← Джавами‘

Джавами‘ · id 36543

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

الشوكاني

Полный текст (5 091 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

المرأة المخزومية التي سرقت: "أتشفع في حد من حدود الله! " ثم قام فاختطب فقال: "إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها" أخرجه الجماعة (١) كلهم من حديث عائشة. وأخرج أبو داود (٢) والنسائي (٣) من حديث عائشة قالت: قال ﵌: "أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود" وفي إسناده عبد الملك بن زيد العدوي، ويشهد له حديث ابن عمر (٤) وابن مسعود (٥) بنحوه، كما ذكر ذلك الحافظ في التلخيص (٦). فإن قلت: سلمنا أنه ما أمر به ﵌ من الحد لذلك الرجل الذي تبينت براءته مرجوح، وكذلك إسقاطه للحد على فرض ثبوت ما يدل عليه، ولكن علام تحمل ما وقع منه ﵌؟ قلت: قد تقرر في ..................................

стр. 1682

الأصول (١) أن النبي ﵌ يجوز عليه الخطأ في الاجتهاد، ولكنه لا يقر عليه، ولا مانع من أن يكون هذا منه ويحمل على أن كان العمل بمجرد القرينة في الحدود، وإسقاطها عن التائب جائزا ثم نسخ بما ورد من التحري فيها، والمبالغة في الاستفصال، وعدم جواز إثباتها إلا بالإقرار أو الشهادة، وبما ورد من الزجر عن إسقاط الحدود بدون سبب يجوز الإسقاط (٢).

стр. 1683

وإذا عرفت هذا استرحت من الإشكالات التي يوردها الناس على حديث وائل المذكور، وهي كثيرة وأشدها ما سلف. انتهى من تحرير المجيب جامعه قرة عين المسلمين عز الإسلام والدين محمد بن علي الشوكاني، غفر الله لهما، وأقام به الدين، إنه حليم كريم. حرره - حفظه الله - في شهر القعدة سنة ١٢٠٨ هـ] (١).

стр. 1684

تنبيه الأعلام على تفسير المشتبهات بين الحلال والحرام تأليف العلامة محمد بن علي الشوكاني حققته وعلقت عليه وخرجت أحاديثه محفوظة بنت علي شرف الدين أم الحسن على صفحة المجلد ما نصه: (الحمد لله: هذا المجلد هو أحد المجلدات التي سميتها "الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني" غفر الله له) وقد كملت خمسة مجلدات، جزى الله مؤلفه عن المسلمين خيرا وأسكنه بحبوحة جنانه وتغشاه بواسع رضوانه.

стр. 1685

وصف المخطوط: ١ - عنوان الرسالة: "تنبيه الأعلام على تفسير المشتبهات بين الحلال والحرام". ٢ - موضوع الرسالة: في "الحديث". ٣ - أول الرسالة: "بسم الله الرحمن الرحيم" وبعد حمد الله حق حمده وصلاته وسلامه على سيدنا محمد وآله، فإنه وصل سؤال على أحسن منوال من سيدي العلامة صفي الإسلام نبراس الآل الكرام أحمد بن يوسف زبارة ثبت الله إيراده. ٤ - آخر الرسالة: قال في "الأم" التي بخط مؤلفها حفظه الله وكثر فوائده، ما لفظه: وكان الفراغ من تحريره في نهار الجمعة، لعله تاسع عشر من محرم الحرام سنة خمس عشرة ومائتين وألف هجرية، انتهى والحمد لله أولا وآخرا وظاهرا وباطنا، وصلى الله على سيدنا محمد وآله، وكان الفراغ من فعله صبح يوم الخميس شهر صفر سنة سبع عشرة ومائتين وألف هجرية بقلم إبراهيم بن عبد الله الحوثي ... بلغ قراءة ومقابلة على نسخة منقولة من خط المؤلف عافاه الله شهر صفر سنة ١٣٤٣ حرره الحقير محمد بن أحمد الشاطبي. ٥ - نوع الخط: خط نسخي جيد. ٦ - عدد الصفحات: (٢٩) صفحة مع صفحة العنوان. ٧ - عدد الأسطر: (٢٢) سطرا. ٨ - عدد الكلمات في السطر: (١٠ - ١٢) كلمة. ٩ - الناسخ: إبراهيم بن عبد الله الحوثي. ١٠ - الرسالة من المجلد الثالث من "الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني".

стр. 1686

[صفحة عنوان المخطوط]

стр. 1687

[الصفحة الأولى من المخطوط]

стр. 1688

[الصفحة ما قبل الأخيرة من المخطوط]

стр. 1689

[الصفحة الأخيرة من المخطوط]

стр. 1690

[السؤال] بسم الله الرحمن الرحيم. وبعد حمد الله حق حمده وصلاته وسلامه على سيدنا محمد وآله، فإنه وصل سؤال على أحسن منوال من سيدي العلامة صفي الإسلام، نبراس الآل الكرام، أحمد بن يوسف زبارة (١) - ثبت الله إيراده وإصداره - إلى الحقير إلى رحمة القدير محمد بن علي الشوكاني - غفر الله ذنوبه، وستر عن عيون الناس عيوبه - مضمونه الاستفهام عن معنى ما في حديث النعمان بن بشير مرفوعًا بلفظ: (الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات) (٢). قال - كثر الله فوائده - ما لفظه: هل المراد بالحلال والحرام والشبهة فيما يتعلق

стр. 1691

بأفعال الآدميين وسائر ما يباشرونه من المأكولات والمشروبات والمنكوحات، وسائر ما يتعلق به [من] الإنشاءات والمعاملات. وما المراد بالاتقاء للشبهة في ذلك؟ وما تمثيله؟ فهل المراد مثلا ما وقع لبعض العلماء أنه وقع نهب أموال في جهة من جهات الإسلام بالقرب من بلده، فترك جميع المأكول من اللحم والحب، وسائر ما جلب إلى محله، واقتصر على أكل العشب سنة؟ وقد مقت عليه كثير من علماء عصره. ذكره ابن القيم أو معناه في الكلم الطيب، ومثلا لو علم أن له في صنعاء محرما، أو رضيعة، فنقول: لا يجوز له الإقدام إلى تزوج امرأة على ظاهر الحديث، وإن غلب على الظن كونها غير رحمه؟ أو يكون تمثيل اتقاء الشبهة بأنه لا يقدم على الفعل المباح، أو المندوب خوفا من عدم القيام بالواجب، أو فعل المحظور، كلو ترك التزوج بزايد على الواحدة خوفا من الميل عن أحد الضرتين، لأنه لا يأمن على نفسه تعدي الحمى الوارد في متن الحديث: (ألا وإن حمى الله محارمه). فنقول: على هذا ينبغي عدم التزوج بزايد على الواحدة، لا سيما [٢] مع ورود الدليل القرآني بقوله تعالى، قال تعالى: ﴿ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء﴾ الآية (١) أو يكون اتقاء الشبهات عاما في الأفعال والاعتقادات والعبادات، كعدم تفسير المتشابه مثلا، ورده إلى المحكم خوفا من الدخول في شبهة من فسر القرآن برأيه الوارد النهي (٢) عنه، والتوقف عن الخوض في الصفات ونحوها مما يتعلق بأفعال المكلفين (٣) من القدر والإرادات والحكم فيها، هل هي مخلوقة للخالق، أو محدثة من المخلوق؟ وغيرها من سائر ما ذكره المتكلمون من أهل هذه المقالات، وكعدم

стр. 1692

سجود التلاوة في الصلاة، حيث يقول مثلا الشافعي: "سجد النبي ﵌ للتلاوة في صلاة الفجر" (١). فيقول المخالف له: زيادة على القطعي، وهي لا

стр. 1693

تقبل إلا بدليل قطعي كحكم النقصان مع المقطوع به، فإنه لم ينقص عنه إلا بدليل قطعي، كقوله تعالى: ﴿فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة﴾ (١). فهل هذا الذي يقول بعدمه ممن اتقى الشبهة أم لا؟ وهل يدخل في ذلك المقلد بتقليد إمامه، لأنه مثلا قد اتقى الشبهة بسنية السجود أو عدمه؟ أم هو باق فيمن لم يتق هذه الشبهة؟ وهل يجوز مثلا مع تضييق الحادثة كتركة رجل لا تكفي (٢) إلا دينه أو تكفينه؟ فماذا يصنع مثلا من لم يرجح تقديم الكفن على الدين، كونه كالمستثنى له من حال حياته؟ أو تقديم قضاء الدين على الكفن بتقديم الدليل العقلي على قول من يقول به، لأنه لا تضرر من الميت في تلك الحال، بخلاف صاحب الدين فالتضرر [٣] معه حاصل، فكيف يجوز اتقاء الشبهة مع تضييق الحادثة! والاتقاء يؤدي إلى حرمان الميت وأهل الدين جميعا، وكلو خشي فوت الجماعة، وحصل له مدافعة الأخبثين، أو الريح، وكاستعمال الماء مع

стр. 1694

خروج الوقت، أو التيمم وإدراك الصلاة في الوقت؟ فنقول لا يبرأ عن الشبهة إلا من صلى صلاتين: واحدة بالتيمم، والأخرى بعد خروج الوقت بالوضوء، كقول المرتضى أو الناصر: وكامرأة خطبها معيب بما يفسخ به عالم ورع، وصحيح جاهل فاسق، فنقول بترك الكل أم يكون الخروج من الشبهة بتزويج المعيب أو الصحيح الموصوفين، بما ذكر؟ فهذه أطراف ذكرتها لكم على جهة التنبيه، وكيف يكون الحكم فيما هذا حاله؟ وما هو المشتبه فيها وما لا؟ ومثل المسألة التي نحن بصددها في الحدود المحدودة بين القبائل، وشجار الزكوات والحرفة والمعاش. هل يكون الإجمال في ذلك والوصف للواقع من دون جزم بأن هذا الوجه الشرعي اتقاء للحرام أو الشبهة؟ أم يكون الإجمال في ذلك ليس اتقاء (١)؟ فأفضلوا بالإفادة في ذلك، ومن أفضالكم إذا ثم بحث في ذلك غير ما أشكل على المسترشد أفضلتم بإدخاله في الجواب، فليس المراد إلا طلب الفائدة ... انتهى.

стр. 1695

[الجواب] وأقول: الجواب بمعونة الملك الوهاب يشتمل على أبحاث: الأول: لفظ الحديث في الصحيحين وغيرهما عن النعمان بن بشير أن النبي ﵌ قال: "الحلال بين، والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهة، فمن ترك ما يشتبه عليه من الإثم كان لما استبان أترك، ومن اجترأ على ما شك فيه من الإثم أو شك أن يواقع ما استبان، والمعاصي حمى الله تعالى، من يرتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه [٤] " يواقعه. وفي لفظ للبخاري (١) "لا يعلمها كثير من الناس"، وفي لفظ للترمذي (٢) "لا يدري كثير من الناس أمن الحلال هي أم من الحرام". وفي لفظ لابن حبان (٣) "اجعلوا بينكم وبين الحرام سترة من الحلال، من فعل ذلك استبرأ لعرضه ودينه". وللحديث ألفاظ كثيرة، ولم يثبت في الصحيح إلا من حديث النعمان بن بشير فقط، وقد ثبت في غير الصحيح من حديث عمار (٤)، وابن عمر (٥) عند الطبراني في

стр. 1696

الأوسط. ومن حديث ابن عباس عنده في الكبير (١)، ومن حديث واثلة عند الأصفهاني في الترغيب (٢)، وفي أسانيدها مقال. وقد ادعى أبو عمرو الداني (٣) أن هذا الحديث لم يروه عن النبي ﵌ غير النعمان بن بشير، وهو مردود (٤) بما

стр. 1697

تقدم ... ولعله يريد أنه لم يثبت في الصحيح إلا من طريقه كما سلف. البحث الثاني: في ذكر كلام أهل العلم في تفسير الشبهات (١)، وبيان ما هو الراجح لدى المجيب - غفر الله له -. فقيل: إنها ما تعارضت فيه الأدلة وقيل: إنها ما اختلف فيه العلماء، وقيل: المراد بها قسم المكروه، لأنه يجتذبه جانبا الفعل والترك، وقيل: هي المباح. ويؤيد الأول والثاني ما وقع في رواية للبخاري (٢) بلفظ: "لا يعلمها كثير من الناس". وفي رواية للترمذي (٣) "لا يدري كثير من الناس أمن الحلال هي أم من الحرام". ومفهوم قوله: "كثيرا" أن معرفة حكمها ممكن، لكن للقليل من الناس، وهم المجتهدون؛ فالشبهات على هذا في حق غيرهم. وقد يقع لهم حيث لا يظهر لهم ترجيح أحد الدليلين. ويؤيد الثالث والرابع ما وقع في رواية لابن حبان (٤) بلفظ: "اجعلوا بينكم وبين الحرام سترة من الحلال، من فعل استبرأ لعرضه ودينه". فعلى هذين قد تضمن الحديث [٥] تقسيم الأحكام إلى ثلاثة أشياء (٥)، وهو تقسيم صحيح، لأن الشيء إما أن ينص الشارع على طلبه مع الوعيد على تركه، أو ينص على تركه مع الوعيد على فعله، أو لا ينص على واحد منهما. فالأول: الحلال البين. والثاني الحرام البين. والثالث: المشتبه لخفائه، فلا يدرى أحلال هو أم حرام؟. وما كان هذا سبيله ينبغي اجتنابه، لأنه إن كان في نفس الأمر حراما فقد برئ من

стр. 1698

التبعة، وإن كان حلالا فقد استحق الأجر على الترك بهذا القصد (١).

стр. 1699

ونقل ابن المنير (١) عن بعض .......................................

стр. 1700

مشايخه (١). أنه كان يقول: المكروه عقبة بين العبد والحرام، فمن استكثر من المكروه تطرق إلى الحرام. والمباح عقبة بينه و [بين] المكروه، فمن استكثر منه تطرق إلى المكروه. قال الحافظ ابن حجر في الفتح (٢) "والذي يظهر لي رجحان الأول - يعني أن المشتبهات هي ما تعارضت فيه الأدلة - ثم قال: ولا يبعد أن يكون كل من الأوجه مرادا، ويختلف ذلك باختلاف الناس: فالعالم الفطن لا يخفى عليه تمييز الحكم، فلا يقع له ذلك إلا في الاستكثار من المباح أو المكروه، ومن دونه تقع له الشبهة في جميع ما ذكر بحسب اختلاف الأحوال، ولا يخفى أن المستكثر من المكروه يصير فيه جرأة على ارتكاب المنهي عنه بالجملة، أو يحمله اعتياده لارتكاب المنهي غير المحرم على ارتكاب المنهي المحرم، أو يكون ذلك لستر فيه، وهو أن من تعاطى ما نهي عنه يصير مظلم القلب

стр. 1701

لفقدان نور الورع، فيقع في الحرام، ولو لم يختر الوقوع فيه، ولهذا قال ﵌: "فمن ترك ما يشتبه عليه من الإثم" إلى آخر الحديث. انتهى ما ذكره الحافظ في الفتح (١). ولا يخفى عليك أن تفسير المشتبهات بكل واحد من التفسيرين الأولين صحيح، لأنه يصدق على كل واحد [٦] منهما أنه مشتبه، وبيانه: أن ما تعارضت فيه الأدلة، ولم يتميز للناظر فيها الراجح من المرجوح، لا يصح أن يقال هو من الحلال البين، ولا من الحرام البين، لأن الأمر الذي تعارضت أدلته، وخفي راجحه من مرجوحه لم يتبين أمره بلا ريب؛ إذ المتبين هو ما لم يبق فيه إشكال، وما تعارضت أدلته فيه أعظم الإشكال، وهكذا ما اختلف فيه العلماء، لكن بالنسبة إلى المقلد، لأنه لا يعرف الحق والباطل، ويميز بينهما إلا بواسطة أقوال أهل العلم الذين يأخذ عنهم ويقلدهم، وليست له من الملكة العلمية ما يقتدر به على الوصول إلى دلائل المسائل، ومعرفة العالي منها والسافل. فإذا اختلف عالمان في شيء، فقال أحدهما: إنه حلال. وقال الآخر: إنه حرام، وكان كل واحد منهما بمحل من العلم يساوي الآخر في اعتقاد المقلد، فلا شك ولا ريب أن هذا الشيء الذي اختلف فيه هذان العالمان، فقال أحدهما: حلال، وقال الآخر: حرام؛ لا يصح أن يقال هو من الحلال البين، ولا من الحرام البين بالنسبة إلى ذلك المقلد. وكل شيء لا يصح أن يكون أحد هذين الأمرين لا ريب أنه من المشتبهات. فإن قلت: فماذا يصنع هذا المقلد عند هذا الاختلاف؟ إن قلت يتورع ويقف عند هذه الشبهة استلزم ذلك أن يترك أكثر الأحكام الشرعية، بل جميعها إلا القليل النادر؛ إذ أكثر المسائل الشرعية قد وقع الاختلاف فيها بين أهل العلم، فهذا يثبت هذا الحكم، وهذا ينفيه، وهذا يحلله، وهذا يحرمه؟. قلت: ليس المراد بالوقوف عند الشبهات أن يترك القولين جميعا، بل المراد الأخذ بما

стр. 1702

لا يعد حرجا عند القائلين كليهما. مثلا لو قال أحدهما: لحم الخيل (١) أو الضبع (٢)

стр. 1703

حلال، وقال [٧] الآخر: لحم الخيل أو الضبع حرام، أو قال أحدهما: شراب النبيذ أو المثلث (١) حلال، وقال الآخر: حرام، أو قال أحدهما: بيع النساء حلال، وقال الآخر: حرام، ونحو ذلك من الأحكام. فالوقف الذي هو من شأن أهل الإيمان أن يترك المقلد أكل لحم الخيل، ولحم الضبع، وشرب النبيذ والمثلث، ولا يعامل ببيع النساء، فهذا الوقف مسلك يرضى به كل واحد من العالمين المختلفين (٢).

стр. 1704

أما القائل بالتحريم فظاهر. وأما القائل بالحل فإنه لا يقول يجب على الإنسان أن يأكل لحم الخيل، أو لحم الضبع، أو شرب النبيذ، أو المثلث، أو يعامل ببيع النساء. بل غاية ما يقول به أن ذلك حلال يجوز فعله، ويجوز تركه. فالتارك عند كل من القائلين مصيب، إنما يختلف الحال عندهما أن القائل بالتحريم يقول: يثاب التارك ثواب من ترك الحرام، والقائل بالتحليل لا يقول بالإثابة في الترك، لأنه فعل أحد الجائزين. وكما أن الوقوف المحمود للمقلد هو ما ذكرناه؛ كذلك الوقوف للعالم المجتهد عند تعارض الأدلة هو أنه يترك ما فيه البأس إلى ما لا بأس به (١). مثلا إذا تعارضت عنده أدلة تحليل لحم الخيل والضبع والتحريم، وأدلة تحليل شرب النبيذ والمثلث وبيع النسا (٢)، والتحريم، ولم يهتد إلى الترجيح، ولا إلى الجمع بين الأدلة، فالورع المحمود هو الوقف الذي أرشد إليه المصطفى ﵌، وهو أن لا يأكل لحم الخيل والضبع، ولا يشرب النبيذ والمثلث، ولا يعامل ببيع النساء، ولا يفتي بحل شيء من ذلك. ولا ريب أنه إذا وفد إلى عرصات القيامة، ووقف بين يدي الرب - سبحانه - وجد صحايف سيئاته خالية عن ذكر هذه الأمور؛ لأن تركها ليس بذنب؛ فإن الله - سبحانه - لا يحاسب أحدا من عباده على ترك مثل هذه الأمور، بل ربما وجد ما وقع منه من الكف للنفس عن هذه الأمور [٨] المشتبهة في صحايف حسناته، لأنه قد وقف عندما أمر

стр. 1705

بالوقوف عنده، واستبرأ لعرضه ودينه، والله - سبحانه - لا يضيع ترك تارك كما لا يضيع عمل عامل: ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره﴾ (١). وكما أن الورع قد يكون في الترك (٢) فقد يكون في الفعل مثلا: لو تعارضت عند

стр. 1706

العالم الأدلة القاضية بوجوب الغسل يوم الجمعة، والأدلة القاضية بعدم الوجوب، فإن الورع والوقوف عن المشتبهات هو أن يغتسل، لأن ................

стр. 1707

الأدلة (١) القاضية بعدم الوجوب ليس فيها المنع من الغسل، بل فيها الترغيب إليه، كحديث: "من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل" (٢). وهكذا المقلد إذا سمع أحد العالمين يقول بوجوب الغسل، والآخر يقول لا يجب. فالورع والوقوف عند المشتبه هو أن يغتسل، لأن القائل بعدم الوجوب لا يقول بعدم الجواز، بل يقول بأن الغسل مسنون أو مندوب (٣).

стр. 1708

والضابط لذلك بالنسبة إلى المجتهد أن الدليلين المتعارضين إذا كان أحدهما يدل على التحريم أو الكراهة، والآخر يدل على الجواز فالورع الترك، وإن كان أحدهما يدل على الوجوب أو الندب، والآخر يدل على الإباحة. فالورع الفعل، وأما إذا كان أحدهما يدل على التحريم أو الكراهية، والآخر يدل على الوجوب أو الندب فهذا هو المقام الضنك، والموطن الصعب. ومثاله ما ورد من النهي عن الصلاة في أوقات الكراهة (١) وما ورد من الأمر بصلاة التحية (٢)، والنهي عن تركها. فإن الظاهر النهي عن الصلاة يعم صلاة التحية وغيرها، وظاهر الأمر بها يعم، والنهي عن تركها عند دخول المسجد يعم الأوقات المكروهة وغيرها. فبين الدليلين عموم وخصوص من وجه، وليس أحدهما [٩] بالتخصيص أولى من الآخر في مادة الاجتماع، لأن كل واحد منهما صحيح مشتمل على النهي، ولم يبق إلا الترجيح بدليل خارج عنهما، ولم يوجد فيما أعلم دليل خارج عنهما يستفاد منه ترجيح أحدهما على الآخر. وقد قال قائل: إن الترك أرجح، لأنه وقع الأمر بالصلاة، والأوامر مقيدة

стр. 1709

بالاستطاعة: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ (١)، "وإذا أمرتم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" (٢) وأقول: إنما يتم هذا لو كان الوارد في صلاة التحية ليس إلا مجرد الأمر بها عند دخول المسجد فقط، وليس الأمر كذلك، بل قد ورد النهي عن الترك في الصحيح بلفظ: "فلا يجلس حتى يصلي ركعتين" إذا عرفت هذا فظاهر حديث الأمر بصلاة التحية أنها واجبة، وظاهر حديث النهي عن تركها أن الترك حرام، وظاهر حديث النهي عن الصلاة في الأوقات المكروهة كبعد صلاة العصر، وبعد صلاة الفجر أن فعلها حرام، فقد تعارض عند العالم العارف بكيفية الاستدلال دليلان: أحدهما يدل على تحريم الفعل، والآخر يدل على تحريم الترك، فلا يكون الورع والوقوف عند المشتبه إلا بترك دخول المسجد في تلك الأوقات، فإن ألجت الحاجة إلى الدخول فلا يقعد، وهذا على فرض أنه لا يوجد عند العالم ما يدل على عدم وجوب صلاة التحية (٣)، وعلى أن الأمر فيها للندب، والنهي عن الترك للكراهة، أما إذا وجد عنده دليل ...................

стр. 1710

كحديث ضمام بن ثعلبة (١) حيث قال له ﵌ لما قال: هل علي غيرها؟ قال: "لا إلا أن تطوع" ونحوه، فلا يصلح ما ذكرناه للمثال. وقد حررت في ذلك رسالة مستقلة، وأبحاثا مطولة في شرحي [١٠] للمنتقى (٢)، وفي "طيب النشر في جوابي على المسائل العشر" (٣)، وغير ذلك، وليس المقصود هاهنا إلا مجرد المثال لما نحن بصدده. وكما أن الورع للعالم في تعارض الأدلة على صفة التي قدمنا هو ما ذكرناه، كذلك الورع للمقلد إذا اختلف عالمان فقال أحدهما: هذا الشيء يحرم تركه، وقال الآخر: يحرم فعله، أو قال أحدهما يكره فعله، وقال الآخر: يكره تركه، فالورع له أن يفعل مثل ما ذكرناه في صلاة التحية. وإذا قد فرغنا من بيان كون التفسير الأول والثاني - أعني ما تعارضت أدلته، وما اختلف فيه العلماء - كلاهما من المشتبهات، وإن اختلف الحال فإن الأول منهما مشتبه باعتبار المجتهد. والثاني: مشتبه باعتبار المقلد، فلنبين: هل التفسير الثالث والرابع - أعني المباح والمكروه - من المشتبهات أم لا؟. اعلم أنا قد قررنا أن الحلال البين هو ما وقع النص على تحليله، والحرام البين هو ما

стр. 1711

وقع النص على تحريمه، ولا ريب أن المباح إن وقع النص من الشارع على كونه مباحا أو حلالا فهو من الحلال البين، وهكذا إن سكت عنه ولم يخالف دليل العقل، ولا شرع (١) من قبلنا فهو أيضًا من الحلال البين، لأنه ﵌ قد أخبرنا أن ما سكت عنه فهو (٢) عفو، فمثل ما ذكرناه من المباح إذا لم يكن فعله ذريعة للوقوع في الحرام لا شك أنه لا يصح إدراجه في المشتبهات، ولا تفسيرها به بل من المباح قسم يصح أن يكون من جملة ما تفسر به الشبهات المذكورة في الحديث، وهو ما كانت العادة تقتضي أن الاستكثار منه يكون [١١] ذريعة إلى الحرام ولو نادرا، وذلك كالاستمتاع من الزوجة بما عدا القبل والدبر، فإن الشارع قد أباحه، ولكنه ربما تدرج به بعض من لا يملك نفسه إلى الحرام، وهو الوقوع في القبل والدبر. ولهذا تقول أم المؤمنين عائشة: وأيكم (٣) يملك إربه كما كان رسول الله ﵌ يملك إربه! فإن هذا النوع المباح وما شابهه وإن كان حكمه معلوما من الشريعة وأنه من الحلال البين، ولكنه يدخل تحت قوله ﵌ في الحديث المذكور: "والمعاصي حمى الله من يرتع حول الحمى يوشك أن يواقعه" (٤)، وقوله ﵌: "اجعلوا بينكم وبين الحرام سترة من الحلال، من فعل استبرأ لعرضه ودينه".

стр. 1712

فهذا الدليل يدل على أن ما كان من المباحات ذريعة إلى الحرام ولو نادرا فالورع الوقوف عنده وتركه. ولهذا قال بعض السلف (١): إن الورع ترك ما لا بأس به حذرا مما به البأس. وقد كان السلف الصالح يأخذون من ذلك بأوفر نصيب حتى كان كثير منهم تمر عليه السنون الكثيرة فلا يرى مبتسما. ومن هذا الجنس ما حكاه صاحب (٢) النبلاء (٣) عن محمد بن سيرين ﵀ أنه اشترى زيتا ليتجر بأربعين ألف درهم، فوجد في زق منه فأرة فظن أنها وقعت في المعصرة فأراق الزيت كله، ولم ينتفع بشيء منه. وروي عنه أيضًا أنه اشترى شيئا فأشرف فيه على ربح ثمانين ألف درهم فعرض في قلبه شيء فتركه. قال هشام ما هو والله بربا. ومثله ما يروى عن بعض الأئمة من أهل البيت ﵃ أنه كان له دجاج فمر بهن حب لبيت المال فانتشر منه شيء يسير فتسابقت إليه الدجاج فأكلت منه حبات فأخرجها [١٢]﵁ عن ملكه وجعلها لبيت المال، وهذا الإمام هو المؤيد بالله (٤) أحمد بن الحسين بن هارون - رحمه الله تعالى - ويروى عنه أيضًا أنه كان ينظر في بعض الأمور المتعلقة ببيت المال في ضوء الشمعة، فجاءت امرأته في تلك الحال فأطفأ الشمعة فظنت المرأة أنه كره النظر إليها فأخبرها أن الشمعة لبيت المال، وأنه ينظر بضوئها ما كان من الأشغال يختص ببيت المال، ولا يجوز له أن ينظر بها إلى وجه امرأته. وكذلك روي عنه أنه كان يكتب الأمور المتعلقة ببيت المال في دروج ويغرم لبيت المال ما تبقى من البياض بين السطور يقدره ويسلم قيمته.

стр. 1713

ويحكى عن النووي (١) - رحمه الله تعالى - أنه كان لا يأكل من ثمرات دمشق، فقيل له في ذلك فقال: إنها كانت في الأيام القديمة بأيدي جماعة من الظلمة، ولا يدري كيف كان دخولها إليهم وخروجها عنهم، أو نحو هذه العبارة. وبالجملة فالسلف قد كان لهم في الورع مسالك يعجز عن سلوكها الخلف. وقد أرشد الشارع إلى ذلك فقال: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك". أخرجه الترمذي (٢)، والحاكم (٣)، وابن حبان (٤)، من حديث الحسن السبط ﵃، وصححوه جميعا. وحديث: "استفت قلبك وإن أفتاك المفتون" أخرجه أحمد (٥)، وأبو يعلى (٦)، والطبراني (٧)، وأبو نعيم (٨) من حديث وابصة مرفوعا.

стр. 1714

وفي الباب عن واثلة (١)، والنواس وغيرهما .. وحديث: "ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد عما عند الناس يحبك الناس" أخرجه ابن ماجه (٢)، والحاكم (٣) وصححه من حديث سهل بن سعد مرفوعا، وأخرجه أبو (٤) نعيم من حديث أنس، ورجاله ثقات. ومن ذلك حديث: "الإثم ما حاك في صدرك، وكرهت أن يطلع عليه الناس" (٥) وهو معروف، ولو لم يرد إلا حديث الشبهات المسئول عنه فإنه قد شمل ما لا يحتاج معه إلى

стр. 1715

غيره في هذا الباب .. ولهذا عظم العلماء (١) [١٣] أمر هذا الحديث فعدوه رابع أربعة تدور عليها الأحكام كما نقل عن أبي داود (٢) وغيره. وقد جمعها من قال (٣) شعرا:

стр. 1716

عمدة الدين عندنا كلمات ... مسندات من قول خير البرية اترك الشبهات وازهد ودع ... ما ليس يعنيك واعملن بنيه والإشارة بقوله "ازهد" إلى الحديث المذكور قريبا. وكذلك قوله "ودع ما ليس يعنيك". أراد به الحديث المشهور بلفظ: "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه" (١)، وأشار بقوله: "واعملن بنية" إلى حديث: "إنما الأعمال بالنيات" (٢). والمشهور عن أبي داود أنه عد حديث "ما نهيتكم عنه فاجتنبوه" (٣) مكان حديث "ازهد" المذكور. وعد حديث الشبهات بعضهم ثالث ثلاثة وحذف الثاني. وأشار ابن العربي إلى أنه يمكن أن ينتزع من الحديث الذي نحن بصدد الكلام عليه جميع الأحكام. قال القرطبي (٤) لأنه اشتمل على التفصيل بين الحلال وغيره، وعلى تعلق جميع الأعمال بالقلب، فمن هنا يمكن أن ترد جميع الأحكام إليه. فعرفت بما أسلفنا أن الورع الذي يعد الوقوف عنده زهدا واتقاء للشبهة ليس هو ترك جميع المباحات، لأنها من الحلال المطلق، بل ترك ما كان منها مدخلا للحرام،

стр. 1717

ومدرجا للآثام كالصور التي قدمناها، وما يشابهها، لا ما كان، ليس كذلك فلا وجه لجعله شبهة، وأما المكروه فجميعه شبهة، لأنه لم يأت عن الشارع أنه الحلال البين، ولا أنه الحرام البين بل هو واسطة بينهما وهو أحق شيء بإجراء اسم الشبهات عليه. والمجتهد يعرفه بالأدلة كالنهي الذي ورد ما يصرفه عن معناه الحقيقي إلى معناه المجازي، وكذلك ما تركه ﵌ وأظهر تركه، ولم يبين أنه حلال ولا حرام. ويدخل تحت هذا [١٤] كثير من الأقسام. ومن جملة ما يصلح لتفسير الشبهات، ما لم يتبين أنه مباح بل حصل الشك فيه، لا لتعارض الأدلة، ولا لاختلاف أقوال العلماء، بل لمجرد التردد، هل سكت عنه ﵌ أو بينه؟. ومن جملة ما يصلح لتفسير الشبهات، ما ورد في النهي عنه حديث ضعيف (١) لم يبلغ إلى درجة الاعتبار، ولا ظهر فيه الوضع (٢)، وإنما كان من جملة الشبهات، لأن العلة التي

стр. 1718

ضعف بها لا توجب الحكم عليه أنه ليس من الشريعة، فإن العلة إن كانت مثلا ضعف الحفظ، أو الإرسال، أو الإعضال، أو نحو ذلك من العلل الخفية، فضعيف الحفظ لا يمتنع أن يحفظ في بعض الأحوال (١) ...................................

стр. 1719

والمرسل (١) أو المعضل (٢) قد يكون صحيحا. وكذلك ما كان فيه التدليس (٣) ونحوه،

стр. 1720

ومثل ذلك أحاديث أهل البدع، فهذا القسم والذي قبله وإن لم أقف على من يقول أنهما من جملة الشبهات فهما عندي من أعظمها، لأن أقل أحوال الحديث الضعيف لعلة من تلك العلل أن يكون مشكوكا فيه، ومثله الشك في الإباحة. وقد ثبت في الحديث الذي نحن بصدد الكلام عليه أنه قال ﵌: "ومن اجترأ على ما شك فيه من الإثم، أو شك أن يواقع ما استبان" (١). فالحاصل أن المشتبهات التي قال فيها ﵌: "والمؤمنون وقافون عند الشبهات" هي أقسام: الأول: ما تعارضت أدلته ولم يظهر الجمع ولا الترجيح، وهذا بالنسبة إلى المجتهد. القسم الثاني: ما اختلف فيه العلماء على وجه يوقع الشك في قلب المقلد، لا ما كان قد اتفق عليه جمهور أهل العلم، وشذ فيه المخالف على وجه لا يكون لخلافه تأثير في اعتقاد المقلد، وهذا القسم إنما يكون في المقلد كما سبق. القسم الثالث: بعض المباح، وهو ما يكون في بعض الأحوال ذريعة إلى الحرام، أو وسيلة إلى [١٥] ترك الواجب، أو مجاوزا لواحد منهما على وجه يكون الإكثار منه مفضيا إلى فعل الحرام، أو ترك الواجب ولو نادرا. وهذا يكون من الشبهات للمقلد والمجتهد، لكن المجتهد يعرف كونه مباحا، ووسيلة إلى فعل محرم أو ترك واجب بالدليل، والمقلد يعرف ذلك بأقوال العلماء.
следующие страницы →