن المخاطب بقوله: الشؤم في ثلاثة من التزم التطير ولم يستطع صرفه عن نفسه فقال لهم: إنما يقع ذلك في الأشياء التي تلازم في غالب الأحوال، فإذا كان كذلك فاتركوها عنكم ولا تعذبوا [٩] أنفسكم بها، ويدل على ذلك تصديره الحديث بنفي الطيرة، واستدل بما أخرجه ابن حبان (٧) عن أنس رفعه: "لا طيرة والطيرة على من تطير وإن يكن في شيء ففي المرأة" الحديث، وفي إسناده عقبة بن (٨)
стр. 1624
حميد عن عبيد الله بن أبي بكر عن أنس وعقبة مختلف فيه، والأرجح ما قدمناه من بناء العام على الخاص فيكون الحديث في قوة ليست الطيرة في شيء إلا في الأمور المذكورة وهذا هو الذي ذهب إليه جماعة ممن قدمنا النقل عنهم وقد زاد الدارقطني (١) من طريق أم سلمة و"السيف" وإسناده صحيح إلى الزهري، وهو رواه عن بعض أهل أم سلمة عنها.
قال الدارقطني (٢) والمبهم هو أبو عبيدة بن عبد الله بن زمعة سماه عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري في روايته، وأخرجه ابن ماجه (٣) من هذا الوجه موصولا فقال عن الزهري عن أبي عبيدة بن عبد الله بن زمعة عن زينب بنت أم سلمة أنها حدثت لهذا الحديث وزادت فيه و"السيف". وأبو عبيدة (٤) المذكور هو ابن بنت أم سلمة، أمه زينب بنت أم سلمة.
وقد روى النسائي (٥) الحديث المتقدم في ذكر الأمور المشؤومة فأدرج فيه "السيف"، وخالف فيه الإسناد أيضًا.
وجاء عن عائشة (٦) أنها أنكرت الحديث المذكور في شؤم تلك الأمور فروى أبو داود الطيالسي عنها في مسنده (٧) عن محمد بن راشد عن مكحول قال: قيل لعائشة إن أبا هريرة قال: قال رسول الله ﵌: "الشؤم في ثلاثة، فقالت: لم يحفظ أنه دخل وهو يقول: قاتل الله اليهود يقولون: الشؤم في ثلاثة فسمع آخر الحديث
стр. 1625
ولم يسمع أوله. ومكحول لم يسمع من عائشة فهو منقطع لكن روى أحمد (١) وابن خزيمة (٢) والحاكم (٣) من طريق قتادة عن أبي حيان أن رجلين من بني عامر دخلا على عائشة فقالا: إن أبا هريرة قال: إن رسول الله ﵌ قال: "الطيرة في الفرس والمرأة والدار" فغضبت غضبًا شديدًا وقالت: ما قاله، وإنما قال: إن أهل الجاهلية كانوا يتطيرون من ذلك انتهى.
قال في الفتح (٤) ولا معنى لإنكار ذلك على أبي هريرة مع موافقة غيره من الصحابة له في ذلك، وقد تأوله غيرها على أن ذلك سيق لبيان اعتقاد الناس في ذلك، لا لأنه إخبار من النبي ﵌ بثبوت ذلك، وسياق الأحاديث الصحيحة المقدم ذكرها يبعد هذا التأويل.
قال ابن العربي (٥) هذا جواب ساقط لأنه ﵌ لم يبعث ليخبر الناس عن معتقداتهم الماضية أو الحاصلة، وإنما بعث ليعلمهم ما يلزمهم أن يعتقدوا انتهى.
وأما ما أخرجه الترمذي (٦) من حديث حكيم بن معاوية قال: سمعت رسول الله ﵌ يقول: "لا شؤم" وقد يكون [١٠] اليمن في المرأة والدار والفرس، ففي إسناده ضعف مع مخالفته للأحاديث الصحيحة فالحق ما أسلفناه من الجمع بين [العام والخاص] (٧) والله أعلم.
стр. 1626
[انتهى من تحرير المجيب محمد بن علي الشوكاني غفر الله لهما في صبح يوم الخميس لعله السادس عشر شهر جمادى الآخرة سنة ١٢٠٩] (١).
[حرره المجيب محمد بن علي الشوكاني غفر الله لهما صبح يوم الخميس لعله سادس عشر شهر جمادى الآخرة سنة ١٢٠٩انتهى. وكان الفراغ من نقله في هذا صبح يوم الجمعة لعله ثالث شهر الحجة الحرام. ختام عام أربعة وثمانين ومائتين ونيف. حرره لنفسه ولمن شاء الله بعده حسب الإمكان خادم العلم الشريف عبد الملك بن حسين غفر الله لهما آمين. انتهى.
كان الفراغ من رقمه من خط القاضي العلامة الوجيه وذلك في ٢٢ شهر الحجة الحرام سنة ١٣٤٩ حرره الفقير إلى رحمة الله تعالى أمام محراب قبة المهدي عباس، محمد بن قاسم بن أحمد أبو طالب غفر الله له ولوالديه ولجميع المؤمنين آمين. وصلى الله وسلم على سيدنا محمد الأمين وعلى آله الطاهرين وأصحابه الراشدين عدد ما خلق من شيء] (٢).]
стр. 1627
بحث في قوله ﵌: "إنما الأعمال بالنيات "
تأليف
محمد بن علي الشوكاني
حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه
محمد صبحي بن حسن حلاق
أبو مصعب
стр. 1628
وصف المخطوط:
١ - عنوان الرسالة: (بحث في قوله ﵌: "إنما الأعمال بالنيات").
٢ - موضوع الرسالة: في "الحديث".
٣ - أول الرسالة: بسم الله الرحمن الرحيم. كثر الله فوائدكم صيغة إنما حاصره لا يخالف في ذلك من يعتد به، واستعمالات أهل اللغة في نظمهم
٤ - آخر الرسالة: ... فهو فاسد بعدم النية، وفي هذا كفاية وإن كان البحث محتملا للتطويل انتهى نقله في خط المجيب شيخ الإسلام البدر ﵀ وغفر له وجزاه خيرًا. آمين.
٥ - نوع الخط: خط نسخي جيد.
٦ - عدد الصفحات: (٤) صفحة.
٧ - المسطرة: الأولى: ٢١ سطرًا.
الثانية: ٢٠ سطرًا.
الثالثة: ١٩ سطرا.
الرابعة: ١١ سطرا.
٨ - عدد الكلمات في السطر: (٨ - ١٠) كلمة.
٩ - الرسالة من المجلد الخامس من (الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني).
стр. 1629
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
- كثر الله فوائدكم - صيغة إنما (١) حاصره لا يخالف في ذلك من يعتد به، واستعمالات أهل اللغة في نظمهم ونثرهم قاضية بذلك قضاء لا يدفع، فأفاد ذلك حصر أن يكون المقدر بحيث ينطبق على هذا التركيب انطباقًا يناسب المدلول بالقصر مع ما يقتضيه من هذه الجمعية ومصيرها للجنس، وكأنه قال: إنما كل .............................
стр. 1630
عمل بنية (١)، وهذه الصيغة لا خلاف في كونها مفيدة للقصر، وأنها أقوى صيغه المذكورة في علم البيان والأصول. إذا تقرر لك أن ههنا ثلاثة (٢) تراكيب تفيد حصر الأعمال في النية، وقصرها عليها إنما والتعريف المنضم إليه، ونفي النكرة، والاستثناء بإلا علمت أنها قد تعاضدت الدلالات على حصر الأعمال في النيات (٣)، وقصرها عليها، وبعد هذا
стр. 1631
يتوجه النظر إلى المقتضى المقدر، وهو في المقام لا يكون إلا عامًا كالثبوت والحصول والوجود ونحوها، وكل واحد منهما يفيد انتفاء تلك الذات بانتفاء النية، فتكون غير موجودة شرعًا، وإذا وجد عمل بلا نية فليس هو الموجود الشرعي، بل الموجود المخالف له، فلا يأتيه لوجودها.
ولو سلمنا لوجودها، وأن لها إنسيابًا إلى الشرعية بوجه ما كان بقدر ما رفع الاعتداد بها متحتمًا، كتعذر الصحة، والأخرى ونحوهما، لأن هذا المقدار وإن لم ترفع الذات كانتقادية الأدلة فإنه قريب منها باعتبار أن تلك الذات [١ أ] لاغية لا يترتب عليها شيء من الأحكام الشرعية، بخلاف ما لو قدر الكمال أو التمام أو نحوها، فإنه يفيد بقاء الذات شرعية، وهو خلاف ما في عبارة الشارع من النفي الصراح الذي يندفع عنده كل احتمال، ويرتفع لديه كل تأويل.
قال السائل - عافاه الله -: ولعمري إن ذلك مشكل لوجهين .. إلخ.
أقول: هذا القصد اللازم الضروري يمنع أولا كونه لازمًا غير منفك بالضرورة، فإن
стр. 1632
عروض (١) الذهول للفاعلين، والغفلة والدخول في فكر ما مشوشة للذهن معلوم بالوجه أن يخبره كل عاقل من نفسه، ويعرفه من غيره، ومن كان كذلك قد يصدر منه أفعال وهو ذاهل عنها، غافل عما يريده منها، وهذا يكفي في دفع دعوى التلازم العقلي، ويدفع أيضًا دعوى الضرورة، ثم يقول السائل - كثر الله فوائده -: ما ذكرت من ملازمة القصد لكل فعل، وإن ذلك ضروري ما تريد؟ هل من الأفعال على العموم أم الأفعال الشرعية؟ إن أردت الأفعال على العموم فغير مسلم، لأن منها الأفعال الشرعية، ولا بد من قصدها، ولا ملازمة هنا لذلك، ولا ضرورة أبدًا معلوم لكل عاقل أنه لا بد من النيات إليها، واستحضار لها بجواز أن يكون الفعل الذي أوقعه غير شرعي، وإن أردت الأفعال التي ليست شرعية فتسليم دليله لا يفيد، لأنه خارج عن محل النزاع على أن في الأفعال التي ليست شرعية ما لا يقصد كالأفعال الجبلية، وأفعال الذاهل والساهي، وإن أردت الشرعية فحسب [١ ب]، فالأمر أوضح من ذاك، لأنه لا يقول أحد بالتلازم ما بين الفعل الشرعي وبين قصده شرعًا، لأن كونه شرعيًا أمر زائد على مجرد الفعل، بل هو وصف له فلا بد من قصد له من حيث كونه فعلا شرعيًا (٢)، لا من حيث كونه فعلاً
стр. 1633
فقط، وهذا واضح. قوله: وأما الثاني إلخ.
أقول: قد عرف جوابه مما قدمنا، وأما الكلام في عموم المقتضى وعدمه فالحق أنه يقدر بحسب الحاجة، وبما يفيده الكلام الذي اقتضاه إما عمومًا، وإما خصوصًا. قوله: وتلك الحجة هي الجملة الشرطية.
أقول: ليست بشرطية، بل خبرية، لم يدخلها شيء من أدوات إنما المذكورة في الحديث، هي سور لحصر الجملة الخبرية، والجملة الشرطية (١) في الحديث هي قوله: فمن كانت (٢) هجرته .. إلخ.
стр. 1634
قوله: سوى التصريح بكون العمل تابعًا للقصد.
أقول: التابع غير المتبوع ذاتًا وزمانًا، وإلا لم يكن التابع تابعًا ولا المتبوع متبوعًا وهذا يفيد عدم ما ذكره من التلازم العقلي الضروري، فإنه لو كان كذلك لم يفارقه قط، بل يوجد بوجوده، ويعدم بعدمه.
وأما قوله: من دون تعرض لطلبه فهو يخالف ما جزاه به من التابعية والمتبوعية، فإنه لا بد من طلب كل واحد منهما، وإلا لم يكن من جنس أفعال العقلاء.
قوله: إنما صلاح الأعمال (١) بصلاح النية.
стр. 1635
أقول: إن كان المراد هنا الصلاح [٢ أ] المقابل لضده، وهو الفساد استلزم ذلك فساد العلم بعدم النية، وهو المطلوب. وإن كان المراد معنى آخر فهو غير ظاهر من لفظ الصلاح.
قوله: اختلفا قبولا وأداء.
أقول: هذا يستلزم رد العمل لعدم النية، وهو مطلوب من قال بتلك التقديرات، فهو يناسب بقدر الصحة المستلزمة للفساد المرادف للبطلان، لأن العمل إذا كان مردوًدا فهو غير صحيح، وكذلك إذا كان غير صالح فهو فاسد بعدم النية. وفي هذا كفاية.
وإن كان البحث ..................................................
стр. 1636
محتملا (١) للتطويل. انتهى نقله من خط المجيب شيخ الإسلام البدر ﵀، وجزاه خيرا - آمين.
стр. 1637
بحث في حديث: "لو لم تذنبوا لذهب الله بكم .. إلخ "
تأليف
محمد بن علي الشوكاني
حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه
محمد صبحي بن حسن حلاق
أبو مصعب
стр. 1638
وصف المخطوط:
١ - عنوان الرسالة: (بحث في حديث: "لو لم تذنبوا لذهب الله بكم .. ").
٢ - موضوع الرسالة: في "الحديث".
٣ - أول الرسالة: الحمد لله تعالى، سأل الحقير حاكم الحضرة عهدة المسلمين حافظ الدين ﵇ كثر الله تعالى فوائده، وأطال مدته عن معنى حديث شريف
٤ - آخر الرسالة: ... ما يظهر لي في معنى هذا الحديث الصحيح ومن رام الوقف على جميع ما قيل في ذلك فليبحث مطولات شروح الحديث، وفي هذا المقدار كفاية لمن له هداية. والله ولي التوفيق، وذكر اسمه هنا.
٥ - نوع الخط: خط نسخي جيد.
٦ - المسطرة: الأولى: (٢٤) سطرا.
الثانية: (٢٤) سطرا.
الثالثة: (١٠) أسطر.
٧ - عدد الكلمات في السطر: (١٣) كلمة.
٨ - الرسالة من المجلد الثالث من "الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني".
стр. 1639
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
بحث في حديث: "لو لم تذنبوا"
الحمد لله تعالى
سأل الحقير حاكم الحضرة، عهدة المسلمين، حافظ الدين، ﵇، كثر الله تعالى فوائده، وأطال مدته، عن معنى حديث شريف، وعرضت ما لاح للذهن القاصر عليه فأمرني -عافاه الله- بتحرير أصل ذلك وفرعه، فأجبته لوجوب جوابه، مقتنصا بذلك من نفحاته، متوسلا إلى استخراج ثمراته من ينابيع إفاداته عن قول النبي ﵌: "والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم" رواه البخاري (١) ومسلم (٢). وله شواهد (٣).
قال القاضي أحمد (٤) المسوري - عفا الله عنه - في رسالته .............
стр. 1640
المعروفة (١) مشككا في شأن ما لاح له في تناقض الأدلة، حرس الله ذلك عنه، ومن ذلك قول النبي ﵌: "والذي نفسي بيده .. إلخ". مع قول الله تعالى: ﴿وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم﴾ (٢) هذا تناقض.
قال في صوارم اليقين لقطع شكوك أحمد بن سعد الدين: "إن الآية الكريمة لها محمل صحيح، وذكره، ولعل معناه أن الآية مسوقة لعدم الإتيان بالواجب من الزكاة ونحوها، وأنه متعذر المجيء بآخرين، لأنه إن كان من الملائكة فهم معصومون، وإن كان من الجنس غير في الصفات فهم غير معصومين، ويحضرني أنه قال في الكشاف (٣):
стр. 1641
﴿وإن تتولوا﴾ معطوف على: ﴿وإن تؤمنوا وتتقوا﴾ فيكون المراد بالتولي الكفر، وهو غير ما أراده صاحب الرسالة من أن المراد عدم الذنب، بل أعم من ذلك.
وقال فيها أيضا: إن (لو) في الحديث المذكور في اللغة لامتناع الشيء (١) لامتناع غيره، ثم بين الامتناع بما معناه، فلم يكن عندي ليؤخذ بلفظه: إن الذنب متعذر عدم كونه من المتكلفين، فالمجيء بآخرين ممتنع كذلك، وذكر مما أجيب به عن معنى الحديث قولا ونقلا، ولم يكن منه ما لاح لي هو أن الذي ينبغي أن يكون (لو) في هذا المقام من قبيل لو لم يخف الله لم يعصه، فيكون معنى الحديث: فأولى أن يذهب لكم، وأنتم تذنبون ويكون المراد بالذهاب الموت.
قال في الأفعال: ذهب (٢) الإنسان ذهابا وذهوبا مات. وهي لأمر مضى، ويكون المراد بالمجيء بآخرين من الجنس غايته تحصيل ما اشتمل عليه التكوين من الأسلاف والأخلاق.
стр. 1642
وإن ذلك لازم حكمه. وأبان الحديث وجه أولوية [١] لزوم ذلك من تبيين أن لله في ذلك حكمة، ولا بد منه، لا كما ظنه من فهم أن الذنب مقصود للشارع، وأنه يلزم أن يكون الذنب منهي عنه، مأمور به، فذلك باطل فيجب المصير إلى أي جمع. وإن يكاد أبعد تأويل وارتكاب أبعد تأويل، كيف وهذه وجوه صحيحة صريحة يجب المصير إليها أولى من نسبة التناقض إلى الشريعة المطهرة، صانها الله عن ذلك: ﴿وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى﴾ (١). هذا ما لاح لي، وفوق كل ذي علم عليم. انتهى السؤال بلفظه. الجواب نقل من خط المولى العلامة الرباني محمد بن علي الشوكاني، كثر الله فوائده.
стр. 1643
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الأمين، وآله الطاهرين، وبعد:
فإنه وصل هذا البحث من سيدي العلامة عماد الدين محمد بن مطهر بن إسماعيل بن يحيى بن الحسين بن الإمام القاسم - رضوان الله عليهم جميعا - وأقول: إن وجه وقوع الإشكال في هذا الحديث لجماعة من أهل العلم أنهم ظنوا أنه يدل على أن وقوع الذنوب من العصاة مطلوب للشارع، وهذا تخيل مختل، وفهم فاسد معتل، فإن الحديث لا يدل على ذلك لا بمطابقة، ولا تضمن، ولا التزام. فإن قوله: "لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم ... إلخ". لا يدل إلا على أن هذا النوع الإنساني (١) باعتبار مجموعة لا
стр. 1644
يخلو عنه الذنب قط. ولو فرضنا أنه يخلو عنه لم يكن إنسانا بل غير إنسان، لأن العصمة لجملة النوع باطلة، وما استلزم الباطل باطل.
وقد قضى الله في سابق علمه كما أخبرنا بذلك في كتابه (١) على لسان رسله أن فريقا من هذا النوع في الجنة، وفريقا في السعير. وأن منهم الشقي والسعيد، والبر والفاجر، والمسلم والكافر. وأخبرنا أيضًا على لسان (٢) رسله أنه خلق الجنة وخلق لها أهلا، وخلق النار وخلق لها أهلا، وأخبرنا أيضًا أنه الغفور الرحيم، المنتقم الجبار، شديد العقاب ونحو
стр. 1645
ذلك من الأسماء والصفات (١). فلو فرضنا أن مجموع هذا النوع الإنساني لا يصدر من ذنب أصلا كانت هذه الإخبارات الإلهية باطلة، وما استلزم الباطل باطل. وبيان الملازمة أنه إذا لم يوجد المذنب لم يوجد الشقي منهم. ولا الكافر ولا الفاجر، ولا من هو من أهل النار. وأيضا لم يوجد من يستحق العفو عنه، والرحمة له، والانتقام منه، والعقوبة له.
وأما بطلان اللازم فظاهر، فتقرر بهذا أن الحديث مسوق لبيان أن العصمة عن مجموع هذا النوع الإنساني (٢) منتفية، وأنهم على [٢] ما حكاه الله في محكم كتابه، وعلى لسان رسوله ﷺ ومنهم المطيع، ومنهم العاصي، ومنهم من جمع بين الطاعة والمعصية، وأنهم مظاهر الأسماء الحسنى والصفات المتضمنة للغضب والرضا، والرحمة والعقوبة، والنعيم
стр. 1646
والعذاب والعفو والعقاب، وأن منهم فريق الجنة (١)، ومنهم فريق النار.
فمن رام أن يكونوا جميعا معصومين عن الذنوب فقد رام شططا، وخالف الشرائع بأسرها، كما خالف الواقع ونفس الأمر. ولم يبق على ما زعمه ثمرة لإنزال الكتب، وبعثة الرسل. هذا حاصل ما يظهر لي في معنى هذا الحديث الصحيح. ومن رام الوقف على جميع ما قيل في ذلك فليبحث مطولات شروح الحديث.
وفي هذا المقدار كفاية لمن له هداية، والله ولي التوفيق. (وذكر اسمه هنا) [٣].
стр. 1647
بحث في بيان العبدين الصالحين المذكورين في حديث الغدير
تأليف
محمد بن علي الشوكاني
حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه
محمد صبحي بن حسن حلاق
أبو مصعب
стр. 1648
وصف المخطوط:
١ - عنوان الرسالة: (بحث في بيان العبدين الصالحين المذكورين في حديث الغدير).
٢ - موضوع الرسالة: في "الحديث".
٣ - أول الرسالة: الحمد لله وحده وصلاته وسلامه على سيدنا محمد وآله، وبعد، فإنه ورد السؤال عن تفسير ما وقع في حديث الغدير.
٤ - آخر الرسالة: ... من بين من تقدمه ﵌ من الأنبياء والصالحين بخلاف الحمزة وجعفر، فإن المخصص لهما واضح لو لم يكن إلا مجرد القرابة القربى فهذا ما ظهر، والله سبحانه أعلم.
٥ - نوع الخط: خط نسخي جيد.
٦ - المسطرة: الأولى: (١٨) سطرا.
الثانية: (١٥) سطرا.
٧ - عدد الكلمات في السطر: (٨) كلمة.
٨ - الرسالة من المجلد الثالث من "الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني".
стр. 1649
الحمد لله وحده، وصلاته وسلامه على سيدنا محمد وآله.
وبعد: فإنه ورد في السؤال عن تفسير ما وقع في حديث الغدير عند الطبراني عن (١) عن جرير
стр. 1650
بلفظ: "من يكن الله ورسوله مولاه فإن هذا مولاه - يعني عليا ﵇ اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، اللهم من أحبه من الناس فكن له حبيبا، ومن أبغضه من الناس فكن له بغيضا، اللهم إني لا أجد أحدا أستودعه في الأرض بعد العبدين الصالحين غيرك فاقض عني فيه بالحسنى" انتهى.
ومحل السؤال: من هما العبدان الصالحان المذكوران في الحديث؟ وأقول: قد اختلف في تفسيرهما، فقيل: هما الخضر (١) ..................