والعذاب والعفو والعقاب، وأن منهم فريق الجنة (١)، ومنهم فريق النار.
فمن رام أن يكونوا جميعا معصومين عن الذنوب فقد رام شططا، وخالف الشرائع بأسرها، كما خالف الواقع ونفس الأمر. ولم يبق على ما زعمه ثمرة لإنزال الكتب، وبعثة الرسل. هذا حاصل ما يظهر لي في معنى هذا الحديث الصحيح. ومن رام الوقف على جميع ما قيل في ذلك فليبحث مطولات شروح الحديث.
وفي هذا المقدار كفاية لمن له هداية، والله ولي التوفيق. (وذكر اسمه هنا) [٣].
стр. 1647
بحث في بيان العبدين الصالحين المذكورين في حديث الغدير
تأليف
محمد بن علي الشوكاني
حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه
محمد صبحي بن حسن حلاق
أبو مصعب
стр. 1648
وصف المخطوط:
١ - عنوان الرسالة: (بحث في بيان العبدين الصالحين المذكورين في حديث الغدير).
٢ - موضوع الرسالة: في "الحديث".
٣ - أول الرسالة: الحمد لله وحده وصلاته وسلامه على سيدنا محمد وآله، وبعد، فإنه ورد السؤال عن تفسير ما وقع في حديث الغدير.
٤ - آخر الرسالة: ... من بين من تقدمه ﵌ من الأنبياء والصالحين بخلاف الحمزة وجعفر، فإن المخصص لهما واضح لو لم يكن إلا مجرد القرابة القربى فهذا ما ظهر، والله سبحانه أعلم.
٥ - نوع الخط: خط نسخي جيد.
٦ - المسطرة: الأولى: (١٨) سطرا.
الثانية: (١٥) سطرا.
٧ - عدد الكلمات في السطر: (٨) كلمة.
٨ - الرسالة من المجلد الثالث من "الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني".
стр. 1649
الحمد لله وحده، وصلاته وسلامه على سيدنا محمد وآله.
وبعد: فإنه ورد في السؤال عن تفسير ما وقع في حديث الغدير عند الطبراني عن (١) عن جرير
стр. 1650
بلفظ: "من يكن الله ورسوله مولاه فإن هذا مولاه - يعني عليا ﵇ اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، اللهم من أحبه من الناس فكن له حبيبا، ومن أبغضه من الناس فكن له بغيضا، اللهم إني لا أجد أحدا أستودعه في الأرض بعد العبدين الصالحين غيرك فاقض عني فيه بالحسنى" انتهى.
ومحل السؤال: من هما العبدان الصالحان المذكوران في الحديث؟ وأقول: قد اختلف في تفسيرهما، فقيل: هما الخضر (١) ..................
стр. 1651
وإلياس (١)، وقيل: هما الحمزة بن عبد المطلب (٢) وجعفر بن أبي طالب بن عبد .........
стр. 1652
المطلب (١). وقيل هما أبو بكر (٢) وعمر (٣). وقيل هما: الحسنان السبطان (٤). والأقرب
стр. 1653
أنهما الحمزة وجعفر كما نقل ذلك السمهودي، لأن ظاهر قوله ﷺ بعد العبدين الصالحين أنهما عند هذه المقالة غير موجودين، والأمر في الحمزة وجعفر. كذلك فإن الحمزة استشهد في يوم أحد (١)، وجعفر في يوم مؤتة (٢).
وهذه المقالة من النبي ﷺ كانت في يوم غدير خم (٣) بعد رجوعه من حجة الوداع. وحجة الوداع متأخرة عن يوم أحد بسنين متعددة، ومتأخرة أيضًا عن يوم مؤتة فعرفت
стр. 1654
بهذا أنه لا يصح تفسيرها في الحديث بأبي بكر وعمر، لأنهما كانا حيين عند هذه المقالة بلا ريب. ولا بالحسنين لذلك. وأما الخضر وإلياس فإنهما وإن كانا متقدمين ولكن لا وجه لتخصيصهما من بين من تقدمه ﷺ من الأنبياء والصالحين بخلاف الحمزة وجعفر، فإن المخصص لهما واضح لو لم يكن إلا مجرد القرابة القربى، فهذا ما ظهر. والله سبحانه أعلم.
стр. 1655
بحث في حديث (أجعل لك صلاتي كلها) وفي تحقيق الصلاة على الآل ومن خصهم
تأليف
محمد بن علي الشوكاني
حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه
محمد صبحي بن حسن حلاق
أبو مصعب
стр. 1656
وصف المخطوط (أ):
١ - عنوان الرسالة: (بحث في حديث "أجعل لك صلاتي كلها" وفي تحقيق الصلاة على الآل ومن خصهم).
٢ - موضوع الرسالة: في "الحديث".
٣ - أول الرسالة: الحمد لله وحده، وصلاته وسلامه على سيدنا محمد وآله، ورضي الله عن الصحابة الراشدين، آمين، وبعد: فإنه وصل إلى أسير التقصير محمد بن علي الشوكاني.
٤ - آخر الرسالة: ... وقد عرفت أن الأولى أن يُصلى على الآل في كل موضع يُصلى فيه على رسول الله لما سلف. انتهى تحرير هذا البحث في نهاية يوم السبت من غرة شهر جمادى الآخرة سنة ١٢٠٨ هـ كتبه محمد بن علي الشوكاني غفر الله لهما.
٥ - نوع الخط: خط نسخي جيد.
٦ - الناسخ: المؤلف محمد بن علي الشوكاني.
٧ - عدد الصفحات: (٧) صفحات.
٨ - المسطرة: الأولى: (٢٧) سطرا.
الثانية: (٢٦) سطرا.
الثالثة والرابعة: (٢٧) سطرا.
الخامسة: (٢٦) سطرا.
السادسة: (٢٧) سطرا.
السابعة: (٤) أسطر.
٩ - عدد الكلمات في السطر: (١١ - ١٣) كلمة.
١٠ - الرسالة من المجلد الثالث من "الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني".
стр. 1657
وصف المخطوط (ب):
١ - عنوان الرسالة: (بحث في حديث "أجعل لك صلاتي كلها" وفي تحقيق الصلاة على الآل ومن خصهم).
٢ - موضوع الرسالة: في "الحديث".
٣ - أول الرسالة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم.
سيدنا العلامة المحقق بدر الإسلام محمد بن علي الشوكاني كثر الله فوائده وجعل سوابغ نعمه ...
٤ - آخر الرسالة: ... وأشدها ما سلف. انتهى من تحرير المجيب جامعه قرة عين المسلمين عز الإسلام والدين محمد بن علي الشوكاني غفر الله لهما. وأقام به الدين إنه حليم كريم. حرره حفظه الله في شهر القعدة سنة ١٢٠٨ هـ.
٥ - نوع الخط: خط نسخي معتاد.
٦ - عدد الصفحات: (١٢) صفحة.
٧ - عدد الأسطر في الصفحة: (٢٩ - ٣٠) سطرا.
٨ - عدد الكلمات في السطر: (١٦ - ١٨) كلمة.
٩ - الرسالة من المجلد الثالث من "الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني".
стр. 1658
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم.
سيدنا العلامة المحقق بدر الإسلام محمد بن علي الشوكاني كثر الله فوائده، وجعل سوابغ نعمه وآلائه عليه عائدة، وأتحفه بشريف سلامه، وجزيل إلمامه، دار في ذلك الموقف المبارك بيوم الجمعة مع الاجتماع بكم وبأولئك الأعيان الذين هم أشبه بالملأ الأعلى، كثر الله أعداد أمثالهم من العلماء في الملأ.
ذكر الحديث الشريف، وهو قوله ﵌: "إذا تُكفى همك، ويغفر ذنبك" (١) جوابا على القائل له: جعلت لك صلاتي كلها. فحصلت المراجعة في لفظ الصلاة (٢)، إلام ينصرف؟ هل إلى ذات الأذكار والأركان؟ أم إلى الدعاء؟.
стр. 1659
وذكرتم في غضون جوابكم ذكرها بمعنى الدعاء في بعض السنن، وبمعنى ذات الأركان قد ذكرت كذلك، ولم يتبين الصحيح من القولين فيعلم، أو صحتهما [١].
ويحصل ترجيح، أو وقف، وكل من المحاضرين عنده فيما أظن ما يشفي غلته في ذلك، محيط به علمه ما عداني، فأين أنا من أولئك الرجال أهل التدين والكمال.
وتقدموا للعاشقين فكلهم ... طلب النجاة لنفسه إلا أنا
فلكم الفضل بتحقيق ما لديكم في ذلك، وإن شققت عليكم بكثرة السؤالات فويل الشجي من الخلي.
وقد سمعت من جوابكم ما تقدم ذكره من ورود الأمرين، لكن المراد من الصحيح ما يسفر به الصبح من فوائدكم، أبقاكم الله لذي عينين.
مع أن جمعان ذكر في ذلك في شرح العدة ما لفظه: ومعنى: جعلت لك صلاتي كلها، أي دعائي كله لمن يذكر غير هذا. وأي الوجهين صح فقد عم فضل الله به، كثر خير ربنا وطاب، إنما حيث الصحيح أو الأصح أحد القولين أراد الحقير التطلع له ومعرفته إن شاء الله، وأسأل الله أن يجعل العمل خالصا لوجهه، ويعلمنا ما جهلناه، ويرزقنا العمل بما علمناه، فلا حول ولا قوة إلا بالله.
نعم، وكذلك حصلت المذاكرة هنالك، هل يكون السلام على النبي ﵌ مقرونا بكل صلاة يلفظ بها؛ فإذا صلى المصلي مثلا عشرا سلم عشرا، مقترنة بها كل سلام مع كل صلاة، أو يكون السلام بعد إكمال الصلاة، فإذا صلى مثلا ألفا قال بعدها، إما بلا فصل، أو مع تراخ: السلام عليك أيها النبي الكريم .. إلخ، فقد أجزأه، وفعل ما كفاه.
وأما في قوله تعالى: ﴿وسلموا تسليما﴾ فقد أجبتم في السؤال السابق في حديث النفث بعد الإخلاص والمعوذتين عند النوم أنها لا تقتضي الترتيب، فهاهنا كذلك
стр. 1660
تكون أولا.
وسؤال آخر لم يحصل مذاكرة به: من جملة الألفاظ الواردة عنه ﵌ في الصلاة عليه.
اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد.
كما حرره في مجموعة سيدنا حامد شاكر ﵀ بغير زيادة مع أني ما قد وجدته مفردا هكذا إلا في مجموعه ﵀.
نعم فإذا وسط المصلي التسليم بينه، فقال: اللهم صل وسلم على محمد، وعلى آل محمد، هل قد أجزأه عن التسليم المعروف عن النبي ﵌، وهو السلام عليك .. إلخ. فهو أعني: وسلم قد ورد في لفظه ﵌ بفتح اللام، فهل يكون كذلك هنا بكسرها في دعاء الصباح والمساء ونحوه كما عرفتم؟ وعلى دين نبينا محمد ﵌ الفائدة مستمدة، والشيء بالشيء يذكر: حذف الآل في الصلاة المذكورة في الصباح والمساء، هل هي كذلك بغير ذكر الآل في كل الروايات، أو في بعض؟ فإن كانت في البعض فما يحمل في البعض الآخر إلا على غفلة، أو سهو، أو تحامل، كما فعله أكثر المحدثين السابقين [٢]، وحذا حذوهم جماعة من اللاحقين والنقال اعتباطا، فلم يسمع في كل ما رووه من أحاديث الصلاة عنه ﵌ صلاة واحدة كما علمتم، ولم يذكر فيها الآل، وهم الذين حققوها لنا، ورووها، ودونوها، وتحروا النقص ولو بالحرف الواحد والزيادة في روايتهم، فما بالهم وهنوها. يا لله العجب، والله خير مستعان.
عرفت قدري ثم أنكرته ... فما عدا الله مما بدا
والأعداء قد عرفت باردة، والحجة واردة، والله سبحانه حسبي وكفى. وإن كانت لم تسمع، أعني: الصلاة المذكورة في الصباح والمساء، ومثلها إلا كذلك بغير الآل، فهل الأولى ترك ذكرهم فيها للاتباع. أما الأولى زيادة ذكرهم، وما عسى أن يسألهم الله عن هذه الزيادة إن لم يثبت عليها، ولا يعاتبهم الرسول من أجلها، وهو الحادي إليها
стр. 1661
بقوله ﵌: "لا تصلوا علي الصلاة البتراء" أو معناه، كنا نحب اتباع الحق، فإن كان في البناء على ما سمع من إفراد الأصل عن الفروع لزمناه وإن شق، والله يلهم إلى ما علمه صلاحا، ويجعل يوم دنيانا وآخرتنا أوله صلاحا، وأوسطه فلاحا، وآخره نجاحا. آمين اللهم آمين. وشريف سلامه عليكم، ورحمة الله وبركاته، وصليت على سيدنا محمد وآله وسلمت] (١).
стр. 1662
[الجواب، قال - حفظه الله تعالى - ما لفظه: بسم الله الرحمن الرحيم] (١)
الحمد لله وحده، وصلاته وسلامه على سيدنا محمد وآله، ورضي الله عن الصحابة الراشدين آمين، وبعد:
فإنه وصل إلى أسير التقصير محمد بن علي الشوكاني - غفر الله لهما - من مولانا العلامة عين الآل الكرام علي بن إسماعيل (٢) بن الإمام - لا برحت نعم الله الجليلة الجزيلة واصلة إليه على الدوام - سؤالات نفيسة، وطلب - حفظه الله - من الحقير الجواب عليها.
السؤال الأول: عن حديث أبي بن كعب (٣) لما قال للنبي ﵌: "أجعل لك صلاتي كلها؟ " فقال له النبي ﵌: "إذا تكفى همك، ويغفر ذنبك" هل تنصرف الصلاة المذكورة إلى ذات الأركان؟ أم إلى
стр. 1663
الدعاء؟ هذا حاصل السؤال.
وأقول: الصلاة في اللغة (١) الدعاء كما حقق ذلك جماعة من الأئمة المعتبرين، وفي الشرع ذات الأركان والأذكار، وقد ذكر العلامة جار الله في كشافه (٢) ما يشعر بملاحظة المعنى الشرعي عند أهل اللغة، فقال [٣]: إنها تعني الصلاة مأخوذة من تحريك الصلوين وهي الشهادتان.
قال النووي في شرح مسلم (٣): اختلف العلماء في أصل الصلاة، فقيل: هي الدعاء؛ لاشتمالها عليه، وهذا قول جماهير أهل العربية والفقهاء وغيرهم، وقيل: لأنها تالية لشهادة التوحيد كالمصلي من السابق في خيل الحلية. وقيل: هي من الصلوين، وهما عرقان مع الردف. وقيل: هما عظمان [ينحنيان في الركوع والسجود، قالوا: ولهذا كتبت الصلوة بالواو في المصحف] (٤). وقيل: هي من الرحمة. وقيل: أصلها الإقبال على الشيء. وقيل غير ذلك. انتهى.
وقد تقرر في الأصول (٥) أنها تقدم الحقيقة (٦) الشرعية (٧) فالعرفية (٨) ....................
стр. 1664
فاللغوية، فلو فرضنا تجرد الصلاة المذكورة في الحديث عن القرائن كان المتعين حملها على الصلاة الشرعية التي هي ذات الأذكار والأركان، ولكنها قد اقترنت في الحديث بما يوجب صرف معناها إلى المدلول اللغوي، وبيانه أن لفظ الحديث على ما ساقه العامري في آخر البهجة عن الترمذي (١) وغيره، من طريق أبي بن كعب ﵁ قال: كان رسول الله ﵌ إذا ذهب ربع الليل قام فقال: "يا أيها الناس اذكروا الله، جاءت الراجفة تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه"، فقال أبي بن كعب: يا رسول الله، إني أكثر الصلاة عليك، فكم أجعل لك من صلاتي؟ فقال: "ما شئت"، قال: الربع، قال: "ما شئت، وإن زدت فهو خير لك"، قال: يا رسول الله، الثلث؟ قال: "ما شئت، وإن زدت فهو خير لك" قال: النصف، قال: "ما شئت، وإن زدت فهو خير لك" قال: يا رسول الله، فأجعل صلاتي كلها لك؟ قال: "إذن تكفى همك، ويغفر ذنبك" انتهى.
ففي الحديث قرينتان [مشعرتان بأن المراد بالصلاة المذكورة الصلاة اللغوية أعني الدعاء لا الشرعية] (٢).
стр. 1665
القرينة الأولى: أن أول الحديث في الترغيب، والإكثار من الذكر، فينبغي أن يكون مراد أبي بالصلاة المذكورة بعد ذلك الصلاة الذكرية اللغوية، ليكون سؤاله مطابقا لما سأل النبي ﵌ بصدده، ويبعد كل البعد أن يريد بسؤاله الصلاة الشرعية، التي هي ذات الأركان، وهو عربي اللسان، عارف بمخالفة ما جاء به سياق الكلام. ومن تتبع كلام العرب، وعرف كيفية محاوراتهم، علم أنهم يراعون في أكاليمهم السياق، ويحرصون على مطابقته، ولا يخرجون عنه إلى غيره.
القرينة الثانية: قوله: يا رسول الله، إني أكثر الصلاة عليك. فإن المجيء بلفظ: على، بعد الصلاة من أعظم المشعرات بأن مراده بالصلاة الصلاة الذكرية، لا الشرعية؛ لأنه لو أراد الشرعية التي هي ذات الأركان لقال: إني أكثر الصلاة لك؛ فهاتان قرينتان من نفس الحديث.
القرينة الثالثة: ما أخرجه الحافظ أحمد بن معد التجيبي في الأربعين له، في فضل الصلاة على النبي ﵌؛ فإنه قال: وإن جعلت الصلاة على نبيك معظم عبادتك، فقد كفاك الله دنياك وآخرتك، ثم أتى بالحديث [٤]، فإن قوله: وإن جعلت الصلاة إلخ ... مشعر بأنها الصلاة الذكرية، ولو أراد الركنية لقال: وإن جعلت الصلاة لنبيك .. إلخ.
القرينة الرابعة: أن الصلوات الخمس المفترضة أوجبها الله تعالى على كل فرد من أفراد العباد، فمن جعلها لغيره لم يؤد ما افترض الله عليه، فلا يجوز جعلها للخير، فتقرر من هذا أن المراد بالصلاة المذكورة في الحديث هي الذكرية، أعني: الدعاء.
والظاهر أن المراد كل الأدعية؛ لأن لفظ صلاتي مصدر (١) مضاف، وهو من صيغ العموم، فكأنه قال: أجعل كل دعاء أردت أن أدعو به لنفسي لك، فقال النبي ﵌: "إذن تكفى همك .. إلخ".
стр. 1666
أي إذا جعلت مكان الدعاء لنفسك الدعاء لي حصلت لك المغفرة، وكفاية المهمات. وقد ورد في الحديث القدسي: "من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين" (١) ولا شك أن الصلاة على النبي ﵌ مشتملة على ذكر الله، وذكر رسوله؛ فهي أفضل الأذكار.
стр. 1667
السؤال الثاني: قال - حفظه الله -: هل يكون السلام على النبي ﵌ مقرونا بكل صلاة تلفظ بها، فإذا صلى المصلي عشرا سلم عشرا، مقترنا بها كل سلام مع كل صلاة، ويكون السلام بعد كمال الصلاة، فإذا صلى مثلا ألفا ثم قال بعدها: إما بلا فصل، أو مع تراخ: السلام عليك أيها النبي الكريم .. إلخ، فقد أجزأه، وفعل ما كفاه. انتهى.
أقول: ينبغي للمصلي على النبي ﵌ أن يجعل السلام مقترنا بالصلاة كما علمنا الله تعالى بقوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما﴾ (١) فلا يحسن إفراد الصلاة عن السلام، كما لا يحسن العكس.
ومن الإفراد أن تأتي بلفظ الصلاة، وتكررها مرات، ثم تأتي بعد ذلك بلفظ السلام مرة، أو مرات، أو بالعكس. وأما تقديم الصلاة على السلام، أو العكس، فليس في القرآن ما يقتضي ذلك، لما تقرر عند أئمة النحو وغيرهم من أن الواو لمطلق الجمع من غير ترتيب ولا معية، ولكنه يستفاد تقديم الصلاة على السلام من غير الآية؛ فإن من تتبع ما ورد عن النبي ﵌ من ذلك وجده في جميع المواطن بتقديم الصلاة على السلام، إلا في صلاة الصلاة، فإن النبي ﵌ اقتصر في ذلك على تعليمهم كيفية الصلاة ثم قال: والسلام كما علمتم؛ لأنهم قد كانوا عرفوا كيفية السلام عليه قبل أن يعرفوا كيفية الصلاة عليه، كما يشعر بذلك ما أخرجه أحمد (٢)، والبخاري (٣)، ومسلم (٤)، وأبو داود (٥) ............................
стр. 1668
والنسائي (١)، وابن ماجه (٢) عن [كعب بن عجرة] (٣) قال: قلنا: يا رسول الله، قد علمنا، أو عرفنا كيف السلام عليك، فكيف الصلاة ... الحديث.
وأما لفظ الصلاة والسلام فينبغي أن يكون [٥] في المواطن الواردة عنه (٤) ﵌، على صفة من الصفات على تلك الصفة بلا زيادة ولا نقصان، لأن تعليمه ﵌ لأمته أن تكون الصلاة بلفظ، كذا حكمه حكم البيان، لما في القرآن، ولكنه إذا كان البيان مختصا بموضع خاص كانت تلك الصفة مختصة بذلك الموضع، وما لم ترد فيه صفة خاصة فتأدية المشروع تحصل بامتثال ما في القرآن من نحو: اللهم صل وسلم على محمد، أو صلى الله على محمد وسلم، أو نحو ذلك.
стр. 1669
وينبغي أن يضم إلى ذلك الآل لورود الصلاة عليهم في السنة متصلة بالصلاة عليه ﵌ في أحاديث كثيرة، منها ما هو مقيد بالصلاة، ومنها ما هو مطلق، وإذا ثبت في موضع من المواضع إفراد الصلاة عن السلام، أو العكس، أو حذف الصلاة على الآل، فالأحسن أن لا تفرد الصلاة على السلام، ولا يفردهما عن الآل، لأن الموضع الخاص الذي ورد فيه ذكر الصلاة فقط، أو السلام فقط، أو ذكرهما بدون الآل ليس فيه ما يدل على كراهة الزيادة، لأن مجرد الاقتصار على بعض ما ورد لا ينافي الإتيان بجميع الوارد. لأن الإتيان بجميع الوارد إتيان بالبعض منه وزيادة، ولا سيما إذا كانت الأحاديث خارجة من مخرج واحد، فإنه ينبغي ملاحظة الزيادة المقبولة التي لا تنافي الأصل، وضمها إليه كما تقرر في علم الأصول، ولا يكون ذكر الأصل بدونها مستلزما لعدم اعتبارها، وأيضا قد تقرر في الأصول (١) أن بعض الأحاديث إذا ورد مطلقا، وورد البعض الآخر مقيدا توجب العمل بالمقيد بشروط معروفة.
ولا شك أن الأحاديث المقيدة بالسلام، أو بذكر الآل بالنسبة إلى الأحاديث الخالية عنهما، أو عن أحدها، حكم المقيد بالنسبة إلى المطلق، ولكن بشرط أن لا تكون تلك الزيادة وذلك القيد مختصين بموضع مخصوص لا ينبغي مجاوزته إلى غيره، وبشرط أن يتحد المطلق والمقيد حكما وسببا، أو حكما (٢) فقط، أو سببا فقط على حسب الخلاف المبسوط في الأصول (٣)، وبهذا يظهر الجواب عن السؤال الثالث، أعني: قول السائل - حفظه الله - أن من جملة الألفاظ الواردة عنه ﵌ في الصلاة: اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، فهل تجزئ المصلي إذا وسط التسليم؟ فقال:
стр. 1670
اللهم صل وسلم على محمد وعلى آل محمد .. إلخ.
فإن قلت: الأحاديث الواردة بذكر الآل مقيدة بالصلاة كما في حديث أبي مسعود؛ فإنه ثبت عنه من طريق ابن حبان (١)، والحاكم (٢)، والبيهقي (٣)، وابن خزيمة (٤)، وصححوه بزيادة: كيف نصلي عليك إذا نحن صلينا عليك في صلاتنا؟ وفي رواية: كيف نصلي عليك في صلاتنا؟ وهذه الزيادة تدل على أن التعبد بالصلاة على الآل إنما ورد [٦] في الصلاة فقط، فلا يصح تقييد الأحاديث المطلقة بذلك لما قدمنا من أن المقيد وما فيه الزيادة إذا كانا مقيدين بموضع خاص لم يعمل بالقيد والزيادة في غير ذلك الموضع.
قلت: تقييد حديث ابن مسعود بالصلاة لا يدل على تقييد الأحاديث الواردة بمشروعية الصلاة على الآل مطلقا؛ وذلك كحديث أبي هريرة عند أبي داود (٥) عن النبي ﵌ بلفظ: "من سره أن يكتال بالمكيال الأوفى إذا صلى علينا أهل البيت فليقل: اللهم صل على محمد النبي وأزواجه أمهات المؤمنين، وذريته وأهل بيته، كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد".
وأخرجه النسائي (٦) عن علي ﵇ بهذا اللفظ، ولا شك أن تقييد هذين
стр. 1671
الحديثين، وأمثالهما بالصلاة في الصلاة لأجل تلك الزيادة الواردة في حديث أبي مسعود في غاية البعد، لأن النبي ﵌ قد جعل هذه الصلاة سببا للاكتيال بالمكيال الأوفى، وذلك مطلوب في جميع الأوقات، وتقييده بوقت الصلاة غير مناسب لذلك، ومخالف لما تقرر في الأصول (١) من الشروط المعتبرة في حمل المطلق على المقيد.
فإن قلت: ألفاظ الصلاة الواردة في الأحاديث الصحيحة مطلقا في الصلاة وغيرها، إذا أراد المصلي أن يأتي بجميع الألفاظ الواردة، هل يمكنه ذلك؟.
قلت: نعم يمكن ذلك، قال النووي في شرح المهذب (٢) ينبغي أن يجمع ما في الأحاديث الصحيحة فيقول: اللهم صل على محمد النبي الأمي، وأزواجه، وذريته كما صليت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد، وعلى آل محمد وأزواجه وذريته، كما باركت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، في العالمين إنك حميد مجيد.
قال العراقي: بقي عليه مما في الأحاديث الصحيحة ألفاظ أخر، وهي خمسة، يجمعها قولك: اللهم صل على محمد عبدك ورسولك النبي الأمي، وعلى آل محمد، وأزواجه أمهات المؤمنين، وذريته، وأهل بيته، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد النبي الأمي، وعلى آل محمد، وأزواجه، وذريته، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد. انتهى.
وقد وردت زيادات غير هذه في أحاديث أخر عن علي ﵇ وابن مسعود وغيرهما، ولكن فيها مقال، فلا ترد عليهما، لأنها إنما قصد جمع ألفاظ الأحاديث الصحيحة كما سلف.
стр. 1672
[السؤال الثالث] (١)
قال السائل - حفظه الله - حكم في الآل (٢) في الصلاة المذكورة، في الصباح والمساء، هل هي كذلك بغير ذكر الآل في كل الروايات، أو في بعض؟ فإن كانت في البعض فما تحمل في البعض الآخر إلا على غفلة، أو سهو، أو تحامل، كما فعله أكثر المحدثين السابقين، وحذا حذوهم جماعة من اللاحقين إلى آخر كلامه، كثر الله فوائده [٧].
أقول: الذي وقفت عليه من الألفاظ الصلاة على رسول الله في أدعية الصباح والمساء ليس فيه ذكر الصلاة على الآل في الكتب الحديثية، وقد عرفت مما سبق أن لفظ الصلاة على النبي ﵌ ورد في بعض الأحاديث غير مقيد بالسلام، وفي بعضها مقيدا به وورد بعض آخر غير معطوف عليه الصلاة على آل رسول الله. وفي بعض بعطف الصلاة على الآل على الصلاة على رسول الله ﵌. وقد قررناه فيما سبق أن العمل بالزيادة متوجه إذا كملت شروط قبولها، وهو مجمع على ذلك كما في الكتب الأصولية، فينبغي للمصلي في كل موضع أن يجمع بين (٣) الصلاة والسلام، ويضم الصلاة على رسول الله ﵌ إلى الصلاة عليه ﵌ ليكون مؤديا لذلك على وجه أكمل، وفاعلا لهذه القربة
стр. 1673
العظيمة على طريق أتم. أما ذكر السلام فلتصريح القرآن به، وكذلك التصريح به في كثير من الأحاديث، وأما ذكر الآل فلوروده في عدة أحاديث. ولا شك، ولا ريب أن المصلي الصلاة الكاملة أكمل أجرا من المقتصر على البعض، لكونه ممتثلا بيقين، ومؤديا للبعض في ضمن الكل.
وحديث: "لا تصلوا علي الصلاة البتراء" (١) إن صح كان من الأدلة القاضية بمنع ترك الصلاة على آل رسول الله عند الصلاة عليه ﵌ بعد ثبوت تفسير الصلاة البتراء بالصلاة التي ترك فيها ذكر الآل.
ومن الأدلة على ذلك ما رواه الأمير الحسين في الشفا (٢) عن علي ﵇ قال: سمعت رسول الله ﵌ يقول: "إذا صليتم علي فصلوا على آلي معي؛ فإن الله لا يقبل الصلاة علي إلا مع آلي".
وفي أمالي (٣) أبي طالب قال: أخبرنا أبي ﵀ قال: أخبرنا أبو القاسم حمزة العلوي العباسي قال: حدثني علي بن عبد الله بن سنان عن جعفر بن محمد، عن آبائه ﵈ أن رسول الله ﵌ قال: "ارفعوا (٤) أصواتكم بالصلاة علي، وعلى أهل بيتي؛ فإنها تذهب النفاق".
وروى السهمودي في جواهر العقدين في فضل الشرفين من حديث علي عليه
стр. 1674
السلام، قال: الدعاء محجوب حتى يصلى على محمد وأهل بيته، قال: أخرجه الديلمي (١)، وفيه أيضًا عن أبي مسعود الأنصاري البدري قال: قال رسول الله ﵌: "من صلى علي صلاة لم يصل فيها علي، وعلى أهل بيتي لم يقبل منه"، قال أخرجه الدارقطني (٢)، والبيهقي (٣) وغيرهما.
وقد اعتذر لأئمة الحديث في تركهم للصلاة على الآل عند الصلاة على رسول الله ﷺ بأعذار أحسنها أنهم يجعلون الأحاديث المقيدة بالصلاة على الآل خاصة بالمواضع التي وردت فيها ويجعلون التقييد في غير تلك المواضع بمطلق الصلاة التي أمر الله بها في كتابه، ولكن قد عرفت أن الأولى أن يصلي على الآل في كل موضع يصلي فيه على رسول الله لما سلف (٤). [انتهى من تحرير هذا البحث في نهاية يوم السبت من غرة شهر جمادى الآخرة سنة ١٢٠٨ هـ كتبه محمد بن علي الشوكاني غفر الله لهما] (٥).
[انتهى من تحرير مباحث المجيب حفظه الله، ومتع بحياته، وأدام للمسلمين والآل فائدته بحق محمد وآله وصحبه. وكان تحرير الإجابة في نهار السبت من غرة شهر جمادى الآخرة سنة ١٢٠٨] (٦).
стр. 1675
[هذه الأبيات كتبها (١) السائل لما اطلع على الجواب المذكور سابقا] (٢):
هذا الجواب عن المسائل قد شفى ... قلبا من الإشكال كان على شفا
لا زلتُ بالإرشاد منك لكل ما ... أعيا ذوي الأنظار تأتي بالشفا
وجزيت عن تنقيحك المختار والتصحيح ... خيرا من حديث المصطفى
صلى عليه مسلما رب الورى ... والآل أرباب المعارف والوفا
[ثم ذكر حفظه الله تعالى:
فائدة: ذكرها ابن القيم في إعلام الموقعين (٣) ما لفظه: "وإذا كان الله تعالى لا يعذب تائبا فهكذا الحدود لا تقام على تائب. وقد نص الله تعالى سقوط الحد عن المحاربين بالتوبة التي وقعت قبل القدرة عليهم، مع عظم ذنبهم؛ وذلك تنبيه على سقوط ما دون الحراب بالتوبة الصحيحة بطريق الأولى، وقد روينا في سنن النسائي (٤) من حديث سماك عن علقمة بن وائل، عن أبيه أن امرأة وقع عليها رجل في سواد الصبح، وهي تعمل بمكره على نفسها، فاستغاثت برجل مر عليها وفر صاحبها، ثم مر عليها ذو عدد، فاستغاثت بهم، فأدركوا الرجل الذي استغاثت به، فأخذوه وسبقهم الآخر فجاءوا به إليها فقال: أنا الذي أغثتك وقد ذهب الآخر. قال: فأتوا به نبي الله ﵌ فأخبر أنه وقع عليها، وأخبر القوم أنهم أدركوه يشتد، فقال: إنما كنت أغثتها على صاحبها فأدركني هؤلاء فأخذوني، فقالت: كذب هو الذي وقع علي، فقال
стр. 1676
النبي ﵌: انطلقوا به فارجموه، فقام رجل من الناس فقال: لا ترجموه وارجموني، فأنا الذي فعلت بها الفعل، فاعترف، فاجتمع ثلاثة عند رسول الله ﵌: الذي وقع عليها، والذي أغاثها، والمرأة.
فقال: أما أنت فقد غفر لك، وقال للذي أغاثها قولا حسنا. فقال عمر: ارجم الذي اعترف بالزنا، فأبى رسول الله ﵌ لأنه قد تاب إلى الله تعالى. قال ابن القيم (١) وليس بحمد الله فيه إشكال؛ فإن قيل: كيف أمر رسول الله ﵌ برجم المغيث من غير بينة ولا إقرار؟ قيل: هذا من أدل الدلائل على اعتبار القرائن، والأخذ بشواهد الأحوال في التهم، وهو يشبه الحدود بالرائحة والقي كما اتفق عليه الصحابة، وإقامة حد الزنا، كما نص عليه عمر، وذهب إليه فقهاء أهل المدينة، وأحمد في ظاهر مذهبه، وكذلك أنه يقام الحد على المتهم إذا وجد المسروق عنده، فهذا الرجل لما أدرك وهو يشتد هربا، وقالت المرأة: هذا هو [الرجل] (٢) الذي فعل بي، وقد اعترف بأنه دنا منها، وأتى إليها، وادعى أنه كان مغيثا لا مريبا، ولم ير أولئك الجماعة غيره، كان هذا من أظهر الأدلة على أنه صاحبها، وكان الظن المستفاد من ذلك لا يقصر عن الظن المستفاد من شهادة البينة. واحتمال الغلط أو عداوة الشهود كاحتمال الغلط وعداوة المرأة هنا، بل ظن عداوة المرأة في هذا الموضع في غاية الاستبعاد، فنهاية الأمر أن هذا لوث ظاهر لا يستبعد ثبوت الحد بمثله شرعا، كما تقبل القسامة باللوث الذي لعله دون هذا في كثير من المواضع، فهذا الحكم من أحسن الأحكام وأجراها على قواعد الشرع، والأحكام الظاهرة تابعة للأدلة الظاهرة من البينة، والأقارير، وشواهد الأحوال، وكونها في نفس الأمر قد تقع غير مطابقة أمرا لا يقدح في كونها طرقا وأسبابا لأحكام، فالبينة لم تكن موجهة بذاتها للحد، وإنما
стр. 1677
ارتباط المدلول بدليله، فإن كان هناك دليل يقاومها، أو أقوى منها لم يلغه الشارع، وظهور الأمر بخلافه لا يقدح في كونها دليلا كالبينة والإقرار.
وأما سقوط الحد عن المعترف، فإذا لم يتسع له نطاق عمر بن الخطاب فأحرى أن لا يتسع له نطاق كثير من الفقهاء، ولكن اتسع له نطاق الرءوف الرحيم فقال: لأنه قد تاب إلى الله تعالى، وأبى أن يحده. ولا ريب أن الحسنة التي جاء بها من اعترافه طوعا واختيارا خشية من الله، وحده وإنقاذ الرجل المسلم من الهلاك، وتقويم حياة أخيه، واستسلامه للقتل أكثر من السيئة التي فعلها مقاومة هذا الدواء لذلك الداء.
وكانت القوة صالحة فزال المرض وعاد القلب إلى حال الصحة، فقيل: لا حاجة [لنا] (١) بحدك، وإنما جعلناه طهرة ودواء، فإذا تطهرت بغيره فعفونا يسعك. فأي حكم أحسن من هذا وأرشد مطابقة للرحمة والحكمة والمصلحة؟ وبالله التوفيق انتهى (٢).
ولا يخفى عليك أن جعله لهذه الواقعة مشبهة لإقامة الحدود بالرائحة في غاية البعد؛ فإن وجد أن الرائحة متنوعة من فم الشارب، مما لا يبقى معه شك ولا ارتياب أنه قد شرب الخمر، فكيف ينزل ما نحن فيه تلك المنزلة ويلحق بتلك الواقعة والحال أن الرجل يقول: إنما أغثتها، والجماعة الممسكون له لم يخبروا بغير وجدانهم له يشتد، ولم يكن هناك إلا مجرد الدعوى من المرأة مع أنها مقرة بأنها قد استغاثت برجل مر عليها قبل استغاثتها بالجماعة. وأبعد من ذلك جعل هذه القرينة مساوية لقرينة الحبل. وكل عاقل يعلم أن بين الواقعتين ما بين السماء والأرض؛ فإن من المقطوع به أن المرأة التي لا زوج لها لا تحبل إلا بعد زنا، هذا مما لا يشك فيه أحد.
وأما تنزيله للظن الحاصل بهذه القرينة منزلة الظن الحاصل من الشهادة، فمن الغرائب [١٠] التي يتعجب منها؛ فإن الله ﷻ قد تعبدنا بالعمل بالظن
стр. 1678
الحاصل عن البينة، لأنه مستفاد من طريق شرعها الله لعباده، ولم يتعبدنا بالظن الحاصل من القرينة، ولو كان الأمر كذلك لكانت الطرق المثمرة للعمل غير منحصرة، بل كلما أفاد الظن كان معمولا به، وهذا خرق لإجماع المسلمين. وقد أرشد الله عباده إلى ترك العمل بالظنون، ونهاهم عن اتباعه كما في كتابه العزيز، وما عمل به من الظنون كأخبار الآحاد، والحكم بالشهادة واليمين، فلكون دليل العمل به مخصصا لذلك العموم، لأنا نقول: قد عارضه ما هو أرجح منه، وهو استثباته ﵌ في الحدود استثباتا زائدا على استثباته في غيرها، حتى إنه كان يعرض عن الرجل بعد أن يسمع منه الإقرار بالزنا مرة بعد مرة، ثم يقول له بعد ذلك: صنعت كذا وكذا، ويأتي بألفاظ تدل على الوقائع بدون كناية، كقوله لماعز (١): "أفنكتها؟ " قال: نعم، وكقوله: "حتى غاب ذاك منك في ذاك منها كما يغيب المرود في المكحلة، والرشا في البئر؟ " قال: نعم. وربما استثبت فسأله عن عقله، أو سأل قومه عن ذلك، كما في حديث ماعز (٢) أنه قال له: "أبك جنون؟ " وقوله للسارق (٣) "ما أخالك سرقت".
стр. 1679
وقوله: "ادرءوا الحدود بالشبهات" (١) فإذا كانت الحدود بعد ثبوتها ثبوتا لا يرتاب فيه تدرأ بالشبهات، فكيف يجوز الحكم بها بمجرد الشبهة الواهية!.
وقد أجاب بعض المتأخرين، وهو السيد العلامة أحمد بن محمد بن إسحاق بن المهدي عن ذلك بأن النبي ﵌ نزل سكوت الرجل الذي ادعت المرأة وقوعه عليها منزلة الإقرار، ويجاب عنه بأن الرجل مصرح في مقام الرسول ﵌ بالإنكار، ومدع للإغاثة، كما وقع في حديث النسائي الذي تقدم ذكره.
وأما إشكال إسقاطه ﵌ للحد عن الرجل الذي اعترف بالزنا، وجواب ابن القيم عنه بما سلف.
فنقول: إذا كانت رواية النسائي كما ساقها في كلامه من أنه ﵌ أبى أن يقيم على الرجل الحد، فلا شك أنه مشكل وإن لم يقع منه ﵌ بعد قول عمر إلا قوله: "لقد تاب توبة" .. إلخ، فليس فيه دلالة على أنه أسقط الحد، ولا يلزم من هذه العبارة عدم إقامة الحد، فإنه ﵌ قد قال مثلها لماعز (٢)، وفي .................................
стр. 1680
رواية (١) أنه قالها للمرأة الجهنية، وفي رواية (٢) أنه قال لماعز: "والذي نفسي بيده إنه الآن لفي أنهار الجنة ينغمس فيها" على أنه يعارض ما وقع في هذا الحديث على فرض أنه وقع من النبي ﵌ التصريح بترك الرجم في سنن الترمذي (٣) وصححه من حديث [١١] علقمة بن وائل عن أبيه بلفظ: وقال للرجل الذي وقع عليها ارجموه، وقال: "لقد تاب توبة لو تابها أهل المدينة لقبل منهم". فهذا صريح أنه أمر برجمه.
وعزا في جامع الأصول (٤) هذه الرواية إلى أبي داود (٥)، والترمذي (٦)، ثم قال: وفي رواية للترمذي (٧) قال: استكرهت امرأة على عهد رسول الله ﵌ فدرأ عنها الحد، وأقامه على الذي أصابها .. انتهى.
وفي سنن أبي داود (٨) أنهم قالوا للرجل الذي وقع عليها: "ارجمه"، وقال: "لقد تاب توبة" إلخ. وليس فيه أنه امتنع من رجمه، وذلك لا ينافي الأمر بالرجم كما عرفت، ومما يؤيد ما رواه الترمذي من الأمر بالرجم ما وقع منه ﵌ من التشديد في أمر الحد، والزجر عن إسقاطه، والشفاعة فيه، حتى قال لأسامة لما شفع في
стр. 1681
المرأة المخزومية التي سرقت: "أتشفع في حد من حدود الله! " ثم قام فاختطب فقال: "إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها" أخرجه الجماعة (١) كلهم من حديث عائشة.
وأخرج أبو داود (٢) والنسائي (٣) من حديث عائشة قالت: قال ﵌: "أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود" وفي إسناده عبد الملك بن زيد العدوي، ويشهد له حديث ابن عمر (٤) وابن مسعود (٥) بنحوه، كما ذكر ذلك الحافظ في التلخيص (٦).
فإن قلت: سلمنا أنه ما أمر به ﵌ من الحد لذلك الرجل الذي تبينت براءته مرجوح، وكذلك إسقاطه للحد على فرض ثبوت ما يدل عليه، ولكن علام تحمل ما وقع منه ﵌؟
قلت: قد تقرر في ..................................
стр. 1682
الأصول (١) أن النبي ﵌ يجوز عليه الخطأ في الاجتهاد، ولكنه لا يقر عليه، ولا مانع من أن يكون هذا منه ويحمل على أن كان العمل بمجرد القرينة في الحدود، وإسقاطها عن التائب جائزا ثم نسخ بما ورد من التحري فيها، والمبالغة في الاستفصال، وعدم جواز إثباتها إلا بالإقرار أو الشهادة، وبما ورد من الزجر عن إسقاط الحدود بدون سبب يجوز الإسقاط (٢).
стр. 1683
وإذا عرفت هذا استرحت من الإشكالات التي يوردها الناس على حديث وائل المذكور، وهي كثيرة وأشدها ما سلف.
انتهى من تحرير المجيب جامعه قرة عين المسلمين عز الإسلام والدين محمد بن علي الشوكاني، غفر الله لهما، وأقام به الدين، إنه حليم كريم. حرره - حفظه الله - في شهر القعدة سنة ١٢٠٨ هـ] (١).
стр. 1684
تنبيه الأعلام على تفسير المشتبهات بين الحلال والحرام
تأليف العلامة
محمد بن علي الشوكاني
حققته وعلقت عليه وخرجت أحاديثه
محفوظة بنت علي شرف الدين
أم الحسن
على صفحة المجلد ما نصه:
(الحمد لله:
هذا المجلد هو أحد المجلدات التي سميتها "الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني" غفر الله له) وقد كملت خمسة مجلدات، جزى الله مؤلفه عن المسلمين خيرا وأسكنه بحبوحة جنانه وتغشاه بواسع رضوانه.
стр. 1685
وصف المخطوط:
١ - عنوان الرسالة: "تنبيه الأعلام على تفسير المشتبهات بين الحلال والحرام".
٢ - موضوع الرسالة: في "الحديث".
٣ - أول الرسالة: "بسم الله الرحمن الرحيم" وبعد حمد الله حق حمده وصلاته وسلامه على سيدنا محمد وآله، فإنه وصل سؤال على أحسن منوال من سيدي العلامة صفي الإسلام نبراس الآل الكرام أحمد بن يوسف زبارة ثبت الله إيراده.
٤ - آخر الرسالة: قال في "الأم" التي بخط مؤلفها حفظه الله وكثر فوائده، ما لفظه: وكان الفراغ من تحريره في نهار الجمعة، لعله تاسع عشر من محرم الحرام سنة خمس عشرة ومائتين وألف هجرية، انتهى والحمد لله أولا وآخرا وظاهرا وباطنا، وصلى الله على سيدنا محمد وآله، وكان الفراغ من فعله صبح يوم الخميس شهر صفر سنة سبع عشرة ومائتين وألف هجرية بقلم إبراهيم بن عبد الله الحوثي ...
بلغ قراءة ومقابلة على نسخة منقولة من خط المؤلف عافاه الله شهر صفر سنة ١٣٤٣ حرره الحقير محمد بن أحمد الشاطبي.
٥ - نوع الخط: خط نسخي جيد.
٦ - عدد الصفحات: (٢٩) صفحة مع صفحة العنوان.
٧ - عدد الأسطر: (٢٢) سطرا.
٨ - عدد الكلمات في السطر: (١٠ - ١٢) كلمة.
٩ - الناسخ: إبراهيم بن عبد الله الحوثي.
١٠ - الرسالة من المجلد الثالث من "الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني".